← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة» وكتاب «شرح الموطأ» وغير ذلك. وقيل: إنه لم يخرج من المغرب. وبالجملة فكل شيء تكلم فيه ففي غاية الجودة، وله نظم حسن، فمن ذلك قوله: أخو العلم حيّ خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التّراب رميم وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظنّ من الأحياء وهو عديم وله في طول الليل: أرى [١] ليلنا شابت نواصيه كبرة [٢] ... كما شبت أم في الجوّ روض بهار كأنّ الليالي السّبع في الجوّ جمّعت ... ولا فصل فيما بينها لنهار ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس، وتوفي في منتصف رجب بمدينة بلنسية.

стр. 2347

سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فيها توفي طغتكين أتابك ظهير الدّين، وكان من أمراء تتش السلجوقي بدمشق، فزوّجه بأم ولده دقاق ثم إنه صار أتابك دقاق، ثم تملّك دمشق، وكان شهما، شجاعا، مهيبا، مدبرا، سائسا، له مواقف مشهورة [١] مع الفرنج توفي في صفر، ودفن بتربته قبل المصلّى. وملك بعده ابنه تاج الملوك بوري، فعدل ثم ظلم. قاله في «العبر» [٢] . وفيها أبو محمد الشّنتريني الإشبيلي الحافظ، عبد الله بن أحمد. روى «الصحيح» [٣] عن ابن منظور [٤] ، عن أبي ذرّ. وسمع من حاتم بن محمد وجماعة. قال ابن بشكوال [٥] : كان حافظا للحديث وعلله، عارفا برجاله، وبالجرح والتعديل، ثقة، كتب الكثير، واختص بأبي علي الغسّاني، وله تصانيف في الرجال. توفي في صفر، عن ثمان وسبعين سنة.

стр. 2348

وفيها الوزير أبو علي الحسن بن علي بن صدقة جلال الدّين، وزير المسترشد، كان ذا حزم وعقل ودهاء ورأي وأدب وفضل. وفيها أبو القاسم النشادري [١] موسى بن أحمد بن محمد النشادري [١] ، الفقيه الحنبلي. كان يذكر أنه من أولاد أبي ذرّ الغفاري، ﵁. سمع الحديث الكثير، وقرأ بالروايات، وتفقّه على أبي الحسن بن الزّاغوني وناظر. قال ابن الجوزي [٢] : رأيته يتكلم كلاما حسنا. توفي رابع رجب، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

стр. 2349

سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة فيها قتل بدمشق نحو ستة آلاف ممن كان يرمى بعقيدة الإسماعيلية، وكان قد دخل الشام بهرام الأسدآباذي وأضل خلقا، ثم إن طغتكين ولّاه بانياس، فكان سيئة من سيئات طغتكين، وأقام بهرام له داعيا بدمشق، فكثر أتباعه بدمشق، وملك هو عدة حصون بالشام، منها القدموس. وسلّم بهرام بانياس للفرنج. وفيها توفي جعفر بن عبد الواحد أبو الفضل الثقفي الأصبهاني، الرئيس. روى عن ابن ريذة [١] وطائفة، وعاش تسعا وثمانين سنة. وفيها المردغاني، الوزير كمال الدّين طاهر بن سعد، وزير تاج الملوك بوري بن طغتكين، قتله وعلّق رأسه على القلعة. وفيها أبو سعد النّسفي عبد الله بن أبي المظفّر بن أبي نعيم بن أبي تمّام بن الحارث، القاضي الحافظ. أحد حفّاظ سمرقند وما والاه. قاله ابن ناصر الدّين [٢] . وفيها أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن الإمام أبي بكر البيهقي.

стр. 2350

سمع الكتب من جدّه، ومن أبي يعلى الصابوني، وجماعة، وحدّث ببغداد، وكان قليل الفضيلة، توفي في جمادى الأولى، وله أربع وسبعون سنة. وفيها يوسف بن عبد العزيز أبو الحجّاج الميورقيّ [١] ، الفقيه العلّامة. نزيل الإسكندرية، وأحد الأئمة الكبار، تفقّه ببغداد على إلكيا الهرّاسي، وأحكم الأصول والفروع، وروى «البخاري» عن واحد عن أبي ذرّ، و «مسلما» عن أبي عبد الله الطبري، وله «تعليقة» في الخلاف. توفي في آخر السنة. قال السّلفي: حدّث ب «الترمذي» وخلّط في إسناده.

стр. 2351

سنة أربع وعشرين وخمسمائة فيها كما قال في «العبر» [١] : ظهرت ببغداد عقارب طيّارة، قتلت جماعة أطفال. وفيها أبو إسحاق الغزّيّ إبراهيم بن عثمان، شاعر العصر، وحامل لواء القريض، وشعره كثير سائر متنقل في بلد الجبال، وخراسان. وتوفي بناحية بلخ، وله ثلاث وثمانون سنة. قاله في «العبر» [٢] . وقال ابن النجّار في «تاريخ بغداد» [٣] : هو إبراهيم بن عثمان بن عيّاش بن محمد بن عمر بن عبد الله الأشهبي الغزّي الكلبي، الشاعر المشهور، شاعر محسن. وذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» [٤] فقال: دخل دمشق [٥]

стр. 2352

وسمع بها من الفقيه نصر المقدسي، سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ورحل إلى بغداد، وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة، ومدح ورثى غير واحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطيع من الشعر، وأثنى عليه. انتهى. وله ديوان شعر اختاره بنفسه وذكر في خطبته أنه ألف بيت. وقال العماد الكاتب: جاب [١] البلاد، وأكثر النّقل والحركات، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي الناس، ومدح ناصر الدّين مكرم بن العلاء، وزير كرمان بقصيدته البائية التي يقول فيها، ولقد أبدع: حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا ومنها في قصر الليل وهو معنى لطيف: وليل رجونا أن يدبّ عذاره ... فما اختطّ حتّى صار بالفجر شائبا ومن جيد شعره المشهور قوله: قالوا هجرت الشّعر قلت ضرورة ... باب الدّواعي والبواعث مغلق خلت الدّيار فلا كريم يرتجى ... منه النّوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق [٢] ومن شعره وفيه صناعة حسنة: وخز الأسنّة والخضوع لناقص ... أمران في ذوق النّهى مرّان

