← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سنة سبع وخمسين فيها عزل سعيد بن عثمان عن خراسان، وأضيفت إلى العراقين لعبيد الله بن زياد. وتوفّي عبد الله بن السّعديّ العامريّ، له صحبة. وفيها، وقيل في سنة ثمان وخمسين في رمضان: توفّيت أمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر [الصّدّيقة بنت] [١] الصّدّيق من أخصّ مناقبها ما علم من حبّ رسول الله ﷺ لها، وشاع من تخصيصها عنده، ونزول القرآن في عذرها وبراءتها والتّنويه بقدرها، ووفاة رسول الله ﷺ بين سحرها ونحرها [٢] ، وفي

стр. 247

نوبتها [١] ، وريقها في فمه الشّريف، لأنّه كان يؤثرها [٢] أن تندّي له السّواك بريقها، ونزول الوحي في بيتها، وهو [٣] في لحافها، ولم يتزوّج بكرا سواها، وما حمل عنها من الفقه لم يحمل عن أحد سواها، تزوجها النبيّ ﷺ بمكة وهي ابنة ست، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع، وتوفي ﷺ وهي بنت ثمان عشرة، وتوفّيت عن خمس وستين سنة، ونقل عنها علم كثير حتى ورد «خذوا نصف دينكم عن الحميراء» [٤] . وفي رواية: «ثلثي دينكم» [٤] . وكانت من أكثر الصّحابة حفظا وفتيا، قال في «إعلام الموقعين» [٥] : والذين حفظت عنهم الفتوى من الصّحابة مائة ونيّف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أمّ المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. قال أبو محمد بن حزم [٦] : ويمكن أن يجمع من فتوى كلّ واحد منهم

стр. 248

سفر ضخم [١] . قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون [٢] فتيا عبد الله بن عباس ﵄ في عشرين كتابا. وأبو بكر المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث. قال أبو محمد [٣] : والمتوسّطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصّدّيق، وأمّ سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزّبير، وأبو موسى الأشعريّ، وسعد بن أبي وقّاص، وسلمان الفارسيّ، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جدا. ويضاف إليهم: طلحة، والزّبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصّامت، ومعاوية بن أبي سفيان. والباقون منهم مقلّون في الفتيا، لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة [على ذلك] [٤] يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم

стр. 249

جزء صغير فقط، بعد التقصّي والبحث [١] . انتهى ملخصا ما ذكره ابن القيم [٢] . وكان من الآخذين عن عائشة الذين لا يكادون يتجاوزون قولها المتفقّهين بها: القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وعروة بن الزّبير ابن أختها أسماء، قال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض. وقال عروة بن الزّبير: ما جالست أحدا قطّ أعلم بقضاء ولا بحديث بالجاهلية، ولا أروى للشعر، ولا أعلم بفريضة ولا طبّ من عائشة ﵂. وفيها توفّي أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدّوسيّ، قاله هشام المديني، وقيل: سنة ثمان وخمسين، قاله أبو معشر، ويحيى بن بكير، وجماعة، وقيل: سنة تسع وخمسين، كان كثير العبادة والذّكر، حسن الأخلاق، ولي إمرة المدينة، وكان حافظ الصحابة، وأكثرهم رواية. قال الحافظ الذهبيّ: المكثرون من رواية الحديث من الصحابة ﵃ أجمعين. أبو هريرة [٣] مروياته خمسة آلاف، وثلاثمائة وأربعة وسبعون.

стр. 250

ابن عمر: ألفان وستمائة وثلاثون. أنس: ألفان ومائتان وستة وسبعون. عائشة: ألفان ومائتان وعشرة [١] . ابن عباس: ألف وستّمائة وسبعون. جابر: ألف وخمسمائة وأربعون. أبو سعيد [٢] : ألف ومائة وسبعون. عليّ: خمسمائة وستة وثمانون. عمر: خمسمائة وسبعة وثلاثون. عبد الله بن مسعود: ثمانمائة وثمانية وأربعون. عبد الله بن عمرو [٣] : سبعمائة. أمّ سلمة: ثلاثمائة وثمانية وسبعون. أبو موسى [٤] : ثلاثمائة وستون. البراء بن عازب: ثلاثمائة وخمسة. أبو ذرّ [٥] : مائتان وأحد وثمانون. سعد [٦] : مائتان وأحد وسبعون.

