← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

عليه، وكل من قصّر هجاه وثلبه، وممن تصدى له وأرسل إليه ابن باجه وزير صاحب المريّة، وهو أحد الأعيان في العلم والبيان، يشبهونه في المغرب بابن سينا في المشرق، فلما وصلته رسالة ابن خاقان تهاون بها ولم يعرها طرفه، فذكره ابن خاقان بسوء ورماه بداهية. وفيها أبو الحسن بن توبة محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الجبّار ابن توبة الأسدي العكبري [١] الشافعي المقرئ. روى عن أبي جعفر بن المسلمة، وأبي بكر الخطيب، وطائفة وتوفي في صفر. وتوفي أخوه عبد الجبّار بعده بثلاثة أشهر، وروى عن أبي محمد الصّريفيني، وجماعة، وكان الأصغر. قاله في «العبر» [٢] . وفيها أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد- يتصل نسبه بكعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلّفوا ثم تاب الله عليهم- القاضي أبو بكر الأنصاري البغدادي الحنبلي البزّاز [٣] ، مسند العراق، ويعرف بقاضي المارستان. حضر أبا إسحاق البرمكي، وسمع من علي بن عيسى الباقلاني، وأبي محمد الجوهري، وأبي الطيب الطبري، وطائفة، وتفقّه على القاضي أبي يعلى، وبرع في الحساب والهندسة، وشارك في علوم كثيرة، وانتهى إليه علو الإسناد في زمانه، توفي في رجب وله ثلاث وتسعون سنة وخمسة أشهر. قال ابن السمعاني: ما رأيت أجمع للفنون منه، نظر في كل علم، وسمعته يقول: تبت من كل علم تعلمته إلّا الحديث وعلمه. قاله في «العبر» .

стр. 2417

ومن شعره قوله: احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سنّ ومال ما استطعت ومذهب فعلى الثّلاثة تبتلى بثلاثة ... بمكفّر وبحاسد ومكذّب وكان يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر. وقال ابن رجب في «طبقاته» [١] : ولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وسمع على خلائق، وتفقّه على القاضي أبي يعلى، وقرأ الفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، والهندسة، وبرع في ذلك، وله فيه تصانيف، وشهد عند الدّامغاني، وتفنن في علوم كثيرة. قال ابن السمعاني: كان حسن الكلام، حلو المنطق، مليح المحاورة، ما رأيت أجمع للفنون منه. نظر في كل علم، وكان سريع النسخ، حسن القراءة للحديث، سمعته يقول: ما ضيّعت ساعة من عمري في لهو أو لعب. قال: وسمعته يقول أسرتني الرّوم وبقيت في الأسر سنة ونصفا، وكان خمسة أشهر الغلّ في عنقي والسلاسل على يدي ورجلي، وكانوا يقولون لي: قل المسيح ابن الله! حتّى نفعل ونصنع في حقك، فامتنعت وما قلت، ووقت أن حبست كان ثم معلّم يعلم الصبيان الخط بالرومية، فتعلمت في الحبس الخطّ الرّوميّ. وسمعته يقول: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وما من علم في عالم الله إلّا وقد نظرت فيه وحصّلت منه كله أو بعضه، ورحل إليه المحدّثون من البلاد. وقال ابن الجوزي: ذكر لنا أن منجمين حضرا حين ولد أبو بكر بن

стр. 2418

عبد الباقي، فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة. قال: وها أنا قد تجاوزت التسعين. قال: ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس لم يتغير منها شيء، ثابت العقل، يقرأ الخط الدقيق من بعد. ودخلنا عليه قبل موته بمديدة فقال: قد نزلت في أذني مادة، فقرأ علينا من حديثه، وبقي على هذا نحوا من شهرين، ثم زال ذلك وعاد إلى الصحة، ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على العادة، وأن يكتب عليه قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ٣٨: ٦٧- ٦٨ [ص: ٦٨- ٦٩] وبقي ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر من قراءة القرآن، إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني رجب، ودفن بباب حرب إلى جانب أبيه قريبا من بشر الحافي، ﵀. وقال ابن الخشاب: كان مع تفرّده بعلم الحساب والفرائض، وافتنانه في علوم عديدة [١] صدوقا ثبتا في الرواية، متحريا فيها. وقال ابن ناصر: لم يخلّف بعده من يقوم مقامه في علمه. وقال ابن شافع: ما رأيت ابن الخشاب يعظم أحدا من مشايخه تعظيمه له. وقال ابن أبي الفوارس: سمعت القاضي أبا بكر بن عبد الباقي يقول: كنت مجاورا بمكة- حرسها الله تعالى- فأصابني يوما جوع شديد لم أجد شيئا أدفع به عني الجوع، فوجدت كيسا من إبريسم مشدودا بشرابة إبريسم أيضا، فأخذته وجئت إلى بيتي، فحللته فوجدت فيه عقدا من لؤلؤ لم أر مثله، فخرجت فإذا شيخ ينادي عليه ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار، وهو يقول: هذا لمن يردّ علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ، فقلت: أنا محتاج، وأنا

стр. 2419

جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرد عليه الكيس، فقلت له: تعال [إليّ] [١] ، وجئت به إلى بيتي، فأعطاني علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ، وعدده، والخيط الذي هو مشدود به، فأخرجته ودفعته إليه. فسلّم إليّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: يجب أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء، فقال لي: لا بد أن تأخذ، وألح عليّ كثيرا، فلم أقبل، فتركني ومضى، وخرجت من مكّة وركبت البحر، فانكسر المركب وغرق الناس وهلكت أموالهم، وسلمت أنا على قطعة من المركب، فبقيت مدّة في البحر لا أدري أين أذهب، فوصلت إلى جزيرة فيها قوم، فقعدت في بعض المساجد، فسمعوني أقرأ، فلم يبق أحد إلّا جاءني [٢] وقال: علمني القرآن، فحصل لي منهم شيء كثير من المال. ثم رأيت [في ذلك المسجد] [٣] أوراقا من مصحف، فأخذتها، فقالوا: تحسن تكتب؟ فقلت: نعم، فقالوا: علمنا الخطّ، وجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب، وكنت أعلمهم، فحصل لي أيضا من ذلك شيء كثير، فقالوا لي بعد ذلك: عندنا صبية يتيمة ولها شيء من الدنيا نريد أن تتزوج بها، فامتنعت، فقالوا: لا بد، والزموني، فأجبتهم فلما زفوها مددت عيني أنظر إليها فوجدت ذلك العقد بعينه معلقا في عنقها، فما كان لي حينئذ شغل إلّا النظر إليه، فقالوا: يا شيخ كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها، فقصصت عليهم قصة العقد، فصاحوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلت: ما بكم؟ فقالوا: ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول: ما وجدت في الدنيا مسلما كهذا الذي ردّ عليّ هذا العقد، وكان يدعو

