أبا عبد الله بن بطة إلى الجامع، فلما رآني قال لي: ابتداء: صدق رسول الله، ﵌، صدق رسول الله، ﵌.
وقال أبو عبد الله بن بطة: ولدت يوم الاثنين لأربع خلون من شوال، سنة أربع وثلاثمائة، وولد ابن منيع، ﵀، سنة أربع عشرة ومائتين، ومات يوم الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وقرأت عليه «معجمه» في نفر خاص في مدة عشرة أيام أو أقل أو أكثر، وذلك في آخر سنة خمس عشرة وأول سنة ست عشرة.
وكان بعين ابن بطة ناصور، وقد وصف له ترك العشاء، فكان يجعل عشاءه قبل الفجر بيسير، ولا ينام حتّى يصبح، وكان عالما بمنازل النّيّرين [١] .
واجتاز ابن بطّة بالأحنف العكبري، فقام له، فشق ذلك عليه، فأنشأ الأحنف:
لا تلمني على القيام فحقي ... حين تبدو أن لا أملّ القياما
أنت من أكرم البرية عندي ... ومن الحق أن أجل الكراما
فقال ابن بطّة متكلفا له الجواب:
أنت إن كنت- لاعدمتك- ترعى ... لي حقا وتظهر الإعظاما
فلك الفضل في التقدم والع ... لم ولسنا نحب منك احتشاما
فاعفني الآن من قيامك أو لا ... فسأجزيك بالقيام قياما
وأنا كاره لذلك جدّا ... إنّ فيه تملقا وآثاما
لا تكلف أخاك أن يتلقا ... ك بما يستحلّ فيه الحراما
وإذا صحّت الضّمائر منا ... اكتفينا أن نتعب الأجساما
كلنا واثق بود أخيه [٢] ... ففيم انزعاجنا وعلام
стр. 1752
ويقال: إنه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، ومصنفاته تزيد على مائة، رحمه الله تعالى.
وفيها ابن مردك، أبو الحسن، علي بن عبد العزيز بن مردك البرذعي [١] البزّاز ببغداد، حدّث عن عبد الرّحمن بن أبي حاتم وجماعة، ووثقه الخطيب [٢] ، وتوفي في المحرم، وكان عبدا صالحا.
وفيها فخر الدولة، علي بن ركن الدولة الحسن بن بويه الدّيلمي، سلطان الرّيّ، وبلاد الجبل، وزر له الصّاحب بن عبّاد، وكان ملكا شجاعا مطاعا جمّاعا للأموال، واسع الممالك، عاش ستا وأربعين سنة، وكانت أيامه أربع عشرة سنة، لقّبه الطائع ملك الأمة، وكان أجلّ من بقي من ملوك بني بويه، وكان يقول: قد جمعت لولدي ما يكفيهم ويكفي عسكرهم خمس عشرة سنة.
قال ابن الجوزي في كتابه «شذور العقود» : توفي في قلعة بالرّيّ، وكانت مفاتيح خزائنها مع ولده، ولم يحضر، فلم يوجد له كفن، فابتيع من قيم الجامع الذي تحت القلعة ثوب، فلف فيه، واختلف الجند، فاشتغلوا عنه حتّى أراح [٣] ، فلم يمكنهم القرب منه، فشدّ بالحبال وجرّ على درج القلعة من بعد حتّى تقطع، وكان قد ترك ألفي ألف دينار وثمانمائة وخمسة وستين ألفا، وكان في خزانته من الجوهر، والياقوت، والؤلؤ، والبلخش [٤] والماس أربعة عشر ألفا وخمسمائة قطعة، قيمتها ألف ألف دينار، ومن أواني
стр. 1753
الفضة ما وزنه ثلاثة آلاف ألف من، ومن الأثاث ثلاثة آلاف حمل، ومن السلاح ألفا حمل، ومن الفرش ألفان وخمسمائة حمل. انتهى ما ذكره ابن الجوزي.
وفيها أبو ذر، عمّار بن محمد بن مخلد التميمي، نزيل بخارى. روى عن يحيى بن صاعد وجماعة، ومات في صفر، وروى عنه عبد الواحد الزبيري، الذي عاش بعده مائة وثمان سنين، وهذا معدوم النظير.
وفيها أبو الحسين بن سمعون، الإمام القدوة، الناطق بالحكمة، محمد بن أحمد بن إسماعيل البغدادي الواعظ، صاحب الأحوال والمقامات.
روى عن أبي بكر بن أبي داود وجماعة، وأملى عدّة مجالس. ولد سنة ثلاثمائة، ومات في نصف ذي القعدة ولم يخلف ببغداد مثله.
قال ابن خلّكان [١] : كان وحيد دهره في الكلام على الخواطر، وحسن الوعظ، وحلاوة الإشارة، ولطف العبارة. أدرك جماعة من [جلّة] المشايخ، وروى عنهم، منهم: الشيخ أبو بكر الشبلي ﵀، وأنظاره، ومن كلامه ما رواه الصّاحب بن عبّاد قال: سمعت ابن سمعون يوما وهو على الكرسي في مجلس وعظه يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصر بالشحم، واسمع بالعظم، إشارة إلى اللسان، والعين، والأذن، وهذه من لطائف الإشارات، ومن كلامه أيضا: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة، وله كل معنى لطيف.
كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير، ولهم به غرام شديد، وإياه عنى الحريري صاحب «المقامات» في المقامة الحادية والعشرين، وهي الرازية [٢] بقوله: رأيت بها [ذات] بكرة، زمرة إثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد،
стр. 1754
ومستنّون استنان الجياد، ومتواصفون واعظا يقصدونه، ويحلّون ابن سمعون دونه. ولم يأت في الوعّاظ مثله.
دفن في داره بشارع العباس [١] ثم نقل يوم الخميس حادي عشر رجب، سنة ست وعشرين وأربعمائة، ودفن بباب حرب، وقيل: إن أكفانه لم تكن بليت بعد، رحمه الله تعالى. انتهى ملخصا.
وقال ابن الأهدل: هو لسان الوقت المرجوع إليه في آداب الظاهر، يذهب إلى أسد المذاهب مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد، وصحبة الفقراء، وكان الباقلاني والإسفراييني يقبّلان يده، ويجلّانه، وكان أول أمره ينسخ بالأجرة، ويبرّ أمه، فأراد الحج، فمنعته أمه، ثم رأت رسول الله ﷺ وهو يقول: «دعيه يحجّ، فإن الخيرة له في حجّه في الآخرة والأولى» فخرج مع الحاج فأخذهم العرب وسلبوه، فاستمر حتّى ورد مكّة. قال: فدعوت في البيت فقلت: اللهمّ إنك بعلمك غنيّ عن إعلامي بحالي، اللهمّ ارزقني معيشة أشتغل بها عن سؤال الناس. قال: فسمعت قائلا يقول: اللهمّ إنه ما يحسن يدعوك، اللهمّ ارزقه عيشا بلا مشقة، فأعدت ثلاثا، وهو يعيد، ولا أرى أحدا.