стр. 251

أبو أمامة [١] : مائتان وخمسون. سهل بن سعد [٢] : مائة وثمانية وثمانون. عبادة [٣] : مائة وأحد وثمانون. عمران [٤] : مائة وثمانون. معاذ [٥] : مائة وسبعة وخمسون. أبو أيوب [٦] : مائة وخمسة وخمسون. عثمان [٧] : مائة وأربعة وستون [٨] .

стр. 252

جابر بن سلمة: مثله. أبو بكر الصّدّيق: مائة واثنان وثلاثون. أسامة [١] : مائة واثنان وثمانون. ثوبان [٢] : مائة واثنان وسبعون. سمرة بن جندب: مائة واثنان وثلاثون. النعمان بن بشير: مائة واثنان وأربعون. أبو مسعود [٣] : مائة واثنان. جرير [٤] : مائة. ابن أبي أوفى [٥] : خمسة وتسعون. انتهى. ولبعضهم في المكثرين من رواية الحديث: سبع من الصّحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر

стр. 253

أبو هريرة سعد جابر أنس ... صدّيقة وابن عبّاس كذا ابن عمر وكان في أبي هريرة دعابة، وكان يخطب ويقول: طرّقوا لأميركم قيل: وكان يصلي خلف عليّ، ويأكل على سماط معاوية ويعتزل القتال، ويقول: الصلاة خلف عليّ أتمّ، وسماط معاوية أدسم، وترك القتال أسلم، واستعمله عمر على البحرين، وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل، أسلم عام خيبر سنة سبع، وصدّقه الشيطان ونصحه، فقد ثبت في «الصحيح» عن النبيّ ﷺ في حديث أبي هريرة لمّا وكّله النبيّ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة، وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبيّ ﷺ : «ما فعل أسيرك البارحة؟» فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: «إنه سيعود» فلما كان في المرة الثالثة، قال له: دعني حتى [١] أعلّمك ما ينفعك، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ٢: ٢٥٥ [البقرة: ٢٥٥] إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبيّ ﷺ قال: «صدقك وهو كذوب» . وأخبره أنه شيطان [٢] . وفيه دليل على أن الإنسيّ أقوى وأشدّ بأسا من الجنيّ كما اختاره الفخر الرازيّ.

стр. 254

سنة ثمان وخمسين فيها توفي جبير بن مطعم على خلاف في ذلك. وشدّاد بن أوس الأنصاريّ نزيل بيت المقدس. وعقبة بن عامر الجهنيّ الصحابيّ أمير معاوية على مصر، وكان فقيها فصيحا مفوّها. وعبيد الله بن العباس [١] بن عبد المطلب، له صحبة ورواية، ولي اليمن لعليّ فسار إليه بسر [٢] بن أرطاة فذبح ولديه [٣] ، وكان أحد الأجواد [٤] أشاع بعض الناس أنه يدعو الناس للغداء، ولا علم له، فامتلأت

стр. 255

رحبة بيته، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: إنك دعوتهم، فقال: لا يخرجنّ منهم أحد وغدّاهم جميعا، ثم نادى مناديه: أن يحضروا كلّ يوم [١] .

стр. 256

سنة تسع وخمسين فيها توفي أبو محذورة الجمحيّ [١] المؤذّن، له صحبة ورواية، وكان من أندى النّاس صوتا وأحسنهم نغمة. وفيها، وقيل: في التي تليها، شيبة بن عثمان الحجبيّ [٢] العبدريّ [٣] سادن الكعبة. وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أميّة والد عمرو الأشدق، والذي أقيمت عربية القرآن على لسانه، لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ ، وليّ الكوفة لعثمان، وافتتح طبرستان [٤] ، وكان ممدّحا، كريما، عاقلا،

стр. 257

حليما، اعتزل الجمل، وصفّين، ومولده قبل بدر. وأبو عبد الرّحمن عبد الله بن عامر بن كريز العبشميّ [١] ، أمير عثمان على العراق، له رواية، وهو الذي افتتح خراسان، وأصبهان، وحلوان [٢] ، وكرمان [٣] ، وأطراف فارس [٤] كلها.

стр. 258

سنة ستين فيها توفي معاوية بن أبي سفيان بدمشق في رجب وله ثمان وسبعون سنة، ولي الشّام لعمر، وعثمان عشرين سنة، وتملكها بعد عليّ عشرين [أخرى] إلّا شهرا، وسار بالرعية سيرة جميلة، وكان من دهاة العرب وحلمائها، يضرب به المثل، وهو أحد كتبة الوحي، وهو الميزان في حب الصحابة، ومفتاح الصحابة، سئل الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أيهما [١] أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز، فقال: لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز [٢] رضي الله تعالى عنه، وأماتنا على محبته. وفيها توفي سمرة بن جندب الفزاري، في أولها، نزيل البصرة. وبلال بن الحارث المزنيّ.

