سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة
فيها عيّن ابن النّسوي لشرطة بغداد، فاتفقت الكلمة من [١] السّنّة والشيعة، أنّه متى ولي نزحوا عن البلد، ووقع الصلح بهذا السبب بين الفريقين، وصار أهل الكرخ يترحمون على الصحابة، وصلّوا في مساجد السّنّة، وخرجوا كلهم إلى زيارة المشاهد، وتحابّوا وتواددوا [٢] ، وهذا شيء لم يعهد من دهر. قاله في «العبر» [٣] .
وفيها أبو الحسين التُّوزيّ [٤] أحمد بن علي البغدادي المحتسب.
روى عن ابن لؤلؤ وطبقته، وكان ثقة صاحب حديث.
وفيها الملك العزيز أبو منصور بن الملك جلال الدولة بن بويه، توفي بظاهر ميّافارقين، وكانت مدته سبع سنين، وكان أديبا فاضلا له شعر حسن.
وفيها أبو الحسن بن القزويني، علي بن عمر الحربي، الزاهد القدوة، شيخ العراق. روى عن أبي عمر بن حيّويه وطبقته.
стр. 1997
قال الخطيب [١] : كان أحمد الزهاد، ومن عباد الله الصالحين، يقرئ ويحدّث، ولا يخرج [من بيته] إلّا إلى الصلاة، وعاش اثنتين وثمانين سنة، توفي في شعبان، وغلّقت جميع بغداد يوم دفنه، ولم أر جمعا أعظم من ذلك الجمع.
وقال المناوي في «طبقات الأولياء» : أخذ النحو عن ابن جنّي، وكان شافعيا، تفقّه على الدّاركي، وسمع حديثا كثيرا، ومن كراماته أنّه سمع الشاة تذكر الله تعالى، تقول: لا إله إلّا الله، وكان يتوضأ للعصر، فقال لجماعته:
لا تخرج هذه الشاة غدا للمرعى، فأصبحت ميتة.
وقال بعضهم: مضيت لزيارة قبره، فحصل ما يذكر الناس عنه من الكرامات، فقلت: ترى أيش منزلته عند الله، وعلى قبره مصحف، ففتحته، فإذا في أول ورقة منه وَجِيهاً في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ٣: ٤٥ [آل عمران: ٣] .
وقال الماوردي: صلّيت خلفه، وعليه ثوب مطرز، فقلت في قلبي:
أين المطرز من الزهد، فلما قضى صلاته قال: سبحان الله، المطرز لا ينقص أحكام الزهد، وكرره ثلاثا.
وقال ابن هبة: صليت خلفه العشاء بالحربية، فخرج وأنا معه بالقنديل بين يديه، فإذا أنا بموضع أطواف به مع جماعة، ثم عدنا إلى الحربية قبل الفجر، فأقسمت عليه أين كنّا قال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ ٤٣: ٥٩ [الزّخرف: ٥٩] ذلك البيت الحرام، وله حكايات كثيرة تدل على أن الله أكرمه بطيّ الأرض.
وقال ابن الدلّال: كنت أقرأ على ابن فضلان، فقال- وقد جرى ذكر كرامات القزويني-: لا تعتقد أنّ أحدا يعلم ما في قلبك، فخرجت فدخلت
стр. 1998
على القزويني، فقال: سبحان الله مقاومة معارضة. روي عن المصطفى [ ﷺ ] أنه قال: «إنّ تحت العرش ريحا هفّافة تهبّ إلى قلوب العارفين» [١] . وروى عنه [ ﷺ ] : « [قد] كان فيمن مضى قبلكم محدّثون، فإن يكن في أمتي [أحد] فعمر» [٢] . وقال بعضهم: أصابتني ريح المفاصل، حتّى زمنت لأجلها، فأمرّ القزوينيّ يده عليها من وراء كمّه، فقمت من ساعتي معافي.
وقال ابن طاهر: أدركت سفرا وكنت خائفا، فدخلت للقزويني أسأله الدعاء، فقال- قبل أن أسأله-: من أراد سفرا ففزع من عدو أو وحش، فليقرأ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ١٠٦: ١ [قريش: ١] فإنها أمان من كل سوء [٣] ، فقرأتها، فلم يعرض لي عارض حتّى الآن.
ولما مات أغلقت البلد لمشهده، ولم ير في الإسلام بعد جنازة أحمد بن حنبل أعظم من جنازته. انتهى ما أورده الشيخ عبد الرؤوف المناوي ملخصا.
وفيها أبو القاسم الثمانيني- بلفظ العدد، نسبة إلى ثمانين، قرية بالموصل، وهي أول قرية بنيت بعد الطوفان، سمّيت بعدد الجماعة الذين خرجوا من السفينة مع نوح ﵇، فإنهم كانوا ثمانين، وهي عند الجبل الجودي- عمر بن ثابت الضرير النحوي، أحد أئمة العربية بالعراق.
أخذ النحو عن أبي الفتح بن جنّي، وأخذ عنه الشريف أبو المعمر يحيى بن
стр. 1999
محمد بن طباطبا العلوي الحسني، وكان هو وأبو القاسم بن برهان والعوّام يقرؤون على الثمانيني، وتوفي في ذي القعدة. انتهى ملخصا.
وفيها محمد بن عبد الواحد بن زوج الحرّة، أبو الحسن أخو أبي يعلى، وأبي عبد الله، وكان أوسط الثلاثة. روى عن ابن لؤلؤ وطائفة.
وفيها أبو طاهر بن العلّاف، محمد بن علي بن محمد البغدادي الواعظ. روى عن القطيعي وجماعة، وكان نبيلا وقورا [١] ، له حلقة للعلم بجامع المنصور.
стр. 2000
سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة
فيها على ما قاله في «الشذور» ظهر كوكب له ذؤابة، غلب نوره على نور الشمس، وسار سيرا بطيئا، ثم انقضّ.
وفيها كما قال في «العبر» [١] في صفر زال الأنس بين السّنّة والشيعة، وعادوا إلى أشدّ ما كانوا عليه، وأحكم [٢] الرافضة سوق الكرخ، وكتبوا على الأبراج: محمد وعليّ خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبي فقد كفر.
واضطرمت [٣] الفتنة، وأخذت ثياب الناس في الطرق، وغلّقت الأسواق، واجتمع للسّنّة جمع لم ير مثله، وهجموا [على] [٤] دار الخلافة، فوعدوا بالخير، وثار أهل الكرخ، والتقى الجمعان، وقتل جماعة، [ونهب باب التّبن] [٥] ونبشت عدّة قبول للشيعة [وأحرقوا] [٥] ، مثل العوني، والناشي [٦] ، والجذوعي، وطرحوا النيران في التّرب [٧] ، وتم على الرافضة خزي عظيم،
стр. 2001
فعمدوا إلى خان الحنفية فأحرقوه، وقتلوا مدرّسهم أبا سعد [١] السرخسي ﵀.
وقال الوزير: إن وأخذنا الكلّ خربت البلد. انتهى.
