ملجم، والحجّاج بن عبد الله الصّريميّ [١] ، وزاذويه [٢] العنبري [٣] ، فكان من أمر ابن ملجم ما كان، وضرب الحجّاج معاوية في الصلاة بدمشق فجرح أليته [٤] قيل: إنه قطع منه عرق النّسل، فلم يحبل معاوية بعدها، وأما صاحب عمرو فقدم مصر لذلك فوجد عمرا قد أصابه وجع في تلك الغداة المعينة، واستخلف على الصلاة خارجة بن حذافة الذي كان يعدل [٥] ألف فارس، فقتله يظنه عمرا ثم قبض فأدخل على عمرو فقال [له] [٦] : أردت عمرا وأراد الله خارجة، فصارت مثلا.
وإلى فداء عمرو بخارجة أشار عبد المجيد بن عبدون [٧] الأندلسي في «بسامته» بقوله:
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليّا بمن شاءت من البشر
стр. 212
وكان علي ﵁ ربعة إلى القصر، أدعج العينين، حسن الوجه، آدم، ضخم البطن، عريض المنكبين، لهما مشاش [١] كالسبع، أصلع ليس له شعر إلا من خلفه، عظيم اللحية، وهو أول من أسلم عند كثيرين بعد خديجة، وعلى كل حال لم يشرك بالله بالغا، شهد المشاهدة كلّها، وحمدت مواقفه، وكان اللواء معه في أكثرها، وفضّل على خالد بن الوليد في الشّجاعة، لأن شجاعة خالد فارسا، وعليّ فارسا وراجلا، ومناقبه لا تعدّ، من أكبرها تزويج البتول، ومؤاخاة الرسول [ ﷺ ] ، ودخوله في المباهلة والكساء، وحمله في أكثر الحروب اللواء، وقول النبي ﷺ : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» [٢] ، وغير ذلك مما يطول ذكره ويعزّ حصره، وقد نقل اليافعي [٣] الخلاف بين أهل السّنّة في المفاضلة بينه وبين عثمان، واختار هو تفضيله على عثمان، وأشار إلى ذلك في قصيدة جملتها خمسة وثلاثون بيتا منها:
والظّاهر الآن عندي ما أقول به ... والله أعلم ما في باطن الحال
من بعد تفضيلنا الشيخين معتقدي ... تفضيله قبل ذي النّورين من تال
انتهى.
والصحيح تفضيل عثمان كما هو معلوم، ولما استقر الخوارج في حروراء [٤]
стр. 213
بعد النّهروان [١] وكانوا ستة آلاف مقاتل، وقيل: ثمانية آلاف، أتاهم عليّ وخطبهم، ووعظهم، فرجعوا معه إلى الكوفة، وأشاعوا أن عليا تاب من التحكيم، فأتاه الأشعث بن قيس فقال له: إن النّاس قائلون: إنك رأيت الحكومة ضلالا، وتبت منها، فقام في النّاس فخطبهم [٢] وقال: من زعم أن الحكومة ضلال فقد كذب، فثارت الخوارج وخرجوا من المسجد، فقيل له: إنهم خارجون عليك، فقال: ما أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون، فبعث إليهم ابن عبّاس ﵄ يناظرهم، فاحتج عليهم ابن عباس بالتحكيم في إتلاف المحرم الصيد، والتحكيم بين الزوجين، وبأن النّبيّ ﷺ أمسك عن قتال الهدنة يوم الحديبية، فصدّقوه في ذلك كلّه، وقالوا له: إن عليا محا نفسه من الخلافة بالتحكيم، فقال لهم ابن عباس: إن رسول الله ﷺ محا اسم الرسالة يوم الحديبية فلم يزلها ذلك عنه، فرجع منهم ألفان، وبقي أربعة أو ستة آلاف أصرّوا، وبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي، فخرج بهم إلى النّهروان [٣] فسار إليهم عليّ، وأوقع بهم، وقتل منهم ألفين وثمانمائة. منهم ذو الثّديّة [٤] علامة الفرقة المارقة، ثم كلمهم أيضا، فأصرّوا وقالوا: إن عدت إلى جهاد العدوّ سرنا بين يديك، وإن بقيت على التحكيم قاتلناك، ثم قال لهم: أيّكم قاتل عبد الله بن خبّاب، فقالوا: كلّنا قتله، وكانوا
стр. 214
قبل لقوا مسلما ونصرانيا، فأعفوا النصراني وقالوا: احفظوا وصية نبيكم فيه، وقتلوا المسلم، ثم لقوا عبد الله بن خبّاب الصحابي وفي عنقه المصحف، فقالوا: إن المصحف يأمرنا بقتلك، فوعظهم، وذكّرهم، وحدّثهم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، فلم يقبلوا، وقالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، فقالوا: ما تقول في عليّ قبل التحكيم، وعثمان قبل الحدث، فأثنى عليهما خيرا، قالوا: فما تقول في التحكيم والحكومة، قال: أقول: إن عليا أعلم منكم، وأشدّ توقّيا على دينه، فقالوا: إنك لست تتبع الهدى، فربطوه إلى جانب النهر وذبحوه، فاندفق دمه على الماء يجري مستقيما.
