← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

أشهر، وقد ولّي الوزارة أيضا، وتوفي في ذي القعدة وله أربع وخمسون سنة، وسمع من أحمد بن عون وطبقته. وفيها الحسين بن علي بن العبّاس بن الفضل بن زكريا بن النّضر بن شميل بن سويد النّضري الهروي [١] . كان حافظا مشهورا عمدة. قاله ابن ناصر الدّين. وفيها أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن حسين بن شنظير الأموي [٢] ، أبو إسحاق، كان حافظا، ذا ورع وصيام وقيام كثير. قاله ابن ناصر الدّين أيضا. وفيها أبو عمرو عثمان الباقلّاني- نسبة إلى بيع الباقلّاء- البغدادي [٣] الزاهد، كان عابد أهل زمانه في بغداد [٤] رحمه الله تعالى. وفيها أبو الحسن السامريّ الرّفّاء، علي بن أحمد [٥] ، صالح، ثقة. روى عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي [٦] . وفيها أبو الحسن الدّاراني، علي بن داود القطّان [٧] المقرئ. حدّث عن خيثمة، وقرأ على ابن النّضر الأخرم، وولي إمامة جامع دمشق. قال رشأ بن نظيف: لم ألق مثله حذقا وإتقانا في رواية ابن عامر، وهو

стр. 1822

الذي طلّع كبراء دمشق، وطلبوه لإمامة الجامع فوثب أهل داريا بالسلاح فمانعوهم، وقالوا: لا ندع لكم إمامنا حتّى يقدّم أبو محمد بن أبي نصر، فقال: أما ترضون أن يسمع الناس في البلاد، أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام؟ فقالوا: رضينا، فقدّمت له بغلة القاضي، فأبى وركب حماره، وسكن في المنارة [الشرقية] [١] ، وكان لا يأخذ على الصلاة ولا الإقراء أجرا، ويقتات من أرض له. وفيها أبو الفتح فارس بن أحمد الحمصي [٢] ، المقرئ الضرير، أحد أعلام القرآن. أقرأ بمصر عن عبد الباقي بن السقا، والسامرّي، وجماعة، وصنّف «المنشأ في القراءات [الثمان] [٣] » وعاش ثماني وستين سنة. وفيها ابن جميع، أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الغسّاني [٤] الصيداوي، صاحب «المعجم» المروي. رحل وكتب الكثير بالشام، والعراق، ومصر، وفارس. روى عن أبي روق الهزّاني، والمحاملي، وطبقتهما، ومات في رجب، وله سبع وتسعون سنة، وسرد الصوم، وله ثمان عشرة سنة إلى أن مات، ووثقه الخطيب. وفيها ابن النجّار أبو الحسن محمد بن جعفر بن محمد بن هارون التميمي الكوفي [٥] النحوي المقرئ. آخر من حدّث في الدّنيا عن محمد بن الحسين الأشناني، وابن دريد.

стр. 1823

قال العتيقي: هو ثقة، توفي بالكوفة في جمادى الأولى. وقال الأزهري: كان مولده في سنة ثلاث وثلاثمائة في المحرم. وفيها ابن اللبّان الفرضيّ [١] العلّامة أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن البصري. روى «سنن أبي داود» عن ابن داسه، وسمعها منه القاضي أبو الطيب الطبري. قال الخطيب [٢] : انتهى إليه علم الفرائض، وصنّف فيه كتبا. انتهى. وكان يقول: ليس في الأرض فرضيّ إلّا من أصحابي وأصحاب أصحابي، أو لا يحسن شيئا. قال الإسنوي [٣] : نقل عنه الرافعي في مواضع، منها: أن زكاة الفطر لا تجب. وكذا قال ابن قاضي شهبة، وقال أيضا: انتهى إليه علم الفرائض، وصنّف فيه كتبا، منها كتاب «الإيجاز» مجلد نفيس، وكتبا كثيرة، ليس لأحد مثلها، ولديه علوم أخر، وبنيت له مدرسة ببغداد، وكان يدرّس بها. قال الشيخ أبو إسحاق [٤] : كان إماما في الفقه والفرائض، وعنه أخذ الناس الفرائض، وممّن أخذ عنه أبو أحمد بن أبي مسلم الفرضي، أستاذ أبي حامد الإسفراييني في الفرائض. انتهى ملخصا. وفيها أبو عبد الله الجعفي، محمد بن عبد الله بن الحسين الكوفي القاضي، المعروف بالهرواني [٥]- نسبة إلى هراة مدينة ...

стр. 1824

بخراسان [١]- أحد الأئمة الأعلام في مذهب الإمام أبي حنيفة. روى عن محمد بن القاسم المحاربي [٢] وجماعة. قال الخطيب [٣] : قال من عاصره بالكوفة: لم يكن بالكوفة من زمن ابن مسعود ﵁ إلى وقته أحد [٤] أفقه منه. وقال العتيقي [٥] : ما رأيت مثله بالكوفة. وقال في «العبر» : ولد سنة خمس وثلاثمائة، وقد قرأ عليه أبو علي غلام الهرّاس. وفيها منتجب الدولة، لؤلؤ الشراوي [٦] ولي نيابة. دمشق للحاكم، وعزل بعد ستة أشهر، ولما همّوا بالقبض عليه من دار العقيقي، وكان نازلا بها، عبأ أصحابه، ووقع القتال بالبلد بين الفريقين إلى العتمة، وقتل جماعة ثم طلع لولو من سطح فاختفى، فنودي عليه في البلد: من جاء به فله ألف دينار، فدلّ عليه رجل وحبس، فجاء أمر الحاكم بقتله، فقتل. وفيها ابن وجه الجنّة [٧] ، أبو بكر، يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود القرطبي الخزّاز، شيخ ابن حزم. روى عن قاسم بن أصبغ وطائفة، وكان عدلا صالحا.

стр. 1825

سنة ثلاث وأربعمائة فيها سبق رجل بدويّ اسمه [أبو] فليتة بن القوي [١] الحاج إلى واقصة في ستمائة إنسان من بني خفاجة، قبيلته، فغوّر المياه، وطرح الحنظل في مصانع البرمكي والريان، وغورهما، فلما جاء الركب إلى العقبة حبسهم ومنعهم العبور، إلا بخمسين ألف دينار، فخافوا وضعفوا وعطشوا، فهجم الملعون عليهم، فلم تكن عندهم منعة، وسلّموا أنفسهم، فاحتوى على الجمال بالأحمال، فاستاقها وهلك الركب، إلا القليل، فقيل: إنه هلك خمسة عشر ألف إنسان، فأمر فخر الدولة الوزير علي بن مزيد، فسار، فأدركهم بناحية البصرة، فظفر بهم، وقتل طائفة كثيرة، وأسر ابن القوي أبا فليتة [٢] والأشتر، وأربعة عشر رجلا، ووجد أموال الناس قد تمزقت [٣] ، فانتزع ما أمكنه، فعطّشوا الأسرى على جانب دجلة، يرون الماء ولا يسقون، حتّى هلكوا. وفيها توفي أبو القاسم إسماعيل بن الحسن الصّرصري [٤]- بفتح