وفيها توفي أبو علي الشّاموخي [٢]- بضم الميم وخاء معجمة، نسبة إلى شاموخ قرية بنواحي البصرة- الحسن بن علي المقرئ بالبصرة، وله جزء مشهور، روى فيه عن أحمد بن محمد بن العبّاس صاحب أبي خليفة.
وفيها علي بن شجاع الشيباني أبو الحسن المصقلي- بفتح أوله والقاف، نسبة إلى مصقلة [٣] جدّ- الأصبهاني الصوفي، في ربيع الأول.
روى عن الدّارقطني وطبقته، وأسمع ولديه كثيرا.
وفيها أبو القاسم الفارسي، علي بن محمد بن علي، مسند الدّيار المصرية. أكثر عن أحمد بن الناصح، والذهلي، وابن رشيق، وتوفي في شوال.
وفيها محمد بن عبد السلام بن سعدان، أبو عبد الله الدّمشقي. روى عن [جمح بن القاسم، وأبي عمر بن فضالة، وجماعة، وتوفي يوم عرفة وعنده ستة أجزاء.
وفيها أبو الحسن بن] [٤] صخر الأزدي القاضي، محمد بن علي بن محمد البصري، بزبيد، في جمادى الآخرة، عن سن عالية. أملى مجالس كثيرة عن أحمد بن جعفر وخلق.
стр. 2002
سنة أربع وأربعين وأربعمائة
فيها كما قال في «الشذور» كانت بأرّجان، والأهواز، وتلك النواحي زلازل، انقلعت منها الحيطان، فحكى من يعتمد على قوله، أنه كان قاعدا في إيوان داره، فانفرج حتّى رأى السماء من وسطه، ثم رجع إلى حاله.
وفيها توفي أبو غانم الكراعي، أحمد بن علي بن الحسين [المروزيّ. روى عن أبي العبّاس عبد الله بن الحسين] [١] النّضري، صاحب الحارث بن أبي أسامة، وكان حافظ خراسان ومسندها في وقته، وآخر من روى عنه حفيده.
وفيها أبو علي بن المذهّب، الحسن بن علي بن محمد التميمي البغدادي الواعظ، راوية «المسند» لأحمد.
قال الخطيب [٢] : كان سماعه للمسند من القطيعي صحيحا إلّا في أجزاء، فإنه ألحق اسمه فيها، وعاش تسعا وثمانين سنة.
قال ابن نقطة [٣] : لو بيّن الخطيب في أيّ مسند هي لأتى بالفائدة.
стр. 2003
وقال الذهبي [١] : توفي في تاسع عشري ربيع الآخر.
وفيها رشأ [٢] بن نظيف ابن ما شاء الله، أبو الحسن الدمشقي المقرئ المحدّث. قرأ بدمشق، ومصر، وبغداد بالروايات، وروى عن أبي مسلم الكاتب، وعبد الوهّاب الكلابي، وطبقتهما.
قال الكتّاني: توفي في المحرم، وكان ثقة مأمونا، انتهت إليه الرئاسة في قراءة ابن عامر.
وفيها المحدّث أبو القاسم الأزجي، عبد العزيز بن علي الخيّاط.
روى عن ابن عبيد [٣] العسكري، وعلي بن لؤلؤ وطبقتهما، فأكثر، توفي في شعبان، وله ثمان وثمانون سنة، وكان صاحب حديث وسنّة.
وفيها أبو نصر السجزي- نسبة إلى سجستان- الحافظ عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي البكري، نزيل مصر. توفي بمكة في المحرم، وكان متقنا مكثرا، بصيرا بالحديث والسّنّة، واسع الرواية. رحل بعد الأربعمائة، فسمع بخراسان، والعراق، والحجاز، ومصر. وروى عن الحاكم، وأبي أحمد الفرضي، وطبقتهما.
قال الحافظ بن طاهر [٤] : سألت الحبّال عن الصّوري، والسجزي
стр. 2004
أيّهما [١] أحفظ؟ فقال: السجزي أحفظ من خمسين [ومن ستين] مثل الصّوري، وله كتاب «الإبانة في القرآن» .
وفيها أبو عمرو الدّاني، عثمان بن سعيد القرطبي بن الصيرفي، الحافظ المقرئ، أحد الأعلام، صاحب المصنفات الكثيرة، منها «التيسير» توفي بدانية في شوال، وله ثلاث وسبعون سنة.
قال: ابتدأت بطلب العلم سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ورحلت إلى الشمرق سنة سبع وتسعين، فكتبت بالقيروان، ومصر.
قال الذهبي [٢] : سمع من أبي مسلم الكاتب، وبمكّة من أحمد بن فراس، وبالمغرب من أبي الحسن القابسي، وقرأ القراءات على عبد العزيز بن جعفر الفارسي، وخلف بن خاقان، وطاهر بن غلبون، وجماعة.
وقال ابن بشكوال [٣] : كان أحمد الأئمة في علم القرآن، روايته، وتفسيره، ومعانيه، وطرقه، وإعرابه، وله معرفة بالحديث، وطرقه، ورجاله، وكان جيد الضّبط، من أهل الحفظ [والعلم] والذكاء [والفهم] ، والتفنّن [٤] ، ديّنا، ورعا، سنّيا.
وقال غيره [٥] : كان مجاب الدّعوة، مالكي المذهب.
وفيها أبو الفتح القرشي، ناصر بن الحسين العمري المروزي الشافعي، مفتي أهل مرو، تفقّه على أبي بكر القفّال، وأبي الطيب
стр. 2005
الصّعلوكي، وروى عن أبي سعيد عبد الله الرّازي، صاحب ابن الضّريس، وعبد الرحمن بن أبي شريح، وعليه تفقّه البيهقي، وكان فقيرا، متعفّفا، متواضعا.
قال ابن شهبة [١] : صار عليه مدار الفتوى، والتدريس، والمناظرة، وصنّف كتبا كثيرة. توفي بنيسابور في ذي القعدة.
стр. 2006
سنة خمس وأربعين وأربعمائة
فيها توفي تاج الأئمة، مقرئ الدّيار المصرية، أبو العبّاس، أحمد بن علي بن هاشم المصري. قرأ على عمر بن عراك، وأبي عديّ، وجماعة، ثم رحل وقرأ على أبي الحسن الحمامي، وتوفي في شوال في عشر التسعين.
قال السيوطي في «حسن المحاضرة» [١] : أقرأ الناس دهرا طويلا بمصر، وحدّث عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد الرّازي في مشيخته.
وفيها أبو إسحاق البرمكي، إبراهيم بن عمر البغدادي الحنبلي. روى عن القطيعي، وابن ماسي، وطائفة.
قال الخطيب [٢] : كان صدوقا، ديّنا، فقيها، على مذهب أحمد، له حلقة للفتوى، توفي يوم التروية، وله أربع وثمانون سنة.
وقال ابن أبي يعلى في «طبقاته» [٣] : له إجازة من أبي بكر عبد العزيز، وصحب ابن بطة، وابن حامد.
