سنة تسع وعشرين
فيها افتتح عبد الله بن عامر بن كريز مدينة إصطخر [١] عنوة بعد قتال عظيم.
وعزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وعثمان بن أبي العاص عن فارس، وجمعهما [٢] لعبد الله بن عامر، وهو ابن خال عثمان، وأمّره، وهو ابن أربع وعشرين سنة، فافتتح فارس، وخراسان [٣] جميعا في سنة ثلاثين، وروي أنه لما ولد أتي به النبيّ ﷺ فتفل في فيه فبلعه، فقال له النبيّ
стр. 177
صلى الله عليه وسلم: «إنّك لمسقى» [١] فكان لا يعالج أرضا إلّا ظهر له ماؤها، وهو الذي عمل الساقيات [٢] بعرفة، وشق نهر البصرة، وكان من الأجواد، وهو مجهول الوفاة.
стр. 178
سنة ثلاثين
فيها توفّي حاطب بن أبي بلتعة صاحب القصّة في غزوة الفتح، نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ٦٠: ١ [الممتحنة: ١] الآية، وهو الرسول إلى المقوقس، ولما قال له المقوقس: إن كان رسولا فما له لم يدع على قومه حين كذّبوه وأخرجوه، قال له حاطب:
فعيسى بن مريم أخذه قومه ليقتلوه ويصلبوه، فما له لم يدع عليهم، فقال له:
أحسنت، أنت حكيم [جاء] [١] من عند حكيم، فأهدى للنبيّ ﷺ مارية [٢] ، وبعث معها طرفا وهدايا جميلة [٣] .
وفيها افتتح عبد الله بن عامر [٤] سجستان [٥] ، مع فارس، وخراسان،
стр. 179
وهرب كسرى.
واعتمر عبد الله بن عامر.
واستخلف الأحنف بن قيس على خراسان، فاجتمعوا جمعا لم يسمع بمثلهم، فهزمهم الأحنف، وكثرت الفتوحات [١] في هذا العام، والخراج، فاتخذ عثمان الخزائن، وكان يأمر للرجل بمائة ألف.
стр. 180
سنة إحدى وثلاثين
فيها توفّي أبو سفيان بن حرب، والد معاوية ﵄، وهو أموي، وقيل: توفي سنة ثلاث وثلاثين [١] .
وفي «صحيح مسلم» أنه قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهنّ [٢] قال: «نعم» فسأله تزويج أم حبيبة ابنته، وأن يجعل معاوية كاتبه، وأن يؤمّره [٣] فيقاتل الكفّار كما قاتل المسلمين، قال ابن عباس [٤] : لولا أنه طلب ذلك من رسول الله ﷺ لم يعطه، لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال: نعم [٥] .
стр. 181
وتزوّج النبيّ ﷺ لأم حبيبة قد كان تقرّر قبل ذلك وهو [١] مشرك، وكان الوليّ غيره، وإنما قال له: نعم تطييبا لقلبه، أو أنّ مرادك قد حصل، وإن لم يكن حقيقة عقد، وذهبت عينا أبي سفيان في الجهاد، إحداهما يوم الطائف، والثانية يوم اليرموك، وكان يومئذ تحت راية ولده يزيد، ومات وهو ابن ثمان وثمانين سنة، أو تسعين سنة، وصلى عليه معاوية، وقيل: عثمان، ودفن بالبقيع.
وفيها مات الحكم بن أبي العاص [٢] عمّ عثمان ﵁، ووالد مروان، كان النبيّ ﷺ قد طرده إلى الطائف، وبقي طريدا إلى زمن عثمان، فردّه إلى المدينة، واعتذر بأنّه قد كان شفع فيه إلى النبيّ ﷺ فوعده بردّه، وهو مؤتمن على ما قال، وهو أحد الأسباب التي نقموا بها على عثمان ﵁.
стр. 182
سنة اثنتين وثلاثين
فيها توفي العبّاس بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ ، وأبو الخلفاء العباسيين، حسن بلاؤه يوم حنين [١] ، وكان رسول الله ﷺ يكرمه ويبجّله [٢] ، وكذلك الخلفاء الراشدون [٣] من بعده، وكان صيّتا ينادي غلمانه من سلع [٤] وهم بالغابة فيسمعونه، وذلك على ثمانية أميال، وكان موته أول رمضان عن ست وثمانين سنة، وصلّى عليه عثمان ﵁.
وفيها عبد الرحمن بن عوف الزهريّ أحد العشرة من السابقين الأوّلين، تصدّق مرة بأربعين ألفا، وبقافلة جاءت من الشام كما هي، وفضائله كثيرة، وهو من المقطوع لهم بالجنة، وما يذكر أنه يدخل الجنة حبوا لغناه فلا أصل
стр. 183
له، ويا ليت شعري إذا كان هذا يدخلها حبوا ويتأخّر دخوله لأجل غناه، فمن يدخلها سابقا مستقيما.
