وسئل زيد عن الفقيه إبراهيم بن علي بن الإمام الحسين بن علي الطبري صاحب «العدة» كيف حاله في العلم، فقال: هو مجوّد لولا أنه اشتغل بالعبادة [مع الصوفية، فقيل له: هذه طريقة غير ملومة، فقال: كان جدّه الحسين الطبري يكره ذلك ويقول: اشتغال العالم بالعبادة] [١] فرار من العلم.
وقد نص الشافعيّ- رحمه الله تعالى- أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة [٢] ، وحديث «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا» [٣] دليل على ذلك.
وعلم الباطن هو نتيجة العلم الظاهر، [لأن الأنبياء قادة الخلق إلى الله، والعلماء ورثتهم، ولم يرثوا غير العلم الظاهر] [٤] ، فمن استعمل رسوم الشريعة الظاهرة كما جاءت عن الأنبياء فقد اهتدى وهدى، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ٢١: ٧٣ [الأنبياء: ٧١] ، ولا شكّ أن العالم بأحكام الله إذا استبطن التقوى واستشعر العمل، أورثه ذلك العلم بالله الذي هو أجلّ العلوم، والمراد بالعلم بالله علم التوحيد الذي هو إثبات وحدانيته بنفي الشريك والأضداد، إيمانا جازما، وإثبات [٥] الصفات، والملائكة، والأنبياء، والكتب المنزلات.
وأفضل العلوم بعده علم الفقه، الذي يستفاد من الكتاب والسّنّة اللذين
стр. 2312
ضمن الله العصمة في جانبهما، ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام والمشاهدة [١] .
كذا نقله صاحب الأصل [٢] عن غير واحد من المحقّقين، منهم: الشيخ القطب أبو الحسن الشاذلي نفع الله به. انتهى كلام ابن الأهدل بحروفه.
وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم أبي القاسم بن هوازن القشيري، وكان إماما، مناظرا، مفسّرا، أديبا، علّامة، متكلّما. وهو الذي [كان] أصل الفتنة ببغداد بين الأشاعرة والحنابلة، ثم فتر أمره. وقد روى عن أبي حفص بن مسرور وطبقته، وآخر من روى عنه سبطه أبو سعيد ابن الصفّار. توفي في جمادى الآخرة، وهو في عشر الثمانين، وأصابه فالج في آخر عمره. قاله في «العبر» [٣] .
وقال ابن الأهدل [٤] : ولما توفي دفن بمشهدهم المعروف بهم.
وفيه يقول إمام الحرمين:
يميس بغصن إذا ما بدا ... ويبدو كشمس ويرنو كريم
معاني النجابة مجموعة ... لعبد الرحيم بن عبد الكريم
وحكايته عنه في «النهاية» من أعظم الإنصاف.
ومنه قوله في ولده فضل الله:
كم حسرة لي في الحشا ... من ولدي حين نشا
كنّا نشا فلاحه ... فما نشا كما نشا
انتهى.
стр. 2313
وفيها أبو القاسم علي بن جعفر البغدادي الصقلي بن القطّاع [١] ، المصري الدّار والوفاة، اللغوي.
كان أحد أئمة الأدب، خصوصا اللغة، وله تصانيف نافعة، منها كتاب «الأفعال» أحسن فيه كل الإحسان، وهو أجود [٢] من «الأفعال» لابن القوطيّة.
وكان ذاك قد سبقه إليه، وله كتاب «أبنية الأسماء» جمع فيه فأوعى [٣] ، وفيه دلالة على كثرة اطلاعه، وله عروض حسن جيد، وله كتاب «الدّرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة» وكتاب «لمح الملح» جمع فيه خلقا كثيرا من شعراء الأندلس، وكانت ولادته في عاشر صفر، سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة بصقلية. وقرأ الأدب على فضلائها، كابن عبد البرّ وأمثاله، وأجاد النحو غاية الإجادة، ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج، ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسمائة [٤] ، وبالغ أهل مصر في إكرامه، وكان ينسب إلى التساهل في الرواية، ونظم الشعر في سنة ست وأربعين، ومن شعره في ألثغ:
وشادن في لسانه عقد ... حلّت عقودي وأوهنت جلدي
عابوه جهلا بها فقلت لهم ... أما سمعتم بالنّفث في العقد
وله في غلام اسمه حمزة:
يا من رمى النّار في فؤادي ... وأمطر [٥] العين بالبكاء
اسمك تصحيفه بقلبي ... وفي ثناياك برء دائي
стр. 2314
اردد
سلامي فإنّ نفسي ... لم يبق منها سوى الذّماء
[١]
وارفق بصبّ أتى ذليلا ... قد مزج اليأس بالرجاء
أنهكه [٢] في الهوى التّجنّي ... فصار في رقة الهواء
وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. هكذا ذكره في كتابه «الدّرة الخطيرة في شعراء الجزيرة» عند ذكر ترجمة نفسه، رحمه الله تعالى، في أواخر الكتاب المذكور، وتوفي بمصر. قاله ابن خلّكان [٣] .
وفيها أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسي المرييّ [٤] ، المقرئ، تلميذ عبد الله بن سهل. تصدّر للإقراء مدة، وحدّث عن ابن عبد البرّ وجماعة، وفي روايته عن ابن عبد البرّ كلام. توفي في عشر التسعين.
وفيها أبو الحسن بن الموازيني، علي بن الحسن السّلمي، أخو محمد. روى عن ابن سعدان، وابني عبد الرحمن بن أبي نصر، وطائفة، وعاش أربعا وثمانين سنة.
وفيها محمود بن إسماعيل أبو منصور الأصبهاني الصيرفي الأشقر، راوي «المعجم الكبير» عن ابن فاذشاه، عن مؤلّفه الطبراني، وله ثلاث وتسعون سنة. توفي في ذي القعدة.
قال السّلفي: كان صالحا.
стр. 2315
سنة خمس عشرة وخمسمائة
فيها احترقت دار السلطنة ببغداد، وذهب ما قيمته ألف ألف دينار.