قال إبراهيم البرمكي: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك، قال:
حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدّثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال- وذكره عنده، يعني [عند] أبيه رجل- فقال: يا بني، الفائز من فاز غدا، ولم يكن لأحد عنده تبعة.
стр. 2007
ولد البرمكي في شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وتوفي في ذي الحجة، ودفن في مقبرة إمامنا، وكانت حلقته بجامع المنصور. انتهى ملخصا.
وفيها أبو سعد السمّان إسماعيل بن علي الرّازي الحافظ. سمع بالعراق، ومكّة، ومصر، والشام، وروى عن المخلّص وطبقته.
قال الكتّاني: كان من الحفّاظ الكبار، زاهدا، عابدا، يذهب إلى الاعتزال.
وقال الذهبي [١] : كان متبحّرا في العلوم، وهو القائل: من لم يكتب الحديث، لم يتغرغر بحلاوة الإسلام، وله تصانيف كثيرة، يقال: إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ، وكان رأسا في القراءات، والحديث، والفقه، بصيرا بمذهبي أبي حنيفة، والشافعي، لكنه في رؤوس المعتزلة. انتهى كلام الذهبي [٢] .
وفيها أبو طاهر الكاتب، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحيم، مسند أصبهان، وراوية أبي الشيخ، توفي في ربيع الآخر، وهو في عشر التسعين، وكان ثقة، صاحب رحلة إلى أبي الفضل الزّهري وطبقته.
وفيها أبو عبد الله العلوي، محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن الكوفي، مسند الكوفة، في ربيع الأول. روى عن البكّائي [٣] وطائفة.
стр. 2008
سنة ست وأربعين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي الأهوازي، الحسن بن علي بن إبراهيم، المقرئ المحدّث، مقرئ أهل الشام، وصاحب التصانيف. ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وعني بالقراءات، ولقي فيها الكبار، كأبي الفرج الشّنبوذي، وعلي بن الحسين الغضائري، وقرأ بالأهواز لقالون، في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة، وروى الحديث عن نصر المرجى، والمعافي الجريري، وطبقتهما، وهو ضعيف اتّهم في لقي بعض الشيوخ، توفي في ذي الحجّة.
وفيها أبو يعلى الخليلي، الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني الحافظ، أحد أئمة الحديث. روى عن علي بن أحمد بن صالح القزويني، وأبي حفص الكتّاني، وطبقتهما، وكان أحد من رحل وتعب وبرع في الحديث.
قال ابن ناصر الدّين [١] : أبو يعلى القاضي، كان إماما حافظا، من المصنفين، وله كتاب «الإرشاد في معرفة المحدّثين» .
وفيها أبو محمد بن اللّبّان التيمي، عبد الله بن محمد الأصبهاني.
قال الخطيب [٢] : كان أحد أوعية العلم. سمع أبا بكر بن المقرئ، وأبا
стр. 2009
طاهر المخلص وطبقتهما، وكان ثقة، صحب ابن الباقلاني [١] ، ودرس عليه الأصول، وتفقه على أبي حامد الإسفراييني، وقرأ القراءات [٢] ، وله مصنّفات كثيرة. سمعته يقول: حفظت القرآن ولي خمس سنين، مات بأصبهان في جمادى الآخرة.
وفيها محمد بن عبد الرّحمن بن عثمان بن أبي نصر، أبو الحسين التميمي المعدّل الرئيس، مسند دمشق، وابن مسندها. سمع أبا بكر الميانجي، وأبا سليمان بن زبير، وتوفي في رجب.
стр. 2010
سنة سبع وأربعين وأربعمائة
فيها توفي أبو عبد الله القادسي، الحسين بن أحمد بن محمد بن حبيب البغدادي البزّاز. روى عن أبي بكر القطيعي وغيره، ضعّفه الخطيب [١] وفيه أيضا رفض، توفي في ذي القعدة.
وفيها قاضي القضاة، أبو عبد الله بن ماكولا، الحسين بن علي بن جعفر العجلي الجرباذقاني- بفتح الجيم والموحدة والقاف، وسكون الراء والذال المعجمة، نسبة إلى جرباذقان، بلد بين جرجان واستراباذ وأخرى بين أصبهان والكرج لا أدري إلى أيّهما ينسب- كان شافعي المذهب.
قال الإسنوي [٢] : هو من ولد الأمير أبي دلف العجلي، ويعرف بابن ماكولا، وهو الأمير أبو نصر، مصنّف «الإكمال في أسماء الرجال» تولى أبو عبد الله المذكور قضاء القضاة ببغداد، سنة عشرين وأربعمائة.
قال الخطيب: كان عارفا بمذهب الشافعي، وسمع من ابن مندة بأصبهان، قال: ولم نر قاضيا أعظم نزاهة منه. ولد سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ومات في شوال وهو على قضائه. انتهى ما قاله الإسنوي.
وفيها حكم بن محمد بن حكم، أبو العاص الجذامي- نسبة إلى
стр. 2011
جذام قبيلة باليمن- القرطبي مسند الأندلس، حجّ فسمع من أبي محمد بن أبي زيد، وإبراهيم بن علي التمّار، وأبي بكر بن المهندس، وقرأ على عبد المنعم بن غلبون، وكان صالحا، ثقة، ورعا، صلبا في السّنّة، مقلّا، زاهدا، توفي في ربيع الآخر، عن بضع وتسعين سنة.
وفيها أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم- بالتصغير فيهما- الرّازي الشافعي المفسّر، صاحب التصانيف والتفسير، وتلميذ أبي حامد الإسفراييني. روى عن أحمد بن محمد البصير [١] وطائفة كثيرة، وكان رأسا في العلم والعمل، غرق في بحر القلزم [٢] في صفر بعد قضاء حجّه.
قال ابن قاضي شهبة [٣] : تفقه وهو كبير، لأنه كان اشتغل في صدر عمره باللغة، والنحو، والتفسير، والمعاني، ثم لازم الشيخ أبا حامد [٤] ، وعلّق منه التعليق، ولما توفي الشيخ أبو حامد جلس مكانه، ثم إنه سافر إلى الشام، وأقام بثغر صور مرابطا، ينشر العلم، فتخرّج عليه أئمة، منهم:
الشيخ نصر المقدسي، وكان ورعا زاهدا، يحاسب نفسه على الأوقات، لا يدع وقتا يمضي بغير فائدة.
قال الشيخ أبو إسحاق [٥] : إنه كان فقيها أصوليا.
وقال أبو القاسم بن عساكر: بلغني أن سليما تفقه بعد أن جاوز الأربعين، وغرق في بحر القلزم عند ساحل جدّة، بعد الحج في صفر، ومن تصانيفه «كتاب التفسير» سمّاه «ضياء القلوب» وغير ذلك من الكتب النافعة.
стр. 2012
وسئل ما الفرق بين مصنفاتك ومصنفات رفيقك المحاملي؟ يعرّض السائل بأن تلك أشهر، فقال: الفرق أن تلك صنّفت بالعراق ومصنفاتي صنّفت بالشام.
انتهى.
وفيها أبو سعيد إسماعيل بن علي بن الحسين بن زنجويه الرّازي.