стр. 2420

ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي، والآن قد حصلت، فبقيت معها مدة ورزقت منها ولدين. ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولدي، ثم مات الولدان، فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار، وهذا المال الذي ترون معي [١] من بقايا ذلك المال. وقد تضمنت هذه القصة: أنه لا يجوز قبول الهدية على ردّ الأمانات، لأنه يجب عليه ردّها بغير عوض، وهذا إذا كان لم يلتقطها بنيّة أخذ الجعل المشروط، وقد نص أحمد، ﵁، على مثل ذلك في الوديعة، وأنه لا يجوز لمن ردّها إلى صاحبها قبول هديته إلّا بنية المكافأة. انتهى ما أورده ابن رجب ملخصا. وفيها أبو يعقوب يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد، شيخ الصوفية بمرو، وبقية مشايخ الطريق العاملين. تفقّه على الشيخ أبي إسحاق فأحكم مذهب الشافعي، وبرع في المناظرة، ثم ترك ذلك وأقبل على شأنه. وروى عن الخطيب، وابن المسلمة، والكبار، وسمع بأصبهان، وبخارى، وسمرقند، ووعظ، وخوّف، وانتفع به الخلق، وكان صاحب أحوال وكرامات. توفي في ربيع الأول، عن أربع وتسعين سنة. قاله في «العبر» [٢] . وقال السخاوي في «طبقاته» وابن الأهدل: أبو يعقوب الهمذاني، الفقيه الزاهد، العالم العامل الرباني، صاحب المقامات والكرامات. قدم بغداد في صباه بعد ستين وأربعمائة، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وتفقّه عليه، حتّى برع في الأصول، والمذهب، والخلاف، ثم زهد في

стр. 2421

ذلك، واشتغل بالزهد، والعبادة، والرياضة [١] ، والمجاهدة، حتّى صار علما من أعلام الدّين، يهتدي به الخلق إلى الله، ثم قدم بغداد في سنة خمس وخمسمائة وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة النظامية، وصادف بها قبولا عظيما من الناس، وكان قطب وقته في فنّه. وذكر ابن النجار في «تاريخه» أن فقيها يقال له ابن السّقّاء سأله عن مسألة وأساء معه الأدب، فقال له الإمام يوسف: اجلس فإني أجد- ويروى أشم- من كلامك رائحة الكفر، وكان أحد القراء حفظة القرآن، فاتفق أنه [٢] تنصّر ومات عليها، نعوذ بالله من سوء الخاتمة، وذلك أنه خرج إلى بلد الرّوم رسولا من الخليفة، فافتتن بابنة الملك، فطلب زواجها فامتنعوا إلّا أن يتنصّر، فتنصّر، ورؤي في القسطنطينية مريضا وبيده خلق مروحة يذب بها الذباب عن وجهه، فسئل عن القرآن، فذكر أنه نسيه إلّا آية واحدة وهي رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ١٥: ٢ [الحجر: ٢] وذكرت حكاية ابن السّقّاء في «البهجة» المصنفة في مناقب الشيخ عبد القادر، وأن ابتلاءه كان بسبب [٣] إساءته إلى بعض الأولياء، يقال له: الغوث، فالله أعلم.

стр. 2422

سنة ست وثلاثين وخمسمائة فيها كانت ملحمة عظيمة بين السلطان سنجر وبين التّرك الكفرة بما وراء النهر، أصيب [فيها] [١] المسلمون، وأفلت سنجر في نفر يسير، بحيث أنه وصل بخل في ستة أنفس، وأسرت زوجته وبنته، وقتل من جيشه مائة ألف أو أكثر، وكانت التّرك في ثلاثمائة ألف فارس. وفيها توفي أبو سعد الزّوزني- بفتح الزايين وسكون الواو، نسبة إلى زوزن، بلد بين هراة ونيسابور- أحمد بن محمد بن الشيخ أبي الحسن علي ابن محمود بن ماخوّة الصوفي. روى عن القاضي أبي يعلى، وأبي جعفر بن المسلمة، والكبار، وتوفي في شعبان عن سبع وثمانين سنة. قال ابن ناصر: كان متسمّحا، فرأيته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأنا في الجنّة. وفيها أبو العبّاس بن العريف أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي الصوفي الزاهد. قال ابن بشكوال [٢] : كان مشاركا في أشياء، ذا عناية في القراءات،

стр. 2423

وجمع الروايات والطرق وحملتها، وكان متناهيا في الفضل والدّين، وكان الزهاد والعبّاد يقصدونه. وقال الذهبي [١] : لما كثر أتباعه توهّم السلطان، وخاف أن يخرج عليه، فطلبه، فأحضر إلى مرّاكش، فتوفي في الطريق قبل أن يصل، وقيل: توفي بمرّاكش، وله ثمان وسبعون سنة، وكان من أهل المريّة. وفيها إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث أبو القاسم بن السمرقندي الحافظ. ولد بدمشق سنة أربع وخمسين، وسمع بها من الخطيب، وعبد الدائم الهلالي، وابن طلّاب، والكبار، وببغداد من الصّريفيني فمن بعده. قال أبو العلاء الهمذاني: ما أعدل به أحدا من شيوخ العراق، وهو من شيوخ ابن الجوزي، توفي في ذي القعدة. وفيها إسماعيل بن عبد الواحد بن إسماعيل بن محمد الإمام أبو سعد البوشنجي، نزيل هراة. ولد سنة إحدى وستين وأربعمائة، وكان شافعيا عالما بالمذهب، درّس، وأفتى، وصنّف. قال ابن السمعاني: كان فاضلا غزير الفضل حسن المعرفة بالمذهب، جميل السيرة، مرضي الطريقة، كثير العبادة، ملازما للذكر، قانعا باليسير، خشن العيش، راغبا في نشر العلم، ملازما للسنّة غير ملتفت إلى الأمراء وأبناء الدنيا. وقال عبد الغافر: شاب نشأ في عبادة الله، مرضي السيرة على منوال أبيه، وهو فقيه مناظر مدرس زاهد.

стр. 2424

وقال الرافعي في كتاب «الخلع [١] » : هو إمام غوّاص متأخرّ، لقيه من لقيناه. توفي بهراة. وله كتاب سمّاه [٢] «المستدرك» وقف عليه الرّافعي ونقل عنه في مواضع. قاله ابن قاضي شهبة [٣] . وفيها عبد الجبّار بن محمد بن أحمد أبو محمد الخواري [٤]- بضم الخاء والتخفيف، نسبة إلى خوار بلد بالرّي- الشافعي المفتي إمام جامع نيسابور، تفقّه على إمام الحرمين وسمع البيهقي، والقشيري، وجماعة، وتوفي في شعبان عن إحدى وتسعين سنة. وفيها ابن برّجان أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال اللّخمي الإفريقي ثم الإشبيلي العارف، شيخ الصوفية، مؤلّف «شرح الأسماء الحسنى» توفي غريبا بمرّاكش. قال [ابن] الأبّار: كان من أهل المعرفة بالقراءات، والحديث، والتحقيق، بعلم الكلام والتصوف، مع الزهد والاجتهاد في العبادة، وقبره بإزاء قبر ابن العريف. وفيها شرف الإسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج الحنبلي عبد الواحد بن محمد الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي [٥] الفقيه الواعظ شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم وهو باني مدرسة الحنبلية [٦] داخل