وفيها توفي أبو علي الحدّاد الحسن بن أحمد بن الحسن الأصبهاني المقرئ المجوّد، مسند الوقت. توفي في ذي الحجة، عن ست وتسعين سنة. وكان مع علو إسناده أوسع أهل وقته رواية. حمل عن أبي نعيم، وكان خيّرا، صالحا، ثقة.
وفيها الأفضل أمير الجيوش، شاهنشاه [١] أبو القاسم ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمنيّ. وكان في الحقيقة هو صاحب الديار المصرية. ولي بعد أبيه، وامتدت أيامه. وكان شهما، مهيبا، بعيد الغور فحل الرأي. ولي وزارة السيف والقلم للمستعلي، ثم للآمر. وكانا معه صورة بلا معنى.
وكان قد أذن للناس في إظهار عقائدهم، وأمات شعار دعوة الباطنيّة، فمقتوه لذلك. وكان مولده بعكّا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وخلّف من الأموال ما يستحيا [٢] من ذكره. وثب عليه ثلاثة من الباطنية فضربوه بالسكاكين فقتلوه. وحمل بآخر رمق، وقيل: [إن] الآمر دسّهم عليه بتدبير أبي عبد الله
стр. 2316
البطائحي الذي وزر بعده ولقّب بالمأمون. قاله في «العبر» [١] .
وفيها أبو سعد عبد الوهاب بن حمزة بن عمر البغدادي، الفقيه الحنبلي المعدّل. ولد في أحد الربيعين، سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وسمع من ابن النّقور، والصريفيني، وابن البسري، والحميدي، وتفقه على أبي الخطّاب، وأفتى، وبرع في الفقه، وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن ابن الدامغاني. وكان مرضي الطريقة جميل السيرة من أهل السنة، وهو شيخ أبي حكيم النهرواني، الذي تفقّه عليه. وروى عنه حكاية، ولم يحدّث إلا باليسير. توفي ليلة الثلاثاء ثالث شعبان، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. قاله ابن رجب [٢] .
وفيها أبو بكر بن الدّنف، محمد بن علي بن عبيد بن الدّنف البغدادي، المقرئ الزاهد، أبو بكر. ولد في صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وسمع الحديث من ابن المسلمة، وابن المهتدي، والصريفيني، وابن النّقور، وطبقتهم. وتفقّه على الشريف أبي جعفر، وحدّث بشيء يسير.
سمع منه ابن ناصر، وروى عنه المبارك بن خضير، و [ذاكر] ابن كامل، وابن بوش وغيرهم. وكان من الزهاد الأخيار، ومن أهل السّنّة. انتفع به خلق كثير، ذكره ابن الجوزي وتوفي يوم الاثنين سابع شوال، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
والدّنف: بفتح الدال المهملة، وكسر النون، وآخره فاء. قاله ابن رجب [٣] .
وفيها أبو علي بن المهدي، محمد بن محمد بن عبد العزيز
стр. 2317
الخطيب. روى عن ابن غيلان، والعتيقي، وجماعة. وكان صدوقا، نبيلا، ظريفا، توفي في شوال، عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها هزارسب بن عوض، أبو الخير الهرويّ الحافظ. توفي في ربيع الأول، وكان عالما صاحب حديث وإفادة بليغة، وحرص على الطلب.
سمع من طراد ومن بعده، ومات قبل أوان الرواية.
стр. 2318
سنة ست عشرة وخمسمائة
فيها توفي إيل غازي بن أرتق [١] بن أكسب نجم الدّين التركماني، صاحب ماردين، وليها بعد أخيه سقمان، وكانا من أمراء تتش صاحب الشام، وكان إيل غازي قد استولى على حلب بعد موت أولاد تتش، واستولى على ميّافارقين، وكان فارسا شجاعا كثير الغزو كثير العطاء، ولّى بعده بماردين ابنه حسام الدّين تمرتاش.
وفيها الباقرحي- بفتح القاف وسكون الراء، ثم مهملة، نسبة إلى باقرحا من قرى بغداد- أبو علي الحسن بن محمد بن إسحاق. روى عن أبي الحسن القزويني، والبرمكي، وخلق، وتوفي في رجب.
وفيها البغوي محيي السّنّة أبو محمد. الحسين بن مسعود بن محمد ابن الفراء، ويعرف تارة بالفراء [٢] ، الشافعي المحدّث المفسّر، صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان. روى عن أبي عمر المليحي، وأبي الحسن الداودي، وطبقتهما. وكان سيدا، زاهدا، قانعا يأكل الخبز وحده، فليم [٣] في ذلك، فصار يأكله بالزيت. وكان أبوه يصنع الفراء. وتوفي ركن الدّين محيي السّنّة بمرو الرّوذ في شوال، ودفن عند شيخه القاضي حسين. قاله في «العبر» [٤] .
стр. 2319
وقال ابن الأهدل هو صاحب الفنون الجامعة، والمصنّفات النافعة، مع الزهد، والورع، والقناعة، وتفقّه بالقاضي حسين ولازمه، وسمع الحديث على جماعة، ثم برع، فصنّف التصانيف النافعة، منها «معالم التنزيل» [١] و «الجمع بين الصحيحين» و «المصابيح» [٢] وغيرها. وصنّف في الفقه «التهذيب» و «شرح السّنّة» [٣] وكان لا يلقي الدرس إلّا على طهارة.
ونسبته إلى بغ [٤] قرية بقرب هراة. انتهى.
وقال السبكي في «تكملة شرح المهذب» : قلّ أن رأيناه يختار شيئا إلّا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره. هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على نبل كثير، وهو حري بذلك، فإنه جامع لعلوم القرآن، والسّنّة، والفقه.
انتهى.
قال الذهبي: ولم يحج، وأظنه جاوز الثمانين، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو محمد السمرقندي الحافظ، عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أخو إسماعيل. ولد بدمشق، وسمع بها من أبي بكر الخطيب، وابن طلّاب، وجماعة. وببغداد من أبي الحسين بن النّقور، ودخل إلى نيسابور، وأصبهان، وعني بالحديث، وخرّج لنفسه «معجما» في مجلد،
стр. 2320
وعاش اثنتين وسبعين سنة.
قال ابن ناصر الدّين [١] : كان من الثقات النّقاد.