стр. 1826

الصادين المهملتين، نسبة إلى صرصر، قرية على فرسخين من بغداد- سمع أبا عبد الله المحاملي، وابن عقدة. قال البرقاني: ثقة، صدوق. وفيها بهاء الدولة، السلطان أبو نصر بن السلطان عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه الديلمي [١] صاحب العراق وفارس، توفي بأرّجان في جمادى الأولى، وله اثنتان وأربعون سنة، وكانت أيامه بضعا وعشرين سنة، ومات بعلّة الصّرع، وولي بعده ابنه سلطان الدولة، فبقي في الملك اثني عشر عاما. وفيها الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله البغدادي [٢] ، إمام الحنبلية في زمانه ومدرّسهم ومفتيهم. قال القاضي أبو يعلى: كان ابن حامد مدرّس أصحاب أحمد وفقيههم في زمانه، وله المصنفات العظيمة، منها: كتاب «الجامع» نحو أربعمائة جزء في اختلاف العلماء، وكان معظّما مقدّما عند الدولة وغيرهم [٣] . وقال غيره: روى عن النّجّاد وغيره، وتفقّه على أبي بكر عبد العزيز، وكان قانعا، يأكل من النسخ، ويكثر الحجّ، فلما كان في هذا العام حجّ وعدم فيمن عدم، إذا أخذ الركب. قاله في «العبر» . وقال القاضي حسين [٤] في «طبقاته» : له المصنفات في العلوم المختلفات، منها «الجامع في المذهب» نحو من أربعمائة جزء، وله «شرح الخرقي» و «شرح أصول الدّين» و «أصول الفقه» . سمع أبا بكر بن مالك، وأبا

стр. 1827

بكر الشافعي، وأبا بكر النّجّاد، وأبا علي بن الصوّاف، وأحمد بن الختلي [١] في آخرين. وقال أبو عبد الله بن حامد: اعلم- عصمنا الله وإيّاك من كل زلل- أن الناقلين عن أبي عبد الله ﵁ ممّن سمّيناهم وغيرهم- أثبات فيما نقلوه، وأمناء فيما دوّنوه، وواجب تقبّل كل ما نقوله، وإعطاء كل رواية حظها على موجبها، ولا تعل رواية وإن انفردت [ولا تنفى عنه، وإن عزبت] [٢] ، ولا ينسب إليه في مسألة رجوع إلا ما وجد ذلك عنه نصا بالصريح، وإن نقل كنت أقول به وتركناه، فإن عري عن حدّ الصريح في التّرك والرجوع أقرّ على موجبه واعتبر حال الدليل فيه لا اعتقاده بمثابة ما اشتهر من روايته. وقد رأيت بعض من يزعم أنه منتسب إلى الفقه يليّن القول في كتاب إسحاق بن منصور، ويقول: إنه يقال: إن أبا عبد الله رجع عنه، وهذا قول من لا ثقة له بالمذهب إذ لا أعلم أن أحدا من أصحابنا قال بما ذكره، ولا أشار إليه. وكتاب ابن منصور، أصل بداية [٣] حاله يطابق نهاية شأنه، إذ هو في بدايته سؤالات محفوظة، ونهايته، أنه عرض على أبي عبد الله، فاضطرب، لأنه لم يكن يقدّر أنه لما سأله [٤] عنه مدوّن، فما أنكر عليه من ذلك حرفا، ولا ردّ عليه من جواباته جوابا، بل أقرّه على ما نقله [أو وصف ما رسمه] [٥] واشتهر في حياة أبي عبد الله ذلك بين أصحابه، فاتخذه الناس أصلا إلى آخر أوانه.

стр. 1828

ولابن حامد المقام المشهود في أيام القادر، وقد ناظر أبا حامد الإسفراييني في وجوب الصيام ليلة الغمام في دار القادر بالله، بحيث يسمع [١] الخليفة الكلام، فخرجت الجائزة السنية له من أمير المؤمنين فردّها مع حاجته إلى بعضها فضلا عن جميعها تعففا وتنزها. انتهى ما قاله القاضي حسين ملخصا. وفيها القاضي أبو عبد الله الحليمي الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري [٢] ، الفقيه الشافعي، صاحب التصانيف. أخذ عن أبي بكر القفّال الشاشي، وهو صاحب وجه في المذهب. قال ابن قاضي شهبة: قال الحاكم: أوحد الشافعيين بما وراء النهر، وأنظرهم وآدبهم بعد أستاذيه أبوي بكر، القفّال، والأودني، وكان مفننا فاضلا، له مصنفات مفيدة، نقل منها الحافظ أبو بكر البيهقي كثيرا. وقال في «النهاية» : كان الحليمي رجلا عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلا غوّاص، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ومات في جمادى، وقيل: في ربيع الأول، ومن تصانيفه «شعب الإيمان» [٣] كتاب جليل في نحو ثلاث مجلدات، وآيات الساعة، وأحوال القيامة، فيه معان غريبة لا توجد في غيره. انتهى ما قاله ابن قاضي شهبة ملخصا. وفيها أبو علي الرّوذباري الحسين بن محمد الطوسي [٤] . راوي «السنن» [٥] عن ابن داسة، توفي في ربيع الأول وأكثر عنه البيهقي.

стр. 1829

وفيها أبو الوليد الفرضيّ عبد الله بن محمد بن يوسف القرطبي [١] الحافظ، مؤلف «تاريخ الأندلس» . قال ابن عبد البرّ: كان فقيها عالما في جميع فنون العلم في الحديث والرجال، قتلته البربر في داره. وقال أبو مروان بن حيّان: وممّن قتل يوم فتح قرطبة الفقيه الأديب الفصيح ابن الفرضي، وواروه من غير غسل ولا كفن ولا صلاة، ولم ير مثله بقرطبة في سعة الرواية وحفظ الحديث والافتنان في العلوم والأدب البارع، ولي قضاء بلنسية، وكان حسن البلاغة والخط [٢] ، وروي أنه تعلق بأستار الكعبة، وسأل الله الشهادة. قال في «العبر» [٣] : وعاش اثنتين وخمسين سنة. وقال ابن ناصر الدّين: كان حافظا من الثقات. وفيها أبو الحسن القابسي علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني [٤] الفقيه، شيخ المالكية. أخذ عن ابن مسرور الدباغ، وفي الرحلة عن حمزة الكناني [٥] وطائفة، وصنّف تصانيف فائقة في الأصول والفروع، وكان مع تقدمه في العلوم حافظا، صالحا، تقيّا، ورعا، حافظا للحديث وعلله، منقطع القرين، وكان ضريرا. وفيها ابن الباقلّاني [٦] القاضي أبو بكر محمد بن الطيّب بن محمد بن