стр. 2353

والرّأي أن يختار فيما دونه ال ... مرّان وخز أسنّة المرّان وله: وجفّ النّاس حتّى لو بكينا ... تعذّر ما تبلّ به الجفون فما يندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجوّ جبين ولد الغزّيّ هذا بغزة هاشم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وتوفي ما بين مرو وبلخ من بلاد خراسان، ونقل إلى بلخ ودفن بها، ونقل عنه أنه كان يقول لما حضرته الوفاة: أرجو أن يغفر لي ربي لثلاثة أشياء: كوني من بلد الإمام الشافعي، وأني شيخ كبير، وأني غريب، رحمه الله تعالى وحقّق رجاءه. وفيها الإخشيذ إسماعيل بن الفضل الأصبهاني السرّاج التاجر. قرأ القرآن على جماعة وروى الكثير عن ابن عبد الرحيم، وأبي القاسم بن أبي بكر الذكواني، وطائفة، وعمّر ثمانيا وثمانين سنة. وفيها البارع، وهو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البغدادي الدبّاس، المقرئ الأديب الشاعر، وهو من ذريّة أبي القاسم بن عبيد الله [١] وزير المعتضد. قرأ القرآن على أبي بكر محمد بن علي الخيّاط وغيره، وروى عن أبي جعفر بن المسلمة، وله مصنفات وشعر فائق. قال ابن خلّكان [٢] : كان نحويّا لغويّا مقرئا، حسن المعرفة بصنوف من الآداب، وأفاد خلقا كثيرا، خصوصا بإقراء القرآن الكريم. وهو من بيت الوزارة، فإن جدّه القاسم كان وزير المعتضد والمكتفي

стр. 2354

بعده، وهو الذي سمّ ابن الرّومي الشاعر، وعبيد الله كان وزير المعتضد أيضا قبل ابنه القاسم، وسليمان بن وهب الوزير تغني شهرته عن ذكره. والبارع المذكور من أرباب الفضائل، وله مؤلفات حسان وتأليف غريبة، وديوان شعر جيد. وكان بينه وبين ابن الهبّارية مداعبات لطيفة، فإنهما كانا رفيقين ومتّحدين في الصحبة. ومن شعر البارع: أفنيت ماء الوجه من طول ما ... أسأل من لا ماء في وجهه أنهي إليه شرح حالي الذي ... يا ليتني متّ ولم أنهه فلم ينلني كرما رفده ... ولم أكد أسلم من جبهه والموت من دهر نحاريره ... ممتدة الأيدي إلى بلهه وكانت ولادته في عاشر صفر سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ببغداد. وتوفي يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة، وقيل: الأولى، وكان قد عمي في آخر عمره، ﵀. وفيها ابن الغزال أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن الغزال المصري [١] المجاور، شيخ صالح مقرئ، قد سمع السّلفيّ في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة من إسماعيل الحافظ عنه. سمع القضاعي، وكريمة [٢] ، وعمّر دهرا. وفيها فاطمة الجوزدانية أم إبراهيم بنت عبد الله بن أحمد بن القاسم ابن عقيل الأصبهانية. سمعت من ابن ريذة «معجمي» الطبراني [٣] سنة خمس

стр. 2355

وثلاثين، وعاشت تسعا وتسعين سنة، وتوفيت في شعبان. وفيها أبو الأعزّ قراتكين بن الأسعد الأزجي. روى عن الجوهري وجماعة، وكان عاميّا، توفي في رجب ببغداد. وفيها أبو عامر العبدري [١] محمد بن سعدون بن مرجّى الميورقي، الحافظ الفقيه الظاهري. نزيل بغداد. أدرك أبا عبد الله البانياسي، والحميدي، وهذه الطبقة. قال ابن عساكر: كان فقيها على مذهب داود، وكان أحفظ شيخ لقيته. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هو أنبل من لقيته. وقال ابن ناصر: كان فهما، عالما، متعففا مع فقره. وقال السّلفيّ: كان من أعيان علماء الإسلام، متصرفا في فنون من العلوم. وقال ابن عساكر: بلغني أنه قال: أهل البدع يحتجّون بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ٤٢: ١١ [الشورى: ١١] أي في الإلهية، فأما في الصّورة، فمثلنا. ثم يحتج بقوله تعالى: [يا نِساءَ النَّبِيِ] لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ من النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ٣٣: ٣٢ أي في الحرمة. وقال ابن ناصر الدّين [٢] : كان من أعيان الحفّاظ، لكن تكلم في مذهبه في القرآن ابن ناصر، وحطّ عليه بما لا يثبت عنه [٣] ابن عساكر.

стр. 2356

وفيها محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي البربري، المدعي أنه علويّ، حسنيّ، وأنه المهدي. رحل إلى المشرق، ولقي الغزالي وطائفة، وحصّل فنونا [١] من العلم، والأصول، والكلام، وكان رجلا ورعا ساكنا ناسكا في الجملة. زاهدا متقشفا شجاعا جلدا عاقلا، عميق الفكر، بعيد الغور، فصيحا مهيبا، لذته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ولكن جرّه إقدامه وجرأته على حب الرئاسة والظهور وارتكاب المحظور، ودعوى الكذب والزور، من أنه حسنيّ، وهو هرغيّ [٢] بربريّ وأنّه إمام [٣] معصوم، وهو بالإجماع مخصوم. فبدأ أولا في الإنكار بمكّة، فآذوه، فقدم مصر وأنكر، فطردوه، فأقام بالثغر مدّة فنفوه، وركب البحر، فشرع ينكر على أهل المركب ويأمر وينهى، ويلزمهم بالصلاة. وكان مهيبا وقورا بزيق الفقر، فنزل بالمهديّة في غرفة، فكان لا يرى منكرا أو لهوا إلّا غيره بيده ولسانه، فاشتهر وصار له زبون وشباب يقرؤون عليه في الأصول، فطلبه أمير البلد يحيى بن باديس وجلس له، فلما رأى حسن سمته وسمع كلامه احترمه وسأله الدعاء. فتحول إلى بجاية، وأنكر بها، فأخرجوه، فلقي بقرية ملّالة عبد المؤمن بن علي شابا مختطا مليحا. فربطه عليه، وأفضى إليه بسرّه وأفاده جملة من العلم، وصار معه نحو خمسة [٤] أنفس، فدخل مرّاكش، وأنكر كعادته، فأشار مالك بن وهيب الفقيه على علي بن يوسف بن تاشفين بالقبض عليهم سدّا للذريعة، وخوفا من الغائلة، وكانوا بمسجد داثر بظاهر مرّاكش،

стр. 2357

فأحضرهم وعقد لهم مجلسا حافلا، فواجهه ابن تومرت بالحقّ المحض ولم يحابه [١] ، ووبّخه ببيع الخمر جهارا وبمشي الخنازير التي للفرنج بين أظهر المسلمين، وبنحو ذلك من الذنوب، وخاطبه بكيفية ووعظ، فذرفت عينا الملك وأطرق، فقويت التهمة عند ابن وهيب وأشباهه من العقلاء، وفهموا مرام ابن تومرت. فقيل للملك: إن لم تسجنهم وتنفق عليهم كل يوم دينارا وإلّا أنفقت عليهم خزائنك [٢] ، فهوّن الوزير أمرهم لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ٨: ٤٢ [الأنفال: ٤٢] . فصرفه الملك وطلب منه الدعاء، واشتهر اسمه وتطلعت النفوس إليه، وسار إلى أغمات، وانقطع بجبل تينملّ [٣] ، وتسارع إليه أهل الجبل يتبرّكون به. فأخذ يستميل الشباب الأغتام [٤] والجهلة الشجعان، ويلقي إليهم ما في نفسه، وطالت مدته، وأصحابه يكثرون، وهو يأخذهم بالديانة والتقوى، ويحضهم على الجهاد وبذل النفوس في الحق، وورد أنه كان حاذقا في ضرب الرّمل، قد وقع بجعفر فيما قيل، واتفق لعبد المؤمن أنّه كان قد رأى أنه يأكل في صحفة مع ابن تاشفين ثم اختطف [٥] الصحفة منه، فقال له المعبّر: هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك،