وفيها أبو القاسم بن الفحّام الصقلي، عبد الرحمن بن أبي بكر، عتيق بن خلف، مصنف «التجريد في القراءات» كان أسند من بقي بالدّيار المصرية في القراءات. قرأ على ابن نفيس وطبقته، ونيّف على التسعين، وتوفي في ذي القعدة.
وفيها أبو طالب اليوسفي، عبد القادر بن محمد بن عبد القادر البغدادي، في ذي الحجة، وهو في عشر التسعين. روى الكتب الكبار عن ابن المذهب، والبرمكي، وكان ثقة، عدلا، رضيا، عابدا. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو طالب السّميرمي [٣] ، علي بن أحمد الوزير، وزر ببغداد للسلطان محمود، وظلم، وفسق، وتجبّر، ومرق، حتّى قتل على يدي الباطنية. قاله في «العبر» أيضا [٤] .
وفيها أبو محمد الحريري، صاحب «المقامات» القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري، الأديب، حامل لواء البلاغة، وفارس النظم والنثر، وكان من رؤساء بلده. روى الحديث عن أبي تمّام محمد بن الحسين وغيره، وعاش سبعين سنة، وتوفي في رجب، وخلّف ولدين: النجم عبد الله، وضياء الإسلام عبيد الله، قاضي البصرة. قاله في «العبر» [٥] .
стр. 2321
وقال ابن خلّكان [١] : كان أحد أئمة عصره، ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب، من لغاتها، وأمثالها، ورموز أسرار كلامها، ومن عرفها حقّ معرفتها، استدل بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطلاعه، وغزارة مادته، وكان سبب وضعها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله، قال: كان أبي جالسا في مسجد بني حرام، فدخل شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، رثّ الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سروج، فاستخبروه عن كنيته فقال: أبو زيد، فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية، وهي الثامنة والأربعون، وعزاها إلى أبي زيد المذكور، واشتهرت عنه [٢] فبلغ خبرها الوزير شرف الدّين أنو شروان بن خالد بن محمد القاشاني، وزير الإمام المسترشد بالله، فلما وقف عليها أعجبته، فأشار إلى والدي أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين، وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله: فأشار من إشارته حكم، وطاعته غنم، إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع. فهذا كان مستنده في نسبها إلى أبي زيد السروجي.
وذكر القاضي جمال الدّين بن الحسن بن علي الشيباني القفطي وزير حلب، في كتابه المسمى «إنباه الرواة على أنباء [٣] النحاة» [٤] أن أبا زيد المذكور اسمه المطهّر بن سلّار كان [٥] بصريا [٦] ، نحويا، لغويا، صحب
стр. 2322
الحريري المذكور، واشتغل عليه بالبصرة وتخرّج به، وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد بن المندائيّ [١] الواسطي ملحة الإعراب وذكر أنه سمعها منه عن الحريري، وقال: قدم علينا واسط سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، فسمعنا منه، وتوجه منها مصعدا إلى بغداد، فوصلها وأقام بها مدة يسيرة، وتوفي بها، وكذا ذكره السمعاني في «الذيل» والعماد في «الخريدة» وأما تسميته الراوي [لها] بالحارث بن همّام، فإنما عنى به نفسه وهو مأخوذ من قوله ﷺ : «كلّكم حارث وكلّكم همّام» [٢] فالحارث الكاسب، والهمّام الكثير الاهتمام، وما من شخص إلّا وهو حارث وهمّام، لأنّ كل أحد كاسب ومهتم بأموره.
وقد اعتنى بشرحها خلق كثير، فمنهم: من طوّل ومنهم من اختصر.
ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل «المقامات» عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد، وادعاها فلم يصدقه جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: إنها ليست من تعليقه [٣] بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة، مات بالبصرة، ووقعت أوراقه إليه فادعاها، فاستدعاه الوزير إلى الديوان، وسأله عن صناعته، فقال: أنا رجل منشئ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيّنها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة،
стр. 2323
ومكث زمانا فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان، وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر، فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح:
شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان كما ... رماه وسط الديوان بالخرس
وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكرة، وكان يسكن في مشان البصرة، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر وسيّرها [١] ، واعتذر من عيه وحصره بالديوان، مما لحقه من المهابة.
وللحريري تآليف حسان، منها: «درة الغواص في أوهام الخواص» ومنها «ملحة الإعراب» وشرحها، وله ديوان رسائل، وشعر كثير، غير شعره الذي في «المقامات» فمن ذلك قوله وهو معنى حسن:
قال العواذل ما هذا الغرام به ... أما ترى الشّعر في خدّيه قد نبتا
فقلت والله لو أن المفنّد لي ... تأمّل الرشد في عينيه ما ثبتا
ومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل عنها والرّبيع أتى
وذكر له العماد الكاتب في «الخريدة» :
كم ظباء بحاجر ... فتنت بالمحاجر
ونفوس نفائس ... خدرت بالمخادر
وتثنّ لخاطر ... هاج وجدا لخاطري
وعذار لأجله ... عاذلي فيه [٢] عاذري
стр. 2324
وشجون تضافرت [١] ... عند كشف الضّفائر
ويحكى أنه كان ذميما قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله، ففهم الحريري ذلك منه، فلما التمس منه أن يملي عليه، قال له: اكتب:
ما أنت أول سار غرّه قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدّمن
فانظر [٢] لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيديّ فاسمع بي ولا ترني
فخجل الرجل منه وانصرف عنه.
وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين وأربعمائة. وتوفي بالبصرة في سكة بني حرام، وخلّف ولدين.
قال أبو منصور الجواليقي: أجازني «المقامات» نجم الدّين عبد الله، وقاضي قضاة البصرة ضياء الإسلام عبيد الله، عن أبيهما منشئها.
