← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قال ابن ناصر الحافظ: وسمعت منه، قال: وكان رجلا صالحا من أهل القرآن والسّتر والصيانة، ثقة مأمونا، توفي ليلة الأربعاء ثاني عشر جمادى الأولى، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى. وفيها أبو علي إسماعيل بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني الخيّاط [١] الفقيه الحنبلي. دخل بغداد سنة سبع وخمسمائة، وحدّث بها عن والده وعن أبي بكر محمد بن أحمد بن الحسن بن ماجة، وأبي مطيع المصري وغيرهم. سمع منه أبو منصور محمد بن ناصر البردني، وقال: كان من الأئمة الكبار، وهو أخو أبي سعد محمد بن أحمد بن داود. قال ابن النجار: قرأت بخط أخيه أبي سعيد، توفي أخي أبو علي إسماعيل في العشر الآخر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وفيها ألب أرسلان، صاحب حلب، وابن صاحبها، رضوان بن تتش السلجوقيّ التركيّ، تملّك وله ست عشرة سنة، فقتل أخويه بتدبير البابا لؤلؤ، وقتل جماعة من الباطنية، وكانوا قد كثروا في دولة أبيه. ثم قدم دمشق ونزل بقلعتها، ثم رجع وفي خدمته طغتكين، وكان سيّئ السيرة، فاسقا، فقتله البابا وأقام أخا له طفلا له ست سنين، ثم قتل البابا سنة عشر. وفيها أبو الوحش، سبيع بن المسلّم الدّمشقي، المقرئ الضرير، ويعرف بابن قيراط. قرأ لابن عامر على الأهوازيّ، ورشأ، وروى الحديث عنهما، وعن عبد الوهاب بن برهان، وكان يقرئ من السّحر إلى الظهر. توفي في شعبان عن تسع وثمانين سنة. وفيها النّسيب أبو القاسم، علي بن إبراهيم بن العبّاس الحسيني

стр. 2277

الدمشقي، الخطيب، الرئيس، المحدّث، صاحب «الأجزاء العشرين» التي خرّجها له الخطيب، توفي في ربيع الآخر، عن أربع وثمانين سنة. قرأ على الأهوازي، وروى عنه، وعن سليم، ورشأ [١] وخلق، وكان ثقة، نبيلا، محتشما، مهيبا، سديدا، شريفا، صاحب حديث وسنّة. وفيها السلطان علاء الدولة مسعود، صاحب الهند وغزنة، ولد السلطان إبراهيم بن السلطان مسعود بن السلطان الكبير محمود بن سبكتكين، مات في شوال، وتملّك بعده ولده أرسلان شاه.

стр. 2278

سنة تسع وخمسمائة فيها توفي ابن ملّة [١] أبو عثمان إسماعيل بن محمد الأصبهاني الواعظ المحتسب، صاحب تلك المجالس. قال ابن ناصر [٢] : وضع حديثا وكان يخلّط. وقال الذهبي [٣] : روى [٤] عن ابن ريذة وجماعة. وفيها أبو شجاع الدّيلمي، شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فنّا خسرو- بفاء ونون، وخاء معجمة، وسين وراء مهملتين، بعدهما واو- الهمذاني الحافظ، صاحب كتاب «الفردوس» و «تاريخ همذان» وغير ذلك، توفي في رجب عن أربع وسبعين سنة. وغيره أتقن منه. سمع الكثير من يوسف بن محمد المستملي وطبقته. وقال ابن شهبة في «طبقات الشافعية» [٥] : وهو من ولد الضحّاك بن فيروز الصحابي. ذكره ابن الصلاح فقال: كان محدّثا، واسع الرحلة، حسن الخلق

стр. 2279

والخلق، ذكيا، صلبا في السّنّة، قليل الكلام، صنّف تصانيف اشتهرت عنه، منها «كتاب الفردوس» وكتاب في حكايات المنامات، وكتابا في تاريخ همذان. ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في رجب، سنة تسع وخمسمائة. انتهى. وفيها غيث بن علي أبو الفرج الصّوري [الأرمنازي [١] ، خطيب صور] ومحدّثها. روى عن أبي بكر الخطيب، ورحل إلى دمشق ومصر، وعاش ستا وستين سنة. وفيها الشريف أبو يعلى بن الهبّارية [٢]- بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة، وبعد الألف راء، نسبة إلى هبّار جد أبي يعلى المذكور- محمد بن محمد بن صالح الهاشمي، الشاعر المشهور الهجّاء، الملقب نظام الدّين البغدادي. كان شاعرا مجيدا حسن المقاصد، لكنه خبيث اللسان، كثير الهجاء والوقوع في الناس، لا يكاد يسلم من لسانه أحد. ذكره العماد الكاتب في «الخريدة» فقال: من شعراء نظام الملك، غلب على شعره الهجاء، والهزل، والسخف، وسبك في قالب ابن حجّاج، وسلك أسلوبه، وفاقه في الخلاعة. والنظيف من شعره في غاية الحسن [٣] . انتهى كلام العماد. وكان ملازما لخدمة نظام الملك وولده ملكشاه.

стр. 2280

ومن معاني شعره الغريبة قوله: قالوا أقمت وما رزقت وإنما ... بالسير يكتسب اللّبيب ويرزق فأجبتهم ما كلّ سير نافعا ... الحظّ ينفع لا الرحيل المقلق كم سفرة نفعت وأخرى مثلها ... ضرّت [١] ويكتسب الحريص ويخفق كالبدر يكتسب الكمال بسيره ... وبه إذا حرم السعادة يمحق وله أيضا: خذ جملة البلوى ودع تفصيلها ... ما في البرية كلها إنسان وإذا البياذق في الدّسوت تفرزنت ... فالرأي أن يتبيذق الفرزان وله على سبيل الخلاعة والمجون: يقول أبو سعيد إذ رآني ... عفيفا منذ عام ما شربت على يد أي شيخ تبت قل لي ... فقلت على يد الإفلاس تبت وله في المعنى أيضا: رأيت في الليل عرسي وهي ممسكة ... ذقني وفي يدها شيء من الأدم [٢] معوّج الشكل مسودّ به نقط ... لكنّ أسفله في هيئة القدم حتى تنبّهت محمّر القذال ولو ... طال المنام على الشيخ الأديب عمي وله كتاب «نتائج الفطنة [٣] في نظم كليلة ودمنة» وديوان شعره [كبير] يدخل في أربع مجلدات، ومن غرائب نظمه كتاب «الصادح والباغم» نظمه على أسلوب «كليلة ودمنة» وهو أراجيز، وعدد بيوته ألفا بيت، نظمها في عشر

стр. 2281

سنين، ولقد أجاد فيه كل الإجادة، وسيّر الكتاب على يد ولده إلى الأمير أبي الحسن صدقة بن منصور الأسدي، صاحب الحلّة، وختمه بهذه الأبيات: هذا كتاب حسن ... تحار فيه الفطن أنفقت فيه مدّه ... معشر سنين عدّه منذ سمعت باسمكا ... وضعته برسمكا بيوته ألفان ... جميعها معاني لفضل كلّ شاعر [١] ... وناظم وناثر كعمر نوح التالد ... في نظم بيت واحد من مثله لما قدر ... ما كل من قال شعر أنفذته مع ولدي ... بل مهجتي وكبدي وأنت عند ظني ... أهل لكل من وقد طوى إليكا ... توكلا عليكا مشقة شديده ... وشقة بعيده ولو تركت جيت [٢] ... سعيا وما ونيت إن الفخار والعلى ... إرثك من دون الورى فأجزل صلته وأسنى جائزته. وتوفي ابن الهبّارية بكرمان. وفيها أبو البركات بن السّقطي، هبة الله بن المبارك البغدادي [٣] الحنبلي، اتهمه بالوضع ابن حجر في كتابه «تبيين العجب بما ورد في شهر رجب» وقال عن السقطي: هذا آفة، يعني في وضع الأحاديث.