стр. 1830

جعفر البصري المالكي الأصولي، المتكلم صاحب المصنّفات، وأوحد وقته في فنه. روى عن أبي بكر القطيعي، وأخذ علم النظر عن أبي عبد الله بن مجاهد الطائي صاحب الأشعري، وكانت له بجامع المنصور حلقة عظيمة. قال الخطيب [١] : كان ورده في الليل [٢] عشرين ترويحة في الحضر والسفر [٣] ، فإذا فرغ منها كتب خمسا وثلاثين ورقة من تصنيفه. قاله في «العبر» . وقال ابن الأهدل: سيف السّنّة، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب، المشهور بابن [٤] الباقلّاني الأصولي الأشعري المالكي، مجدد الدّين على رأس المائة الرابعة على الصحيح، وقيل: جدد بأبي سهل الصّعلوكي. صنّف ابن الباقلّاني تصانيف واسعة في الرد على الفرق الضالّة. حكي أن ابن المعلّم متكلّم الرافضة قال لأصحابه- يوما وقد أقبل ابن الباقلاني-: جاءكم الشيطان، فلما جلس ابن الباقلّاني قال: قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ١٩: ٨٣ [مريم: ٨٣] . وكان ورعا لم تحفظ عنه زلّة ولا نقيصة، وكان باطنه معمورا بالعبادة، والديانة، والصيانة. وقال الطائي: رأيته في النوم بعد موته وعليه ثياب حسنة في رياض خضرة نضرة، وسمعته يقرأ: في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ ٦٩: ٢١- ٢٢ [الحاقة: ٢١- ٢٢] ورأيت قبل ذلك حسن حالهم، فقلت: من أين جئتم؟ فقالوا: من الجنّة من زيارة القاضي أبي بكر. انتهى ملخصا. وقال ابن تيمية: القاضي أبو بكر محمد بن الطيّب الباقلّاني

стр. 1831

المتكلم، وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله، لا قبله ولا بعده. قال في كتاب «الإبانة» تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قيل له: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ٥٥: ٢٧ [الرّحمن: ٢٧] وقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ٣٨: ٧٥ [ص: ٧٥] فأثبت لنفسه وجها ويدا، فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حيّا عالما قادرا إلّا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله ، وكما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون جوهرا لأنّا وإيّاكم لا نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلّا كذلك، وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه، وحياته، وسمعه، وبصره، وسائر صفاته، عرضا، واعتلوا بالوجود. قال: فإن قال: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ٢٠: ٥ [طه: ٥] وقال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ٣٥: ١٠ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: أَأَمِنْتُمْ من في السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ٦٧: ١٦ [الملك: ١٦] أَمْ أَمِنْتُمْ من في السَّماءِ ٦٧: ١٧ [المُلك: ١٧] قال: ولو كان في كل مكان، لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش [١] والمواضع التي يرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة وينقص ينقصانها. انتهى ملخصا، فرحمه الله تعالى ورضي عنه. وفيها أبو بكر الخوارزمي [٢] محمد بن موسى شيخ الحنفية، ومن انتهت إليه رئاسة المذهب في الآفاق. أخذ عن أبي بكر أحمد بن علي

стр. 1832

الرّازي، وسمع من أبي بكر الشافعي. قال البرقاني: سمعته يقول: ديننا دين العجائز، ولسنا من الكلام في شيء. وقال القاضي الصّيمري: ما شاهد الناس مثل شيخنا أبي بكر الخوارزمي في حسن الفتوى وحسن التدريس، دعي إلى القضاء مرة [١] فامتنع، وتوفي في جمادى الأولى. قاله في «العبر» . وفيها أبو رماد الرّمادي شاعر الأندلس يوسف بن هارون القرطبي الكندي [٢] الأديب. أخذ عن أبي علي القالي وغيره. وكان فقيرا معدما، ومنهم من يلقبه بأبي حنيش [٣] . قال الحميدي في كتاب «جذوة المقتبس» [٤] : أظن أحد آبائه كان من أهل رمادة، موضع بالمغرب، وهو شاعر قرطبي كثير الشعر، سريع القول، مشهور عند الخاصّة والعامّة هنالك لسلوكه في فنون كثيرة من المنظوم مسالك. نفق عند الكل، حتّى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون: فتح الشعر بكندة، وختم بكندة، يعنون امرأ القيس، ويوسف بن هارون، والمتنبي، وكانا متعاصرين، وصنّف كتابا في الطير، وسجن مدة. ومدح أبا [عليّ] إسماعيل [بن القاسم] القالي عند دخوله الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة بقصيدة طنّانة منها:

стр. 1833

من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والعويل عويلي في أي جارحة أصون معذّبي ... سلمت من التعذيب والتنكيل إن قلت في بصري فثمّ مدامعي ... أو قلت في كبدي فثمّ غليلي وثلاث شيبات نزلن بمفرقي ... فعلمت أن نزولهنّ رحيلي طلعت ثلاث في نزول ثلاثة ... واش ووجه مراقب وثقيل فعزلنني عن صبوتي فلئن ذلل ... ت لقد سمعت بذلة المعزول ومنها في المديح: روض تعاهده السحاب كأنّه ... متعاهد من عهد إسماعيل قسه إلى الأعراب تعلم أنّه ... أولى من الأعراب بالتفضيل حازت قبائلهم لغات فرقت ... فيهم، وحازت لغات كلّ قبيل فالشرق خال بعده فكأنما ... نزل الخراب بربعه المأهول فكأنّه شمس بدت في غربنا ... وتغيبت عن شرقهم بأفول يا سيدي هذا ثنائي لم أقل ... زورا ولا عرّضت بالتنويل من كان يأمل نائلا فأنا امرؤ ... لم أرج غير القرب من تأميلي وله في غلام ألثغ من جملة أبيات قوله: لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا ... الهجر يجمعنا فنحن سواء فإذا خلوت كتبتها في راحتي ... وبكيت منتحبا أنا والراء وله فيه أيضا: أعد لثغة في الراء لو أن واصلا ... تسمّعها ما أسقط الراء واصل وقال ابن بشكوال في كتاب «الصلة» [١] : يوسف بن هارون الرّمادي الشاعر، من أهل قرطبة، يكنى أبا عمر، كان شاعر أهل الأندلس المشهور

стр. 1834

المقدّم [١] ذكره على الشعراء. روى عن أبي علي البغدادي- يعني القالي- كتاب «النوادر» من تأليفه، وقد أخذ عنه أبو عمر بن عبد البرّ قطعة من شعره رواها عنه وضمنها بعض تآليفه. قال ابن حيّان [٢] : وتوفي يوم العنصرة، فقيرا معدما، ودفن بمقبرة كلع. انتهى كلامه. ويوم العنصرة: [هو] رابع عشري حزيران، وهو موسم للنصارى مشهور ببلاد الأندلس، وفي هذا اليوم حبس الله تعالى الشمس على يوشع بن نون ﵇، وفيه ولد يحيى بن زكريا ﵉.

