عادلا، سايسا، افتتح فتوحا كثيرة، وأثر آثارا حميدة، وكان لا يمكّن المؤيد من الركوب، ولا من الاجتماع بأحد إلّا بجواريه.
وفيها المخلّص، أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العبّاس البغدادي الذّهبي [١] ، مسند وقته. سمع أبا القاسم البغوي وطبقته، وكان ثقة، توفي في رمضان، وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها أبو القاسم خلف بن القاسم بن سهل الأندلسي الحافظ، وهو إمام مقرئ، مصنف، ناقد.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
ثم فتى دباغ بن قاسم ... شاع صلاح جمعه فلازم
стр. 1787
سنة أربع وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي أبو عمر عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب السّلمي- بالضم والفتح، نسبة إلى سليم، قبيلة مشهورة، منها العبّاس بن مرداس، والعرباض بن سارية- الأصبهاني المقرئ. روى عن عبد الله بن محمد الزهري، ابن أخي رسته، وكتب الكثير، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها أبو الفتح إبراهيم بن علي بن سيبخت [١] . نزل مصر، وحدّث عن البغوي، وأبي بكر بن أبي داود.
قال الخطيب [٢] : كان سيء الحال في الرواية. توفي بمصر.
وفيها محمد بن عبد الملك بن ضيفون [٣] أبو عبد الله اللّخمي القرطبي الحداد، سمع عبد الله بن يونس القبري، وقاسم بن أصبغ، وبمكّة من أبي سعيد بن الأعرابي.
قال ابن الفرضي: [لم يكن ضابطا، اضطرب في أشياء. قاله في «العبر» [٤] .
стр. 1788
وقال في «المغني» [١] : سمع ابن الأعرابي.
قال ابن الفرضي] [٢] : عدل صالح واضطرب في أشياء، قرئت عليه لم يسمعها، ولم يكن ضابطا. انتهى.
وفيها يحيى بن إسماعيل الحربي المزكّي، أبو زكريا، بنيسابور، في ذي الحجّة، وكان رئيسا، أديبا، أخباريا، متفننا. سمع من مكّي بن عبدان وجماعة.
стр. 1789
سنة خمس وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي التّاهرتي- بفتح الهاء وسكون الراء، وفوقية، نسبة إلى تاهرت، موضع بإفريقية- أبو الفضل أحمد بن القاسم بن عبد الرحمن التميمي البزّاز [١] ، العبد الصالح. سمع بالأندلس من قاسم بن أصبغ وطبقته، وهو من كبار شيوخ ابن عبد البرّ.
وفيها أبو الحسن الخفّاف [٢] أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الزاهد النيسابوري، مسند خراسان، توفي في ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة، وهو آخر من حدّث عن أبي العبّاس السرّاج.
وفيها الإخميمي- بالكسر والسكون، نسبة إلى إخميم بلدة [٣] بصعيد مصر- أبو الحسين، ومحمد بن أحمد بن العبّاس المصري. روى عن محمد بن ريّان بن حبيب، وعلي بن أحمد بن علّان، وطائفة.
وفيها أبو نصر الملاحمي، محمد بن أحمد بن محمد البخاري، راوي كتاب «القراءة [٤] خلف الإمام» وكتاب «رفع الأيدي» تأليف البخاري، رواهما عن محمود بن إسحاق، وكان حافظا ثقة، عاش ثلاثا وثمانين سنة.
стр. 1790
وفيها عبد الوارث بن سفيان أبو القاسم القرطبي الحافظ، ويعرف بالحبيب. أكثر عن القاسم بن أصبغ، وكان من أوثق النّاس فيه، توفي لخمس بقين من ذي الحجة، حمل عنه أبو عمر بن عبد البرّ الكثير [١] .
وفيها أبو عبد الله بن مندة، الحافظ العلم، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى العبدي الأصبهاني الجوّال، صاحب التصانيف، طوّف الدّنيا، وجمع وكتب ما لا ينحصر، وسمع من ألف وسبعمائة شيخ، وأول سماعه ببلده في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، ومات في سلخ ذي القعدة، وبقي في الرحلة بضعا وثلاثين سنة.
قال أبو إسحاق بن حمزة الحافظ: ما رأيت مثله.
وقال عبد الرحمن بن مندة: كتب أبي عن أبي سعيد بن الأعرابي ألف جزء، وعن خيثمة ألف جزء، وعن الأصم ألف جزء، وعن الهيثم الشّاشي ألف جزء.
وقال شيخ الإسلام الأنصاري: أبو عبد الله بن مندة سيد أهل زمانه. قاله جميعه في «العبر» [٢] .
وقال ابن ناصر الدّين: أبو عبد الله الإمام، أحد شيوخ الإسلام، وهو إمام حافظ جبل من الجبال، ولما رجع من رحلته كانت كتبه أربعين حملا على الجمال، حتّى قيل: إن أحدا من الحفّاظ لم يسمع ما سمع، ولا جمع ما جمع. انتهى.
وقال ابن خلّكان [٣] : أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة العبدي،
стр. 1791
الحافظ المشهور، صاحب كتاب «تاريخ أصبهان» . كان أحد [١] الحفاظ الثقات، وهم أهل بيت كبير، خرج منهم جماعة من العلماء، ولم يكونوا عبديين [٢] وإنما أمّ الحافظ أبو عبد الله المذكور، واسمها برّة بنت محمد، كانت من بني عبد ياليل، فنسب إلى أخواله. انتهى ملخصا.
وفيها الملاحمي، أبو نصر، محمد بن أحمد بن محمد بن موسى بن جعفر البخاري، أبو نصر [٣] ، حدّث عنه أبو الحسن الدارقطني وغيره، وكان من الحفّاظ المشهورين. قاله ابن ناصر الدّين.
стр. 1792
سنة ست وتسعين وثلاثمائة
فيها توفي أبو عمر الباجي، أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي اللّخمي الإشبيلي [١] الحافظ العلم المشهور، في المحرم، وله ثلاث وستون سنة، وكان يحفظ عدة مصنفات، وكان إماما في الأصول والفروع.
وفيها أبو الحسن بن الجندي، أحمد بن محمد بن عمران البغدادي.
ولد سنة ست وثلاثمائة، وروى عن البغوي، وابن صاعد، وهو ضعيف شيعيّ [٢] .
وفيها أبو سعد بن الإسماعيلي، شيخ الشافعية وابن شيخهم، إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الفقيه، وقد روى عن الأصم ونحوه، وكان صاحب فنون وتصانيف، توفي ليلة الجمعة وهو يقرأ في صلاة المغرب إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ١: ٥ [الفاتحة: ٥] ففاضت نفسه، وله ثلاث وستون سنة، ﵀. قاله في «العبر» [٣] .