стр. 2282

قال في «العبر» [١] : أحد المحدّثين الضعفاء. له «معجم» في مجلد. كذّبه ابن ناصر. وفيها أبو البركات العسّال [٢] ، محمد بن سعد بن سعيد المقرئ الحنبلي ابن الحنبلي. ولد في ربيع الآخر، سنة ستين وأربعمائة، وقرأ بالروايات على رزق الله التميمي وغيره، وسمع من أبي نصر الزّينبي، وأبي الغنائم، وغيرهما، وعلّق الفقه على ابن عقيل. وكان من القراء المجوّدين الموصوفين بحسن الأداء وطيب النغمة، يقصد في رمضان لسماع قراءته في صلاة التراويح، من الأماكن البعيدة، وكان ديّنا صالحا ورعا [٣] صدوقا، وسمع منه ابن ناصر، والسّلفي، وقال: كتب الحديث الكثير معنا وقبلنا، وهو حنبلي المذهب، علّق الفقه على ابن عقيل، وتوفي يوم الثلاثاء سابع رمضان. وفيها يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس، السلطان أبو طاهر الحميري صاحب إفريقية، نشر العدل وافتتح عدة حصون لم يتهيأ لأبيه فتحها، وكان جوادا ممدّحا، عالما، كثير المطالعة، توفي فجأة يوم الأضحى، وخلّف ثلاثين ابنا، فتملك بعده ابنه عليّ ستة أعوام، ومات، فملّكوا بعده ابنه الحسن بن علي وهو مراهق، فامتدت دولته إلى أن أخذت الفرنج طرابلس الغرب بالسيف، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فخاف وفرّ من المهدية، والتجأ إلى عبد المؤمن. قاله في «العبر» [٤] .

стр. 2283

سنة عشر وخمسمائة فيها توفي أبو الكرم خميس بن علي الواسطي الحوزي- نسبة إلى الحوز، قرية قرب واسط- الحافظ، محدّث واسط، رحل وسمع ببغداد من أبي القاسم ابن البسري، وكان عالما فاضلا ثقة شاعرا. وفيها أبو بكر الشّيروي [١]- بالكسر والضم، نسبة إلى شيرويه جدّ- عبد الغفّار [٢] بن محمد بن الحسين [٣] بن علي بن شيرويه- النيسابوري التاجر. مسند خراسان، وآخر من حدّث عن الحيري، والصّيرفي، صاحبي الأصم. توفي في ذي الحجة، عن ست وتسعين سنة. قال السمعاني: كان صالحا عابدا، رحل إليه من البلاد. وفيها أبو القاسم الرزّاز علي بن أحمد بن محمد بن بيان، مسند العراق، وآخر من حدّث عن أبي مخلد البزاز [٤] وطلحة الكتاني، والحرفي. توفي في شعبان عن سبع وتسعين سنة. وفيها الغسّال أبو الخير المبارك بن الحسين البغدادي [٥] ، المقرئ

стр. 2284

الأديب، شيخ الإقراء ببغداد، قرأ على أبي بكر محمد بن علي الخيّاط وجماعة، وبواسط على غلام الهرّاس، وحدّث عن أبي محمد الخلّال وجماعة، ومات في جمادى الأولى عن بضع وثمانين سنة. وفيها أبو الخطّاب محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذانيّ [١]- بفتح أوله والواو ومعجمة وسكون اللام، نسبة إلى كلواذي قرية ببغداد- ثم الأزجي، شيخ الحنابلة، وصاحب التصانيف. كان إماما علّامة، ورعا صالحا، وافر العقل، غزير العلم، حسن المحاضرة، جيد النظم، تفقه على القاضي أبي يعلى، وحدّث عن الجوهري، وتخرّج به أئمة. روى عنه ابن ناصر، وأبو المعمر الأنصاري، وغيرهم. وقرأ عليه الفقه جماعة من أئمة المذهب، منهم: عبد الوهاب بن حمزة، وأبو بكر الدّينوري، والشيخ عبد القادر الجيلي الزاهد صاحب «الغنية» وغيرهم. قال أبو بكر بن النقور: كان إلكيا الهرّاسي إذا رأى الشيخ أبا الخطّاب مقبلا قال: قد جاء الفقه. وقال السّلفيّ: أبو الخطّاب من أئمة أصحاب أحمد، يفتي في [٢] مذهبه ويناظر. وكان عدلا رضيا [٣] ثقة. وذكر ابن السمعاني: أن أبا الخطّاب جاءته فتوى في بيتي شعر وهما: قل للإمام أبي الخطّاب مسألة ... جاءت إليك وما يرجى سواك لها

стр. 2285

ماذا على رجل رام الصلاة فمذ ... لاحت لناظره ذات الجمال لها؟ فكتب عليها أبو الخطاب: قل للأديب الذي وافى بمسألة ... سرّت فؤادي لمّا أن أصخت لها إنّ التي فتنته عن عبادته ... خريدة ذات حسن فانثنى ولها إن تاب ثمّ قضى عنه عبادته ... فرحمة الله تغشى من عصى ولها توفي- رحمة الله تعالى عليه- في آخر يوم الأربعاء عشري جمادى الآخرة، وترك يوم الخميس، وصلّي عليه يوم الجمعة في جامع القصر، ودفن إلى جانب قبر الإمام أحمد. قال ابن رجب [١] : قرأت بخطّ أبي العبّاس بن تيمية [٢] في تعاليقه القديمة: رؤي الإمام أبو الخطّاب في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فأنشد: أتيت ربي بمثل هذا ... فقال ذا المذهب الرّشيد محفوظ نم في الجنان حتّى ... ينقلك السائق الشهيد وفيها أبو نصر محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنّاء البغدادي [٣] الواعظ. ولد في حادي عشري صفر، سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. وسمع من الجوهري، وأبي بكر بن بشران، والعشاري، ووالده، وغيرهم، وتفقه على أبيه. وروى عنه أبو المعمر الأنصاري، وابن ناصر، وأثنى عليه ووثقه، وكان