وروى الخطيب [٢] أن ابن سمعون خرج من المدينة الشريفة إلى بيت الله ومعه تمر صيحاني، فاشتهى الرطب، فلما كان وقت الإفطار، إذا التمر رطب، فلم يأكله، فعاد إليه من الغد، فإذا هو تمر، فأكله. انتهى ملخصا أيضا.
وفيها أبو الطيب التّيملي- بفتح الفوقية وسكون التحتية وضم الميم ولام، نسبة إلى تيم الله بن ثعلبة [٣] قبيلة، وتيم اللّات بطن من كلب، لا أدري
стр. 1755
إلى أيّهما ينسب صاحب الترجمة- محمد بن الحسين الكوفي. سمع عبد الله بن زيدان البجلي وجماعة وكان ثقة.
وفيها أبو الفضل الشيباني، محمد بن عبد الله الكوفي، حدّث ببغداد عن محمد بن جرير الطبري، والكبار، لكنه كان يضع الحديث للرافضة فترك.
وفيها أبو طاهر، محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة السّلمي النيسابوري. روى الكثير عن جدّه، وأبي العبّاس السرّاج، وخلق، واختلط قبل موته بثلاثة أعوام، فتجنّبوه.
وفيها محمد بن المسيّب، الأمير أبو الذّواد العقيلي، من أجلّ [١] أمراء العرب، تملك الموصل، وغلب عليها، في سنة ثمانين وثلاثمائة، وصاهر بني بويه، وتملك بعده أخوه حسام الدولة مقلّد بن المسيّب.
وفيها أبو القاسم السرّاج موسى بن عيسى البغدادي، وقد نيّف على التسعين. روى عن الباغندي وجماعة، ووثقه عبيد الله الأزهري.
وفيها نوح بن الملك منصور بن الملك نوح بن الملك نصر بن الملك أحمد بن الملك إسماعيل السّاماني [٢] ، أبو القاسم، سلطان بخارى وسمرقند، وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة، وولي بعده ابنه منصور، ثم بعد عامين توثّب عليه أخوه عبد الملك بن نوح، الذي هزمه السلطان محمد بن سبكتكين، وانقرضت الدولة السّامانيّة.
قال ابن الفرات: استولى أبو القاسم محمود بن ناصر الدولة سبكتكين، وأخذ الملك من مجد الدولة، وأسره وأنفذ مقيدا إلى خراسان، وكتب إلى
стр. 1756
القادر بالله يعلمه بذلك، فكتب إليه القادر عهدا على خراسان، والجبال، والسند، والهند، وطبرستان، وسجستان، ولقبه يمين الدولة، وناصر الملّة، نظام الدّين، ناصر الحق، نصير أمير المؤمنين.
قيل: وكان قبل ذلك يلقب بمولى أمير المؤمنين، ولقّب بالسلطان، وجلس على التخت، ولبس التاج، ودخل عليه البديع الهمذاني، وامتدحه بأبيات يقول فيها:
أظلت شمس محمود ... على أنجم سامان
وأضحى آل بهرام ... عبيدا لابن خاقان
انتهى.
стр. 1757
سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة
فيها كما قال في «الشذور» كان البرد زائدا، حتّى جمدت جوب الحمامات، وبول الدواب. انتهى.
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن عبدان بن محمد بن الفرج الشيرازي الحافظ، كان من كبار المحدّثين، سأله حمزة السّهمي، عن الجرح والتّعديل، وعمّر دهرا. روى عن الباغندي، والكبار، وأول سماعه سنة أربع وثلاثمائة، توفي في صفر بالأهواز، وكان يقال له: الباز الأبيض.
قال ابن ناصر الدّين: كان واحد الثقات الحفّاظ.
وفيها الحافظ المتقن أحمد بن عبد البصير القرطبي، المتقن المجود.
قال ابن ناصر الدّين: معدود في حفّاظ بلاده، مذكور في محدّثيه ونقّاده. انتهى.
وفيها حمد بن محمد [١] بن إبراهيم بن خطّاب الخطّابي البستي- بضم الموحدة وسكون السين المهملة وبالفوقية، نسبة إلى بست مدينة من بلاد كابل- أبو سليمان.
стр. 1758
كان أحد أوعية العلم في زمانه، حافظا، فقيها، مبرزا على أقرانه.
وقال ابن الأهدل: أبو سليمان حمد بن محمد الخطّابي البستي الشافعي، صاحب التصانيف النافعة الجامعة، منها «معالم السنن» و «غريب الحديث» و «إصلاح غلط المحدّثين» وغيرها. روى عن جماعة من الأكابر، وروى عنه الحاكم وغيره، ومن شعره:
وما غربة [١] الإنسان في شقّة النّوى ... ولكنها والله في عدم الشّكل
وإني غريب بين بست وأهلها ... وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي [٢]
ومنه:
فسامح ولا تستوف حقّك دائما ... وأفضل فلم يستوف قطّ كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم [٣]
ومنه:
ما دمت حيّا فدار النّاس كلّهم ... فإنّما أنت في دار المداراة
ولا تعلق بغير الله في نوب ... إنّ المهيمن كافيك المهمات [٤]
وسئل عن اسمه أحمد أو حمد، فقال: سميت بحمد وكتب الناس أحمد، فتركته. انتهى.
وفيها أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي الصيرفي الحافظ. روى عن إسماعيل الصفّار وطبقته، وكان عجبا في حفظ
стр. 1759
الحديث وسرده، وروى عنه أبو حفص بن شاهين مع تقدمه، وتوفي في ربيع الآخر، عن إحدى وستين سنة، وكان ثقة غمزه بعضهم. قاله في «العبر» [١] .
وفيها أبو الفضل الفامي، عبيد الله بن محمد النيسابوري. روى عن أبي العبّاس السرّاج، وغيره.
وفيها أبو العلاء [٢] بن ماهان، عبد الوهاب بن عيسى البغدادي ثم المصري. روى «صحيح مسلم» عن أبي بكر أحمد بن محمد الأشقر سوى ثلاثة أجزاء من أجزاء الكتاب يرويها عن الجلودي.