стр. 1835

سنة أربع وأربعمائة فيها توفي أبو الفضل السّليماني الحافظ [١] ، وهو أحمد بن علي بن عمر البيكندي- نسبة إلى بيكند، بلد على مرحلة من بخارى- البخاري محدّث تلك الدّيار، طوّف وسمع الكثير، وأكثر عن علي بن إسحاق المادرائي، والأصم، وطبقتهما، وجمع وصنّف. قال ابن نصار الدّين: كان إماما حافظا من الثقات. وتوفي في ذي القعدة وله ثلاث وتسعون سنة. وفيها أبو الطيب الصّعلوكي [٢] سهل بن الإمام أبي سهل محمد بن سليمان العجلي النيسابوري الشافعي، مفتي خراسان، ومجدّد القرن الرابع على قول. روى عن الأصمّ وجماعة. قال الحاكم: هو أنظر من رأينا. وقال ابن خلّكان: كان أبو الطيب المذكور مفتي نيسابور وابن مفتيها. أخذ الفقيه عن أبيه أبي سهل الصّعلوكي، وكان في وقته يقال له: الإمام، وهو متفق عليه، عديم المثل في علمه وديانته، وسمع أباه، ومحمد بن يعقوب

стр. 1836

الأصم، وابن مطر [١] وأقرانهم، وكان فقيها أديبا متكلما، خرجت له الفوائد من سماعاته، وقيل: إنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة، وجمع رئاسة الدّنيا والآخرة، وأخذ عنه فقهاء نيسابور، وتوفي في المحرم. قال عبد الواحد اللّخمي: أصاب سهل الصعلوكي رمد [٢] فكان الناس يدخلون عليه وينشدونه من النظم ويروون من الآثار ما جرت العادة به، فدخل الشيخ أبو عبد الرحمن السّلمي وقال: أيها الإمام، لو أن عينيك رأتا وجهك لما [٣] رمدت فقال له الشيخ سهل: ما سمعت بأحسن من هذا الكلام، وسرّ به. ولما مات والده، كتب إليه أبو النضر عبد الجبّار يعزّيه في والده رحمه الله تعالى: من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبة ... عني رسالة محزون وأوّاه أولى البرايا بحسن الصّبر ممتحنا ... من كان فتياه توقيعا عن الله انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا. وقال ابن القاضي شبهة [٤] : نقل عنه الرافعي وعن والده أنهما قالا: إن طلاق السكران لا يقع. وسئل سهل عن الشطرنج فقال: إذا سلم المال من الخسران والصلاة من [٥] النسيان، فذلك أنس بين الإخوان، وكتبه سهل بن محمد بن سليمان. وله ألفاظ حسنة منها: من تصدّر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه.

стр. 1837

وقوله: إنما يحتاج إلى إخوان العشرة لزمان العسرة. انتهى ملخصا أيضا. وفيها أبو الفرج النّهرواني، مقرئ بغداد، عبد الملك بن بكران [١] . أخذ القراءة عن زيد بن أبي بلال، وعبد الواحد بن أبي هاشم وطائفة، وسمع من أبي بكر النّجاد وجماعة، وصنّف في القراءات، وتصدر مدة. قاله في «العبر» .

стр. 1838

سنة خمس وأربعمائة فيها منع الحاكم بمصر النساء من الخروج من بيوتهنّ أبدا، ومن دخول الحمامات، وأبطل صنعة الخفاف لهنّ، وقتل عدة نسوة خالفن أمره، وغرّق جماعة من العجائز. وفيها توفي أبو الحسن العبقسيّ- نسبة إلى عبد القيس- أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن فراس المكي العطار [١] ، مسند الحجاز في وقته، وله ثلاث وتسعون سنة، تفرّد بالسماع عن محمد بن إبراهيم الدّيبلي وغيره. وفيها- كما قال ابن الجوزي في «شذور العقود» - بدر بن حسنويه [٢] الكردي من أمراء الجبل، لقّبه القادر ناصر الدولة. وعقد له لواء، وكان يبرّ العلماء، والزهاد، والأيتام، وكان يتصدق كل جمعة بعشرة آلاف درهم، ويصرف إلى الأساكفة والحذّائين بين همذان وبغداد، ليقيموا للمنقطعين من الحاج الأحذية ثلاثة آلاف دينار، ويصرف إلى أكفان الموتى كل شهر عشرين ألف درهم، واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء، وكان ينقل للحرمين كل سنة مصالح الطريق مائة ألف دينار، ثم يرتفع إلى خزانته بعد المؤن والصدقات عشرون ألف ألف درهم. انتهى.

стр. 1839

وفيها بكر بن شاذان أبو القاسم البغدادي [١] الواعظ الزاهد. قرأ على زيد بن أبي بلال الكوفي وجماعة، وحدّث عن ابن قانع وجماعة. قال الخطيب: كان عبدا صالحا. توفي في شوال. قال الذهبي: وقرأ عليه جماعة. وفيها أبو علي بن حمكان، الحسن بن الحسين بن حمكان [٢]- بحاء مهملة بعدها ميم مفتوحتان وكاف- الهمذاني الفقيه الشافعي، نزيل بغداد. روى عن عبد الرحمن بن حمدان الجلّاب، وجعفر الخلدي وطبقتهما، وعني بالحديث والفقه. قال ابن قاضي شهبة [٣] : روي عنه أنه قال: كتبت بالبصرة عن أربعمائة وسبعين شيخا، وروى عنه أبو القاسم الأزهري، وكان يضعّفه ويقول: ليس بشيء في الحديث. قال ابن كثير: له كتاب في مناقب الشافعي، ذكر فيه مذاهب كثيرة، وأشياء تفرد بها، وكنت قد كتبت منه شيئا في ترجمة الإمام، فلما قرأتها على شيخنا [الحافظ] أبي الحجّاج المزّي، أمرني أن أضرب على أكثرها لضعف ابن حمكان. انتهى. وفيها أبو الحسن المجبّر، أحمد بن محمد بن موسى بن القاسم بن الصّلت البغدادي [٤] روى عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، وأبي بكر بن الأنباري، وجماعة كثيرة. ضعّفه البرقاني وغيره، وتوفي في رجب وله إحدى وتسعون سنة.

стр. 1840

وفيها أبو محمد بن الأكفاني [١] ، قاضي القضاة، عبد الله بن محمد الأسدي البغدادي. حدّث عن المحاملي، وابن عقدة، وخلق. قال أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري: من قال إن أحدا أنفق على أهل العلم مثله فقد كذب، أنفق على أهل العلم مائة ألف دينار. وقال الذهبي: ولي قضاء العراق سنة ست وتسعين، وعاش تسعا وثمانين سنة. وفيها الإدريسي الحافظ، أبو سعد عبد الرّحمن بن محمد بن محمد الاستراباذي [٢] ، نزيل سمرقند ومحدّثها ومؤرخها. سمع الأصمّ فمن بعده، وألّف الأبواب والشيوخ. وقال ابن ناصر الدّين: هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله [بن إدريس] بن الحسن بن متّويه [٣] أبو سعد الأستراباذي، محدّث سمرقند، ومصنّف تاريخها وتاريخ بلده، كان حافظا، متقنا، راسخا، مؤلّف. انتهى. وفيها أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن اللّيث أبو علي الشيرازي الكشي [٤] المقرئ الفقيه الشافعي. كان حافظا ناقدا. قاله ابن ناصر الدّين. وفيها أبو نصر بن نباتة التميمي السعدي [٥] عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجّاج بن مطر بن خالد بن