стр. 259

وعبد الله بن مغفّل المزنيّ، نزيل البصرة، من أهل بيعة الرضوان. وفيها، أو في التي قبلها، أبو حميد السّاعديّ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وفيها عزل الوليد بن عتبة عن المدينة، واستعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق، فقدمها في رمضان، فدخل عليه أهل المدينة، وكان عظيم الكبر، واستعمل على شرطته عمرو [١] بن الزّبير لما كان بينه وبين أخيه عبد الله [من البغضاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة، فضربهم ضربا شديدا لهواهم في أخيه عبد الله] [٢] منهم أخوه المنذر بن الزّبير، ثم جهز عمرو بن سعيد عمرو [٣] بن الزّبير في جيش نحو ألفي رجل إلى أخيه عبد الله بن الزّبير، فنزل بالأبطح [٤] ، وأرسل إلى أخيه برّ يمين يزيد [٥] وكان حلف ألّا يقبل بيعته إلا أن يؤتى به في جامعة، ويقال: حتى أجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فإنك في بلد حرام، فأرسل إليه [٦] أخوه عبد الله من فرّق جماعته وأصحابه، فدخل دار ابن علقمة [٧] ، فأتاه أخوه

стр. 260

عبيدة فأجاره، ثم أتى عبد الله فقال له: قد أجرت عمرا، فقال: أتجير [١] من حقوق الناس! هذا ما لا يصح، أو ما أمرتك أن لا تجير هذا الفاجر الفاسق المستحلّ لحرمات الله، ثم أقاد عمرا بكل من ضربه إلّا المنذر، وابنه، فإنهما أبيا أن يستقيدا، ومات تحت السّياط.

стр. 261

سنة إحدى وستين استشهد فيها في يوم عاشوراء أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب، سبط رسول الله ﷺ وريحانته بكربلاء [١] عن ست وخمسين سنة، ومن أسباب ذلك أنه كان قد أبى من البيعة ليزيد حين بايع له أبوه النّاس [٢] ، رابع أربعة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الرّحمن بن أبي بكر، فلما مات معاوية جاءت كتب أهل العراق إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم، فسار بجميع أهله حتى بلغ كربلاء موضعا بقرب الكوفة، فعرض له عبيد الله [٣] بن زياد، فقتلوه، وقتلوا معه ولديه عليّا الأكبر، وعبد الله، وإخوته جعفرا، ومحمّدا، وعتيقا، والعبّاس الأكبر، وابن أخيه قاسم بن الحسن، وأولاد عمه محمّدا، وعونا ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وابنيه عبد الله، وعبد الرّحمن. ومختصر ذلك أن يزيد لما بويع له بعد موت أبيه، وكان أبوه بايع له الناس، فأرسل يزيد إلى عامله بالمدينة الوليد بن عتبة يأخذ له البيعة، فأرسل إلى الحسين، وعبد الله بن الزّبير، فأتياه ليلا وقالا له: مثلنا لا يبايع سرا بل على رؤوس الأشهاد، ثم

стр. 262

رجعا، وخرجا من ليلتهما في بقية من رجب، فقدم الحسين مكّة، وأقام بها، وخرج منها يوم التروية إلى الكوفة فبعث عبيد الله [١] بن زياد لحربه عمر بن سعد بن أبي وقّاص، وقيل: أرسل عبد الله [٢] ابن الحارث التميميّ، أن جعجع بالحسين، أي احبسه [٣] . والجعجاع المكان الضيق [٣] . ثم أمر معمر بن سعيد في أربعة آلاف، ثم صار عبيد الله بن زياد يزيد في العسكر إلى أن بلغوا اثنين وعشرين ألفا، وأميرهم عمر بن سعد ابن أبي وقّاص، واتفقوا على قتله يوم عاشوراء، قيل: يوم الجمعة، وقيل: السبت، وقيل: الأحد، بموضع يقال له: الطّفّ [٤] ، وقتل معه اثنان وثمانون رجلا فيهم الحارث بن يزيد التّميميّ، لأنه تاب آخرا، حين رأى منعهم له من الماء، وتضييقهم عليه، قيل: ووجد بالحسين ﵁ ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وقتل معه من الفاطميين سبعة عشر رجلا. وقال الحسن البصريّ: أصيب مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل بيته، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبيه، وجاء بعض الفجرة برأسه إلى ابن زياد وهو يقول: أوقر ركابي فضّة وذهبا ... إني [٥] قتلت الملك المحجّبا قتلت خير النّاس أمّا وأبا ... [وخيرهم إذ ينسبون نسبا] [٦]

