الكلام» ، وكتاب «الملل والنّحل» و «تلخيص الأقسام لمذاهب الأعلام» .
وقال ابن خلّكان [١] : كان إماما، مبرّزا، فقيها، متكلما، واعظا، توفي في شعبان.
وقال ابن الأهدل [٢] : سمع الحديث من ابن المديني، وكتب عنه ابن السمعاني، وعظم صيته في الدّنيا.
وشهرستان: اسم لثلاث مدن.
الأولى: بين نيسابور وخوارزم.
والثانية: قصبة ناحية نيسابور.
والثالثة: مدينة على نحو ميلين من أصبهان. انتهى.
وفيها أبو علي محمد بن عبد الله بن محمد البسطامي [٣] الشافعي المعروف بإمام بغداد. كان فقيها مناظرا، وشاعرا مجيدا، تفقّه على إلكيا الهرّاسي، وسمع من ابن العلّاف، ولم يحدّث شيئا، وتوفي ببلخ [٤] [سنة] ثمان وأربعين وخمسمائة. ذكره ابن السمعاني.
وفيها أبو طاهر السّنجي- بالكسر والسكون، نسبة إلى سنج بجيم قرية بمرو- محمد بن محمد بن عبد الله المروزي [٥] الحافظ، خطيب مرو، تفقّه على أبي المظفّر السمعاني، وعبد الرحمن البزّاز. وسمع من طائفة، ولقي ببغداد ثابت بن بندار وطبقته، ورحل مع أبي بكر بن السمعاني، وكان ذا معرفة وفهم، مع الثقة والفضل والتعفف، توفي في شوال، عن بضع وثمانين سنة.
стр. 2487
وفيها أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكشميهني المروزي الخطيب، شيخ الصوفية ببلده، وآخر من روى عن محمد بن أبي عمران «صحيح البخاري» عاش ستا وثمانين سنة.
وفيها أبو عبد الله بن القيسراني محمد بن نصر بن صغير [١] بن خالد الأديب، حامل لواء الشعر في عصره، تولى إدارة الساعات التي بدمشق مدة، ثم سكن حلب، وكان عارفا بالهيئة، والنجوم، والهندسة، والحساب، مدح الملوك والكبار، وعاش سبعين سنة، ومات بدمشق.
قال ابن خلّكان [٢] : كان [هو، و] ابن منير ينسب إلى التحامل على الصحابة، رضوان الله عليهم، ويميل إلى التشيع، فكتب إليه ابن القيسراني، وقد بلغه أنه هجاه، قوله:
ابن منير هجوت مني ... حبرا أفاد الورى صوابه
ولم تضيّق بذاك صدري ... فإن لي أسوة الصحابة
ومن محاسن شعره قوله:
كم ليلة بتّ من كأسي وريقته ... نشوان أمزج سلسالا بسلسال
وبات لا تحتمي عنّي [٣] مراشفه ... كأنّما ثغره ثغر بلا وال
وقوله في مدح خطيب:
شرح المنبر صدرا ... لتلقّيك رحيبا
أترى ضمّ خطيبا ... منك أم ضمخ طيبا
وقوله في الغزل:
بالسفح من لبنان لي ... قمر منازله القلوب
стр. 2488
حملت تحيته الشما ... ل فردّها عنّي الجنوب
فرد الصفات غريبها ... والحسن في الدّنيا غريب
لم أنس ليلة قال لي ... لما رأى جسمي [١] يذوب
بالله قل لي من أعلّ ... ك يا فتى؟ قلت: الطبيب
وكانت ولادته بعكا سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي ليلة الأربعاء حادي عشري شعبان بدمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وفيها محمد بن يحيى العلّامة أبو سعد [٢] النيسابوري محيي الدّين، شيخ الشافعية، وصاحب الغزالي، انتهت إليه رئاسة المذهب بخراسان [٣] وقصده الفقهاء من البلاد، وصنف التصانيف، منها «المحيط في شرح الوسيط» .
وهو القائل:
وقالوا يصير الشّعر في الماء حيّة ... إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا
[٤]
فلمّا التوى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقّنته حقّا
[٥] توفي في رمضان شهيدا على يد الغزّ- قبحهم الله- عن اثنتين وسبعين سنة، ورثاه جماعة، منهم: علي البيهقي فقال:
يا سافكا دم عالم متبحّر ... قد طار في أقصى الممالك صيته
стр. 2489
بالله قل لي يا ظلوم ولا تخف ... من كان محيي الدّين [١] كيف تميته
وفيها محمود بن الحسين بن بندار، أبو نجيح، الطّلحي [٢] الواعظ المحدّث الحنبلي. سمع الحديث الكثير، وطلبه بنفسه، وقرأ وسمع بأصبهان كثيرا من يحيى بن مندة الحافظ وغيره، ورحل إلى بغداد وسمع بها من ابن الحصين، والقاضي أبي الحسين، وكتب بخطه كثيرا، وخطه حسن متقن، ووعظ وقال الشعر، وسمع منه ابن سعدون القرطبي. وحدّث عنه محمد بن مكّي الأصبهاني بها وغيره.