стр. 2358

بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين، ثم يغلب على الأمر. وكانت تهمة ابن تومرت في إظهار العقيدة والدعاء إليها، وكان أهل المغرب على طريقة السلف ينافرون الكلام وأهله. ولما كثرت أصحابه أخذ يذكر المهديّ ويشوّق إليه، ويروي الأحاديث التي وردت فيه. فتلهفوا على لقائه، ثم روى ظمأهم وقال: أنا هو، وساق لهم نسبا ادّعاه وصرّح بالعصمة، وكان على طريقة مثلي لا تنكر [١] معها العصمة، فبادروا إلى متابعته، وصنّف لهم مصنفات مختصرات، وقوي أمره في سنة خمس عشرة وخمسمائة. فلما كان في [سنة] سبع عشرة جهّز عسكرا من المصامدة أكثرهم من أهل تينملّ، والسّوس، وقال: اقصدوا هؤلاء المارقين [من] المرابطين، فادعوهم إلى إزالة البدع والإقرار بالإمام المعصوم، فإن أجابوكم وإلّا فقاتلوهم. وقدم عليهم عبد المؤمن، فالتقاهم الزّبير ولد أمير المسلمين، فانهزمت المصامدة [٢] ونجا عبد المؤمن، ثم التقوهم مرّة أخرى فنصرت الصامدة واستفحل أمرهم، وأخذوا في شنّ الإغارات على بلاد ابن تاشفين، وكثر الداخلون في دعوتهم، وانضم إليهم كل مفسد ومريب، واتّسعت عليهم الدّنيا، وابن تومرت في ذلك كله لون واحد من الزهد، والتقلل، والعبادة، وإقامة السّنن والشعائر، لولا ما أفسد القضية بالقول بنفي الصفات كالمعتزلة، وبأنّه المهدي، وبتسرعه في الدماء، وكان ربما كاشف أصحابه ووعدهم بأمور فتوافق، فيفتنون به، وكان كهلا أسمر عظيم الهامة ربعة حديد النظر، مهيبا، طويل الصمت، حسن الخشوع والسمت، وقبره مشهور معظّم، ولم

стр. 2359

يملك شيئا من المدائن، إنما مهّد الأمور وقرّر القواعد فبغته الموت، وكانت الفتوحات والممالك لعبد المؤمن. قاله في «العبر» [١] . وفيها الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي بالله أحمد بن المستنصر بالله معد بن الظاهر بن الحاكم العبيدي الرافضي، صاحب مصر. كان فاسقا مشتهرا ظالما، امتدت دولته، ولما كبر وتمكّن قتل وزيره الأفضل، وأقام في الوزارة البطائحيّ المأمون، ثم صادره وقتله. ولي الخلافة سنة خمس وتسعين، وهو ابن خمس سنين فانظر إلى هذه الخلافة الباطلة من وجوه: أحدها: السنّ. الثاني: عدم النسب، فإن جدّهم دعيّ في بني فاطمة بلا خلاف. الثالث: أنهم خوارج على الإمام. الرابع: خبث المعتقد الدائر بين الرفض والزندقة. الخامس: تظاهره بالفسق. وكانت أيامه ثلاثين سنة [٢] . خرج في ذي القعدة إلى الجيزة فكمن له قوم بالسلاح، فلما مر على الجسر نزلوا عليه بالسيوف، ولم يعقّب، وبايعوا بعده ابن عمّه الحافظ عبد المجيد ابن الأمير محمد بن المستنصر، فبقي إلى عام أربعة وأربعين، وكان الآمر ربعة شديد الأدمة، جاحظ العينين، عاقلا، ماكرا [٣] مليح الخطّ. ولقد ابتهج الناس بقتله لفسقه وجوره وسفكه الدماء، وإدمان الفواحش. وفيها أبو محمد بن الأكفاني هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاري

стр. 2360

الدمشقي، الحافظ، وله ثمانون سنة. سمع أباه، وأبا القاسم الحنّائي، وأبا بكر الخطيب، وطبقتهم، ولزم أبا محمد الكتّاني مدة. وكان ثقة فهما، شديد العناية بالحديث والتاريخ، كتب الكثير، وكان من كبار العدول، توفي في سادس المحرم. وفيها أبو سعد المهراني هبة الله بن القاسم بن عطاء النيسابوري. روى عن عبد الغافر الفارسي، وأبي عثمان الصابوني، وطائفة، وعاش ثلاثا وتسعين سنة، وكان ثقة جليلا خيّرا. توفي في جمادى الأولى.

стр. 2361

سنة خمس وعشرين وخمسمائة فيها توفي أبو السعود بن المجلّي أحمد بن علي البغدادي البزّاز، شيخ مبارك عامّيّ. روى عن القاضي أبي يعلى، وابن المسلمة، وطبقتهما. وفيها أبو المواهب بن ملوك الورّاق، أحمد بن محمد بن [عبد الملك البغدادي، عن خمس وثمانين سنة، وكان صالحا خيّرا، روى عن القاضي أبي الطيب، والجوهري] [١] . وفيها أبو نصر الطّوسي أحمد بن محمد بن عبد القاهر الفقيه، نزيل الموصل. تفقه على الشيخ أبي إسحاق، وسمع من عبد الصمد بن المأمون وطائفة. وفيها الشيخ حمّاد بن مسلم [٢] بن ددّوة الدّبّاس أبو عبد الله الرّحبي الزاهد، شيخ الشيخ عبد القادر الكيلاني. نشأ ببغداد، وكان له معمل للدّبس، وكان أمّيا لا يكتب. له أصحاب وأتباع وأحوال وكرامات. دوّنوا كلامه في مجلدات، وكان شيخ العارفين في زمانه، وكان ابن عقيل يحطّ عليه ويؤذيه. قاله في «العبر» [٣] .