والمشان: بليدة فوق البصرة، كثيرة النخل، موصوفة بشدة الوخم [٣] ، وكان أهل الحريري منها، ويقال: إنه كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة، وأنه كان من ذوي اليسار. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
ويحكى أن الحريريّ جاءه رجل يقرأ عليه «مقاماته» فلما وصل إلى قوله:
يا أهل ذا المغني وقيتم شرّا ... ولا لقيتم ما بقيتم ضرّا
قد دفع اللّيل الذي اكفهرّا ... إلى حماكم [٤] شعثا مغبرّا
[٥]
стр. 2325
فصحفها «سغبا معترّا» فقال له الحريري الرواية: «شعثا مغبرّا» ولكن والله لولا أني كتبت خطي على أكثر من خمسمائة نسخة، وطارت في الآفاق لأصلحت البيت، وجعلته كما أنشدته أنت، فإن الطارق ليلا المناسب له أن يكون «سبغا معترّا» لا «شعثا مغبرّا» وعكسه الآتي نهارا.
وبالجملة فالشيخ- رحمه الله تعالى- كان أعجوبة الدّهر ونادرة الزمان، فرحمه الله تعالى وأجزل له الغفران، آمين.
وفيها الدّقّاق أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الأصبهاني الحافظ الرحّال، عن ثمانين سنة. روى عن عبد الله بن شبيب الخطيب، والباطرقاني، وعبد الرحمن بن أحمد الرّازي [١] ، وعني بهذا الفن، وكتب عمّن دبّ ودرج، وكان محدّثا، أثريا، فقيرا، متقللا. توفي في شوال.
стр. 2326
سنة سبع عشرة وخمسمائة
في أولها التقى الخليفة المسترشد بالله، ودبيس الأسدي، وكان دبيس قد طغى وتمرّد، ووعد عسكره بنهب بغداد، فجرد المسترشد يومئذ سيفه، ووقف على تلّ، فانهزم جمع دبيس، وقتل خلق منهم، وقتل من جيش الخليفة نحو العشرين، وعاد مؤيدا منصورا. وذهب دبيس فعاث ونهب، وقتل بنواحي البصرة.
وفيها توفي ابن الطّيوري أبو سعد، أحمد بن عبد الجبّار الصيرفي، ببغداد، في رجب، عن ثلاث وثمانين سنة، وكان صالحا أكثر بإفادة أخيه المبارك، وروى عن ابن غيلان، والخلّال، وأجاز له الصّوري، وأبو علي الأهوازي.
وفيها ابن الخيّاط الشاعر المشهور أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التّغلبي [١] الدمشقي الكاتب، كان من الشعراء المجيدين، طاف البلاد، وامتدح الناس، ودخل بلاد العجم، وامتدح بها، ولما اجتمع بأبي الفتيان بن حيّوس، الشاعر بحلب، وعرض عليه شعره، قال: قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي، فقلما نشأ ذو صناعة مهر فيها إلا وكان دليلا على موت الشيخ من أبناء جنسه.
стр. 2327
وشعره في الذّروة العليا، ولو لم يكن له إلّا قصيدته البائية لكفاه، فكيف وأكثر قصائده غرر، وهي:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد ريّاها يطير بلبّه
وإياكما ذاك النّسيم فإنه ... متى هبّ كان الوجد أيسر خطبه
خليليّ لو أحببتما لعلمتما ... محلّ الهوى من مغرم القلب صبّه
تذكّر والذّكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحبّ يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه
وفي الرّكب مطويّ الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبّه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمّن منها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنّة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحيّ أنّة ... حذارا وخوفا أن تكون لحبّه
وهي طويلة.
وله بيتان من قصيدة:
وبالجزع حيّ كلما عنّ ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤادا وأحياه
تمنّيتهم [١] بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضا يا بعد ما أتمنّاه
قال صاحب «العبر» [٢] : يعرف ابن الخياط بابن سني الدولة [٣] الطرابلسي، عاش سبعا وستين سنة، وكتب أولا لبعض الأمراء، ثم مدح الملوك والكبار، وبلغ في النظم الذّروة العليا. أخذ يحدّث عن أبي الفتيان محمد بن حيّوس، وأخذ عنه ابن القيسراني.
стр. 2328
قال السّلفي: كان شاعر الشام في زمانه، قد اخترت من شعره مجلّدة لطيفة فسمعتها منه.
قال ابن القيسراني: وقّع الوزير هبة الله بن بديع لابن الخيّاط مرّة بألف دينار، توفي في رمضان بدمشق.
وفيها حمزة بن العبّاس العلوي أبو محمد الأصبهاني الصوفي. روى عن أبي الطاهر بن عبد الرّحيم، وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها ظريف بن محمد بن عبد العزيز أبو الحسن الحيري النيسابوري. روى عن أبي حفص بن مسرور وطائفة، وكان ثقة من أولاد المحدّثين. توفي في ذي القعدة، وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها أبو محمد الشّنتريني- بفتح المعجمة أوله والفوقية، وسكون النون وكسر الراء، نسبة إلى شنترين، مدينة من عمل باجة. قاله السيوطي [١] .
وقال ابن خلّكان [٢] : هي بلدة في غرب جزيرة الأندلس- عبد الله بن محمد بن سارة [٣] البكري، الشاعر المفلق اللغوي، وله ديوان معروف.
قال ابن خلّكان [٤] : كان شاعرا ماهرا، ناظما ناثرا، إلّا أنه كان قليل الحظ، إلّا من الحرمان لم يسعه مكان، ولا اشتمل عليه سلطان، ذكره صاحب «قلائد العقيان» وأثنى عليه ابن بسام في «الذخيرة» وقال: إنه تتبع المحقرات، وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة، فلما كان من خلع
стр. 2329
الملوك ما كان، أوى إلى إشبيلية أوحش حالا من الليل وأعثر [١] انفرادا من سهيل، وتبلّغ بالوراقة، وله منها جانب، وبها بصر ثاقب، فانتحلها على كساد سوقها، وخلو [٢] طريقها، وفيها يقول:
أمّا الوارقة فهي أنكد [٣] حرفة ... أوراقها وثمارها الحرمان
شبّهت صاحبها بصاحب إبرة ... تكسو العراة وجسمها عريان
وله أيضا:
ومعذّر راقت [٤] حواشي حسنه ... فقلوبنا وجدا عليه رقاق
لم يكس عارضة السواد وإنما ... نفضت عليه سوادها الأحداق
وله في غلام أزرق العينين:
ومهفهف أبصرت في أطواقه [٥] ... قمرا بأطراف [٦] المحاسن يشرق
تقضي على المهجات منه صعدة ... متألّق فيها سنان أزرق
وأورد له صاحب [كتاب] «الحديقة» :
أسنى ليالي الدّهر عندي ليلة ... لم أخل فيها الكأس من أعمالي
فرّقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال
وله في الزهد:
يا من يصيخ إلى داعي السّفاه [٧] وقد ... نادى به النّاعيان: الشّيب والكبر
стр. 2330
إن كنت لا تسمع الذّكرى ففيم ثوى ... في رأسك الواعيان: السّمع والبصر
ليس الأصمّ ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاديان: العين والأثر
لا الدّهر يبقى ولا الدّنيا ولا الفلك ال ... أعلى ولا النّيّران الشمس والقمر
ليرحلنّ عن الدّنيا وإن كرها ... فراقها الثّاويان: البدو والحضر
وله ديوان شعر أكثره جيد، وكانت وفاته بمدينة المريّة من جزيرة الأندلس.