وفيها أبو حفص عمر بن محمد بن عراك المصري، المقرئ المجود القيّم بقراءة ورش، توفي يوم عاشوراء، وقرأ على أصحاب إسماعيل النحّاس.
وفيها أبو الفرج الشّنبوذي، محمد بن أحمد بن إبراهيم المقرئ، غلام ابن شنبوذ. قرأ عليه القراءات، وعلى ابن مجاهد، وجماعة، واعتنى بهذا الشأن، وتصدّر للإقراء، وكان عارفا بالتفسير، وكان يقول أحفظ خمسين ألف بيت من الشعر، شواهد للقرآن، تكلم فيه الدارقطني.
وفيها أبو بكر الإشتيخني- بكسر أوله والفوقية وسكون المعجمة والتحتية، ثم خاء معجمة مفتوحة، ونون، نسبة إلى إشتيخن من قرى الصّغد- محمد بن أحمد بن متّ، الرّاوي «صحيح البخاري» عن الفربري، توفي في رجب بما وراء النهر.
وفيها أبو علي الحاتمي، محمد بن الحسن بن مظفّر البغدادي اللغويّ الكاتب، أحد الأعلام المشاهير المكثرين. أخذ الأدب عن أبي عمر
стр. 1760
الزاهد غلام ثعلب، وروى عنه أخبارا وأملاها في مجالس الأدب [١] وروى عن غيره أيضا، وأخذ عنه جماعة من النبلاء منهم: القاضي التنوخي وغيره، وله «الرسالة الحاتمية» التي شرح فيها ما جرى بينه وبين أبي الطيب المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره، ولقد دلّت على غزارة مادته توفر [٢] اطّلاعه.
وذكر الحاتميّ أنه اعتلّ، فتأخر عن مجلس شيخه أبي عمر الزاهد، فسأل عنه، فقيل له: إنه [٣] مريض، فجاءه يعوده، فوجده قد خرج إلى الحمام، فكتب على بابه بإسفيداج:
وأعجب شيء سمعنا به ... عليل يزار [٤] فلا يوجد
وفيها أبو بكر الجوزقي- بالجيم والزاي، نسبة إلى جوزق [٥] كجعفر، قرية بنيسابور وأخرى بهراة- محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني الحافظ المعدل، شيخ نيسابور ومحدّثها، ومصنّف «الصحيح» روى عن السرّاج، وأبي حامد بن الشرقي، وطبقتهما، ورحل إلى أبي العبّاس الدّغولي، وإلى ابن الأعرابي، وإسماعيل الصفّار.
قال الحاكم: انتقيت له فوائد في عشرين جزءا، ثم ظهر بعدها سماعه من السرّاج، واعتنى به خاله المزكي، وتوفي في شوال عن اثنتين وثمانين سنة.
وقال ابن ناصر الدّين: من مصنفاته كتاب «الصحيح» المخرّج على
стр. 1761
كتاب مسلم، وكتاب «المتفق والمفترق» الكبير في نحو ثلاثمائة جزء خطير.
انتهى.
وفيها أبو بكر الأدفوي، محمد بن علي بن أحمد المصري المقرئ المفسر النحوي [١]- وأدفو بضم الهمزة وسكون المهملة، وضم الفاء، قرية بصعيد مصر قرب أسوان- وكان خشابا أخذ عن أبي علي جعفر النحاس فأكثر، وأتقن رواية ورش على أبي غانم المظفّر بن أحمد، وألّف «التفسير» في مائة وعشرين مجلدا، وكان شيخ الديار المصرية وعالمها، وكانت له حلقة كبيرة للعلم، وتوفي في ربيع الأول.
стр. 1762
سنة تسع وثمانين وثلاثمائة
تمادت الرافضة [١] في هذه الأعصر في غيّهم بعمل عاشوراء باللطم والعويل، وبنصب القباب، والزينة، وشعار الأعياد، يوم الغدير، فعمدت غالية السّنّة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير، يوم الغار، وجعلوه بعد ثمانية أيام من يوم الغدير، وهو السادس والعشرون من ذي الحجّة، وزعموا أن النّبيّ ﷺ ، وأبا بكر اختفيا حينئذ في الغار، وهذا جهل وغلط، فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في صفر، وفي أول شهر ربيع الأول، وجعلوا بإزاء يوم عاشوراء بعده بثمانية أيام، يوم مصرع مصعب بن الزّبير، وزاروا قبره يومئذ بمسكن، وبكوا عليه، ونظّروه بالحسين لكونه صبر وقاتل، حتّى قتل، ولأن أباه ابن عمة النّبيّ ﷺ ، وحواريه، وفارس الإسلام، كما أن أبا الحسين، ابن عم النّبيّ ﷺ ، وفارس الإسلام، فنعوذ بالله من الهوى والفتن، ودامت السّنّة على هذا الشعار القبيح مدة سنين. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عابد- بالموحدة- الأسدي الأندلسي القرطبي [٣] أبو عمر، مات كهلا لم يبلغ التعمير، وكان عنده حفظ وتحرير.
قاله ابن ناصر الدّين.
стр. 1763
وفيها أبو محمد المخلدي- بفتح أوله واللام، نسبة إلى جدّه مخلد، الذي سيذكر- الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن مخلد النيسابوري المحدّث، شيخ العدالة، وبقية أهل البيوتات، توفي في رجب، وروى عن السّراج، وزنجويه اللّباد، وطبقتهما.
وفيها أبو علي، زاهر بن أحمد السّرخسي، الفقيه الشافعي، أحد الأئمة، في ربيع الآخر، وله ست وتسعون سنة. روى عن أبي لبيد السّامي، والبغوي، وطبقتهما.
قال الحاكم: شيخ عصره بخراسان، وكان قد قرأ على ابن مجاهد، وتفقه على أبي إسحاق المروزي، وتأدب على ابن الأنباري.
وأخذ علم الكلام عن الأشعري، وعمّر دهرا.
وقال ابن قاضي شهبة: كان يقول عند الموت: لعن الله المعتزلة، موّهوا ومخرقوا، ومات وله ست وتسعون سنة.
وفيها أبو محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي، عبد الله بن أبي زيد، شيخ المغرب، إليه انتهت رئاسة المذهب.
قال القاضي عياض: حاز رئاسة الدّين والدّنيا، ورحل إليه من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب وملأ البلاد من تآليفه، حج وسمع من أبي سعيد بن الأعرابي وغيره، وكان يسمى مالكا الأصغر.