وقال ابن قاضي شهبة: العلّامة أبو سعد بن الإمام أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني، شيخ الشافعية بها. أخذ العلم عن أبيه.
стр. 1793
قال فيه حمزة السهمي: كان إمام زمانه، مقدّما في الفقه، والأصول، والعربية، والكتابة، والشروط، والكلام، صنّف في أصول الفقه كتابا كبيرا، وتخرّج على يده جماعة، مع الورع، والمجاهدة، والنصح للإسلام، والسخاء، وحسن الخلق.
قال القاضي أبو الطيب: ورد بغداد فأقام بها سنة، ثم حجّ، وعقد له الفقهاء مجلسين، تولى أحدهما أبو حامد الإسفراييني، والآخر أبو محمد الباني.
وقال الشيخ أبو إسحاق [١] : جمع بين رئاسة الدّين والدّنيا بجرجان.
انتهى.
وفيها أبو الحسين الكلابي، [٢] عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد، محدّث دمشق، ويعرف بأخي تبوك. ولد سنة ست وثلاثمائة، وروى عن محمد بن خريم، وسعيد بن عبد العزيز الحلبي وطبقتهما.
قال عبد العزيز الكتّاني: كان ثقة، نبيلا، مأمونا، توفي في ربيع الأول.
وفيها أبو الحسن الحلبي علي بن محمد بن إسحاق القاضي الشافعي، نزيل مصر. روى عن علي بن عبد الحميد الغضائري، ومحمد بن إبراهيم بن نيروز، وطبقتهما، ورحل إلى العراق، ومصر، وعاش مائة سنة.
وفيها البحيري [٣] صاحب «الأربعين المروية» أبو عمرو، محمد بن
стр. 1794
أحمد [بن محمد] بن جعفر النيسابوري المزكّى [١] ، الحافظ الثقة. روى عن يحيى بن منصور القاضي وطبقته.
قال الحاكم: كان من حفّاظ الحديث المبرزين في المذاكرة، توفي في شعبان وله ثلاث وستون سنة.
وفيها ابن المأمون، أبو بكر محمد بن الحسن بن الفضل العبّاسي، الثقة المشهور، روى عن أبي بكر بن زياد النيسابوري وطائفة، وهو جدّ أبي الغنائم عبد الصمد بن المأمون.
وفيها ابن زنبور، أبو بكر، محمد بن عمر بن علي بن خلف بن زنبور الورّاق، ببغداد في صفر. روى عن البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود.
قال الخطيب [٢] : ضعيف جدا.
стр. 1795
سنة سبع وتسعين وثلاثمائة
فيها كان ظهور أبي ركوة، وهو أمويّ من ذرية هشام بن عبد الملك، كان يحمل الركوة في السفر ويتزهد، ولقي المشايخ، وكتب الحديث، ودخل الشام واليمن، وهو في خلال ذلك يدعو إلى القائم من بني أميّة، ويأخذ البيعة على من يستجيب له، ثم جلس مؤدّبا، واجتمع عنده أولاد العرب، فاستولى على عقولهم، وأسرّ إليهم أنه الإمام، ولقّب نفسه الثائر بأمر الله، وكان يخبرهم [١] بالمغيّبات، ويمخرق عليهم، ثم إنه حارب متولي تلك الناحية من المغرب وظفر به، وقوي بما حواه من العسكر، ونزل ببرقة، فأخذ من يهوديّ بها مائتي ألف دينار، وجمع له أهلها مائتي ألف دينار أخرى، وضرب السّكّة [٢] باسمه، ولعن الحاكم، فجهّز الحاكم [٣] لحربه ستة عشر ألفا، وظفروا به، وأتوا به إلى الحاكم فقتله، ثم قتل قائد الجيش الذين ظفروا به.
وفيها توفي أصبغ بن الفرج الطائي الأندلسي المالكي، مفتي قرطبة، وقاضي بطليوس، وأخو حامد الزاهد.
стр. 1796
وفيها أبو الحسن بن القصّار، علي بن عمر البغدادي الفقيه المالكي، صاحب كتاب «مسائل الخلاف» .
قال أبو إسحاق الشيرازي [١] : لا أعرف كتابا [لهم] [٢] في الخلاف أحسن منه.
وقال أبو ذر الهروي: هو أفقه من لقيت من المالكية.
وفيها أبو الحسن بن القصّار، علي بن محمد بن عمر الرّازي، الفقيه الشافعي.
قال الخليلي: هو أفضل من لقيناه [٣] بالرّيّ، كان مفتيها قريبا من ستين سنة، أكثر عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، وجماعة، وكان له في كل علم حظ، وعاش قريبا من مائة سنة.
وفيها ابن واصل، الأمير أبو العبّاس أحمد. كان يخدم بالكرخ، وهم يسخرون منه، ويقول بعضهم: إن ملكت فاستخدمني، فتنقلت به الأحوال، وخرج وحارب، وملك سيراف والبصرة [٤] ، ثم قصد الأهواز، وكثر جيشه، والتقى السلطان بهاء الدولة وهزمه، ثم أخذ البطائح، وأخذ خزائن متولّيها مهذب الدولة، فسار لحربه، فخرج الملك أبو غالب، فعجز ابن واصل عنه، واستجار بحسّان الخفاجي، ثم قصد بدر بن حسنويه [٥] ، فقتل بواسط، في صفر من هذه السنة.
стр. 1797
سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة
فيها كانت فتنة هائلة ببغداد، قصد رجل شيخ الشّيعة ابن المعلّم، وهو الشيخ المفيد، وأسمعه ما يكره، فثار تلامذته، وقاموا واستنفروا الرافضة، وأتوا دار قاضي القضاة أبي محمد بن الأكفاني، والشيخ أبي حامد بن [١] الإسفراييني، فسبّوهما، وحميت الفتنة.
ثم إنّ السّنّة أخذوا مصحفا، قيل: إنه على قراءة ابن مسعود، فيه خلاف كثير، فأمر الشيخ أبو حامد والفقهاء بتحريقه، فأحضر بمحضر منهم، فقام ليلة النصف رافضي، وشتم من أحرق المصحف، فأخذ وقتل، فثارت الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين السّنّة، واختفى أبو حامد، واستظهرت الروافض، وصاحوا: الحاكم يا منصور، فغضب القادر بالله، وبعث خيلا لمعاونة السّنّة، فانهزمت الرافضة، وأحرقت بعض دورهم، وذلوا، وأمر عميد الجيوش بإخراج ابن المعلّم من بغداد، فأخرج، وحبس جماعة [٢] ، ومنع القصّاص مدّة.