وروي أن رجلا قال لعليّ: ما بال خلافة أبي بكر وعمر كانت صافية، وخلافتك أنت وعثمان متكدّرة؟ فقال: إن أبا بكر وعمر، كنت أنا وعثمان من أعوانهما، وكنت أنت وأمثالك من أعواني وأعوان عثمان. وقال له رجل من اليهود: ما أتى عليكم بعد نبيكم إلا نيّف وعشرون سنة حتى ضرب بعضكم بعضا بالسيف، فقال ﵁: فأنتم ما جفّت أقدامكم من البحر حتى قلتم: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ٧: ١٣٨ [الأعراف: ١٣٨] . ومما رثي به عليّ كرم الله وجهه:
ألا قل للخوارج أجمعينا ... فلا قرّت عيون الشّامتينا
أفي [١] شهر الصّيام فجعتمونا ... بخير النّاس طرّا أجمعينا [٢]
قتلتم خير من ركب المطايا ... وذلّلها ومن ركب السّفينا
ومن لبس النّعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمئينا
стр. 215
وكلّ مناقب الخيرات فيه ... وحبّ رسول ربّ العالمينا
وبعد وفاة عليّ بويع لابنه الحسن ﵄، فتممت بأيامه «خلافة النبوة ثلاثون سنة» وظهر تصديق الخبر النبوي [١] .
стр. 216
سنة إحدى وأربعين
في ربيع الأول منها سار أمير المؤمنين الحسن بن عليّ بجيوشه نحو الشّام، وعلى مقدمته قيس بن سعد بن عبادة، وسار معاوية بجيوشه فالتقوا بناحية [١] الأنبار [٢] ، فوفّق الله الحسن، فحقن [٣] دماء المسلمين، وترك الأمر لمعاوية كما هو مقرّر في «صحيح البخاري» [٤] .
وظهر حينئذ صدق الحديث النبوي فيه حيث قال ﷺ : «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» [٥] . ولما تم الصلح بشروطه برز الحسن بين الصّفّين وقال: إني قد اخترت
стр. 217
ما عند الله وتركت هذا الأمر لمعاوية، فإن كان لي فقد تركته لله، وإن كان له فما ينبغي لي أن أنازعه، ثم قرأ: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ٢١: ١١١ [الأنبياء: ١١١] ، وكبّر النّاس فرحا، واختلطوا من ساعتهم، وسمّيت سنة الجماعة، وتمت الخلافة لمعاوية ﵁، ولله الحمد.
وفيها توفيت أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂، وقيل: في سنة خمس وأربعين، وكان النبيّ ﷺ طلقها مرّة، فبكى عمر، واشتد عليه، فنزل جبريل وقال للنبيّ ﷺ : إن الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر [١] .
وفي رواية: فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة [٢] .
