ببلده آمل من أبي المحاسن الرّوياني الفقيه، وأبي بكر بن الخطّاب، وتوفي بالعسيلة [١] بعد فراغه من الحج، والعمرة، والزيارة، في المحرم ودفن بها.
انتهى.
وفيها أبو القاسم هبة الله بن أحمد الواسطي الشّروطي. روى عن الخطيب وابن المسلمة، وتوفي في ذي الحجة.
стр. 2382
سنة تسع وعشرين وخمسمائة
فيها هجم على سرادق المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن محمد بن القائم الهاشمي العبّاسي، سبعة عشر من الباطنية فقتلوه وقتلوا بظاهر مراغة، وكانت ولادته في ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وكان ذا همة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام، ورأي، وهيبة شديدة. ضبط الأمور- أي أمور الخلافة- ورتبها أحسن ترتيب، وأحيا رميمها، ونشر عظامها، وشيّد أركان الشريعة، وطرّز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدة نوب إلى الحلّة، والموصل، وطريق خراسان، إلى أن خرج النّوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان، وأخذ أسيرا إلى أذربيجان في هذه السنة.
وكان قد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان، وعبد الوهاب بن هبة الله السبتي. وروى عنه محمد بن عمر بن مكّي الأهوازي، ووزيره علي ابن طراد، وإسماعيل بن طاهر الموصلي.
وذكره ابن الصلاح في «طبقات الشافعية» وناهيك بذلك، فإنه قال: هو الذي صنّف له أبو بكر الشاشي كتابه «العمدة» في الفقه، وبلقبه اشتهر الكتاب، فإنه كان حينئذ يلقب عمدة الدّنيا والدّين.
стр. 2383
وذكره ابن السبكي في «طبقات الشافعية» [١] فقال: كان في أول أمره تنسّك، ولبس الصوف، وانفرد في بيت للعبادة، وكان مولده يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة، وخطب له أبوه بولاية العهد، ونقش اسمه على السكّة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين، وكان مليح الخط، ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله، يستدرك على كتّابه ويصلح أغاليط في كتبهم. وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه، فأمر أشهر من الشمس. ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك، إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق، فكسر [٢] وأخذ، ورزق الشهادة.
وقال الذهبي: مات السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة خمس وعشرين، فأقيم ابنه داود مكانه، فخرج عليه عمه مسعود بن محمد، فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما، ولكلّ مملكة، وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود، وخلع عليهما، ثم وقعت بين الخليفة ومسعود، وحشة [٣] فخرج لقتاله، فالتقى الجمعان، وغدر بالخليفة أكثر عسكره، فظفر به مسعود، وأسر الخليفة وخواصّه، فحبسهم بقلعة بقرب همذان، فبلغ أهل بغداد ذلك، فحثوا في الأسواق على رؤوسهم التراب، وبكوا وضجوا، وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصلاة والخطبة.
قال ابن الجوزي: وزلزلت بغداد مرارا كثيرة، ودامت كل يوم خمس مرّات أو ست مرات، والناس يستغيثون، فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدّنيا والدّين على هذا المكتوب، يدخل على أمير المؤمنين، ويقبّل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصفح،
стр. 2384
ويتنصل غاية التنصل، فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة: من العواصف، والبروق، والزلازل، ودوام [١] ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر، وانقلاب البلدان.
ولقد خفت على نفسي من جانب الله، وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلوات في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله، فالله الله، تتلافى [٢] أمرك وتعيد أمير المؤمنين إلى مقرّ [٣] عزّة، وتحمل الغاشية [٤] بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، ففعل مسعود جميع ما أمر به، وقبّل الأرض بين يدي الخليفة، ووقف يسأل العفو.
ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه عسكر يستحثّ مسعود على إعادة الخليفة إلى مقرّ عزّة، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر أن مسعودا ما علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسّهم، فهجموا على الخليفة في مخيّمه [٥] ففتكوا به، وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فما شعر بهم العسكر إلّا وقد فرغوا من شغلهم، فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله، وجلس السلطان للعزاء، وأظهر المساءة بذلك، ووقع النحيب والبكاء، وجاء الخبر إلى بغداد، فاشتد ذلك على الناس، وخرجوا حفاة مخرّقين الثياب، والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي، لأن المسترشد كان محببا فيهم [ببرّه] ، ولما فيه [٦] من الشجاعة والعدل والرّفق بهم.
стр. 2385
وقتل المسترشد بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة.
وقال الذهبي: وقد خطب المسترشد [١] بالناس يوم عيد أضحى، فقال:
الله أكبر ما سحّت [٢] الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء، الله أكبر ما همع [٣] سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسرّ قادما إياب. وذكر خطبة بليغة ثم جلس، ثم قام فخطب وقال: اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما ولّيتني وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني وانصرني، فلما فرغ منها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي فأنشده:
عليك سلام الله يا خير من علا ... على منبر قد حفّ أعلامه النّصر
وأفضل من أمّ الأنام وعمّهم ... بسيرته الحسنى وكان له الأمر
وهي طويلة.
وبالجملة فإنه كان من حسنات الخلفاء، رحمه الله تعالى.
وفيها، أو في التي قبلها، الحسن بن أحمد بن جكّينا [٤] ، الشاعر المشهور.
قال العماد الكاتب: أجمع أهل بغداد على أنه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة طبعه، وكان يلقب بالبرغوث ومن شعره:
لافتضاحي في عوارضه ... سبب والنّاس لوّام
كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمّام
وله أيضا:
стр. 2386
لمّا بدا خطّ العذا ... ريزين عارضه [١] بمشق
وظننت أنّ سواده ... فوق البياض كتاب عتقي [٢]
فإذا به من سوء حظ ... ي عهدة كتبت برقّي
وفيها- أو في التي قبلها- علي بن عطية اللّخمي البلنسي، الشاعر المشهور، عرف بابن الزقّاق. كان شاعرا مفلقا حسن السبك رشيق العبارة.
ومن شعره قوله في غلام أصابته جراحة في وجنته:
وما شق وجنته عابثا ... ولكنها آية للبشر
جلاها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر
وفيها- أو في التي قبلها، وبه جزم ابن خلّكان وابن شهبة [٣]- محمد ابن عبد الله بن أحمد أبو نصر الأرغياني- بالفتح، فالسكون، فكسر المعجمة، وفتح التحتية، نسبة إلى أرغيان، من نواحي نيسابور- الشافعي صاحب «الفتاوى» المعروفة، وهي في مجلدين ضخمين، يعبر عنها تارة ب «فتاوى الأرغياني» وتارة ب «فتاوى إمام الحرمين» لأنها أحكام مجرّدة، أخذها مصنّفها من «النهاية» . قرأ على إمام الحرمين. وسمع من أبي الحسن الواحدي المفسر، وروى عنه في تفسير قوله تعالى: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ١٢: ٩٤ [يوسف: ٩٤] فقال: إن ريح الصبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوب ﵇ بريح يوسف ﵇، قبل أن يأتيه البشير بالقميص، فأذن لها فأتته بذلك، فلذلك يتروح كل محزون بريح الصبا، وهي من ناحية المشرق إذا هبّت على الأبدان نعمتها ولينتها، وهيّجت الأشواق إلى الأوطان والأحباب. انتهى.