وفيها زلزلت الدّينور، فهلك تحت الردم أكثر من عشرة آلاف،
стр. 1798
وزلزلت سيراف [١] والسّيب [٢] ، وغرق عدة مراكب، ووقع برد عظيم وزن أكبر ما وجد منه فكانت مائة وستة دراهم.
وفيها هدم الحاكم العبيديّ كنيسة القيامة بالقدس لكونهم يبالغون في إظهار شعارهم، ثم هدم الكنائس التي في مملكته، ونادى: من أسلم، وإلّا فليخرج من مملكتي أو يلتزم بما آمر به [٣] ، ثم أمر بتعليق صلبان كبار على صدورهم، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة كيد المكمدة [٤] ، وزنها ستة أرطال في عنق اليهودي، إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه، فقيل: كانت الخشبة على تمثال رأس عجل، وبقي هذا سنوات، ثم رخص لهم الردّة لكونهم مكرهين، وقال: ننزّه مساجدنا عمّن لا نيّة له في الإسلام. قاله في «العبر» [٥] .
وفيها توفي البديع الهمذاني، أبو الفضل، أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، الحافظ المعروف ببديع الزمان، صاحب «المقامات» المشهورة والرسائل الرائقة. كان فصيحا مفوّها وشاعرا مفلقا. روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس صاحب «المجمل» وعن غيره.
ومن رسائله: الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه، وإذا سكن متنه تحرّك
стр. 1799
نتنه، وكذلك الضيف يسمج لقاؤه إذا طال ثواؤه، ويثقل ظلّه إذا انتهى محلّه، والسلام.
ومن رسائله: حضرته التي هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجّاج، ومشعر الكرم لا مشعر الحرم، ومنى الضّيف، لا منى الخيف، وقبلة الصّلات لا قبلة الصّلاة.
ومن شعره من جملة قصيدة طويلة:
وكاد يحكيك صوت [١] الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا
والدّهر لو لم يخن [٢] والشّمس لو نطقت ... واللّيث لو لم يصد [٣] والبحر لو عذبا [٤]
وله كل معنى حسن من نظم ونثر، وكانت وفاته بمدينة هراة مسموما.
وقال الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن دوست، جامع «رسائل البديع» :
توفي البديع، رحمه الله تعالى، يوم الجمعة، حادي عشر جمادى الآخرة.
قال الحاكم المذكور: وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة وعجّل دفنه، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وأنه نبش عنه، فوجدوه قد قبض على لحيته، ومات من هول القبر. انتهى [٥] .
والحريري به اقتدى في «مقاماته» وإيّاه عنى بإنشاده:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النّفس قبل التّندم
ولكن بكت قبلي فهيّج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
стр. 1800
وفيها ابن لال، الإمام أبو بكر، أحمد بن علي بن أحمد الهمذاني.
قال شيرويه: كان ثقة أوحد زمانه، مفتي همذان، له مصنّفات في علوم الحديث، غير أنه كان مشهورا بالفقه، له كتاب «السنن» و «معجم الصحابة» وعاش تسعين سنة، والدعاء عند قبره مستجاب. قاله في «العبر» [١] .
وقال الإسنويّ: ابن لال- بلامين بينهما ألف، معناه أخرس- أخذ عن أبي إسحاق المروزي، وابن أبي هريرة، وكان ورعا متعبدا. أخذ عنه فقهاء همذان، ونقل عنه الرافعي قولا أن الإخوة للأبوين ساقطون في مسألة المشركة. ولد سنة سبع وثلاثمائة. انتهى ملخصا.
وفيها أبو نصر الكلاباذي- نسبة إلى كلاباذ، محلة ببخارى- الحافظ المشهور، أحمد بن محمد بن الحسين، أخذ عن الهيثم بن كليب الشّاشي، وعبد المؤمن بن خلف النّسفي وطبقتهما، وعنه: المستغفري، وقال: هو أحفظ من بما وراء النهر اليوم، ووثقه الدّارقطني، وصنّف رجال «صحيح البخاري» وغيره، وعاش خمسا وسبعين سنة.
وفيها القاضي الضبّي، أبو عبد الله، الحسين بن هارون البغدادي، ولي قضاء مدينة المنصور، وقضاء الكوفة، وأملى الكثير على المحاملي، وابن عقدة، وطبقتهما.
قال الدارقطني: وهو غاية في الفضل، والدّين، عالم بالأقضية، عالم بصناعة المحاضر والتّرسّل، موفق في أحواله كلّها، ﵀.
وفيها البافي- بالموحدة والفاء، نسبة إلى باف، قرية من قرى خوارزم- أبو محمد، عبد الله بن محمد البخاري الخوارزمي، نزيل بغداد، الفقيه الشافعي العلّامة، تفقه على أبي علي بن أبي هريرة، وأبي إسحاق المروزي، وهو من أصحاب الوجوه.
стр. 1801
قال ابن قاضي شهبة: كان ماهرا في العربية، وتفقه به جماعة، منهم:
أبو الطيب، والماوردي.
قال الخطيب [١] : كان من أفقه أهل وقته في المذهب، بليغ العبارة، يعمل الخطب، ويكتب الكتب الطويلة من غير روية.
وقال الشيخ أبو إسحاق [٢] : كان فقيها، أديبا، شاعرا، مترسلا، كريما، درّس ببغداد بعد الدّاركي، وتوفي في المحرم. انتهى ملخصا.
وفيها الببّغاء، الشاعر المشهور، أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي النّصيبيني، مدح سيف الدولة والكبار، ولقبوه بالببّغاء لفصاحته، وقيل: للثغة في لسانه.
ذكره الثعالبي في «يتيمة الدهر» [٣] وقال: هو من أهل نصيبين، وبالغ في الثناء عليه وذكر جملة من رسائله ونظمه.
ومن شعره:
يا سادتي هذه روحي تودّعكم ... إذ كان لا الصّبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمع في روح [٤] الحياة لها ... والآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذّب الله روحي بالبقاء فما ... أظنّها بعدكم بالعيش تنتفع
وله أيضا:
ومهفهف لما اكتست وجناته ... خلع الملاحة طرّزت بعذاره
لما انتصرت عي أليم جفائه ... بالقلب كان القلب من أنصاره
стр. 1802
كملت محاسن وجهه فكأنما اق ... تبس الهلال النور من أنواره
وإذا ألحّ القلب في هجرانه ... قال الهوى لا بدّ منه فداره
وله وهو معنى بديع:
وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلّة في الجلمد
وكأن طرف الشّمس مطروف وقد ... جعل الغبار له مكان الإثمد
وأكثر شعر الببّغاء جيد، ومقاصده فيه جميلة، وكان قد خدم سيف الدولة ابن حمدان مدة، وبعد وفاته تنقل في البلاد، وتوفي يوم السبت سلخ شعبان.
وقال الخطيب في «تاريخه» [١] : توفي ليلة السبت سابع عشري شعبان.