وفيها مات صفوان بن أميّة بن خلف القرشي الجمحي، وكان من أشراف قريش، ومسلمة الفتح، وكان هرب يومئذ إلى جدّة [٣] ، فاستؤمن له فرجع وطلب من النبيّ ﷺ خيار شهرين فقال له: «لك أربعة» وشهد حنينا فأكثر له ﷺ من غنائمها، فقال: أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي، وحسن إسلامه، وقدم المدينة فقال له النبيّ ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح» [٤]
стр. 218
فرجع إلى مكة، وكان من الأغنياء، قيل: ملك قنطارا من الذهب، [و] شهد اليرموك أميرا.
وفيها لبيد بن ربيعة الشّاعر العامري، الذي صدّقه النبيّ ﷺ [١] ، وحسن إسلامه، وقيل: مات في خلافة عثمان بالكوفة عن مائة وخمسين سنة.
стр. 219
سنة اثنتين وأربعين
فيها افتتح عبد الرّحمن بن سمرة سجستان [١] ، أو بعضها، وافتتحت السّند [٢] .
وفيها توفي عثمان الحجبي.
وفيها سار راشد بن عمرو [٣] ، فشنّ [٤] الغارات، وأوغل في بلاد السند [٥] .
стр. 220
سنة ثلاث وأربعين
فيها افتتح عقبة بن نافع كورا [١] من بلاد السّودان.
وسبى بسر بن أرطاة [٢] بأرض الروم.
وفي ليلة عيد الفطر توفي أبو عبد الله عمرو بن العاص القرشي السّهمي بمصر أميرا لمعاوية، كان من الدهاة المجرّبين، أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر وولي إمرة جيش ذات السلاسل، وكان من أجلاء قريش، وذوي الحزم
стр. 221
والرأي، وحديث وفاته وتثبّته عند النزع، مذكور في «صحيح مسلم» [١] ، وفيه عبرة، وقال آخر أمره: اللهم إنك أمرتنا فعصينا، ونهيت فارتكبنا، فلا أنا بريء فأعتذر، ولا قويّ فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت، ثم فاضت روحه رحمه الله تعالى ورضي عنه.
وفيها توفي عبد الله [بن] [٢] سلام الإسرائيلي حليف الأنصار، من سبط يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام، وقصة إسلامه مشهورة في «الصحاح» [٣] ، وشهد له النبيّ ﷺ بالجنة، وهو المراد عند بعض المفسرين
стр. 222
بقوله تعالى: وَمن عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ١٣: ٤٣ [الرعد: ٤٣] ، وقوله تعالى:
وَشَهِدَ شاهِدٌ من بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ٤٦: ١٠ [الأحقاف: ١٠] .
وفي صفر منها محمد بن مسلمة الأنصاري البدري، وكان ممن اعتزل الفتنة، واتخذ سيفا من خشب، ولزم المدينة حتى مات.
стр. 223
سنة أربع وأربعين
في ذي الحجة منها، توفي أبو موسى الأشعري، اليمني، المقرئ، الأمير، نسب إلى الأشعر أخي حمير بن سبأ، وكان من أهل السابقة والسبق في الإسلام، هاجر من بلده زبيد [١] في نحو اثنين وخمسين رجلا، ورجع، فركب البحر، فألقتهم الريح إلى النّجاشي [٢] بالحبشة، فوقف مع جعفر وأصحابه حتى قدم معهم في سفينته، وجعفر وأصحابه في سفينة أخرى، وأسهم رسول الله ﷺ لسفينتهم ولمن جاء معهم، ولم يسهم لمن غاب غيرهم، واستعمله النبيّ ﷺ على عدن، واستعمله عمر على الكوفة، والبصرة، وفتحت على يده عدة أمصار، وقال علي فيه: صبغ بالعلم صبغة.
وفيها افتتح عبد الرّحمن بن سمرة كابل [٣] .
وغزا المهلّب بن أبي صفرة أرض الهند، وهزم العدو.