стр. 2387
قال ابن السمعاني: ولد المذكور بأرغيان سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وقدم نيسابور، وتفقّه على إمام الحرمين، وبرع في الفقه، وكان إماما متنسكا، كثير العبادة، حسن السيرة، مشتغلا بنفسه، توفي في ذي القعدة بنيسابور وله شعر.
وفيها طراد السّلمي السّنبسي البلنسي، عرف بزربول الأدب، وفيه يقول بعضهم، وقد أرسل معه كتاب جراب الدولة لصديق له يداعبه:
وما يهدى مع الزّربول يوما ... إلى خلّ بأظرف من جراب
ومن شعره هو:
بادروا بالفرار من مقلتيه ... قبل أن تخسروا النّفوس عليه
واعلموا أنّ للغرام ديونا ... ما لها الدّهر منقذ من يديه
وفيها شمس الملوك، أبو الفتح إسماعيل بن تاج الملوك بوري بن طغتكين، ولي دمشق بعد أبيه، وكان وافر الحرمة، موصوفا بالشجاعة، كثير الإغارة على الفرنج. أخذ منهم عدة حصون، وحاصر أخاه ببعلبك مدّة، لكنه كان ظالما مصادرا، جبّارا [مسودنا] . رتّبت أمّه زمرّد خاتون من وثب عليه من قلعة دمشق في ربيع الأول، وكانت دولته نحو ثلاث سنين، وترتّب بعده في الملك أخوه محمود، وصار أتابكه معين الدّين أنر الطّغتكيني، فبقي أربع سنين وقتله غلمانه. قاله في «العبر» [١] .
وفيها الحسن بن الحافظ لدّين الله عبد المجيد العبيدي المصري، ولي عهد أبيه ووزيره، ولي ثلاثة أعوام، فظلم، وغشم، وفتك، حتّى إنه قتل في ليلة أربعين أميرا، فخافه أبوه، وجهز لحربه جماعة، فالتقاهم واختبطت مصر، ثم دسّ عليه أبوه من سقاه سمّا فهلك.
стр. 2388
وفيها دبيس بن صدقة ملك العرب نور الدولة أبو الأعزّ [١] ولد الأمير سيف الدولة الأسدي، صاحب الحلّة. كان فارسا، شجاعا، مقداما، جوادا، ممدحا، أديبا، كثير الحروب والفتن، خرج على المسترشد بالله غير مرة، ودخل خراسان، والشام، والجزيرة، واستولى على كثير من العراق، وكان مسعّر حرب وجمرة بلاء. قتله السلطان مسعود بمراغة في ذي الحجة، وأظهر أنه قتله أخذا بثأر المسترشد، فلله الحمد على قتله.
وله نظم حسن منه:
تمتّع بأيام السّرور فإنما ... عذار الأماني بالهموم يشيب
ونسب العماد الكاتب في «الخريدة» إليه الأبيات اللّامية التي من جملتها:
أسلمه حبّ سليمانكم ... إلى هوى أيسره القتل
وفيها ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني أبو المنصور الجذامي الإسكندري، المعروف بالحداد، الشاعر المشهور.
كان من الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر أكثره [٢] جيد، ومدح جماعة من المصريين، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السّلفي وغيره من الأعيان، ومن مشهور شعره قوله:
لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما سحّ وابل دمعه ورذاذه
ما زال جيش الحبّ يغزو قلبه ... حتّى وهي وتقطّعت أفلاذه
لم يبق فيه مع الغرام بقيّة ... إلّا رسيس يحتويه جذاذه
من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبدا من الحدق المراض عياذه
стр. 2389
لا تخدعنّك بالفتور فإنّه ... نظر يضرّ بقلبك استلذاذه
يا أيها الرّشأ الذي من طرفه ... سهم إلى حبّ القلوب نفاذه
درّ يلوح بفيك من نظّامه؟ ... خمر يجول عليه من نبّاذه
وقناة ذاك القدّ كيف تقوّمت؟ ... وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه؟
رفقا بجسمك لا يذوب فإنني ... أخشى بأن يجفو عليه لاذه
هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الإمام فمن ترى أستاذه؟
تالله ما علقت محاسنك امرأ ... إلّا وعزّ على الورى استنقاذه
أغريت حبّك بالقلوب فأذعنت ... طوعا وقد أودى بها استحواذه
ما لي أتيت الحظّ من أبوابه ... جهدي فدام نفوره ولواذه
إيّاك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله وغنيّه شحّاذه
ذالّية ابن دريد استهوى بها ... قوما [١] غداة نبت به بغداذه
دانوا [٢] لزخرف قوله فتفرّقت ... طمعا بهم صرعاه أو جذّاذه
من قدّر الرزق السنيّ لك آنما [٣] ... قد كان ليس يضرّه إنفاذه
وهذه القصيدة من غرر القصائد.
ومن شعره:
رحلوا فلولا أنّني ... أرجو الإياب قضيت نحبي
والله ما فارقتهم ... لكنني فارقت قلبي
وذكره علي بن ظافر بن أبي المنصور في كتابه «بدائع البدائه» وأثنى
стр. 2390
عليه، وأورد فيه عن القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسين الآمدي النائب.
كان في الحكم بثغر الإسكندرية، قال: دخلت على الأمير السعيد بن ظفر أيام ولايته الثغر، فوجدته يقطر دهنا على خنصره، فسألته عن سببه، فذكر ضيق خاتمه عليه، وأنّه ورم بسببه، فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر به، فقال: اختر من يصلح لذلك، فاستدعيت أبا المنصور ظافر الحداد فقطع الحلقة وأنشد بديها:
قصّر عن أوصافك العالم ... وكثّر [١] الناثر والناظم
من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصره الخاتم
فاستحسنه الأمير ووهب له الحلقة، وكانت من ذهب. وكان بين يدي الأمير غزال مستأنس، وقد ربض وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر بديها:
عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمر تخطّى له واعتمد
وأعجب به إذ بدا جاثما ... وكيف اطمأن وأنت الأسد
فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان، وتأمل ظافر شيئا على باب المجلس يمنع الطير من دخولها فقال:
رأيت ببابك هذا المنيف ... شباكا فأدركني بعض شكّ
وفكرت [٢] فيما رأى خاطري ... فقلت البحار مكان الشبك
ثم انصرف وتركنا متعجبين من حسن بديهته، رحمه الله تعالى.
وكانت وفاته بمصر في المحرم. قاله ابن خلّكان [٣] .
стр. 2391
وفيها ثابت بن منصور بن المبارك الكيلي [١] المقرئ المحدّث الحنبلي أبو العزّ.
سمع من أبي محمد التميمي، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وغيرهما.
وعني بالحديث، وسمع الكثير، وكتب الكثير، وخرّج تخاريج لنفسه عن شيوخه في فنون، وحدّث وسمع منه جماعة، وروى عنه السّلفي، والمبارك ابن أحمد، وابن الجوزي، وغيرهم.