стр. 2286

من أهل الدّين، والصدق، والعلم، والمعرفة، وخلف أباه في حلقتيه بجامع القصر وجامع المنصور، وتوفي ليلة الأربعاء خامس عشر ربيع الأول، ودفن بباب حرب. وفيها أبو طاهر الحنّائي، محمد بن الحسين بن محمد الدمشقي [١] من بيت الحديث والعدالة. سمع أباه أبا القاسم، ومحمد وأحمد ابني عبد الرحمن بن أبي نصر، وابن سعدان، وطائفة، وتوفي في جمادى الآخرة، عن سبع وسبعين سنة. وفيها أبي النّرسيّ، أبو الغنائم، محمد بن علي بن ميمون [٢] الكوفي، الحافظ القارئ. لقب أبيا لجودة قراءته، وكان ثقة مكثرا ذا إتقان. روى عن محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي وطبقته بالكوفة، وعن أبي إسحاق البرمكي وطبقته ببغداد، وناب في خطابة الكوفة، وكان يقول: ما بالكوفة من أهل السّنّة والحديث إلّا أنا. وقال ابن ناصر [٣] : كان [ثقة] حافظا متقنا ما رأينا مثله، كان يتهجّد، ويقوم الليل. وكان أبو عامر العبدري [٤] يثني عليه ويقول: ختم به هذا الشأن. توفي في شعبان، عن ست وثمانين سنة، وكان ينسخ ويتعفف. وفيها أبو بكر السمعانيّ [٥] ، تاج الإسلام، محمد بن العلّامة أبي

стр. 2287

المظفّر منصور بن محمد التميمي المروزي الحافظ، والد الحافظ أبي سعد. كان بارعا في الحديث ومعرفته، والفقه ودقائقه- وكان شافعيا- والأدب وفنونه، والتاريخ والنسب والوعظ. روى عن محمد بن أبي عمران الصفّار، ورحل فسمع ببغداد من ثابت بن بندار وطبقته، وبنيسابور من نصر الله الخشنامي وطبقته، وبأصبهان، والكوفة، والحجاز، وأملى الكثير، وتقدم على أقرانه، وعاش ثلاثا وأربعين سنة. قال عبد الغافر في «الذيل» : هو الإمام ابن الإمام ابن الإمام، ووالد الإمام، شاب نشأ في عبادة الله تعالى وفي التحصيل من صباه، حتّى أرضى أباه، حظي [١] من الأدب والعربية، وتميّز فيهما [٢] ، نظما ونثرا بأعلى المراتب، ثم برع في الفقه، مستدرا خلافة [٣] من أبيه، بالغا في المذهب والخلاف أقصى مراميه، وزاد على أقرانه وأهل عصره بالتبحر في علم الحديث، ومعرفة الرجال والأسانيد، وحفظ المتون، وجمعت فيه الخلال الجميلة من الإنصاف والتواضع والتودد، وأطال في وصفه كثيرا. وذكره ولده في «الذيل» وقال، من جملة كلام طويل: صنف في الحديث [٤] تصانيف كثيرة. ولد سنة ست وستين وأربعمائة، وتوفي بمرو في صفر، سنة عشر وخمسمائة، وله شعر كثير، قيل إنه غسله قبل موته، وأن الذي ينسب إليه ما كان محفوظا عنه.

стр. 2288

سنة إحدى عشرة وخمسمائة فيها كما قال في «الشذور» زلزلت بغداد يوم عرفة، فكانت الحيطان تذهب وتجيء، وكان عقيبها موت المستظهر. انتهى. وفيها كما قال في «الدول» [١] : جاء سيل عظيم عرم على سنجار، هدم أسوارها، وغرق خلق، وحمل باب البلد مسيرة نصف يوم، وطمره السيل سنوات، وحمل السيل سريرا فيه طفل فعلق بزيتونة وعاش الطفل وكبر. وفيها مات بغدوين، الذي افتتح القدس، وكان جبّارا خبيثا، شجاعا، همّ بأخذ مصر، وسار في جموعه حتّى وصل بلبيس، ثم رجع عليلا، فمات بسبخة بردويل [٢] ، فشقّوه وصبّروه، ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم، ودفن بقمامة، وتملّك القدس بعده القمص صاحب الرّها، وكان قدم القدس زائرا، فوصى بغدوين له بالملك بعده. انتهى كلام صاحب «الدول» . وفيها كما قال في «العبر» [٣] : ترحلت العساكر عن حصار الباطنية بالألموت لمّا بلغهم موت السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن

стр. 2289

جغريبك بن ميكائيل بن سلجوق التركي غياث الدّين أبو شجاع [١] . كان فارسا شجاعا فحلا، ذا برّ ومعروف، استقلّ بالملك بعد موت أخيه بركياروق وقد تمّت لهما حروب عديدة، وخلّف محمد أربعة قد ولّوا السلطنة: محمود ومسعود [٢] ، وطغرلبك، وسليمان، ودفن في ذي الحجة بأصبهان في مدرسة عظيمة للحنفية، وقام بعده ابنه محمود ابن أربع عشرة سنة، ففرّق الأموال. وقد خلّف محمد أحد عشر ألف ألف دينار سوى ما يناسبها من الحواصل، وعاش ثماني وثمانين سنة، سامحه الله تعالى. انتهى. وفيها توفي حمد بن نصر بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن معروف الهمذاني الأعمش، أبو العلاء. كان ثقة عمدة حافظا. قاله ابن ناصر الدّين [٣] . وفيها أبو نصر الكاساني- بمهملة، نسبة إلى كاسان، بلد وراء الشّاش- أحمد بن إسماعيل [٤] بن نصر بن أبي سعيد. أخذ عن جماعة من الأعيان بالعراق والحجاز، وسمرقند، وخراسان. وفيها أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف اليوسفي البغدادي [٥] راوي «سنن الدارقطني» عن أبي بكر بن بشران عنه، وكان رئيسا وافر الجلالة، توفي في شوال، عن ست وسبعين سنة [٦] .

стр. 2290

وفيها أبو القاسم غانم بن محمد بن عبيد الله البرجي- وبرج من قرى أصبهان- سمع أبا نعيم الحافظ، وأجاز له ابن شاذان، والحسين الجمّال، وكان صدوقا فاضلا، توفي في ذي القعدة، عن أربع وتسعين سنة. وفيها أبو علي بن نبهان الكاتب، محمد بن سعيد بن إبراهيم الكرخي، مسند العراق. روى عن ابن شاذان [١] وبشرى [٢] الفاتني، وابن دوما، وهو آخر أصحابهم. قال ابن ناصر: فيه [٣] تشيع وسماعه صحيح، بقي قبل موته سنة ملقى على ظهره لا يعقل ولا يفهم، وذلك من أول سنة إحدى عشرة، وتوفي في شوال وله مائة سنة كاملة، وله شعر وأدب. وفيها أبو الفضل محمد بن علي [بن طالب] بن محمد بن زببيا [٤] الخرقي البزّار، الفقيه الحنبلي. ولد في العشر الأخير من المحرم، سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وسمع من القاضي أبي يعلى، والجوهري، وابن المذهب، وغيرهم، وحدّث وروى عنه السّلفيّ وجماعة كثيرة، منهم: ابن ناصر [٥] ، وذكر عنه أنه كان يعتقد عقيدة الفلاسفة تقليدا عن غير معرفة، نسأل الله العافية. وقال ابن الجوزي: قال شيخنا ابن ناصر: لم يكن بحجة، كان على غير السمت المستقيم، توفي ليلة السبت تاسع شوال، سامحه الله ورحمه.