стр. 2425

باب الفراديس، سكنها الشيخ محمد الأسطواني من سنة خمس وأربعين وتسعمائة إلى نيف وسبعين وتسعمائة. كذا رأيته على هامش «طبقات» ابن رجب. وقال ابن رجب في «الطبقات» [١] : توفي والد عبد الوهاب وهو صغير فاشتغل بنفسه، وتفقّه، وبرع، وناظر، وأفتى، ودرّس الفقه والتفسير، ووعظ، واشتغل عليه خلق كثير، وكان فقيها بارعا وواعظا فصيحا وصدرا معظما، ذا حرمة، وحشمة، وسؤدد ورئاسة ووجاهة وهيبة وجلالة، كان ينشد على الكرسي بجامع دمشق إذا طاب وقته قوله: سيّدي علّل الفؤاد العليلا ... وأحيني قبل أن تراني قتيلا إن تكن عازما على قبض روحي ... فترفّق بها قليلا قليلا ولشرف الإسلام تصانيف في الفقه، والأصول، منها «المنتخب في الفقه» في [٢] مجلدين، و «المفردات» و «البرهان في أصول الدّين» وغير ذلك، وحدّث عن أبيه وغيره، وسمع منه ببغداد ابن كامل. توفي- ﵀ في ليلة الأحد سابع عشر صفر، سنة ست [وثلاثين وخمسمائة] ودفن عند والده بمقابر الشهداء من مقابر الباب الصغير. وفيها أبو عبد الله المازري محمد بن علي بن عمر المالكي المحدّث، مصنّف «المعلم في شرح مسلم» كان من كبار أئمة زمانه. قال ابن الأهدل: نسبة إلى مازر بفتح الزاي وكسرها، بلدة بجزيرة صقلية [٣] ، وكان ذا فنون من أئمة المالكية وله «المعلم بفوائد مسلم» ومنه أخذ القاضي عياض شرحه «الإكمال» .

стр. 2426

توفي بالمهدية، عن ثلاث وثمانين سنة. وفيها هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن طاووس أبو محمد البغدادي إمام جامع دمشق. ثقة، مقرئ، محقّق، ختم عليه خلق، وله اعتناء بالحديث. روى عن أبي العبّاس بن قبيس [١] ، وأبي عبد الله بن أبي الحديد، وببغداد من البانياسي وطائفة، وبأصبهان من ابن شكرويه [٢] وطائفة، وآخر أصحابه ابن أبي لقمة. وفيها يحيى بن علي أبو محمد [٣] بن الطرّاح المدبّر. روى عن عبد الصمد بن المأمون وأقرانه، وكان صالحا ساكنا، توفي في رمضان.

стр. 2427

سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فيها توفي أحمد بن محمد بن أبي المختار، الشريف العلوي النّوبندجاني، شاعر مفلق. ومن شعره: اخضرّ بالزّغب المنمنم خدّه ... فالخدّ ورد بالبنفسج معلم يا عاشقيه تمتّعوا بعذاره ... من قبل أن يأتي السّواد الأعظم وفيها توفي صاحب ملطية محمد بن الدانشمند، واستولى على مملكة مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية. وفيها الحسين بن علي سبط الخيّاط البغدادي المقرئ، أبو عبد الله. قال ابن السمعاني: شيخ صالح ديّن حسن الإقراء، يأكل من كدّ يده. سمع الصّريفيني، وابن المأمون، والكبار. وفيها أبو الفتح بن البيضاوي، القاضي عبد الله بن محمد بن محمد ابن محمد، أخو قاضي القضاة أبي القاسم الزّينبي لأمه. سمع أبا جعفر بن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون، وكان متحرّيا في أحكامه، توفي في جمادى الأولى ببغداد. وفيها علي بن يوسف بن تاشفين، أمير المسلمين، صاحب المغرب، كان يرجع إلى عدل ودين وتعبّد وحسن طويّة وشدّة إيثار لأهل

стр. 2428

العلم، وتعظيم لهم، وذمّ للكلام وأهله. ولما وصلت إليه كتب أبي حامد [١] أمر بإحراقها وشدّد في ذلك، ولكنه [كان] [٢] مستضعفا مع رؤوس أمرائه، فلذلك ظهرت مناكير وخمور في دولته، فتغافل وعكف على العبادة، وتوثب عليه ابن تومرت، ثم صاحبه عبد المؤمن. توفي في رجب عن إحدى وستين سنة، وتملّك بعده ابنه تاشفين. قاله في «العبر» [٣] . وقال ابن الأهدل: كان من أئمة الهدى علما وعملا. وفيها عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن لقمان النّسفي السمرقندي الحنفي الحافظ، ذو الفنون، يقال: له مائة مصنّف. روى عن إسماعيل بن محمد النّوحي فمن بعده، وله أوهام كثيرة. قاله في «العبر» [٤] . وقال غيره: كان فاضلا مفسرا أديبا، صنّف كتبا في التفسير، والفقه، ونظم «الجامع الصغير» لمحمد بن الحسن [٥] ، وقدم بغداد وحدّث بكتاب «تطويل الأسفار لتحصيل الأخبار» من جمعه، وروى عنه عامة مشايخه. وفيها كوخان [٦] سلطان التّرك والخطا، الذي هزم المسلمين وفعل

стр. 2429

الأفاعيل في السنة الماضية، واستولى على سمرقند وغيرها، هلك في رجب ولم يمهله الله، وكان ذا عدل على كفره، وكان مليح الشكل، حسن الصورة، كامل الشجاعة، لا يمكّن أميرا من إقطاع بل يعطيهم من خزانته، ويقول: إن أخذوا الإقطاعات ظلموا الناس. وكان يعاقب على السّكر، ولا ينكر الزّنا ولا يستقبحه، وتملّكت ابنته بعده، ولم تطل مدتها، وتملّكت أمّها [١] بعدها، فحكمت على الخطا وما وراء النهر. وفيها محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز، القاضي المنتجب، أبو المعالي القرشي الدمشقي الشافعي، قاضي دمشق، وابن قاضيها القاضي الزكي. سمع أبا القاسم بن أبي العلاء وطائفة، وسمع بمصر من الخلعي، وتفقّه على نصر المقدسي وغيره، وتوفي في ربيع الأول عن سبعين سنة. وفيها مفلح بن أحمد أبو الفتح الرّومي ثم البغدادي الورّاق. سمع من أبي بكر الخطيب، والصّريفيني، وجماعة. توفي في المحرم. لملوك الترك، فمعناه أعظم الملوك.

стр. 2430

سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فيها توفي أبو المعالي عبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن البغدادي الصفّار المقرئ. روى عن ابن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون. وفيها أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي الحافظ الحنبلي، مفيد بغداد. سمع الصّريفيني ومن بعده. قال أبو سعد [١] : حافظ، متقن، كثير السماع. وقال ابن رجب [٢] : ولد في رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وسمع الكثير من خلق كثير، وكتب بخطه الكثير، وسمع العالي والنازل، حتى إنه قرأ على ابن الطيّوري جميع ما عنده. قال ابن ناصر عنه: كان بقية الشيوخ، وكان ثقة ولم يتزوج قطّ. وقال الحافظ أبو موسى المديني في «معجمه» : هو حافظ عصره ببغداد. وذكره ابن السمعاني فقال: حافظ، ثقة، متقن، واسع الرواية، دائم البشر، سريع الدمعة عند الذكر، حسن المعاشرة، جمع الفوائد، وخرّج