стр. 224
وفيها توفيت أمّ المؤمنين أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموية، هاجرت [إلى] [١] الحبشة مع زوجها عبيد الله [٢] بن جحش، فتنصّر هناك ومات، فأرسل رسول الله ﷺ عمرو بن أميّة الضّمري وكيلا في زواجها [٣] ، فلما بشّرت بذلك نثرت سوارين كانا في يدها، وأصدقها النجاشيّ عن النبيّ ﷺ أربعمائة دينار، أو أربعة آلاف درهم [٤] ، وحضر عقدها جعفر وأصحابه.
стр. 225
سنة خمس وأربعين
فيها غزا معاوية بن حديج [١] إفريقية.
وتوفي فيها، وقيل: سنة إحدى وخمسين أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري المقرئ الفرضيّ [٢] الكاتب، عن ست وخمسين سنة، قتل أبوه يوم بعاث [٣] ، وهو ابن ست، وهاجر النبيّ ﷺ وهو ابن إحدى عشرة، واجتمع له شرف العلم والصحبة، وأول مشاهده الخندق، وكان عمر
стр. 226
وعثمان يستخلفانه على المدينة، وكان ابن عبّاس يأتيه إلى بيته للعلم ويقول:
العلم يؤتى ولا يأتي، وكان إذا ركب أخذ بركابه، ويقول ابن عبّاس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء، فيأخذ زيد كفّه ويقبّلها، ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ .
وفيها عاصم بن عديّ سيد بني العجلان، وكان قد ردّه النبيّ ﷺ من بدر في شغل، وضرب له بسهمه.
وقتل أخوه معن يوم اليمامة.
стр. 227
سنة ست وأربعين
فيها ولي الرّبيع بن زياد الحارثيّ سجستان، فزحف كابل شاه في جمع من الترك وغيرهم، فالتقوا على بست [١] ، فهزمهم [٢] .
وفيها توفّي عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد مسموما على ما قيل، وكان أحد الأجواد، وكان بيده لواء معاوية يوم صفّين، وكان أخوه مهاجر مع عليّ ﵁، وقيل: إن معاوية خطب النّاس حين كبر وأسنّ، واستشارهم فيمن يستخلف، وكان مراده أن يشيروا بيزيد، فأشاروا بعبد الرّحمن بن خالد، وغزا عبد الرّحمن الرّوم غير مرّة [٣] .
стр. 228
سنة سبع وأربعين
فيها غزا رويفع بن ثابت الأنصاريّ أمير طرابلس إفريقية، فدخلها ثم انصرف.
وفيها حجّ بالنّاس عنبسة بن أبي سفيان.
وفيها جمعت التّرك فالتقاهم [١] عبد الله بن سوّار العبديّ ببلاد القيقان [٢] ، فاستشهد عبد الله، وعامّة جنده، وغلبت التّرك على القيقان [٣] .
стр. 229
سنة ثمان وأربعين
فيها توجّه سنان بن سلمة بن المحبّق الهذلي [١] واليا على الهند عوض عبد الله بن سوّار.
وقتل بسجستان عبد الله بن عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ، وكان مولده بالحبشة [٢] .
والحارث بن قيس الجعفيّ [٣] ، صاحب ابن مسعود [٤] .
стр. 230
سنة تسع وأربعين
في ربيع الأول منها توفّي سيّد شباب أهل الجنة، سبط رسول الله ﷺ [وريحانته، أبو محمد] [١] الحسن بن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، والأكثر [٢] على أنه توفي سنة خمسين بالمدينة عن سبع وأربعين سنة، ومناقبه كثيرة.
روي أنه حج خمسا وعشرين حجة ماشيا، والنجائب [٣] بين يديه، وخرج عن ماله ثلاث مرات، وشاطره مرّتين، وأعطى إنسانا يسأله خمسين ألف درهم، وخمسمائة دينار، وأعطى حمّال ذلك طّيلسانه [٤] ، وقال: يكون كراؤه من عندي، ومرّ بصبيان معهم كسر خبز فاستضافوه، فنزل عن فرسه،
стр. 231
وأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله، فأطعمهم، وكساهم، وقال: البدء لهم، لأنهم لم يجدوا إلا ما أطعموني، ونحن نجد أكثر منه، وبلغه أن أبا ذرّ قال:
الفقر أحبّ إليّ من الغنى، والسّقم أحبّ إليّ من الصّحة، فقال: يرحم الله أبا ذر أنا أقول: من اتكل على حسن اختيار الله، لم يحبّ غير ما اختاره [١] .