وفي خلافة عثمان ﵁ قتل عبيد [١] الله بن معمر التيمي عن أربعين سنة برستاق [٢] من رساتيق إصطخر [٢] ، وكان أحد الأجواد، اشترى جارية تسمى الكاملة بعشرين ألف دينار، وكانت لفتى قد أدّبها أحسن الأدب، فأملق، فباعها وهو مغرم بها، فأنشدت أبياتا فيها:
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فرقّ لها عبيد الله وردّها عليه وثمنها.
وفيها توفي عبد الله بن مسعود الهذليّ، وهو أحد القرّاء الأربعة، ومن أهل السوابق في الإسلام، ومن علماء الصحابة ﵃ أجمعين، هاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة [٣] ، وسبب إسلامه أنه مرّ عليه النبيّ ﷺ وهو يرعى غنما بمكة لعقبة بن أبي معيط، فأخذ النبيّ ﷺ [منها] [٤] شاة حائلا وحلبها، فشرب، وسقى أبا بكر، فقال له ابن مسعود: علّمني من هذا القول، فمسح رأسه وقال: «إنك غليّم [٥] معلّم» [٦] .
стр. 184
ومن كلامه ﵁: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحبّ القرآن فهو يحبّ الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله.
وقال ﵁: الذّكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقل، والغناء [١] ينبت النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل.
مات عن نيف وستين سنة، ودفن بالبقيع.
وفيها أبو الدرداء [٢] الخزرجيّ الزاهد الحكيم، أسلم بعد بدر، وولي قضاء دمشق لمعاوية في خلافة عثمان، وقالت له زوجته: ما عندنا نفقة، فقال لها: إن بين أيدينا عقبة لا يجوزها إلا المخفّون.
وفيها أبو ذرّ جندب بن جنادة الغفاريّ، صادق الإسلام واللسان، قال رسول الله ﷺ : «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر» [٣] .
стр. 185
وقصة إسلامه في «الصحيح» مشهورة [١] .
وفيها عبد الله بن زيد [٢] بن عبد ربه الأنصاري، الذي أري الأذان [٣] ، وكان بدريا.
стр. 186
سنة ثلاث وثلاثين
فيها توفي المقداد بن الأسود في أرضه بالجرف [١] ، وحمل إلى المدينة، وشهد بدرا، وقوله يومئذ مشهور مذكور، وشجاعته معلومة، وبالاتفاق أنه كان يوم بدر فارسا، واختلف في الزّبير، ومرثد الغنوي [٢] .
وفيها غزا عبد الله بن سعد [٣] بن أبي سرح الحبشة [٤] [٥] .
стр. 187
سنة أربع وثلاثين
فيها أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، ورضوا بأبي موسى الأشعري، وكتبوا فيه إلى عثمان، فأقرّه عليهم، ثم ردّ عليهم سعيدا، فخرجوا إليه ومنعوه من الدخول، وهو اليوم المذكور في «صحيح مسلم» المسمّى بيوم الجرعة [١] [٢] .
стр. 188
سنة خمس وثلاثين
فيها مات أبو طلحة [١] الأنصاري النقيب عن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان، شهد بدرا وما بعدها، وهو من أهل السوابق في الإسلام، وهو المتصدق بأحب أمواله إليه بيرحى.
قال في «القاموس» : وبيرحى كفيعلى موضع بالمدينة [٢] .
وفيها مات النقيب الآخر عبادة بن الصامت، شهد بدرا وما بعدها، ووجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلّما، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها، وقيل: بالرملة، ودفن ببيت المقدس [٣] .
стр. 189
وفيها توفي عالم الكتاب، به وبالآثار، كعب الأحبار [١] ، أسلم في زمن أبي بكر، وروى عن عمر ﵁.
وفيها توفي عامر بن أبي ربيعة.
وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي [٢] ولّاه رسول الله ﷺ الجند ومخاليفها من بلاد اليمن.
وفي آخرها حاصر المصريون أمير المؤمنين عثمان نحو شهرين وعشرين يوما، ثم اقتحم عليه أراذل من أوباش القبائل فقتلوه، والصحيح أنه لم يتعين قاتله، وكانوا أربعة آلاف، واشتهر عنه أنه قال لأرقائه: من أغمد سيفه فهو حرّ، فأغمدوها إلا واحدا قاتل حتى قتل، وكانوا مائة عبد، وقيل: أربعمائة، وإن عليّا ﵁ أرسل إليه ابنه الحسن، وقال له: إن شئت أتيتك للنصر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: «إن قاتلتهم نصرت عليهم، وإن لم تقاتلهم، أفطرت عندنا الليلة» [٣] وأنا أحب أن أفطر عند رسول الله ﷺ ، وجاءه عبد الله بن سلام لينصره، فقال له: اخرج إليهم، فإنك خارج [٤] خير
стр. 190
لي من داخل، فخرج فقال لهم: أيّها النّاس، إن لله سيفا مغمودا عليكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيّكم، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فتطردوا جيرانكم، ويسلّ سيف الله المغمد، فلا يغمد إلى يوم القيامة، فقالوا: اقتلوا اليهوديّ [١] .