كان حافظا علّامة تاريخ الزمان، وهو معتزلي المذهب، وهو إمام في عدّة علوم، ومن كلامه: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام. قاله ابن ناصر الدّين، وجزم أنه توفي في هذه السنة [١] ، وقد تقدم الكلام عليه في سنة خمس وأربعين قريبا [٢] .
وفيها عبد الوهاب بن الحسين بن برهان، أبو الفرج البغدادي الغزّال. روى عن أبي عبد الله العسكري، وإسحاق بن سعد، وخلق، وسكن صور، وبها مات في شوال، عن خمس وثمانين سنة.
وفيها أبو أحمد الغندجاني- بضم الغين المعجمة، وسكون النون وفتح المهملة، وجيم، نسبة إلى غندجان، مدينة بالأهواز- عبد الوهاب بن علي بن محمد بن موسى. روى «تاريخ البخاري» عن أحمد بن عبدان الشيرازي.
وفيها أبو القاسم التّنوخي، علي بن أبي علي المحسّن بن علي البغدادي. روى عن علي بن محمد بن كيسان، والحسين بن محمد العسكري وخلق كثير، وأول سماعه في سنة سبعين.
قال الخطيب [٣] : صدوق متحفّظ في الشهادة، ولي قضاء المدائن ونحوها.
стр. 2013
وقال ابن خيرون [١] قيل: كان راية [٢] الرفض والاعتزال، مات في ثاني المحرم. قاله في «العبر» [٣] .
وفيها ذخيرة الدّين، ولي العهد، محمد بن القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بأمر الله أحمد، توفي في ذي القعدة، وله ست عشرة سنة، وكان قد ختم القرآن، وحفظ الفقه، والنحو، والفرائض، وخلّف سرية حاملا، فولدت ولدا سمّاه جدّه عبد الله، فهو المقتدي الذي ولي الخلافة بعد جده.
وفيها محمد بن علي بن يحيى بن سلوان المازني، ما عنده سوى نسخة أبي مسهر وما معها، توفي في ذي الحجة، وهو ثقة. قاله في «العبر» [٤] .
стр. 2014
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة
فيها تزوج القائم بأمر الله، بأخت طغرلبك، وتمكّن القائم، وعظمت الخلافة بسلطنة طغرلبك.
وفيها كان القحط الشديد بديار مصر والوباء المفرط، وكانت العراق تموج بالفتن والخوف والنهب، من جماعة طغرلبك، ومن الأعراب، ومن البساسيري.
قال ابن الجوزي في «الشذور» : ثم وقع الغلاء والوباء في الناس، وفسد الهواء، وكثر الذباب، واشتد الجوع، حتّى أكلوا الميتة، وبلغ المكوك من بزر البقلة سبعة دنانير، والسفرجلة والرّمانة دينارا، والخيارة واللينوفرة دينارا، وعمّ الغلاء والوباء جميع البلاد، وورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا دارا فوجدوا عند الصباح موتى، أحدهم على باب البيت، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب المكورة. انتهى.
وفيها توفي عبد الله بن الوليد بن سعيد أبو محمد الأنصاري الأندلسي، الفقيه المالكي. حمل عن أبي محمد بن أبي زيد، وخلق، وعاش ثمانيا وثمانين سنة، وسكن مصر، وتوفي بالشام في رمضان.
وفيها أبو الحسين، عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي، ثم النيسابوري راوي «صحيح مسلم» عن ابن عمرويه، و «غريب» الخطابي، عن
стр. 2015
المؤلّف [١] كمّل خمسا وتسعين سنة، ومات في خامس شوال، وكان عدلا جليل القدر.
وفيها أبو الحسن [٢] القالي- نسبة إلى قاليقلا من ديار بكر [٣]- علي بن أحمد بن علي المؤدّب الثقة. روى عن أبي عمر الهاشمي وطبقته.
وفيها أبو الحسن الباقلاني، علي بن إبراهيم بن عيسى البغدادي.
روى عن القطيعي وغيره.
قال الخطيب [٤] : لا بأس به.
وفيها أبو حفص بن مسرور، عمر بن أحمد بن عمر النيسابوري الزاهد. روى عن ابن نجيد [٥] ، وبشر الإسفراييني، وأبي سهل الصّعلوكي، وطائفة.
قال عبد الغافر: هو أبو حفص الفاميّ [٦] الماوردي، الزاهد الفقيه.
كان كثير العبادة والمجاهدة، كانوا يتبركون بدعائه، وعاش تسعين سنة، ومات في ذي القعدة.
وفيها ابن الطفّال، أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد النيسابوري، ثم المصري المقرئ البزاز التاج، ولد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وروى عن ابن حيّويه، وابن رشيق وطبقتهما.
стр. 2016
وفيها ابن التّرجمان، محمد بن الحسين بن علي الغزّي، شيخ الصوفية بديار مصر. روى عن محمد بن أحمد الحندري، وعبد الوهاب الكلابي وطائفة، ومات في جمادى الأولى بمصر، وله خمس وتسعون سنة، وكان صدوقا. قاله في «العبر» [١] .
وفيها أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي البغدادي، راوي «السنن» عن الدّارقطني، توفي في جمادى الأولى، وكان ثقة حسن الأصول.
وفيها أبو الحسين هلال بن المحسّن بن أبي إسحاق إبراهيم بن زهرون بن حيّون الصابئ الحرّاني الكاتب، وهو حفيد أبي إسحاق الصابئ صاحب الرسائل المشهورة. سمع هلال المذكور أبا علي الفارسي النحوي، وعلي بن عيسى الرّماني وغيرهم، وذكره الخطيب في «تاريخ بغداد» [٢] وقال:
كتبنا عنه وكان صدوقا، وكان أبوه المحسّن صابئا على دين جدّه إبراهيم، وأسلم هلال المذكور في آخر عمره، وسمع العلماء في حال كفره، لأنه كان يطلب الأدب، وله كتاب «الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان» وهو مجلد، وكان ولده غرس النّعمة، أبو الحسن محمد بن هلال ذا فواضل [٣] وتواليف نافعة، منها «التاريخ الكبير» ومنها الكتاب الذي سمّاه «الهفوات النادرة من المغفّلين الملحوظين، والسقطات البادرة من المغفّلين المحظوظين» وكانت ولادة هلال المذكور في شوال، سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وتوفي ليلة الخمسين سابع عشر رمضان، ﵀.