стр. 2362

وقال السخاوي: كان قد سافر وتغرّب، ولقي المشايخ، وجاهد نفسه بأنواع المجاهدات، وزاول أكثر المهن والصنائع في طلب الحلال، والتورع في الكسب، والتحري، ثم فتح له بعد ذلك خير كثير، وأملى في الآداب، والأعمال، والعلوم المتعلقة بالمعرفة وتصحيح المعاملات شيئا كثيرا، وكان كأنه مسلوب الاختيار، مكاشفا بأكثر الأحوال، ومن كلامه: انظر إلى صنعه تستدل عليه ولا تنظر إلى صنع غيره فتعمى عنه. اللّسان ترجمان القلب والنظر، فإذا زال ما في القلب والنظر من الهوى، كان نطقه حكمة. والحساب على أخذك من ماله، وهو الحلال، والعقاب [١] على أخذك من مالهم وهو الحرام. وقال- ﵁: من هرب من البلاء لا يصل إلى باب الولاء. وقال- ﵁: ما لأحد في مأكول عليّ منّة، فإنّي بالغت في طلب الرزق الحلال بكد يميني، وعملت في كلّ شيء إلّا أني ما كنت غلاما لقصاب، ولا لوقاد، ولا لكنّاس، فإن هذه الحرف تؤدي إلى إسقاط المروءة. وكان الشيخ يأكل من النذر، كأن يقول بعضهم: إن سلم مالي، أو ولدي، أو قرابتي، فلله عليّ أن أعطي حمّادا كذا، ثم ترك ذلك لأنه بلغه حديث النّبي- ﷺ : «النّذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» [٢]

стр. 2363

فكره أكل مال البخيل، وصار يأكل بالمنامات، كأن يرى الإنسان في النوم أن قائلا يقول له: أعط حمّادا كذا، فيصبح، ويحمل الذي قيل له إلى الشيخ. توفي- رحمه الله تعالى- ليلة السبت، الخامس من شهر رمضان، ودفن في الشونيزية، وكان مسلوب الاختيار، تارة زيه زيّ الأغنياء، وتارة زيّ الفقراء، متلون كيف أدير دار، أي شيء كان في يده جاد به، وكانت المشايخ بين يديه كالميت بين يدي الغاسل. انتهى كلام السخاوي ملخصا [١] . وفيها أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن محمد بن مروان [بن] زهر الإيادي الإشبيلي، طبيب الأندلس، وصاحب التصانيف. أخذ عن أبيه، وحدّث عن أبي علي الغسّاني، وجماعة، ونال دنيا عريضة ورئاسة كبيرة، وله شعر رائق، نكب في الآخر من الدولة. قال ابن الأهدل: له شعر رائق، ورئاسة عظيمة، وأموال عميمة، وهو أحد شيوخ أبي الخطّاب بن دحية، وكان يحفظ شعر ذي الرّمّة، وهو ثلث اللغة، مع معرفة الطب التامة، وأهل بيته كلهم وزراء علماء. انتهى. وفيها عين القضاة الهمذاني أبو المعالي عبد الله بن محمد الميانجي- بالفتح وفتح النون، نسبة إلى ميانة بلد بأذربيجان- الفقيه العلّامة الأديب، وأحد من كان يضرب به المثل في الذكاء. دخل في التصوف ودقائقه ومعاني إشارات القوم، حتى ارتبط عليه الخلق، ثم صلب بهمذان على تلك الألفاظ الكفرية، نسأل الله العفو. قاله في «العبر» [٢] . وفيها أبو عبد الله الرّازي، صاحب «السداسيات» و «المشيخة» .

стр. 2364

محمد بن أحمد بن إبراهيم الشاهد، المعروف بابن الحطّاب [١] ، مسند الدّيار المصرية وأحد عدول الإسكندرية. توفي في جمادى الأولى، عن إحدى وتسعين سنة. سمّعه أبوه الكثير من [٢] مشيخة مصر: ابن حمّصة، والطّفّال، وأبي القاسم الفارسي، وطبقتهم. وفيها أبو غالب الماوردي محمد بن الحسن [٣] بن علي البصريّ، في رمضان ببغداد، وله خمس وسبعون سنة. روى عن أبي علي التّستري، وأبي الحسن بن النّقور، وطبقتهما. وكان ناسخا فاضلا صالحا. رحل إلى أصبهان، والكوفة، وكتب الكثير، وخرّج «المشيخة» . وفيها الشيخ الفقيه محمد بن عبدويه المدفون بجزيرة كمران من اليمن ببحر القلزم [٤] تفقّه بالشيخ أبي إسحاق ببغداد، وقرأ عليه كتابه «المهذب» ونكته في الأصول والجدل، وهو أول من دخل ب «المهذب» إلى [٥] اليمن، وكان سكن عدن، ثم انتقل إلى زبيد في دولة الحبشة، فلما دخل مفضل بن أبي البركات بعسكر من العرب انتهب مالا لابن عبدويه، كان يتجر فيه في جملة من انتهب، ثم خرج إلى كمران وأقام بها إلى أن توفي وقبره هناك مشهور مزور، وكان زاهدا ورعا لا يأكل إلّا رزا يأتي من بلاد الهند، وكان عبيده يسافرون إلى الحبشة، والهند، ومكة، وعدن، للتجارة، فأخلفه الله مالا عن ماله المنهوب، وكان ينفق على طلبة العلم، وكانت طريقته سنّية سنية، وله تصنيف في أصول الفقه يسمى «الإرشاد» وكان له ولد عالم في الأصول والفقه، يسمى عبد الله، تفقّه بأبيه، ومات قبله، وله ذرية

стр. 2365

بمشهده، أخيار أبرار، وابتلي بذهاب بصره، فأتي بقداح [١] فأنشد: وقالوا قد دهى عينيك سوء ... فلو عالجته بالقدح زالا فقلت الرّبّ مختبري بهذا ... فإن أصبر أنل منه النّوالا وإن أجزع حرمت الأجر منه ... وكان خصيصتي منه الوبالا وإني صابر راض شكور ... ولست مغيّرا ما قد أنالا صنيع مليكنا حسن جميل ... وليس لصنعه شيء مثالا وربّي غير متصف بحيف ... تعالى ربّنا عن ذا تعالى روي [٢] أنه لما قال هذه الأبيات أعاد الله عليه بصره. قاله ابن الأهدل. وفيها السلطان محمود بن السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السّلجوقي، الملقب مغيث الدّين. ولي بعد أبيه سنة اثنتي عشرة، وخطب له ببغداد وغيرها، ولعمه سنجر معا، وكان له معرفة بالشعر، والنحو، والتاريخ، وكان متوقدا ذكاء، قوي المعرفة بالعربية، حافظا للأشعار والأمثال، عارفا بالتواريخ والسّير، شديد الميل إلى أهل العلم والخير، وكان حيص بيص [٣] الشاعر قد قصده من العراق، ومدحه بقصيدته الدالية المشهورة، التي أولها: ألق الحدائج تلق [٤] الضّمّر القود ... طال السّرى وتشكّت وخدك البيد يا ساري الليل لا جدب ولا فرق ... فالنبت أغيد والسلطان محمود قيل تألفت الأضداد خيفته ... فالمورد الضنك فيه الشاء والسيّد وهي طويلة من غرر القصائد، وأجازه عليها جائزة سنية.