ولا شك أن الدّماء المهراقة عقب قتله، والملاحم بين عليّ ومعاوية عقوبة من الله بقتل عثمان، وانفتح باب الشر من يومئذ.
وقد صحّت الأحاديث بأنّ له الجنة على بلوى تصيبه [٢] ، وأنه [٣] شهيد سعيد [٤] ، وأنه قتلوه يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة، والمصحف بين يديه، فتنضّح الدم على قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٢: ١٣٧ [البقرة: ١٣٧] وعمره يومئذ بضع وثمانون أو تسعون سنة، ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة وأيام، ودفن بالبقيع بموضع يعرف ب حشّ كوكب [٥] ، وكان قد اشتراه ووقفه، زاده في
стр. 191
البقيع، وكان إذا مرّ به، يقول: يدفن فيك رجل صالح.
وقوله: قال لي النبيّ ﷺ : «تفطر عندنا» معناه: أول شيء تستعمله على الرّيق يكون عندنا، لا أنه فطر صائم، إذ لم يكن يومئذ صائما، فإنّ يوم قتله كان ثاني أيام التشريق، ولا يجوز صومه.
وفيه إشارة إلى قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣: ١٦٩ [آل عمران: ١٦٩] وبشارة له بصدق الشهادة.
وفيه يقول حسّان [١] :
ضحّوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا
إلى قوله:
لتسمعنّ وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا [٢]
стр. 192
وله أيضا:
قتلتم وليّ الله في جوف بيته ... وجئتم بأمر جائر غير مهتدي
فلا طهرت أيمان قوم تعاونوا ... على قتل عثمان الرّشيد المسدّد [١]
стр. 193
سنة ست وثلاثين
فيها وقعة الجمل، وتلخيصها، أنه لما قتل عثمان صبرا توجّع المسلمون وأسقط [١] في أيدي جماعة، وعنوا بكيفية المخرج من تقصيرهم فيه، فسار طلحة، والزّبير، وعائشة نحو البصرة، وكانت عائشة قد لقيها الخبر، وهي مقبلة من عمرتها، فرجعت إلى مكة، وطلبوا من عبد الله بن عمر أن يسير معهم فأبى، وقال مروان لطلحة، والزّبير: على أيّكما أسلّم بالإمارة، وأنادي بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزّبير: على أبي، وقال محمد بن طلحة:
على أبي، فكرهت عائشة قوله، وأمرت ابن أختها عبد الله بن الزّبير فصلّى بالناس، ولما علم عليّ كرّم الله وجهه بمخرجهم، اعترضهم من المدينة ليردّهم إلى الطاعة، وينهاهم عن شقّ عصا المسلمين، ففاتوه، فمضى لوجهه، وأرسل ابنه الحسن وعمارا يستنفران أهل المدينة، وأهل الكوفة فخطب عمّار وقال في خطبته: إني لأعلم أنها زوجة نبيّكم في الدّنيا والآخرة، ولكنّ الله ابتلاكم ليعلم أتطيعونه، أم تطيعونها، ولما قدمت عائشة، وطلحة، والزّبير، البصرة، استعانوا بأهلها وبيت مالها، ووصل عليّ خلفهم، واجتمع عليه أهل البصرة والكوفة، فحاول صلحهم واجتماع الكلمة، وسعى
стр. 194
السّاعون بذلك، فثار الأشرار بالتحريش، ورموا بينهم بالنار حتى اشتعلت الحرب، وكان ما كان، وبلغت القتلى يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفا، وقيل: سبعة عشر، وقتل عشرة من أصحاب الجمل، ومن عسكر عليّ ﵁ نحو ألف، وقطع على خطام [١] جمل عائشة سبعون يدا من بني ضبّة [٢] ، وهي في هودجها، ثم أمر عليّ بعقره، وكان رايتهم، فحمي الشرّ، وظهر عليّ، وانتصر، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس، إلى صلاة العصر، لعشر ليال خلون من جمادى الآخرة، ولما ظهر عليّ جاء إلى عائشة، فقال:
غفر الله لك، قالت: ولك، ما أردت إلّا الإصلاح، ثم أنزلها في دار البصرة، وأكرمها واحترمها، وجهّزها إلى المدينة في عشرين أو أربعين امرأة من ذوات الشرف، وجهّز معها أخاها محمدا، وشيّعها هو وأولاده، وودّعها ﵃.