стр. 2017
سنة تسع وأربعين وأربعمائة
فيها كما قال في «الشذور» بلغت كارة الخشكار- أي النخالة- عشرة دنانير، ومات من الجوع خلق كثير، وأكلت الكلاب، وورد كتاب من بخارى أنه وقع في تلك الدّيار وباء، حتّى أخرج في يوم ثمانية عشر ألف جنازة، وأحصي من مات إلى تاريخ هذا الكتاب ألف ألف وستمائة وخمسون ألفا، وبقيت الأسواق فارغة والبيوت خالية، ووقع الوباء بأذربيجان وأعمالها، والأهواز وأعمالها، وواسط، والكوفة، وطبق الأرض، حتّى كان يحفر للعشرين والثلاثين زبية [١] فيلقون فيها، وكان سببه الجوع، وباع رجل أرضا له بخمسة أرطال خبز فأكلها ومات في الحال، وتاب الناس كلّهم، وأراقوا الخمور، وكسروا المعازف، وتصدقوا بمعظم أموالهم، ولزموا المساجد، وكان كلّ من اجتمع بامرأة حراما ماتا من ساعتهما، ودخلوا على مريض قد طال نزعه سبعة أيام، فأشار بإصبعه إلى بيت في الدّار، فإذا بجانبه خمر فقلبوها، فمات، وتوفي رجل كان مقيما بمسجد، فخلّف خمسين ألف درهم، فلم يقبلها أحد ورميت في المسجد، فدخل أربعة أنفس ليلا إلى المسجد فماتوا، ودخل رجل على ميت سجي [٢] بلحاف فاجتذبه عنه، فمات، وطرفه في يده. انتهى.
стр. 2018
وفيها توفي أبو العلاء المعرّي، أحمد بن عبد الله بن سليمان التّنوخي، اللّغوي. الشاعر، صاحب التصانيف المشهورة، والزندقة المأثورة، والذكاء المفرط، والزهد الفلسفي، وله ست وثمانون سنة. جدر [١] وهو ابن ثلاث سنين، فذهب بصره، ولعله مات على الإسلام، وتاب من كفرياته، وزال عنه الشك. قاله في «العبر» [٢] .
وقال ابن خلّكان [٣] : الشاعر اللغوي، كان متضلعا من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرّة، وعلى محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب، وله التصانيف الكثيرة المشهورة، والرسائل المأثورة، وله من النظم «لزوم ما لا يلزم» وهو كبير، يقع في خمس مجلدات أو ما يقاربها، وله «سقط الزّند» أيضا وشرحه بنفسه، وسمّاه «ضوء السقط» وله كتاب «الهمزة والردف» أكثر من مائة مجلد، وله غير ذلك.
أخذ عنه أبو القاسم بن المحسّن التّنوخي، والخطيب أبو زكريا التّبريزي، وغيرهما.
وكانت ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس، سابع عشري شهر ربيع الأول، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بالمعرّة، وعمي من الجدري أول سنة سبع وستين، غشي يمنى عينيه بياض، وذهبت اليسرى جملة.
قال الحافظ السّلفي: أخبرني أبو محمد بن عبد الله بن الوليد بن غريب الإيادي، أنه دخل مع عمّه على أبي العلاء يزوره، فرآه قاعدا على سجّادة لبد، وهو شيخ، قال: فدعا لي ومسح على رأسي، وكان [٤] صبيا، قال:
стр. 2019
وكأني أنظر إليه الآن، وإلى عينيه، إحداهما نادرة والأخرى غائرة جدا، وهو مجدّر الوجه، نحيف الجسم.
وكان يقول: كأنما نظر المتنبي إليّ بلحظ الغيب حيث يقول:
أنا الّذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم [١]
وشرح «ديوان أبي تمام» وسمّاه «ذكرى حبيب» و «ديوان البحتري» وسمّاه «عبث الوليد» و «ديوان المتنبي» وسمّاه «معجز أحمد» وتكلم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم، وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم والتوجيه في أماكن لخطئهم.
ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، ودخلها ثانيا [٢] ، سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى المعرّة ولزم منزله، وشرع في التصنيف، وأخذ عنه الناس، وسار إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء، وأهل الأقدار، وسمى نفسه رهن المحبسين [٣] ، للزومه منزله ولذهاب عينيه، ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تدينا، لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين، وهم لا يأكلونه، كيلا يذبحوا [٤] الحيوان، ففيه تعذيب له، وهم لا يرون إيلام جميع الحيوانات.
وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ومن شعره في «اللزوم» :
لا تطلبنّ بآلة لك رفعة [٥] ... قلم البليغ بغير جدّ مغزل
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
стр. 2020
وتوفي ليلة الجمعة ثالث، وقيل: ثاني شهر ربيع الأول، وقيل: ثالث عشرة، وبلغني أنه أوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي عليّ ... وما جنيت على أحد
وهو أيضا متعلق باعتقاد الحكماء، فإنهم يقولون إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه، لأنه يتعرّض للحوادث والآفات.
وكان مرضه ثلاثة أيام، ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير بني عمه، فقال لهم في اليوم الثالث: اكتبوا عنّي، فتناولوا الدّواة [١] والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد [٢] التّنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ، فإنه ميت، فمات ثاني يوم.
والمعرّيّ: نسبة إلى معرّة النّعمان، بلدة صغيرة بالشام، بالقرب من حماة، وشيزر، وهي منسوبة إلى النّعمان بن بشير الأنصاري ﵁.
انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
وقال ابن الأهدل: حضر مرة مجلس الشريف المرتضى ببغداد، وكان الشريف يغضّ من المتنبي، والمعرّي يثني عليه، فقال المعرّيّ: لو لم يكن من شعره إلّا قوله:
لك يا منازل في القلوب منازل [٣]
لكفاه، فأمر الشريف بإخراجه، وقال: ما أراد القصيدة، فإنها ليست من غرر قصائده، وإنما أراد البيت فيها وهو قوله:
стр. 2021
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل [١]
انتهى.
وقال غيره: قيل: ولد أعمى، وترك أكل البيض، واللّبن، واللّحم، وحرّم إتلاف الحيوان، وكان فاسد العقيدة، يظهر الكفر، ويزعم أن له باطنا وأنه مسلم في الباطن، وأشعاره الدالّة على كفره كثيرة منها:
أتى عيسى فأبطل شرع موسى ... وجاء محمد بصلاة خمس
وقالوا: لا نبيّ بعد هذا ... فضلّ القوم بين غد وأمس
ومهما عشت في دنياك هذي ... فما يخليك من قمر وشمس
إذا قلت المحال رفعت صوتي ... وإن قلت الصّحيح أطلت همسي
وقال:
تاه النّصارى والحنيفية ما اهتدت ... ويهود بطرى والمجوس مضلّلة
قسم الورى قسمين هذا عاقل ... لا دين فيه وديّن لا عقل له
انتهى.
وفيها أبو مسعود البجلي، أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الرّازي الحافظ، وله سبع وثمانون سنة. توفي في المحرم ببخارى، وكان كثير الترحال، طوّف، وجمع، وصنّف الأبواب، وروى عن أبي عمرو بن حمدون، وحسينك التميمي، وطبقتهما. وهو ثقة.
قال ابن ناصر الدّين [٢] : كان حافظا صدوقا بين الأصحاب تاجرا تقيا، صنّف على الأبواب.
وفيها أبو عثمان الصّابوني، شيخ الإسلام، إسماعيل بن عبد الرحمن
стр. 2022
النيسابوري الشافعي، الواعظ المفسّر المصنّف، أحد الأعلام. روى عن زاهر السّرخسي وطبقته، وتوفي في صفر، وله سبع وسبعون سنة، وأول ما جلس للوعظ وله عشر سنين.