стр. 263

فغضب لذلك، وقال: إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ والله لألحقنك به، وضرب عنقه، وقيل: إن يزيد هو الذي قتل القائل. ولما تم قتله [١] حمل رأسه، وحرم بيته، وزين العابدين معهم إلى دمشق كالسبايا، قاتل الله فاعل ذلك وأخزاه، ومن أمر به، أو رضيه. قيل: قال لهم عند ذلك بعض الحاضرين: ويلكم إن لم تكونوا أتقياء في دينكم، فكونوا أحرارا في دنياكم [٢] . والصحيح أن الرأس المكرّم دفن بالبقيع إلى جنب أمه فاطمة، وذلك أن يزيد بعث به إلى عامله بالمدينة عمرو بن سعيد الأشدق، فكفّنه ودفنه [٣] . والعلماء مجمعون على تصويب قتال عليّ لمخالفيه لأنه الإمام الحق،

стр. 264

ونقل الاتفاق أيضا على تحسين خروج الحسين على يزيد، وخروج ابن الزّبير، وأهل الحرمين على بني أمية، وخروج ابن الأشعث [١] ومن معه من كبار التابعين وخيار المسلمين على الحجّاج. ثم [إن] الجمهور رأوا جواز الخروج على من كان مثل يزيد، والحجّاج، ومنهم من جوّز الخروج على كل ظالم، وعدّ ابن حزم خروم الإسلام أربعة: قتل عثمان، وقتل الحسين، ويوم الحرّة، وقتل ابن الزّبير، ولعلماء السلف في يزيد وقتلة الحسين خلاف في اللعن والتوقّف. قال ابن الصّلاح [٢] : والنّاس في يزيد ثلاث فرق، فرقة تحبّه وتتولّاه، وفرقة تسبّه وتلعنه، وفرقة متوسطة في ذلك لا تتولّاه ولا تلعنه، قال: وهذه الفرقة هي المصيبة، ومذهبها هو اللائق لمن يعرف سير الماضين، ويعلم قواعد الشريعة الظاهرة. انتهى كلامه. ولا أظن الفرقة الأولى توجد اليوم، وعلى الجملة، فما نقل عن قتلة الحسين والمتحاملين عليه يدل على الزندقة وانحلال الإيمان من قلوبهم،

стр. 265

وتهاونهم بمنصب النّبوّة، وما أعظم ذلك، فسبحان من حفظ الشريعة حينئذ وشيّد أركانها حتى انقضت دولتهم، وعلى فعل الأمويين وأمرائهم بأهل البيت حمل قوله ﷺ : «هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش» [١] . قال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت، ومثل فعل يزيد فعل بسر بن أرطاة [٢] العامري أمير معاوية في أهل البيت من القتل والتشريد، حتى خدّ لهم الأخاديد، وكانت له أخبار شنيعة في عليّ وقتل ولدي عبيد الله [٣] بن عبّاس وهما صغيران على يدي أمّهما، ففقدت عقلها، وهامت على وجهها، فدعا عليه عليّ أن يطيل الله عمره، ويذهب عقله، فكان كذلك، خرف في آخر عمره، ولم تصح له صحبة، وقال الدّارقطني [٤] : كانت [له] [٥] صحبة ولم تكن له استقامة بعد النبيّ ﷺ ، وقال التّفتازاني [٦] في «شرح العقائد النسفية» : اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، قال: والحق إن رضى [٧] يزيد بقتل

стр. 266

الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول الله ﷺ مما تواتر معناه، وإن كان تفصيله آحادا، قال: فنحن [لا] [١] نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه [٢] . وقال الحافظ ابن عساكر نسب إلى يزيد قصيدة منها: ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل لعبت هاشم بالملك بلا ... ملك جاء ولا وحي نزل [٣] فإن صحت عنه، فهو كافر بلا ريب. انتهى بمعناه. وقال الذّهبيّ فيه: كان ناصبيا، فظّا، غليظا، يتناول المسكر ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الحسين، وختمها بوقعة الحرّة، فمقته النّاس، ولم يبارك في عمره، وخرج عليه غير واحد بعد الحسين، وذكر من خرج عليه، وقال فيه في «الميزان» [٤] إنه مقدوح في عدالته ليس بأهل أن يروى عنه. وقال رجل في حضرة عمر بن عبد العزيز: أمير المؤمنين يزيد، فضربه عمر عشرين سوطا. واستفتي الكيا الهرّاسي [٥] فيه فذكر فصلا واسعا من مخازيه حتى نفدت الورقة، ثم قال: ولو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي مخازي هذا الرجل.