وقال الثعالبي [٢] : سمعت الأمير أبا الفضل الميكالي يقول عند صدوره من الحج وحصوله ببغداد سنة تسعين وثلاثمائة: رأيت بها أبا الفرج الببّغاء شيخا عالي السن، متطاول الأمد، قد أخذت الأيام من جسمه وقوته، ولم تأخذ من ظرفه وأدبه. انتهى.
والببّغاء: بفتح الباء الأولى، وتشديد الثانية، وفتح الغين المعجمة، وبعدها ألف.
ووجد بخط أبي الفتح بن جنّي النحوي: الففغاء، بفاءين، والله أعلم.
وفيها أبو القاسم بن الصيدلاني، نسبة إلى بيع الأدوية والعقاقير، عبد الله بن أحمد بن علي. روى مجلسين عن ابن صاعد، وهو آخر الثقات من أصحابه، وروى عن جماعة، وتوفي في رجب ببغداد.
стр. 1803
سنة تسع وتسعين وثلاثمائة
فيها كما قال ابن الجوزي في «المنتظم» [١] أخذ بنو زغب الهلاليون لركب البصرة ما قيمته ألف ألف دينار.
وفيها توفي أحمد بن أبي عمران، أبو الفضل الهروي، الزاهد القدوة، نزيل مكّة. روى عن محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، وخيثمة الأطرابلسي، وطائفة، وصحب محمد بن داود الرّقّي، وروى عنه خلق كثير.
وفيها أبو العبّاس البصير، أحمد بن محمد بن الحسين الرّازي، الحافظ البارع الثقة. روى عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، واستملى عليه [٢] ، وسمع بنيسابور من [٣] أبي حامد بن بلال وطائفة، وكان من أركان الحديث، وقد ولد أعمى.
وفيها النّامي، الشاعر البليغ، أبو العبّاس، أحمد بن محمد الدّارمي المصيصي، كان من الشعراء المفلقين، ومن فحول شعراء عصره، وخوّاص مدّاح سيف الدولة ابن حمدان، وكان عنده، وكان تلو أبي الطيب المتنبي في الرتبة، وكان فاضلا، أديبا، مقدّما في اللغة، عارفا بالأدب، وله أمال أملاها
стр. 1804
بحلب، وروى عن أبي الحسين علي بن سليمان الأخفش، وابن درستويه، وأبي عبد الله الكرماني، وأبي بكر الصّولي. وعنه: أبو القاسم الحسين بن علي بن أبي أسامة الحلبي، وأخوه أبو الحسين أحمد، وأبو الفرج الببّغاء [وأبو الخطّاب بن عون الحريري، وأبو بكر الخالدي] [١] ، والقاضي أبو طاهر، وصالح بن جعفر الهاشمي.
ومن محاسن شعره قوله فيه من جملة قصيدة:
أمير العلى إنّ العوالي كواسب ... علاءك في الدّنيا وفي جنّة الخلد
يمرّ عليك الحول سيفك في الطّلى ... وطرفك ما بين الشكيمة واللّبد
ويمضي عليك الدّهر فعلك للعلى ... وقولك للتقوى وكفك للرّفد
ومن شعره أيضا:
أحقّا إنّ قاتلتي زرود ... وأن عهودها [٢] تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتّى ... تبيّن موقفي أني الفقيد
وشكّت في عذّالي فقالوا ... لرسم الدّار أيّكما العميد
وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد.
وحكى أبو الخطّاب بن عون الحريري النحوي الشاعر، أنه دخل على أبي العبّاس النّامي، قال: فوجدته جالسا ورأسه كالثّغامة [٣] بياضا، وفيه شعرة واحدة سوداء، فقلت له: يا سيدي في رأسك شعرة سوداء، فقال: نعم هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها، ولي فيها شعر، فقلت: أنشدنيه فأنشد:
رأيت في الرأس شعرة بقيت ... سوداء تهوى العيون رؤيتها
стр. 1805
فقلت للبيض إذ تروّعها ... بالله إلّا رحمت غربتها
فقلّ لبث السوداء في وطن ... تكون فيه البيضاء ضرّتها
ثم قال: يا أبا الخطاب، بيضاء واحدة تروّح ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء.
وفيها أبو الرّقعمق- بفتح الراء والقاف، وسكون العين المهملة، وفتح الميم، وبعدها قاف، لقب له- الشاعر المفلق صاحب المجون والنوادر، أبو حامد، أحمد بن محمد الأنطاكي.
قال فيه الثعالبي في «اليتيمة» [١] : هو نادرة الزمان، وجملة الإنسان، وممّن تصرف بالشعر [الجزل] في أنواع الهزل والجد، وأحرز قصب السبق، وهو أحد الشعراء المجيدين، وهو في الشام كابن حجّاج بالعراق، فمن غرر محاسنه قوله يمدح ابن كلّس وزير العزيز العبيدي، صاحب مصر:
قد سمعنا مقاله واعتذاره ... وأقلنا ذنوبه [٢] وعثاره
والمعاني لمن عنيت ولكن ... بك عرّضت فاسمعي يا جاره
من تراديه أنه أبد الدّه ... ر تراه محلّلا أزراره
عالم أنه عذاب من اللّ ... هـ متاح لأعين النظّاره
هتك الله ستره فلكم هت ... ك من ذي تستّر أستاره
سحرتني ألحاظه وكذا ك ... ك مليح ألحاظه سحّاره
ما على مؤثر التباعد والإع ... راض لو آثر الرّضى والزّياره
وعلى أنني وإن كان قد ع ... ذّب بالهجر مؤثر إيثاره
لم أزل لا عدمته من حبيب ... أشتهي قربه وآبى نفاره
стр. 1806
ومن مديحها:
لم يدع للعزيز [١] في سائر الأر ... ض عدوا إلّا وأخمد ناره
كلّ يوم له على نوب الدّه ... ر وكرّ الخطوب بالبذل غاره
ذويد شأنها الفرار من البخ ... ل وفي حومة النّدى كرّاره
هي فلّت عن العزيز عداه ... بالعطايا وكثّرت أنصاره
هكذا كلّ فاضل يده تمس ... ي وتضحي نفّاعة ضرّاره
وأكثر شعره جيد، وهو على أسلوب شعر صريع الدّلاء القصّار البصري.
وأقام بمصر زمانا طويلا، وأكثر شعره في ملوكها ورؤسائها، وتوفي يوم الجمعة، ثاني عشري شهر رمضان، وقيل: في شهر ربيع الآخر بمصر، على قول.
وفيها خلف بن أحمد بن محمد بن اللّيث البخاري، صاحب بخارى، وابن صاحبها، كان عالما جليلا، مفضّلا على العلماء، عاش بضعا وسبعين سنة، وروى عن عبد الله بن محمد الفاكهي وطبقته، مات شهيدا في الحبس ببلاد الهند.