وقتل يومئذ طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، قيل: رماه مروان بن الحكم لحقد كان في قلبه عليه، وكان هو وهو في جيش واحد.
وولده محمد بن طلحة السّجاد، وكان له ألف نخلة يسجد تحتها في كل يوم، ومرّ به عليّ صريعا، فنزل، ونفض التراب عن وجهه، وقال: هذا قتله برّه بأبيه، وتمنى الموت قبل ذلك.
стр. 195
وقتل يومئذ الزّبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة، قتله ابن جرموز [١] غدرا بوادي السّباع [٢] ، وقد فارق الحرب، وودّعها حين ذكّره عليّ قول النبيّ ﷺ : «لتقاتلنّه وأنت ظالم له» [٣] . ولما جاء ابن جرموز إلى عليّ ليبشره بذلك بشّره بالنار.
وروى ابن عبد البرّ عن عليّ كرّم الله وجهه أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا، وعثمان، وطلحة، والزّبير، من أهل هذه الآية وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ ٧: ٤٣ [الأعراف: ٤٣] ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل بفضلهم، وسابقتهم عند الله، وقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يكون لأصحابي من بعدي هنات يغفرها الله بسابقتهم معي، يعمل بها قوم من بعدهم يكبّهم الله في النار على وجوههم» [٤] . وكان الزّبير بن العوام ﵁ شجاعا، مقداما، مقطوعا له
стр. 196
بالجنة، من أيسر الصحابة ﵁ وعنهم، ولو قيل: إنه أيسرهم لما بعد، يؤيد ذلك ما رواه البخاري في «صحيحه» في باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، من كتاب الجهاد، أن عبد الله بن الزّبير ﵄ حسب دين أبيه فكان ألفي ألف ومائتي ألف، وأنه أوصى بالثلث بعد الدّين، وأنه قضى دينه وأخرج ثلث الباقي بعد الدين، وقسم ميراثه، فأصاب كل زوجة من زوجاته الأربع ألف ألف ومائتا ألف، ثم قال البخاري بعد ذلك: فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف انتهى [١] .
وقال ابن الهائم [٢] ﵀: بل الصواب أن جميع ماله بحسب ما [٣] فرض تسعة وخمسون ألف ألف وثمانمائة ألف انتهى.
وصرح ابن بطّال [٤] والقاضي عياض [٥] وغيرهما، بأن ما قاله البخاري غلط في الحساب، وأن الصواب كما قال ابن الهائم، وأجاب الحافظ شرف الدين الدّمياطي [٦] ﵀، بأن قول البخاري ﵀ محمول على أن
стр. 197
جملة المال حين الموت كانت ذلك دون الزائد في أربع سنين إلى حين القسمة. انتهى.
ومناقب الزّبير ومآثره يضيق عنها هذا المختصر ولو [١] لم يكن له إلا مصاهرته للصّدّيق- فإنه كان زوج ابنته أسماء ذات النطاقين [٢] ، ورزق منها عبد الله، وهو أول مولود ولد بالمدينة للمهاجرين، وبه كنى النبيّ ﷺ عائشة على الصحيح- لكفى.
وقتل يومئذ زيد بن صوحان من خواص عليّ من الصلحاء الأتقياء.
وتوفي في تلك السنة حذيفة بن اليمان العبسي صاحب السر المكنون في تمييز المنافقين، ولذلك كان عمر لا يصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة، يخشى أن يكون من المنافقين، وسمّي ابن اليمان لأن جده حالف بني عبد الأشهل وهم من اليمن.
وفيها سلمان الفارسي المشهور بالفضل والصحبة، الذي قال في حقه المصطفى ﷺ : «سلمان منّا أهل البيت» [٣] . وقصته مشهورة في طلب الدّين، وقوله تداولني بضعة عشر ربا حتى اتصلت بالنبيّ ﷺ .
وروي من وجوه أنه اشترى نفسه من مواليه يهود بكذا وكذا وقية، وعلى
стр. 198
أن يغرس لهم كذا وكذا وديّة [١] من النّخل، ويعمل عليها حتى تدرك، فغرسها ﷺ كلها بيده المباركة إلا واحدة غرسها عمر، فأطعم كلّ النّخل من عامه إلا تلك الواحدة فقلعها [٢] ﷺ ثم غرسها فأطعمت، وكان سلمان الفارسي، وأبو الدرداء يأكلان من صحفة [٣] ، فسبّحت الصّحفة، أو سبّح ما فيها.
وفيها أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو من السابقين الأولين.