стр. 2431

التخاريج، لعله ما بقي جزء مروي إلّا وقد قرأه، وكان متفرغا للتحديث إما أن يقرأ عليه، أو ينسخ [شيئا] . وذكره تلميذه ابن الجوزي في عدة مواضع من كتبه، كمشيخته، و «طبقات الأصحاب المختصرة» و «التاريخ» و «صفة الصفوة» و «صيد الخاطر» وأثنى عليه كثيرا، وقال: كان ثقة ثبتا ذا دين وورع، وكنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته، وكان على طريقة السلف، وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره، ودخلت عليه في مرضه وقد بلي وذهب لحمه، فقال: إن الله- لا يتّهم في قضائه. وما رأينا في مشايخ الحديث أكثر سماعا منه، ولا أكثر كتابة للحديث منه، مع المعرفة به، ولا أصبر على الإقراء، ولا أكثر دمعة وبكاء، مع دوام البشر وحسن اللقاء، وكان لا يغتاب أحدا ولا يغتاب عنده أحد. وكان سهلا في إعارة الأجزاء، لا يتوقف. توفي- ﵀ يوم الخميس حادي عشر المحرم، ودفن من الغد بالشونيزية وهي مقبرة أبي القاسم الجنيد، غربي بغداد. وفيها علي بن طراد، الوزير الكبير، أبو القاسم الزّينبي العبّاسي، وزير المسترشد والمقتفي. سمع من عمه أبي نصر الزّينبي، وأبي القاسم بن البسري، وكان صدرا مهيبا نبيلا، كامل السؤدد، بعيد الغور، دقيق النظر، ذا رأي ودهاء وإقدام، نهض بأعباء بيعة المقتفي وخلع الراشد في نهار واحد، وكان الناس يتعجبون من ذلك، ولما تغيّر عليه المقتفي وهمّ بالقبض عليه، احتمى منه بدار السلطان مسعود، ثم خلّص ولزم داره، واشتغل بالعبادة والخير، إلى أن مات في رمضان، وكان يضرب المثل بحسنه في صباه. وفيها محمد بن الخضر بن أبي المهزول المعروف بالسّابق [١] من

стр. 2432

أهل المعرّة، كان شاعرا مجوّدا، دخل بغداد، وجالس ابن ناقيا [١] ، والأبيوردي، وأبا زكريا التبريزي، وأنشدهم، ولقي ابن الهبّارية، وعمل رسالة لقبها «تحية الندمان» . ومن شعره في مليح حلقوا رأسه: وجهك المستنير قد كان بدرا ... فهو شمس لنفي صدغك عنه ثبتت آية النهار عليه ... إذ محا القوم آية الليل منه وفيها أبو البركات محمد بن علي بن صدقة بن جلب، الصائغ الحنبلي [٢] ، أمين الحكم بباب الأزج. سمع من أبي محمد التميمي، وقرأ الفقه على القاضي أبي خازم. وذكر ابن القطيعي عن أبي الحسين بن أبي البركات الصائغ قال: سمعت أبي قال: جاءت فتوى إلى القاضي أبي خازم وفيها مكتوب: ما يقول الإمام أصلحه اللّ ... هـ[إلهي] وللسبيل هداه في محبّ أتى إليه حبيب ... في ليالي صيامه فأتاه أفتنا هل صباح ليلته أف ... طر أم لا وقل لنا ما تراه قال: فقال لي القاضي أبو خازم: أجب يا أبا البركات، فكتبت الجواب، وبالله التوفيق: أيها السائلي عن الوطء في لي ... لة الصيام الذي إليه دعاه وجده بالذي أحب وقد أح ... رق نار الغرام منه حشاه كيف يعصي ولو تفكّر في قد ... رة ربّي مفكّرا ما عصاه

стр. 2433

أأمنت الذي دحا الأرض أن يط ... بق دون الورى عليك سماه ليس فيما أتيت ما يبطل الصو ... م جوابي فاعلم هداك الله توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر رجب، ودفن بباب حرب، وسبب موته أن زوجته سمّته في طعام قدمته له، وأكل معه منه رجلان، فمات أحدهما من ليلته والآخر من غده، وبقي أبو البركات مريضا مديدة، ثم مات، رحمه الله تعالى. وفيها أبو الفتوح الإسفراييني محمد بن الفضل بن محمد، ويعرف أيضا بابن المعتمد، الواعظ المتكلم. روى عن أبي الحسن بن الأخرم المديني، ووعظ ببغداد، وجعل شعاره إظهار مذهب الأشعري، وبالغ في ذلك، حتى هاجت فتنة كبيرة بين الحنابلة والأشعرية، فأخرج من بغداد، فغاب مدة ثم قدم وأخذ يثير الفتنة ويبث اعتقاده ويذم الحنابلة، فأخرج من بغداد، وألزم بالإقامة ببلده، فأدركه الموت ببسطام في ذي الحجة، وكان رأسا في الوعظ أوحد في مذهب الأشعري، له تصانيف في الأصول والتصوف. قال ابن عساكر: أجرأ من رأيته لسانا وجنانا، وأسرعهم جوابا، وأسلسهم خطابا. لازمت حضور مجلسه، فما رأيت مثله واعظا ولا مذكّرا. قاله في «العبر» [١] . وفيها أبو القاسم الزّمخشري، محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي النحوي اللغوي المفسر المعتزلي، صاحب «الكشاف» و «المفصّل» عاش إحدى وسبعين سنة، وسمع ببغداد من ابن البطر [٢] ، وصنّف عدة تصانيف،

стр. 2434

وسقطت رجله، فكان يمشي في جاون خشب، وكان داعية إلى الاعتزال، كثير الفضائل. قاله في «العبر» [١] . وقال ابن خلّكان [٢] : الإمام الكبير في التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، وعلم البيان. كان إمام عصره من غير مدافع، تشد إليه الرحال في فنونه. أخذ النحو عن أبي مضر [٣] منصور، وصنّف التصانيف البديعة، منها «الكشاف» في تفسير القرآن العظيم، لم يصنّف قبله مثله، و «الفائق» في تفسير [٤] الحديث، و «أساس البلاغة» في اللغة، و «ربيع الأبرار وفصوص الأخبار» و «متشابه أسامي الرواة» و «النصائح الكبار» و «النصائح الصغار» و «ضالة الناشد» و «الرائض في علم الفرائض» و «المفصل» في النحو، وقد اعتنى بشرحه خلق كثير، و «الأنموذج» في النحو، و «المفرد والمؤلّف» في النحو، و «رؤوس المسائل» في الفقه، و «شرح أبيات سيبويه» و «المستقصى في أمثال العرب» و «صميم العربية» و «سوائر الأمثال» و «ديوان التمثيل» [٥] و «شقائق النعمان» [٦] و «شافي العيّ [٧] من كلام الشافعي» و «القسطاس» في العروض، و «معجم الحدود» و «المنهاج» في الأصول، و «مقدمة من الآداب» و «ديوان الرسائل» و «ديوان الشعر» و «الرسالة الناصحة» والأمالي في كل فنّ، وغير ذلك.