стр. 2291

وفيها أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة العبدي الأصبهاني [١] الحافظ الحنبلي، صاحب «التاريخ» . روى الكثير عن جماعة، منهم: أبوه وعماه، وابن ريذة- وسمع منه «المعجم الكبير» للطبراني- وخلق. وسمع منه الكبار، منهم: الحافظ أبو القاسم إسماعيل التيمي، ومحمد بن عبد الواحد الدقّاق، وخلق لا يحصون، وقدم بغداد حاجّا في الشيخوخة، فأملى وحدّث بها، وأسمع بها أبا منصور الخيّاط، وأبا الحسين بن الطّيوري، وهما [٢] أسنّ منه، وأقدم إسنادا، وسمع منه بها أيضا ابن ناصر، وعبد الوهاب الأنماطي، والشيخ عبد القادر الجيلي، وابن الخشّاب، والحافظ السّلفي، وقال فيه يمدحه: إنّ يحيى فديته من إمام ... حافظ متقن تقي حليم جمع النّبل والأصالة والعق ... ل وفي العلم فوق كلّ عليم وقال عبد الغافر في «تاريخ نيسابور» : هو رجل فاضل، من بيت العلم والحديث، المشهور في الدّنيا. سمع من مشايخ أصبهان، وسافر، ودخل نيسابور، وأدرك المشايخ، وسمع منهم، وجمع وصنّف على «الصحيحين» وعاد إلى بلده. وقال ابن السمعاني في حقه: جليل القدر، وافر الفضل، واسع الرواية، ثقة، حافظ، فاضل، مكثر، صدوق، كثير التصانيف، حسن السيرة، بعيد التكلف، أوحد بيته في عصره، صنف «تاريخ أصبهان» وغيره من المجموع.

стр. 2292

قال ابن رجب [١] : صنّف مناقب العبّاس في أجزاء كثيرة، ومناقب أحمد- ﵁ في مجلد كبير، وتوفي في ذي الحجة، وله أربع وسبعون سنة، وآخر أصحابه الطّرسوسي.

стр. 2293

سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر، توفي الإمام المستظهر بالله أبو العبّاس، أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن الأمير محمد بن القائم [١] العبّاسي، وله اثنتان وأربعون سنة. وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وثلاثة أشهر، وكان قوي الكتابة، جيد الأدب والفضيلة، كريم الأخلاق، مسارعا في أعمال البرّ، توفي بالخوانيق، وغسّله ابن عقيل شيخ الحنابلة، وصلّى عليه ابنه المسترشد بالله، وخلّف جماعة أولاد. وتوفيت جدّته أرجوان بعده بيسير، وهي سرّية محمد الذخيرة. قاله في «العبر» [٢] . وقال السيوطيّ في «تاريخ الخلفاء» [٣] : ولد في شوال سنة سبعين وأربعمائة، وبويع له عند موت أبيه وله ستّ عشرة سنة. قال ابن الأثير [٤] : كان لين الجانب، كريم الأخلاق، يسارع في أعمال البرّ، حسن الخطّ، جيد التوقيعات، لا يقاربه فيها أحد، يدلّ على فضل غزير، وعلم واسع، سمحا، جوادا، محبا للعلماء والصلحاء، ولم تصف له الخلافة، بل كانت أيامه مضطربة، كثيرة الحروب، ومن شعره:

стр. 2294

أذاب حرّ الهوى في القلب ما جمدا ... لمّا [١] مددت إلى رسم الوداع يدا وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد ... أرى طرائق في مهوى [٢] الهوى قددا إن كنت أنقض عهد الحبّ يا سكني [٣] ... من بعد حبي [٤] فلا عاينتكم [٥] أبدا انتهى كلام السيوطي ملخصا. وفيها شمس الأئمة أبو الفضل، بكر بن محمد بن علي الأنصاري الجابري الزّرنجري- بفتح الزاي والراء والجيم، وسكون النون، نسبة إلى زرنجرى [٦] ، قرية ببخارى- الفقيه شيخ الحنفية بما وراء النهر، وعالم تلك الدّيار، ومن كان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة. ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتفقه على شمس الأئمة محمد بن أبي سهل السّرخسي، وشمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحلواني، وسمع من أبيه، ومن أبي مسعود البجلي وطائفة. وروى «البخاري» عن أبي سهل الأبيوردي، عن ابن حاجب الكشّاني. وفيها نور الهدى أبو طالب، الحسين بن محمد الزّينبي [٧] ، أخو طراد، توفي في صفر، وله اثنتان وتسعون سنة. وكان شيخ الحنفية ورئيسهم بالعراق. روى عن ابن غيلان وطبقته، وحدّث بالصحيح غير مرة، عن كريمة المروزية، وكان صدرا نبيلا علّامة.

стр. 2295

وفيها أبو القاسم الأنصاري، العلّامة سلمان بن ناصر بن عمران النيسابوري [١] الشافعي المتكلم، تلميذ إمام الحرمين، وصاحب التصانيف، وكان صوفيّا زاهدا، من أصحاب القشيري. روى الحديث عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي وجماعة، وتوفي في جمادى الآخرة. قال ابن شهبة [٢] : كان فقيها، إماما في علم الكلام والتفسير، زاهدا، ورعا، يكتسب من خطّه، ولا يخالط أحدا، وشرح «الإرشاد» للإمام [٣] ، وله كتاب «الغنية» . أصابه في آخر عمره ضعف في بصره ويسير وقر في أذنه [٤] . انتهى ملخصا. وفيها أبو البركات العاقولي [٥] ، طلحة بن أحمد بن طلحة بن أحمد ابن الحسين بن سليمان، الفقيه الحنبلي القاضي. ولد يوم الجمعة بعد صلاتها، ثالث عشري شعبان، سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بدير العاقول، وهي على [٦] خمسة عشر فرسخا من بغداد، ودخل بغداد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، واشتغل بالعلم سنة اثنتين وخمسين، وسمع من أبي محمد الجوهري سنة ثلاث وخمسين، ومن القاضي أبي يعلي، وأبي الحسين بن حسنون وغيرهم.