стр. 199
سنة سبع وثلاثين
فيها وقعة صفين [وهي] [١] صحراء ذات كدى وأكمات، وتلخيص خبرها، أن معاوية ﵁ لما بلغه فراغ عليّ كرم الله وجهه من قصة العراق والجمل ومسيره [٢] إلى الشام، خرج من دمشق حتى ورد صفين في نصف المحرم، فسبق إلى سهولة المنزل، وقرب من الفرات، فلما ورد عليهم علي رجعهم [٣] إلى الطاعة والدخول تحت البيعة، فلم يفعلوا، ثم حرّج عليهم لمنعهم إياه من الماء، فلم يقبلوا، فقاتلهم حتى نحاهم عنها ونزلها، وبنى مسجدا هناك على تلّ ليصلي فيه جماعة، وأقاما بصفين سبعة أشهر، وقيل: تسعة، وقيل: ثلاثة، وكان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا في ثلاثة أيام من أيام البيض [٤] ، وقتل من الفريقين ثلاثة وسبعون ألفا، وآخر أمرهم ليلة الهرير [٥] ، وهو الصوت شبه النياح، فنيت نبالهم، واندقت
стр. 200
رماحهم، وانقصفت سيوفهم، ومشى بعضهم إلى بعض وتضاربوا [١] بما بقي من السيوف وعمد الحديد، فلا تسمع إلا غمغمة، وهمهمة القوم، والحديد في الهام، فلما صارت السيوف كالمناجل تراموا بالحجارة، ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه، وكسفت الشمس من الغبار، وسقطت الألوية والرايات، واقتتلوا من بعد صلاة الصبح إلى نصف الليل، وذلك في شهر ربيع الأول، قاله الإمام أحمد في «تاريخه» ، وقال غيره: في ربيع الآخر، وقيل: في صفر، وكان عدد أصحاب عليّ مائة وعشرين، أو ثلاثين ألفا، وأهل الشام مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفا، وكان في جانب عليّ جماعة من البدريّين وأهل بيعة الرّضوان، ورايات رسول الله ﷺ ، والإجماع منعقد على إمامته وبغي [٢] الطائفة الأخرى، ولا يجوز تكفيرهم كسائر البغاة، واستدل أهل السّنّة والجماعة على ترجيح جانب عليّ بدلائل، أظهرها وأثبتها قوله ﷺ لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية» وهو حديث ثابت [٣] . ولما بلغ معاوية ذلك قال: إنما قتله من أخرجه، فقال عليّ: إذا قتل رسول الله ﷺ حمزة لأنه أخرجه، وهو إلزام لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها، وكان شبهة [٤] معاوية ومن معه، الطلب بدم عثمان، وكان الواجب عليهم شرعا
стр. 201
الدخول في البيعة، ثم الطلب من وجوهه الشرعية وولي الدم في الحقيقة أولاد عثمان، مع أن قتلة عثمان لم يتعيّنوا، وكان ممن توقّف عن القتال سعد ابن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وآخرون.
وممن قتل مع علي عمار بن ياسر ميزان العدل في تلك الحروب، وهو الذي ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، وقتل وقد نيف على [١] السبعين.
وقتل معه أيضا ذو الشهادتين، خزيمة بن ثابت [٢] ، وكان متوقّفا، فلما قتل عمار تبين له الحق، وجرّد سيفه، وقاتل حتى قتل.
وأبو ليلى [٣] والد عبد الرحمن الفقيه.
ومن غير الصحابة عبيد الله بن عمر بن الخطاب، قاتل الهرمزان صاحب تستر [٤] ، حين طعن أبوه عمر اتّهمه، لأن أبا لؤلؤة كان له به تعلّق، وكان على خيل معاوية.
стр. 202
وقتل أيضا حامل راية عليّ هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص المعروف بالمرقال، ويقال: إنه من الصحابة.
وصاحب رجّالة عليّ عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي.
وأبو حسان قيس بن المكشوح [١] المرادي، أحد الأبطال، وأحد من أعان على قتل الأسود العنسي.
قيل: ووجد في قتلى أصحاب عليّ سيد التابعين أويس بن عامر [المرادي] [٢] القرني ذو المناقب الشهيرة، من أمر النبيّ ﷺ عمر وعليا إذا لقياه أن يطلبا منه الدعاء، وهو سيد زهاد زمنه، كان يلتقط ما على المزابل، فإذا نبحه كلب قال له: كل مما يليك، وآكل مما يليني، إن تجاوزت الصراط فأنا خير منك، وإلا فأنت خير مني.
وقتل أيضا صاحب رجّالة معاوية قاضي حمص حابس الطّائي [٣] .
وقتل أيضا أحد أمرائه ذو الكلاع الحميري، وهو الذي خطب النّاس وحرّضهم على القتال.