قال الحبّال [١] : توفي للنصف من شعبان.
стр. 1764
وفيها أبو الطيب بن غلبون، عبد المنعم بن عبيد الله [١] بن غلبون الحلبي المقرئ الشافعي، صاحب الكتب في القراءات. قرأ على جماعة كثيرة، وروى الحديث، وكان ثقة محققا بعيد الصيت، توفي بمصر في جمادى الأولى، وله ثمانون سنة، وأخذ عنه خلق كثير.
قال السيوطي في «حسن المحاضرة» [٢] : قرأ على إبراهيم بن عبد الرزاق، وقرأ عليه ولده، ومكي بن أبي طالب [٣] وأبو عمر الطّلمنكي، وكان حافظا للقراءة، ضابطا، ذا عفاف ونسك، وفضل، وحسن تصنيف. ولد في رجب سنة تسع وثلاثين، ومات بمصر في جمادى الأولى. انتهى.
وفيها أبو القاسم بن حبابة المحدّث، عبيد الله بن محمد بن إسحاق البغدادي البزّاز المتّوثي- بفتح الميم وضم التاء المثناة من فوق المشددة، آخره مثلثة، نسبة إلى متّوث بلد بين قرقوب والأهواز- وهو راوي «الجعديات» عن البغوي، توفي في ربيع الأخر.
وفيها أبو الهيثم الكشميهني- بالضم والسكون والكسر، وتحتية، وفتح الهاء، نسبة إلى كشميهن، قرية بمرو- محمد بن مكّي المروزي، راوية البخاري عن الفربري، توفي يوم عرفة، وكان ثقة، وله رسائل أنيقة.
وفيها قاضي القضاة لصاحب مصر، أبو عبد الله، محمد بن النّعمان بن محمد بن منصور الشيعي في الظاهر، الباطني في الباطن. ولد قاضي القوم وأخو قاضيهم.
стр. 1765
قال ابن زولاق: لم نشاهد بمصر لقاض من الرئاسة ما شاهدناه له، ولا بلغنا ذلك عن قاض بالعراق، ووافق ذلك استحقاقا لما فيه من العلم، والصيانة، والهيبة، وإقامة الحق، وقد ارتفعت رتبته حتّى إن العزيز أجلسه [١] معه يوم الأضحى على المنبر، وزادت عظمته في دولة الحاكم، ثم تعلّل وتنقرس، ومات في صفر، وله تسع وأربعون سنة، وولي القضاء بعده ابن أخيه الحسين بن علي الذي ضربت عنقه في سنة أربع وتسعين.
стр. 1766
سنة تسعين وثلاثمائة
فيها توفيت أمة السّلام [١] بنت القاضي أحمد بن كامل بن شجرة البغدادية. كانت ديّنة فاضلة [٢] . روت عن محمد بن إسماعيل البصلاني، وغيره.
وفيها ابن فارس اللغوي، أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرّازي اللغوي، كان إماما في علوم شتى، خصوصا اللغة، فإنه أتقنها، وألّف كتابه «المجمل في اللغة» [٣] وهو على اختصاره، جمع شيئا كثيرا، وله كتاب «حلية الفقهاء» [٤] وله رسائل أنيقة [٥] . ومنه اقتبس الحريري صاحب «المقامات» ذلك الأسلوب، ووضع المسائل الفقهية في «المقامة الطيبية» وهي مائة مسألة، وكان مقيما بهمذان، وعليه اشتغل بديع الزمان
стр. 1767
الهمذاني صاحب «المقامات» وله أشعار جيدة، فمنها قوله:
مرّت بنا هيفاء مجدولة ... تركيّة تنمى لتركيّ [١]
ترنو بطرف فاتر فاتن ... أضعف من حجّة نحويّ [٢]
وله أيضا:
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه [٣]
إيّاك واحذر أن تبي ... ت من الثقات على ثقه [٤]
وله أيضا:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدّرهم [٥]
وله أيضا:
سقى همذان الغيث لست بقائل ... سوى ذا، وفي الأحشاء نار تضرّم
وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين وما في جوف بيتي درهم [٦]
وله أشعار كثيرة حسنة.
توفي بالرّيّ، ودفن مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني.
стр. 1768
ومن شعره أيضا:
وقالوا كيف حالك؟ قلت خير ... تقضى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصّدّر قلنا ... عسى يوما [١] يكون لها [٢] انفراج
نديمي هرّتي وأنيس نفسي [٣] ... دفاتر لي ومعشوقي السّراج [٤]
وفيها جيش [٥] بن محمد بن صمصامة القائد أبو الفتح الكتّانيّ [٦] . ولي إمرة دمشق ثلاث مرات لصاحب مصر، وكان جبّارا، ظلوما، غشوما، سفاكا للدماء، وكثر ابتهال أهل دمشق إلى الله في هلاكه، حتّى هلك بالجذام في هذه السنة.
وفيها أبو حفص الكتّاني، عمر بن إبراهيم البغدادي المقرئ [٧] ، صاحب ابن مجاهد. قرأ عليه، وسمع منه كتابه في القراءات [٨] وحدّث عن البغوي وطائفة، توفي في رجب، وله تسعون سنة، وكان ثقة.
стр. 1769
وفيها ابن أخي ميمي الدقاق، أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين البغدادي. روى عن البغوي وجماعة، وله أجزاء مشهورة، وتوفي في رجب.
وفيها أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلوي الحسيني [١] الزّيدي [٢] الكوفي، رئيس العلوية بالعراق. ولد سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وروى عن هنّاد بن السري، الصغير، وغيره، صادره عضد الدولة وحبسه وأخذ أمواله، ثم أخرجه شرف الدولة لما تملّك، وعظم شأنه في دولته، فيقال: إنه كان من أكثر علويّ مالا، وقد أخذ منه عضد الدولة [لما صودر] [٣] ألف ألف دينار.
وفيها أبو زرعة الكشّي، محمد بن يوسف الجرجاني- وكشّ قرية قريبة من جرجان- سمع من أبي نعيم بن عدي، وأبي العبّاس الدّغولي، وطبقتهما، بنيسابور، وبغداد، وهمذان، والحجاز، وجمع وصنّف الأبواب والمشايخ، وجاور بمكة سنوات، وبها توفي.
وفيها المعافى بن زكريا القاضي أبو الفرج النهرواني الجريري، نسبة إلى مذهب ابن جرير الطبري، لأنه تفقه عليه، ويعرف أيضا بابن طرارا [٤] .
سمع من البغوي وطبقته فأكثر، وجمع فأوعى، وبرع في عدة علوم.