стр. 2296

قال ابن الجوزي: قرأ الفقه على القاضي يعقوب، وهو من متقدمي أصحابه، وكان عارفا بالمذهب، حسن المناظرة. وقال ابن شافع: سماعه صحيح، وكان ثقة أمينا، ومضى على السلامة والستر. وقال ابن رجب: روى عنه ابن ناصر، والشيخ عبد القادر بالإجازة. وتوفي طلحة العاقولي ليلة الثلاثاء، ثاني أو ثالث شعبان. وفيها عبيد بن محمد بن عبيد أبو العلاء القشيري [١] التاجر، مسند نيسابور. روى عن أبي حسّان المزّكّي، وعبد الرحمن النّصرويي [٢] ، وطائفة، ودخل المغرب للتجارة، وحدّث هناك، توفي في شعبان، وله خمس وتسعون سنة. وفيها أبو القاسم بن الشوا [٣] ، يحيى بن عثمان بن الحسين بن عثمان بن عبد الله البيع الأزجي [٤] الفقيه الحنبلي. ولد في شوال، سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع من ابن المهتدي، وابن المسلمة، والجوهري، والقاضي أبي يعلى، وغيرهم. وتفقه على القاضي أبي يعلى، ثم على القاضي يعقوب، وكان فقيها حسنا، صحيح السماع، وحدّث بشيء يسير، وروى عنه ابن المعمّر الأنصاري في «معجمه» وتوفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب، رحمه الله تعالى.

стр. 2297

سنة ثلاث عشرة وخمسمائة قال في «العبر» [١] : فيها ظهر قبر إبراهيم خليل الله ﵊، وإسحاق ويعقوب، ورآهم جماعة لم تبل أجسادهم وعندهم في تلك المغارة قناديل من ذهب وفضّة. قاله حمزة بن القلانسي في «تاريخه» . انتهى. وفيها توفي أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظّفري [٢] ، شيخ الحنابلة، وصاحب التصانيف، ومؤلّف كتاب «الفنون» الذي يزيد على أربعمائة مجلد، وكان إماما مبرزا، كثير العلوم، خارق الذكاء، مكبّا على الاشتغال والتصنيف، عديم النظير. روى عن أبي محمد الجوهري، وتفقه على القاضي أبي يعلى وغيره، وأخذ علم الكلام عن أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبّان. قال السّلفي: ما رأيت مثله، وما كان أحد يقدر أن يتكلّم معه لغزارة علمه، وبلاغة كلامه، وقوة حجته، توفي في جمادى الأولى، وله ثلاث وثمانون سنة. قاله جميعه في «العبر» [٣] .

стр. 2298

وقال ابن رجب في «طبقاته» [١] : ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، في جمادى الآخرة، كذا نقله [عنه] ابن ناصر، والسّلفي، وحفظ القرآن، وقرأ بالقراءات والروايات على أبي الفتح بن شيطا، [وكان يقول: شيخيّ في القراءة: ابن شيطا] ، وفي الزهد: أبو بكر الدّينوري، وأبو بكر بن زيدان، وأبو الحسين القزويني، وذكر جماعة غيرهم من الرجال والنساء. وفي آداب [٢] التصوف: أبو منصور صاحب الزيادة العطار، وأثنى عليه. وفي الحديث: ابن النّوري، وأبو بكر بن بشران، والعشاري، والجوهري، وغيرهم. وفي الشعر والترسل: ابن شبل، وابن الفضل. وفي الفرائض [٣] : أبو الفضل الهمذاني، وفي الوعظ: أبو طاهر بن العلّاف صاحب ابن سمعون، وفي الأصول: أبو الوليد وأبو القاسم بن التبّان. وفي الفقه: القاضي أبو يعلى المملوء عقلا وزهدا وورعا، قرأت عليه سنة سبع وأربعين ولم أخل بمجالسه وخلواته التي تتسع لحضوري والمشي معه ماشيا، وفي ركابه إلى أن توفي. وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني. والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، إمام الدّنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها. كان يعلمني المناظرة، وانتفعت بمصنفاته. ومن مشايخي أبو محمد التميمي، كان حسنة العالم، وماشطة بغداد. ومنهم: أبو بكر الخطيب، كان حافظ وقته. وكان [٤] أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء. وكان ذلك يحرمني علما نافعا.

стр. 2299

ثم قال: وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى، ولا أزاحم فقيها في حلقة ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة، وتقلبت عليّ الدول، فما أخذتني دولة سلطان ولا عامة عما اعتقد أنه الحق، فأوذيت من أصحابي، حتّى طلب الدم، وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس- فيا من خفت الكلّ لأجله لا تخيب ظني فيك- وعصمني الله تعالى في عنفوان [١] شبابي بأنواع [من] العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطت لعّابا قطّ، ولا عاشرت إلا [٢] أمثالي من طلبة العلم. والأذية التي ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها، وذلك: أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبّان [٣] شيخي المعتزلة، وكان يقرأ عليهما في السرّ علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السّنّة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات، ﵀. ففي سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والترحّم على الحلّاج، وغير ذلك. ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فاختفى. ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره في تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر في أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، واصطلحوا، ولم يحضر الشريف أبو جعفر. فمضى ابن عقيل إلى بيته وصالحه وكتب خطّه بالتبري من موالاة

стр. 2300

أهل البدع، والترحم على أمواتهم، وعلى الحلّاج وأمثاله، وأشهد عليه جماعة كثيرة من الشهود والعلماء. قال ابن الجوزي وأفتى ابن عقيل، ودرّس وناظر الفحول، واستفتي في الديوان في زمن القائم في زمرة من الكبار. وجمع علم الفروع والأصول، وصنّف فيها الكتب الكبار، وكان دائم التشاغل بالعلم، حتّى إني رأيت بخطه: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتّى إذا تعطّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا منطرح [١] فلا أنهض إلّا وقد خطر لي ما أسطره. وقال ابن الجوزي أيضا: وكان ابن عقيل قويّ الدّين، حافظا للحدود. وكان كريما ينفق ما يجد، فلم يخلّف سوى كتبه وثياب بدنه، وكانت بمقدار كفنه، وأداء دينه. انتهى. وكان- رحمه الله تعالى- بارعا في الفقه وأصوله. له في ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة. وله تصانيف كثيرة في أنواع العلم، وأكبر تصانيفه كتاب «الفنون» وهو كبير جدا، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصول [٢] والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره، ونتائج فكره قيّدها فيه. قال ابن الجوزي: وهذا الكتاب مائتا مجلد. وقال عبد الرزاق الرسعني في «تفسيره» : قال لي أبو البقاء اللّغوي: سمعت الشيخ أبا حكيم النّهرواني يقول: وقفت على السّفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب «الفنون» .