وفيها نصر بن أحمد بن مقاتل السّوسي ثم الدمشقي [٣] . روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء وجماعة، وكان شيخا مباركا، توفي في ربيع الأول.
وفيها هبة الله بن الحسين بن أبي شريك الحاسب [٤] ، مات ببغداد في صفر. سمع من أبي الحسين بن النّقور، وكان حشريا مذموما.
وفيها أبو الحسين المقدسي [٥] الزاهد، صاحب الأحوال والكرامات، دوّن الشيخ الضياء سيرته في جزء، وقبره بحلب يزار.
стр. 2490
سنة تسع وأربعين وخمسمائة
فيها في صفر أخذ نور الدّين دمشق من مجير الدّين أبق بن محمد ابن بوري بن طغتكين، على أن يعوّضه بحمص، فلم يتم، وأعطاه بالس [١] ، فغضب وسار إلى بغداد، وبنى بها دارا فاخرة، وبقي بها مدة، وكانت الفرنج قد طمعوا في دمشق بحيث أن نوّابهم استعرضوا من بدمشق من الرقيق، فمن أحب المقام تركوه، ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهرا، وكان لهم على أهل دمشق القطيعة كلّ سنة، فلطف الله، واستمال نور الدّين أحداث دمشق، فلما جاء ونازلها استنجد أبق بالفرنج، وسلّم إليه النّاس البلد من شرقيه، وحاصر أبق في القلعة، ثم نزل بعد أيام، وبعث المقتفي عهدا بالسلطنة لنور الدّين وأمره بالمسير إلى مصر، وكان مشغولا بحرب الفرنج.
وفيها توفي الظافر بالله أبو منصور إسماعيل بن الحافظ لدّين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر العبيدي الرافضي. بقي في الولاية خمسة أعوام، ووزر له ابن مصال، ثم ابن السلّار، ثم عبّاس، ثم إن عبّاسا وابنه نصرا قتلا الظافر غيلة في دارهما وجحداه في شعبان، وأجلس عباس في الدست الفائز عيسى بن الظافر صغيرا، وكان الظافر شابا لعّابا منهمكا في
стр. 2491
الملاهي والقصف، فدعاه نصر إليه، وكان يحبّ نصرا. فجاءه متنكّرا معه خويدم، فقتله وطمره. وكان من أحسن أهل زمانه، عاش اثنتين وعشرين سنة.
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : بنى الظّافر الجامع الظّافري داخل باب زويلة، ودعاه عبّاس- وكان خصيصا به- إلى داره التي هي اليوم مدرسة الحنفية، وتعرف بالسيفية، فقتله ومن معه ليلا، وأقام ولده الفائز عيسى، ثم اطلع أهل القصر على القصة، فكاتبوا الصالح، فقصد القاهرة ومعه جيش، فهرب نصر بن عبّاس وأبوه، وكان قد دبّر ذلك أسامة بن منقذ، فخرج معهما، ودخل الصالح القاهرة، وأتوا إلى الدار، فأخرجوا الظافر من تحت بلاطة وحملوه إلى تربتهم التي في القصر، وكاتبت أخت الظافر الفرنج بعسقلان وشرطت لهم مالا على إمساك عباس، فخرجوا عليه، فصادفوه فقتلوه، وأمسكوا نصرا وجعلوه في قفص من حديد، وأرسلوه إلى القاهرة، فقطعوا يديه وقرضوا جسمه بالمقاريض، وصلبوه على باب زويلة، وبقي سنة ونصفا مصلوبا. انتهى.
وفيها أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي صفي الدّين النيسابوري. سمع من جدّه ومن جدّه لأمه طاهر الشحامي، ومحمد بن عبيد الله الصرّام، وطبقتهم، وكان رأسا في معرفة الشروط. حدّث ب «مسند أبي عوانة» ومات من الجوع بنيسابور في فتنة الغزّ، وله خمس وسبعون سنة.
قاله في «العبر» [١] .
وفيها عبيد الله بن المظفّر الباهلي الأندلسي [٢] . خدم السلطان
стр. 2492
محمد بن ملكشاه، وأنشأ له مرستانا يحمل على الجمال في الأسفار، وكان شاعرا خليعا، له ديوان شعر سماه «نهج الوضاعة» [١] يذكر فيه مثالب الشعراء الذين كانوا بدمشق، وكان يهاجي أهل عصره ويرثي من يموت. حبّابا للمجون والهزل، وكان يجلس على دكان بجيرون للطب [٢] ، ويدمن شرب الخمر، ولما مات ابن القيسراني رثاه بقوله:
مذ توفي محمد القيسراني ... هجرت لذّة الكرا أجفاني
لم يفق بعده الفؤاد من الحز ... ن ولا مقلتي من الهملان
في أبيات كثيرة فيها مجون.
