سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة
كان أبو الحسن بن المعلّم الكوكبي، قد استولى على أمور السلطان بهاء الدولة كلها، فمنع الرافضة من عمل المأتم، يوم عاشوراء، الذي كان يعمل نحوا من ثلاثين سنة، وغلت الأسعار بالكرخ، حتّى بيع رطل من الخبز بأربعين درهما، والجوزة بدرهم.
وفيها شغبت الجند وعسكروا، وبعثوا يطلبون من بهاء الدولة أن يسلم إليهم ابن المعلّم، وصمّموا على ذلك، إلى أن قال له رسولهم: أيها الملك، اختر بقاءه أو بقاءك، فقبض حينئذ عليه وعلى أصحابه، فما زالوا به، حتّى قتله، ﵀، وكذلك قتلت بقية أصحابه.
وفيها توفي أبو أحمد العسكري- بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة، وفتح الكاف، بعدها راء، نسبة إلى عسكر مكرم، مدينة من كور الأهواز- الحسن بن عبد الله بن سعيد، الأديب الأخباري العلّامة، صاحب التصانيف. روى عن عبدان الأهوازي، وأبي القاسم البغوي وطبقتهما.
قال ابن خلّكان [١] : وهو صاحب أخبار ونوادر، وله رواية متسعة، وله التصانيف المفيدة، منها: كتاب «التصحيف» [٢] وكتاب «المختلف والمؤتلف»
стр. 1717
وكتاب «علم المنطق» وكتاب «الحكم والأمثال» وكتاب «الزواجر» وغير ذلك، وكان الصاحب بن عبّاد يودّ الاجتماع به ولا يجد إليه سبيلا، فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بويه: إن عسكر مكرم قد اختلف أحوالها، وأحتاج إلى كشفها بنفسي، فأذن له في ذلك، فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور، فلم يزره، فكتب الصاحب إليه:
ولمّا أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعفنا فلم نقدر على الوخدان [١]
أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... وكم منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء جفان
وكتب مع هذه الأبيات شيئا من النثر، فجاوبه أبو محمد عن النثر بنثر مثله، وعن هذه الأبيات بالبيت المشهور:
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
فلما وقف الصاحب على الجواب عجب من اتفاق هذا البيت له، وقال: والله لو علمت أنه يقع له هذا البيت لما كتبت [٢] له على هذا الروي، وهذا البيت لصخر بن عمرو الشّريد في [أخي] الخنساء، وهو من جملة أبيات مشهورة [٣] ، وكانت ولادة أبي أحمد المذكور يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوّال، وتوفي يوم الجمعة سابع ذي الحجة. انتهى ملخصا.
وفيها أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمد النّسائي، الفقيه الشافعي، الذي روى عن الحسن بن سفيان «مسنده» وعن عبد الله بن شيرويه «مسند إسحاق» .
стр. 1718
قال الحاكم: كان شيخ العدالة والعلم بنسإ، وبه ختمت الرواية عن الحسن بن سفيان. عاش بضعا وتسعين سنة.
وفيها أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب القرشي الرّازي الصوفي، الراوي عن محمد بن أيوب بن الضريس، خرج في آخر عمره إلى بخارى، فتوفي بها، وله أربع وتسعون سنة.
قال الحاكم: ولم يزل كالريحانة عند مشايخ التصوّف ببلدنا.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن منصور بن ثابت الشيرازي. كان أحد الحفّاظ الرحّالين، كما ذكره ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو عمر [١] بن حيّويه، المحدّث الحجة، محمد بن العبّاس بن محمد بن زكريا البغدادي الخزّاز، في ربيع الآخر، وله سبع وثمانون سنة.
روى عن الباغندي، وعبد الله بن إسحاق المدائني، وطبقتهما.
قال الخطيب [٢] : ثقة [سمع الكثير، و] كتب طول عمره، وروى المصنفات الكبار.
وفيها محمد بن محمد بن سمعان أبو منصور النيسابوري المذكّر، نزيل هراة، وشيخ أبي عمر المليحي. روى عن السرّاج، ومحمد بن أحمد بن عبد الجبار الريّاني [٣] .
стр. 1719
سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة
فيها كما قال في «شذور العقود» تزوج القادر سكينة بنت بهاء الدولة، بصداق مبلغه مائة ألف دينار، وغلا السعر، فبلغ الكرّ [من] الحنطة ستة آلاف وستمائة درهم، وابتاع سابور بن أزدشير وزير بهاء الدولة دارا في الكرخ بين السورين، وعمّرها، وسمّاها دار العلم، ووقفها، ونقل إليها كتبا كثيرة، وردّ النظر في أمرها إلى أبي الحسين بن السنية، وأبي عبد الله الضبّي القاضي.
انتهى.
وفيها توفي أبو بكر بن شاذان، والد أبي علي، وهو أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان البغدادي البزّاز، المحدّث المتقن، وكان يتجر في البزّ إلى مصر وغيرها، وتوفي في شوال، عن ست وثمانين سنة [١] . وروى عن البغوي وطبقته.
وفيها إسحاق بن حمشاد الزاهد الواعظ، شيخ الكرامية ورأسهم بنيسابور.
قال الحاكم: كان من العبّاد المجتهدين، يقال: أسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف، ولم أر بنيسابور جمعا مثل جنازته. انتهى.
стр. 1720
وفيها جعفر بن عبد الله بن فناكي أبو القاسم الرّازي الرّاوي، عن محمد بن هارون الرّوياني «مسنده» . انتهى.
وفيها أبو محمد بن حزم القلعي الأندلسي الزاهد، واسمه عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم. رحل إلى الشام، والعراق، وسمع أبا القاسم بن [أبي] العقب، وإبراهيم بن علي الهجيمي، وطبقتهما.
قال ابن الفرضي [١] : كان جليلا، زاهدا، شجاعا، مجاهدا، ولّاه المستنصر القضاء، فاستعفاه فأعفاه، وكان فقيها صلبا ورعا، كانوا يشبهونه بسفيان الثوري في زمانه، سمعت عليه علما كثيرا [٢] ، وعاش ثلاثا وستين سنة. انتهى.
وفيها علي بن حسّان، أبو الحسن الجدلي الدّممي- ودممّا قرية دون الفرات [٣]-. روى عن مطين، وبه ختم حديثه.
وفيها أبو بكر محمد بن العبّاس الخوارزمي [٤] ، الشاعر المشهور، ويقال له: الطبرخي، لأن أباه كان من خوارزم، وأمه من طبرستان، فركب له من الاسمين نسبة، وهو ابن أخت أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ» وأبو بكر المذكور أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير، كان إماما في اللغة والأنساب، أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب، وكان مشارا إليه في عصره.