стр. 267

وأشار الغزالي [١] إلى التوقّف في شأنه، والتنزّه عن لعنه، مع تقبيح فعله. وذكر ابن عبد البرّ [٢] ، والذّهبيّ وغيرهما مخازي مروان بأنه أول من شق عصا المسلمين بلا شبهة، وقتل النّعمان بن بشير أول مولود من الأنصار في الإسلام، وخرج على ابن الزّبير بعد أن بايعه على الطاعة، وقتل طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، وإلى هؤلاء المذكورين، والوليد بن عقبة، والحكم بن أبي العاص، ونحوهم، الإشارة بما ورد في حديث المحشر وفيه: «فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» [٣] ولا يرد على ذلك ما ذكره العلماء من الإجماع على عدالة الصحابة، وأن المراد به الغالب وعدم الاعتداد بالنادر، والذين ساءت أحوالهم ولابسوا الفتن بغير تأويل ولا شبهة، وقال اليافعي [٤] : وأما حكم من قتل الحسين أو أمر بقتله ممن استحلّ

стр. 268

ذلك، فهو كافر، وإن لم يستحلّ فهو فاسق [١] فاجر [٢] ، والله أعلم. وفيها توفي حمزة بن عمرو الأسلميّ، وله صحبة ورواية. وأمّ المؤمنين هند المعروفة بأمّ سلمة، وقيل: توفيت سنة تسع وخمسين، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا، تزوجها رسول الله ﷺ بعد سنتين من الهجرة، وحين خطبها اعتذرت بكبر السّنّ والأولاد وكونها غيورا [٣] فذكر النبيّ ﷺ أنه كبير أيضا وذو أولاد، وأما الغيرة، فأدعو الله أن يذهبها عنك، فكان أزوّاج النبيّ ﷺ يتحاكمن إليها، لعلمهنّ ببراءتها من الغيرة، وهي صاحبة المشورة المباركة يوم الحديبية، ورأت جبريل ﵇ في صورة دحيّة الكلبيّ.

стр. 269

سنة اثنتين وستين فيها توفي بريدة بن الحصيب الصحابيّ الأسلميّ، وقبره بمرو [١] ، وقد أسلم قبل بدر. وعلقمة بن قيس النّخعيّ الكوفي الفقيه، صاحب ابن مسعود، وكان يشبّه به، واستفتاه غير واحد من الصحابة. وأبو مسلم الخولانيّ [٢] اليمني من سادات التابعين صاحب كرامات، أجّج له الأسود العنسيّ [٣] ، نارا عظيمة وألقاه فيها فلم تضره، فنفاه لئلا

стр. 270

يرتاب النّاس فيه، فوفد على أبي بكر مسلما، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد ﷺ من فعل به ما فعل بإبراهيم خليل الله، واستبطئت سريّة، فبينما هو يصلي ورمحه مركوز، جاء طائر ووقع عليه وخاطبه مشيرا له أن السرية سالمة غانمة، تقدم يوم كذا وكذا، وكان كذلك. وفيها توفي عبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلّب الهاشميّ نزيل دمشق، له صحبة ورواية. وأمير مصر مسلمة بن مخلّد الأنصاري، له صحبة ورواية أيضا. وفيها غزا سلم بن زياد [١] خوارزم، فصالحوه ثم عبر إلى سمرقند، فصالحوه أيضا.