ولما مات رثاه عرقلة الدمشقي بقوله:
يا عين سحّي بدمع ساكب ودم ... على الحكيم الذي يكني أبا الحكم
قد كان لا رحم الرّحمن شيبته ... ولا سقى قبره من صيّب الدّيم
شيخا يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجّاج في الحرم
وفيها عبد الخالق بن زاهر بن طاهر، أبو منصور الشحّامي الشروطي المستملي. سمع من جدّه، وأبي بكر بن خلف، وطبقتهما، وهلك في العقوبة والمطالبة في فتنة الغزّ، وله أربع وسبعون سنة. وكان يملي ويستملي في الآخر.
وفيها الحافظ دادا النّجيب، أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن الحسين ابن محمد بن دادا الجرباذقاني المنعوت بالمنتجب. كان ذا علم ودين [وتعفف متين] أثنى عليه ابن نقطة وغيره. قاله ابن ناصر الدّين [٣] .
стр. 2493
وفيها أبو العشائر محمد بن خليل بن فارس القيسي الدمشقي. سمع أبا القاسم المصّيصي. وصحب [١] نصر المقدسي مدة.
وفيها أبو الفتح الهروي محمد بن عبد الله بن أبي سعد الصوفي، الملقب بالشيرازي. أحد الذين جاوزوا المائة، صحب شيخ الإسلام وغيره، وكان من كبار الصالحين.
وفيها أبو المعمّر الأنصاري المبارك بن أحمد الأزجي الحافظ. سمع أبا عبد الله النّعالي فمن بعده، وله «معجم» في مجلد، وكان سريع القراءة معتنيا [٢] بالرواية.
وفيها المظفّر بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن جهير الوزير ابن الوزير، أبو نصر بن أبي القاسم. ولي وزارة المقتفي سبع سنين، وعزل سنة اثنتين وأربعين، وتوفي في ذي الحجة، عن نيف وستين سنة.
وفيها مؤيّد الدولة ابن الصّوفي الدمشقي، وزير صاحب دمشق أبق.
كان ظلوما غشوما، فسرّ الناس بموته، ودفن بداره [٣] بدمشق.
وفيها أبو المحاسن البرمكي نصر بن المظفّر الهمذاني، ويعرف بالشخص العزيز. سمع أبا الحسين بن النّقور، وعبد الوهاب بن مندة، وتفرّد في زمانه، وقصده الطلبة.
стр. 2494
سنة خمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو العبّاس الأقليشي أحمد بن معد بن عيسى التّجيبي الأندلسي الدّانيّ [١] . سمع أبا الوليد بن الدبّاغ وطائفة، وبمكّة من الكروخي، وكان زاهدا عارفا علّامة متقنا، صاحب تصانيف، وله شعر في الزهد ومن تصانيفه كتاب «النجم» .
وفيها أحمد الحريزي، كان عاملا للمقتفي على نهر الملك، وكان من أظلم العالم، يظهر الدين ويجلس على السجادة وبيده سبحة [٢] يسبّح بها، ويقرأ القرآن، ويعذب الناس بين يديه، يعلّق الرجال بأرجلهم والنساء بثديهنّ، ويومئ إلى الجلّاد الرأس الوجه، دخل إلى الحمام، فدخل عليه ثلاثة فضربوه بالسيوف حتّى قطّعوه، فحمل إلى بغداد ودفن بها، فأصبح وقد خسف بقبره. قاله ابن شهبة.
وفيها أبو عثمان العصائديّ [٣] إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري.
روى عن طاهر بن محمد الشحّامي وطائفة، وكان ذا رأي وعقل، عمّر تسعين سنة.
стр. 2495
وفيها سعيد بن أحمد بن الإمام أبي محمد الحسن بن أحمد [بن البنّاء] البغدادي أبو القاسم الحنبلي. سمع ابن البسري، وأبا نصر الزّينبي، وعاش ثلاثا وثمانين سنة. توفي في ذي الحجة.
وفيها أبو الفتح محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب.
سمع رزق الله التميمي، والحميدي، ومات في صفر.
وفيها محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر الحافظ الثقة البغدادي السلامي أبو الفضل [١] محدّث العراق.
ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وسمع علي بن البسري، وأبا طاهر بن أبي الصقر، والبانياسي، وطبقتهم، وأجاز له من خراسان أبو صالح المؤذّن، والفضل بن المحب، وأبو القاسم بن عليّك وطبقتهم، وعني بالحديث بعد أن برع في الفقه [٢] وتحول من مذهب الشافعي إلى مذهب الحنابلة.
قال ابن النجار: كان ثقة ثبتا، حسن الطريقة، متدينا، فقيرا، متعففا، نظيفا، نزها، وقف كتبه، وخلّف ثيابا خلقة وثلاثة دنانير، ولم يعقب.
وقال فيه أبو موسى المديني الحافظ: هو مقدّم أصحاب الحديث في وقته ببغداد.