ويحكى أنه قصد حضرة الصاحب بن عبّاد وهو بأرجان، فلما وصل
стр. 1721
لبابه قال لأحد حجّابه: قل للصاحب على الباب أحد الأدباء، وهو يستأذن في الدخول، فدخل الحاجب وأعلمه، فقال الصاحب: قل له: قد ألزمت نفسي أنه لا يدخل عليّ من الأدباء إلّا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك، فقال له أبو بكر: ارجع إليه وقل له: هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء؟ فدخل عليه الحاجب فأعاد عليه ما قال، فقال الصاحب: هذا يؤيد أن يكون أبا بكر الخوارزمي، فأذن له في الدخول عليه، فعرفه وانبسط معه، ولكنه لم يجزل له العطاء، ففارقه غير راض، وعمل فيه:
لا تحمدنّ ابن عبّاد وإن هطلت ... يداه بالجود حتّى أخجل الدّيما
فإنها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
فبلغ ذلك ابن عبّاد، فلما بلغه خبر موته أنشد:
أقول لركب من خوارزم [١] قافل ... أمات خوارزميّكم؟ قيل لي: نعم
فقلت: اكتبوا بالجصّ من فوق قبره ... ألا لعن الرّحمن من كفر النعم
ولأبي بكر المذكور ديوان رسائل وديوان شعر.
وقد ذكره الثعالبي في «اليتيمة» [٢] وذكر قطعة من نثره، ثم أعقبها بشيء من نظمه، فمن ذلك قوله:
رأيتك إن أيسرت خيّمت عندنا ... مقيما وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلّا البدر إن قلّ ضوؤه ... أغبّ وإن زاد الضياء أقاما [٣]
وملحه ونوادره كثيرة، ولما رجع من الشام سكن نيسابور، ومات بها في منتصف رمضان من هذه السنة.
стр. 1722
وقال ابن الأثير في «تاريخه» [١] : مات سنة ثلاث وتسعين، والله أعلم.
وفيها أبو الفضل نصر بن محمد [بن] أحمد بن يعقوب العطار بن أبي نصر الطّوسي [٢] . كان حافظا ناقدا ثقة وكان رأسا في علم الصوفية. قاله ابن ناصر الدّين.
стр. 1723
سنة أربع وثمانين وثلاثمائة
فيها اشتد البلاء بالعيّارين ببغداد، وقووا على الدولة، وكان رأسهم عزيز البابصري، التفّ [١] عليه خلق من المؤذين، وطالبوا بضرائب الأمتعة، وجبوا الأموال، فنهض السلطان، وتفرّغ لهم، فهربوا في الظاهر، ولم يحج أحد إلا الرّكب المصري فقط.
وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصّابئ المشرك الحرّاني الأديب، صاحب التّرسّل، وكاتب الإنشاء للملك عز الدولة بختيار، ألحّ عليه عز الدولة أن يسلم فامتنع، وكان يصوم رمضان، ويحفظ القرآن، وله النظم والنثر والتّرسّل الفحل، ولما مات عضد الدولة، همّ بقتله لأجل المكاتبات الفجّة التي كان يرسلها عز الدولة بإنشائه إلى عضد الدولة، ثم تركه لشفاعة، وأمره أن يضع له كتابا في أخبار الدولة الديلمية، فعمل «الكتاب التاجي» فقيل لعضد الدولة: إن صديقا للصابىء دخل عليه فرآه في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبييض، فسأله عمّا يعمل؟ فقال: أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها، فحركت ساكنه وأهاجت حقده، ولم يزل مبعدا في أيامه، وكان له عبد أسود اسمه يمن، وكان يهواه، وله فيه المعاني البديعة فمن جملة ما ذكره له الثعالبي في كتاب «الغلمان» قوله:
стр. 1724
قد قال يمن وهو أسود للذي ... ببياضه استعلى علوّ الخاتن
ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى ... أن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو ان مني فيه خالا زانه ... ولو ان منه في خالا شانني
وذكر له فيه الثعالبي أيضا:
لك وجه كأن يمناي خطت ... هـ بلفظ تمله آمالي
فيه معنى من البدور ولكن ... نفضت صبغها عليه اللّيالي
لم يشنك السواد بل زدت حسنا ... إنما يلبس السواد الموالي
فبمالي أفديك إن لم تكن لي ... وبروحي أفديك إن كنت مالي
وله أيضا وهو معنى بديع:
أيّها اللائم الذي يتصدى ... بقبيح يقوله لجوابي
لا تؤمل إني أقول لك اخسأ ... لست أسخو بها لكل الكلاب
وتوفي الصابئ يوم الاثنين، وقيل: الخميس، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال هذه السنة ببغداد، وقيل: سنة ثمانين وثلاثمائة، وعمره إحدى وسبعون سنة، ودفن بالشّونيزيّة، ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الدالية المشهورة، التي أولها:
أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي [١]
وعاتبه الناس لكونه شريفا يرثي صابئيا، فقال: إنما رثيت فضله.
وبالجملة فإنه كان أعجوبة من الأعاجيب، لكن أضلّه الله على علم، نعوذ برضاه من سخطه، ونسأله العافية.
والصابئ: بهمز آخره، قيل: نسبة إلى صابئ بن متوشلخ [٢] بن إدريس
стр. 1725
عليه السلام، وكان على الحنيفية [١] الأولى، وقيل: [إلى] الصابئ بن ماري، وكان في عصره الخليل ﵇، وقيل: الصابئ عند العرب من خرج عن دين قومه وهو الأصح، ولذلك كانت قريش تسمي رسول الله ﷺ صابئا لخروجه عن دين قومه.
قال حسن چلبي في حاشيته على «المطول» : والصابئون بالهمز وبدونها، أي الخارجون، من صبأ إذا خرج، وهم قوم خرجوا عن دين اليهود والنصارى، وعبدوا الملائكة. انتهى.
والصابئة ملّة إدريس ﵇.