وقال أبو الفرج: كان ديّنا ثقة صحيح الإسناد، ووقف كتبه قبل موته.
وقال السّلفيّ عنه: فقيه مذهب أحمد. كتب كثيرا، وسمع معنا وقبلنا على شيوخ، وكان ثقة وعر الأخلاق.
وتوفي يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة.
قال ابن رجب: قيل توفي سنة ثمان وعشرين، ورأيت جماعة من المحدّثين وغيرهم نعتوه في طباق السماع بالإمام الحافظ، ﵀.
وهو منسوب إلى كيل [٢] قرية على شاطئ دجلة على مسيرة يوم من بغداد مما يلي طريق واسط ويقال لها جيل أيضا. انتهى.
ومنها [٣] الشيخ عبد القادر [٤] .
وفيها أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد الفارسي، الحافظ الأديب، صاحب «تاريخ نيسابور» ومصنّف «مجمع الغرائب» ومصنّف «المفهم في شرح مسلم» كان إماما في الحديث، واللغة،
стр. 2392
والأدب، والبلاغة، فقيها شافعيا، أكثر الأسفار، وحدّث عن جدّه لأمه أبي القاسم القشيري وطبقته، وأجاز له أبو محمد الجوهري وآخرون.
وتفقّه بإمام الحرمين، لازمه أربع سنين، وأخذ عنه الخلاف والفقه، ورحل فأكثر الأسفار، ولقي العلماء، ثم رجع إلى نيسابور، وولي خطابتها، وأخذ التفسير والأصول عن خالية أبي سعيد عبد الله، وأبي سعيد عبد الواحد، ابني أبي القاسم القشيري، ومات بنيسابور عن ثمان وسبعين سنة.
وفيها قاضي الجماعة أبو عبد الله بن الحاج التّجيبي القرطبي [١] المالكي، محمد بن أحمد بن خلف. روى عن أبي علي الغسّاني وطائفة، وكان من جلّة العلماء وكبارهم، متبحرا في العلوم والآداب، ولم يكن أحد في زمانه أطلب للعلم منه، مع الدّين، والخشوع، قتل ظلما بجامع قرطبة في صلاة الجمعة، عن إحدى وسبعين سنة.
стр. 2393
سنة ثلاثين وخمسمائة
فيها كبس عسكر حلب بلاد الفرنج بالساحل، فأسروا، وسبوا، وغنموا، وشرع أمر الفرنج يتضعضع.
وفيها حصل بين السلطان مسعود وبين الخليفة الراشد بالله خلف، وجمعت العساكر من الفريقين، وذهب الخليفة إلى الموصل، ودخل السلطان مسعود بغداد، واحتوى على دار الخلافة [١] ، واستدعى الفقهاء، وأخرج خطّ والد الخليفة المسترشد أنّه من خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة، فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه، فخلعه في [٢] يوم الاثنين، سادس عشر ذي القعدة بحكم الحاكم، وفتيا الفقهاء، واستدعى بعمه المقتفي بن المستظهر بالله، فبويع له بالخلافة.
قال ابن الجوزي في «الشذور» : وقد ذكر الصولي شيئا فتأملته، فإذا هو عجيب. قال الناس: إن كل سادس يقوم بأمر النّاس منذ أول الإسلام لا بد أن يخلع، فاعتبرت أنا هذا فوجدته كذلك، انعقد الأمر لنبينا محمد- ﷺ ثم قام أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن، وخلع، ثم معاوية، ويزيد ابن معاوية، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك، وابن الزّبير، فخلع وقتل. ثم لم ينتظم لبني أميّة أمر، فولي السفّاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، فخلع وقتل، ثم المأمون، والمعتصم، والواثق،
стр. 2394
والمتوكل، والمنتصر، والمستعين، فخلع وقتل، ثم المعتز، ثم المقتدي، ثم المعتمد، ثم المعتضد، ثم المكتفي، ثم المقتدر، فخلع، ثم ردّ ثم قتل، ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع. فخلع، ثم القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، والراشد، فخلع، ثم ولي المقتفي.
وفيها توفي أبو منصور البأآر- كالقفّال- نسبة إلى عمل البئر- إبراهيم ابن الفضل الأصبهاني الحافظ. روى عن أبي الحسين بن النّقور وخلق.
قال ابن السمعاني: رحل وسمع، وما أظن أحدا بعد ابن طاهر المقدسي رحل وطوّف مثله، أو جمع الأبواب كجمعه، إلّا أن البأآر لحقه الإدبار [١] في آخر الأمر، فكان يقف في سوق أصبهان ويروي من حفظه بسنده، وسمعت أنه يضع في الحال.
وقال لي إسماعيل بن محمد الحافظ: أشكر الله كيف ما لحقته.
وأما ابن طاهر المقدسي فجرب عليه الكذب مرّات. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها سلطان بن يحيى بن علي بن عبد العزيز زين القضاة أبو المكارم القرشي الدمشقي. روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء وجماعة وناب في القضاء عن أبيه ووعظ وأفتى.
وفيها علي بن أحمد بن منصور بن قيس الغسّاني أبو الحسن المالكي، النحوي الزاهد، شيخ دمشق ومحدّثها. روى عن أبي القاسم السميساطي، وأبي بكر الخطيب، وعدة.
قال السّلفي: لم يكن في وقته مثله بدمشق، كان زاهدا عابدا، ثقة.
стр. 2395
وقال ابن عساكر: كان متحرّزا، متيقظا، منقطعا في بيته بدرب النقاشة [١] أو ببيته الذي في المنارة الشرقية بالجامع، مفتيا يقرئ الفرائض والنحو.
وفيها أبو سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه الأصبهاني المزكّي.
راوي «مسند البرقاني» عن أبي الفضل الرازي، توفي في ذي القعدة.
وفيها أبو عبد الله محمد بن حمّويه الجويني الزاهد، شيخ الصوفية بخراسان. له مصنّف في التصوف، وكان زاهدا، عارفا، قدوة، بعيد الصيت. روى عن موسى بن عمران الأنصاري وجماعة، وعاش اثنتين وثمانين سنة، وهو جدّ بني حمّويه.
قال السخاوي: دفن في داره ببحيراباذا، إحدى قرى جوين، وقرأ الفقه والأصول على إمام الحرمين، ثم انجذب إلى الزهد وحجّ مرّات، وكان مستجاب الدعاء، وصنّف كتاب «لطائف الأذهان في تفسير القرآن» و «سلوة الطالبين في سيرة سيد المرسلين» ﷺ » وكتابا في علم الصوفية، وغير ذلك.
ولد سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وأخذ طريقة التصوف عن أبي الفضل علي بن محمد الفارمذي عن أبي القاسم الطّوسي عن أبي عثمان سعيد بن سلام المغربي عن الزجاجي، عن الجنيد. انتهى.
وفيها أبو بكر محمد بن علي بن أبي ذرّ [٢] الصالحاني، مسند
стр. 2396
أصبهان في زمانه، وآخر من حدّث عن أبي طاهر بن عبد الرحيم الكاتب.
كان صالحا صحيح السماع، توفي في جمادى الآخرة عن اثنتين وتسعين سنة، وآخر أصحابه عين الشمس. قاله في «العبر» [١] .