стр. 271

سنة ثلاث وستين كانت وقعة الحرّة، وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يزيد لقلّة دينه، فجهّز لهم مسلم [١] بن عقبة، فخرجوا له بظاهر المدينة بحرّة واقم [٢] فقتل من أولاد المهاجرين والأنصار ثلاثمائة وستة أنفس. ومن الصحابة معقل بن سنان الأشجعيّ، وعبد الله بن حنظلة الغسيل [٣] الأنصاري، وعبد الله بن زيد بن

стр. 272

عاصم المازني الذي حكى وضوء النبيّ ﷺ [١] ، ومحمّد بن ثابت بن قيس بن شمّاس، ومحمّد بن عمرو بن حزم، ومحمّد بن أبي جهم [٢] بن حذيفة، ومحمد بن أبيّ بن كعب، ومعاذ بن الحارث أبو حليمة الأنصاري، الذي أقامه عمر يصلي التراويح بالنّاس، وواسع بن حبّان الأنصاري، ويعقوب ولد طلحة بن عبيد الله التميمي، وكثير بن أفلح أحد كتّاب المصاحف التي أرسلها عثمان، وأبوه أفلح [بن كثير] [٣] مولى أبي أيوب، وذلك لثلاث بقين من ذي الحجة، وهجر المسجد النبوي فلم يصلّ فيه جماعة أياما، ولم

стр. 273

تمتد حياة يزيد بعد ذلك، ولا أميره مسلم بن عقبة، وفي ذلك يقول شاعر الأنصار: فإن يقتلونا [١] يوم حرّة واقم ... فنحن على الإسلام أوّل من قتل ونحن تركناكم ببدر أذلّة ... وأبنا بأسياف لنا منكم نفل [٢] وفيها توفي مسروق الأجدع [٣] الهمداني، الفقيه العابد، صاحب ابن مسعود، وكان يصلي حتى تورم قدماه، وحج فما نام إلا ساجدا، وعن الشّعبي قال: ما رأيت أطلب للعلم منه، كان أعلم بالفتوى من شريح.

стр. 274

سنة أربع وستين في أولها هلك مسلم بن عقبة بهرشى بين مكة والمدينة جبل قريب من الجحفة [١] متجهزا لحرب ابن الزّبير، بعد ما استباح المدينة، وفعل القبائح ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه، ومن العجب أنه شهد الحرّة وهو مريض في محفة كأنه مجاهد. ومات يزيد بعده بنيّف وسبعين يوما، توفي بالذبحة وذات الجنب، في نصف ربيع الأول بحمص وله ثمان وثلاثون سنة، وصلى عليه ابنه معاوية، وقيل: ابنه خالد، وكان شديد الأدمة، كثير الشعر، ضخما، عظيم الهامة، في وجهه أثر الجدريّ، وكنيته أبو خالد، قيل: قال له أبوه معاوية ﵁: بايعت لك النّاس، ومهّدت لك الأمر، ولم يتخلّف عن بيعتك إلا أربعة: الحسين، وعبد الله بن عمر، وابن الزّبير، وعبد الرّحمن ابن أبي بكر، فاستوص بالحسين خيرا لقرابته من رسول الله ﷺ ، وإنه لحمه ودمه، وأما عبد الله بن عمر فقد وقّرته العبادة، فليس له في الملك حاجة، وأما عبد الرّحمن فمغرم بالنساء، فأذعنه بالمال، وأما الذي يثب عليك وثب الأسد، فكذا وكذا، وذكر كلاما معناه التحريض على قتاله، وكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية

стр. 275

أشهر واثني عشر يوما، وعهد بالأمر إلى ابنه معاوية، فبقي في الأمر شهرين أو أقل ومات، وكان يذكر فيه الخير، ومات وله إحدى وعشرون سنة، وأبى أن يستخلف، وقال: لم أصب حلاوتها فلا أتحمّل مرارتها، ولما كان من أمر الحسين ما كان، بقي ابن الزّبير بمكّة عائذا بالبيت، فجهّز لحربه يزيد الحصين بن نمير السّكوني، فرمى الحصين الكعبة بالمنجنيق، حتى تضعضع بناؤها ووهى، وقتل بحجر المنجنيق المسور بن مخرمة النّوفلي، له صحبة ورواية، واحترق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل، وجاء نعي يزيد، فترجّل الحصين، وبايع أهل الحرمين ابن الزّبير، ثم أهل العراق واليمن، حتى كادت تجتمع الأمة عليه، وغلب على دمشق الضّحّاك الفهري، مختلف في صحبته، وكان دعا إلى ابن الزّبير ثم تركه، ودعا إلى نفسه، فانحاز عنه مروان في بني أميّة إلى أرض حوران [١] ووافاهم عبيد الله بن زياد من الكوفة مطرودا من أهلها، وتضعضع أمر بني أمية حتى كاد يندرس، فنهض مروان لطلب الملك، فالتقى هو والضّحّاك بعد قصص تطول، فقتل الضّحّاك في نحو ثلاثة آلاف من أصحابه. ثم سار أمير حمص يومئذ النّعمان بن بشير [٢] الأنصاري الصحابي لينصر الضّحّاك، فقتله أصحاب مروان. وفيها: توفي بالطاعون الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، وكان جوادا حليما، عين للخلافة بعد يزيد، ولي إمرة المدينة غير مرة. وفيها توفي ربيعة الجرشي فقيه النّاس زمن معاوية [٣] .