قال السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» [٢] ما لفظه: ذكر أئمة التاريخ، أن آدم ﵊، أوصى لابنه شيث، وكان فيه وفي بنيه النبوّة والدّين، وأنزل عليه تسع وعشرون صحيفة، وأنه جاء إلى أرض مصر، وكانت تدعى بابليون [٣] ، فنزلها هو وأولاد أخيه، فسكن شيث فوق الجبل، وسكن أولاد قابيل أسفل الوادي، واستخلف شيث ابنه أنوش، واستخلف أنوش ابنه قينان [٤] واستخلف قينان [٤] ابنه مهلائيل [٥] واستخلف مهلائيل ابنه يرد، ودفع الوصية إليه، وعلّمه جميع العلوم، وأخبره بما يحدث
стр. 1726
في العالم، ونظر في النجوم وفي الكتاب الذي أنزل على آدم ﵇، وولده، ليرد أخنوخ، وهو هرمس، وهو إدريس ﵇، وكان الملك في ذلك الوقت محويل بن أخنوخ [١] بن قابيل، وتنبأ إدريس، وهو ابن أربعين سنة، وأراده الملك بسوء، فعصمه الله، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، ودفع إليه أبوه وصية جدّه، والعلوم التي عنده، وولد بمصر، وخرج منها، وطاف الأرض كلها، ورجع فدعا الخلق إلى الله [ ] فأجابوه، حتى عمّت ملّته الأرض [٢] ، وكانت ملّته الصابئة، وهي توحيد الله، والطهارة، والصلاة، والصوم، وغير ذلك من رسوم التعبدات. وكان في رحلته إلى المشرق أطاعه جميع ملوكها، وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرّها، ثم عاد إلى مصر، فأطاعه [٣] ملكها وآمن به، فنظر في تدبير أمرها، وكان النّيل يأتيهم سيحا، فينحازون عن سيله إلى أعالي الجبال [٤] والأرض العالية حتّى ينقص، فينزلون ويزرعون حيث [٥] وجدوا الأرض بريّة [٦] ، وكان يأتي في وقت الزراعة وفي غير وقتها، فلما عاد إدريس، جمع أهل مصر، وصعد بهم إلى أوّل مسيل النيل إليها، ودبّر وزن الأرض، ووزن الماء على الأرض، وأمرهم بإصلاح ما أراد [٧] من إصلاح [من خفض] [٨] المرتفع ورفع المنخفض، وغير ذلك مما
стр. 1727
رأى [١] في [علم] النجوم، والهندسة، والهيئة.
وكان أول من تكلم في هذه العلوم وأخرجها من القوّة إلى الفعل، ووضع فيها الكتب، ورسم فيها التعليم [٢] ثم سار إلى بلاد الحبشة، والنوبة، وغيرها، وجمع أهلها، وزاد في جري النيل ونقصه [٣] بحسب [٤] بطئه وسرعته في طريقه، حتّى عمل على [٥] حساب جريه ووصوله إلى أرض مصر في زمن الزراعة على ما هو عليه الآن، فهو أول من دبّر جري النيل إلى مصر، ومات إدريس بمصر، والصابئة تزعم أن هرمي مصر، أحدهما قبر شيث، والآخر قبر إدريس، والأصح أنه ليس إدريس، إنما هو مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. هذا كله كلام التّيفاشي [٦] . انتهى ما قاله السيوطي بحروفه.
وفيها صبح بن أحمد [٧] الحافظ أبو الفضل التميمي الأحنفي الهمذاني السّمسار ويعرف أيضا بابن الكوملاذي [٨] محدّث همذان. روى عن عبد الرّحمن بن أبي حاتم وطبقته، وهو الذي لما أملى الحديث باع طاحونا له بسبعمائة دينار ونثرها على المحدّثين.
стр. 1728
قال شيرويه [١] : كان ركنا من أركان الحديث، [ثقة، حافظا] ديّنا ورعا [صدوقا] ، ولا يخاف في الله لومة لائم، وله عدة مصنفات، توفي في شعبان، والدعاء عند قبره مستجاب! ولد سنة ثلاث وثلاثمائة.
وفيها الرّمّاني، شيخ العربية، أبو الحسن علي بن عيسى النحوي [٢] ببغداد، وله ثمان وثمانون سنة، وكانت ولادته أيضا ببغداد في سنة ست وتسعين ومائتين، وتوفي ليلة الأحد حادي عشر جمادى الأولى من هذه السنة على الصحيح، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، وأصله من سرّ من رأى، وهو أحد الأئمة المشاهير، جمع بين علم الكلام والعربية، وله قريب من مائة مصنف، منها «تفسير القرآن العظيم» وكان متقنا لعلوم كثيرة، منها القراءات، والفقه، والنحو، والكلام على مذهب المعتزلة، والتفسير، واللغة، وأخذ عن ابن دريد، وأبي بكر بن السرّاج، وغيرهما.
وفيها صالح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح التميمي الأحنفي، من ولد الأحنف بن قيس، وهو المترجم بصبح قبل أسطر، وكان حافظا ثقة ديّنا، من الأبرار. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن حشيش الأصبهاني العدل، مسند أصبهان في عصره. روى عن إسحاق بن إبراهيم بن جميل، ويحيى بن صاعد، وطبقتهما.
стр. 1729
وفيها محدّث الكوفة، أبو الحسن، محمد بن أحمد بن حمّاد بن سفيان الكوفي الحافظ، كان أحد المعمرين المشهورين، أدرك أصحاب أبي كريب، وأبي سعيد الأشج، وجمع وألّف.
وفيها أبو الحسن محمد بن العبّاس بن أحمد بن الفرات البغدادي الحافظ. سمع من أبي عبد الله المحاملي وطبقته، وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته.
قال الخطيب [١] : بلغني أنه كان عنده عن علي بن محمد المصري وحده [٢] . ألف جزء، وأنه كتب مائة «تفسير» ومائة «تاريخ» كبير، وهو حجة ثقة.
وفيها شيخ الشافعية، أبو الحسن، الماسرجسي، محمد بن علي بن سهل النيسابوري، سبط الحسن بن عيسى بن ماسرجس- بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم- روى عن أبي حامد بن الشرقي وطبقته، ورحل بعد الثلاثين، وكتب الكثير بالعراق، والحجاز، ومصر.
قال الحاكم: كان أعرف الأصحاب بالمذهب وترتيبه، صحب أبا إسحاق المروزي مدة، وصار ببغداد معيدا لأبي علي بن أبي هريرة، وعاش ستا وسبعين سنة.
قال الإسنوي: أخذ عن أبي إسحاق وصحبه إلى مصر، ولازمه إلى أن توفي، فانصرف إلى بغداد، ودرّس بها، وكان المجلس له بعد قيام ابن أبي هريرة، وكان معيد درسه، ثم انصرف إلى خراسان سنة أربع وأربعين، وتوفي بها عشية الأربعاء ودفن عشية الخميس، السادس من جمادى الآخرة، وهو
стр. 1730
ابن ست وسبعين سنة. نقل عنه الرافعي استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية، وحكى عنه في باب الدّيات، أنه قال: رأيت صيادا يرمي الصيد على فرسخين.
وكان له ولد اسمه محمد، ويكنى أبا بكر، درس الفقه على أبيه، وسمع الحديث ببلاد كثيرة، وتوفي في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة عن أربع وثلاثين سنة ودفن بداره. انتهى ملخصا.
وفيها أبو عبيد الله [١] المرزباني محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد الله الكاتب، الأخباري العلّامة المعتزلي، صنّف أخبار المعتزلة وأخبار الشعراء، وغير ذلك، وحدّث عن البغوي [٢] ، وابن دريد، ومات في شوال، وله ثمان وثمانون سنة.