стр. 1770
قال الخطيب [١] : كان من أعلم الناس في وقته بالفقه، والنحو، واللغة، وأصناف الآداب، وولي القضاء بباب الطاق.
وبلغنا عن الفقيه أبي محمد البافي [٢] أنه كان يقول: إذا حضر القاضي أبو الفرج، فقد حضرت العلوم كلها. ولو أوصى رجل بشيء [٣] أن يدفع إلى أعلم [٤] الناس، لوجب أن يدفع إليه.
وقال البرقاني: كان المعافى أعلم الناس.
وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا علّامة، ذا فنون، من الثقات، ومن مصنفاته «التفسير الكبير» وكتاب «الجليس والأنيس» انتهى.
ومن شعره:
ألا قل لمن كان لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في ملكه ... بأنّك لم ترض لي ما وهب
فجازاك عني بأن زادني ... وسدّ عليك وجوه الطلب [٥]
وتوفي بالنهروان في ذي الحجة، وله خمس وثمانون سنة، وكان قانعا متعففا.
стр. 1771
سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي أحمد بن عبد الله بن حميد بن زريق البغدادي، أبو الحسن، نزيل مصر. كان من الثقات الأثبات. روى عن المحاملي، ومحمد بن مخلد، وجماعة، وكان صاحب حديث. رحل إلى دمشق والرّقّة.
وفيها أحمد بن يوسف الخشّاب، أبو بكر الثّقفي، المؤذّن بأصبهان.
روى عن الحسن بن دكّة [١] وجماعة كثيرة.
وفيها جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الفرات، أبو الفضل، ابن حنزابه البغدادي، وزير الدّيار المصرية، وابن وزير المقتدر أبي الفتح. حدّث عن محمد بن هارون الحضرمي، والحسن بن محمد الداركي، وخلق، وكان صاحب حديث. ولد سنة ثمان وثلاثمائة، ومات في ربيع الأول.
قال الحافظ السّلفي [٢] : كان ابن حنزابة من الحفّاظ الثقات، يملي في حال وزارته، ولا يختار على العلم وأهله شيئا.
وكذا قال ابن ناصر الدّين.
وقال غيرهما: كان له عبادة، وتهجد، وصدقات عظيمة إلى الغاية،
стр. 1772
توفي بمصر، ونقل فدفن في دار اشتراها من الأشراف بالمدينة من أقرب شيء إلى قبر رسول الله ﷺ .
وذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» وأورد من شعره:
من أخمل النّفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر
إنّ الرّياح إذا اشتدّت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشّجر [١]
وقال: كان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة دارا بالقرب من المسجد ليس بينها وبين الضريح النبوي، على ساكنه أفضل الصلاة والسلام سوى جدار واحد، وأوصى أن يدفن بها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاء بما أحسن إليهم، فحجّوا به وطافوا، ووقفوا بعرفة، ثم ردّوه إلى المدينة ودفنوه بالدّار المذكورة. انتهى كلام ابن عساكر.
ويقال: إن بعضهم أنشد:
سرى نعشه فوق الرّقاب وطالما ... سرى جوده فوق السّحاب ونائله
يمرّ على الوادي فتثنى رماله ... عليه وبالنّادي فتبكي أرامله [٢]
رحمه الله تعالى.
وحنزابه: بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح الزاي، وبعد الألف موحدة، ثم هاء ساكنة، هي أم أبيه الفضل بن جعفر، والحنزابه في اللغة: المرأة القصيرة الغليظة.
стр. 1773
وفيها ابن حجّاج الأديب، أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن الحجّاج البغدادي الشّيعي المحتسب، الشاعر المشهور، ذو المجون، والخلاعة والسخف في شعره. كان فرد زمانه في فنه، فإنه لم يسبق إلى تلك الطريقة مع عذوبة ألفاظه، وسلامة شعره من التكلف، ويقال:
إنه في الشعر في درجة امرئ القيس، وأنه لم يكن بينهما مثلهما، لأن كل واحد منهما مخترع طريقة.
وله ديوان كبير، يبلغ عشر مجلدات، الغالب عليه الهزل، والمجون، والهجو والرفث [١] .
وكان شيعيا غاليا. انتهى [٢] .
ومن جيد شعره وجدّه:
يا صاحبيّ استيقظا من رقدة ... تزري على عقل اللّبيب الأكيس
هذي المجرة والنّجوم كأنها ... نهر تدفق في حديقة نرجس
وأرى الصّبا قد غلّست بنسيمها ... فعلام شرب الراح غير مغلّس
قوما اسقياني قهوة روميّة ... من عهد قيصر دنّها لم يمسس
صرفا تضيف إذا تسلّط حكمها ... موت العقول إلى حياة الأنفس [٣]
ومن شعره أيضا:
قال قوم لزمت حضرة أحمد [٤] ... وتجنّبت سائر الرّؤساء
стр. 1774
قلت ما قاله الذي أحرز المع ... نى قديما قبلي من الشعراء
يسقط الطير حيث يلتقط الحبّ ... ويغشى منازل الكرماء [١]
وهذا البيت الثالث لبشار بن برد.
وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشري جمادى الآخرة بالنّيل وحمل إلى بغداد ودفن عند مشهد موسى بن جعفر ﵁، وكان أوصى أن يدفن عند رجليه، و [أن] يكتب على قبره: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ١٨: ١٨ [الكهف: ١٨] ورآه بعد موته بعض أصحابه في المنام، فسأله عن حاله فأنشد:
أفسد سوء مذهبي ... في الشعر حسن مذهبي
لم يرض مولاي على ... سبّي لأصحاب النّبي [٢]
ورثاه الشريف الرضي بقصيدة من جملتها:
نعوه على حسن ظني به ... فلله ماذا نعى النّاعيان
رضيع ولاء له شعبة ... من القلب مثل رضيع اللّبان
وما كنت أحسب أنّ الزمان ... يفلّ مضارب ذاك اللّسان
بكيتك للشّرّد السّائرا ... ت تعبق [٣] ألفاظها بالمعاني
ليبك الزمان طويلا عليك ... فقد كنت خفّة روح الزّمان [٤]
стр. 1775
والنّيل التي مات بها على وزن نهر مصر، بلدة على الفرات، بين بغداد والكوفة، خرج منها جماعة من العلماء، والأصل فيه نهر حفره الحجّاج بن يوسف في هذا المكان، آخذ من الفرات [١] ، وسمّاه باسم نيل مصر، وعليه قرى كثيرة.