قال ابن ناصر الدّين [١] : كان إماما حافظا، عمدة، مقدّما في الوعظ والأدب وغيرهما من العلوم، وحفظه للحديث وتفسير القرآن معلوم، ومن مصنفاته كتاب «الفصول في الأصول» .
وقال الذهبي [٢] : كان شيخ خراسان في زمانه.
وقال ابن قاضي شهبة [٣] : [كان أبوه من أئمة الوعظ بنيسابور] فتوفي [٤] ولولده هذا تسع سنين، فأجلس مكانه، وحضر أول مجلس أئمة الوقت في بلده، كالشيخ أبي الطيب الصّعلوكي، والأستاذ أبي بكر بن فورك، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، ثم كانوا يلازمون مجلسه، ويتعجبون من فصاحته، وكمال ذكائه، وحسن إيراده.
قال عبد الغافر الفارسي: كان أوحد وقته في طريقته [٥] ، وعظ المسلمين سبعين سنة، وخطب، وصلّى في الجامع نحوا من عشرين سنة، وكان حافظا كثير السماع والتصنيف، حريصا على العلم. سمع الكثير، ورحل ورزق العزّة والجاه في الدّين والدّنيا، وكان جمالا في البلد، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمعا على أنه عديم النظير، وكان سيف السنّة،
стр. 2023
ودافع [١] أهل البدعة، وقد طوّل عبد الغافر في ترجمته، وأطنب في وصفه.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: شيخ الإسلام صدقا وإمام المسلمين حقا، أبو عثمان الصّابوني. انتهى ملخصا.
وفيها ابن بطّال، مؤلف «شرح البخاري» أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن البطّال القرطبي. روى عن أبي المطرّف القنازعي، ويونس بن عبد الله القاضي، وتوفي في صفر.
وفيها أبو عبد الله الخبّازي، محمد بن علي بن محمد النيسابوري المقرئ، عن سبع وسبعين سنة. روى عن أبيه القراءات، وتصدّر وصنّف فيها، وحدّث عن أبي محمد الخلدي وطبقته، وكان كبير الشأن، وافر الحرمة، مجاب الدعوة، آخر من روى عنه الفراوي.
وفيها أبو الفتح الكراجكي- أي الخيمي- رأس الشيعة، وصاحب التصانيف، محمد بن علي، مات بصور في ربيع الآخر، وكان نحويا لغويا، منجما، طبيبا، متكلّما، متفنّنا، من كبار أصحاب الشريف المرتضى، وهو مؤلّف كتاب «تلقين أولاد المؤمنين» .
стр. 2024
سنة خمسين وأربعمائة
فيها توفي الونّي، صاحب الفرائض، استشهد في فتنة البساسيري، وهو أبو عبد الله [الحسين بن محمد بن عبد الواحد البغدادي.
وأبو الطيب الطبري] [١] طاهر بن عبد الله بن طاهر القاضي الشافعي، أحد الأعلام. روى عن أبي أحمد الغطريقي وجماعة، وتفقّه بنيسابور على أبي الحسن الماسرجسي، وسكن بغداد، وعمّر مائة وسنتين.
قال الخطيب [٢] : كان عارفا بالأصول والفروع، محقّقا، صحيح المذهب.
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في «الطبقات» [٣] :
ومنهم: شيخنا وأستاذنا أبو الطيب الطبري، توفي عن مائة وسنتين، ولم يختلّ عقله، ولا تغيّر فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد، ويحضر المواكب، إلى أن مات. تفقه بآمل على الزجاجي [٤] ، صاحب ابن القاص، وقرأ على أبي سعد الإسماعيلي، وأبي القاسم بن كجّ
стр. 2025
بجرجان، ثم ارتحال إلى نيسابور، وأدرك أبا الحسن الماسرجسي، وصحبه أربع سنين، ثم ارتحل إلى بغداد، وعلّق على أبي محمد البافي [الخوارزمي] صاحب الداركي، وحضر مجلس أبي حامد [الإسفراييني] . ولم أر ممّن رأيت أكمل اجتهادا، وأشد تحقيقا، وأجود نظرا منه. شرح «مختصر المزني» وصنّف في الخلاف، والمهذب، والأصول، والجدل، كتبا كثيرة، ليس لأحد مثلها، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّست أصحابه في مجلسه بإذنه، ورتبني في حلقته، وسألني أن أجلس في مجلسه [١] للتدريس، ففعلت في سنة ثلاثين وأربعمائة، أحسن الله عني جزاءه ورضي عنه.
وقال الخطيب البغدادي [٢] : كان أبو الطيب ورعا، عارفا بالأصول والفروع، محقّقا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه، وعلّقت عنه الفقه سنين.
وقال: سمعت أبا بكر محمد بن محمد المؤدّب، سمعت أبا محمد البافي يقول: أبو الطيب أفقه من أبي حامد الإسفراييني، وسمعت أبا حامد [الإسفراييني] يقول: أبو الطيب أفقه من أبي محمد البافي.
وعن القاضي أبي الطيب أنّه رأى النّبيّ ﷺ في المنام، وقال له:
«يا فقيه» وأنّه كان يفرح بذلك ويقول: سمّاني رسول الله ﷺ فقيها.
وقال القاضي أبو بكر الشامي: قلت للقاضي أبي الطيب- وقد عمّر-: لقد متّعت بجوارحك أيّها الشيخ، فقال: ولم لا؟ وما عصيت الله بواحدة منها قطّ، أو كمال قال.
وقال ابن الأهدل: بلغ أبو الطيب مبلغا في العلم، والدّيانة، وسلامة الصدر، وحسن السمت والخلق، وعليه تفقّه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وولي القضاء ببغداد بربع الكرخ دهرا طويلا، وعاش مائة وسنتين، ويقال:
стр. 2026
وعشرين، ولم يضعف جسده ولا عقله، حتّى حكي أنّه اجتاز بنهر يحتاج إلى وثبة عظيمة، فوثب وقال، أعظما حفظها الله في صغرها، فقوّاها في كبرها، وكان يحضر المواكب في دار الخلافة، ويقول الشعر، ومن شعره من ألغز به على أبي العلاء المعرّي:
وما ذالت درّ لا يحلّ لحالب ... تناولها واللّحم منها محلل
في أبيات في هذا المعنى، فأجابه المعرّي ارتجالا:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلّل
فمن ظنّه كرما فليس بكاذب ... ومن ظنّه نخلا فليس يجهّل
يكلّفني القاضي الجليل مسائلا [١] ... هي البحر قدرا بل أعزّ وأطول
فأجابه القاضي يثني عليه وعلى علمه وبديهته، فأجابه المعرّيّ أيضا:
فؤادك معمور من العلم آهل ... وجدّك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين النّاس غير مموّل ... فأنت من الفهم المصون مموّل
كأنّك من في الشّافعيّ مخاطب ... ومن قلبه تملي فما تتمهّل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا ... وأنت بإيضاح الهدى متكفّل
تجمّلت الدّنيا بأنّك فوقها ... ومثلك حقّا من به يتجمّل
وفيها أبو الفتح بن شيطا، مقرئ العراق، ومصنّف «التذكار في القراءات العشر» عبد الواحد بن الحسين بن أحمد. أخذ عن الحمامي وطائفة، وحدّث عن محمد بن إسماعيل الورّاق [٢] وجماعة، وتوفي في صفر، وله ثمانون سنة.