стр. 232
سنة خمسين
فيها توفي عبد الرّحمن بن سمرة العبشميّ من مسلمة الفتح، قال له النبيّ ﷺ : «لا تسأل الإمارة» [١] الحديث، افتتح سجستان، وكابل أميرا لعبد الله بن عامر.
وفيها توفي كعب بن مالك الأنصاريّ السّلمي مؤاخي طلحة بن عبيد الله، وهو أحد الثلاثة الذين خلّفوا وتاب الله عليهم، وأحد شعراء النبيّ ﷺ المجيبين عنه عدّوه، وشهد المشاهد غير تبوك، ذهب بصره في آخر عمره وهو القائل:
стр. 233
جاءت سخينة [كي] [١] تغالب ربّها ... فليغلبنّ مغالب الغلّاب [٢]
فقال له النبيّ ﷺ : «لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا» [٣] . وفيها مات المغيرة بن شعبة الثقفيّ، أسلم عام الخندق، وولي العراق لعمر، وغيره، وكان من رجال الدّهر حزما، وعزما، ورأيا، ودهاء، يقال: إنه أحصن ثلاثمائة امرأة، وقيل ألف امرأة، ولّاه عمر البصرة ثم الكوفة.
وفيها توفّيت أمّ المؤمنين صفيّة بنت حيي بن أخطب الإسرائيليّة، الهارونيّة، وكانت جميلة فاضلة، كفاها فضلا ونبلا زواج النبيّ ﷺ ، وأوتيت أجرها مرّتين، جاءت جاريتها عمر فقالت: إن صفيّة تحبّ السّبت، وتصل اليهود، فبعث إليها عمر يسألها عن ذلك، فقالت: أمّا السّبت فلم أحبّه، وقد أبدلني الله يوم الجمعة، وأمّا اليهود، فإنّ لي فيهم رحما، وقالت للجارية:
ما حملك على هذا؟ قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرّة لوجه الله تعالى [٤] .
وفيها غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية، وقيل: في سنة إحدى وخمسين [٥] .
стр. 234
سنة إحدى وخمسين
وفيها توفّي سعيد بن زيد القرشيّ العدويّ، أحد العشرة، المجاب الدّعوة، دعا على أروى [١] لما كذّبت عليه فقال: اللهمّ إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها [٢] ، فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت، لم يشهد بدرا هو ولا عثمان ابن عفّان، ولا طلحة بن عبيد الله، فأمّا عثمان فاحتبس على مرض زوجته رقيّة بنت رسول الله ﷺ وأمّا سعيد وطلحة، فبعثهما النبيّ ﷺ يتجسّسان الأخبار في طريق الشام، وضرب لهما النبيّ ﷺ سهمهما من الغنيمة.
وفيها، وقيل: في التي تليها توفّي أبو أيوب الأنصاريّ خالد بن زيد بالقسطنطينية [٣] وهم محاصرون لها، وقبره تحت سورها يستسقى به،
стр. 235
ويتبرّك [١] وكان عقبيّا [٢] كثير المناقب، وموضع بيته الذي نزل فيه رسول الله ﷺ مدرسة تعرف بالشهابيّة [٣] .
وفيه موضع يقال له: المبرك، يعنون مبرك ناقة رسول الله ﷺ [٤] .
وفيها قتل حجر بن عديّ وأصحابه بمرج عذراء [٥] من أرض الشام، قيل: قتلوا بأمر معاوية، ولذا قال عليّ كرّم الله وجهه: حجر بن عديّ وأصحابه كأصحاب الأخدود وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨٥: ٨ [البروج: ٨] ، فإن صحّ هذا عن عليّ فيكون من باب الإخبار بالغيب، لأنه توفي قبل كما تقدّم [٦] ، وكان لحجر صحبة ووفادة [٧] وجهاد وعبادة.