وفيها أبو الحسن الجزري، عبد العزيز بن أحمد الفقيه، إمام أهل الظاهر في عصره. أخذ عن القاضي بشر بن الحسين، وقدم من شيراز في صحبة الملك عضد الدولة، فاشتغل عليه فقهاء بغداد.
قال أبو عبد الله الصّيمري: ما رأيت فقيها أنظر منه، ومن أبي حامد الإسفراييني الشافعي.
وفيها أبو القاسم عيسى بن الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجرّاح البغدادي، الكاتب المنشئ. ولد سنة اثنتين وثلاثمائة، وتوفي في أول ربيع الأول.
قال ابن أبي الفوارس: كان يرمى بشيء من مذهب الفلاسفة.
وقال في «العبر» [٢] : روى عن البغوي وطبقته، وله أمال سمعنا منها.
انتهى.
وفيها حسام الدّولة، مقلّد بن المسيّب بن رافع العقيلي، صاحب الموصل، تملّكها بعد أخيه أبي الذّوّاد، فكانت مدة الأخوين إحدى عشرة سنة [٣] ، وقد بعث القادر إلى مقلّد خلع السلطنة، واستخدم هو نحو ثلاثة آلاف من التّرك والدّيلم، ودانت له عرب خفاجة، وله شعر حسن، وهو رافضيّ،
стр. 1776
قتله غلام له في مجلس أنس، ودفن على الفرات بمكان يقال له: شقبا [١] بين الأنبار وهيت.
وحكي أن قاتله سمعه وهو يقول لرجل ودّعه يريد الحجّ: إذا جئت ضريح رسول الله ﷺ ، فقف عنده وقل له عني: لولا صاحباك لزرتك، ولما مات رثاه جماعة من الشعراء منهم الشريف الرضي [٢] .
وكان ولده معتمد الدولة أبو المنيع قرواش غائبا عنه، ثم تقلد الأمر من بعده، وكان له بلاد الموصل، والكوفة، والمدائن، وشقي الفرات، وخطب في بلاده للحاكم العبيدي، ثم رجع عن ذلك، فوصلت الغزّ إلى الموصل ونهبوا دار قرواش، وأخذوا منها ما يزيد على مائتي ألف دينار، فاستنجد بنور الدولة أبي الأغر دبيس بن صدقة، فأنجده واجتمعوا على محاربة الغزّ، فنصرا عليهم وقتلوا منهم الكثير، ومدحه أبو علي بن الشبل البغدادي الشاعر المشهور بقصيدة ذكر فيها هذه الواقعة منها قوله:
نزّهت أرضك عن قبور جسومهم ... فغدت قبورهم بطون الأنسر
من بعد ما وطئوا البلاد وظفروا ... من هذه الدّنيا بكل مظفر
فطووا رياح السّدّ عن يأجوجه ... ولقوا ببابك سطوة الإسكندر [٣]
وكان قرواش المذكور يلقب مجد الدّين، وهو ابن أخت الأمير أبي الهيجاء، صاحب إربل، وكان أديبا شاعرا ظريفا، وله أشعار سائرة، فمن ذلك ما أورده أبو الحسن الباخرزي في كتابه «دمية القصر» [٤] :
стр. 1777
لله درّ النائبات فإنها ... صدأ اللّئام وصيقل الأحرار
ما كنت إلّا زبرة فطبعتني ... سيفا وأطلق صرفهنّ غراري
وأورد له أيضا [١] :
من كان يحمد أو يذمّ مورّثا ... للمال من آبائه وجدوده
فأنا [٢] امرؤ لله أشكر وحده ... شكرا كثيرا جالبا لمزيده
لي أشقر مثل العنان [٣] مغاور ... يعطيك ما يرضيك من مجهوده
ومهند عضب إذا جرّدته ... خلت البروق تموج في تجريده
ومثقف لدن السّنان [٤] كأنما ... أمّ المنايا ركّبت في عوده
وبذا حويت المال إلّا أنني ... سلّطت جود يدي على تبديده [٥]
ما أحسن هذا الشعر وأمتنه.
وكان قرواش كريما نهّابا وهّابا، جاريا على سنن العرب.
قيل [٦] : إنه جمع بين أختين في النكاح، فلامته العرب على ذلك، فقال: خبروني [٧] ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة؟
وكان يقول: ما في رقبتي غير خمسة من أهل البادية، قتلتهم، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم.
ودامت إمرته خمسين سنة، فوقع بينه وبين ابن أخيه بركة بن المقلد
стр. 1778
وكانا خارج البلد- فقبض بركة عليه في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وحبسه في الخارجية إحدى قلاع الموصل، وتولى مكانه، ولقب بزعيم الدولة، وأقام في الإمارة سنتين، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة في ذي الحجة، فقام مقامه ابن أخيه أبو المعالي قريش بن أبي الفضل بدران بن المقلد، فأول ما فعل [أنه] [١] قتل عمه قرواش المذكور في حبسه في مستهل رجب، سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن بتلّ توبة شرقي الموصل.
стр. 1779
سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي الحاجبيّ أبو علي، إسماعيل بن محمد بن أحمد، صاحب الكشاني السمرقندي. سمع «الصحيح» [١] من الفربري، ومات في هذه السنة أو في التي قبلها.
وفيها أبو محمد الضرّاب، الحسن بن إسماعيل المصري المحدّث، راوي «المجالسة» [٢] عن الدّينوري. توفي في ربيع الآخر، وله تسع وسبعون سنة.
وفيها الأصيلي الفقيه [٣] أبو محمد، عبد الله بن إبراهيم المغربي الأندلسي القاضي، أخذ عن وهب بن ميسرة، وكتب بمصر عن أبي الطاهر الذهلي وطبقته، وبمكة عن الآجري، وببغداد عن أبي علي بن الصوّاف، وكان حافظا عالما بالحديث، رأسا في الفقه.
قال الدارقطني: لم أر مثله.
وقال غيره: كان نظير أبي محمد بن أبي زيد بالقيروان، وعلى طريقته وهديه.
стр. 1780
وفيها عبد الرحمن بن أبي شريح، أبو محمد الأنصاري، محدّث هراة. روى عن البغوي، والكبار، ورحلت إليه الطلبة، وآخر من روى عنه عاليا أبو المنجّا بن اللّتي، وتوفي في صفر.