стр. 1841

عمرو بن رباح بن سعد. كان شاعرا مجيدا جمع بين حسن السبك وجودة المعنى، وكان يعاب بكبر فيه، طاف البلاد ومدح الملوك، والوزراء، والرؤساء، وله في سيف الدولة غرر [١] القصائد ونخب المدائح، وكان قد أعطاه فرسا أدهم أغر محجّلا، فكتب إليه: يا أيّها الملك الذي أخلاقه ... من خلقه ورواؤه من رائه قد جاء بالطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه أولاية أوليتها فبعثته ... رمحا سبيب [٢] العرف عقد لوائه نحتل [٣] منه على أغرّ محجّل ... ماء الدّجنة قطرة من مائه وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض في أحشائه متمهلا والبرق في أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه ما كانت النيران يكمن حرّها ... لو كان للنيران بعض ذكائه لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلّا إذا كفكفت من غلوائه لا يكمل الطّرف المحاسن كلها ... حتّى يكون الطّرف من أسرائه وله فيه أيضا من قصيدة: قد جدت لي باللها حتّى ضجرت بها ... وكدت من ضجري أثني على البخل إن كنت ترغب في أخذ النّوال لنا ... فاخلق لنا رغبة أو لا فلا تنل لم يبق جودك لي شيئا أؤمّله ... تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل ومعظم شعره جيد، وله «ديوان» كبير، وجرى له مع ابن العميد أشياء تقدّم ذكر شيء منها في ترجمته [٤] وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس، ثالث

стр. 1842

شوال، ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد. وقال أبو الحسن محمد بن نصر البغدادي: عدت ابن نباتة في اليوم الذي توفي فيه، فأنشدني: متّع لحاظك من خلّ تودّعه ... فما إخالك بعد اليوم بالوادي وودعته وانصرفت، فأخبرت في طريقي أنه توفي. وقال أبو علي محمد بن وشاح: سمعت ابن نباتة يقول: كنت يوما قائلا [١] في دهليزي، فدقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من أهل المشرق [٢] ، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل: ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوّعت الأسباب والدّاء واحد فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، فمضى، فلما كان آخر النهار دقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من أهل تاهرت من المغرب، فقلت: ما حاجتك؟ فقال: أنت القائل: ومن لم يمت بالسيف فقلت: نعم، [فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم] [٣] ، وعجبت كيف وصل شعري [٤] إلى الشرق والغرب. وفيها أبو عبد الله الحاكم، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه [٥] بن نعيم بن البيّع الضّبّي الطّهماني النيسابوري [٦] الحافظ الكبير.

стр. 1843

ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، واعتنى به أبوه، فسمّعه [١] في صغره، ثم [سمع] هو بنفسه، وكتب عن نحو ألفي شيخ، وحدّث عن الأصمّ، وعثمان بن السّمّاك وطبقتهما، وقرأ القراءات على جماعة، وبرع في معرفة الحديث وفنونه، وصنّف التصانيف الكثيرة، وانتهت إليه رئاسة الفن بخراسان لا بل الدّنيا، وكان فيه تشيّع وحطّ على معاوية، وهو ثقة حجّة. قاله في «العبر» . وقال ابن ناصر الدّين [٢] : له مصنفات كثيرة، منها «المستدرك على الصحيحين» وهو صدوق من الإثبات، لكن فيه تشيّع، ويصحح [٣] واهيات. انتهى. وقال ابن قاضي شهبة [٤] : طلب العلم في صغره، وأول سماعه سنة ثلاثين، ورحل في طلب الحديث، وسمع على شيوخ يزيدون على ألفيّ شيخ، وتفقه على ابن أبي هريرة، وأبي سهل الصّعلوكي، وغيرهم. أخذ عنه الحافظ أبو بكر البيهقي فأكثر عنه، وبكتبه تفقّه وتخرّج، ومن بحره استمدّ، وعلى منواله مشى، وبلغت تصانيفه [قريبا من خمسمائة جزء، وقيل: ألف جزء، وقيل:] ألف وخمسمائة جزء. قال الخطيب البغدادي [٥] : كان ثقة. وكان يميل إلى التّشيّع. قال الذهبي: هو معظّم للشيخين [٦] بيقين، ولذي النّورين، وإنما تكلم في معاوية فأوذي. قال: وفي «المستدرك» وجملة وافرة على شرطهما [٧] ،

стр. 1844

وجملة وافرة على شرط أحدهما، لكن [١] مجموع ذلك نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صحّ سنده، وفيه بعض الشيء معلل، وما بقي- وهو الربع- مناكير وواهيات لا تصحّ. وفي ذلك بعض موضوعات، قد أعلمت [٢] عليها لما اختصرته. توفي فجاءة بعد خروجه من الحمام في صفر. وقد أطنب عبد الغافر [٣] في مدحه، وذكر فضائله وفوائده ومحاسنه إلى أن قال: مضى إلى رحمة الله ولم يخلّف بعده مثله، وقد ترجمه الحافظ أبو موسى المديني في مصنّف مفرد. انتهى كلام ابن شهبة ملخصا. وقال ابن خلّكان [٤] : والبيّع: بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها، وبعدها عين مهملة، وإنما عرف بالحاكم لتقلده [٥] القضاء. انتهى. وفيها ابن كجّ القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج- بفتح الكاف وتشديد الجيم، وهو في اللغة اسم للجص الذي يبيّض به الحيطان- الكجّي، نسبة إلى جدّه هذا- الدّينوري [٦] صاحب الإمام أبي الحسين بن القطّان، وحضر مجلس الدّاركي، ومجلس القاضي أبي حامد المروزي. انتهت إليه الرئاسة ببلده في المذهب، ورحل الناس إليه رغبة في علمه وجوده، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب. وحكى السمعاني: أن الشيخ أبا علي السّنجي [٧] [لما] انصرف من

стр. 1845

عند الشيخ أبي حامد واجتاز به، فرأى علمه وفضله، فقال له: يا أستاذ، الاسم لأبي حامد، والعلم لك، فقال: ذاك [١] رفعته بغداد، وحطّتني الدّينور. قتله العيارون ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب الشافعي، وكان أيضا محتشما جوادا ممدّحا، وهو صاحب وجه، ومن تصانيفه «التجريد» . قال في «المهمات» : وهو مطول، وقد وقف عليه الرافعي.