قال ابن خلّكان [٣] : الخراساني الأصل، البغدادي المولد، صاحب التصانيف المشهورة والمجاميع الغريبة، وكان راوية للآداب صاحب أخبار، وتآليفه كثيرة، وكان ثقة في الحديث ومائلا إلى التشيع في المذهب، وهو أول من جمع «ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي» واعتنى به وهو صغير الحجم، يدخل في مقدار ثلاث كراريس، وقد جمعه من بعده جماعات وزادوا فيه أشياء ليست له [٤] ، وشعر يزيد مع قلته في غاية الحسن، ومن لطيف شعره الأبيات العينية التي منها:
إذا رمت من ليلى على البعد نظرة ... تطفّي [٥] جوى بين الحشا والأضالع
стр. 1731
تقول نساء الحيّ تطمع أن ترى ... محاسن ليلى؟ مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها؟ وما طهّرتها بالمدامع
وتلتذّ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في خروق المسامع
أجلّك يا ليلى عن العين إنّما ... أراك بقلب خاشع لك خاضع [١]
وكانت ولادة المرزباني المذكور في جمادى الآخرة، سنة سبع وتسعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة ثاني شوال، سنة أربع وثمانين، وقيل: ثمان وسبعين، والأول أصح، ودفن بداره بشارع عمرو [٢] الرّومي ببغداد، في الجانب الشرقي، وروى عنه [أبو] عبد الله [٣] الصّيمري، وأبو القاسم التنوخي، وأبو محمد الجوهري، وغيرهم.
والمرزباني: بفتح الميم وسكون الراء، وضم الزاي، وفتح الباء الموحدة، وبعد الألف نون، نسبة إلى بعض أجداده، كان اسمه المرزبان، وهذا الاسم لا يطلق عند العجم إلّا على الرجل المقدّم العظيم القدر، وتفسيره بالعربية حافظ الحدّ. انتهى ما قاله ابن خلّكان ملخصا [٤] .
وجزم الذهبي في «العبر» [٥] أنه كان معتزليا.
وقال ابن الأهدل: المرزباني البغدادي، صاحب التصانيف المشهورة، كان راوية في الأدب، ثقة في الرواية. انتهى.
стр. 1732
وفيها القاضي التّنوخي، أبو علي المحسن [١] بن علي بن محمد بن داود بن إبراهيم بن تميم الأديب الأخباري، صاحب التصانيف. ولد بالبصرة، وسمع بها من أبي العبّاس الأثرم، وطائفة، وببغداد من الصّولي وغيره، وعاش سبعا وخمسين سنة. وذكره الثعالبي وأباه [٢] في باب واحد، وقدم ذكر أبيه، ثم قال في حق أبي علي المذكور [٣] هلال ذاك القمر، وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله، والفرع المسند لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد مماته، وله كتاب «الفرج بعد الشدة» ذكر في أوائل هذا الكتاب [٤] أنه كان على المعيار [٥] بدار الضرب بسوق الأهواز في سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وذكر بعد ذلك بقليل [٦] أنه كان على القضاء بجزيرة ابن عمر.
وله ديوان شعر أكبر من ديوان أبيه، وكتاب «نشوان المحاضرة» [٧] وله كتاب «المستجاد من فعلات الأجواد» ونزل ببغداد وأقام بها، وحدّث إلى حين وفاته، وكان سماعه صحيحا، وكان أول سماعه الحديث في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأول ما تقلد القضاء من قبل أبي السائب عتبة بن عبيد الله بالقصر، وبابل، وما والاها، سنة تسع وأربعين، ثم ولّاه الإمام المطيع لله
стр. 1733
القضاء بعسكر مكرم، [وإيذج] [١] ورامهرمز، وتقلد بعد ذلك أعمالا كثيرة في نواح مختلفة.
ومن شعره في بعض المشايخ وقد خرج ليستسقي وكان في السماء سحاب، فلما دعا أصحت السماء، فقال التنوخي:
خرجنا لنستسقي بفضل [٢] دعائه ... وقد كاد هدب الغيم أن يبلغ [٣] الأرضا
فلما ابتدا يدعو تقشعت [٤] السما ... فما تمّ إلّا والغمام قد انفضّا
ومن المنسوب إليه أيضا [٥] :
قل للمليحة في الخمار المذّهب ... أفسدت نسك أخي التّقى المترهب
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهّب
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن ذهبيهما من مذهب
فإذا أتت عيني [٦] لتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي
وأما ولده أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التّنوخي، فكان أديبا فاضلا شاعرا، راوية للشعر الكثير، وكان يصحب أبا العلاء المعري، وأخذ عنه كثيرا، وكان من أهل بيت كلهم فضلاء، أدباء، ظرفاء، وكانت ولادة الولد المذكور في منتصف شعبان، سنة خمس وستين وثلاثمائة بالبصرة،
стр. 1734
وتوفي يوم الأحد مستهل المحرم، سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان بينه [١] وبين الخطيب أبي زكريا التبريزي مؤانسة واتحاد بطريق أبي العلاء المعري.
وقال الخطيب البغدادي [٢] : وكان قد قبلت شهادته عند الحكام في حداثته، ولم يزل على ذلك مقبولا إلى آخر عمره، وكان مستحفظا في الشهادة، محتاطا صدوقا في الحديث ونقله، وتقلد قضاء نواح عدّة، منها المدائن وأعمالها، وأذربيجان، وإفريقية، وغير ذلك، وإليه كتب أبو العلاء قصيدته التي أولها:
هات الحديث عن الزّوراء أوهيتا [٣]
стр. 1735
سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي أبو بكر بن المهندس، أحمد بن محمد بن إسماعيل محدّث ديار مصر. كان ثقة تقيا، روى عن البغوي [١] ، ومحمد بن محمد الباهلي، وطبقتهما.
وفيها أبو القاسم، الصاحب بن عبّاد إسماعيل بن عبّاد بن العبّاس بن عبّاد بن أحمد بن إدريس الطالقاني، وزير مؤيد الدولة أبي منصور بن بويه، وفخر الدولة، وصحب أبا الفضل الوزير ابن العميد، وأخذ عنه الأدب، والشعر، والترسل، وبصحبته لقب بالصاحب، وكان من رجال الدهر، حزما، وعزما، وسؤددا، ونبلا، وسخاء، وحشمة، وإفضالا وعدلا.
قال الثعالبي في «اليتيمة» [٢] في حقه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وتفرده بالغايات [٣] في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه.
ثم شرع في وصف بعض محاسنه وطرف من أحواله.
стр. 1736
وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه [١] : الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها [٢] ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه [٣] كما قال أبو سعيد الرّستمي في حقه:
ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد
يروي عن العبّاس عبّاد وزا ... رته وإسماعيل عن عبّاد
وأنشده أبو القاسم الزعفراني يوما أبياتا نونية من جملتها:
أيا من عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم نخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في ... صنوف [٤] من الخزّ إلا أنا
فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني، أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة، وفرس، وبغل، وحمار، وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبة، وقميص، وعمامة، ودرّاعة، وسراويل، ومنديل، ومطرف، ورداء، وكساء، وجورب، وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخزّ لأعطيناكه.
واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح، وكان حسن الأجوبة.
كتب إليه بعضهم رقعة أغار فيها على رسائله، وسرق جملة من ألفاظه، فوقّع فيها: هذه بضاعتنا ردت إلينا.
وصنّف في اللغة كتابا سمّاه «المحيط» في سبع مجلدات [٥] ، وكتاب
стр. 1737
«الكافي» في الرسائل، وكتاب «الأعياد وفضائل النيروز» وكتاب «الإمامة» يذكر فيه فضائل عليّ ﵁، ويثبت إمامته على من تقدمه، لأنه كان شيعيا، وله غير ذلك، وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله:
وشادن جماله ... تقصر عنه صفتي
أهوى لتقبيل يدي ... فقلت قبّل شفتي
وله في رقة الخمر:
رقّ الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي، أن نوح بن منصور، أحد ملوك بني سامان [١] ، كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوّض إليه وزارته وتدبير مملكته، وكان من جملة أعذاره إليه، أنه يحتاج في نقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظن بما يليق بها من التجمل؟! وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، سنة ست وعشرين وثلاثمائة بإصطخر، وقيل: بالطّالقان، وتوفي ليلة الجمعة رابع عشري صفر بالرّيّ، ثم نقل إلى أصبهان.
ومن أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصّاحب، فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الرّيّ، واجتمع الناس على باب القصر [٢] ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة وسائر القواد وقد غيّروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب، صاح الناس بأجمعهم صيحة
стр. 1738
واحدة وقبّلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس، وقعد للعزاء أياما.
ورثاه أبو سعيد الرّستمي بقوله:
أبعد ابن عبّاد يهشّ إلى السرى ... أخو أمل أو يستماح جواد
أبى الله إلّا أن يموتا بموته ... فما لهما حتّى المعاد معاد [١]
قال ابن الأهدل: ومن كلامه في وصف الأئمة الثلاثة المتعاصرين، أصحاب أبي الحسن الأشعري: الباقلاني نار محرق، وابن فورك صل مطرق، والإسفراييني بحر مغرق.
قال ابن عساكر: كأن روح القدس نفث في روعه بحقيقة حالهم.
انتهى.
وفيها أبو الحسن الأذني- بفتحتين، نسبة إلى أذنة [٢] بلد بساحل الشام عند طرسوس- القاضي علي بن الحسين بن بندار المحدّث، نزيل مصر. روى الكثير عن ابن فيل، وأبي عروبة، ومحمد بن الفيض الدمشقي، وعلي الغضائري، وتوفي في شهر ربيع الأول.
وفيها الدّارقطني- بفتح الراء وضم القاف، وسكون الطاء، نسبة إلى دار القطن، محلة ببغداد- وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي، الإمام الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، إليه النهاية في معرفة الحديث وعلومه، وكان يدعى فيه أمير المؤمنين.
وقال في «العبر» [٣] : الحافظ المشهور، صاحب التصانيف، توفي في ذي القعدة، وله ثمانون سنة. روى عن البغوي وطبقته.
стр. 1739
ذكره الحاكم فقال: صار أوحد عصره في الحفظ، والفهم، والورع، إماما في القراءات، والنحو، صادفته فوق ما وصف لي، وله مصنفات يطول ذكرها.
وقال الخطيب [١] : كان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته. انتهى إليه علم الأثر [٢] والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال [وأحوال الرواة] ، مع الصدق [والأمانة، والفقه، والعدالة، وقبول الشهادة] وصحة الاعتقاد [وسلامة المذهب] ، والاضطلاع من علوم سوى علم الحديث، منها القراءات، وقد صنّف فيها مصنفا، ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: إنه كان يحفظ دواوين جماعة.
وقال أبو ذر الهروي: قلت للحاكم: هل رأيت مثل الدارقطني؟ فقال:
هو لم ير مثل نفسه فكيف أنا؟! وقال البرقاني: كان الدارقطني يملي عليّ العلل من حفظه.
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث. انتهى كلام «العبر» .
وقال ابن قاضي شهبة: قال الحاكم: صار أوحد أهل عصره في الحفظ، والفهم، والورع، وإماما في النحو، والقراءة، وأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله، توفي ببغداد ودفن قريبا من معروف الكرخي.
قال ابن ماكولا: رأيت في المنام كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذاك يدعى في الجنة بالإمام. انتهى ملخصا.
стр. 1740
وفيها أبو حفص بن شاهين، عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي، الواعظ المفسّر الحافظ، صاحب التصانيف وأحد أوعية العلم، توفي بعد الدارقطني [بشهر، وكان أكبر من الدارقطني] [١] بتسع سنين. سمع من الباغندي، ومحمد بن المجدّر، والكبار، ورحل إلى الشام، والبصرة، وفارس.
قال أبو الحسين بن المهتدي بالله: قال لنا ابن شاهين: صنّفت ثلاثمائة وثلاثين مصنفا، منها «التفسير الكبير» ألف جزء، و «المسند» ألف وثلاثمائة جزء، و «التاريخ» مائة وخمسون جزءا.
قال ابن أبي الفوارس: ابن شاهين ثقة مأمون، جمع وصنّف ما لم يصنفه أحد.
وقال محمد بن عمر الداودي: كان ثقة بحّاثا، وكان لا يعرف الفقه، ويقول: أنا محمديّ المذهب. انتهى.
وممّن أخذ عنه الماليني، والبرقاني، وخلق كثير.
وقال السيوطي في كتابه «مشتهى العقول ومنتهى النقول» : منتهى التفاسير لابن شاهين ألف مجلد، والمسند له ألف وخمسمائة مجلد، ومداد تصانيفه انتهى إلى ثمانية وعشرين قنطارا.
قال ابن الجوزي: قلت: هذا من طي الزمان. انتهى كلام السيوطي.
وفيها أبو بكر الكسائي [٢] ، محمد بن إبراهيم النيسابوري، الأديب الذي روى «صحيح مسلم» عن إبراهيم بن سفيان الفقيه، توفي ليلة عيد
стр. 1741
النحر، ضعفه الحاكم لتسميعه الكتاب بقوله: من غير أصل.
وقال في «المغني» [١] : غمزه الحاكم، روى «الصحيح» من غير أصل.
انتهى.
وفيها أبو الحسن بن سكّرة، محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي البغدادي، الشاعر المشهور، العبّاسي المفلق، ولا سيّما في المجون والمزاح، وكان هو وابن حجّاج يشبّهان في وقتهما بجرير والفرزدق، ويقال:
إن «ديوان ابن سكّرة» يزيد على خمسين ألف بيت.
قال الثعالبي في ترجمته [٢] : هو شاعر متسع الباع، في أنواع الإبداع، فائق في قول الظرف والملح [٣] ، على الفحول والأفراد، جار في ميدان المجون والسخف ما أراد، وكان يقال: إن زمانا جاد بمثل ابن سكّرة، وابن حجّاج لسخيّ جدا.