стр. 2027
وفيها أبو الحسن [١] علي بن بقا المصري الورّاق الناسخ، محدّث ديار مصر. روى عن القاضي أبي الحسن الحلبي وطائفة، وكتب الكثير.
وفيها الماوردي أقضى القضاة، أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي، مصنّف «الحاوي» و «الإقناع» و «أدب الدّنيا والدّين» وكان إماما في الفقه، والأصول، والتفسير، بصيرا بالعربية، ولي قضاء بلاد كثيرة، ثم سكن بغداد، وعاش ستا وثمانين سنة. تفقه على أبي القاسم الصّيمري بالبصرة، وعلى أبي حامد ببغداد، وحدّث عن الحسن الجيلي صاحب أبي خليفة الجمحي وجماعة، وآخر من روى عنه أبو العزّ بن كادش.
قال ابن قاضي شهبة [٢] : هو أحد أئمة أصحاب الوجوه.
قال الخطيب [٣] : كان ثقة، من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدّة في أصول الفقه وفروعه، وفي غير ذلك. وكان ثقة، ولي قضاء بلدان شتى، ثم سكن بغداد.
وقال ابن خيرون: كان رجلا عظيم القدر، متقدما عند السلطان، أحد الأئمة، له التصانيف الحسان في كل فن من العلم، وذكره ابن الصلاح في «طبقاته» وأتّهم بالاعتزال في بعض المسائل بحسب ما فهم عنه في «تفسيره» في موافقة المعتزلة فيها، ولا يوافقهم في جميع أصولهم، ومما خالفهم فيه، أن الجنة مخلوقة. نعم يوافقهم في القول في القدر، وهي بلية غلبت [٤] على البصريين. توفي في ربيع الأول، سنة خمسين، بعد موت أبي الطيب بأحد عشر يوما عن ست وثمانين سنة.
стр. 2028
وذكر ابن خلّكان في «الوفيات» [١] أنه لم يكن أبرز شيئا من مصنفاته في حياته، وإنما أوصى رجلا من أصحابه إذا حضره الموت أن يضع يده في يده، فإن رآه قبض على يده فلا يخرج من مصنفاته شيئا وإن رآه بسط يده أي علامة قبولها، فليخرجها.
ومن تصانيفه «الحاوي» .
قال الإسنوي [٢] : ولم يصنّف مثله، وكتاب «الأحكام السلطانية» وهو تصنيف عجيب مجلد، و «الإقناع» مختصر، يشتمل على غرائب، و «التفسير» ثلاث مجلدات، و «أدب الدّين والدّنيا» وغير ذلك. انتهى ما ذكره ابن شهبة ملخصا.
وقال ابن الأهدل: لما خرج المارودي من بغداد إلى البصرة أنشد أبيات ابن الأحنف:
أقمنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حب البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
خرجت أقرّ ما كانت لعيني ... وخلّفت الفؤاد بها رهينا
وهو منسوب إلى بيع الماورد. انتهى.
وفيها أبو القاسم الخفّاف، عمر بن الحسين البغدادي، صاحب المشيخة. روى عن ابن المظفر وطبقته.
وفيها أبو منصور السّمعاني، محمد بن عبد الجبّار القاضي المروزي الحنفي، والد العلّامة أبي المظفر السّمعاني، مات بمرو في شوال، وكان إماما، ورعا، نحويا، لغويا، علّامة، له مصنفات.
стр. 2029
وفيها منصور بن الحسين التّانئ- بالنون، نسبة إلى التنائية [١] وهي الدهقنة، ويقال لصاحب الضياع والعقار- أبو الفتح الأصبهاني المحدّث، صاحب ابن المقرئ. كان من أروى الناس عنه، توفي في ذي الحجّة، وكان ثقة.
وفيها الملك الرحيم، أبو نصر بن الملك أبي كاليجار بن الملك سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه الدّيلمي، آخر ملوك الدّيلم، مات محبوسا بقلعة الرّيّ في اعتقال طغرلبك.
стр. 2030
سنة إحدى وخمسين وأربعمائة
فيها توفي ابن سميق، أبو عمر، أحمد بن يحيى بن أحمد بن سميق القرطبي، نزيل طليطلة، ومحدّث وقته. روى عن أبي المطرّف بن فطيس، وابن أبي زمنين، وطبقتهما، وكان قوي المشاركة في عدة علوم، حتّى في الطب، مع العبادة والجلالة، وعاش ثمانين سنة.
وفيها الأمير المظفّر أبو الحارث أرسلان بن عبد الله البساسيري التّركي، مقدّم الأتراك ببغداد، يقال: إنه كان مملوك بهاء الدولة بن بويه، وهو الذي خرج على الإمام القائم بأمر الله ببغداد، وكان قدّمه على جميع الأتراك، وقلّده الأمور بأسرها، وخطب له على منابر العراق، وخوزستان، فعظم أمره، وهابته الملوك، ثم خرج على الإمام القائم بأمر الله من بغداد، وخطب للمستنصر العبيدي صاحب مصر، فراح الإمام القائم إلى أمير العرب محيي الدّين أبي الحارث مهارش بن المجلّي العقيلي صاحب الحديثة وأعانه [١] ، فآواه، وقام بجميع ما يحتاج إليه مدة سنة كاملة، حتّى جاء طغرلبك السلجوقي، وقاتل البساسيري المذكور، وقتله، وعاد القائم إلى بغداد، وكان دخوله إليها في مثل اليوم الذي خرج منها، بعد حول كامل، وكان ذلك من غرائب [٢] الاتفاق، وقصته مشهورة، قتله عسكر السلطان
стр. 2031
طغرلبك السلجوقي ببغداد يوم الخميس، منتصف ذي الحجة، وطيف برأسه في بغداد، وصلب قبالة باب النوبي.
والبساسيري: بفتح الباء الموحدة والسين المهملة، وبعد الألف سين مكسورة، ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها، وبعدها راء، هذه النسبة إلى بلدة بفارس يقال لها بسا [١] وبالعربية فسا [١] ، والنسبة إليها بالعربية فسوي، ومنها الشيخ أبو علي الفارسي النحوي، وأهل فارس يقولون في النسبة إليها البساسيري، وهي نسبة شاذة على خلاف الأصل، وكان سيد أرسلان المذكور من بسا، فنسب إليه المملوك، واشتهر بالبساسيري. قاله ابن خلّكان [٢] .