стр. 2301

وقال الحافظ الذهبي في «تاريخه» : لم يصنّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب. حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة. وقال بعضهم: هو ثمانمائة مجلد [١] . وله في الفقه كتاب «الفصول» ويسمى «كفاية المفتي» في عشر مجلدات، وله كتب كثيرة غير ذلك. قال السّلفي: ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء بن عقيل، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حججه، ولقد تكلم يوما مع شيخنا أبي الحسن إلكيا الهرّاسي في مسألة، فقال له شيخنا: ليس هذا بمذهبك. فقال: أنا لي اجتهاد، متى طالبني خصمي بحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقول له بحجتي. انتهى. وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه، والردّ على مخالفيهم. وله مسائل كثيرة ينفرد بها. منها: أن الرّبا لا يجري إلّا في الأعيان الستة المنصوص عليها. ومنها: أن المشروع في عطية الأولاد التسوية بين الذكور والإناث. ومنها أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعا للأرض، لمشقة التفريق بينهما. ومنها: أن الزروع [٢] والثمار التي تسقى بماء نجس طاهرة مباحة، وإن لم تسق بعده بماء طاهر. ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة، وإن اشترط وطأها في عقد الكتابة.

стр. 2302

ومنها: أنه لا زكاة في حليّ المواشط المعد للكراء. إلى غير ذلك. وتوفي أبو الوفاء- رحمه الله تعالى- بكرة الجمعة، ثاني عشر جمادى الأولى، وصلّي عليه في جامعي القصر والمنصور. وكان الجمع يفوت الإحصاء. قال ابن ناصر: حزرتهم بثلاثمائة ألف. ودفن في دكة قبر الإمام أحمد ﵁. وقبره ظاهر، ﵁. وقال ابن الجوزي: حدثني بعض الأشياخ: أنه لما احتضر ابن عقيل، بكى النساء، فقال: قد وقّعت عنه [١] خمسين سنة، فدعوني أتهنأ بلقائه. انتهى ما أورد ابن رجب ملخصا كثيرا. ثم قال [٢] : وكان لابن عقيل ولدان ماتا في حياته، أحدهما: أبو الحسن عقيل. كان في غاية الحسن، وكان شابا فهما، ذا خطّ حسن. قال ابن القطيعي: حكى والده أنه ولد ليلة حادي عشري [٣] رمضان، سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وحكى غيره أنه سمع من هبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وعلي بن حسين بن أيوب، وغيرهما. وتفقه على أبيه، وناظر في الأصول والفروع. وسمع الحديث الكثير، وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن ابن

стр. 2303

الدامغاني، فقبل قوله. وكان فقيها فاضلا، يقول الشعر، وكان يشهد مجلس الحكم، ويحضر الموكب. وتوفي- ﵀ يوم الثلاثاء، منتصف محرم، سنة عشر، وقيل سنة ثلاث عشرة، قبل والده بشهر واحد، وكان له من العمر سبع وعشرون سنة، ودفن في داره [بالظفرية] ، فلما مات أبوه نقل معه إلى دكة الإمام أحمد. قال والده: مات ولدي عقيل، وكان قد تفقّه وناظر، وجمع أدبا حسنا فتعزّيت بقصة عمرو بن عبد ودّ الذي قتله علي ﵁، فقالت أمّه ترثيه: لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... ما زلت أبكي عليه دائم الأبد لكنّ قاتله من لا يقاد به ... من كان يدعى أبوه بيضة البلد فأسلاها وعزاها جلالة القاتل، وفخرها بأن ابنها مقتوله. فنظرت إلى قاتل ولدي الحكيم المالك، فهان عليّ القتل والمقتول لجلالة القاتل، وأكب عليه وقبّله، وهو في أكفانه. وقال: يا بني استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه. الرّبّ خير لك مني، ثم مضى وصلى عليه. ومن شعر عقيل هذا: شاقه والشوق من غيره ... طلل عاف سوى أثره مقفر إلّا معالمه ... واكف بالودق من مطره فانثنى والدمع منهمل ... كانسلال السلك عن درره طاويا كشحا على نوب ... سبحات لسن من وطره رحلة الأحباب عن وطن ... وحلول الشّيب في شعره شيم للدّهر سالفة ... مستبينات لمختبره وقبول الدّر مبسمها ... أبلج يفترّ عن خصره

стр. 2304

هزّ عطفيها الشباب كما ... ماس غصن البان في شجره ذات فرع فوق ملتمع ... كدجى أبدى سنا قمره خصرها يشكو روادفها ... كاشتكاء الصبّ من سهره نصبت قلبي لها غرضا ... فهو مصمى بمعتوره والآخر: أبو منصور هبة الله. ولد في ذي الحجة، سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وحفظ القرآن، وتفقه، وظهر منه أشياء تدل على عقل غزير ودين عظيم. ثم مرض وطال مرضه، وأنفق عليه أبوه مالا في المرض وبالغ. قال أبو الوفاء: قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية، والطب والأدعية [١] ، ولله تعالى في اختيار، فدعني مع اختياره. قال: فو الله ما أنطق الله ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق لإبراهيم [٢] : افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ٣٧: ١٠٢ [الصافات: ١٠٣] إلّا وقد اختاره للحظوة.

стр. 2305

توفي- رحمه الله تعالى- سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وله نحو أربع عشرة سنة. وحمل أبو الوفاء- رحمه الله تعالى- في نفسه من شدة الألم أمرا عظيما، ولكنه تصبّر ولم يظهر جزعا، وكان يقول: لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لانفطرت المرائر لفراق المحبوبين. انتهى ملخصا أيضا. وفيها قاضي القضاة، أبو الحسن الدّامغاني [١] ، علي بن قاضي القضاة أبي عبد الله الحنفي، ولي القضاء بضعا وعشرين سنة، وكان ذا حزم، ورأي، وسؤدد، وهيبة وافرة، وديانة ظاهرة. روى عن أبي محمد الصريفيني وجماعة، وتفقّه على والده، وتوفي في المحرم، عن أربع وستين سنة. وفيها أبو سعد المخرّمي، المبارك بن علي بن الحسن بن بندار البغدادي [٢] . الفقيه الحنبلي. روى عن القاضي أبي يعلى، وابن المهتدي، وابن المسلمة، والصّريفيني، وابن النّقور، وغيرهم. وسمع من القاضي أبي وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة ﵃ أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنّة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن أخبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلّما من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ ٣٧: ١١٢ ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ١٥: ٥٣. انتهى كلام ابن كثير. أقول: وقال الإمام ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد» (١/ ٧١) طبع مؤسسة الرسالة: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده. (ع) .

стр. 2306

يعلى شيئا من الفقه، ثم تفقه على صاحبه الشريف أبي جعفر، ثم القاضي يعقوب، ثم القاضي البرزبيني. وأفتى ودرّس، وجمع كتبا كثيرة لم يسبق إلى جمع مثلها. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، سديد الأقضية، وتوفي في [ثاني] عشر المحرم، ودفن إلى جانب أبي بكر الخلّال عند رجلي الإمام أحمد، ﵁. وفيها أبو الفضل بن الموازيني، محمد بن الحسن بن الحسين السّلمي الدمشقي [١] العابد، أخو أبي الحسن. روى عن أبي عبد الله بن سلوان وجماعة. وفيها أبو بكر محمد بن طرخان بن بلتكين بن مبارز التّركي ثم البغدادي [٢] ، الشافعي، المحدّث النحوي، أحد الفضلاء. روى عن أبي جعفر بن المسلمة وطبقته، وتفقّه على الشيخ أبي إسحاق، وكان ينسخ بالأجرة، وفيه زهد وورع تام. وفيها خوروست، أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين الأصبهاني [٣] المجلّد. روى عن أبي الحسين بن فاذشاه، وابن ريذة، وتوفي في جمادي الأولى. وفيها محمد بن عبد الباقي، أبو عبد الله الدّوريّ [٤] ، السّمسار الصالح. روى عن الجوهري، وأبي طالب العشاري، ومات في صفر، عن تسع وسبعين سنة.