стр. 2435

وكان قد سافر إلى مكّة- حرسها الله تعالى- وجاور بها زمانا، فصار يقال له «جار الله» لذلك، فكان هذا الاسم علما عليه. وسمعت من بعض المشايخ أن إحدى رجليه كانت ساقطة [١] و [أنّه] كان يمشي في جاون خشب، وكان سبب سقوطها أنه في بعض أسفاره في بلاد خوارزم أصابه ثلج كثير وبرد شديد في الطريق فسقطت منه رجله، وأنه كان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك، خوفا من أن يظن من لم [٢] يعلم الحال أنها قطعت لريبة. ورأيت في تاريخ [بعض] المتأخرين، أن الزّمخشري لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن [سبب] قطع رجله، فقال: دعاء الوالدة، وذلك أنني في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله، وأفلت من يدي، فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فقالت والدتي: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سنّ الطلب رحلت [٣] إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي، وعملت عليّ عملا [٤] أوجب قطعها. وكان الزّمخشري المذكور معتزلي الاعتقاد متظاهرا به، حتّى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنّف كتاب «الكشّاف» استفتح الخطبة بقوله: «الحمد لله الذي خلق القرآن» فيقال: إنه قيل متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيّره بقوله:

стр. 2436

«الحمد لله الذي جعل القرآن» وجعل عندهم بمعنى خلق. ورأيت في كثير من النسخ «الحمد لله الذي أنزل القرآن» وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنّف. وكان الحافظ أبو الطاهر السّلفي كتب إليه من الإسكندرية وهو يومئذ مجاور بمكة يستجيزه في مسموعاته ومصنفاته، فردّ جوابه بما لا يشفي الغليل، فلما كان في العام الثاني كتب إليه أيضا مع بعض الحجّاج استجازة أخرى، ثم قال في آخرها: ولا يحوج- أدام الله توفيقه- إلى المراجعة، فالمسافة بعيدة، وقد كاتبه في السنة الماضية فلم يجبه بما يشفي الغليل، وفي ذلك الأجر الجزيل. فكتب [إليه] الزّمخشري جوابه بأفصح عبارة وأبلغها، ولم يصرح له بمقصوده. ومن شعره السائر قوله: ألا قل لسعدى ما لنا فيك [١] من وطر ... وما النّجل [٢] من أعين البقر فإنّا اقتصرنا بالذين تضايقت ... عيونهم والله يجزي من اقتصر مليح ولكن عنده كلّ [٣] جفوة ... ولم أر في الدّنيا صفاء بلا كدر ولم أنس إذ غازلته قرب روضة ... إلى جنب حوض فيه للماء منحدر [٤] فقلت له: جئني بورد وإنما ... أردت به ورد الخدود وما شعر فقال: انتظرني رجع طرف أجئ به ... فقلت له: هيهات ما لي منتظر فقال: ولا ورد سوى الخدّ حاضر ... فقلت له: إنّي قنعت بما حضر

стр. 2437

ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر [١] منصورا: وقائلة: ما هذه الدّرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين؟ فقلت لها: الدّر الذي كان قد حشا ... أبو مضر أذني تساقط من عيني ومن شعره: أقول لظبي مرّ بي وهو راتع ... أأنت أخو ليلى فقال: يقال فقلت وفي حكم الصبابة والهوى ... يقال أخو ليلى فقال: يقال فقلت وفي ظل الأراكة والحمى ... يقال ويستسقي فقال: يقال ومما أنشد لغيره في كتاب «الكشّاف» [٢] في سورة البقرة، عند قوله تعالى: إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ٢: ٢٦ [البقرة: ٢٦] فإنه قال: أنشدت لبعضهم: يا من يرى مدّ البعوض جناحها ... في ظلمة اللّيل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخّ في تلك العظام النّحل اغفر لعبد تاب عن فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول وكانت ولادة الزمخشري يوم الأربعاء سابع عشري رجب، سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر، وتوفي ليلة عرفة بجرجانيّة خوارزم، بعد رجوعه من مكّة. انتهى ما أورده ابن خلّكان ملخصا [٣] . وقال ابن الأهدل: كان من أئمة الحنفية، معتزلي العقيدة، عظم صيته في علوم الأدب، وسلّم مناظروه له. انتهى ملخصا أيضا.

стр. 2438

سنة تسع وثلاثين وخمسمائة فيها توفي أبو البدر الكرخي إبراهيم بن محمد بن منصور [١] . ثقة ذو مال، حدّث عن ابن سمعون، وعن خديجة الشاهجانية، وسمع أيضا من الخطيب وطائفة، وتوفي في ربيع الأول. وفيها تاشفين [٢] صاحب المغرب، أمير المسلمين، ولد علي بن يوسف بن تاشفين المصمودي البربري الملثّم، ولي بعد أبيه سنتين وأشهرا، وكانت دولته في ضعف وانتقال، وزوال، مع وجود عبد المؤمن، فتحصّن بمدينة وهران، فصعد ليلة في رمضان إلى مزار بظاهر وهران، فبيّته أصحاب عبد المؤمن، فلما أيقن بالهلكة ركض فرسه فتردّى به إلى البحر، فتحطم وتلف، ولم يبق لعبد المؤمن منازع، فأخذ تلمسان. وفيها ولّى جقر [٣] بالموصل رجلا ظالما يقال له القزويني، فسار سيرة قبيحة، وشكا الناس إليه، فولّى مكانه عمر بن شكله، فأساء السيرة أيضا، فقال الحسن بن أحمد الموصلي:

стр. 2439

يا نصير الدّين يا جقر ... ألف قزويني ولا عمر لو رماه الله في سقر ... لاشتكت من ظلمه سقر وفيها توفي أبو منصور بن الرزّاز، سعيد بن محمد بن عمر البغدادي، شيخ الشافعية، ومدرّس النظامية، تفقّه على الغزالي، وأسعد الميهني، وإلكيا الهرّاسي، وأبي بكر الشاشي، وأبي سعد المتولي. وروى عن رزق الله التميمي، وبرع وساد، وصار إليه رئاسة المذهب، وكان ذا سمت ووقار وجلالة، كان مولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وتوفي في ذي الحجة، ودفن بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. وفيها أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرّعيني الإشبيلي، خطيب إشبيلية ومقرئها ومسندها. روى عن أبيه، وأبي عبد الله بن منظور، وأجاز له ابن حزم، وقرأ القراءات على أبيه وبرع فيها، ورحل الناس إليه من الأقطار للحديث والقراءات، ومات في شهر جمادى الأولى عن تسع وثمانين سنة. وفيها- أو في التي قبلها كما جزم به ابن ناصر الدّين [١]- أبو المعالي عبد الله بن أحمد بن أحمد بن محمد المروزي الحلواني- بفتح الحاء [المهملة] ، نسبة إلى الحلوى- البزّاز. كان حافظا فقيها عالما نبيها. قاله ابن ناصر الدّين. وفيها علي بن هبة الله بن عبد السلام، أبو الحسن الكاتب البغدادي. سمع الكثير بنفسه، وكتب، وجمع، وحدّث عن الصريفيني، وابن النّقور، وتوفي في رجب عن ثمان وثمانين سنة. وفيها أبو البركات عمر بن إبراهيم بن محمد الزّيدي الكوفي النحوي

стр. 2440

الحنفي. أجاز له محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي، وسمع من أبي بكر الخطيب وخلق، وسكن الشام مدة، وله مصنفات في العربية، وكان يقول: أفتي برأي أبي حنيفة ظاهرا، وبمذهب جدّي زيد بن علي تديّنا. وقال أبيّ النّرسي: كان جاروديا [١] لا يرى الغسل من الجنابة. وقال في «العبر» [٢] : قلت: وقد اتهم بالرفض، والقدر، والتجهّم. توفي في شعبان، وله سبع وتسعون سنة، وشيّعه نحو ثلاثين ألفا، وكان مسند الكوفة. انتهى. وفيها فاطمة بنت محمد بن أبي سعد البغدادية أم البهاء الواعظة، مسندة أصبهان. روت عن أبي الفضل الرازي [٣] وسبط بحرويه [٤] ، وأحمد ابن محمود الثقفي، وسمعت «صحيح البخاري» من سعيد العيّار. وتوفيت في رمضان، ولها أربع وتسعون سنة. وفيها القاسم بن المظفّر علي بن القاسم الشهرزوري، والد قاضي الخافقين أبي بكر محمد، والمرتضى أبي محمد عبد الله، وأبي منصور المظفّر، وهو جد بيت الشهرزوري، قضاة الشام، والموصل، والجزيرة، وكلهم إليه ينتسبون. كان حاكما بمدينة إربل مدة، وبمدينة سنجار مدة، وكان من أولاده وحفدته أولاد علماء نجباء كرماء، نالوا المراتب العلية، وتقدموا