وقال ابن رجب [٣] : كان والده شابا تركيا، محدّثا فاضلا، من أصحاب أبي بكر الخطيب الحافظ. توفي في شبيبته، وأبو الفضل هذا صغير، فكفله جده لأمه أبو حكيم الحيري الفرضي، فأسمعه في صغره شيئا يسيرا من الحديث، وأشغله بحفظ القرآن، والفقه على مذهب الشافعي. ثم إنه صحب
стр. 2496
أبا زكريا التبريزي اللغوي، وقرأ عليه الأدب واللغة، حتى مهر في ذلك. ثم جدّ في سماع الحديث، وصاحب ابن الجواليقي.
وكان في أول الأمر أبو الفضل أميل إلى الأدب، وابن الجواليقي أميل إلى الحديث، وكان الناس يقولون: يخرج ابن ناصر لغوي بغداد، وابن الجواليقي محدّثها، فانعكس الأمر فصار ابن ناصر محدّث بغداد، وابن الجواليقي لغويها، وخالط ابن ناصر الحنابلة، ومال إليهم وانتقل إلى مذهبهم لمنام رأى فيه النّبيّ، ﷺ ، وهو يقول له: «عليك بمذهب الشّيخ أبي منصور الخيّاط» .
قال السّلفي: سمع ابن ناصر معنا كثيرا، وهو شافعي أشعري، ثم انتقل إلى مذهب أحمد في الأصول والفروع، ومات عليه، وله جودة حفظ وإتقان، وهو ثبت إمام.
وقال ابن الجوزي: كان حافظا ضابطا مفتيا ثقة، من أهل السّنّة، لا مغمز فيه، وكان كثير الذكر، سريع الدمعة، وهو الذي تولى تسميعي الحديث، وعنه أخذت ما أخذت من علم الحديث.
[وقال أيضا] : قرأت عليه ثلاثين سنة، ولم أستفد من أحد كاستفادتي منه.
وقال ابن رجب: ومن غرائب ما حكي عن ابن ناصر، أنه كان يذهب إلى أن السلام على الموتى، يقدم فيه لفظة «عليكم» فيقال عليكم السلام، لظاهر حديث أبي جريّ الهجيميّ [١] وذكر في بعض تصانيفه أن
стр. 2497
الإحداد [١] على الميت بترك الطيب والزينة لا يجوز للرجال [بحال] [٢] ويجوز للنساء على أقاربهم ثلاثة أيام دون زيادة عليها، ويجب على المرأة على زوجها المتوفى [عنها] [٢] أربعة أشهر وعشرا. انتهى.
وفيها عبد الملك بن محمد بن عبد الملك اليعقوبي المؤدّب أبو الكرم [٣] .
ولد بعد السبعين والأربعمائة، وسمع من أبي الثرى، وأبي الغنائم بن المهتدي، وغيرهما، وحدّث، وسمع منه ابن الخشّاب، وابن شافع، وكان رجلا صالحا من خيار أصحابنا الحنابلة، تفقّه على ابن عقيل، وسمع الحديث الكثير.
ومن شعره:
يا أهل ودّي ويا أهلا [٤] دعوتكم ... بالحقّ لكنّها العادات والنّوب
أشبهتم الدّهر في تلوين صبغته ... فكلكم حائل الألوان منقلب
وفيها أبو الكرم الشّهرزوري [٥] ، المبارك بن الحسن البغدادي [٦] عن رأيه، لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله- ﷺ قلت:
عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك ... » وهو كذلك عند النسائي في «عمل اليوم والليلة» . وأبو جريّ اسمه جابر بن سليم، أو سليم بن جابر، وانظر «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» للمزي (٩/ ١٣٨) و (٢/ ١٤٤- ١٤٥) .
стр. 2498
شيخ المقرئين، ومصنّف «المصباح في القراءات العشر» [١] كان خيّرا صالحا، قرأ عليه خلق كثير. أجاز له أبو الغنائم بن المأمون، والصّريفيني، وطائفة.
وسمع من إسماعيل بن مسعدة، ورزق الله التميمي، وقرأ القراءات على عبد السيد بن عتّاب، وعبد القاهر العبّاسي، وطائفة، وانتهى إليه علو الإسناد في القراءات، وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها مجلّي [٢] بن جميع، قاضي القضاة بالدّيار المصرية، أبو المعالي القرشي المخزومي الشافعي الأرسوفي [٣] الأصل المصري، تفقّه على الفقيه سلطان المقدسي تلميذ الشيخ نصر، وبرع وصار من كبار الأئمة.
وقال الحافظ زكي الدّين المنذري: إن أبا المعالي تفقّه من غير شيخ وتفقّه عليه جماعة، منهم: العراقي شارح «المهذب» وتولى قضاء الدّيار المصرية سنة سبع وأربعين، ثم عزل لتغير الدولة [٤] في أوائل سنة تسع وأربعين، ومن تصانيفه «الذخائر» .
قال الإسنوي [٥] : وهو كثير الفروع والغرائب، إلّا أن ترتيبه غير معهود متعب [٦] لمن أراد استخراج المسائل منه، وفيه أيضا أوهام.