стр. 2307

سنة أربع عشرة وخمسمائة فيها توفي أبو علي بن بلّيمة، الحسن بن خلف القيرواني [١] المقرئ، مؤلّف «تلخيص العبارات في القراءات» توفي في رجب، في الإسكندرية، وهو في عشر التسعين. قرأ على جماعة، منهم: أبو العبّاس أحمد بن نفيس. وفيها الطّغرائي، الوزير مؤيد الدّين أبو إسماعيل، الحسين بن علي الأصبهاني، صاحب «ديوان الإنشاء» للسلطان محمد بن ملكشاه، واتصل بابنه مسعود ثم أخذ الطّغرائي أسيرا وذبح بين يدي الملك محمود، في ربيع الأول، وقد نيّف على الستين. وكان من أفراد الدّهر، وحامل لواء النظم والنثر، وهو صاحب «لامية العجم» . قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن خلّكان [٣] : ذكره ابن السمعاني وأثنى، عليه وأورد [٤] قطعة من شعره في صفة الشمعة. وللطغرائي المذكور ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته

стр. 2308

المعروفة ب «لامية العجم» وكان عملها ببغداد، في سنة خمس وخمسمائة، يصف حاله ويشكو زمانه، وهي التي أولها: أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل ومن رقيق شعره قوله: يا قلب ما لك والهوى من بعد ما ... طاب السلوّ وأقصر العشاق أوما بدا لك في الإفاقة والألى [١] ... نازعتهم كأس الغرام أفاقوا مرض النّسيم فصحّ والدّاء الذي ... تشكوه [٢] لا يرجى له إفراق وهدا خفوق البرق والقلب الذي ... تطوى عليه أضالعي خفّاق وله أيضا: أجمّا البكا يا مقلتيّ فإننا ... على موعد للبين لا شكّ واقع إذا جمع العشاق موعدهم غدا ... فوا خجلتا إن لم تعنّي المدامع [٣] وذكر العماد الكاتب في كتاب «نصرة الفترة وعصرة القطرة [٤] » أن الطّغرائيّ المذكور، كان ينعت بالأستاذ، وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وأنه لما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمود المصافّ بالقرب من همذان، وكانت النصرة [٥] لمحمود، فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود، فأخبر به وزير محمود، وهو الكمال نظام الدّين أبو طالب [علي] بن أحمد بن حرب السّميرمي، فقال الشهاب أسعد- وكان طغرائيا في ذلك الوقت، نيابة عن النصير الكاتب: هذا الرجل ملحد، يعني

стр. 2309

الأستاذ، فقال وزير محمود: من يكن ملحدا يقتل، فقتل ظلما. وقد كانوا خافوا منه، و [قيل] قتل سنة أربع عشرة [وقيل ثمان عشرة] [١] وقد جاوز ستين سنة، وفي شعره ما يدلّ على أنه بلغ سبعا وخمسين سنة، لأنه قال: وقد جاءه مولود: هذا الصغير الذي وافى على كبري ... أقرّ عيني ولكن زاد في فكري سبع وخمسون لو مرّت على حجر ... لبان تأثيرها في ذلك الحجر والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك. وقتل الكمال السّميرمي، الوزير المذكور، يوم الثلاثاء سلخ صفر، سنة ست عشرة وخمسمائة، في السوق ببغداد، عند المدرسة النظامية، قيل: قتله عبد أسود كان للطّغرائي المذكور، لأنه قتل أستاذه. والطّغرائي: بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، نسبة إلى من يكتب الطّغرى [٢] ، وهي الطّرّة التي تكتب فوق البسملة في أعلى الكتب بالقلم الغليظ، ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب عنه، وهي لفظة أعجمية. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا. وفيها أبو علي بن سكّرة، الحافظ الكبير، حسين بن محمد [٣] بن فيرّه بن حيّون الصّدفي السرقسطي الأندلسي. سمع من أبي العبّاس بن دلهاث وطائفة، وحجّ سنة إحدى وثمانين، فدخل على الحبّال، وسمع ببغداد من مالك البانياسي وطبقته، وأخذ «التعليقة الكبرى» عن أبي علي الشّاشي

стр. 2310

المستظهري. وأخذ بدمشق عن الفقيه نصر المقدسي، وردّ إلى بلاده بعلم جمّ، وبرع في الحديث وفنونه، وصنّف التصانيف، وقد أكره على القضاء، فوليه ثم اختفى حتّى أعفي واستشهد في مصافّ قتندة، في ربيع الأول، وهو من أبناء الستين، وأصيب المسلمون يومئذ. قال ابن ناصر الدّين [١] : هو حافظ متقن كبير ثقة مأمون. وفيها توفي بالجند- كما قال ابن الأهدل [٢]- الفقيه الإمام زيد بن عبد الله بن جعفر اليفاعي اليمني- نسبة إلى يفاعة مكان باليمن- تفقه على الشيخ الإمام أبي بكر بن جعفر المخائي- والمخا من سواحل اليمن [٣]- وكانت وفاة المخائي سنة خمسمائة، وقد تخرّج به جماعة، وكان يحفظ «المجموع» للمحاملي و «الجامع في الخلاف» لأبي جعفر، وتفقه زيد اليفاعي بأبي إسحاق الصّردفي [٤] وزوّجه الصّردفي [٤] ابنته كما تقدم، ثم ارتحل زيد إلى مكّة المرّة الأولى، فقرأ على تلميذ الشيخ أبي إسحاق ارتحل زيد إلى مكّة المرّة الأولى، فقرأ على تلميذ الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: الحسين بن علي الشّاشي، مصنّف «العدة» وغيره، ثم رجع إلى الجند، واجتمع عليه الموافق والمخالف من أهل اليمن، وقرأ عليه الإمام يحيى صاحب «البيان» نكت الشيخ أبي إسحاق في الخلاف، وعدة كتب، وقرأ عليه أيضا عبد الله الهمداني، وعبد الله بن يحيى الصّعبي، وذلك في دولة أسعد بن أبي الفتوح الحميري، الذي قتله أصحابه بحصن تعز ودفنوه فيه، ونبشه سيف الإسلام أبو أيوب، ودفنه في مقابر المسلمين. وكان زيد صغير الجسم، وله مهابة عظيمة.