стр. 2441

عند الملوك، وتحكموا وقضوا، ونفقت أسواقهم، خصوصا حفيده القاضي كمال الدّين محمد، ومحيي الدّين بن كمال الدّين، وقدم بغداد غير مرّة، وذكره جماعة وأثنوا عليه، منهم: أبو البركات المستوفي في «تاريخ إربل» [١] وأورد له شعرا، فمن ذلك قوله: همّتي دونها السّها والزّبانا ... قد علت جهدها فما تتدانى فأنا متعب معنىّ إلى أن ... تتفانى الأيام أو نتفانى هكذا وجدت هذه الترجمة في «تاريخ الإسلام» لابن شهبة. والصحيح أن البيتين لولده أبي بكر محمد قاضي الخافقين، فإنه المتوفى في هذا التاريخ. وأما والده القاسم فذكر ابن خلّكان [٢] أن وفاته سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وهذا غاية البعد والوهم، وكانت ولادة قاضي الخافقين بإربل سنة ثلاث أو أربع وخمسين وأربعمائة، وتوفي في جمادى الآخرة ببغداد، ودفن بباب أبرز، وإنما قيل له قاضي الخافقين لكثرة البلاد التي وليها، وممن سمع منه، السمعاني، وقال في حقه: إنه اشتغل بالعلم على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وولي القضاء بعدة بلاد، ورحل إلى العراق، وخراسان، والجبال، وسمع الحديث الكثير. وأما أخو قاضي الخافقين المرتضى، فهو أبو محمد عبد الله بن القاسم بن المظفّر والد القاضي كمال الدّين، كان أبو محمد المذكور مشهورا بالفضل والدّين، مليح الوعظ، مع الرشاقة والتجنيس، أقام ببغداد مدة يشتغل بالحديث والفقه، ثم رحل إلى الموصل، وتولى بها القضاء، وروى

стр. 2442

الحديث، وله شعر رائق، فمن ذلك قصيدته التي على طريقة الصوفية، ولقد أحسن فيها، ومنها: لمعت نارهم وقد عسعس اللي ... ل وملّ الحادي وحار الدليل فتأمّلتها وفكري من البي ... ن عليل ولحظ عيني كليل وفؤادي ذاك الفؤاد المعنّى ... وغرامي ذاك الغرام الدخيل ثم قابلتها وقلت لصحبي ... هذه النّار نار ليلى فميلوا فرموا نحوها لحاظا صحيحا ... ت وعادت خواسئا وهي حوّل ثم مالوا إلى الملام وقالوا ... خلّب ما رأيت أم تخييل فتنحّيتهم وملت إليها ... والهوى مركبي وشوقي الزميل وهي طويلة. ومن شعره قوله: يا ليل ما جئتكم زائرا ... إلّا وجدت الأرض تطوى لي ولا ثنيت العزم عن بابكم ... إلّا تعثرت بأذيالي وكانت ولادته في شعبان سنة خمس وستين وأربعمائة وتوفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وخمسمائة بالموصل ودفن بالتربة المعروفة بهم. وأما أخوه المظفّر، فإن السمعاني ذكره في «الذيل» فقال: ولد بإربل، ونشأ بالموصل، وورد بغداد وتفقّه بها على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، ورجع إلى الموصل، وولي قضاء سنجار على كبر سنه وسكنها، وكان قد أضرّ، ثم قال: سألته عن مولده فقال: ولدت في جمادى الآخرة- أو رجب- سنة سبع وخمسين وأربعمائة بإربل، ولم يذكر وفاته، والله أعلم. وفيها أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي ثم النيسابوري [١] ،

стр. 2443

راوي «السّنن الكبير» عن البيهقي وراوي « [صحيح] البخاري» عن [سعيد] العيّار، توفي في جمادى الآخرة، وله إحدى وتسعون سنة. وفيها [أبو عبد الله] محمد بن عبد العزيز السّوسي [ثم البصري] الشاعر [١] . كان ظريفا [ماجنا] ، له منظر حسن، ورث من أبيه مالا جزيلا فأنفقه في اللهو وافتقر، فعمل قصيدته الظريفة المعروفة بالسّوسية، التي أولها الحمد لله ليس [لي] بخت ... ولا ثياب يضمّها تخت وفيها أبو المنصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن محمد بن خيرون البغدادي المقرئ الدبّاس، مصنّف «المفتاح» و «الموضح في القراءات» أدرك أصحاب أبي الحسن الحمّامي، وسمع الحديث من أبي جعفر بن المسلمة، والخطيب، والكبار، وتفرّد بإجازة أبي محمد الجوهري. توفي في رجب، وله خمس وثمانون سنة. وفيها أبو المكارم المبارك بن علي السّمّذي- بكسرتين وتشديد الميم، نسبة إلى السّمّذ، وهو الخبز الأبيض، يعمل للخواص- البغدادي سمع الصريفيني وطائفته، ومات يوم عاشوراء.

стр. 2444

سنة أربعين وخمسمائة فيها توفي أبو سعد البغدادي الحافظ أحمد بن محمد بن أبي سعد أحمد بن الحسن الأصبهاني. ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وسمع من عبد الرحمن، وعبد الوهاب ابني مندة وطبقتهما، وببغداد من عاصم بن الحسن. قال [أبو] سعد بن السمعاني: حافظ، ديّن، خيّر، يحفظ «صحيح مسلم» وكان يملي من حفظه. وقال الذهبي [١] : حجّ مرّات، ومات في ربيع الآخر بنهاوند، ونقل إلى أصبهان. وقال ابن ناصر الدّين [٢] : كان ثقة متقنا ديّنا خيّرا واعظا، و «صحيح مسلم» من بعض حفظه. وفيها أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن البحيري. روى عن القشيري، وأحمد بن منصور المغربي. توفي في جمادى الأولى عن سبع وثمانين سنة.

стр. 2445

وفيها [أبو الفتح] محمد بن محمد بن الخشّاب الكاتب [١] ، أحد الفضلاء. فمن شعره: أراك اتّخذت سواكا أراكا ... لكيما أراك وأنسى سواكا سواك فما أشتهي أن أرى ... فهب لي رضابا وهب لي سواكا ومن هنا أخذ القائل: ما أردت الأراك إلّا لأني ... إن ذكرت الأراك قلت أراكا وهجرت السواك إلّا لأني ... إن ذكرت السواك قلت سواكا وقال الآخر: طلبت منك سواكا ... وما طلبت سواكا وما طلبت أراكا ... إلّا أردت أراكا وكان حسن الخطّ [والعبارة] والتّرسل، له حظ [وافر] من العربية، وكان يضرب به المثل في الكذب ووضع الخيالات [٢] والحكايات المستحيلات، منهمكا على الشرب مع كبر سنه. وفيها [أبو عبد الله] محمد بن مزّاح الأزدي [٣] . من شعره في ثقيل: لنا صديق زائد ثقله ... فظفره كالجبل الرّاسي تحمل منه الأرض أضعاف ما ... تحمله من سائر النّاس ولبعض الأندلسيين: ليس بإنسان ولكنّه ... يحسبه النّاس من النّاس