وفيها أبو مسلم الكاتب، محمد بن أحمد بن علي البغدادي بمصر في ذي القعدة، كان آخر من روى عن البغوي، وابن صاعد، وابن أبي داود.
روى كتاب «السبعة» لابن مجاهد عنه، وسمع بالجزيرة، والشام، والقيروان، وكان سماعه صحيحا من البغوي في جزء واحد وما عداه مفسود.
وقال في «المغني» [٢] : هو آخر أصحاب البغوي، ضعّف.
стр. 1807
قال الصوري: بعض أصوله عن البغوي وغيره جياد.
وقال أبو الحسن المحدّث العطار: ما رأيت في أصول أبي مسلم [١] عن البغوي صحيحا، غير خبر واحد، وما عداه مفسود [٢] . انتهى.
وفيها ابن أبي زمنين، الإمام أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عيسى المرّي [٣] الأندلسي الإلبيري، نزيل قرطبة وشيخها ومفتيها، وصاحب التصانيف الكثيرة في الفقه، والحديث، والزهد. سمع من سعيد بن فحلون، ومحمد بن معاوية القرشي، وطائفة، وكان راسخا في العلم، متفننا في الآداب، مقتفيا لآثار السلف، صاحب عبادة وإنابة وتقوى، عاش خمسا وسبعين سنة، وتوفي في ربيع الآخر، ومن كتبه «اختصار المدونة» ليس لأحد مثله.
وفيها أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصّدفي- بضم الصاد المهملة- المنجم صاحب «الزيج» المصري الحاتمي المشهور، وزيجه يعرف بزيج ابن يونس، وهو زيج كبير في أربع مجلدات، بسط فيه القول والعمل، عمله للعزيز العبيدي صاحب مصر، وكان أبله مغفلا، رثّ الهيئة، إذا ركب ضحك منه الناس لطوله وسوء حالته وله إصابة بديعة في النجامة لا يشاركه فيها أحد، وأفنى عمره في النجوم، والتسيير، والتوليد، وله شعر رائق.
قال الأمير المختار في كتابه «تاريخ مصر» : بلغني أنه طلع إلى جبل [٤] المقطم وقد وقف للزهرة، فنزع ثوبه وعمامته، ولبس ثوبا أحمر ومقنعة حمراء
стр. 1808
تقنع بها، وأخرج عودا فضرب به، والبخور بين يديه، فكان عجبا من العجب.
وقال المختار أيضا: كان ابن يونس المذكور مغفلا، يعتمّ على طرطور طويل، ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلا، وإذا ركب ضحك الناس منه لشهرته وسوء حاله ورثاثة ثيابه، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة، لا يشاركه فيها أحد، وكان [١] أحد الشهود، وكان متفننا في علوم كثيرة، وكان يضرب بالعود على جهة التأدب به [٢] ، وله شعر حسن منه قوله:
أحمّل نشر الريح عند هبوبه ... رسالة مشتاق لوجه حبيبه
بنفسي من تحيا النفوس بقربه ... ومن طابت الدّنيا به وبطيبه
وجدّد وجدي طارق [٣] منه في الكرى ... سرى موهنا في خفية من رقيبه
لعمري لقد عطلت كأسي لبعده [٤] ... وغيّبتها عني لطول مغيبه
قال الحاكم العبيدي صاحب مصر- وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس وتغفله-: دخل إلى عندي يوما ومداسه في يده، فقبّل الأرض وجلس، وترك المداس إلى جانبه وأنا أراه وأراها، وهو بالقرب منّي، فلما أراد أن ينصرف قبّل الأرض وقدّم المداس ولبسه وانصرف، وإنما ذكر هذا في معرض غفلته وبلهه.
قال المسبحي: وكانت وفاته يوم الاثنين ثالث شوال فجأة، وخلّف ولدا متخلعا باع كتبه وجميع تصنيفاته بالأرطال في الصابونيين.
стр. 1809
سنة أربعمائة
فيها أقبل الحاكم- قاتله الله- على التألّه والدّين، وأمر بإنشاء دار العلم بمصر، وأحضر فيها الفقهاء والمحدّثين، وعمر الجامع الحاكمي بالقاهرة، وكثر الدعاء له، فبقي كذلك ثلاث سنين، ثم أخذ يقتل أهل العلم، وأغلق تلك الدار، ومنع من فعل كثير من الخير.
وفيها توفي ابن خرّشيذ قوله [١] ، أبو إسحاق، إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن خرّشيذ قوله الأصبهاني التاجر، في المحرم، وله ثلاث وتسعون سنة. دخل بغداد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وسمع من ابن زياد النيسابوري، وابن عقدة، والمحاملي، وكان أسند من بقي بأصبهان، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو مسعود الدمشقي، إبراهيم بن محمد بن عبيد الحافظ، مؤلّف «أطراف الصحيحين» . روى عن عبد الله بن محمد بن السقّا، وأبي بكر بن المقرئ، وطبقتهما، وكان عارفا بهذا الشأن [٢] ومات كهلا فلم ينشر حديثه، توفي في رجب.
وفيها الفقيه الزاهد، السيد الجليل، الصالح الورع، جعفر بن عبد
стр. 1810
الرحيم اليمني، من نواحي الجند، سأله واليها الإقامة عندهم، فقال:
بشرطين، أحدهما الإعفاء عن الحكم، والثاني أن لا يأكل من طعام الوالي شيئا، فاتفق يوما أنه حضر عقدا عند الوالي، فقال الوالي: هذا الموز أهداه لي فلان، وذكر رجلا من أهل الحلّ، فأكل جعفر الثنتين ثم تقيأهما في الدهليز.
ولما تولاها الصليحي سأله تولية القضاء، فقال: لا أصلح لها، فغضب وخرج من عنده، فأمر جنده أن يلحقوه ويقتلوه، فضربوه بسيوفهم، فلم تقطع شيئا مع تكرير الضرب، فأعلموا الصليحي، فأمرهم بالكتمان.
وسئل الفقيه عن حاله حين الضرب، فقال: كنت أقرأ يس فلم أشعر بذلك. قاله ابن الأهدل.
وفيها ابن ميمون الطّليطلي- بالضم والفتح والسكون وكسر الطاء الثانية، ولام نسبة إلى طليطلة، مدينة بالأندلس- أحمد بن محمد بن محمد بن عبيدة الأموي، أبو جعفر بن ميمون، كان أحد الحفّاظ المتقنين، والعلماء المتقين، والفقهاء الورعين المتزهدين. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو محمد القصّار، عبد الوهاب بن أبي محمد، عبد الرحيم بن هبة الله القصّار، كان حافظا متقنا.