стр. 2366

وكانت السلطنة في آخر [١] أيامه قد ضعفت وقلّت أموالها، حتّى عجزوا عن إقامة وظيفة الفقاعي، فدفعوا له يوما بعض صناديق الخزانة حتّى باعها وصرف ثمنها في حاجته، وكان في آخر مدته قد دخل بغداد، ثم خرج منها [٢] فمرض في الطريق، واشتد به المرض، وتوفي يوم الخميس منتصف شوال بباب أصبهان، ودفن بها. وفيها أبو القاسم بن الحصين هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العبّاس بن الحسين الشيباني البغدادي، الكاتب الأزرق، مسند العراق. ولد في ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين، وسمع ابن غيلان، وابن المذهب، والحسن بن المقتدر، والتنوخي، وهو آخر من حدّث عنهم، وكان ديّنا صحيح السماع، توفي في رابع عشر شوال. وفيها يحيى بن المشرف بن علي أبو جعفر المصري التمّار. روى عن أبي العبّاس بن نفيس، وكان صالحا من أولاد المحدّثين. توفي في رمضان.

стр. 2367

سنة ست وعشرين وخمسمائة فيها كانت الوقعة بناحية الدّينور بين السلطان سنجر وبين ابني [١] أخيه سلجوق ومسعود. قال ابن الجوزي [٢] : كان مع سنجر مائة وسبعون ألفا، ومع مسعود ثلاثون ألفا، وبلغت القتلى أربعين ألفا، وقتلوا قتلة جاهلية على الملك لا على الدّين، وقتل قراجا [٣] أتابك سلجوق، وجاء مسعود لما رأى الغلبة إلى بين يدي سنجر فعفا عنه، وأعاده إلى كنجة، وقرر سلطنة بغداد لطغربك [٤] ورجع إلى خراسان. وفيها توفي الملك الأكمل أحمد بن الأفضل أمير الجيوش شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي المصري. سجن بعد قتل أبيه مدّة إلى أن قتل الآمر وأقيم الحافظ. فأخرجوا الأكمل وولي وزارة السيف والقلم، وكان شهما مهيبا عالي الهمّة كأبيه وجده، فحجر على الحافظ ومنعه من الظهور، وأخذ أكثر ما في القصر، وأهمل ناموس الخلافة العبيدية، لأنه كان سنّيا كأبيه،

стр. 2368

لكنه أظهر التمسّك بالإمام المنتظر [١] ، وأبطل من الأذان (حيّ على خير العمل) وأبطل [٢] قواعد القوم، فأبغضه الدعاة والقوّاد، وعملوا عليه. فركب للعب الكرة في المحرم، فوثبوا عليه، وطعنه مملوك الحافظ [بحربة] [٣] ، وأخرجوا الحافظ، ونزل إلى دار الأكمل، واستولى على خزائنه، واستوزر يانس مولاه، فهلك بعد عام. وفيها أبو العزّ بن كادش [٤] أحمد بن عبيد الله بن محمد السّلمي العكبري، في جمادى الأولى، عن تسعين سنة. وهو آخر من روى عن القاضي أبي الحسن الماوردي، وروى عن الجوهري، والعشاري، والقاضي أبي الطيب، وكان قد طلب الحديث بنفسه، وله فهم. قال عبد الوهاب الأنماطي: كان مخلّطا. وفيها تاج الملوك، بوري، صاحب دمشق وابن صاحبها طغتكين، مملوك تاج الدولة تتش السلجوقي، وكانت دولته أربع سنين، قفز عليه الباطنية فجرح وتعلّل أشهرا، ومات في رجب، وولي بعده ابنه شمس الملوك إسماعيل، وكان شجاعا مجاهدا جوادا كريما، سدّ مسدّ أبيه، وعاش ستا وأربعين سنة. وفيها عبد الله بن أبي جعفر المرسي العلّامة أبو محمد المالكي، انتهت إليه رئاسة المالكية، وتوفي في رمضان، وقد روى عن أبي حاتم بن محمد، وابن عبد البرّ، والكبار، وسمع بمكة «صحيح مسلم» من أبي عبد الله الطبري.

стр. 2369

وفيها عبد الكريم بن حمزة أبو محمد السّلمي الدمشقي الحداد، مسند الشام. روى عن أبي القاسم الحنّاني، والخطيب، وأبي الحسين بن مكّي، وكان ثقة توفي في ذي القعدة. وفيها القاضي أبو الحسين بن الفرّاء محمد بن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين البغدادي الحنبلي، وله أربع وسبعون سنة. سمع أباه، وعبد الصمد بن المأمون، وطبقتهما، وكان مفتيا مناظرا عارفا بالمذهب ودقائقه، صلبا في السّنّة، كثير الحطّ على الأشاعرة، استشهد ليلة عاشوراء، وأخذ ماله، وقتل قاتله، وألّف «طبقات الحنابلة» . قاله في «العبر» [١] . وقال ابن رجب [٢] : كان عارفا بالمذهب، متشددا في السنّة، وله تصانيف كثيرة في الفروع والأصول وغير ذلك، منها «المجموع في الفروع» ، «رؤوس المسائل» ، «المفردات في أصول الفقه» ، «التمام لكتاب الروايتين والوجهين» الذي لأبيه، «المفردات في أصول الفقه» ، «طبقات الأصحاب» ، «إيضاح الأدلة في الردّ على الفرق الضالة المضلة» ، «الرد على زائغي [٣] الاعتقادات في منعهم من سماع الآيات» ، «المفتاح في الفقه» . وغير ذلك. وقرأ عليه جماعة كثيرة، منهم عبد المغيث الحربي، وغيره. وحدّث عنه، وسمع منه خلق كثير من الأصحاب وغيرهم، منهم: ابن ناصر، ومعمر ابن الفاخر، وابن الخشّاب، وأبو الحسين البراندسي الفقيه، وابن المرحب البطائحي، وابن عساكر الحافظ، وغيرهم. وبالإجازة أبو موسى المديني، وابن كليب. وكان للقاضي أبي الحسين بيت في داره بباب المراتب يبيت فيه

стр. 2370

وحده، فعلم بعض من كان يخدمه ويتردد إليه بأن له مالا، فدخلوا عليه ليلا وأخذوا المال وقتلوه ليلة الجمعة-[ليلة] عاشوراء- ودفن عند أبيه بمقبرة باب حرب، وكان يوما مشهودا. وقدر الله ظهور قاتليه، فقتلوا كلهم. وفيها علي بن الحسن الدّواحي أبو الحسن [١] ، الواعظ، تفقّه على أبي الخطّاب الكلوذاني، وسمع منه الحديث، وتوفي ليلة الجمعة خامس شوال، ودفن بباب حرب.