وفيها على الأصح توفّي جرير بن عبد الله البجليّ بقرقيسا [٨] .
стр. 236
وفيها توفّيت أمّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وقد تقدّمت ترجمتها في سنة تسع وثلاثين.
стр. 237
سنة اثنتين وخمسين
فيها توفّي عمران بن حصين الخزاعيّ، كثير المناقب، ومن أهل السّوابق، بعثه عمر يفقّه أهل البصرة، وتولّى قضاءها، وكان الحسن البصريّ يحلف بالله، ما قدمها خير لهم من عمران بن حصين، وهو الرّاوي لحديث وصف المتوكّلين الذين لا يرقون [١] ، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وكان يسمع تسليم الملائكة عليه حتى اكتوى بالنّار، فلم يسمعهم عاما، ثمّ أكرمه الله بردّ ذلك، أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر، واستقضاه عبد الله بن عامر على البصرة، ثم استعفاه، فأعفاه.
وفيها توفي كعب بن عجرة الأنصاريّ الحديبيّ [٢] ، وكان من فضلاء الصحابة.
стр. 238
ومعاوية بن حديج [١] الكنديّ التّجيبيّ الأمير، له صحبة ورواية.
وأبو بكرة نفيع بن الحارث، وقيل: ابن مسروح، تدلّى من حصن الطّائف ببكرة للإسلام، فلذا كنّي بأبي بكرة.
وفيها، وقيل: في سنة إحدى أو أربع وخمسين، توفي سيّد بجيلة جرير ابن عبد الله البجليّ الأمير، قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي، أسلم سنة عشر، وسكن الكوفة، وبجيلة أمّ القبيلة، وقيل: هو أنمار أحد أجدادهم، وفيهم يقول الشّاعر:
لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيلة [٢]
قال عمر ﵁: ما مدح من سبّ قومه، ووجد عمر مرة من بعض جلسائه رائحة، فقال: عزمت على صاحب هذه الرّيح إلا قام فتوضأ، فقال جرير: اعزم علينا كلّنا فلنقم، فعزم عليهم، ثم قال: يا جرير ما زلت شريفا في الجاهلية والإسلام، وسأله عمر عن النّاس، فقال: هم كسهام الجعبة، منها القائم الرائش، والنّصل الطّائش.
стр. 239
سنة ثلاث وخمسين
فيها توفّي عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق، وكان من الزّهّاد، والشّجعان [١] ، قتل يوم اليمامة سبعة، شهد مع قريش بدرا وأحدا مشركا، وأسلم في هدنة الحديبية، وله المشاهد الجميلة في نصر الإسلام، ولما دعاه معاوية إلى البيعة ليزيد امتنع، فبعث إليه بمائة ألف درهم فردّها وقال:
لا أبيع ديني بدنياي، وقصّته معهم مشهورة في «البخاريّ» ، وذلك أنّه قام حين دعي للبيعة، فقال مروان [٢] : هذا الّذي نزل فيه وَالَّذِي قال لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي ٤٦: ١٧ [الأحقاف: ١٧] الآية، وذلك من كيد [٣] مروان، وإنما أورده البخاريّ مرسلا لبيان أثر عائشة الذي ردّت به على مروان، ولما بلغ عائشة خبر موته بمكّة ارتحلت حتى وقفت على قبره وقالت:
وكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا [٤]
стр. 240
فلمّا تفرّقنا كأني ومالكا ... لطول [١] اجتماع لم نبت ليلة معا [٢]
وفيها توفّي زياد بن أبيه [٣] المستلحق، وكان يضرب بدهائه المثل، ولّاه معاوية العراقين.
وفيها، أو في التي قبلها، توفي عمرو بن حزم الأنصاريّ الخزرجيّ، ولي نجران [٤] وله سبع عشرة سنة.
وفيها فيروز الديلميّ قاتل الأسود العنسيّ، له صحبة ورواية.
وفضالة [٥] بن عبيد الأنصاريّ قاضي دمشق لمعاوية، وخليفته عليها.