وفيها أبو نعيم عبيد الله بن أبي علي الحسن بن أحمد الحداد الأصبهاني، الحافظ مؤلف «أطراف الصحيحين» كان عجبا في الإحسان إلى الرحّالة وإفادتهم، مع الزهد، والعبادة، والفضيلة التامة. روى عن عبد الوهاب بن مندة، ولقي بنيسابور أبا المظفر موسى بن عمران وطبقته، وبهراة العميري، وببغداد النّعالي [١] ، توفي في جمادى الأولى، عن أربع وخمسين سنة.
وفيها أبو سعد محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني [٢] ، ويعرف بالخيّاط الحنبلي، من أهل أصبهان.
قدم بغداد واستوطنها مدة طويلة، وسمع من مشايخها، وانتخب وعلّق، وكتب بخطه كثيرا، وحصّل الأصول والنّسخ، وجمع كثيرا جدا من الحديث، والفقه، وأنفذه إلى أصبهان، وأدركه أجله ببغداد. حدّث ببغداد عن أبي القاسم بن مندة إجازة، وعن غيره سماعا، وكتب عنه ابن عامر العبدريّ [٣] وابن ناصر.
стр. 2331
قال ابن النجار: كان من أهل السّنّة المحقّقين، المبالغين، المشدّدين، ظاهر الصلاح، قليل المخالطة للناس. كان حنبليا متعصبا لمذهبه، مشددا في ذلك.
توفي يوم الخميس سادس عشري ذي الحجة، ودفن بباب حرب، ولم يخلّف وارثا ولم يتزوج قطّ.
وفيها أبو الغنائم بن المهتدي بالله محمد بن محمد بن أحمد [١] الهاشمي الخطيب. روى عن أبي الحسن القزويني، والبرمكي، وطائفة، وتوفي في ربيع الأول.
وفيها أبو الحسن الزّعفراني، محمد بن مرزوق البغدادي، الحافظ التاجر، أكثر عن ابن المسلمة، وأبي بكر الخطيب، وسمع بدمشق [٢] ، ومصر، وأصبهان، وتوفي في صفر، عن خمس وسبعين سنة، وكان متقنا ضابطا، يفهم ويذاكر.
وفيها أبو صادق، مرشد بن يحيى بن القاسم المديني ثم المصري.
روى عن ابن حمّصة، وأبي الحسن الطّفّال، وعلي بن محمد الفارسي، وعدة، وكان أسند من بقي بمصر، مع الثقة والخير، توفي في ذي القعدة، عن سنّ عالية.
стр. 2332
سنة ثمان عشرة وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج صور بالأمان، وبقيت في أيديهم إلى سنة تسعين وستمائة [١] .
وفيها توفي أبو الفضل، أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق، المعروف بابن الخازن، الكاتب الشاعر، الدّينوري الأصل، البغدادي المولود والوفاة، كان فاضلا نادر الخط [٢] ، أوحد وقته فيه، وهو والد أبي الفتح نصر الله الكاتب المشهور.
ومن شعر أحمد صاحب الترجمة قوله:
من يستقم يحرم مناه ومن يزغ ... يختصّ بالإسعاف والتمكين
انظر إلى الألف استقام ففاته ... عجم وفاز به اعوجاج النّون
قال ابن خلّكان [٣] : وجل شعره مشتمل على معان حسان.
وكانت وفاته في صفر سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
وكان ولده أبو الفتح نصر الله المذكور حيّا في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ولم أقف على تاريخ وفاته. انتهى.
стр. 2333
وفيها أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري، الأديب اللغوي، اختص بصحبة الواحدي المفسر، وقرأ عليه، وله في اللغة تصانيف مفيدة، منها كتاب «الأمثال» لم يعمل مثله [١] ، وكتاب «السامي في الأسامي» وسمع الحديث، وكان ينشد:
تنفّس صبح الشّيب في ليل عارضي ... فقلت عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل [٢] ترى صبحا بغير نهار.
قاله ابن الأهدل.
وقال ابن خلّكان [٣] : توفي يوم الأربعاء خامس عشري شهر رمضان، سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ﵀، بنيسابور، ودفن على باب ميدان زياد.
والميداني: بفتح الميم، وسكون المثناة من تحتها، وفتح المهملة، وبعد الألف نون، هذه النسبة إلى ميدان زياد، وهي محلّة في نيسابور.
وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد، كان أيضا فاضلا ديّنا، وله كتاب «الأسمى في الأسماء» وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ﵀. انتهى.
وفيها داود ملك الكرج، الذي أخذ تفليس من قريب، وكان عادلا في الرعية، يحضر [يوم] الجمعة ويسمع الخطبة ويحترم المسلمين [٤] .
стр. 2334
وفيها الحسن بن صبّاح [١] صاحب الألموت، وزعيم الإسماعيلية، وكان داهية، ماكرا، زنديقا، من شياطين الإنس.
وفيها أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن المسلم المقدسي الشافعي.
الفقيه.
قال السّلفي: كان من أفقه الفقهاء بمصر، عليه تفقه أكثرهم.
وقال الذهبي [٢] : أخذ عن نصر المقدسي، وسمع من أبي بكر الخطيب وجماعة، وعاش ستا وسبعين سنة. توفي في هذه السنة أو في التي تليها.