стр. 276

وفيها نقض أمير المؤمنين عبد الله بن الزّبير الكعبة، وبناها على قواعد إبراهيم ﷺ على ما حدّثته خالته عائشة ﵂، وأدخل الحجر في البيت، وكان قد تشقّق أيضا من المنجنيق واحترق سقفه .

стр. 277

سنة خمس وستين فيها توجّه مروان إلى مصر فملكها، واستعمل عليها ابنه عبد العزيز، ومهّد قواعدها، ثم عاد إلى دمشق، ومات في رمضان، وعهد بالأمر إلى ابنه عبد الملك، وكان مروان فقيها، وكان كاتب السرّ لابن عمّه عثمان ﵁، وكان قصيرا [١] كبير الرأس واللحية، دقيق الرّقبة، أوقص [٢] أحمر الوجه واللحية، يلقّب خيط باطل [٣] عاش ثلاثا وستين سنة. وفيها ولي خراسان المهلّب بن أبي صفرة لابن الزّبير، وحارب الأزارقة [٤] وأباد منهم ألوفا.

стр. 278

وفيها خرج سليمان بن صرد الخزاعي الصحابي، والمسيّب بن نجبة الفزاري صاحب علي في أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين، ويسمى جيش التوّابين، وجيش السراة، وكان مروان قد جهز ستين ألفا مع عبيد الله بن زياد ليأخذوا العراق، والتقوا بالجزيرة فانكسر سليمان وأصحابه، وقتل هو والمسيّب وطائفة، وكان لسليمان صحبة ورواية. وفيها مات على الصحيح عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي ولم يكن بينه وبين أبيه في الولادة إلّا إحدى عشرة سنة [١] وكان من فضلاء الصحابة وعبّادهم المكثرين في الرواية، وأسلم قبل أبيه، وكان يلوم أباه على القيام في الفتن، وحلف بالله أنه لم يرم في حرب صفّين برمح ولا سهم، وإنما حضرها لعزم أبيه عليه، ولقوله ﷺ : «أطع أباك» [٢] . وفيها توفي الحارث بن عبد الله الهمداني الكوفي الأعور صاحب عليّ وابن مسعود، وكان متّهما بالكذب، وحديثه في «السنن» الأربعة [٣] .

стр. 279

سنة ست وستين فيها توفي جابر بن سمرة السّوائي الصحابي، وقيل: توفي سنة أربع وستين، وكان أبوه [١] صحابيا أيضا. وزيد بن أرقم الأنصاري، وقيل: في سنة ثمان، وكان غزا مع النبيّ ﷺ سبع عشرة غزوة. وفيها قويت شوكة الخوارج، واستولى نجدة الحروريّ الخارجي على اليمامة، والبحرين.

стр. 280

سنة سبع وستين فيها قتل عمر [١] بن سعد بن أبي وقاص، وعبيد الله بن زياد، وحصين بن نمير السّكوني، الذي حاصر ابن الزّبير وانصرف عنه، وشرحبيل بن ذي الكلاع، وكثيرون من دعاة الشر، واصطلم عسكرهم، وكانوا أربعين ألفا، وذلك أنه جهز المختار بن أبي عبيد الكذّاب جيشا قدر ثمانية آلاف مع إبراهيم بن الأشتر النخعيّ، فكانت وقعة الخازر [٢] بأرض الموصل، وقيل: كانت في السنة التي بعدها، وكانت ملحمة عظيمة انتقم الله فيها من أهل الجرم، ونصبت رؤوسهم حيث نصب رأس الحسين. وروي أن حيّة كانت تدخل في منخري [٣] عبيد الله بن زياد وتدور على رأسه، وفعلت ذلك والناس ينظرون، ثم بعث به المختار إلى المدينة في نحو سبعين ألف رأس وشاهدهم نساء أهل البيت الكرام، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام. وفيها، وقيل: في التي قبلها توفي عديّ بن حاتم الطائي وله مائة