ومن بديع تشبيهه ما قاله في غلام في يده غصن مزهر:
غصن بان بدا وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيّرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم
وله في غلام أعرج:
قالوا بليت بأعرج فأجبتهم ... العيب يحدث في غصون البان
إني أحب حديثه وأريده ... للنوم لا للجري في الميدان
وله أيضا:
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
стр. 1742
وله:
قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدّه
قلت دراعة عري ... تحتها جبة رعده
وله البيتان اللذان ذكرهما الحريري في مقاماته [١] وهما:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كنّ وكيسّ وكانون وكاس طلا ... بعد [٢] الكباب وكس ناعم وكسا
ومحاسن شعره كثيرة، وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الآخر.
وفيها الفقيه العلّامة الورع الزاهد الخاشع البكّاء المتواضع أبو بكر الأودني- بالضم وفتح المهملة والنون، نسبة إلى أودنة، قرية من قرى بخارى- شيخ الشافعية ببخارى وما وراء النهر، أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن بصير [٣] ، كان علّامة زاهدا، ورعا خاشعا، ومن غرائب وجوهه في المذهب، أن الربا حرام في كل شيء، فلا يجوز بيع شيء بجنسه. روى عن الهيثم بن كليب الشّاشي، وطائفة، ومات في شهر ربيع الآخر، وقد دخل في سن الشيخوخة، ومن تلامذته المستغفري.
قال ابن قاضي شهبة: قال الحاكم: كان من أزهد الفقهاء، وأورعهم، وأعبدهم، وأبكاهم على تقصيره، وأشدهم تواضعا وإنابة.
وقال الإمام في «النهاية» [٤] : وكان من دأبه أن يضنّ بالفقه على من لا
стр. 1743
يستحقه، وإن ظهر بسببه أثر الانقطاع عليه في المناظرة، توفي ببخارى.
انتهى ملخصا.
وفيها أبو الفتح القوّاس، يوسف بن عمر بن مسرور البغدادي الزاهد، المجاب الدعوة في ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة، روى عن البغوي وطبقته.
قال البرقاني: كان من الأبدال.
стр. 1744
سنة ست وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي أبو حامد النّعيمي، أحمد بن عبد الله بن نعيم السّرخسي، نزيل هراة، في ربيع الأول. روى «الصحيح» عن الفربري، وسمع من الدّغولي، وجماعة.
وفيها أبو أحمد السّامرّي- بفتح الميم وتشديد الراء، نسبة إلى سرّ من رأى- عبد الله بن الحسين بن حسنون البغدادي المقرئ، شيخ الإقراء بالدّيار المصرية. مات في المحرم وله إحدى وتسعون سنة. قرأ القرآن في الصغر، فذكر أنه قرأ على أحمد بن سهل الأشناني، وأبي عمران الرّقّي، وابن شنبوذ، وابن مجاهد، وحدّث عن أبي العلا محمد بن أحمد الوكيعي، فاتهمه الحافظ عبد الغني المصري في لقيه [١] وقال: لا أسلّم على من يكذب في الحديث، وفي «العنوان» [٢] أن السامري، قرأ على محمد بن يحيى الكسائي، وهذا وهم من صاحب «العنوان» لأن محمد بن يحيى توفي قبل مولد السامري بخمس عشرة سنة أو هو محمد بن السامري [٣] ، ويدل عليه
стр. 1745
قول محمد بن علي الصوري: قد ذكر أبو أحمد، أنه قرأ على الكسائي الصغير، فكتب في ذلك إلى بغداد، يسأل عن وفاة الكسائي، فكان الأمر من ذلك بعيدا.
قال في «العبر» [١] : قلت: ثم أمسك أبو أحمد عن هذا القول، وروى عن ابن مجاهد، عن الكسائي. انتهى.
وفيها عبيد الله بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن جميل، أبو أحمد الأصبهاني. روى مسند أحمد بن منيع، عن جدّه، ومات في شعبان.
وفيها الحربي، أبو الحسن، علي بن عمر الحميري البغدادي، ويعرف أيضا بالسكري، وبالصيرفي، وبالكيّال. روى عن أحمد بن الصوفي، وعبّاد بن علي السّيريني، والباغندي، وطبقتهم.
ولد سنة ست وتسعين ومائتين، وسمع سنة ثلاث وثلاثمائة، باعتناء أخيه، وتوفي في شوال.
وفيها أبو عبد الله الختن الشافعي، محمد بن الحسن الإستراباذي- بكسر أوله والفوقية، وسكون السين، وفتح الراء والموحدة، بعدها معجمة، نسبة إلى استراباذ، من بلاد مازندران، بين سارية وجرجان- وهو ختن أبي بكر الإسماعيلي، وهو صاحب وجه في المذهب، وله مصنفات عاش خمسا وسبعين سنة، وكان أديبا، بارعا، مفسرا، مناظرا. روى عن عبد الملك بن عدي الجرجاني، وتوفي في يوم عرفة.
قال الإسنوي: نقل عنه الرافعي في كتاب الجنايات قبيل العاقلة بقليل، أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تخييل لظاهر الآية. انتهى.
стр. 1746
وفيها أبو طالب صاحب «القوت» [١] محمد [بن علي] بن عطية الحارثي العجمي ثم المكّي. نشأ بمكة، وتزهد، وسلك، ولقي الصوفية، وصنّف، ووعظ، وكان صاحب رياضة ومجاهدة، وكان على نحلة أبي الحسن بن سالم البصري، شيخ السالمية. روى عن علي بن أحمد المصّيصي وغيره. قاله في «العبر» [٢] .
وقال ابن خلّكان [٣] : أبو طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي، صاحب كتاب «قوت القلوب» كان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة، ويتكلم في الجامع، وله مصنفات في التوحيد، [و] لم يكن من أهل مكة، وإنما كان من أهل الجبل، وسكن مكّة، فنسب إليها، وكان يستعمل الرياضة كثيرا، حتّى قيل: إنه هجر الطعام زمانا، واقتصر على أكل الحشائش المباحة، فاخضرّ جلده من كثرة تناولها.
ولقي جماعة من المشايخ في الحديث، وعلم الطريقة وأخذ عنهم، ودخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتهى إلى مقالته، وقدم بغداد، فوعظ الناس، وخلّط في كلامه فهجروه وتركوه.
قال محمد بن طاهر المقدسي في كتاب «الأنساب» [٤] : إن أبا طالب المكّي لما دخل بغداد واجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ، خلّط في كلامه، وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضرّ من الخالق، فبدّعه الناس [٥] وهجروه، وامتنع من الكلام بعد ذلك.
стр. 1747
وله كتب في التوحيد، وتوفي سادس جمادى الآخرة ببغداد، ودفن بمقبرة الملكية بالجانب الشرقي، وقبره هناك يزار، ﵀. انتهى بحروفه.