وفيها أبو الفتح بن جنّي، عثمان بن جنّي الموصلي النحوي، صاحب التصانيف، وكان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، وإلى هذا أشار بقوله:
فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي
على أنّي أؤول إلى ... قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا ... أرمّ [١] الدّهر ذو الخطب
أولاك دعا النّبيّ لهم ... كفى شرفا دعاء نبي [٢]
وله أشعار حسنة، ويقال: إنه أعور، وأخذ عن أبي علي الفارسي، ولازمه، وله تصانيف مفيدة، منها: كتاب «الخصائص» و «سر الصناعة» و «الكافي في شرح القوافي» و «المذكر والمؤنث» و «المقصور والممدود» و «التذكرة الأصبهانية» وغير ذلك، ويقال: إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أخذ منه أسماء كتبه.
وشرح ابن جنّي أيضا «ديوان المتنبي» شرحا كبيرا، سمّاه «النشر» [٣] وكان قد قرأ «الديوان» على صاحبه، وكان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني.
стр. 1781
وكانت ولادة ابن جنّي بالموصل قبل الثلاثمائة، وتوفي يوم الجمعة ثامن عشري صفر ببغداد.
قال ابن خلّكان [١] : وجنّي: بكسر الجيم وتشديد النون، وبعدها ياء.
وفيها الوليد بن بكر الغمري الأندلسي السرقسطي- بفتحتين وضم القاف وسكون المهملة، نسبة إلى سرقسطة مدينة بالأندلس- أبو العبّاس الحافظ. رحل بعد الستين وثلاثمائة، وروى عن الحسن بن رشيق، وعلي بن الخصيب، وخلق.
قال ابن الفرضي [٢] : كان إماما في الفقه، والحديث، عالما باللغة والعربية، لقي في الرحلة أزيد من ألف شيخ.
وقال غيره: له شعر فائق، وتوفي بالدّينور.
وقال ابن ناصر الدّين: قال الحافظ عبد الرحيم: الوليد هذا عمريّ، أي بالعين المهملة، ولكن دخل إفريقية، فكان ينقط العين حتّى سلم، وقال:
إذا رجعت إلى الأندلس جعلت النقطة التي على العين ضمة [٣] وأراني خطّه.
انتهى [٤] .
стр. 1782
سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة
فيها أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربيّ، فطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم ضرب عنقه، ﵀ ولا رحم قاتله، ولا أستاذه الحاكم. قاله في «تاريخ الخلفاء» [١] ومات فيها- كما قال ابن الأهدل-[ابن] وكيع [٢] الشاعر المتقدم في زمانه على أقرانه ومن شعره:
لقد قنعت همّتي بالخمول ... فصدّت عن الرّتب العاليه
وما جهلت طعم طيب العلا ... ولكنها تؤثر العافيه
ونظم أبو الفتح القضاعي المدرّس بتربة الشافعي بالقرافة في هذا المعنى فقال:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرّتب العاليه
وكن بمكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافية
стр. 1783
لكن المتنبي أخذ بعلو همّته في نقض ما قالوا فقال:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النّجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم [١]
انتهى.
وفيها أبو جعفر [٢] أحمد بن محمد بن المرزبان الأبهري- أبهر أصبهان- سمع جزء لوين، من محمد بن إبراهيم الحزوّري، سنة خمس وثلاثمائة، وكان أديبا فاضلا.
وفيها أبو إسحاق الطّبري، إبراهيم بن أحمد المقرئ الفقيه المالكي المعدّل، أحد الرؤساء والعلماء ببغداد. قرأ القرآن على ابن بويان [٣] ، وأبي عيسى بكّار، وطبقتهما، وحدّث عن إسماعيل الصفّار وطبقته، وكانت داره مجمع أهل القرآن والحديث، وإفضاله زائد على أهل العلم، وكان ثقة.
وفيها الجوهري، صاحب «الصحاح» أبو نصر إسماعيل بن حمّاد التركي اللّغوي، أحد أئمة اللسان، وكان في جودة الخط [٤] في طبقة ابن مقلة، ومهلهل. أكثر الترحال، ثم سكن بنيسابور.
قال القفطي: إنه مات متردّيا من سطح جامع نيسابور [٥] في هذا العام.
قال: وقيل: مات في حدود الأربعمائة، وقيل: إنه تسودن، وعمل له
стр. 1784
شبه جناحين، وقال: أريد أن أطير، [وطفر] فأهلك نفسه، ﵀. قاله في «العبر» [١] .
وقال السيوطي في «طبقات النحاة» : قال ياقوت [٢] : كان من أعاجيب الزّمان، ذكاء وفطنة وعلما، وأصله من فاراب من بلاد التّرك، وكان إماما في اللّغة والأدب، وكان يؤثر السّفر على الحضر، ويطوف الآفاق. دخل العراق فقرأ العربيّة على أبي عليّ الفارسي، و [أبي سعيد] السّيرافي، وسافر إلى الحجاز، وشافه باللّغة العرب العاربة، وطاف بلاد ربيعة، ومضر، ثم عاد إلى خراسان، ثم أقام بنيسابور ملازما للتدريس، والتّأليف [وتعليم الخطّ] [٣] وكتابة المصاحف والدفاتر، حتّى مضى لسبيله على آثار جميلة، وصنّف كتابا في العروض، و «مقدمة» في النحو، و «الصحاح» في اللغة، مع تصحيف فيه في مواضع عدة تتبّعها عليه المحقّقون، قيل: إن سببه أنه لما صنّفه سمع عليه إلى باب الضاد المعجمة، وعرض عليه وسوسة، فانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور، فصعد سطحه وقال: أيّها الناس، إني عملت في الدّنيا شيئا لم أسبق إليه، فسأعمل للآخرة أمرا لم أسبق [٤] إليه، وضم إلى جنبيه مصراعي باب، وتأبّطهما بحبل، وصعد مكانا عاليا، وزعم أنه يطير، فوقع فمات، وبقي سائر الكتاب مسوّدة غير منقّح ولا مبيّض، فبيّضه تلميذه إبراهيم بن صالح الورّاق [٥] فغلط فيه في مواضع. انتهى كلام السيوطي ملخصا.