стр. 2371

سنة سبع وعشرين وخمسمائة فيها توفي أبو غالب بن البناء أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله البغدادي الحنبلي، مسند العراق، وله اثنتان وثمانون سنة. توفي في صفر. سمع الجوهري وأبا يعلى بن الفرّاء، وطائفة، وله «مشيخة» مرويّة. وفيها أبو العبّاس بن الرّطبي أحمد بن سلامة بن عبد الله بن مخلد الكرخيّ، برع في مذهب الشافعي وغوامضه على الشيخين أبي إسحاق، وابن الصبّاغ، حتّى صار يضرب به المثل في الخلاف والمناظرة، ثم علّم أولاد الخليفة. قاله في «العبر» [١] . وفيها العلّامة مجد الدّين أبو الفتح، وأبو سعيد، أسعد بن أبي النصر ابن الفضل الميهنتيّ- بكسر الميم- وقيل بفتحها- ثم مثناة، ثم هاء مفتوحة، ثم نون مفتوحة، وفي آخره تاء التأنيث [٢] ، نسبة إلى ميهنة قرية بقرب طوس بين سرخس وأبيورد- صاحب «التعليقة» تفقّه بمرو، وشاع فضله، وبعد صيته، وولي نظامية بغداد مرتين، وخرج له عدة تلامذة، وكان يتوقد ذكاء، تفقّه على أبي المظفر السمعاني، والموفق الهروي، وكان يرجع إلى دين

стр. 2372

وخوف. ولد بميهنة، سنة إحدى وستين وأربعمائة، ورحل إلى غزنة- بغين معجمة من نواحي الهند- واشتهر بتلك النواحي، وشاع فضله، ثم ورد إلى بغداد، وانتفع الناس به وبطريقته الخلافية، ثم توجه من بغداد رسولا إلى همذان، فتوفي بها. وفيها الحافظ أبو نصر اليونارتي- بضم التحتية، ونون مفتوحة، وسكون الراء، وفوقية، نسبة إلى يونارت، قرية بأصبهان- الحسن بن محمد ابن إبراهيم الحافظ. سمع أبا بكر بن ماجة، وأبا بكر بن خلف الشيرازي، وطبقتهما، ورحل إلى هراة، وبلخ، وبغداد، وعني بهذا الشأن، وكان جيد المعرفة، متقنا. توفي في شوال، وقد جاوز الستين. وفيها ابن الزّاغوني أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن السّريّ [١]- كذا نسبه ابن شافع وابن الجوزي- الفقيه الحنبلي، شيخ الحنابلة، وواعظهم، وأحد أعيانهم. ولد في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وقرأ القرآن بالروايات، وطلب الحديث بنفسه، وقرأ وكتب بخطه، وسمع من أبي الغنائم ابن المأمون، وأبي جعفر بن المسلمة، وابن النّقور، وغيرهم، وقرأ الفقه على القاضي يعقوب البرزبيني [٢] . وقرأ الكثير من كتب اللغة [٣] ، والنحو، والفرائض، وكان متقنا في علوم شتى، من الأصول، والفروع، والوعظ، والحديث، وصنّف في ذلك كله.

стр. 2373

قال ابن الجوزي: كان له في كل فنّ من العلم حظ وافر، ووعظ مدة طويلة. قال [١] : وصحبته زمانا، فسمعت منه الحديث، وعلّقت عنه من الفقه والوعظ، وكانت له حلقة بجامع المنصور، يناظر فيها يوم الجمعة قبل الصلاة، ثم يعظ فيها بعد الصلاة، ويجلس يوم السبت أيضا. وذكر ابن ناصر أنه كان فقيه الوقت، وكان مشهورا بالصلاح، والدّيانة، والورع، والصيانة. وقال ابن السمعاني: ذكر بعض الناس ممن يوثق بهم، أنّه رأى في المنام ثلاثة، يقول واحد منهم: اخسف، وواحد يقول: أغرق، وواحد يقول: أطبق، يعني البلد، فأجاب بعضهم لا، لأن بالقرب منا ثلاثة: أبو الحسن ابن الزّاغوني، والثاني أحمد بن الطلاية، والثالث محمد بن فلان من الحربية. ولابن الزّاغوني تصانيف كثيرة، منها في الفقه «الإقناع» و «الواضح» و «الخلاف الكبير» و «المفردات» في مجلدين، وهي مائة مسألة وله «التخليص» في الفرائض، ومصنف في الدّور والوصايا، وله «الإيضاح» في أصول الدّين مجلد، و «غرر البيان في أصول الفقه» مجلدات عدة، وله ديوان خطب [أنشأها] [٢] ، ومجالس في الوعظ، وله «تاريخ» على السنين [من أول ولاية المسترشد إلى حين وفاته هو] [٢] ومناسك الحج، وفتاوى، ومسائل في القرآن، وغير ذلك. قال الحافظ ابن رجب: كان ثقة، صحيح السماع، صدوقا، حدّث بالكثير، وروى عنه ابن ناصر، وابن عساكر، وابن الجوزي، وابن طبرزد، وغيرهم، وتفقّه عليه جماعة، منهم صدقة بن الحسين، وابن الجوزي،

стр. 2374

وتوفي يوم الأحد سادس عشر المحرم، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، وكان له جمع عظيم يفوت الإحصاء. انتهى ملخصا. وفيها محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عبيد الله الشيباني المزرفي [١] ، المقرئ الفرضي، أبو بكر. ولد في سلخ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وقرأ القرآن بالروايات على جماعة من أصحاب الحمامي، منهم أبو بكر بن موسى الخيّاط، وسمع من ابن المسلمة وخلائق. ذكر ابن ناصر أنه كان مقرئ زمانه، قرأ القراءات [٢] عليه جماعة، منهم: أبو موسى المديني الحافظ، وعلي بن عساكر، وغيرهما. وحدّث عنه ابن ناصر، وابن عساكر، وابن الجوزي [وغيرهم. قال ابن الجوزي] [٣] : كان ثقة عالما ثبتا، حسن العقيدة، حنبليا، توفي يوم السبت مستهل السنة فجأة، وقيل: إنه توفي في سجوده، ودفن بباب حرب. والمزرفي: [نسبة إلى المزرفة] [٣] بين بغداد وعكبرا، وهي بتقديم الزاي على الراء، وبالقاف، ولم يكن منها إنما نقل أبوه إليها أيام الفتنة فأقام بها مدة. وفيها محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف بن الفرّاء [٤] ، الفقيه الحنبلي الزاهد، أبو خازم، ابن القاضي الإمام أبي يعلى، وأخو القاضي أبي الحسين.