وفيها أبو نعيم الإسفراييني عبد الملك بن الحسن، راوي «المسند الصحيح» عن خال أبيه أبي عوانة الحافظ، وكان صالحا ثقة. ولد في ربيع الأول، سنة عشر وثلاثمائة، واعتنى به أبو عوانة وأسمعه كتابه، وعمّر فازدحم عليه الطلبة وأحضروه إلى نيسابور.
وفيها وقيل في التي بعدها- أبو الفتح البستي [١] الشاعر المفلق،
стр. 1811
علي بن محمد الكاتب شاعر وقته وأديب ناحيته صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس البديع التأسيس، فمن ألفاظه البديعة قوله: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. من أطاع غضبه أضاع أدبه. عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدّك وقوفك عند حدّك. الرشوة رشاء الحاجات. أجمل الناس من كان للإخوان مذلّا [١] [وعلى السلطان مدلّا] . الفهم شعاع [٢] العقل. المنيّة تضحك الأمنية. حدّ العفاف الرضا بالكفاف.
ومن نادر شعره:
إن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كلّ كميّ هز عامله [٣]
وإن أقرّ على رق أنامله ... أقر بالرّق كتّاب الأنام له
وله:
إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم ... بما تحدّث من ماض ومن آت
فلا تعيدنّ حديثا [٤] إنّ طبعهم ... موكل بمعاداة المعادات
وله:
تحمّل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وأنّى له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع
وله حين تغيّر عليه السلطان:
قل للأمير أدام ربي عزّه ... وأناله من فضله مكنونه
стр. 1812
إني جنيت ولم تزل أهل النّهى ... يهبون للخدام ما يجنونه
ولقد جمعت من الذنوب [١] فنونها ... فاجمع من العفو الكريم فنونه
من كان يرجو عفو من هو فوقه ... عن ذنبه فليعف عمّن دونه
وله أيضا:
إذا أحسست في فهمي فتورا ... وحفظي والبلاغة والبيان
فلا ترتب بفهمي إن رقصي ... على مقدار إيقاع الزمان
وبالجملة فمحاسنه كثيرة وشعره في غاية اللطافة، رحمه الله تعالى.
стр. 1813
تمّ بعون الله تعالى وتوفيقه تحقيق المجلد الرابع من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للإمام ابن العماد الحنبلي الدمشقي، وذلك في عصر يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر ربيع الآخر من عام ١٤٠٨ هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وأسأل الله العليّ القدير أن يعيننا على تحقيق بقية الكتاب بحوله وقوته، إنه تعالى خير مسؤول وخير معين.
محمود الأرناؤوط
стр. 1814
[المجلد الخامس]
كلمة للمحقّق
ها هو ذا المجلد الخامس من «شذرات الذّهب» ينضم إلى المجلدات الأربعة التي سبقته من طبعتنا هذه، التي أكرمني الله بخدمتها. ولقد بذلت جهدي في سبيل الوصول بالكتاب إلى الصورة التي ترضي الله تعالى ثم ترضي العاملين بإخلاص على نشر ما ينفع النّاس من تراث الأمة، السّاعين إلى رفع سويّة أبنائها العلمية والثقافية والوصول بهم إلى مجد يحاكي مجد آبائهم الأولين.
وقد بذلت في سبيل إخراج هذه المجلدات الخمس- وهي نصف الكتاب- من ذوب روحي، وضياء عيني ما الله به أعلم، وواصلت الليل بالنهار وأنا أحقّق نصوصه، وأراجع ما أورده المؤلّف فيه من النقول على ما أمكنني الوقوف عليه من مصادره المطبوعة منها والمخطوطة.
ولقد وصلتني بعض المصادر الهامة متأخرة بسبب الظروف المعروفة للكتاب العربي والتي لم يسبق لأمة من الأمم أن عرفتها من قبل.
وكان لتوجيهات والدي وملاحظاته وإرشاداته السديدة النافعة الدور الأهم في وصول هذه المجلدات الخمس إلى ما وصلت إليه من الإتقان، والله أسأل أن يجزيه عنّي خير ما يجزي والدا عن ولده وأستاذا عن تلميذه.
كما كان لملاحظات عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من خلّص
стр. 1815
الأصدقاء ممّن يمارسون فنّ التحقيق دورها أيضا في لفت نظري إلى أمور فاتني التنبّه لها، شأن كلّ من يتصدى لخدمة كتاب كبير كهذا الكتاب، جزاهم الله تعالى خيرا وأحسن إليهم.
وأرى من المفيد أن أنبّه إلى أنني آثرت- منذ هذا المجلد- أن أرمز لمصوّرة الأصل الخطي المعتمد في التحقيق بحرف «آ» وللطبعة السابقة بحرف «ط» رغبة في التقليل من الحواشي قدر الإمكان، وسوف أرمز لمصوّرة النسخة الخطية من كتاب «منتخب شذرات الذهب» لابن شقدة [١] ب «المنتخب» ابتداء من أول المجلد السادس، إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
وختاما أكرر ما قلته في آخر مقدمتي للمجلد الأول [٢] : إن هذا الكتاب هو في نهاية الأمر إرث لأفراد الأمة جميعهم، والنصح للقائمين على تحقيقه وإخراجه هو نصح للناطقين بالعربية في مشارق الأرض ومغاربها. راجيا من جميع العاملين في فنّ التحقيق وسواهم أن لا يبخلوا عليّ بملاحظاتهم وتصويباتهم، ولسوف أذكر أصحابها بالجميل في آخر الكتاب إن شاء الله.
اللهمّ إني أسألك أن تسدّد خطاي لما فيه الخير والفلاح في الدّنيا والآخرة، وأن تجعلني ممّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
دمشق في غرّة شهر رمضان المبارك لعام ١٤٠٨ هـ.
محمود الأرناؤوط
стр. 1816
سنة إحدى وأربعمائة
فيها أقام صاحب الموصل الدعوة ببلده للحاكم، أحد خلفاء الباطنيّة، لأن رسل الحاكم تكرّرت إلى صاحب الموصل قرواش بن مقلّد، فأفسدوه، ثم سار قرواش إلى الكوفة، فأقام بها الخطبة للحاكم وبالمدائن، وأمر خطيب الأنبار بذلك، فهرب، وأبدى قرواش صفحة الخلاف، وعاث وأفسد، فقلق القادر بالله، وأرسل إلى الملك بهاء الدولة مع ابن الباقلاني المتكلّم، فقال: قد كاتبنا أبا عليّ عميد الجيوش في ذلك، ورسمنا بأن ينفق في العسكر مائة ألف دينار، فإن دعت الحاجة إلى مجيئنا قدمنا. ثم إن قرواش بن مقلّد خاف الغلبة، فأرسل يتعذّر [١] ، وأعاد الخطبة العباسية، ولم يحجّ ركب العراق، لفساد الوقت.