стр. 1846

سنة ست وأربعمائة فيها توفي الشيخ أبو حامد الإسفراييني [١] أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد، الفقيه، شيخ العراق، وإمام الشافعية، ومن إليه انتهت رئاسة المذهب. قدم بغداد صبيّا، فتفقّه على ابن المرزبان، وأبي القاسم الدّاركي، وصنّف التصانيف، وطبّق الأرض بالأصحاب، و «تعليقته» [٢] في نحو خمسين مجلدا، وكان يحضر درسه سبعمائة فقيه. توفي في شوال وله اثنتان وستون سنة، وقد حدّث عن أبي أحمد بن عدي وجماعة. قاله في «العبر» . وقال ابن شهبة [٣] : ولد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، واشتغل بالعلم. قال سليم [٤] : وكان يحرس في درب، وكان يطالع الدرس على زيت الحرس، وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة، وقدم بغداد سنة أربع وستين، فتفقّه على ابن المرزبان، والدّاركي، وروى الحديث عن الدارقطني، وأبي بكر الإسماعيلي، وأبي أحمد بن عدي، وجماعة، وأخذ عن الفقهاء والأئمة

стр. 1847

ببغداد، وشرح «المختصر» في «تعليقته» التي هي في خمسين مجلدا، ذكر فيها خلاف العلماء، وأقوالهم، ومآخذهم، ومناظراتهم، حتّى كان يقال له الشافعي [الثاني] [١] ، وله كتاب في أصول الفقه. قال الشيخ أبو إسحاق [٢] : انتهت إليه رئاسة الدّين والدّنيا ببغداد، وجمع مجلسه ثلاثمائة متفقّه، واتفق الموافق والمخالف على تفضيله وتقديمه في جودة الفقه، وحسن النظر، ونظافة العلم. وقال الخطيب أبو بكر [٣] : حدّثونا عنه، وكان ثقة، وقد رأيته [غير مرّة] وحضرت تدريسه، وسمعت من يذكر أنه [٤] كان يحضر درسه سبعمائة فقيه [٥] ، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعيّ لفرح به. توفي في شوال، ودفن في داره، ثم نقل سنة عشر وأربعمائة إلى باب حرب. انتهى ما أورده ابن شهبة ملخصا. وفيها أبو مناد باديس بن منصور بن بلكّين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي المغربي الملك [٦] ، متولّي إفريقية للحاكم العبيدي، وكان ملكا حازما شديد البأس، إذا هزّ رمحا كسره، ومات فجأة، وقام بعده ابنه المعز. قال ابن خلّكان: وكانت ولايته بعد أبيه المنصور، وكان مولده ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بأشير، ولم يزل على ولايته وأموره جارية على السّداد، ولما كان يوم الثلاثاء

стр. 1848

تاسع عشري ذي القعدة، سنة ست وأربعمائة أمر جنوده بالعرض، فعرضوا بين يديه وهو في قبّة الإسلام جالس إلى وقت الظهر، وسرّه حسن عسكره وبهجة زينتهم [١] وما كانوا عليه، وانصرف إلى قصره، ثم ركب عشية ذلك النهار في أجمل مركوب، ولعب الجيش بين يديه، ثم رجع إلى قصره شديد السرور بما رآه من كمال حاله، وقدّم السماط [بين يديه] فأكل مع خاصته وحاضري مائدته، ثم انصرفوا عنه وقد رأوا من سروره ما لم يروه منه [٢] قطّ، فلما مضى مقدار نصف الليل من ليلة الأربعاء سلخ [ذي] القعدة قضى نحبه رحمه الله تعالى، فأخفوا أمره ورتبوا أخاه كرامة بن المنصور ظاهرا، حتّى وصلوا إلى ولده المعز فولّوه، وتم له الأمر. وذكر في كتاب «الدول المنقطعة» [٣] أن سبب موته أنه قصد طرابلس، ولم يزل [٤] على قرب منها عازما على قتالها، وحلف أن لا يرحل عنها إلى أن يعيدها فدنا [٥] للزراعة. فاجتمع أهل البلد [عند ذلك] إلى المؤدب محرز، وقالوا: يا وليّ الله، قد بلغك ما قاله باديس، فادع الله أن يزيل عنّا بأسه، فرفع يديه إلى السماء وقال: يا رب باديس اكفنا باديس، فهلك في ليلته بالذبحة. والصّنهاجي: بضم الصاد المهملة وكسرها وسكون النون، وبعد الألف جيم، نسبة إلى صنهاجة، قبيلة مشهورة من حمير، وهي بالمغرب. قال ابن دريد: صنهاجة بضم الصاد، لا يجوز غير ذلك. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.

стр. 1849

وفيها أبو علي الدّقّاق، الحسن بن علي النيسابوري [١] الزاهد العارف شيخ الصوفية توفي في ذي الحجّة، وقد روى عن ابن حمدان وغيره. قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في كتابه «الكواكب الدّريّة في تراجم الصوفية» ما ملخصه: الحسن بن علي الأستاذ أبو علي الدّقّاق النيسابوري الشافعي، لسان وقته وإمام عصره، كان فارها في العلم، متوسطا في الحلم، محمود السيرة، مجهود السريرة، جنيدي الطريقة، سرّيّ الحقيقة، أخذ مذهب الشافعي عن القفّال، والحصري، وغيرهما، وبرع في الأصول، وفي الفقه، وفي العربية، حتّى شدّت إليه الرحال في ذلك، ثم أخذ في العمل، وسلك طريق التصوف، وأخذ عن النّصرآباذي. قال ابن شهبة: وزاد عليه حالا ومقالا، وعنه: القشيري صاحب «الرسالة» . وله كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة. قيل له: لم زهدت في الدّنيا؟ قال: لما زهدت في أكثرها أنفت عن الرغبة في أقلها. قال الغزالي: وكان زاهد زمانه وعالم أوانه، وأتاه بعض أكابر الأمراء، فقعد على ركبتيه بين يديه، وقال: عظني، فقال: أسألك عن مسألة وأريد الجواب بغير نفاق، فقال: نعم، فقال: أيما أحبّ إليك المال أو العدو؟ قال: المال. قال: كيف تترك ما تحبه بعدك وتستصحب العدو الذي لا تحبه معك، فبكى، وقال: نعم الموعظة هذه. ومن كلامه: من سكت عن الحقّ فهو شيطان أخرس. وقال: من علامة الشوق تمنّي الموت على بساط العوافي، كيوسف لما

стр. 1850

ألقي في الجب، ولما أدخل السجن لم يقل توفّني، ولما تمّ له الملك والنعمة قال: توفني [١] . وكان كثيرا ما ينشد: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف شرّ ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت به ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر وقال: صاحب الحزن يقطع من الطريق في شهر ما لا يقطعه غيره في عام. وقال: السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم مباح للزّهاد، لحصول مجاهداتهم مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم. وقال: لو أن وليّا لله مرّ ببلدة للحق أهلها بركة مروره، حتّى يغفر لجاهلهم. وقال: قال رجل لسهل: أريد أن أصحبك. قال: إذا مات أحدنا فمن يصحب الباقي؟ قال: الله: قال: فاصحبه الآن. انتهى ما أورده المناوي ملخصا. وفيها أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري [٢] المفسّر، صنّف في علوم القرآن، والآداب، وله كتاب «عقلاء المجانين» [٣] سمع من الأصم وجماعة. وفيها أبو يعلى المهلّبي، حمزة بن عبد العزيز بن محمد النيسابوري الطبيب [٤] . روى عن محمد بن محمد بن أحمد بن دلويه، صاحب البخاري، وأبي حامد بن بلال، وجماعة، وتفرّد بالسماع من غير واحد، توفي يوم النّحر عن سنّ عالية.