стр. 2375

ولد في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وسمع الحديث من ابن المسلمة، وابن المأمون، وغيرهما. وذكر ابن نقطة أنّه حدّث عن أبيه وما أظنه إلّا بالإجازة، فإنه ولد قبل موت والده بسنة. وذكر أخوه أن والده أجاز له ولأخيه. وقرأ محمد هذا الفقه على القاضي يعقوب. ولازمه، وعلّق عنه، وبرع في معرفة المذهب، والخلاف، والأصول، وصنّف تصانيف مفيدة، وله كتاب «التبصرة» في الخلاف، وكتاب «رؤوس المسائل» و «شرح مختصر الخرقي» وغير ذلك. وكان من الفقهاء الزاهدين، والأخيار الصالحين. وحدّث وسمع منه جماعة، منهم ابناه [١] وأبو المعمر الأنصاري، ويحيى بن بوش [٢] ، وتوفي يوم الاثنين تاسع عشري صفر، ودفن بداره بباب الأزج، ونقل في سنة أربع وثلاثين إلى مقبرة الإمام أحمد فدفن عند أبيه. وأبو خازم: بالخاء والزاي المعجمتين. وفيها محمد بن أحمد بن صاعد أبو سعيد النيسابوري الصّاعدي، وله ثلاث وثمانون سنة. وكان رئيس نيسابور، وقاضيها، وعالمها، وصدرها. روى عن أبي الحسين بن عبد الغافر، وابن مسرور.

стр. 2376

سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فيها توفي أبو الوفاء أحمد بن علي الشيرازي الزاهد الكبير، صاحب الرباط [١] ، والأصحاب، والمريدين ببغداد، وكان يحضر السماع. وفيها أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز بن أبي الصّلت الدّاني الأندلسي، صاحب الفلسفة، وكان ماهرا في علوم الأوائل الطبيعي، والرياضي، والإلهي، كثير التصانيف، بديع النظم، عاش ثماني وستين سنة، وكان رأسا في معرفة الهيئة، والنجوم، والموسيقا. تنقل في البلاد ومات غريبا، وذكره العماد الكاتب في «الخريدة» وأثنى عليه، وذكر شيئا من نظمه، ومن جملة ما ذكر قوله [٢] : وقائلة ما بال مثلك خاملا ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز فقلت لها ذنبي إلى القوم أنّني ... لما لم يحوزوه من المجد حائز وما فاتني شيء سوى الحظّ وحده ... وأمّا المعالي فهي عندي غرائز وله أيضا [٣] :

стр. 2377

جدّ بقلبي وعبث ... ثمّ مضى وما اكترث وا حربا [١] من شادن ... في عقد الصّبر نفث يقتل من شاء بعيني ... هـ ومن شاء بعث فأيّ ودّ لم يخن ... وأيّ عهد ما نكث وله أيضا [٢] : دبّ العذار بخدّه ثم انثنى ... عن لثم مبسمه البرود الأشنب لا غرو إن خشي الردى في لثمه ... فالرّيق سمّ قاتل للعقرب ومن شعره أيضا [٣] : ومهفهف تركت [٤] محاسن وجهه ... ما مجّه في الكأس من إبريقه ففعالها من مقلتيه ولونها ... من وجنتيه وطعمها من ريقه وأورد له أيضا في كتاب «الخريدة» [٥] : عجبت من طرفك في ضعفه ... كيف يصيد البطل الأصيدا يفعل فينا وهو في غمده ... ما يفعل السيف إذا جرّدا وشعره كثير وجيد، وآخر شعر قاله أبيات أوصى أن تكتب على قبره وهي [٥] : سكنتك يا دار الفناء مصدّقا ... بأني إلى دار البقاء أصير وأعظم ما في الأمر أنّي صائر ... إلى عادل في الحكم ليس يجور فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير

стр. 2378

فإن أك مجزيّا بذنبي فإنني ... بشرّ عقاب المذنبين جدير وإن يك عفو منه عني ورحمة ... فثمّ نعيم دائم وسرور ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز: عبد العزيز خليفتي ... ربّ السماء عليك بعدي أنا قد عهدت إليك ما ... تدريه فاحفظ فيه عهدي فلئن عملت به فإن ... ك لا تزال حليف رشد ولئن نكثت لقد ضلل ... ت وقد نصحتك حسب جهدي وقال ابن خلّكان [١] : وجدت في مجموع لبعض المغاربة، أن أبا الصّلت المذكور مولده في دانية مدينة من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة، وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس كأبي الوليد الوقّشي قاضي دانية وغيره، وقدم الإسكندرية مع أمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ونفاه الأفضل شاهنشاه [٢] من مصر سنة خمس وخمسمائة، وتردّد بالإسكندرية إلى أن سافر سنة ست وخمسمائة، فحلّ بالمهدية، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس، منزلة جليلة، وولد له بها ولد سمّاه عبد العزيز، وكان شاعرا ماهرا، له في الشطرنج يد بيضاء. وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست وأربعين وخمسمائة. وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة «العمل بالأسطرلاب» وكتاب «الوجيز» في علم الهيئة، وكتاب «الأدوية المفردة» وكتابا في المنطق سماه «تقويم الأذهان» [٣] وغير ذلك. ولما [٤] صنّف «الوجيز» للأفضل عرضه

стр. 2379

على منجمه أبي عبد الله الحلبي، فلما وقف عليه قال له: هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدئ، ويستغني عنه المنتهي. وله من أبيات: كيف لا تبلى غلائله ... وهو بدر وهي كتّان انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا. وفيها أبو علي الفارقي، الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون، شيخ الشافعية. ولد بميّافارقين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتفقّه على محمد بن بيان [١] الكازروني، ثم ارتحل إلى الشيخ أبي إسحاق وحفظ عليه «المهذب» وتفقّه على ابن الصباغ، وحفظ عليه «الشامل» . وكان ورعا زاهدا صاحب حقّ، مجوّدا لحفظ الكتابين، يكرر عليهما. وقد سمع من أبي جعفر بن المسلمة وجماعة، وولي قضاء واسط مدّة. وبها توفي في المحرم عن خمس وتسعين سنة، وعليه تفقّه القاضي أبو سعد بن أبي عصرون. وفيها عبد الله بن المبارك، ويعرف بعسكر بن الحسن العكبري، المقرئ الفقيه، أبو محمد، ويعرف بابن نبال [٢] الحنبلي. سمع من أبي نصر الزّينبي، وأبي الحسين العاصمي، وغيرهما، وتفقّه على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي سعد البرداني، وكان يصحب شافعا الجيلي [٣] ، فأشار عليه