وفيها [أبو] عبد الله الفراوي- بضم الفاء، نسبة إلى فراوة بلد قرب خوارزم- محمد بن الفضل بن أحمد الصّاعدي النيسابوري، راوي «صحيح مسلم» عن الفارسي، ومسند خراسان، وفقيه الحرم. كان شافعيا مفتيا مناظرا، صحب إمام الحرمين مدّة، وعاش تسعين سنة.
قال ابن شهبة [٢] : يعرف بفقيه الحرم، لأنه أقام بالحرمين مدة طويلة، ينشر العلم، ويسمّع الحديث، ويعظ الناس، ويذكّرهم. أخذ الأصول والتفسير عن أبي القاسم القشيري، وتفقّه بإمام الحرمين، وسمع من خلق كثير، وتفرّد ب «صحيح مسلم» .
وقال ابن السمعاني: هو إمام مفت، مناظر، واعظ، حسن الأخلاق والمعاشرة، جواد، مكرم للغرباء، ما رأيت في شيوخنا مثله. ثم حكي عن بعضهم [٣] أنه قال: الفراوي ألف راوي [٤] .
قال الذهبي: وقد أملى أكثر من ألف مجلس، توفي في شوال، ودفن إلى جانب ابن خزيمة.
وفيها كافور النبويّ [٥] من خدّام النّبيّ، ﷺ ، كان أسود، خصيا، طويلا، لا لحية له.
стр. 2397
ومن شعره:
حتّام همّك في حلّ وترحال ... تبغي العلا والمعالي مهرها غالي
يا طالب المجد دون المجد ملحمة ... في طيّها تلف للنّفس والمال
ولليالي صروف قلّما انجذبت ... إلى مراد امرئ يسعى لآمال
стр. 2398
سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو البركات أحمد بن علي بن عبد الله بن الأبرادي [١] البغدادي، الفقيه الحنبلي الزاهد. سمع من أبي الغنائم بن أبي عثمان، وأبي الحسن بن الأخضر الأنباري وخلق، وقرأ الفقه على ابن عقيل، وصحب الفاعوس وغيره من الصالحين. وتعبد ووقف دارا بالبدرية شرقي بغداد على أصحاب أحمد. وسمع منه جماعة منهم: أبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر، ورويا عنه، وتوفي ليلة الخميس ثاني عشر رمضان ودفن بباب أبرز.
وفيها إسماعيل بن أبي القاسم [بن أبي بكر] القارئ [٢] أبو محمد النيسابوري. روى عن أبي الحسين عبد الغافر، وأبي حفص بن مسرور، وكان صوفيّا صالحا، ممن خدم أبا القاسم القشيري، ومات في رمضان وله اثنتان وتسعون سنة. وقد روى «صحيح مسلم» كلّه.
وفيها تميم بن أبي سعيد [٣] أبو القاسم الجرجاني. روى عن أبي
стр. 2399
حفص بن مسرور، وأبي سعد الكنجروذي، والكبار، وكان مسند هراة في زمانه، توفي في هذه السنة أو قبلها. قاله في «العبر» [١] .
وفيها طاهر بن سهل بن بشر أبو محمد الإسفراييني الدمشقي الصائغ، عن إحدى وثمانين سنة. سمع أباه، وأبا بكر الخطيب، وأبا القاسم الحنّائي، وطائفة، وكان ضعيفا.
قال ابن عساكر: حكّ اسم أخيه وكتب بدله اسمه.
وفيها الحسن بن يحيى بن روبيل الدمشقي الأبّار. كان يبيع الإبر، وكان صالحا ناسكا مغرى بهجاء زوجته، لأنها أشارت عليه أن يمدح كبيرا فما نفع، فهجاه فصفع، فقال: لولا زوجتي لما صفعت ولولا تغريرها [٢] في لما وقعت.
وفيها أبو جعفر الهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد، الحافظ الصدوق، رحل وروى عن ابن النّقور، وأبي صالح المؤذّن، والفضل ابن المحبّ، وطبقتهم بخراسان، والعراق، والحجاز، والنواحي.
قال ابن السمعاني: ما أعرف أن أحدا في عصره سمع أكثر منه. توفي في ذي القعدة.
وقال ابن ناصر الدّين [٣] : كان حافظا من المكثرين.
وفيها أبو القاسم بن الطّبر هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري البغدادي المقرئ. قرأ بالروايات على أبي بكر محمد بن موسى الخيّاط [٤] ،
стр. 2400
وهو آخر أصحابه. وسمع من أبي إسحاق البرمكي وجماعة، وكان ثقة صالحا ممتعا بحواسه. توفي في جمادى الآخرة عن ست وتسعين سنة.
وفيها أبو عبد الله يحيى بن الحسن بن أحمد بن البنّاء البغدادي الحنبلي. روى عن أبي الحسين بن الأبنوسي، وعبد الصمد بن المأمون، وكان ذا علم وصلاح، وهو أخو أبي نصر المتقدم ذكره.
قال ابن رجب [١] : ولد يوم الجمعة رابع عشري ذي القعدة، سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وبكّر به أبوه في السماع، فسمع من أبي الحسين بن المهتدي، وابن الأبنوسي، وابن النّقور، ووالده أبي علي بن البنا، وغيرهم.
وحدّث وروى عنه جماعة من الحفّاظ، منهم: ابن عساكر، وابن الجوزي، وابن بوش.
وروى عنه ابن السمعاني إجازة. وقال: كان شيخا صالحا، حسن السيرة، واسع الرواية، حسن الأخلاق، متودّدا، متواضعا، برا، لطيفا بالطلبة، مشفقا عليهم، وتوفي ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول.
стр. 2401
سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو نصر الغازي أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الحافظ.
قال ابن السمعاني: ثقة حافظ، ما رأيت في شيوخي أكثر رحلة منه.
سمع أبا القاسم ابن مندة، وأبا الحسين بن النّقور، والفضل بن المحبّ، وطبقتهم. وكان جماعة من أصحابنا يفضّلونه على إسماعيل التيمي الحافظ.
توفي في رمضان.
وقال الذهبيّ [١] : عاش ثلاثا وثمانين سنة.
وفيها أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد ابن الحافظ بقي بن مخلد أبو القاسم القرطبي المالكي، أحد الأئمة. روى عن أبيه، وابن الطّلاع، وأجاز له أبو العبّاس بن دلهاث، وتوفي في سلخ العام عن سبع وثمانين سنة.
وفيها الفقيه الحنبلي أبو بكر الدّينوري أحمد بن أبي الفتح محمد بن أحمد، من أئمة الحنابلة ببغداد. تفقّه على أبي الخطّاب، وبرع في الفقه، وتقدم في المناظرة على أبناء جنسه، حتّى كان أسعد الميهني شيخ الشافعية يقول: ما اعترض أبو بكر الدّينوري على دليل أحد إلّا ثلم فيه ثلمة.
стр. 2402
وله تصانيف في المذهب، منها كتاب «التحقيق في مسائل التعليق» وتخرّج به أئمة منهم: أبو الفتح بن المنّي، والوزير ابن هبيرة.