وفيها العزيز بالله، أبو منصور، نزار بن المعزّ [بالله] معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي العبيدي الباطني، صاحب مصر [والمغرب] [١] ، والشام، وولي الأمر بعد أبيه، وعاش العزيز اثنتين وأربعين سنة، وكان شجاعا، جوادا، حليما، وكان أسمر، أصهب، أعين، أشهل، حسن الخلق، قريبا من الناس، لا يحب سفك الدّماء، له أدب وشعر، وكان مغرى بالصيد، وقام بعده ابنه الحاكم.
وهو الذي اختطّ جامع مصر القاهرة، وبنى قصر البحر، وقصر الذهب، وجامع القرافة.
قيل: إنه كتب إلى صاحب الأندلس المرواني، يهجوه ويذم نسبه، فكتب إليه المرواني: عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لهجوناك وأجبناك [٢] والسلام. فاشتد ذلك عليه وأفحمه، لأن أكثر الناس لا يسلمون للعبيديين نسبتهم إلى أهل البيت.
ووجد العزيز يوما رقعة على منبر الخطبة فيها:
إنّا سمعنا نسبا منكرا ... يتلى على المنبر بالجامع
إن كنت فيما تدّعي صادقا ... فاذكر [٣] أبا بعد الأب الرابع
وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع [٤]
стр. 1748
أو فدع الأشياء مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع [١]
[فإنّ أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع] [٢]
стр. 1749
سنة سبع وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي القاسم بن الثلّاج، عبد الله بن محمد البغدادي الشاهد.
في ربيع الأول، وله ثمانون سنة. روى عن البغوي وطائفة، واتّهم بالوضع.
وفيها أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن خلف بن سهل المصري البزّاز، ويعرف بابن أبي غالب. روى عن محمد بن محمد الباهلي، وعلي بن أحمد بن علّان، وطائفة وكان من كبراء المصريين ومتموّليهم.
وفيها، وقيل: في التي قبلها، وبه جزم ابن ناصر الدّين في «بديعته» فقال:
ابن أبي اللّيث النّصيبيّ المصري ... فاضلهم في شأننا وشعر
وهو أحمد بن أبي اللّيث نصر بن محمد النّصيبيّ [١] المصريّ، أبو العبّاس، كان من الحفّاظ الأيقاظ، آية في الحفظ.
وفيها الإمام الكبير الحافظ، ابن بطّة، أبو عبد الله، عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن بطّة العكبري، الفقيه الحنبلي، العبد الصالح. توفي في المحرم، وله ثلاث وثمانون سنة.
стр. 1750
قال في «العبر» [١] : كان صاحب حديث، ولكنه ضعيف من قبل حفظه.
روى عن البغوي، وأبي ذر بن الباغندي، وخلق، وصنّف كتابا كبيرا في السّنّة.
قال العتيقي: كان مستجاب الدعوة. انتهى كلام «العبر» .
وقال ابن ناصر الدّين: كان أحد المحدّثين العلماء الزهّاد، ومن مصنفاته «الإبانة في أصول الديانة» . انتهى.
وقال ابن أبي يعلى في «طبقاته» [٢] : سمع من خلائق لا يحصون فإنه سافر الكثير إلى مكّة، والثغور، والبصرة، وغير ذلك، وصحبه جماعة من شيوخ المذهب، منهم: أبو حفص [العكبري، وأبو حفص] البرمكي، وأبو عبد الله بن حامد، [وأبو علي بن شهاب] ، وأبو إسحاق البرمكي في آخرين.
ولما رجع من الرحلة لازم بيته أربعين سنة، فلم ير في سوق ولا رئي مفطرا إلا في يوم الفطر، والأضحى، وأيام التشريق.
وقال عبد الواحد بن علي العكبري: لم أر في شيوخ أصحاب الحديث، ولا في غيرهم، أحسن هيئة من ابن بطة.
وكان أمّارا بالمعروف، ولم يبلغه خبر منكر إلا غيّره.
وقال أبو محمد الجوهري: سمعت أخي أبا عبد الله يقول: رأيت النّبيّ، ﵌، في المنام، فقلت له: يا رسول الله، أي المذاهب خير؟ أو قال:
قلت: على أي المذاهب أكون؟ فقال: «ابن بطة، ابن بطة، ابن بطة» فخرجت من بغداد إلى عكبرا، فصادف دخولي يوم جمعة، فقصدت الشيخ
стр. 1751
أبا عبد الله بن بطة إلى الجامع، فلما رآني قال لي: ابتداء: صدق رسول الله، ﵌، صدق رسول الله، ﵌.
وقال أبو عبد الله بن بطة: ولدت يوم الاثنين لأربع خلون من شوال، سنة أربع وثلاثمائة، وولد ابن منيع، ﵀، سنة أربع عشرة ومائتين، ومات يوم الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وقرأت عليه «معجمه» في نفر خاص في مدة عشرة أيام أو أقل أو أكثر، وذلك في آخر سنة خمس عشرة وأول سنة ست عشرة.
وكان بعين ابن بطة ناصور، وقد وصف له ترك العشاء، فكان يجعل عشاءه قبل الفجر بيسير، ولا ينام حتّى يصبح، وكان عالما بمنازل النّيّرين [١] .
واجتاز ابن بطّة بالأحنف العكبري، فقام له، فشق ذلك عليه، فأنشأ الأحنف:
لا تلمني على القيام فحقي ... حين تبدو أن لا أملّ القياما
أنت من أكرم البرية عندي ... ومن الحق أن أجل الكراما
فقال ابن بطّة متكلفا له الجواب:
أنت إن كنت- لاعدمتك- ترعى ... لي حقا وتظهر الإعظاما
فلك الفضل في التقدم والع ... لم ولسنا نحب منك احتشاما
فاعفني الآن من قيامك أو لا ... فسأجزيك بالقيام قياما
وأنا كاره لذلك جدّا ... إنّ فيه تملقا وآثاما
لا تكلف أخاك أن يتلقا ... ك بما يستحلّ فيه الحراما
وإذا صحّت الضّمائر منا ... اكتفينا أن نتعب الأجساما
كلنا واثق بود أخيه [٢] ... ففيم انزعاجنا وعلام
стр. 1752
ويقال: إنه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، ومصنفاته تزيد على مائة، رحمه الله تعالى.
وفيها ابن مردك، أبو الحسن، علي بن عبد العزيز بن مردك البرذعي [١] البزّاز ببغداد، حدّث عن عبد الرّحمن بن أبي حاتم وجماعة، ووثقه الخطيب [٢] ، وتوفي في المحرم، وكان عبدا صالحا.