وقال الأذرعي: إنه كثير الوهم، قال: ويستمد من كلام الغزالي ويعزوه إلى الأصحاب. قال: وذلك عادته، ومن تصانيفه أيضا «أدب القضاء» سمّاه
стр. 2499
«العمدة» ومصنّف في الجهر بالبسملة، وله مصنّف في المسألة السّريجية، اختار فيه عدم الوقوع، وله مصنّف في جواز اقتداء بعض المخالفين ببعض في الفروع. قاله ابن شهبة [١] .
وتوفي في ذي القعدة.
стр. 2500
سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» كثر الحريق ببغداد في المحالّ ودام.
وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن الفرج بن راشد بن محمد المدني الورّاق البغدادي الحنبلي [١] ، الحجّة القاضي، من أهل المدينة، قرية فوق الأنبار [٢] .
ولد في عشر ذي الحجّة سنة تسعين وأربعمائة، وقرأ القرآن بالرّوايات على مكّي بن أحمد الحنبلي وغيره [وتفقّه على عبد الواحد بن سيف.
وسمع من أبي منصور محمد بن أحمد الخازن وغيره، وشهد عند قاضي القضاة الزّينبي، وولي القضاء بدجيل مدة.
وحدّث، وروى عنه ابن السمعاني، وغيره] [٣] وتوفي يوم السبت سادس ذي الحجة، ودفن من الغد بمقبرة باب حرب.
وفيها أبو القاسم الحمّامي إسماعيل بن علي بن الحسين النيسابوري ثم الأصبهاني الصوفي، مسند أصبهان، وله أكثر من مائة سنة. سمع سنة
стр. 2501
تسع وخمسين وأربعمائة من أبي مسلم محمد بن مهربرود [١] ، وتفرّد بالسماع من جماعة، وسمع منه السّلفي.
وقال يوسف بن أحمد الحافظ: أخبرنا الشيخ المعمّر الممتع بالعقل، والسمع، والبصر، وقد جاوز المائة أبو القاسم الصوفي، ومات في سابع صفر.
وفيها أبو القاسم بن البنّ الحسين بن الحسن بن محمد الأسدي الدمشقي، تفقّه على نصر المقدسي، وسمع من أبي القاسم المصّيصي، والحسن بن أبي الحديد، وجماعة، وتوفي في ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة.
وفيها عبد القاهر بن عبد الله الوأواء الحلبي [٢] ، الشاعر، شرح «ديوان المتنبي» .
وفيها أبو بكر عتيق بن أحمد الأزدي الأندلسي الأوريولي [٣] . حجّ فسمع [بمكّة] من طراد الزّينبي، وهو آخر من حدّث عنه بالمغرب. توفي بأوريولة، وله أربع وثمانون سنة.
وفيها القاضي أبو محمد عبد الله بن ميمون بن عبد الله الكوفني [٤] المالكاني.
وكوفن: بكاف مضمومة وواو ساكنة بعدها نون، قرية من أبيورد.
ومالكان: قيل: إنها اسم قرية أيضا.
стр. 2502
وقال ابن السمعاني: كان فقيها شافعيا [١] فاضلا [مبرّزا] ، له باع طويل في المناظرة والجدل، ومعرفة تامة بهما، تفقّه على والدي، وسمع [الحديث معه و] منه.
ولد في حدود سنة تسعين وأربعمائة.
قال ابن باطيش: ومات بأبيورد ليلة الاثنين ثامن ذي القعدة.
وفيها- أو في التي قبلها وبه جزم الإسنوي [٢]- علي بن معصوم بن أبي ذر المغربي الشافعي.
قال ابن السمعاني: إمام فاضل عالم بالمذهب، بحر في الحساب.
ولد بقلعة بني حمّاد من بلاد بجاية، سنة تسع وثمانين وأربعمائة، واستوطن العراق، وتفقّه على الفرج الخويي [٣] ثم انتقل إلى خراسان، ومات بأسفرايين [٤] في شعبان.
وفيها أبو الحسن علي بن أحمد بن محمويه اليزدي [٥] الشافعي، المقرئ الزاهد، نزيل بغداد. قرأ بأصبهان على أبي الفتح الحدّاد، وأبي سعد المطرّز، وغيرهما، وسمع من ابن مردويه، وببغداد من أبي القاسم الرّبعي، وأبي الحسين بن الطّيوري، وبرع في القراءات والمذهب، وصنّف
стр. 2503
في القراءات، والزهد، والفقه، وكان رأسا في الزهد والورع، توفي في جمادى الآخرة، وقد قارب الثمانين.
وفيها علي بن الحسين الغزنويّ [١] الواعظ، الملقب بالبرهان. كان فصيحا وله جاه عريض، وكان شيعيا، وكان السلطان مسعود يزوره وبنى له رباطا بباب الأزج، واشترى له قرية من المسترشد وأوقفها عليه.
قال ابن الجوزي [٢] : سمعته ينشد:
كم حسرة لي في الحشا ... من ولد إذا نشا
وكم أردت رشده ... فما نشا كما نشا
وكان يعظم السلطان ولا يعظم الخليفة، فلما مات السلطان مسعود أهين الغزنويّ ومنع من الوعظ، وأخذ جميع ما كان بيده، فاستشفع إلى الخليفة في القرية الموقوفة عليه، فقال: ما يرضى أن يحقن دمه، وكان يتمنى الموت مما لاقى من الذلّ بعد العزّ، وألقى كبده قطعا مما لاقى.