وقتل معه أيضا أحد الأبطال كريب بن الصّباح الحميري [٤] قتل جماعة مبارزة ثم برز له عليّ فقتله.
وذكر أن عليا واجه معاوية في بعض [تلك] [٥] الزحوف فقال له: ابرز إليّ، فإذا قتل أحدنا صاحبه استراح الناس، فقال له عمرو بن العاص: أنصفك
стр. 203
الرجل، فقال له معاوية: أظنك طمعت فيها- يعني الخلافة- لأنك تعلم أنه قاتل من بارزه، ولما أيقن أهل الشام بالهزيمة أشار عليهم عمرو بن العاص برفع المصاحف على الرماح والدعاء إلى حكم الله، فأجاب عليّ إلى التحكيم، فأنكر عليه بعض جيشه واختلفوا، وخرجت عليه [١] الخوارج وقالوا:
لا حكم إلا لله، وكفّروا عليا ومعاوية، وكان أمر الحكمين في رمضان، وذلك أنه اجتمع من جانب عليّ أبو موسى ومن معه من الوجوه، ومن جانب معاوية عمرو بن العاص ومن معه بدومة الجندل [٢] ، فخلا عمرو بأبي موسى بعد الاتفاق عليهما، وقال له: نخلع عليا ومعاوية، ثم يختار المسلمون من يقع الاتفاق عليه، وكانت الإشارة إلى عبد الله بن عمر، فلما خرجا إلى النّاس قال عمرو لأبي موسى: قم فتكلم أولا، لأنك أفضل وأكثر سابقة، فتكلم أبو موسى بخلعهما، ثم قام عمرو فقال: إن أبا موسى قد خلع عليا كما سمعتم، وقد وافقته على خلعه، ووليت معاوية، وقيل: اتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه فخلع أبو موسى وأثبت الآخر، ثم سار أهل الشام وقد بنوا على هذا الظاهر، ورجع أهل العراق عارفين أن الذي فعله عمرو خديعة لا يعبأ بها [٣] .
стр. 204
وصح عن أبي وائل، عن أبي ميسرة أنه قال: رأيت قبابا في رياض، فقيل: هذه لعمار بن ياسر وأصحابه، فقلت: كيف؟ وقد قتل بعضهم بعضا، فقال: إنهم وجدوا الله واسع المغفرة.
وفي هذه السنة توفي خبّاب بن الأرتّ التميمي، أحد السّابقين البدريّين، وصلّى عليه عليّ بالكوفة، سأله عمر يوما عما لقي من المشركين فقال: لقد أوقدت نار وسحبت عليها، فما أطفأها إلا ودك [١] ظهري، ثم أراه ظهره فقال عمر: ما رأيت كاليوم.
стр. 205
سنة ثمان وثلاثين
في شعبان منها قتلت الخوارج عبد الله بن خبّاب، فأرسل إليهم عليّ ابن عباس، فناظرهم بالتحكيم في إتلاف المحرم الصيد، والتحكيم بين الزوجين، وبغير ذلك كما يأتي قريبا مفصلا، فرجع بعضهم وأصر الأكثر، فسار إليهم عليّ، فكانت وقعة النهروان، وقيل: إنها في العام القابل.
وفي شوال منها توفي صهيب بن سنان الروميّ، أحد السّبّاق الأربعة، وكان فيه دعابة، يقال: إنه كان بأحد عينيه رمد، وكان يأكل مع النبيّ ﷺ رطبا، فأمعن، فقال له [ ﷺ ] ما معناه: «إنه يضر الرّمد» فقال: آكل بالعين السليمة، وفضائله عديدة، وتوفي بالمدينة ﵁، وفيه يقول عمر:
نعم الرّجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه.
معناه لو لم يكن فيه خوف الله لمنعته قوة دينه من معصية الله فكيف وهو خائف.
وفيها توفي سهل بن حنيف الأوسي في الكوفة، شهد بدرا وما بعدها، واستخلفه عليّ على المدينة حين خرج إلى العراق، وولاه فارس، وشهد معه صفّين، وتكلم بكلام عجيب مروي في «البخاري» [١] .
стр. 206
وفيها قتل محمد بن أبي بكر الصّدّيق، وكان عليّ ولّاه على مصر، وكان عليّ قد تزوّج بأمه أسماء بنت عميس، ولما استقرّ في مصر، جهّز معاوية جيشا وأمّر عليهم معاوية بن حديج [١] الكندي، والتقيا [٢] فانهزم عسكر محمد، واختفى هو في بيت امرأة، فدلّت عليه، فقتل وأحرق، وقيل: قتله عمرو بن العاص، أو عمرو بن عثمان.
وفيها مات الأشتر النّخعي، وكان من الشجعان، بعثه عليّ إلى مصر فسمّ في شربة عسل.