وفيها أبو عثمان النّجيرمي- بفتح النون والراء، وكسر الجيم، نسبة إلى نجيرم، محلة بالبصرة [٣]- سعيد بن محمد بن أحمد بن محمد النيسابوري، محدّث خراسان ومسندها. روى عن جدّه أبي الحسين، وأبي عمرو بن حمدان وطبقتهما، ورحل إلى مرو، وإسفرايين، وبغداد، وجرجان، وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها أبو المظفّر عبد الله بن شبيب الضبّي، مقرئ أصبهان، وخطيبها، وواعظها، وشيخها، وزاهدها، أخذ القراءات عن أبي الفضل الخزاعي، وسمع من أبي عبد الله بن مندة وغيره، وتوفي في صفر.
وفيها أبو الحسن الزّوزني- بفتح الزايين وسكون الواو، نسبة إلى زوزن، بلد بين هراة ونيسابور- علي بن محمود بن ماخرة، شيخ الصوفية
стр. 2032
ببغداد، في رمضان، عن خمس وثمانين سنة. وكان كثير الأسفار، سمع بدمشق عن عبد الوهاب الكلابي وجماعة.
وفيها أبو طالب العشاري، محمد بن علي بن الفتح الحربي الصالح.
روى عن الدّارقطني وطبقته، وعاش خمسا وثمانين سنة، وكان جسده طويلا، فلقبوه العشاري، وكان فقيها حنبليا، تخرّج على أبي حامد، وقبله على ابن بطة، وكان خيّرا، عالما، زاهدا.
قال ابن أبي يعلي في «طبقات الحنابلة» [١] : كان العشاري من الزهّاد، صحب أبا عبد الله بن بطة، وأبا حفص البرمكي، وأبا عبد الله بن حامد.
وقال ابن الطيوري: قال في بعض أهل البادية: إنا [٢] إذا قحطنا [٣] استسقينا بابن العشاري، فنسقى.
وقال: لما قدم عسكر طغرلبك، لقي بعضهم ابن العشاري في يوم الجمعة، فقال له: أيش معك يا شيخ؟ قال: ما معي شيء، ونسي أن في جيبه نفقة، ثم ذكر، فنادى بذلك القائل له، وأخرج ما في جيبه وتركه بيده، وقال: هذا معي، فها به ذلك الشيخ، وعظّمه ولم يأخذه.
وله كرامات كثيرة. مولده سنة ستين وثلاثمائة، وموته يوم الثلاثاء تاسع عشري جمادى الأولى، سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، ودفن في مقبرة إمامنا بجنب أبي عبد الله بن طاهر، وكان كل واحد منهما، زوجا لأخت الآخر.
انتهى ملخصا.
стр. 2033
سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
فيها توفي الماهر، أبو الفتح أحمد بن عبيد الله بن فضال الحلبي الموازيني [١] الشاعر المفلق بالشام.
وفيها علي بن حميد أبو الحسن الذّهلي إمام جامع همذان، وركن السّنّة والحديث بها. روى عن أبي بكر بن لال وطبقته، وقبره يزار ويتبرك به.
وفيها القزويني، محمد بن أحمد بن علي المقرئ، شيخ الإقراء بمصر. أخذ عن طاهر بن غلبون، وسمع من أبي الطيب والد طاهر، وعبد الوهاب الكلابي، وطائفة، وتوفي في ربيع الآخر.
قال في «حسن المحاضرة» [٢] : وقرأ عليه يحيى الخشّاب، وعلي بن بليمة. انتهى.
وفيها ابن عمروس أبو الفضل، محمد بن عبيد الله البغدادي، الفقيه المالكي.
قال الخطيب [٣] : انتهت إليه الفتوى ببغداد، وكان من القرّاء المجودين. حدّث عن ابن شاهين وجماعة، وعاش ثمانين سنة.
стр. 2034
سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة
فيها توفي أبو العبّاس بن نفيس، شيخ القرّاء، أحمد بن سعيد بن أحمد بن نفيس المصري في رجب، وقد نيّف على التسعين، وهو أكبر شيخ لابن الفحّام. قرأ على السّامري، وأبي عديّ عبد العزيز، وسمع من أبي القاسم الجوهري وطائفة، وانتهى إليه علو الإسناد في القراءات، وقصد من الآفاق.
وفيها صاحب ميّافارقين، وديار بكر، نصر الدولة أحمد بن مروان بن دوستك الكردي، أبو نصر، كان عاقلا، حازما، عادلا، لم يفته الصبح، مع انهماكه على اللّذات، وكان له ثلاثمائة وستون سرّية، يخلو كل ليلة بواحدة، وكانت دولته إحدى وخمسين سنة، وعاش سبعا وسبعين سنة، وقام بعده ولده نصر.
وقال ابن خلّكان [١] : ملك البلاد بعد أن قتل أخوه أبو سعيد منصور بن مروان في قلعة الهتّاخ [٢] ليلة الخميس، خامس جمادى الأولى، سنة إحدى وأربعمائة، وكان رجلا مسعودا، عالي الهمّة، حسن السياسة، كثير الحزم، قضى من اللذات وبلغ من السعادة ما يقصر الوصف عن شرحه. وكان قد قسم أوقاته، فمنها ما ينظر فيه في مصالح دولته، ومنها ما يتوفر فيه على لذّاته والاجتماع بأهله، وخلّف أولادا كثيرة، وقصده شعراء عصره، ومدحوه وخلّدوا مدائحه في دواوينهم.
стр. 2035
ومن جملة سعاداته أنه وزر له وزيران كانا وزيري خليفتين، أحدهما أبو القاسم الحسين بن علي، المعروف بابن المغربي، صاحب «الديوان» - الشعر، والرسائل- والتصانيف، المشهورة. كان وزير خليفة مصر وانفصل عنه، وقدم على الأمير أبي نصر المذكور فوزر له مرتين، والآخر فخر الدولة أبو نصر بن جهير، كان وزير، ثم انتقل إلى وزارة بغداد.
ولم يزل على سعادته وقضاء أوطاره إلى أن توفي تاسع عشري شوال.
انتهى ملخصا.
وفيها أبو مسلم، عبد الرحمن بن غزو النّهاوندي العطّار. حدّث عن أحمد بن فراس العبقسي وخلق، وكان ثقة صدوقا.
وفيها أبو أحمد المعلّم عبد الواحد بن أحمد الأصبهاني، راوي مسند أحمد بن منيع، عن عبيد الله بن جميل، وروى عن جماعة، وتوفي في صفر.
وفيها علي بن رضوان أبو الحسن المصري الفيلسوف، صاحب التصانيف. كان رأسا في الطب وفي التنجيم، من أذكياء زمانه بديار مصر.
وفيها أبو القاسم السّميساطي، واقف الخانكاه قرب جامع بني أمية بدمشق- وسميساط: بضم السين المهملة الأولى وفتح الميم والسين الثانية، بينهما مثناة تحتية، وآخره طاء مهملة، بلد بالشام- علي بن محمد بن يحيى السّلمي الدمشقي. روى عن عبد الوهاب الكلابي وغيره، وكان بارعا في الهندسة، والهيئة، صاحب حشمة وثروة واسعة، عاش ثمانين سنة.
قال في «القاموس» [١] : سميساط، كطريبال بسينين، بلد [٢] بشاطئ