وفيها الفقيه الزاهد الصالح، عمر بن عبد الله بن سليمان بن السّري اليمني [٣] توفي بمكّة حاجّا. روى طاهر بن يحيى المعمراني أنه كان قد أصابه بثرات [٤] في وجهه، فارتحل إلى جبلة [٥] متطببا، فرأى ليلة قدومه إليها عيسى بن مريم- ﷺ فقال له: يا روح الله! امسح وجهي، فمسحه فأصبح معافى. قاله ابن الأهدل.
стр. 2504
وفيها أبو عبد الله بن الرّطبي، محمد بن عبيد الله بن سلامة الكرخي- كرخ جدّان- المعدّل. روى عن أبي القاسم بن البسري، وأبي نصر الزّينبي، وتوفي في شوال عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها أبو البيان نبأ بن محمد بن محفوظ القرشي [١] الشافعي اللّغوي الدمشقي الزاهد، شيخ الطائفة البيانية بدمشق، ويعرف بابن الحوراني. كان كبير القدر، عالما عاملا، زاهدا، تقيا، خاشعا، ملازما للعلم والعمل والمطالعة، كثير العبادة والمراقبة، سلفيّ المعتقد، كبير الشأن، بعيد الصيت، ملازما للسّنّة، صاحب أحوال ومقامات. سمع أبا الحسن علي بن الموازيني وغيره، وله تآليف ومجاميع، ورد على المتكلمين وأذكار مسجوعة وأشعار مطبوعة، وأصحاب ومريدون، وفقراء بهديه يقتدون. كان هو والشيخ رسلان شيخي دمشق في عصرهما وناهيك بهما. قاله في «العبر» [٢] .
ودخل يوما إلى الجامع الأموي، فرأى جماعة في الحائظ الشمالي يثلبون أعراض الناس، فقال: اللهم كما أنسيتهم ذكرك فأنسهم ذكري.
وقال السخاوي: قبره يزار بباب الصغير.
ولم يذكره ابن عساكر في «تاريخه» ولا ابن خلّكان في «الأعيان» .
توفي في وقت الظهر يوم الثلاثاء ثاني ربيع الأول، ودفن من الغد وشيّعه خلق عظيم. انتهى.
стр. 2505
سنة ثنتين وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» وقعت زلازل في الشام، تهدمت منها ثلاثة عشر بلدا من بلاد الإسلام: حلب، وحماة، وشيزر، وكفر طاب، وفامية، وحمص، والمعرّة، وتل حرّان. وخمسة من بلاد الكفر: حصن الأكراد، وعرقة [١] ، واللاذقية، وطرابلس، وأنطاكية.
فأما حماة فهلك أكثرها. وأما شيزر فما سلم منها إلّا امرأة وخادم لها وهلك الباقون. وأما حلب فهلك منها خمسمائة نفس. وأما كفر طاب فما سلم منها أحد. وأما فامية فهلكت وساخت قلعتها. وهلك من حمص خلق كثير. وهلك بعض المعرة. وأما تل حرّان فإنه انقسم نصفين، وظهر من وسطه نواويس وبيوت. وأما حصن الأكراد وعرقة [١] فهلكتا جميعا. وهلكت اللاذقية فسلم منها نفر، ونبع فيها حومة ماء حمئة. وهلك أكثر أهل طرابلس، وأكثر أنطاكية.
انتهى.
وفيها كما قال في «العبر» [٢] . خرجت الإسماعيلية على حجّاج خراسان، فقتلوا وسبوا، واستباحوا الركب، وصبّح الضعفاء والجرحى إسماعيلي [٣] شيخ ينادي: يا مسلمين ذهبت الملاحدة فأبشروا، ومن هو
стр. 2506
عطشان سقيته، فبقي إذا كلّمه أحد جهز عليه، فهلكوا إلى رحمة الله كلهم.
واشتدّ القحط بخراسان، وتخربت بأيدي الغزّ، ومات سلطانها سنجر، وغلب كل أمير على بلد واقتتلوا، وتعثرت الرعية الذين نجوا من القتل.
وفيها هزم نور الدّين الفرنج على صفد، وكانت وقعة عظيمة.
[وفيها انقرضت دولة الملثّمين. بالأندلس، لم يبق منهم إلّا جزيرة ميورقة] [١] .
وفيها أخذ نور الدّين من الفرنج غزّة وبانياس. وملك شيزر من بني منقذ [٢] .