стр. 1851

وفيها أبو أحمد الفرضي عبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي مسلم [١] المقرئ، شيخ بغداد، قرأ على أحمد بن بويان، وسمع من يوسف [بن] البهلول الأزرق، والمحاملي. قال الخطيب: كان ثقة، ورعا، ديّنا. وقال العتيقي: ما رأينا في معناه مثله. وقال الأزهري: إمام من الأئمة. وقال الذهبي: عاش اثنتين وثمانين سنة. وفيها أبو الهيثم عتبة بن خيثمة التميمي النيسابوري [٢] القاضي، شيخ الحنفية بخراسان، كان عديم النظير في الفقيه والفتوى، تفقّه على أبي الحسين قاضي الحرمين، وأبي العبّاس التّبّان [٣] ، وسمع لما حجّ من أبي بكر الشافعي وجماعة، وولي [قضاء] نيسابور [٤] تسع سنين. وفيها الإمام أبو بكر بن فورك- بضم الفاء وفتح الراء- الأستاذ محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني [٥] المتكلم، صاحب التصانيف في الأصول والعلم. روى «مسند الطيالسي» عن أبي محمد بن فارس، وتصدّر للإفادة بنيسابور، وكان ذا زهد وعبادة، وتوسّع في الأدب، والكلام، والوعظ، والنحو. قال الإسنوي في «طبقاته» : أقام بالعراق مدة يدرّس، ثم توجه إلى الرّيّ فشنعت [٦] به المبتدعة، فراسله أهل نيسابور والتمسوا منه التوجّه إليهم

стр. 1852

ففعل، وورد نيسابور، فبني له بها مدرسة ودار [١] فأحيا الله تعالى به أنواعا من العلوم، وظهرت بركته على المتفقهة، وبلغت مصنفاته قريبا من مائة تصنيف، ثم دعي إلى مدينة غزنة من الهند، وجرت له بها مناظرات عظيمة، فلما رجع إلى نيسابور سمّ في الطريق، فمات، فنقل إلى نيسابور فدفن بها. ونقل عن ابن حزم، أن السلطان محمود بن سبكتكين قتله [٢] لقوله: إن نبيّنا ﷺ ، ليس هو رسول الله اليوم، لكنه كان رسول الله. انتهى كلام الإسنوي ملخصا. وفيها الشريف الرضي [٣] نقيب العلويين، أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد الحسيني الموسوي البغدادي الشّيعي، الشاعر المفلق، الذي يقال: إنه أشعر قريش. ولد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وابتدأ بنظم الشعر وله عشر سنين، وكان مفرط الذكاء، له ديوان في أربع مجلدات، وقيل: إنه حضر [٤] مجلس أبي سعيد السّيرافي فسأله ما علامة النصب في عمر؟ فقال: بغض عليّ، فعجبوا من حدّة ذهنه، ومات أبوه في سنة أربعمائة أو بعدها، وقد نيّف على التسعين، وأما أخوه الشريف المرتضى فتأخر. قاله في «العبر» . وقال ابن خلّكان: ذكره الثعالبي في «اليتيمة» فقال: ابتدأ بقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع [أبناء [٥] الزمان، وأنجب سادة العراق، يتحلى مع محتده الشريف ومفخره المنيف، بأدب ظاهر

стр. 1853

وفضل] [١] باهر، وحظّ [٢] من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين، من مضى منهم ومن غبر، على كثرة شعرائهم المفلقين، ولو قلت: إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، ويشهد بما أخبرته [٣] شاهد عدل من شعره العالي القدح، الممتنع عن القدح [٤] ، الذي يجمع إلى السلامة متانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها ويبعد مداها، وكان أبوه يتولى قديما نقابة الطالبيين، ويحكم فيهم أجمعين، والنظر في المظالم والحجّ بالناس، ثم ردّت هذه الأعمال كلها إلى ولده المذكور في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وأبوه حيّ. ومن غرر شعره، ما كتبه إلى الإمام القادر بالله من جملة قصيدة: عطفا أمير المؤمنين فإنّنا ... في دوحة العلياء لا نتفرّق ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدا كلانا في المعالي معرق [٥] إلّا الخلافة بيّنتك [٦] فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوّق [٧] ومن قوله أيضا: رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبدا يمانع عاشقا معشوق فصبرت حتّى نلتهنّ ولم أقل ... ضجرا دواء الفارك التّطليق [٨]

стр. 1854

وله من جملة أبيات: يا صاحبيّ قفا لي واقضيا وطرا ... وحدّثاني عن نجد بأخبار هل روّضت قاعة الوعساء أم مطرت ... خميلة الطّلح ذات البان والغار أم هل أبيت ودار دون [١] كاظمة ... داراي وسمّار ذاك الحيّ سماري تضوع أرواح نجد من ثيابهم ... عند القدوم [٢] لقرب العهد بالدّار [٣] وذكر ابن جنّي، أنه تلقن القرآن بعد أن دخل في السن، فحفظه في مدة يسيرة، وصنّف كتابا في معاني القرآن يتعذر وجود مثله، دلّ على توسعه في علم النحو واللغة، وصنّف كتابا في مجازات القرآن، فجاء نادرا في بابه. وقد عني بجمع ديوانه جماعة، وأجود ما جمع الذي جمعه أبو حكيم الخبري [٤] . وحكي أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي بسرّ من رأى، وهو لا يعرفها، وقد أخنى عليها الزمان، وذهبت بهجتها، وأخلقت ديباجتها، وبقايا رسومها تشهد لها بالنّضارة وحسن البشارة، فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان [٥] وطوارق الحدثان، وتمثّل بقول الشريف الرضي المذكور: ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها بيد البلى نهب فبكيت حتّى ضجّ من لغب ... نضوي وعجّ بعذلي الركب

стр. 1855

وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عنها الطلول تلفّت القلب [١] فمرّ به شخص فسمعه ينشد الأبيات، فقال: هل تعرف هذه الدار لمن؟ قال: لا، قال: هذه الدار لقائل هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجب من حسن الاتفاق. وكانت ولادة الرضي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ببغداد، وتوفي بكرة يوم الخميس سادس المحرم- وقيل صفر- سنة ست وأربعمائة [٢] ببغداد، ودفن في داره بخطّ مسجد الأنباريين بالكرخ، وخربت الدار ودثر [٣] القبر، ومضى أخوه المرتضى أبو القاسم إلى [٤] مشهد موسى بن جعفر لأنه لا يستطيع أن ينظر إلى تابوته. وصلى عليه والوزير فخر الملك في الدار مع جماعة كثيرة. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا. وفيها، كما قال ابن ناصر الدّين، أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الوهاب الإسفراييني [٥] كان حافظا زائدا بالحفظ على أقرانه. قال في «بديعة البيان» : محمد بن أحمد ذاك أبو ... بكر وفا تحفظا فقربوا