стр. 2380

بشراء كتب ابن عقيل، فباع ملكا له واشترى بثمنه كتاب «الفنون» وكتاب «الفصول» ووقفهما [١] على المسلمين. وكان خيّرا من أهل السّنّة، وحدّث. وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشري جمادى الأولى عن نيف وسبعين سنة. ودفن بمقبرة الإمام أحمد. وفيها عبد الواحد بن شنيف بن محمد بن عبد الواحد الدّيلمي البغدادي، الفقيه الحنبلي، أبو الفرج، أحد أكابر الفقهاء. تفقّه على أبي علي البرداني، وبرع، وكان مناظرا مجوّدا وأمينا من قبل القضاة، ويباشر بعض الولايات، وله دنيا واسعة. وكان ذا فطنة، وشجاعة، وقوة قلب، وعفة، ونزاهة، وأمانة. قال ابن النجار [٢] : كان مشهورا بالديانة وحسن الطريقة، ولم تكن له رواية في الحديث. توفي- رحمه الله تعالى- ليلة السبت حادي عشري شعبان، وصلى عليه الشيخ عبد القادر، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، ﵁. وفيها أبو الحسن علي بن أبي القاسم بن أبي زرعة الطبري، المقرئ المحدّث، الفقيه الحنبلي الزاهد، من أهل آمل طبرستان. ذكره ابن السمعاني فقال: شيخ صالح خيّر ديّن كثير العبادة والذكر، مستعمل السنن [٣] مبالغ فيها جهده. وكان مشهورا بالزهد والديانة، رحل بنفسه في طلب الحديث إلى أصبهان، وسمع بها جماعة من أصحاب أبي نعيم الحافظ، كأبي سعد المطرّز [٤] ، وأبي علي الحداد، وغيرهما. وسمع.

стр. 2381

ببلده آمل من أبي المحاسن الرّوياني الفقيه، وأبي بكر بن الخطّاب، وتوفي بالعسيلة [١] بعد فراغه من الحج، والعمرة، والزيارة، في المحرم ودفن بها. انتهى. وفيها أبو القاسم هبة الله بن أحمد الواسطي الشّروطي. روى عن الخطيب وابن المسلمة، وتوفي في ذي الحجة.

стр. 2382

سنة تسع وعشرين وخمسمائة فيها هجم على سرادق المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن محمد بن القائم الهاشمي العبّاسي، سبعة عشر من الباطنية فقتلوه وقتلوا بظاهر مراغة، وكانت ولادته في ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان ذا همة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام، ورأي، وهيبة شديدة. ضبط الأمور- أي أمور الخلافة- ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا رميمها، ونشر عظامها، وشيّد أركان الشريعة، وطرّز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدة نوب إلى الحلّة، والموصل، وطريق خراسان، إلى أن خرج النّوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان، وأخذ أسيرا إلى أذربيجان في هذه السنة. وكان قد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان، وعبد الوهاب بن هبة الله السبتي. وروى عنه محمد بن عمر بن مكّي الأهوازي، ووزيره علي ابن طراد، وإسماعيل بن طاهر الموصلي. وذكره ابن الصلاح في «طبقات الشافعية» وناهيك بذلك، فإنه قال: هو الذي صنّف له أبو بكر الشاشي كتابه «العمدة» في الفقه، وبلقبه اشتهر الكتاب، فإنه كان حينئذ يلقب عمدة الدّنيا والدّين.

стр. 2383

وذكره ابن السبكي في «طبقات الشافعية» [١] فقال: كان في أول أمره تنسّك، ولبس الصوف، وانفرد في بيت للعبادة، وكان مولده يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة، وخطب له أبوه بولاية العهد، ونقش اسمه على السكّة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين، وكان مليح الخط، ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله، يستدرك على كتّابه ويصلح أغاليط في كتبهم. وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه، فأمر أشهر من الشمس. ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك، إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق، فكسر [٢] وأخذ، ورزق الشهادة. وقال الذهبي: مات السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة خمس وعشرين، فأقيم ابنه داود مكانه، فخرج عليه عمه مسعود بن محمد، فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما، ولكلّ مملكة، وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود، وخلع عليهما، ثم وقعت بين الخليفة ومسعود، وحشة [٣] فخرج لقتاله، فالتقى الجمعان، وغدر بالخليفة أكثر عسكره، فظفر به مسعود، وأسر الخليفة وخواصّه، فحبسهم بقلعة بقرب همذان، فبلغ أهل بغداد ذلك، فحثوا في الأسواق على رؤوسهم التراب، وبكوا وضجوا، وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصلاة والخطبة. قال ابن الجوزي: وزلزلت بغداد مرارا كثيرة، ودامت كل يوم خمس مرّات أو ست مرات، والناس يستغيثون، فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدّنيا والدّين على هذا المكتوب، يدخل على أمير المؤمنين، ويقبّل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصفح،

стр. 2384

ويتنصل غاية التنصل، فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة: من العواصف، والبروق، والزلازل، ودوام [١] ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر، وانقلاب البلدان. ولقد خفت على نفسي من جانب الله، وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلوات في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله، فالله الله، تتلافى [٢] أمرك وتعيد أمير المؤمنين إلى مقرّ [٣] عزّة، وتحمل الغاشية [٤] بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، ففعل مسعود جميع ما أمر به، وقبّل الأرض بين يدي الخليفة، ووقف يسأل العفو. ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه عسكر يستحثّ مسعود على إعادة الخليفة إلى مقرّ عزّة، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر أن مسعودا ما علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسّهم، فهجموا على الخليفة في مخيّمه [٥] ففتكوا به، وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلّا وقد فرغوا من شغلهم، فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله، وجلس السلطان للعزاء، وأظهر المساءة بذلك، ووقع النحيب والبكاء، وجاء الخبر إلى بغداد، فاشتد ذلك على الناس، وخرجوا حفاة مخرّقين الثياب، والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي، لأن المسترشد كان محببا فيهم [ببرّه] ، ولما فيه [٦] من الشجاعة والعدل والرّفق بهم.

стр. 2385

وقتل المسترشد بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة. وقال الذهبي: وقد خطب المسترشد [١] بالناس يوم عيد أضحى، فقال: الله أكبر ما سحّت [٢] الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء، الله أكبر ما همع [٣] سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسرّ قادما إياب. وذكر خطبة بليغة ثم جلس، ثم قام فخطب وقال: اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما ولّيتني وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني وانصرني، فلما فرغ منها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي فأنشده: عليك سلام الله يا خير من علا ... على منبر قد حفّ أعلامه النّصر وأفضل من أمّ الأنام وعمّهم ... بسيرته الحسنى وكان له الأمر وهي طويلة. وبالجملة فإنه كان من حسنات الخلفاء، رحمه الله تعالى. وفيها، أو في التي قبلها، الحسن بن أحمد بن جكّينا [٤] ، الشاعر المشهور. قال العماد الكاتب: أجمع أهل بغداد على أنه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة طبعه، وكان يلقب بالبرغوث ومن شعره: لافتضاحي في عوارضه ... سبب والنّاس لوّام كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمّام وله أيضا:
следующие страницы →