وفيها توفي القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله اليافعي [٣] . حضر موته صاحب «البيان» [٤] وقال [حين نعي] [٥] : ماتت المروءة. أخذ الفقه عن زيد اليفاعيّ [٦] . وكان عالما شاعرا. روى عن أبيه وجدّه [٧] كتاب «رسالة الشافعي» و «مختصر المزني» وولي قضاء اليمن، وكان له ولد يقال له محمد، مات في حياته، فرثاه وقال:
جوار الله خير من جواري ... له دار لكلّ خير دار
وكان للقاضي أبي بكر جاه عظيم عند الملوك، خلّص فقهاء اليمن من
стр. 2507
الخراج والمظالم. ولما قدم القاضي الرشيد من مصر إلى اليمن أكرمه كرامة عظيمة. قاله ابن الأهدل.
وفيها أبو علي الخرّاز أحمد بن أحمد بن علي الحريمي [١] . سمع أبا الغنائم محمد بن علي الدقاق، ومالكا البانياسي، وتوفي في ذي الحجة.
وعوّضه نصيبين فتملّكها إلى أن مات في [شعبان، وطالت أيامه بها، وخلّف ذرية فخملوا.] [٢] .
وفيها أحمد سنجر السلطان الأعظم معز الدّين أبو الحارث، ولد السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن جغريبك السلجوقي صاحب خراسان، وأجلّ ملوك العصر وأعرقهم نسبا، وأقدمهم ملكا وأكثرهم جيشا. واسمه بالعربي أحمد بن الحسن بن محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وخطب له بالعراق، والشام، والجزيرة، وأذربيجان، وأرّان، والحرمين، وخراسان، وما وراء النهر، وغزنة، وعاش ثلاثا وسبعين سنة.
قال ابن خلّكان [٣] : أول ما ناب في المملكة عن أخيه بركياروق سنة تسعين وأربعمائة، ثم استقلّ بالسلطنة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، ولقب حينئذ بالسلطان، وكان قبل ذلك يلقّب بالملك المظفّر. وكان وقورا مهيبا ذا حياء وكرم وشفقة على الرعية. وكان مع كرمه المفرط من أكثر الناس مالا.
اجتمع في خزانته من الجوهر ألف وثلاثون رطلا، وهذا ما لم يملكه خليفة ولا ملك فيما نعلم. توفي في ربيع الأول ودفن في [٤] قبّة بناها وسمّاها دار
стр. 2508
الآخرة. وقد تضعضع ملكه في آخر أيامه وقهرته الغزّ، ورأى الهوان، ثم من الله عليه وخلص. قاله في «العبر» [١] .
وفيها أبو عبد الله بن خميس الحسين بن نصر الموصلي الجهني [٢] الملقب بتاج الإسلام. أخذ الفقه عن الغزالي، وقضى برحبة ملك بن طوق، ثم رجع إلى الموصل، وصنّف كثيرا، وسكن قرية في الموصل، وراء القرية التي فيها العين المعروفة بعين القيّارة [٣] التي ينفع الاستحمام بها من الفالج والريح الباردة [٤] مشهورة هناك. قاله ابن الأهدل.
وفيها عبد الصبور بن عبد السلام أبو صابر الهرويّ [٥] التاجر. روى «جامع الترمذي» ببغداد عن أبي عامر الأزدي، وكان صالحا خيّرا.
وفيها عبد الملك بن مسرّة أبو مروان اليحصبي الشّنتمري [٦] ثم القرطبي. أحد الأعلام.
قال ابن بشكوال [٧] : كان ممن جمع الله له الحديث والفقه، مع الأدب البارع، والدّين، والورع، والتواضع. أخذ «الموطأ» عن أبي عبد الله بن الطلّاع سماعا، وغيره، وتوفي في شعبان.
وفيها عثمان بن علي البيكندي [٨] أبو عمرو، مسند بخارى. كان
стр. 2509
إماما ورعا عالما عابدا متعففا، تفرّد بالرواية عن أبي المظفّر عبد الكريم الأبرقي، وسمع من عبد الواحد الزّبيري المعمّر، وطائفة، ومات في شوال عن سبع وثمانين سنة.
وفيها عمر بن عبد الله الحربيّ [١] المقرئ أبو حفص. سمع الكثير، وروى عن طراد وطبقته، وتوفي في شعبان.
وفيها صدر الدّين أبو بكر الخجندي محمد بن عبد اللطيف بن محمد المهلّبي الأزدي ثم الأصفهاني [٢] . كان إماما فاضلا مناظرا شافعيا، صدر العراق في زمانه على الإطلاق، جوادا مهيبا متقدما عند السلاطين، يصدرون عن رأيه، ورد بغداد، وتولّى تدريس النظامية، ووعظ بها وبجامع القصر، وكان كوزير ذا حشمة أشبه منه بالعلماء، يمشي والسيوف حوله مشهورة، خرج من بغداد إلى أصبهان، فنزل بقرية بين همذان والكرخ، فنام وهو في عافية، فأصبح ميتا، وذلك في شوال، فحمل إلى أصبهان ودفن بسيلان. ذكره ابن السمعاني والذهبي.
وأما ولده عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف [٣] ، فكان رئيس أصبهان في العلم، وكان فقيها فاضلا مقدّما معظما عند الرعايا والسلاطين [٤] تفقّه على أبيه، ودرّس بعده، وأفتى ووعظ وأنشأ، وسمع وحدّث.