стр. 207
سنة تسع وثلاثين
فيها، وقيل: في سنة إحدى وخمسين [١] توفيت أمّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية بسرف [٢] بين مكة ومرّ، وهو الموضع الذي بنى [بها] [٣] النبيّ ﷺ فيه، وذلك سنة تسع، وكان الذي خطبها للنبيّ ﷺ جعفر بن أبي طالب، وجعلت أمرها إلى العباس، وكان زوج أختها.
وفيها تنازع أصحاب عليّ وأصحاب معاوية في إقامة الحج، فأصلح بينهم أبو سعيد الخدري، على أن يقيم الموسم شيبة [٤] بن عثمان الحجبيّ [٥] .
стр. 208
سنة أربعين
فيها توفي خوّات بن جبير الأنصاري البدري، أحد الشّجعان [١] .
وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، نزل بدرا ساكنا ولم يشهدها على الصحيح [٢] ، وشهد العقبة.
وأبو أسيد الساعدي [٣] بدريّ مشهور، وقيل: إنه بقي إلى سنة ستين.
стр. 209
ومعيقيب بن أبي فاطمة الدّوسي من مهاجرة الحبشة، قيل: وشهد بدرا.
والأشعث بن قيس الكندي بالكوفة في ذي القعدة، وكان شريفا مطاعا جوادا شجاعا، وله صحبة، ارتدّ زمن الرّدّة، ثم أسلم وتزوج أخت أبي بكر بالمدينة، فأمر غلمانه أن يذبحوا ما وجدوه من البهائم في شوارع المدينة ففعلوا، فصاح النّاس عليهم، فقال: أيها النّاس، قد تزوّجت عندكم، ولو كنت في بلادي لأولمت وليمة مثلي، فاقبلوا ما حضر من هذه البهائم، وكل من تلف له شيء فليأتني [١] لثمنه، وكان هاجر في أول الإسلام من اليمن في ثمانين رجلا، منهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، ثم ارتدّا زمن الرّدّة، وأسلما، وحسن إسلامهما، وحمدت مواقفهما.
وفيها استشهد أمير المؤمنين سامي المناقب أبو الحسنين عليّ بن أبي طالب الهاشمي ﵁، ضربه عبد الرّحمن بن ملجم الخارجي في يافوخه [٢] ، فبقي يوما، ثم مات [٣]- وقتل ابن ملجم وأحرق- وكان ذلك
стр. 210
صبيحة يوم الجمعة وهو خارج إلى الصلاة سابع عشر رمضان، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: ثمان وخمسون، وصلى عليه ابنه الحسن، ودفن بالكوفة في قصر الإمارة عند المسجد الجامع، وغيّب قبره.
وخلافته أربع سنين، وأشهر، وأيام.
قيل: والسبب في قتل عليّ كرّم الله وجهه، أن ابن ملجم خطب امرأة من الخوارج على قتل عليّ ومعاوية وعمرو بن العاص [١] ، فانتدب لذلك ابن
стр. 211
ملجم، والحجّاج بن عبد الله الصّريميّ [١] ، وزاذويه [٢] العنبري [٣] ، فكان من أمر ابن ملجم ما كان، وضرب الحجّاج معاوية في الصلاة بدمشق فجرح أليته [٤] قيل: إنه قطع منه عرق النّسل، فلم يحبل معاوية بعدها، وأما صاحب عمرو فقدم مصر لذلك فوجد عمرا قد أصابه وجع في تلك الغداة المعينة، واستخلف على الصلاة خارجة بن حذافة الذي كان يعدل [٥] ألف فارس، فقتله يظنه عمرا ثم قبض فأدخل على عمرو فقال [له] [٦] : أردت عمرا وأراد الله خارجة، فصارت مثلا.
وإلى فداء عمرو بخارجة أشار عبد المجيد بن عبدون [٧] الأندلسي في «بسامته» بقوله:
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليّا بمن شاءت من البشر
стр. 212
وكان علي ﵁ ربعة إلى القصر، أدعج العينين، حسن الوجه، آدم، ضخم البطن، عريض المنكبين، لهما مشاش [١] كالسبع، أصلع ليس له شعر إلا من خلفه، عظيم اللحية، وهو أول من أسلم عند كثيرين بعد خديجة، وعلى كل حال لم يشرك بالله بالغا، شهد المشاهدة كلّها، وحمدت مواقفه، وكان اللواء معه في أكثرها، وفضّل على خالد بن الوليد في الشّجاعة، لأن شجاعة خالد فارسا، وعليّ فارسا وراجلا، ومناقبه لا تعدّ، من أكبرها تزويج البتول، ومؤاخاة الرسول [ ﷺ ] ، ودخوله في المباهلة والكساء، وحمله في أكثر الحروب اللواء، وقول النبي ﷺ : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» [٢] ، وغير ذلك مما يطول ذكره ويعزّ حصره، وقد نقل اليافعي [٣] الخلاف بين أهل السّنّة في المفاضلة بينه وبين عثمان، واختار هو تفضيله على عثمان، وأشار إلى ذلك في قصيدة جملتها خمسة وثلاثون بيتا منها:
والظّاهر الآن عندي ما أقول به ... والله أعلم ما في باطن الحال
من بعد تفضيلنا الشيخين معتقدي ... تفضيله قبل ذي النّورين من تال
انتهى.