стр. 2446

أثقل في أنفس إخوانه ... من جبل راس على راس وفيها أبو إسحاق الضرير، إبراهيم بن محمد الطّليطلي، وهو القائل: أتاك العذار على غرّة ... فإن كنت في غفلة فانتبه وقد كنت تأبى زكاة الجمال ... فصار شجاعا تطوّقت به وفيها أبو الحسن محمد بن الحسن أبو علي بن أبي جعفر الطّوسي [١] ، شيخ الرافضة [٢] وعالمهم، وابن شيخهم وعالمهم، رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق وحملوا إليه، وكان ورعا عالما كثير الزهد. وأثنى عليه السمعاني. وقال العماد الطبري: لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه. وفيها أبو منصور بن الجواليقي، موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن البغدادي الحنبلي [٣] . قال ابن رجب [٤] : هو شيخ أهل اللغة في عصره. ولد في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير من أبي القاسم بن البسري، وأبي طاهر بن أبي الصّقر، وابن الطّيوري، وخلق، وبرع في علم اللغة والعربية، ودرّس العربية في النظامية بعد شيخه أبي زكريا مدة، ثم قرّبه المقتفي لأمر الله تعالى، فاختص بإمامته في الصلوات، وكان المقتفي يقرأ عليه شيئا من الكتب، وانتفع به، وبان أثره في توقيعاته، وكان من أهل السّنّة المحامين عنها، ذكر ذلك ابن شافع. وقال ابن السمعاني في حقه: إمام اللغة والأدب، وهو من مفاخر

стр. 2447

بغداد، وهو متدين ثقة ورع، غزير الفضل، كامل العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنّف التصانيف وانتشرت عنه، وشاع ذكره، ونقل بخطه الكثير. وكذلك قال عنه تلميذه ابن الجوزي. وقال: وقرأت عليه كتابه «المعرّب» [١] وغيره من تصانيفه. وقال ابن خلّكان [٢] : صنف التصانيف، وانتشرت عنه، مثل «شرح كتاب أدب الكاتب» وكتاب «المعرّب» و «تتمة درّة الغوّاص» للحريري. وكان يصلي بالمقتفي بالله، فدخل عليه- وهو أول ما دخل- فما زاد على أن قال: السلام على أمير المؤمنين. فقال: ابن التلميذ النصراني- وكان قائما وله إدلال الخدمة والطب-: ما هكذا يسلّم على أمير المؤمنين يا شيخ، فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال: يا أمير المؤمنين: سلامي هو ما جاءت به السّنّة النبوية. وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه [المرضي] لما لزمته كفّارة، لأن الله تعالى ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلّا الإيمان، فقال: صدقت وأحسنت [٣] وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزارة أدبه. وقال المنذري: سمع منه جماعة، منهم: ابن ناصر، وابن السمعاني، وابن الجوزي، وأبو اليمن الكندي، وتوفي سحر يوم الأحد خامس عشر المحرم، ودفن بباب حرب عند والده، رحمهما الله تعالى.

стр. 2448

سنة إحدى وأربعين وخمسمائة فيها أخذت الفرنج طرابلس المغرب بالسيف ثم عمروها. وفيها توفي أبو البركات إسماعيل بن الشيخ أبي أحمد بن محمد النيسابوري [١] ثم البغدادي، شيخ الشيوخ، وله ست وسبعون سنة. روى عن أبي القاسم بن البسري وطائفة. وكان مهيبا جليلا وقورا متصوّفا [٢] . وفيها حنبل بن علي أبو جعفر البخاري [السّجزي] الصوفي. سمع من شيخ الإسلام [٣] بهراة، وصحبه، وببغداد من أبي عبد الله النّعالي، توفي بهراة في شوال. وفيها زنكيّ الأتابك عماد الدّين [٤] ، صاحب الموصل وحلب، ويعرف أبوه بالحاجب قسيم الدولة آق سنقر التّركي. ولي شحنكيّة بغداد في آخر دولة المستظهر بالله، ثم نقل إلى الموصل، وسلّم إليه السلطان محمود ولده فروخشاه الملقّب بالخفاجي ليربيه، ولهذا قيل له أتابك. وكان فارسا شجاعا ميمون النقيبة، شديد البأس، قوي المراس، عظيم الهيبة، فيه ظلم وزعارة،

стр. 2449

ملك الموصل، وحلب، وحماة، وحمص، وبعلبك، والرّها، والمعرّة. قتله بعض غلمانه وهو نائم وهربوا إلى قلعة جعبر، ففتح لهم صاحبها عليّ بن مالك العقيلي، وكان زنكي- سامحه الله- حسن الصورة، أسمر، مليح العينين، قد وخطه الشيب، وجاوز الستين، قتل في ربيع الآخر، وتملّك الموصل بعده ابنه غازي، وتملّك حلب وغيرها ابنه الآخر نور الدّين محمود. وفيها أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري الأندلسي، البلنسي المحدّث. رحل إلى المشرق، وسافر في التجارة إلى الصين، وكان فقيها عالما متقنا. سمع أبا عبد الله النّعالي، وطراد بن محمد، وطائفة، وسكن أصبهان مدة ثم بغداد، وتفقّه على الغزالي، وتوفي في المحرم. وفيها سبط الخيّاط الإمام أبو محمد عبد الله بن علي البغدادي، المقرئ الفقيه، الحنبلي النحوي، شيخ المقرئين بالعراق، وصاحب التصانيف. ولد سنة أربع وستين وأربعمائة، وسمع من أبي الحسين بن النّقّور وطائفة، وقرأ القرآن على جدّه الزاهد أبي منصور، والشريف عبد القادر، وطائفة، وبرع في العربية على ابن فاخر، وأمّ بمسجد [ابن] جردة بضعا وخمسين سنة، وقرأ عليه خلق. وكان من أندى الناس صوتا بالقرآن، توفي في ربيع الآخر، وكان الجمع في جنازته يفوت الإحصاء. قاله في «العبر» [١] . وقال ابن الجوزي: قرأت عليه القرآن والحديث الكثير، ولم أسمع قارئا قطّ أطيب صوتا منه، ولا أحسن أداء على كبر سنه، وكان كثير التلاوة، لطيف الأخلاق، ظاهر الكياسة والظرافة وحسن المعاشرة للعوام والخواص، قويا في السّنّة، وكان طول عمره منفردا في مسجده.

стр. 2450

وقال ابن شافع: سار ذكر سبط الخيّاط في الأغوار والأنجاد، ورأس أصحاب الإمام أحمد، وصار واحد وقته ونسيج وحده، لم أسمع في جميع عمري من يقرأ الفاتحة أحسن ولا أفصح منه. وكان جمال العراق بأسره، ظريفا كريما لم يخلّف مثله في أكثر فنونه. وقال ابن نقطة: كان شيخ العراق، يرجع إلى دين وثقة وأمانة، وكان ثقة صالحا من أئمة المسلمين، وله شعر حسن، فمنه: يا من تمسّك بالدنيا ولذتها ... وجدّ في جمعها بالكدّ والتعب هلّا عمرت لدار سوف تسكنها ... دار القرار وفيها معدن الطلب فعن قليل تراها وهي داثرة ... وقد تمزّق ما جمّعت من نشب وقوله أيضا: أيّها الزائرون بعد وفاتي ... جدثا ضمّني ولحدا عميقا سترون الذي رأيت من المو ... ت عيانا وتسلكون الطريقا وقوله أيضا: الفقه علم به الأديان ترتفع ... والنحو عزّ به الإنسان ينتفع ثم الحديث إذا ما رمته فرج ... من كل معنى به الإنسان يبتدع ثم الكلام فذره فهو زندقة ... وخرّقه فهو خرق ليس يرتقع قال ابن الجوزي: توفي بكرة الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر، وتوفي في غرفته التي في مسجده فحطّ تابوته بالحبال من سطح المسجد، وأخرج إلى جامع القصر، فصلى عليه عبد القادر، وما رأيت جمعا أكثر من جمعه ودفن في دكة الإمام أحمد عند جده أبي منصور. وفيها أبو بكر وجيه بن طاهر بن محمد الشحّامي، أخو زاهر، توفي في جمادي الآخرة عن ست وثمانين سنة. سمع القشيري، وأبا حامد

стр. 2451

الأزهري، ويعقوب الصّيرفي، وطبقتهم، وطائفة، بهراة، وببغداد، والحجاز، وأملى مدة، وكان خيّرا متواضعا متعبدا لا كأخيه، وتفرّد في عصره. قاله في «العبر» [١] .