стр. 2311

وسئل زيد عن الفقيه إبراهيم بن علي بن الإمام الحسين بن علي الطبري صاحب «العدة» كيف حاله في العلم، فقال: هو مجوّد لولا أنه اشتغل بالعبادة [مع الصوفية، فقيل له: هذه طريقة غير ملومة، فقال: كان جدّه الحسين الطبري يكره ذلك ويقول: اشتغال العالم بالعبادة] [١] فرار من العلم. وقد نص الشافعيّ- رحمه الله تعالى- أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة [٢] ، وحديث «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا» [٣] دليل على ذلك. وعلم الباطن هو نتيجة العلم الظاهر، [لأن الأنبياء قادة الخلق إلى الله، والعلماء ورثتهم، ولم يرثوا غير العلم الظاهر] [٤] ، فمن استعمل رسوم الشريعة الظاهرة كما جاءت عن الأنبياء فقد اهتدى وهدى، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ٢١: ٧٣ [الأنبياء: ٧١] ، ولا شكّ أن العالم بأحكام الله إذا استبطن التقوى واستشعر العمل، أورثه ذلك العلم بالله الذي هو أجلّ العلوم، والمراد بالعلم بالله علم التوحيد الذي هو إثبات وحدانيته بنفي الشريك والأضداد، إيمانا جازما، وإثبات [٥] الصفات، والملائكة، والأنبياء، والكتب المنزلات. وأفضل العلوم بعده علم الفقه، الذي يستفاد من الكتاب والسّنّة اللذين

стр. 2312

ضمن الله العصمة في جانبهما، ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام والمشاهدة [١] . كذا نقله صاحب الأصل [٢] عن غير واحد من المحقّقين، منهم: الشيخ القطب أبو الحسن الشاذلي نفع الله به. انتهى كلام ابن الأهدل بحروفه. وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم أبي القاسم بن هوازن القشيري، وكان إماما، مناظرا، مفسّرا، أديبا، علّامة، متكلّما. وهو الذي [كان] أصل الفتنة ببغداد بين الأشاعرة والحنابلة، ثم فتر أمره. وقد روى عن أبي حفص بن مسرور وطبقته، وآخر من روى عنه سبطه أبو سعيد ابن الصفّار. توفي في جمادى الآخرة، وهو في عشر الثمانين، وأصابه فالج في آخر عمره. قاله في «العبر» [٣] . وقال ابن الأهدل [٤] : ولما توفي دفن بمشهدهم المعروف بهم. وفيه يقول إمام الحرمين: يميس بغصن إذا ما بدا ... ويبدو كشمس ويرنو كريم معاني النجابة مجموعة ... لعبد الرحيم بن عبد الكريم وحكايته عنه في «النهاية» من أعظم الإنصاف. ومنه قوله في ولده فضل الله: كم حسرة لي في الحشا ... من ولدي حين نشا كنّا نشا فلاحه ... فما نشا كما نشا انتهى.

стр. 2313

وفيها أبو القاسم علي بن جعفر البغدادي الصقلي بن القطّاع [١] ، المصري الدّار والوفاة، اللغوي. كان أحد أئمة الأدب، خصوصا اللغة، وله تصانيف نافعة، منها كتاب «الأفعال» أحسن فيه كل الإحسان، وهو أجود [٢] من «الأفعال» لابن القوطيّة. وكان ذاك قد سبقه إليه، وله كتاب «أبنية الأسماء» جمع فيه فأوعى [٣] ، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه، وله عروض حسن جيد، وله كتاب «الدّرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة» وكتاب «لمح الملح» جمع فيه خلقا كثيرا من شعراء الأندلس، وكانت ولادته في عاشر صفر، سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بصقلية. وقرأ الأدب على فضلائها، كابن عبد البرّ وأمثاله، وأجاد النحو غاية الإجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج، ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسمائة [٤] ، وبالغ أهل مصر في إكرامه، وكان ينسب إلى التساهل في الرواية، ونظم الشعر في سنة ست وأربعين، ومن شعره في ألثغ: وشادن في لسانه عقد ... حلّت عقودي وأوهنت جلدي عابوه جهلا بها فقلت لهم ... أما سمعتم بالنّفث في العقد وله في غلام اسمه حمزة: يا من رمى النّار في فؤادي ... وأمطر [٥] العين بالبكاء اسمك تصحيفه بقلبي ... وفي ثناياك برء دائي

стр. 2314

اردد سلامي فإنّ نفسي ... لم يبق منها سوى الذّماء [١] وارفق بصبّ أتى ذليلا ... قد مزج اليأس بالرجاء أنهكه [٢] في الهوى التّجنّي ... فصار في رقة الهواء وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. هكذا ذكره في كتابه «الدّرة الخطيرة في شعراء الجزيرة» عند ذكر ترجمة نفسه، رحمه الله تعالى، في أواخر الكتاب المذكور، وتوفي بمصر. قاله ابن خلّكان [٣] . وفيها أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسي المرييّ [٤] ، المقرئ، تلميذ عبد الله بن سهل. تصدّر للإقراء مدة، وحدّث عن ابن عبد البرّ وجماعة، وفي روايته عن ابن عبد البرّ كلام. توفي في عشر التسعين. وفيها أبو الحسن بن الموازيني، علي بن الحسن السّلمي، أخو محمد. روى عن ابن سعدان، وابني عبد الرحمن بن أبي نصر، وطائفة، وعاش أربعا وثمانين سنة. وفيها محمود بن إسماعيل أبو منصور الأصبهاني الصيرفي الأشقر، راوي «المعجم الكبير» عن ابن فاذشاه، عن مؤلّفه الطبراني، وله ثلاث وتسعون سنة. توفي في ذي القعدة. قال السّلفي: كان صالحا.

стр. 2315

سنة خمس عشرة وخمسمائة فيها احترقت دار السلطنة ببغداد، وذهب ما قيمته ألف ألف دينار. وفيها توفي أبو علي الحدّاد الحسن بن أحمد بن الحسن الأصبهاني المقرئ المجوّد، مسند الوقت. توفي في ذي الحجة، عن ست وتسعين سنة. وكان مع علو إسناده أوسع أهل وقته رواية. حمل عن أبي نعيم، وكان خيّرا، صالحا، ثقة. وفيها الأفضل أمير الجيوش، شاهنشاه [١] أبو القاسم ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمنيّ. وكان في الحقيقة هو صاحب الديار المصرية. ولي بعد أبيه، وامتدت أيامه. وكان شهما، مهيبا، بعيد الغور فحل الرأي. ولي وزارة السيف والقلم للمستعلي، ثم للآمر. وكانا معه صورة بلا معنى. وكان قد أذن للناس في إظهار عقائدهم، وأمات شعار دعوة الباطنيّة، فمقتوه لذلك. وكان مولده بعكّا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وخلّف من الأموال ما يستحيا [٢] من ذكره. وثب عليه ثلاثة من الباطنية فضربوه بالسكاكين فقتلوه. وحمل بآخر رمق، وقيل: [إن] الآمر دسّهم عليه بتدبير أبي عبد الله
следующие страницы →