قال ابن الجوزي: حضرت درسه بعد موت شيخنا ابن الزّاغوني [١] نحوا من أربع سنين.
قال: وأنشدني- أي لنفسه-:
تمنّيت أن تمسي [٢] فقيها مناظرا ... بغير عناء والجنون فنون
وليس اكتساب المال دون مشقّة ... تلقّيتها فالعلم كيف يكون
وقال ابن الجوزي: كان يرق عند ذكر الصالحين ويبكي، ويقول:
للعلماء عند الله قدر، فلعل الله أن يجعلني منهم. توفي يوم السبت غرة جمادى الأولى، ودفن عند رجلي [٣] أبي منصور الخيّاط، قريبا من قبر الإمام أحمد، ﵁.
وفيها إسماعيل بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك، المؤذّن الفقيه، أبو سعد النيسابوري الشافعي. روى عن أبيه، وأبي حامد الأزهري، وطائفة، وتفقّه على إمام الحرمين، وبرع في الفقه، ونال جاها ورئاسة عند سلطان كرمان. وتوفي ليلة الفطر وله نيّف وثمانون سنة.
وفيها سعيد بن أبي الرجاء محمد بن أبي [منصور] بكر أبو الفرج الأصبهاني الصّيرفي الخلّال السّمسار [٤] . توفي في صفر عن سنّ عالية، فإنه
стр. 2403
سمع سنة ست وأربعين من أحمد بن محمد بن النّعمان القصّاص، وروى «مسند أحمد بن منيع» و «مسند العدني [١] » و «مسند أبي يعلى» وأشياء كثيرة، وكان صالحا ثقة.
وفيها عبد المنعم بن أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن أبو المظفّر القشيري النيسابوري، آخر أولاد الشيخ وفاة، عاش سبعا وثمانين سنة، وحدّث عن سعيد البحيري، والبيهقي، والكبار، وأدرك ببغداد أبا الحسين بن النّقور وجماعة.
وفيها أبو الحسن الجذامي علي بن عبد الله بن محمد بن سعيد بن موهوب الأندلسي، أحد الأئمة، أجاز له أبو عمر بن عبد البرّ، وأكثر عن أبي العبّاس بن دلهاث العذري، وصنّف تفسيرا وكتابا في الأصول، وعمّر إحدى وتسعين سنة.
وفيها علي بن علي بن عبيد الله أبو منصور الأمين، والد عبد الوهاب ابن سكينة. روى «الجعديات» عن الصّريفيني، وكان خيّرا زاهدا، يصوم صوم داود، وكان أمينا على أموال الأيتام ببغداد، عاش أربعا وثمانين سنة.
وفيها فاطمة بنت علي بن المظفّر بن زعبل [٢] ، أم الخير، البغدادية الأصل، النيسابورية المقرئة. روت «صحيح مسلم» و «غريب» الخطابي عن أبي الحسين الفارسي، وعاشت سبعا وتسعين سنة، وكانت تلقن النساء، وقيل: توفيت في العام المقبل. قاله في «العبر» [٣] .
стр. 2404
وفيها أبو الحسن الكرجي محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر، الفقيه الشافعي، شيخ الكرج وعالمها ومفتيها.
قال ابن السمعاني: إمام ورع فقيه مفت محدّث أديب. أفنى عمره في طلب العلم ونشره. وروى عن مكّي السلّار وجماعة، وله القصيدة المشهورة في السّنّة نحو مائتي بيت، شرح فيها عقيدة السلف، وله تصانيف في المذهب والتفسير.
وقال ابن كثير في «طبقاته» : له كتاب «الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول» حكى فيه عن أئمة عشرة من السلف، الأئمة الأربعة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، واللّيث، وإسحاق بن راهويه أقوالهم في أصول العقائد. انتهى. كذا قال، ولم يذكر العاشر، وله مختصر في الفقه يقال له «الذرائع في علم الشرائع» وله تفسير، وكان لا يقنت في الفجر، ويقول: لم يصح في ذلك حديث، وقد قال الشافعي: إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط.
وقال ابن شهبة [١] : ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وتوفي في شعبان.
والكرجيّ: بكاف وراء مفتوحتين، وبالجيم. انتهى [٢] .
وفيها الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله الهاشمي العبّاسي، خطب له بولاية العهد أكثر أيام والده وبويع بعده، وكان شابا أبيض، مليح الوجه، تام
стр. 2405
الشكل، شديد البطش، شجاع النفس، حسن السيرة، جوادا كريما، شاعرا فصيحا، لم تطل دولته. خرج من بغداد إلى الجزيرة وأذربيجان، فخلعوه لذنوب ملفّقة، فدخل مراغة وعسكر فيها، وسار إلى أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود، فحاصرها وتمرّض هناك، فوثبت عليه جماعة من الباطنية فقتلوه وقتلوا، وقيل: قتلوه صائما يوم سادس عشري رمضان، وله ثلاثون سنة. وخلّف نيفا وعشرين ابنا. وقد غزا أهل همذان وعبرها في أيام عزله، وظلم وعسف وقتل كغيره. قاله في «العبر» [١] .
وفيها أبو شروان بن خالد الوزير أبو نصر القاشاني [٢] ، وزر للمسترشد والسلطان محمود، وكان من عقلاء الرجال ودهاتهم، وفيه دين وحلم وجود، مع تشيّع قليل.
وكان محبا للعلماء موصوفا بالجود والكرم، أرسل إليه القاضي الأرجاني يطلب منه خيمة، فلم يكن عنده، فجهز له خمسمائة دينار، وقال:
اشتر بهذه خيمة، فقال:
لله درّ ابن خالد رجلا ... أحيا لنا الجود بعد ما ذهبا
سألته خيمة ألوذ بها ... فجاد لي ملء خيمة ذهبا
وكان هو السبب في عمل «مقامات الحريري» وإيّاه عنى الحريريّ في أول «مقاماته» [٣] بقوله: فأشار عليّ من إشارته حكم وطاعته غنم.
وفيها القاضي الأعز محمد بن هبة الله بن خلف التميمي، ولي بانياس، وكان ذا كرم ومروءة، ومات بدمشق، وهو الذي يكثر هجوه ابن منير الشاعر، من ذلك قوله من قصيدة:
стр. 2406
هو قاض كما يقول ولكن ... ما عليه من القضاء علامة
عمّة تملأ الفضاء عليه ... فوق وجه كعشر عشر القلامة
وعليها من التّصاوير ما لم ... يجمع القدس مثله والقمامة
وفيها أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث بن محمد بن يونس بن عبد الله بن مغيث القرطبي [١] العلّامة. أحد الأئمة بالأندلس. كان رأسا في الفقه، واللغة، والأنساب، والأخبار، وعلو الإسناد. روى عن أبي عمر بن الحذّاء، وحاتم بن محمد، والكبار، وتوفي في جمادى الآخرة عن خمس وثمانين سنة.
стр. 2407
سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» كانت زلزلة بجنزة [١] أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفا فأهلكتهم، وكانت الزلزلة عشرة فراسخ.