وفيها توفي أبو علي، عميد الجيوش [٢] ، الحسين بن أبي جعفر، وله إحدى وخمسون سنة، كان أبوه من حجّاب عضد الدولة، فخدم أبو علي بهاء الدولة [٣] ، وترقّت حاله، فولّاه بهاء الدولة نائبا عنه بالعراق، فأحسن سياستها، وحمدت [٤] أيامه، وبقي عليها ثمانية أعوام وسبعة أشهر، فأبطل عاشوراء الرافضة، وأباد الحرامية والشطّار، وقد جاء في عدله وهيبته حكايات.
стр. 1817
وفيها أبو عمر بن المكوي، أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المالكي [١] ، انتهت إليه رئاسة العلم بالأندلس في زمانه، مع الورع، والصيانة، دعي إلى القضاء بقرطبة مرتين فامتنع، وصنّف كتاب «الاستيعاب» في مذهب مالك، في عشر مجلدات، توفي فجأة، عن سبع وسبعين سنة.
وفيها أبو عمر بن الجسور، أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الأموي مولاهم القرطبي [٢] . روى عن قاسم بن أصبغ، وخلق، ومات في ذي القعدة، وهو أكبر شيخ لابن حزم.
وفيها أبو عبيد الهروي [٣] ، أحمد بن محمد بن محمد، صاحب «الغريبين» وهو الكتاب المشهور، جمع فيه بين غريب القرآن وغريب الحديث، وهو من الكتب النافعة السائرة في الآفاق.
قال الإسنوي [٤] : ذكره ابن الصلاح في «طبقاته» ولم يوضح حاله، وقد أوضحه ابن خلّكان [٥] فقال: كان من العلماء الأكابر، صحب أبا منصور الأزهري وبه انتفع، وكان ينسب إلى تعاطي الخمر، توفي في رجب، سنة إحدى وأربعمائة، سامحه الله تعالى. انتهى كلام الإسنوي.
وفيها أبو بكر الحنّائي- نسبة إلى الحناء المعروف [٦]- عبد الله بن محمد بن هلال البغدادي [٧] الأديب، نزيل دمشق. روى عن يعقوب الجصّاص وجماعة، وكان ثقة.
стр. 1818
وفيها عبد العزيز بن محمد بن النّعمان بن محمد بن منصور [١] ، قاضي القضاة للعبيديين، وابن قاضيهم، وحفيد قاضيهم. قتله الحاكم، وقتل معه قائد القوّاد حسين، ابن القائد جوهر، وبعث من حمل إليه رأس قاضي طرابلس [٢] ، أبي الحسين علي بن عبد الواحد البرّي لكونه سلّم عزاز إلى متولي حلب.
وفيها أبو مسعود، إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي [٣] كان حافظا، صدوقا، ديّنا، من الفهماء. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو الحسن العلوي الحسني النيسابوري، محمد بن الحسين بن داود [٤] شيخ الأشراف. سمع أبا حامد بن الشرقي، ومحمد بن إسماعيل المروزي صاحب علي بن حجر، وطبقتهما، وكان سيّدا، نبيلا، صالحا.
قال الحاكم: عقدت له مجلس الإملاء وانتقيت له ألف حديث، وكان يعدّ في مجلسه ألف محبرة، توفي فجأة في جمادى الآخرة، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو علي الخالدي الذّهلي، منصور بن عبد الله الهروي [٥] . روى عن أبي سعيد بن الأعرابي وطائفة.
قال أبو سعيد الإدريسي: هو كذاب.
стр. 1819
سنة اثنتين وأربعمائة
فيها كتب محضر ببغداد في قدح النّسب الذي تدّعيه خلفاء مصر، والقدح في عقائدهم، وأنهم زنادقة، وأنهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرّمي، إخوان الكافرين، شهادة يتقرّب بها إلى الله، شهدوا جميعا أن الناجم بمصر، وهو منصور بن نزار الملقب بالحاكم، حكم الله عليه بالبوار [والخزي والنكال] [١] ، إلى أن قال: فإنه صار- يعني المهدي- إلى المغرب، وتسمى [٢] بعبيد الله، وتلقّب بالمهدي، وهو ومن تقدّمه من سلفه [٣] الأنجاس، أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد عليّ ﵃، ولا يعلمون أن أحدا من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج، أنهم [٤] أدعياء، وقد كان هذا الإنكار شائعا بالحرمين، وأن هذا الناجم بمصر وسلفه كفّار وفسّاق، لمذهب الثّنويّة والمجوسية معتقدون [٥] ، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا الدماء، وسبّوا الأنبياء، ولعنوا السّلف، وادّعوا الربوبيّة، وكتب في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة،
стр. 1820
وكتب خلق في المحضر، منهم: الشريف المرتضى، وأخوه الشريف الرضي، وجماعة من كبار العلوية، والقاضي أبو محمد ابن الأكفاني، والإمام أبو حامد الإسفراييني، والإمام أبو الحسين القدوري، وخلق.
وفيها عمل يوم الغدير ويوم الغار، لكن بسكينة.
وفيها توفي الوزير أحمد بن سعيد بن حزم، أبو عمر [١] الأندلسي، والد العلّامة أبي محمد، كان كاتبا، منشئا [٢] لغويّا، متبحّرا في علم اللسان [٣] .
وفيها أبو الحسين السّوسنجردي- بالضم وفتح السين المهملة الثانية، وسكون النون والراء وكسر الجيم، آخره مهملة نسبة إلى سوسنجرد قرية ببغداد [٤]- أحمد بن عبد الله بن الخضر البغدادي [٥] المعدّل. روى عن ابن البختري [٦] وجماعة، وكان ثقة، صاحب سنّة.
وفيها قاضي الجماعة، أبو المطرّف عبد الرّحمن بن محمد بن فطيس الأندلسي القرطبي [٧] صاحب التصانيف الطنّانة، منها: كتاب «أسباب النزول» في مائة جزء، وكتاب «فضائل الصحابة والتابعين» في مائتين وخمسين جزءا، وكان من جهابذة الحفّاظ والمحدّثين، جمع ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس، وكان يملي من حفظه، وقيل: إن كتبه بيعت بأربعين ألف دينار قاسميّة، وولي القضاء والخطابة سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وعزل بعد تسعة
стр. 1821
أشهر، وقد ولّي الوزارة أيضا، وتوفي في ذي القعدة وله أربع وخمسون سنة، وسمع من أحمد بن عون وطبقته.