وفيها الطائع لله، أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله، الفضل بن
стр. 1785
المقتدر جعفر، بن المعتضد أحمد [بن] الموفق العبّاسي [١] ، دخل عليه بهاء الدولة، وكان حنق عليه لسبب، فقبّل الأرض، ووقف ثم أومأ إلى جماعة من أصحابه كان واطأهم على فعل ما سنذكره، فجذبوا الطائع لله من سريره، ولفّوه في كساء، وأخرجوه من الباب المعروف بباب بدر، وحملوه إلى دار المملكة ملفوفا على قفا فراش، ثم أشهد عليه بخلع نفسه، وسملت عيناه، وقطع قطعة من إحدى أذنيه، وكان بهاء الدولة قبض عليه في يوم السبت، تاسع عشر شعبان، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وفي ليلة الأحد ثالث رجب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، سلّم الطائع لله إلى القادر بالله، فأنزله حجرة من حجر خاصته، ووكّل به من يحفظه من ثقات خدمه، وأحسن ضيافته ومراعاة أموره، غير أنه تقدم بجذع أنفه، فقطع يسير من مارن أنفه [٢] مع ما كان قطع أولا من أذنه. وتوفي الطائع لله يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان، وكانت دولته أربعا وعشرين سنة، وكان مربوعا أبيض، أشقر، مجدور الوجه، كبير الأنف، أبخر الفم، شديد القوى، في خلقه حدّة، واستمر مكرما محترما في دار عند القادر بالله، إلى أن مات، وله ثلاث وسبعون سنة، وصلى عليه القادر بالله، وشيّعه الأكابر، ورثاه الشريف الرضي [٣] .
وفيها المنصور الحاجب، أبو عامر، محمد بن عبد الله بن أبي عامر القحطاني المعافري- بالفتح وكسر الفاء وراء، نسبة إلى المعافر، بطن من قحطان- الأندلسي، مدبّر دولة المؤيد بالله، هشام بن المستنصر بالله، الحكم بن عبد الرّحمن الأموي، لأن المؤيد بايعوه بعد أبيه، وله تسع سنين، وبقي صورة، وأبو عامر هو الكلّ، وكان حازما، بطلا، شجاعا، غزّاء،
стр. 1786
عادلا، سايسا، افتتح فتوحا كثيرة، وأثر آثارا حميدة، وكان لا يمكّن المؤيد من الركوب، ولا من الاجتماع بأحد إلّا بجواريه.
وفيها المخلّص، أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العبّاس البغدادي الذّهبي [١] ، مسند وقته. سمع أبا القاسم البغوي وطبقته، وكان ثقة، توفي في رمضان، وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل الأندلسي الحافظ، وهو إمام مقرئ، مصنف، ناقد.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
ثم فتى دباغ بن قاسم ... شاع صلاح جمعه فلازم
стр. 1787
سنة أربع وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي أبو عمر عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب السّلمي- بالضم والفتح، نسبة إلى سليم، قبيلة مشهورة، منها العبّاس بن مرداس، والعرباض بن سارية- الأصبهاني المقرئ. روى عن عبد الله بن محمد الزهري، ابن أخي رسته، وكتب الكثير، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها أبو الفتح إبراهيم بن علي بن سيبخت [١] . نزل مصر، وحدّث عن البغوي، وأبي بكر بن أبي داود.
قال الخطيب [٢] : كان سيء الحال في الرواية. توفي بمصر.
وفيها محمد بن عبد الملك بن ضيفون [٣] أبو عبد الله اللّخمي القرطبي الحداد، سمع عبد الله بن يونس القبري، وقاسم بن أصبغ، وبمكّة من أبي سعيد بن الأعرابي.
قال ابن الفرضي: [لم يكن ضابطا، اضطرب في أشياء. قاله في «العبر» [٤] .
стр. 1788
وقال في «المغني» [١] : سمع ابن الأعرابي.
قال ابن الفرضي] [٢] : عدل صالح واضطرب في أشياء، قرئت عليه لم يسمعها، ولم يكن ضابطا. انتهى.
وفيها يحيى بن إسماعيل الحربي المزكّي، أبو زكريا، بنيسابور، في ذي الحجّة، وكان رئيسا، أديبا، أخباريا، متفننا. سمع من مكّي بن عبدان وجماعة.
стр. 1789
سنة خمس وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي التّاهرتي- بفتح الهاء وسكون الراء، وفوقية، نسبة إلى تاهرت، موضع بإفريقية- أبو الفضل أحمد بن القاسم بن عبد الرحمن التميمي البزّاز [١] ، العبد الصالح. سمع بالأندلس من قاسم بن أصبغ وطبقته، وهو من كبار شيوخ ابن عبد البرّ.
وفيها أبو الحسن الخفّاف [٢] أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الزاهد النيسابوري، مسند خراسان، توفي في ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة، وهو آخر من حدّث عن أبي العبّاس السرّاج.
وفيها الإخميمي- بالكسر والسكون، نسبة إلى إخميم بلدة [٣] بصعيد مصر- أبو الحسين، ومحمد بن أحمد بن العبّاس المصري. روى عن محمد بن ريّان بن حبيب، وعلي بن أحمد بن علّان، وطائفة.
وفيها أبو نصر الملاحمي، محمد بن أحمد بن محمد البخاري، راوي كتاب «القراءة [٤] خلف الإمام» وكتاب «رفع الأيدي» تأليف البخاري، رواهما عن محمود بن إسحاق، وكان حافظا ثقة، عاش ثلاثا وثمانين سنة.
стр. 1790
وفيها عبد الوارث بن سفيان أبو القاسم القرطبي الحافظ، ويعرف بالحبيب. أكثر عن القاسم بن أصبغ، وكان من أوثق النّاس فيه، توفي لخمس بقين من ذي الحجة، حمل عنه أبو عمر بن عبد البرّ الكثير [١] .
وفيها أبو عبد الله بن مندة، الحافظ العلم، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى العبدي الأصبهاني الجوّال، صاحب التصانيف، طوّف الدّنيا، وجمع وكتب ما لا ينحصر، وسمع من ألف وسبعمائة شيخ، وأول سماعه ببلده في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، ومات في سلخ ذي القعدة، وبقي في الرحلة بضعا وثلاثين سنة.
قال أبو إسحاق بن حمزة الحافظ: ما رأيت مثله.
وقال عبد الرحمن بن مندة: كتب أبي عن أبي سعيد بن الأعرابي ألف جزء، وعن خيثمة ألف جزء، وعن الأصم ألف جزء، وعن الهيثم الشّاشي ألف جزء.
وقال شيخ الإسلام الأنصاري: أبو عبد الله بن مندة سيد أهل زمانه. قاله جميعه في «العبر» [٢] .
وقال ابن ناصر الدّين: أبو عبد الله الإمام، أحد شيوخ الإسلام، وهو إمام حافظ جبل من الجبال، ولما رجع من رحلته كانت كتبه أربعين حملا على الجمال، حتّى قيل: إن أحدا من الحفّاظ لم يسمع ما سمع، ولا جمع ما جمع. انتهى.
وقال ابن خلّكان [٣] : أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة العبدي،