стр. 241
سنة أربع وخمسين
توفي فيها أسامة بن زيد الهاشميّ الكلبي حبّ رسول الله ﷺ وابن حبّه قدّمه النبيّ ﷺ ، وأمّره على فضلاء الصّحابة، وجلّة المهاجرين والأنصار، على حداثة سنّه.
وثوبان [١] بن بجدد مولى رسول الله ﷺ .
وجبير [٢] بن مطعم النّوفلي، وكان من سادات قريش وحلمائها، وقيل: توفي سنة ثمان وخمسين.
وحسّان بن ثابت الأنصاريّ الشّاعر عن مائة وعشرين سنة مناصفة في الجاهليّة والإسلام قيل: وكذلك أبوه وجدّه، وكان لسانه يصل إلى جبهته، ومن قوله مخاطبا لأبي سفيان بن الحارث [٣] :
стр. 242
أتهجوه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء [١]
قيل: وهذا أنصف [٢] بيت قالته العرب.
وفيها على خلاف حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد القرشيّ الأسديّ ابن أخي [٣] خديجة [٤] ، الشّريف الجواد، أعتق في الجاهليّة مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، وفعل مثل ذلك في الإسلام، وأهدى مائة بدنة وألف شاة، وأعتق بعرفة مائة وصيف في أعناقهم أطواق الفضّة منقوش فيها «عتقاء الله عن حكيم بن حزام» وباع دار النّدوة بمائة ألف وتصدّق بها، فقيل له:
стр. 243
بعت مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم.
ولدته أمّه بالكعبة [١] وعاش ستّين سنة في الجاهليّة، وستّين سنة في الإسلام، ودفن في داره بالمدينة، وهو من مسلمة الفتح.
وفيها أبو قتادة [٢] الأنصاريّ السّلمي فارس رسول الله ﷺ شهد أحدا وما بعدها.
ومخرمة بن نوفل الزّهريّ والد المسور، وكان من المؤلّفة قلوبهم.
وفيها غزا عبيد الله بن زياد فقطع نهر جيحون إلى بخارى، وافتتح بعض البلاد، وكان أوّل عربي عدا النّهر.
وفيها على ما رجّحه الواقديّ [٣] أمّ المؤمنين سودة بنت زمعة، وتقدّم أنها ماتت في خلافة عمر، وهو الأصحّ.
وفيها توفي سعيد بن يربوع المخزوميّ من مسلمة الفتح، عاش مائة وعشرين سنة.
وفيها عبد الله بن أنيس الجهنيّ حليف الأنصار، وكان أحد من شهد العقبة.
стр. 244
سنة خمس وخمسين
فيها توفي أبو إسحاق سعد [١] بن أبي وقّاص القرشيّ الزّهريّ، أحد العشرة، ومقدّم جيوش الإسلام في فتح العراق، وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، مجاب الدّعوة، وفداه النبيّ ﷺ بأبويه، وما دعا قطّ إلا استجيب له، ومناقبه جمّة.
وأبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاريّ السّلميّ، [وهو الذي] [٢] أسر العبّاس يوم بدر [٣] .
والأرقم بن [أبي] الأرقم المخزوميّ، أحد السّابقين [٤] ، وقيل:
توفي سنة ثلاث وخمسين [٥] .
стр. 245
سنة ست وخمسين
فيها استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفّان على خراسان [١] ، فغزا سمرقند، فالتقى هو والصّغد [٢] فكسرهم، ثمّ صالحوه، وكان معه من الأمراء المهلّب، واستشهد معه يومئذ قثم بن العبّاس بن عبد المطّلب وكان يشبّه بالنبيّ ﷺ ، وهو آخر من طلع من لحد النبيّ ﷺ .
وفيها أمّ المؤمنين جويرية [٣] بنت الحارث المصطلقيّة [٤] ، وصلى عليها مروان [٥] [٦] .
стр. 246
سنة سبع وخمسين
فيها عزل سعيد بن عثمان عن خراسان، وأضيفت إلى العراقين لعبيد الله بن زياد.
وتوفّي عبد الله بن السّعديّ العامريّ، له صحبة.