وقال ابن شهبة [٣] : تفقّه على نصر المقدسي.
قال الإسنوي [٤] : وعلى سلامة المقدسي، وبرع في المذهب، ودخل مصر بعد السبعين، وسمع بها، وكان من أفقه الفقهاء بمصر، وعليه قرأ أكثرهم. وروى عن السّلفي وغيره وصنف كتابا في أحكام التقاء الختانين.
قال ابن نقطة: توفي سنة خمس وثلاثين. انتهى.
وفيها أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمّام بن عطيّة المحاربي الغرناطي الحافظ. توفي في جمادى الآخرة بغرناطة، عن سبع وسبعين سنة. روى عن الأندلسيين [٥] ، ورحل سنة تسع وستين، وسمع «الصحيحين» بمكّة.
стр. 2335
قال ابن بشكوال [١] : كان حافظا للحديث وطرقه وعلله، عارفا برجاله ذاكرا لمتونه ومعانيه، قرأت بخط بعض أصحابي أنه كرر « [صحيح] البخاري» سبعمائة مرة، وكان أديبا شاعرا ديّنا لغويا. قاله في «العبر» [٢] .
стр. 2336
سنة تسع عشرة وخمسمائة
فيها توفي الإمام الحافظ ألب أرسلان أبو علي الحسن بن الحسين الزّركراني [١] . كان إماما حافظا مؤتمنا، وعاش مائة سنة وتسعا وثلاثين سنة.
قاله ابن ناصر الدّين [٢] .
وفيها أبو الحسن بن الفرّاء الموصلي ثم المصري علي بن الحسين ابن عمر. راوي «المجالسة» عن عبد العزيز بن الضرّاب، وقد روى عن كريمة وطائفة، وانتخب عليه السّلفي مائة جزء، مولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
وفيها ابن عيذون [٣] الهذلي التونسي أبو الحسن علي بن عبد الجبّار، لغوي المغرب.
وفيها أبو عبد الله بن البطائحي محمد بن المأمون، وزير الديار المصرية للآمر. كان أبوه جاسوسا للمصريين فمات وربي محمد هذا يتيما، فصار يحمل في السوق، فدخل مع الحمّالين إلى دار أمير الجيوش، فرآه شابا ظريفا فأعجبه، فاستخدمه مع الفراشين، ثم تقدم عنده، ثم آل أمره إلى
стр. 2337
أن ولي الأمر بعده، ثم إنه مالأ أخا الآمر على قتل الآمر [١] ، فأحس الآمر بذلك، فأخذه وصلبه. وكانت أيامه ثلاث سنين.
وفيها أبو البركات بن البخاري- يعني المبخّر- البغدادي [٢] المعدّل، هبة الله بن محمد بن علي. توفي في رجب، عن خمس وثمانين سنة. روى عن ابن غيلان، وابن المذهب والتنوخي.
стр. 2338
سنة عشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو الفتوح الغزّالي أحمد بن محمد الطّوسي الواعظ، شيخ مشهور فصيح مفوّه، صاحب قبول تامّ لبلاغته وحسن إيراده وعذوبة لسانه. وهو أخو الشيخ أبي حامد. وعظ مرّة عند السلطان محمود، فأعطاه ألف دينار. ولكنه كان رقيق الديانة متكلّما في عقيدته، حضر يوسف الهمذاني عنده، فسئل عنه فقال: مدد كلامه شيطانيّ لا رباني. ذهب دينه والدنيا لا تبقى له. قاله في «العبر» [١] .
وقال ابن قاضي شهبة [٢] : كان فقيها، غلب عليه الوعظ والميل إلى الانقطاع والعزلة، وكان صاحب عبارات وإشارات، حسن النظر، درّس بالنظامية ببغداد لما تركها أخوه زهدا فيها، واختصر «الأحياء» في مجلد سمّاه «لباب الإحياء» وله مصنف آخر سمّاه «الذخيرة في علم البصيرة» توفي بقزوين سنة عشرين وخمسمائة، وقد تكلّم فيه غير واحد وجرّحوه. انتهى بحروفه.
وذكره ابن النجار في «تاريخ بغداد» [٣] فقال: كان قد قرأ القارئ بحضرته قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ٣٩: ٥٣ [الزمر: ٥٣] الآية، فقال: شرّفهم بياء الإضافة إلى نفسه، بقوله يا عبادي، ثم أنشد:
стр. 2339
وهان عليّ اللّوم في جنب حبّها ... وقول الأعادي إنه لخليع
أصمّ إذا نوديت باسمي وإنني ... إذا قيل لي يا عبدها لسميع
انتهى.
وفيها آق سنقر البرسقي، قسيم الدولة، ولي إمرة الموصل والرحبة للسلطان محمود، ثم ولي بغداد، ثم سار إلى الموصل ثم كاتبه الحلبيون، فملك [١] حلب ودفع عنها الفرنج، قتلته الإسماعيلية وكانوا عشرة، وثبوا عليه يوم جمعة بالجامع في ذي القعدة، وكان ديّنا عادلا عالي الهمّة. قتل خلقا من الإسماعيلية.
وفيها أبو بحر الأسدي سفيان بن العاص الأندلسي، محدّث قرطبة.
روى عن ابن عبد البرّ، وأبي العبّاس العذري، وأبي الوليد الباجي، وكان من جلّة [٢] العلماء. عاش ثمانين سنة.
وفيها صاعد بن سيّار أبو العلاء الإسحاقي- نسبة إلى إسحاق جدّ- الهروي الدهّان. قرأ عليه ابن ناصر ببغداد «جامع الترمذي» عن أبي عامر الأزدي.
قال السمعاني [٣] : كان حافظا متقنا، كتب الكثير، وجمع الأبواب، وعرف الرّجال.
وقال ابن ناصر الدّين [٤] : كان حافظا، متقنا، مكثرا، حسن الحال.
стр. 2340
وفيها أبو محمد بن عتّاب عبد الرحمن بن محمد بن عتّاب القرطبي، مسند الأندلس. أكثر عن أبيه، وعن حاتم الطرابلسي، وأجاز له مكي بن أبي طالب والكبار، وكان عارفا بالقراءات، واقفا على كثير من التفسير، واللغة، والعربية، والفقه، مع الحلم، والتواضع، والزهد، وكانت الرحلة إليه. توفي في جمادى الأولى عن سبع وثمانين سنة.