وفيها توفي الشيخ أبو العبّاس أحمد بن عبد الملك بن أبي جمرة المرسي. روى عن جماعة وانفرد بالإجازة عن أبي عمرو الدّاني.
وفيها زاهر بن طاهر أبو القاسم الشّحّامي النيسابوري، المحدّث المستملي الشّروطي، مسند خراسان. روى عن أبي سعد الكنجروذي، والبيهقي، وطبقتهما، ورحل في الحديث أولا وآخرا، وخرّج التخاريج [٢] ، وأملى نحوا من ألف مجلس، ولكنه كان يخلّ بالصلوات، فتركه جماعة لذلك. توفي في ربيع الآخر. قاله في «العبر» [٣] .
وفيها جمال الإسلام أبو الحسن علي بن المسلّم بن محمد بن علي السّلمي الدمشقي، الفقيه الشافعي الفرضي، مدرس الغزالية والأمينية، ومفتي الشام في عصره، وهو أول من درّس بالأمينية المنسوبة لأمين الدولة سنة أربع
стр. 2408
عشرة وخمسمائة، وصنّف في الفقه، والتفسير، وتصدّر للاشتغال والرواية، فحدّث عن أبي نصر بن طلاب، وعبد العزيز الكتاني، وطائفة، وتفقّه على ابن عبد الجبّار المروزي، ثم على نصر المقدسي، ولزم الغزالي مدة مقامه بدمشق، ودرّس في حلقة الغزالي مدّة.
قال الحافظ ابن عساكر: بلغني أن الغزالي قال: خلّفت بالشام شابا إن عاش كان له شأن، قال: فكان كما تفرس فيه، سمعنا منه الكثير، وكان ثقة ثبتا عالما بالمذهب والفرائض، وكان حسن الخطّ، موفقا في الفتاوى، وكان على فتاويه عمدة أهل الشام، وكان يكثر من عيادة المرضى وشهود الجنائز، ملازما للتدريس والإفادة، حسن الأخلاق، ولم يخلّف بعده مثله. انتهى.
وفيها أبو جعفر الكلواذي [١]- بفتح أوله والواو والمعجمة وسكون اللام، نسبة إلى كلواذى قرية ببغداد- محمد بن محفوظ بن محمد بن الحسن ابن أحمد، وهو ابن الإمام أبي الخطّاب الحنبلي. المتقدم ذكره [٢] .
ولد سنة خمسمائة، وتفقّه على أبيه، وبرع في الفقه، وصنّف كتابا سمّاه «الفريد» . قاله ابن القطيعي.
وفيها أبو بكر محمد بن باجه السّرقسطي، عرف بابن الصائغ [٣] ، الفيلسوف الشاعر، ذكره صاحب كتاب «قلائد [٤] العقيان» فقال: هو رمد جفن الدّين [٥] ، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر [٦] مفروضا
стр. 2409
ومسنونا، فما يتشرّع، ولا يأخذ في غير الأباطيل [١] ولا يشرع إلى غير ذلك من كلام كثير.
وفيها محمود بن بوري بن طغتكين، الملك شهاب الدّين، صاحب دمشق، ولي بعد قتل أخيه شمس الملوك إسماعيل، وكانت أمّه زمرّد هي الكلّ، فلما تزوّج بها الأتابك زنكي وسارت إلى حلب، قام بتدبير المملكة معين الدّين أنر [٢] الطغتكيني، ووثب على محمود هذا جماعة من المماليك فقتلوه في شوال، وأحضروا أخاه محمدا من مدينة بعلبك فملّكوه.
وفيها هبة الله بن سهل السّيّدي أبو محمد البسطامي ثم النيسابوري.
فقيه صالح متعبد، عالي الإسناد. روى عن أبي حفص بن مسرور، وأبي يعلى الصّابوني، والكبار، وتوفي في صفر.
وفيها هبة الله بن الحسين [٣] بن يوسف، وقيل: أحمد، المنعوت بالبديع الأسطرلابي- نسبة إلى الأسطرلاب، بفتح الهمزة، وسكون السين، وضم الطاء، كلمة يونانية معناها ميزان الشمس. وقال بعضهم: «اللاب» اسم الشمس بلسان اليونان، فكأنه قيل: أسطر الشمس إشارة إلى الخطوط التي فيه، قيل: إن أوّل من وضعه بطليموس صاحب المجسطي- كان صاحب الترجمة شاعرا مشهورا، أحد الأدباء الفضلاء، وكان وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية، متقنا لهذه الصناعة، وحصل له من جهة عملها مال جزيل في خلافة المسترشد.
стр. 2410
وذكره العماد في «الخريدة» وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع من شعره، فمن ذلك قوله:
أهدي لمجلسه الكريم [١] وإنما ... أهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وما له ... من عليه [٢] لأنّه من مائه
وقوله أيضا:
أذاقني حمرة المنايا ... لمّا اكتسى خضرة العذار
وقد تبدّى السّواد فيه ... وكارتي بعد في العيّار
وقوله أيضا:
قال قوم عشقته أمرد [٣] الخ ... د وقد قيل: إنّه نكريش
قلت فرخ الطاووس أحسن ما كا ... ن إذا ما علا عليه الريش
قوله نكريش: لفظة عجمية، والأصل فيها نيك ريش، معناه لحية جيدة، فنيك: جيد، وريش: لحية.
وله أيضا:
ولمّا بدا خطّ بخدّ معذّبي ... كظلمة ليل في ضياء نهار
خلعت عذاري في هواه فلم أزل ... خليع عذار في جديد عذار
قال ابن خلّكان: وكان كثير الخلاعة، يستعمل المجون في أشعاره، حتى يفضي به إلى الفاحش في اللفظ، وكان ظريفا في جميع حركاته، توفي بعلة الفالج، ودفن بمقبرة الوردية من بغداد. انتهى ملخصا.
стр. 2411
سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» خسف بجنزة [١] ، وصار مكان البلد ماء أسود، وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهلهم.
وفيها توفي محمد بن أحمد بن علي، ويعرف بزفره، ويقال: ابن زفره، كان إماما جليلا حافظا عمدة.
قال ابن ناصر الدّين في «بديعته» :
محمد بن أحمد بن زفره ... درّ له ثناؤه المسرّه
[٢] وفيها عبد الجبّار بن محمد الخواري [٣]- بالضم والتخفيف وراء، نسبة إلى خوار، بلد الرّيّ- كان إماما جليلا، سمع الواحدي وغيره.
وفيها أبو الفضل محمد بن إسماعيل الفضيلي الهروي العدل. روى عن أبي عمر المليحي، ومحلم الضبي، وتوفي في صفر.
стр. 2412
وفيها محمد بن بوري بن طغتكين جمال الدّين [١] . كان ظالما سيئ السيرة، ولي دمشق عشرة أشهر ومات في شعبان، وأقيم بعده ابنه آبق صبي مراهق.
وفيها يحيى بن علي بن عبد العزيز القاضي المنتجب أبو الفضل القرشي زكي الدّين، قاضي دمشق وأبو قاضيها، المعروف بابن الصائغ، الدمشقي الشافعي.
قال الإسنوي [٢] : كان فاضلا، رحل إلى بغداد فتفقه على الشاشي، وقرأ العربية على أبي علي الفارسي [٣] ، وتولى القضاء بدمشق، وكان محمود السيرة.
ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. انتهى. وتوفي في ربيع الأول.
وكان له ولد يقال له منتجب الدّين محمد، خال الحافظ ابن عساكر، ووالده [٤] القاضي الزكي. تفقّه على الشيخ نصر المقدسي، وناب عن والده لما حجّ سنة عشر وخمسمائة، ثم اشتغل بالحكم لما كبر والده وبعد موته أيضا، وكان نزها عفيفا، صلبا في الأحكام، وقورا، متوددا، شفوقا، حسن النظر.
ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وتوفي في ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ذكره ابن عساكر في «تاريخه» .
وفيها يحيى بن بطريق الطّرسوسي [ثم] الدّمشقي [٥] . روى عن أبي بكر الخطيب، وأبي الحسين محمد بن مكّي، وتوفي في رمضان.
стр. 2413
سنة خمس وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي إسماعيل بن محمد بن الفضل، الحافظ الكبير، قوام السّنّة، أبو القاسم التّيمي الطّلحي الأصبهاني [١] الشافعي. روى عن أبي عمرو بن مندة وطبقته بأصبهان، وأبي نصر الزّينبي ببغداد، ومحمد بن سهل السرّاج بنيسابور. ذكره أبو موسى المديني فقال: أبو القاسم إمام أئمة وقته، وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السّنّة في زمانه، أصمت في صفر سنة أربع وثلاثين، ثم فلج بعد مدة، وتوفي بكرة يوم عيد الأضحى، وكان مولده سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وقال ابن السمعاني: هو أستاذي في الحديث، وعنه أخذت [٢] هذا القدر. وهو إمام في التفسير، والحديث، واللغة، والأدب، عارف بالمتون والأسانيد، أملى بجامع أصبهان قريبا من ثلاثة آلاف مجلس.
وقال أبو عامر العبدري [٣] : ما رأيت شابا ولا شيخا قطّ مثل إسماعيل التّيمّي. ذاكرته فرأيته حافظا للحديث، عارفا بكل علم، متفننا.
стр. 2414
وقال أبو موسى: صنّف شيخنا إسماعيل «التفسير» في ثلاثين مجلدة كبار، وسماه «الجامع» وله «الإيضاح» في التفسير أربع مجلدات، و «الموضح» في التفسير ثلاث مجلدات، وله «المعتمد» في التفسير عشر مجلدات، و «تفسير» بالعجمي عدة مجلدات، رحمه الله تعالى.
وقال ابن شهبة [١] : له كتاب «الترغيب والترهيب» و «شرح صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» وكان ابنه شرع [٢] فيهما فمات في حياته، فأتمهما، وله كتاب «دلائل النبوة» وكتاب «التذكرة» نحو ثلاثين جزءا، وغير ذلك.
وقال ابن مندة: في «الطبقات» : ليس في وقتنا مثله، وكان أئمة بغداد يقولون: ما رحل إلى بغداد بعد أحمد بن حنبل أفضل ولا أحفظ منه، ولم ينكر أحد شيئا من فتاويه قطّ.
وأما ولده فهو أبو عبد الله محمد. ولد في حدود سنة خمسمائة، ونشأ في طلب العلم، فصار إماما، مع الفصاحة، والذكاء، وصنّف تصانيف كثيرة، مع صغر سنه. اخترمته المنية بهمذان سنة ست وعشرين وخمسمائة.
وفيها رزين بن معاوية، أبو الحسن العبدري الأندلسي السّرقسطي، مصنّف «تجريد الصحاح» [٣] . روى كتاب البخاري عن أبي مكتوم بن أبي ذرّ، وكتاب مسلم عن الحسين الطبري [٤] ، وجاور بمكّة دهرا، وتوفي في المحرم.
стр. 2415
وفيها أبو منصور القزّاز عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد الشيباني البغدادي، ويعرف بابن زريق. روى عن الخطيب، وأبي جعفر بن المسلمة، والكبار، وكان صالحا كثير الرواية، توفي في شوال عن بضع وثمانين سنة.
وفيها عبد الوهاب بن شاه أبو الفتوح الشّاذياخي النيسابوري التاجر.
سمع من القشيري «رسالته» ومن أبي سهل الحفصي «صحيح البخاري» ومن طائفة، وتوفي في شوال.
وفيها أبو نصر الفتح بن محمد بن خاقان القيسي الإشبيلي، صاحب كتاب «قلائد العقيان» . له عدة تصانيف، منها الكتاب المذكور، وقد جمع فيه من شعراء المغرب [١] طائفة كثيرة، وتكلّم على ترجمة كل واحد منهم بأحسن عبارة وألطف إشارة، وله أيضا كتاب «مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس» وهو ثلاث نسخ: كبرى، ووسطى، وصغرى، وهو كتاب كثير الفائدة، لكنه قليل الوجود، وكلامه في هذه الكتب يدل على فضله وغزارة مادته، وكان كثير الأسفار، سريع التنقلات، وتوفي قتيلا بمدينة مرّاكش في الفندق. قاله ابن خلّكان [٢] .
وقال غيره: مات بمراكش قتيلا ذبح بمسكنه في فندق من فنادقها، وكان يتكلم على الشعراء في كتابه «قلائد العقيان» بألفاظ كالسحر الحلال والماء الزلال، يقال: إنه أراد أن يفضح الشعراء الذين ذكرهم بنشره، وكان يكتب إلى المغاربة ورؤسائها يعرّف كلا على انفراده أنه عزم على كتاب «القلائد» وأن يبعث إليه بشيء من شعره ليضعه في كتابه، وكانوا يخافونه ويبعثون إليه الذي طلب، ويرسلون له الذهب والدنانير، فكل من أرضاه أثنى
стр. 2416
عليه، وكل من قصّر هجاه وثلبه، وممن تصدى له وأرسل إليه ابن باجه وزير صاحب المريّة، وهو أحد الأعيان في العلم والبيان، يشبهونه في المغرب بابن سينا في المشرق، فلما وصلته رسالة ابن خاقان تهاون بها ولم يعرها طرفه، فذكره ابن خاقان بسوء ورماه بداهية.
وفيها أبو الحسن بن توبة محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الجبّار ابن توبة الأسدي العكبري [١] الشافعي المقرئ. روى عن أبي جعفر بن المسلمة، وأبي بكر الخطيب، وطائفة وتوفي في صفر.
وتوفي أخوه عبد الجبّار بعده بثلاثة أشهر، وروى عن أبي محمد الصّريفيني، وجماعة، وكان الأصغر. قاله في «العبر» [٢] .
وفيها أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد- يتصل نسبه بكعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلّفوا ثم تاب الله عليهم- القاضي أبو بكر الأنصاري البغدادي الحنبلي البزّاز [٣] ، مسند العراق، ويعرف بقاضي المارستان. حضر أبا إسحاق البرمكي، وسمع من علي بن عيسى الباقلاني، وأبي محمد الجوهري، وأبي الطيب الطبري، وطائفة، وتفقّه على القاضي أبي يعلى، وبرع في الحساب والهندسة، وشارك في علوم كثيرة، وانتهى إليه علو الإسناد في زمانه، توفي في رجب وله ثلاث وتسعون سنة وخمسة أشهر.