وفيها، وقيل في سنة ثمان وخمسين في رمضان: توفّيت أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر [الصّدّيقة بنت] [١] الصّدّيق من أخصّ مناقبها ما علم من حبّ رسول الله ﷺ لها، وشاع من تخصيصها عنده، ونزول القرآن في عذرها وبراءتها والتّنويه بقدرها، ووفاة رسول الله ﷺ بين سحرها ونحرها [٢] ، وفي
стр. 247
نوبتها [١] ، وريقها في فمه الشّريف، لأنّه كان يؤثرها [٢] أن تندّي له السّواك بريقها، ونزول الوحي في بيتها، وهو [٣] في لحافها، ولم يتزوّج بكرا سواها، وما حمل عنها من الفقه لم يحمل عن أحد سواها، تزوجها النبيّ ﷺ بمكة وهي ابنة ست، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وتوفي ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، وتوفّيت عن خمس وستين سنة، ونقل عنها علم كثير حتى ورد «خذوا نصف دينكم عن الحميراء» [٤] .
وفي رواية: «ثلثي دينكم» [٤] .
وكانت من أكثر الصّحابة حفظا وفتيا، قال في «إعلام الموقعين» [٥] :
والذين حفظت عنهم الفتوى من الصّحابة مائة ونيّف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أمّ المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.
قال أبو محمد بن حزم [٦] : ويمكن أن يجمع من فتوى كلّ واحد منهم
стр. 248
سفر ضخم [١] .
قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون [٢] فتيا عبد الله بن عباس ﵄ في عشرين كتابا.
وأبو بكر المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.
قال أبو محمد [٣] : والمتوسّطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصّدّيق، وأمّ سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزّبير، وأبو موسى الأشعريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وسلمان الفارسيّ، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جدا.
ويضاف إليهم: طلحة، والزّبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصّامت، ومعاوية بن أبي سفيان.
والباقون منهم مقلّون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة [على ذلك] [٤] يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم
стр. 249
جزء صغير فقط، بعد التقصّي والبحث [١] . انتهى ملخصا ما ذكره ابن القيم [٢] .
وكان من الآخذين عن عائشة الذين لا يكادون يتجاوزون قولها المتفقّهين بها: القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وعروة بن الزّبير ابن أختها أسماء، قال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض.
وقال عروة بن الزّبير: ما جالست أحدا قطّ أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية، ولا أروى للشعر، ولا أعلم بفريضة ولا طبّ من عائشة ﵂.
وفيها توفّي أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدّوسيّ، قاله هشام المديني، وقيل: سنة ثمان وخمسين، قاله أبو معشر، ويحيى بن بكير، وجماعة، وقيل: سنة تسع وخمسين، كان كثير العبادة والذّكر، حسن الأخلاق، ولي إمرة المدينة، وكان حافظ الصحابة، وأكثرهم رواية.
قال الحافظ الذهبيّ: المكثرون من رواية الحديث من الصحابة ﵃ أجمعين.
أبو هريرة [٣] مروياته خمسة آلاف، وثلاثمائة وأربعة وسبعون.
стр. 250
ابن عمر: ألفان وستمائة وثلاثون.
أنس: ألفان ومائتان وستة وسبعون.
عائشة: ألفان ومائتان وعشرة [١] .
ابن عباس: ألف وستّمائة وسبعون.
جابر: ألف وخمسمائة وأربعون.
أبو سعيد [٢] : ألف ومائة وسبعون.
عليّ: خمسمائة وستة وثمانون.
عمر: خمسمائة وسبعة وثلاثون.
عبد الله بن مسعود: ثمانمائة وثمانية وأربعون.
عبد الله بن عمرو [٣] : سبعمائة.
أمّ سلمة: ثلاثمائة وثمانية وسبعون.
أبو موسى [٤] : ثلاثمائة وستون.
البراء بن عازب: ثلاثمائة وخمسة.
أبو ذرّ [٥] : مائتان وأحد وثمانون.
سعد [٦] : مائتان وأحد وسبعون.