وفيها أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان- بفتح الباء- الشافعي [١] .
ولد ببغداد في شوال، سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وتفقه على الغزالي، والشّاشي، وإلكيا [٢] الهرّاسي، وبرع في المذهب، وفي الأصول، وكان هو الغالب عليه، وله فيه التصانيف المشهورة، منها «البسيط» و «الوسيط» و «الوجيز» وغيرها. درّس بالنظامية شهرا واحدا، وكان ذكيا يضرب به المثل في حلّ [٣] الإشكال.
قال المبارك بن كامل: كان خارق الذكاء، لا يكاد يسمع شيئا إلّا حفظه، ولم يزل يبالغ في الطلب، والتحقيق، وحلّ المشكلات، حتى صار يضرب به المثل في تبحره في الأصول والفروع، وصار علما من أعلام الدّين. قصده الطلاب من البلاد، حتّى صار جميع نهاره وقطعة من ليله يستوعب في الإشتغال وإلقاء الدروس.
توفي سنة عشرين وخمسمائة. كذا قاله ابن خلّكان [٤] .
والمعروف أنه توفي سنة ثمان عشرة، قيل: في ربيع الأول، وقيل: في
стр. 2341
جمادى الأولى نقل عنه في «الروضة» [١] في كتاب القضاء أن العامي لا يلزمه التقيد بمذهب [٢] معيّن، ورجحه الإمام [٣] . قاله جميعه ابن قاضي شهبة [٤] .
وفيها أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المالكيّ، قاضي الجماعة بقرطبة ومفتيها. روى عن أبي علي الغسّاني، وأبي مروان بن سرّاج، وخلق، وكان من أوعية العلم. له تصانيف مشهورة، عاش سبعين سنة. قاله في «العبر» [٥] .
وفيها أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال الصّعيدي المصري، النحوي اللغوي، البحر الحبر، وله مائة سنة وثلاثة أشهر. توفي في ربيع الآخر. روى عن عبد العزيز الضرّاب، والقضاعي، وسمع «البخاريّ» من كريمة بمكّة. قاله في «العبر» [٦] .
وفيها أبو بكر الطّرطوشي- وطرطوشة من نواحي الأندلس- محمد بن الوليد القرشي الفهري الأندلسي المالكي، المعروف بابن أبي زيد. نزيل الإسكندرية، وأحد الأئمة الكبار. أخذ عن أبي الوليد الباجي، ورحل فأخذ «السنن» [٧] عن أبي على التّستري، وسمع ببغداد من رزق الله التميمي وطبقته، وتفقه على أبي بكر الشّاشي.
стр. 2342
قال ابن بشكوال [١] : كان إماما، عالما، زاهدا، ورعا، [ديّنا] متقشفا، متقللا [من الدنيا] راضيا باليسير.
وقال ابن خلّكان [٢] : كان يقول: إذا عرض لك أمران، أمر دنيا وأمر أخرى، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى.
وسكن الشام مدّة، ودرّس بها، وكان كثيرا ما ينشد:
إنّ لله عبادا فطنا ... طلّقوا الدّنيا وخافوا ألفتنا
فكّروا فيها فلمّا علموا ... أنها ليست لحيّ وطنا
جعلوها لجّة واتّخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
ولما دخل على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، بسط مئزرا كان معه تحته، وجلس عليه، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني، فوعظ الأفضل حتّى بكى، وأنشده:
يا ذا الذي طاعته قربة ... وحقّه مفترض واجب
إنّ الذي شرّفت من أجله ... يزعم هذا أنّه كاذب
وأشار إلى النصراني، فأقامه الأفضل من موضعه. وكان الأفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد، وكان يكرهه، فلما طال مقامه [به] ضجر وقال لخادمه: إلى متى نصبر؟ اجمع لي المباح، فجمع له، فأكله ثلاثة أيام، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة، فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون ابن البطائحي، فأكرم الشيخ إكراما كثيرا، وصنّف له كتاب «سراج الملوك» وهو حسن في بابه.
стр. 2343
وله غيره. وله طريقة في الخلاف، ومن المنسوب إليه:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بإنجازها مغرم
فأرسل بأكمه خلّابة ... به صمم أفطس [١] أبكم
ودع عنك كل رسول سوى ... رسول يقال له الدّرهم
وقال الطّرطوشي: كنت ليلة نائما في بيت المقدس، فبينما أنا في جنح الليل، إذ سمعت صوتا حزينا [٢] ينشد:
أخوف ونوم إنّ ذا لعجيب ... ثكلتك من قلب فأنت كذوب
أما وجلال الله لو كنت صادقا ... لما كان للإغماض منك نصيب
قال: فأيقظ النوّام وأبكى العيون.
وكانت ولادة الطّرطوشي المذكور سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريبا، وتوفي ثلث الليل الآخر سادس عشري جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، وصلى عليه ولده محمد. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا.
стр. 2344
سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد [١] الهاشمي العبّاسي المتوكلي. شريف صالح خيّر. روى عن الخطيب، وابن المسلمة، وعاش ثمانين سنة. ختم التراويح ليلة سبع وعشرين في رمضان، ورجع إلى منزله فسقط من السطح فمات، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو الحسن الدّينوري علي بن عبد الواحد. روى عن القزويني، وأبي محمد الخلّال وجماعة، وهو أقدم شيخ لابن الجوزي. توفي في جمادي الآخرة.
وفيها أبو الحسن بن الفاعوس علي بن المبارك بن علي البغدادي الحنبلي الإسكاف الزاهد. كان يقصّ يوم الجمعة، وللناس فيه عقيدة لصلاحه وتقشّفه وإخلاصه. روى عن القاضي أبي يعلى وغيره، وسمع منه أبو المعمر الأنصاري، وكان يأتي ساقي الماء في مجلس إملائه فيتناول منه ليوهم الحاضرين أنه مفطر وأنه يشرب، ويكون صائما غالبا.