والصحيح تفضيل عثمان كما هو معلوم، ولما استقر الخوارج في حروراء [٤]
стр. 213
بعد النّهروان [١] وكانوا ستة آلاف مقاتل، وقيل: ثمانية آلاف، أتاهم عليّ وخطبهم، ووعظهم، فرجعوا معه إلى الكوفة، وأشاعوا أن عليا تاب من التحكيم، فأتاه الأشعث بن قيس فقال له: إن النّاس قائلون: إنك رأيت الحكومة ضلالا، وتبت منها، فقام في النّاس فخطبهم [٢] وقال: من زعم أن الحكومة ضلال فقد كذب، فثارت الخوارج وخرجوا من المسجد، فقيل له: إنهم خارجون عليك، فقال: ما أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فبعث إليهم ابن عبّاس ﵄ يناظرهم، فاحتج عليهم ابن عباس بالتحكيم في إتلاف المحرم الصيد، والتحكيم بين الزوجين، وبأن النّبيّ ﷺ أمسك عن قتال الهدنة يوم الحديبية، فصدّقوه في ذلك كلّه، وقالوا له: إن عليا محا نفسه من الخلافة بالتحكيم، فقال لهم ابن عباس: إن رسول الله ﷺ محا اسم الرسالة يوم الحديبية فلم يزلها ذلك عنه، فرجع منهم ألفان، وبقي أربعة أو ستة آلاف أصرّوا، وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي، فخرج بهم إلى النّهروان [٣] فسار إليهم عليّ، وأوقع بهم، وقتل منهم ألفين وثمانمائة. منهم ذو الثّديّة [٤] علامة الفرقة المارقة، ثم كلمهم أيضا، فأصرّوا وقالوا: إن عدت إلى جهاد العدوّ سرنا بين يديك، وإن بقيت على التحكيم قاتلناك، ثم قال لهم: أيّكم قاتل عبد الله بن خبّاب، فقالوا: كلّنا قتله، وكانوا
стр. 214
قبل لقوا مسلما ونصرانيا، فأعفوا النصراني وقالوا: احفظوا وصية نبيكم فيه، وقتلوا المسلم، ثم لقوا عبد الله بن خبّاب الصحابي وفي عنقه المصحف، فقالوا: إن المصحف يأمرنا بقتلك، فوعظهم، وذكّرهم، وحدّثهم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، فلم يقبلوا، وقالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، فقالوا: ما تقول في عليّ قبل التحكيم، وعثمان قبل الحدث، فأثنى عليهما خيرا، قالوا: فما تقول في التحكيم والحكومة، قال: أقول: إن عليا أعلم منكم، وأشدّ توقّيا على دينه، فقالوا: إنك لست تتبع الهدى، فربطوه إلى جانب النهر وذبحوه، فاندفق دمه على الماء يجري مستقيما.
وروي أن رجلا قال لعليّ: ما بال خلافة أبي بكر وعمر كانت صافية، وخلافتك أنت وعثمان متكدّرة؟ فقال: إن أبا بكر وعمر، كنت أنا وعثمان من أعوانهما، وكنت أنت وأمثالك من أعواني وأعوان عثمان. وقال له رجل من اليهود: ما أتى عليكم بعد نبيكم إلا نيّف وعشرون سنة حتى ضرب بعضكم بعضا بالسيف، فقال ﵁: فأنتم ما جفّت أقدامكم من البحر حتى قلتم: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ٧: ١٣٨ [الأعراف: ١٣٨] . ومما رثي به عليّ كرم الله وجهه:
ألا قل للخوارج أجمعينا ... فلا قرّت عيون الشّامتينا
أفي [١] شهر الصّيام فجعتمونا ... بخير النّاس طرّا أجمعينا [٢]
قتلتم خير من ركب المطايا ... وذلّلها ومن ركب السّفينا
ومن لبس النّعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمئينا
стр. 215
وكلّ مناقب الخيرات فيه ... وحبّ رسول ربّ العالمينا
وبعد وفاة عليّ بويع لابنه الحسن ﵄، فتممت بأيامه «خلافة النبوة ثلاثون سنة» وظهر تصديق الخبر النبوي [١] .