وفيها الحسين بن علي بن العبّاس بن الفضل بن زكريا بن النّضر بن شميل بن سويد النّضري الهروي [١] . كان حافظا مشهورا عمدة. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن حسين بن شنظير الأموي [٢] ، أبو إسحاق، كان حافظا، ذا ورع وصيام وقيام كثير. قاله ابن ناصر الدّين أيضا.
وفيها أبو عمرو عثمان الباقلّاني- نسبة إلى بيع الباقلّاء- البغدادي [٣] الزاهد، كان عابد أهل زمانه في بغداد [٤] رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الحسن السامريّ الرّفّاء، علي بن أحمد [٥] ، صالح، ثقة.
روى عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي [٦] .
وفيها أبو الحسن الدّاراني، علي بن داود القطّان [٧] المقرئ. حدّث عن خيثمة، وقرأ على ابن النّضر الأخرم، وولي إمامة جامع دمشق.
قال رشأ بن نظيف: لم ألق مثله حذقا وإتقانا في رواية ابن عامر، وهو
стр. 1822
الذي طلّع كبراء دمشق، وطلبوه لإمامة الجامع فوثب أهل داريا بالسلاح فمانعوهم، وقالوا: لا ندع لكم إمامنا حتّى يقدّم أبو محمد بن أبي نصر، فقال: أما ترضون أن يسمع الناس في البلاد، أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام؟ فقالوا: رضينا، فقدّمت له بغلة القاضي، فأبى وركب حماره، وسكن في المنارة [الشرقية] [١] ، وكان لا يأخذ على الصلاة ولا الإقراء أجرا، ويقتات من أرض له.
وفيها أبو الفتح فارس بن أحمد الحمصي [٢] ، المقرئ الضرير، أحد أعلام القرآن. أقرأ بمصر عن عبد الباقي بن السقا، والسامرّي، وجماعة، وصنّف «المنشأ في القراءات [الثمان] [٣] » وعاش ثماني وستين سنة.
وفيها ابن جميع، أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الغسّاني [٤] الصيداوي، صاحب «المعجم» المروي. رحل وكتب الكثير بالشام، والعراق، ومصر، وفارس. روى عن أبي روق الهزّاني، والمحاملي، وطبقتهما، ومات في رجب، وله سبع وتسعون سنة، وسرد الصوم، وله ثمان عشرة سنة إلى أن مات، ووثقه الخطيب.
وفيها ابن النجّار أبو الحسن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون التميمي الكوفي [٥] النحوي المقرئ. آخر من حدّث في الدّنيا عن محمد بن الحسين الأشناني، وابن دريد.
стр. 1823
قال العتيقي: هو ثقة، توفي بالكوفة في جمادى الأولى.
وقال الأزهري: كان مولده في سنة ثلاث وثلاثمائة في المحرم.
وفيها ابن اللبّان الفرضيّ [١] العلّامة أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن البصري. روى «سنن أبي داود» عن ابن داسه، وسمعها منه القاضي أبو الطيب الطبري.
قال الخطيب [٢] : انتهى إليه علم الفرائض، وصنّف فيه كتبا. انتهى.
وكان يقول: ليس في الأرض فرضيّ إلّا من أصحابي وأصحاب أصحابي، أو لا يحسن شيئا.
قال الإسنوي [٣] : نقل عنه الرافعي في مواضع، منها: أن زكاة الفطر لا تجب.
وكذا قال ابن قاضي شهبة، وقال أيضا: انتهى إليه علم الفرائض، وصنّف فيه كتبا، منها كتاب «الإيجاز» مجلد نفيس، وكتبا كثيرة، ليس لأحد مثلها، ولديه علوم أخر، وبنيت له مدرسة ببغداد، وكان يدرّس بها.
قال الشيخ أبو إسحاق [٤] : كان إماما في الفقه والفرائض، وعنه أخذ الناس الفرائض، وممّن أخذ عنه أبو أحمد بن أبي مسلم الفرضي، أستاذ أبي حامد الإسفراييني في الفرائض. انتهى ملخصا.
وفيها أبو عبد الله الجعفي، محمد بن عبد الله بن الحسين الكوفي القاضي، المعروف بالهرواني [٥]- نسبة إلى هراة مدينة ...
стр. 1824
بخراسان [١]- أحد الأئمة الأعلام في مذهب الإمام أبي حنيفة. روى عن محمد بن القاسم المحاربي [٢] وجماعة.
قال الخطيب [٣] : قال من عاصره بالكوفة: لم يكن بالكوفة من زمن ابن مسعود ﵁ إلى وقته أحد [٤] أفقه منه.
وقال العتيقي [٥] : ما رأيت مثله بالكوفة.
وقال في «العبر» : ولد سنة خمس وثلاثمائة، وقد قرأ عليه أبو علي غلام الهرّاس.
وفيها منتجب الدولة، لؤلؤ الشراوي [٦] ولي نيابة. دمشق للحاكم، وعزل بعد ستة أشهر، ولما همّوا بالقبض عليه من دار العقيقي، وكان نازلا بها، عبأ أصحابه، ووقع القتال بالبلد بين الفريقين إلى العتمة، وقتل جماعة ثم طلع لولو من سطح فاختفى، فنودي عليه في البلد: من جاء به فله ألف دينار، فدلّ عليه رجل وحبس، فجاء أمر الحاكم بقتله، فقتل.
وفيها ابن وجه الجنّة [٧] ، أبو بكر، يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود القرطبي الخزّاز، شيخ ابن حزم. روى عن قاسم بن أصبغ وطائفة، وكان عدلا صالحا.
стр. 1825
سنة ثلاث وأربعمائة
فيها سبق رجل بدويّ اسمه [أبو] فليتة بن القوي [١] الحاج إلى واقصة في ستمائة إنسان من بني خفاجة، قبيلته، فغوّر المياه، وطرح الحنظل في مصانع البرمكي والريان، وغورهما، فلما جاء الركب إلى العقبة حبسهم ومنعهم العبور، إلا بخمسين ألف دينار، فخافوا وضعفوا وعطشوا، فهجم الملعون عليهم، فلم تكن عندهم منعة، وسلّموا أنفسهم، فاحتوى على الجمال بالأحمال، فاستاقها وهلك الركب، إلا القليل، فقيل: إنه هلك خمسة عشر ألف إنسان، فأمر فخر الدولة الوزير علي بن مزيد، فسار، فأدركهم بناحية البصرة، فظفر بهم، وقتل طائفة كثيرة، وأسر ابن القوي أبا فليتة [٢] والأشتر، وأربعة عشر رجلا، ووجد أموال الناس قد تمزقت [٣] ، فانتزع ما أمكنه، فعطّشوا الأسرى على جانب دجلة، يرون الماء ولا يسقون، حتّى هلكوا.
وفيها توفي أبو القاسم إسماعيل بن الحسن الصّرصري [٤]- بفتح