توفي ابن الفاعوس ليلة السبت تاسع عشر شوال وصلّي عليه من الغد بجامع القصر، وكان يوما مشهودا، ودفن قريبا من قبر الإمام أحمد، رضي الله
стр. 2345
عنه. وغلّقت في ذلك اليوم أسواق بغداد، وكان أهل بغداد يصيحون في جنازته: هذا يوم سنّيّ حنبليّ، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو العزّ القلانسيّ محمد بن الحسين بن بندار الواسطي، مقرئ العراق، وصاحب التصانيف في القراءات. أخذ عن أبي يعلى غلام الهرّاس، وسمع من أبي جعفر بن المسلمة، وفيه ضعف وكلام. توفي في شوال عن خمس وثمانين سنة.
وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد البطليوسي- بفتحتين وسكون اللام نسبة إلى بطليوس مدينة بالأندلس- النحوي كان عالما بالآداب واللغات، متبحرا فيها متبحرا في معرفتها وإتقانها، سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه، ويقرؤون عليه، ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، ثقة، ضابطا، ألّف كتبا نافعة ممتعة، منها كتاب «المثلث» في مجلدين أتى فيه بالعجائب، ودلّ على اطلاع عظيم [١]- فإن مثلثة قطرب في كراسة واحدة، واستعمل فيها الضرورة وما لا يجوز وغلط في بعضها- وله كتاب «الاقتضاب في شرح أدب الكتاب» وشرح «سقط الزند» لأبي العلاء [المعري شرحا استوفى فيه المقاصد، وهو أحسن من شرح أبي العلاء] [٢] صاحب «الديوان» وله كتاب في الحروف الخمسة [٣] وهي السين والصاد والضاد والظاء والدال، جمع فيه كل غريب، وله كتاب «الحلل في شرح أبيات الجمل» و «الخلل في أغاليط الجمل» أيضا وكتاب «التنبيه على
стр. 2346
الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة» وكتاب «شرح الموطأ» وغير ذلك. وقيل:
إنه لم يخرج من المغرب. وبالجملة فكل شيء تكلم فيه ففي غاية الجودة، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله:
أخو العلم حيّ خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التّراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظنّ من الأحياء وهو عديم
وله في طول الليل:
أرى [١] ليلنا شابت نواصيه كبرة [٢] ... كما شبت أم في الجوّ روض بهار
كأنّ الليالي السّبع في الجوّ جمّعت ... ولا فصل فيما بينها لنهار
ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس، وتوفي في منتصف رجب بمدينة بلنسية.
стр. 2347
سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
فيها توفي طغتكين أتابك ظهير الدّين، وكان من أمراء تتش السلجوقي بدمشق، فزوّجه بأم ولده دقاق ثم إنه صار أتابك دقاق، ثم تملّك دمشق، وكان شهما، شجاعا، مهيبا، مدبرا، سائسا، له مواقف مشهورة [١] مع الفرنج توفي في صفر، ودفن بتربته قبل المصلّى. وملك بعده ابنه تاج الملوك بوري، فعدل ثم ظلم. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو محمد الشّنتريني الإشبيلي الحافظ، عبد الله بن أحمد.
روى «الصحيح» [٣] عن ابن منظور [٤] ، عن أبي ذرّ. وسمع من حاتم بن محمد وجماعة.
قال ابن بشكوال [٥] : كان حافظا للحديث وعلله، عارفا برجاله، وبالجرح والتعديل، ثقة، كتب الكثير، واختص بأبي علي الغسّاني، وله تصانيف في الرجال.
توفي في صفر، عن ثمان وسبعين سنة.
стр. 2348
وفيها الوزير أبو علي الحسن بن علي بن صدقة جلال الدّين، وزير المسترشد، كان ذا حزم وعقل ودهاء ورأي وأدب وفضل.
وفيها أبو القاسم النشادري [١] موسى بن أحمد بن محمد النشادري [١] ، الفقيه الحنبلي. كان يذكر أنه من أولاد أبي ذرّ الغفاري، ﵁.
سمع الحديث الكثير، وقرأ بالروايات، وتفقّه على أبي الحسن بن الزّاغوني وناظر.
قال ابن الجوزي [٢] : رأيته يتكلم كلاما حسنا.
توفي رابع رجب، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
стр. 2349
سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
فيها قتل بدمشق نحو ستة آلاف ممن كان يرمى بعقيدة الإسماعيلية، وكان قد دخل الشام بهرام الأسدآباذي وأضل خلقا، ثم إن طغتكين ولّاه بانياس، فكان سيئة من سيئات طغتكين، وأقام بهرام له داعيا بدمشق، فكثر أتباعه بدمشق، وملك هو عدة حصون بالشام، منها القدموس. وسلّم بهرام بانياس للفرنج.
وفيها توفي جعفر بن عبد الواحد أبو الفضل الثقفي الأصبهاني، الرئيس. روى عن ابن ريذة [١] وطائفة، وعاش تسعا وثمانين سنة.
وفيها المردغاني، الوزير كمال الدّين طاهر بن سعد، وزير تاج الملوك بوري بن طغتكين، قتله وعلّق رأسه على القلعة.
وفيها أبو سعد النّسفي عبد الله بن أبي المظفّر بن أبي نعيم بن أبي تمّام بن الحارث، القاضي الحافظ. أحد حفّاظ سمرقند وما والاه. قاله ابن ناصر الدّين [٢] .
وفيها أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن الإمام أبي بكر البيهقي.
стр. 2350
سمع الكتب من جدّه، ومن أبي يعلى الصابوني، وجماعة، وحدّث ببغداد، وكان قليل الفضيلة، توفي في جمادى الأولى، وله أربع وسبعون سنة.
وفيها يوسف بن عبد العزيز أبو الحجّاج الميورقيّ [١] ، الفقيه العلّامة. نزيل الإسكندرية، وأحد الأئمة الكبار، تفقّه ببغداد على إلكيا الهرّاسي، وأحكم الأصول والفروع، وروى «البخاري» عن واحد عن أبي ذرّ، و «مسلما» عن أبي عبد الله الطبري، وله «تعليقة» في الخلاف.
توفي في آخر السنة.
قال السّلفي: حدّث ب «الترمذي» وخلّط في إسناده.