стр. 2452

سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فيها غزا نور الدّين محمود بن زنكي، فافتتح ثلاثة حصون للفرنج بأعمال حلب. وفيها كان الغلاء المفرط- بل وقبلها بسنوات- بإفريقية [حتى أكلوا لحوم الآدميين] [١] . وفيها توفي أبو الحسن بن الأبنوسي أحمد بن أبي محمد عبد الله بن علي البغدادي الشافعي الوكيل. سمع أبا القاسم بن البسري وطبقته، وتفقّه وبرع، وقرأ الكلام والاعتزال، ثم لطف الله به، وتحوّل سنّيا. توفي في ذي الحجة عن بضع وسبعين سنة. وفيها أبو جعفر البطروجي [٢] أحمد بن عبد الرحمن الأندلسي، أحد الأئمة. روى عن أبي عبد الله الطّلّاعي، وأبي علي الغسّاني، وطبقتهما، وكان إماما حافلا [٣] بصيرا بمذهب مالك ودقائقه، إماما في الحديث ومعرفة

стр. 2453

رجاله وعلله، له مصنّفات مشهورة، ولم يكن في وقته بالأندلس مثله، ولكنه كان قليل العربية، رثّ الهيئة، خاملا. توفي في المحرم. وفيها أبو بكر بن الأشقر أحمد بن علي بن عبد الواحد الدلّال. روى عن المهتدي بالله، والصّريفيني، وكان خيّرا، صحيح السماع، توفي في صفر. وفيها دعوان [١] بن علي بن حمّاد بن صدقة الجبّائي، ويقال له الجبّي أيضا- نسبة إلى قرية [٢] بسواد بغداد عند العقر على طريق خراسان- المقرئ الفقيه الحنبلي أبو محمد. ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة بالجبة المذكورة، وقدم بغداد فسمع بها من أبي محمد التميمي، وأبي عبد الله بن البسري وجماعة، وقرأ بالروايات على الشريف عبد القاهر المكّي، وابن سوار، وتفقّه على أبي سعد المخرّمي، وأحكم [٣] الفقه، وأعاد لشيخه المذكور، وأقرأ القرآن، وحدّث وانتفع به الناس. قرأ عليه جماعة، وحدّث عنه آخرون، منهم: ابن السمعاني. قال ابن الجوزي: كان خيّرا [٤] ، ديّنا ذا ستر وصيانة وعفاف وطرائق محمودة [٥] على سبيل السلف الصالح. توفي يوم الأحد سادس عشري ذي القعدة، ودفن من الغد بمقبرة أبي بكر غلام الخلّال إلى جانبه. وفيها علي بن عبد السيّد أبو القاسم بن العلّامة أبي نصر بن الصبّاغ

стр. 2454

الشاهد. سمع من الصريفيني كتاب «السبعة» لابن مجاهد، وعدة أجزاء، وكان صالحا حسن الطريقة، توفي في جمادى الأولى. وفيها عمر بن ظفر أبو حفص المغازليّ، مفيد بغداد. سمع أبا القاسم ابن البسري فمن بعده، وأقرأ القرآن مدة، وكتب الكثير. توفي في شعبان. وفيها أبو عبد الله الجلّابي [١] القاضي، محمد بن علي بن محمد بن محمد بن الطيب الواسطي المغازلي. سمع من محمد بن محمد بن مخلد الأزدي، والحسن بن أحمد الغندجاني، وطائفة، وأجاز له أبو غالب بن بشران اللغوي وطبقته، وكان ينوب في الحكم بواسط. وفيها أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد القوي المصّيصي ثم اللّاذقي ثم الدمشقي، الفقيه الشافعي الأصولي الأشعري. سمع من أبي بكر الخطيب، وتفقه على الفقيه نصر المقدسي، وسمع ببغداد من رزق الله، وعاصم. وبأصبهان من ابن شكرويه، ودرّس بالغزالية، ووقف وقوفا، وأفتى وأشغل، وصار شيخ دمشق في وقته، توفي في ربيع الأول، وله أربع وتسعون سنة، وآخر أصحابه ابن أبي لقمة. قال ابن شهبة [٢] : كان منقبضا عن الدخول على السلاطين، ودفن بمقابر باب الصغير. وفيها أبو السعادات بن الشّجريّ، هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الشريف العلوي الحسيني البغدادي النحوي، صاحب التصانيف. قال ابن خلّكان [٣] : كان إماما في النحو واللغة وأشعار العرب وأيامها

стр. 2455

وأحوالها، كامل الفضائل، متضلعا من الأدب، صنّف فيه عدة تصانيف، فمن ذلك كتاب «الأمالي» وهو أكبر تآليفه وأكثرها إفادة، أملاه في أربعة وثمانين مجلسا، وهو يشتمل على فوائد جمّة من فنون الأدب، وختمه بمجلس قصره على أبيات من شعر المتنبي، تكلّم عليها، وذكر ما قاله الشرّاح فيها، وزاد من عنده ما سنح له، وهو من الكتب الممتعة، ولما فرغ من إملائه حضر إليه أبو محمد بن الخشّاب، والتمس منه سماعه عليه، فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه وردّ عليه في مواضع من الكتاب، ونسبه فيها إلى الخطأ، فوقف أبو السعادات على ذلك الردّ، فردّ عليه في ردّه وبيّن وجوه غلطه وجمعه كتابا سماه «الانتصار» وهو على صغر حجمه مفيد جدا، وسمعه عليه الناس، وجمع أيضا كتابا سماه «الحماسة» ضاهى به «حماسة أبي تمام» وهو كتاب غريب أحسن فيه، وله في النحو عدة تصانيف، وله «ما اتفق لفظه واختلف معناه» ، وشرح «اللمع» لابن جنّي وشرح «التصريف المملوكي» . وكان حسن الكلام، حلو الألفاظ، فصيحا، جيد البيان والتفهيم، وقرأ الحديث بنفسه على جماعة، منهم ابن المبارك الصيرفي، وابن نبهان الكاتب، وغيرهما. وحكى أبو البركات عبد الرحمن بن الأنباري في كتاب «مناقب الأدباء» أنّ العلّامة الزّمخشري لما قدم بغداد قاصدا للحج، مضى إلى زيارته [١] شيخنا أبو السعادات بن الشّجري ومضينا إليه معه، فلما اجتمع به أنشده قول المتنبي [٢] : وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغّر الخبر الخبر ثم أنشده بعد ذلك:
следующие страницы →