وفيها فخر الدولة، علي بن ركن الدولة الحسن بن بويه الدّيلمي، سلطان الرّيّ، وبلاد الجبل، وزر له الصّاحب بن عبّاد، وكان ملكا شجاعا مطاعا جمّاعا للأموال، واسع الممالك، عاش ستا وأربعين سنة، وكانت أيامه أربع عشرة سنة، لقّبه الطائع ملك الأمة، وكان أجلّ من بقي من ملوك بني بويه، وكان يقول: قد جمعت لولدي ما يكفيهم ويكفي عسكرهم خمس عشرة سنة.
قال ابن الجوزي في كتابه «شذور العقود» : توفي في قلعة بالرّيّ، وكانت مفاتيح خزائنها مع ولده، ولم يحضر، فلم يوجد له كفن، فابتيع من قيم الجامع الذي تحت القلعة ثوب، فلف فيه، واختلف الجند، فاشتغلوا عنه حتّى أراح [٣] ، فلم يمكنهم القرب منه، فشدّ بالحبال وجرّ على درج القلعة من بعد حتّى تقطع، وكان قد ترك ألفي ألف دينار وثمانمائة وخمسة وستين ألفا، وكان في خزانته من الجوهر، والياقوت، والؤلؤ، والبلخش [٤] والماس أربعة عشر ألفا وخمسمائة قطعة، قيمتها ألف ألف دينار، ومن أواني
стр. 1753
الفضة ما وزنه ثلاثة آلاف ألف من، ومن الأثاث ثلاثة آلاف حمل، ومن السلاح ألفا حمل، ومن الفرش ألفان وخمسمائة حمل. انتهى ما ذكره ابن الجوزي.
وفيها أبو ذر، عمّار بن محمد بن مخلد التميمي، نزيل بخارى. روى عن يحيى بن صاعد وجماعة، ومات في صفر، وروى عنه عبد الواحد الزبيري، الذي عاش بعده مائة وثمان سنين، وهذا معدوم النظير.
وفيها أبو الحسين بن سمعون، الإمام القدوة، الناطق بالحكمة، محمد بن أحمد بن إسماعيل البغدادي الواعظ، صاحب الأحوال والمقامات.
روى عن أبي بكر بن أبي داود وجماعة، وأملى عدّة مجالس. ولد سنة ثلاثمائة، ومات في نصف ذي القعدة ولم يخلف ببغداد مثله.
قال ابن خلّكان [١] : كان وحيد دهره في الكلام على الخواطر، وحسن الوعظ، وحلاوة الإشارة، ولطف العبارة. أدرك جماعة من [جلّة] المشايخ، وروى عنهم، منهم: الشيخ أبو بكر الشبلي ﵀، وأنظاره، ومن كلامه ما رواه الصّاحب بن عبّاد قال: سمعت ابن سمعون يوما وهو على الكرسي في مجلس وعظه يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصر بالشحم، واسمع بالعظم، إشارة إلى اللسان، والعين، والأذن، وهذه من لطائف الإشارات، ومن كلامه أيضا: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة، وله كل معنى لطيف.
كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير، ولهم به غرام شديد، وإياه عنى الحريري صاحب «المقامات» في المقامة الحادية والعشرين، وهي الرازية [٢] بقوله: رأيت بها [ذات] بكرة، زمرة إثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد،
стр. 1754
ومستنّون استنان الجياد، ومتواصفون واعظا يقصدونه، ويحلّون ابن سمعون دونه. ولم يأت في الوعّاظ مثله.
دفن في داره بشارع العباس [١] ثم نقل يوم الخميس حادي عشر رجب، سنة ست وعشرين وأربعمائة، ودفن بباب حرب، وقيل: إن أكفانه لم تكن بليت بعد، رحمه الله تعالى. انتهى ملخصا.
وقال ابن الأهدل: هو لسان الوقت المرجوع إليه في آداب الظاهر، يذهب إلى أسد المذاهب مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد، وصحبة الفقراء، وكان الباقلاني والإسفراييني يقبّلان يده، ويجلّانه، وكان أول أمره ينسخ بالأجرة، ويبرّ أمه، فأراد الحج، فمنعته أمه، ثم رأت رسول الله ﷺ وهو يقول: «دعيه يحجّ، فإن الخيرة له في حجّه في الآخرة والأولى» فخرج مع الحاج فأخذهم العرب وسلبوه، فاستمر حتّى ورد مكّة. قال: فدعوت في البيت فقلت: اللهمّ إنك بعلمك غنيّ عن إعلامي بحالي، اللهمّ ارزقني معيشة أشتغل بها عن سؤال الناس. قال: فسمعت قائلا يقول: اللهمّ إنه ما يحسن يدعوك، اللهمّ ارزقه عيشا بلا مشقة، فأعدت ثلاثا، وهو يعيد، ولا أرى أحدا.
وروى الخطيب [٢] أن ابن سمعون خرج من المدينة الشريفة إلى بيت الله ومعه تمر صيحاني، فاشتهى الرطب، فلما كان وقت الإفطار، إذا التمر رطب، فلم يأكله، فعاد إليه من الغد، فإذا هو تمر، فأكله. انتهى ملخصا أيضا.
وفيها أبو الطيب التّيملي- بفتح الفوقية وسكون التحتية وضم الميم ولام، نسبة إلى تيم الله بن ثعلبة [٣] قبيلة، وتيم اللّات بطن من كلب، لا أدري
стр. 1755
إلى أيّهما ينسب صاحب الترجمة- محمد بن الحسين الكوفي. سمع عبد الله بن زيدان البجلي وجماعة وكان ثقة.
وفيها أبو الفضل الشيباني، محمد بن عبد الله الكوفي، حدّث ببغداد عن محمد بن جرير الطبري، والكبار، لكنه كان يضع الحديث للرافضة فترك.
وفيها أبو طاهر، محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة السّلمي النيسابوري. روى الكثير عن جدّه، وأبي العبّاس السرّاج، وخلق، واختلط قبل موته بثلاثة أعوام، فتجنّبوه.
وفيها محمد بن المسيّب، الأمير أبو الذّواد العقيلي، من أجلّ [١] أمراء العرب، تملك الموصل، وغلب عليها، في سنة ثمانين وثلاثمائة، وصاهر بني بويه، وتملك بعده أخوه حسام الدولة مقلّد بن المسيّب.
وفيها أبو القاسم السرّاج موسى بن عيسى البغدادي، وقد نيّف على التسعين. روى عن الباغندي وجماعة، ووثقه عبيد الله الأزهري.
وفيها نوح بن الملك منصور بن الملك نوح بن الملك نصر بن الملك أحمد بن الملك إسماعيل السّاماني [٢] ، أبو القاسم، سلطان بخارى وسمرقند، وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة، وولي بعده ابنه منصور، ثم بعد عامين توثّب عليه أخوه عبد الملك بن نوح، الذي هزمه السلطان محمد بن سبكتكين، وانقرضت الدولة السّامانيّة.
قال ابن الفرات: استولى أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة سبكتكين، وأخذ الملك من مجد الدولة، وأسره وأنفذ مقيدا إلى خراسان، وكتب إلى