стр. 1856

سنة سبع وأربعمائة فيها كما قال في «الشذور» ورد الخبر بتشعث الركن اليماني من البيت الحرام، وسقوط حائط بين يدي قبر النّبيّ ﷺ ، ووقوع القبة الكبيرة التي على الصخرة ببيت المقدس [١] . وفيها توفي أبو بكر الشيرازي [٢] أحمد بن عبد الرحمن، الحافظ مصنّف كتاب «الألقاب» . كان أحد من عني بهذا الشأن، وأكثر الترحال في البلدان، ووصل بلاد التّرك، وسمع من الطبراني وطبقته. قال عبد الرحمن بن مندة: مات في شوال. وفيها أبو سعد [٣] الخركوشي- بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وضم الكاف آخره معجمة، نسبة إلى خركوش سكة بنيسابور- عبد الملك بن أبي عثمان النيسابوري، الواعظ القدوة، صنّف كتاب «الزهد» وكتاب «دلائل النبوّة» وغير ذلك. قال الحاكم: لم أر أجمع منه علما وزهدا وتواضعا وإرشادا إلى الله- زاده الله توفيقا، وأسعدنا بأيامه-.

стр. 1857

وقال الذهبي: روى عن حامد الرّفّاء وطبقته، وتوفي في جمادى الأولى. وفيها أبو الفضل الفلكي علي بن الحسين بن أحمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن علي الهمذانيّ [١] . كان حافظا بارعا متقنا لهذا الشأن، له كتاب «المنتهى في الكمال في معرفة الرجال» كتبه في ألف جزء، ولم يبيّضه فيما يقال. قاله ابن ناصر الدّين. وفيها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن شاكر القطّان [٢] ، مؤلف «فضائل الشافعي» توفي في المحرم. روى عن عبد الله بن الورد [٣] وطائفة. وفيها أبو الحسين المحاملي محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبّي البغدادي [٤] ، الفقيه الشافعي الفرضي، شيخ سليم الرّازي. روى عن إسماعيل الصفّار وطائفة. وفيها الوزير فخر الملك أبو غالب بن الصيرفي محمد بن علي بن خلف [٥] ، وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن بويه، وبعد وفاته وزر لولده سلطان الدولة أبي شجاع فنّا خسرو. ولد فخر الملك بواسط يوم الخميس ثاني عشري شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وكان من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعد ابن العميد، والصاحب بن عبّاد، وكان أبوه صيرفيا، وكان هو واسع النعمة، فسيح مجال الهمّة، جمّ الفضائل والأفعال، جزيل العطايا والنوال. قصده جماعة من أعيان الشعراء ومدحوه بنخب المدائح، منهم: مهيار الدّيلمي، وأبو نصر بن نباتة السعدي، له فيه قصائد مختارة، منها قصيدته النونية التي من جملتها:

стр. 1858

لكل فتى قرين حين يسمو ... وفخر الملك ليس له قرين أنخ بجنابه واحكم عليه ... بما أمّلته وأنا الضمين قال بعض علماء الأدب: مدح بعض الشعراء فخر الملك بعد هذه القصيدة، فأجازه إجازة لم يرضها، فجاء إلى ابن نباتة، وقال: أنت غريتني وأنا ما مدحته إلّا ثقة بضمانك، فأعطني ما يليق بقصدي [١] ، فأعطاه من عنده شيئا رضي به، فبلغ ذلك فخر الملك، فسيّر لابن نباتة جملة مستكثرة لهذا السبب. ومدائح فخر الملك مستكثرة، ولأجله صنّف أبو بكر محمد بن الحاسب الكرجي كتاب «الفخري» في الجبر والمقابلة، وكتاب «الكافي» في الحساب. ورفع إليه رجل شيخ رقعة يسعى فيها بهلاك شخص، فكتب فخر الملك في ظهرها: السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح، ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور، ولولا أنك في خفارة من شيبك لقابلناك بما يشبه مقالك، ونردع به أمثالك، فاكتم هذا العيب، واتق من يعلم الغيب، والسلام. ومحاسن فخر الملك كثيرة، ولم يزل في عزّه وجاهه وحرمته إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة لسبب اقتضى ذلك، فحبسه ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز، يوم السبت سابع عشري ربيع الأول، وقيل: آخره، ودفن هناك، ولم يستقص دفنه، فنبشت الكلاب قبره وأكلته، ثم أعيد دفن رمته، فشفع فيه بعض أصحابه، فنقلت عظامه إلى مشهد هناك، فدفنت في السنة التي بعدها.

стр. 1859

سنة ثمان وأربعمائة فيها وقعت فتنة عظيمة بين السّنّة والشيعة، وتفاقمت [١] وقتل طائفة من الفريقين، وعجز صاحب الشرطة عنهم، وقاتلوه، فأطلق النيران في سوق نهر الدجاج [٢] . وفيها استتاب القادر بالله- وكان صاحب سنّة- طائفة من المعتزلة والرافضة، وأخذ خطوطهم بالتوبة، وبعث إلى السلطان محمود بن سبكتكين، يأمره ببثّ السّنّة بخراسان، ففعل ذلك وبالغ، وقتل جماعة، ونفى جماعة كثيرة من المعتزلة، والرافضة، والإسماعيلية، والجهمية، والمشبهة، وأمر بلعنهم على المنابر. وفيها قتل الدّرزي [٣] وقطّع لكونه ادّعى ربوبية الحاكم. وفيها توفي ابن ثرثال، أبو الحسن أحمد بن عبد العزيز بن أحمد التّيمي البغدادي [٤] في ذي القعدة بمصر، وله إحدى وتسعون سنة. روى عن

стр. 1860

المحاملي ومحمد بن مخلد، وله جزء واحد رواه عنه الصّوري، والحبّال. وفيها عطية بن سعيد [١] ، الأندلسي القفصي- بفتح القاف وسكون الفاء، نسبة إلى قفصة، بلدة في طرف إفريقية- كنيته أبو محمد كان حافظا صوفيا زاهدا علّامة مكثرا خيرا. قاله ابن ناصر الدّين [٢] . وفيها ابن البيع، أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن يحيى البغدادي [٣] المؤدّب، صاحب المحاملي، وثّقه الخطيب، ومات في رجب. وفيها اليزدي، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الجرجاني [٤] محدّث أصبهان. روى عن محمد بن الحسين القطّان، والأصم، وطبقتهما، وتوفي في رجب. وفيها أبو الفضل الخزاعي محمد بن محمد بن جعفر بن عبد الكريم الجرجاني [٥] المقرئ، مصنّف كتاب «الواضح» ، وكان كثيرا التطواف في طلب القراءات. أخذ عن الحسن بن سعيد المطّوّعي وطبقته، وكان غير ثقة ولا صادق. قاله في «العبر» . وفيها أبو عمر البسطامي، محمد بن الحسين بن محمد بن الهيثم [٦] ، الفقيه الشافعي، قاضي نيسابور، وشيخ الشافعية بها. رحل وسمع الكثير، ودرّس المذهب، وأملى عن [٧] الطبراني وطبقته.
следующие страницы →