стр. 281

وعشرون سنة، أسلم سنة سبع وأكرمه النبيّ ﷺ وألقى له وسادة وقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» [١] . وفيها ثارت الفتنة بين ابن الزّبير، والمختار بن أبي عبيد الثقفي كان متلوّنا كذّابا يدعو مرة إلى محمّد بن الحنفيّة، ومرّة لابن الزّبير، حتى ادعى آخرا أن جبريل يأتيه بالوحي من السماء، فلما تحقّق ابن الزّبير سوء حاله، بعث أخاه المصعب لحربه، فقدم المصعب البصرة وتأهّب منها، واجتمع إليه جيش الكوفة، فسار بهم جميعا وعلى مقدّمته عبّاد بن الحصين، وعلى ميمنته المهلّب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، فجهز المختار لحربهم أحمر بن شميط، وكيسان [٢] فهزمهم مصعب، وقتل أحمر، وكيسان، وقتل من جيش مصعب محمّد بن الأشعث الكندي ابن أخت أبي بكر الصّدّيق، وعبيد الله بن عليّ بن أبي طالب، وقتل من جند المختار عمر الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، ثم سار جيش مصعب فدخلوا الكوفة، وحصروا المختار بقصر الإمارة أياما إلى أن قتله الله في رمضان وصفت العراق لمصعب.

стр. 282

سنة ثمان وستين فيها توفي عبد الله بن عبّاس الهاشمي حبر الأمة بالطّائف عن إحدى وسبعين سنة، كان يقال له: البحر، والحبر، وترجمان القرآن، وذلك أن النبيّ ﷺ قال في دعائه له: «اللهمّ فقهه في الدّين وعلمه التأويل» [١] وذهب بصره آخرا فقال: إن يذهب الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكيّ وذهني غير ذي وكل ... وفي فمي صارم كالسّيف مشهور [٢] ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وكان جميلا نبيلا مجلسه مشحونا بالطلبة

стр. 283

في أنواع العلوم، قال بعضهم: حج معاوية وابن عبّاس وكان [١] لمعاوية موكب بالولاية، ولابن عباس موكب بالرواية والدراية. قال ابن عبّاس: ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللهمّ علمه الحكمة» [٢] . وقال أيضا: دعاني رسول الله ﷺ فمسح ناصيتي وقال: «اللهمّ علمه الحكمة وتأويل الكتاب» [٣] . وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة ولا أجلد رأيا ولا أثقب نظرا حين ينظر من ابن عبّاس، وإن كان عمر بن الخطّاب ليقول [٤] له: قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها. وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا قط أكرم من مجلس ابن عبّاس، أكثر فقها وأعظم، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم في واد واسع. وقال مغيرة: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول [٥] . وقال مجاهد: كان ابن عبّاس يسمى البحر من كثرة علمه [٦] .

стр. 284

وقال طاووس [١] : أدركت نحوا من خمسين [٢] من أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكر ابن عبّاس شيئا فخالفوه لم يزل بهم حتى يقرّرهم. وقال ابن أبي نجيح: كان أصحاب ابن عبّاس يقولون: ابن عبّاس أعلم من عمر، ومن عليّ، ومن عبد الله [٣] ويعدّون ناسا، فيثب عليهم الناس فيقولون: لا تعجلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلّا وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه، وكان ابن عبّاس قد جمعه كلّه. وقال الأعمش: كان ابن عبّاس إذا رأيته قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا حدّث قلت: أعلم النّاس [٤] . وفيها عزل ابن الزّبير أخاه مصعبا عن العراق وولاها ابنه حمزة. وتوفي أبو شريح [٥] الخزاعي الكعبي، ويقال له أيضا: العدوي، وكان قد أسلم قبل فتح مكة. وأبو واقد الليثيّ [٦] ، وكان ممن شهد الفتح وعاش بضعا وسبعين سنة.

стр. 285

سنة تسع وستين فيها كان طاعون الجارف [١] بالبصرة، قال المدائني [٢] : حدثني من أدرك الجارف قال: كان ثلاثة أيام فمات في كل يوم نحو من سبعين ألفا، ومات لأنس بن مالك نحو سبعين ابنا، ومات فيه عشرون ألف عروس، وأصبح النّاس في اليوم الرابع ولم يبق إلّا اليسير من الناس، وصعد ابن عامر [٣] المنبر يوم الجمعة فلم يجتمع معه إلّا سبعة رجال وامرأة، فقال: ما ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب أيها الأمير. وفيه مات قاضي البصرة أبو الأسود الدّؤلي [٤] الذي أسس النحو
следующие страницы →