قال ابن السمعاني: ما رأيت أجمع للفنون منه، نظر في كل علم، وسمعته يقول: تبت من كل علم تعلمته إلّا الحديث وعلمه. قاله في «العبر» .
стр. 2417
ومن شعره قوله:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سنّ ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثّلاثة تبتلى بثلاثة ... بمكفّر وبحاسد ومكذّب
وكان يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر.
وقال ابن رجب في «طبقاته» [١] : ولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وسمع على خلائق، وتفقّه على القاضي أبي يعلى، وقرأ الفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والهندسة، وبرع في ذلك، وله فيه تصانيف، وشهد عند الدّامغاني، وتفنن في علوم كثيرة.
قال ابن السمعاني: كان حسن الكلام، حلو المنطق، مليح المحاورة، ما رأيت أجمع للفنون منه. نظر في كل علم، وكان سريع النسخ، حسن القراءة للحديث، سمعته يقول: ما ضيّعت ساعة من عمري في لهو أو لعب.
قال: وسمعته يقول أسرتني الرّوم وبقيت في الأسر سنة ونصفا، وكان خمسة أشهر الغلّ في عنقي والسلاسل على يدي ورجلي، وكانوا يقولون لي: قل المسيح ابن الله! حتّى نفعل ونصنع في حقك، فامتنعت وما قلت، ووقت أن حبست كان ثم معلّم يعلم الصبيان الخط بالرومية، فتعلمت في الحبس الخطّ الرّوميّ. وسمعته يقول: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وما من علم في عالم الله إلّا وقد نظرت فيه وحصّلت منه كله أو بعضه، ورحل إليه المحدّثون من البلاد.
وقال ابن الجوزي: ذكر لنا أن منجمين حضرا حين ولد أبو بكر بن
стр. 2418
عبد الباقي، فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة. قال: وها أنا قد تجاوزت التسعين.
قال: ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس لم يتغير منها شيء، ثابت العقل، يقرأ الخط الدقيق من بعد. ودخلنا عليه قبل موته بمديدة فقال:
قد نزلت في أذني مادة، فقرأ علينا من حديثه، وبقي على هذا نحوا من شهرين، ثم زال ذلك وعاد إلى الصحة، ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على العادة، وأن يكتب عليه قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ٣٨: ٦٧- ٦٨ [ص: ٦٨- ٦٩] وبقي ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر من قراءة القرآن، إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني رجب، ودفن بباب حرب إلى جانب أبيه قريبا من بشر الحافي، ﵀.
وقال ابن الخشاب: كان مع تفرّده بعلم الحساب والفرائض، وافتنانه في علوم عديدة [١] صدوقا ثبتا في الرواية، متحريا فيها.
وقال ابن ناصر: لم يخلّف بعده من يقوم مقامه في علمه.
وقال ابن شافع: ما رأيت ابن الخشاب يعظم أحدا من مشايخه تعظيمه له.
وقال ابن أبي الفوارس: سمعت القاضي أبا بكر بن عبد الباقي يقول:
كنت مجاورا بمكة- حرسها الله تعالى- فأصابني يوما جوع شديد لم أجد شيئا أدفع به عني الجوع، فوجدت كيسا من إبريسم مشدودا بشرابة إبريسم أيضا، فأخذته وجئت إلى بيتي، فحللته فوجدت فيه عقدا من لؤلؤ لم أر مثله، فخرجت فإذا شيخ ينادي عليه ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار، وهو يقول: هذا لمن يردّ علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ، فقلت: أنا محتاج، وأنا
стр. 2419
جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرد عليه الكيس، فقلت له: تعال [إليّ] [١] ، وجئت به إلى بيتي، فأعطاني علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ، وعدده، والخيط الذي هو مشدود به، فأخرجته ودفعته إليه.
فسلّم إليّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: يجب أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء، فقال لي: لا بد أن تأخذ، وألح عليّ كثيرا، فلم أقبل، فتركني ومضى، وخرجت من مكّة وركبت البحر، فانكسر المركب وغرق الناس وهلكت أموالهم، وسلمت أنا على قطعة من المركب، فبقيت مدّة في البحر لا أدري أين أذهب، فوصلت إلى جزيرة فيها قوم، فقعدت في بعض المساجد، فسمعوني أقرأ، فلم يبق أحد إلّا جاءني [٢] وقال: علمني القرآن، فحصل لي منهم شيء كثير من المال. ثم رأيت [في ذلك المسجد] [٣] أوراقا من مصحف، فأخذتها، فقالوا: تحسن تكتب؟ فقلت: نعم، فقالوا: علمنا الخطّ، وجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب، وكنت أعلمهم، فحصل لي أيضا من ذلك شيء كثير، فقالوا لي بعد ذلك: عندنا صبية يتيمة ولها شيء من الدنيا نريد أن تتزوج بها، فامتنعت، فقالوا: لا بد، والزموني، فأجبتهم فلما زفوها مددت عيني أنظر إليها فوجدت ذلك العقد بعينه معلقا في عنقها، فما كان لي حينئذ شغل إلّا النظر إليه، فقالوا: يا شيخ كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها، فقصصت عليهم قصة العقد، فصاحوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلت:
ما بكم؟ فقالوا: ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول: ما وجدت في الدنيا مسلما كهذا الذي ردّ عليّ هذا العقد، وكان يدعو
стр. 2420
ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي، والآن قد حصلت، فبقيت معها مدة ورزقت منها ولدين.
ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولدي، ثم مات الولدان، فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار، وهذا المال الذي ترون معي [١] من بقايا ذلك المال.
وقد تضمنت هذه القصة: أنه لا يجوز قبول الهدية على ردّ الأمانات، لأنه يجب عليه ردّها بغير عوض، وهذا إذا كان لم يلتقطها بنيّة أخذ الجعل المشروط، وقد نص أحمد، ﵁، على مثل ذلك في الوديعة، وأنه لا يجوز لمن ردّها إلى صاحبها قبول هديته إلّا بنية المكافأة. انتهى ما أورده ابن رجب ملخصا.
وفيها أبو يعقوب يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد، شيخ الصوفية بمرو، وبقية مشايخ الطريق العاملين. تفقّه على الشيخ أبي إسحاق فأحكم مذهب الشافعي، وبرع في المناظرة، ثم ترك ذلك وأقبل على شأنه. وروى عن الخطيب، وابن المسلمة، والكبار، وسمع بأصبهان، وبخارى، وسمرقند، ووعظ، وخوّف، وانتفع به الخلق، وكان صاحب أحوال وكرامات. توفي في ربيع الأول، عن أربع وتسعين سنة. قاله في «العبر» [٢] .
وقال السخاوي في «طبقاته» وابن الأهدل: أبو يعقوب الهمذاني، الفقيه الزاهد، العالم العامل الرباني، صاحب المقامات والكرامات. قدم بغداد في صباه بعد ستين وأربعمائة، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وتفقّه عليه، حتّى برع في الأصول، والمذهب، والخلاف، ثم زهد في