مات بهمذان بعد عوده من الحجاز في أحد الربيعين سنة ثمانين.
стр. 2510
وخمسمائة، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وحمل إلى أصبهان ودفن بها. ذكره التفليسي.
وأما حفيده فهو: أبو بكر محمد بن عبد اللطيف [١] الشافعي كان فقيها بارعا، رئيسا كبيرا، عريقا في الفضل والرئاسة. انتهى إليه رئاسة الشافعية بأصبهان بعد موت أبيه، وورد بغداد فأنعم عليه الخليفة بما لم ينعم به على أحد من أمثاله، ورتّب له ما يفوت الحصر، وتولى نظر النظامية، والنظر في أحوال الفقهاء، ثم خرج مع الوزير إلى أصبهان واستولى عليها، وولى الخليفة بها سنقر الطويل من أمراء بغداد، وأذن لابن الخجندي في المقام بها، فجرت بينه وبين الأمير سنقر وحشة، فيقال: إنه دسّ عليه من قتله، وذلك في أحد الجمادين سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وسمع شيئا من الحديث، إلّا أنه لم يبلغ سن الرواية عنه. ذكره ابن باطيش وغيره.
وفيها أبو المظفّر محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سعدان الحنبلي الأزجي [٢] الفقيه. سمع الحديث من القاضي الحسين، وأبي العزّ ابن كادش، وتفقّه على القاضي أبي الحسين، وأبي بكر الدّينوري، ولازمه.
وروى عنه أحمد بن طارق، وكتب عنه المبارك بن كامل [حكاية] بغير إسناد في «معجمه» .
قال صدقة بن الحسين في «تاريخه» : كان فقيها كيسا من أصحاب أبي بكر الدّينوري. توفي في ذي القعدة ودفن بباب حرب.
وفيها محمد بن خذاداذ [٣] بن سلامة بن خذاداذ [٣] العراقي المأموني
стр. 2511
المباردي الحداد، الكاتب الفقيه الحنبلي الأديب، أبو بكر بن أبي محمد، ويعرف بنقّاش المبارد. سمع من نصر بن البطر [١] ، والحسين بن طلحة، وأبي نصر الزّينبي، وأبي الخطّاب.
وكتب خطا حسنا.
قال ابن النجار: كان فقيها مناظرا أصوليا تفقّه على أبي الخطّاب، وعلّق عنه مسائل الخلاف، وقرأ الأدب، وقال الشعر، وكان صدوقا، وتوفي ليلة الخميس مستهل جمادى الآخرة، وصلّي عليه من الغد، ودفن بباب حرب.
وقيّد ابن نقطة [٢] «خذاداذ» بدال مهملة بين ذالين معجمتين.
وفيها أبو بكر بن الزّاغوني محمد بن عبيد الله بن نصر البغدادي [٣] المجلّد. سمع أبا القاسم بن البسري، وأبا نصر الزّينبي، والكبار، وصار مسند العراق، وكان صالحا مرضيا، إليه المنتهى في التجليد، اصطفاه الخليفة لتجليد خزانة كتبه. توفي في ربيع الآخر، وله أربع وثمانون سنة.
وفيها أبو الحسن محمد بن المبارك وكنيته أبو البقاء بن محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بابن الخلّ [٤] . الفقيه الشافعي البغدادي، تفقّه على أبي بكر الشّاشي، وبرع في العلم، وكان يجلس في مسجده الذي بالرحبة شرقي بغداد لا يخرج منه إلّا بقدر الحاجة، يفتي ويدرّس، وكان قد تفرّد بالفتوى بالمسألة السّريجيّة ببغداد، وصنّف كتابا سمّاه «توجيه التنبيه»
стр. 2512
على صورة الشرح، لكنه مختصر، وهو أول من شرح «التنبيه» لكن ليس فيه طائل، وله كتاب في أصول الفقه، وسمع الحديث من أبي عبد الله الحسين ابن أحمد بن أبي طلحة، وأبي عبد الله الحسين البسري، وغيرهما. وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وغيره، وكان يكتب خطا جيدا منسوبا، وكانت الناس يحتالون على أخذ خطه في الفتاوى من غير حاجة إليها، بل لأجل الخطّ لا غير، فكثرت عليه الفتوى، وضيقت عليه أوقاته، ففهم ذلك، فصار يكسر القلم ويكتب جواب الفتوى به، فانصرفوا عنه [١] وقيل: إن صاحب الخطّ المليح هو أخوه، والله أعلم.
وتوفي ببغداد ونقل إلى الكوفة ودفن بها.
وكان أخوه أبو الحسين أحمد بن المبارك فقيها فاضلا وشاعرا ماهرا، ذكره العماد الكاتب في كتابه «خريدة القصر» وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع شعر [٢] ، ودو بيت، فمن ذلك قوله في بعض الوعاظ:
ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلى ... نزغات ذاك الأحمق التّمتام
شيخ يبهرج دينه بنفاقه ... ونفاقه منهم على أقوام
وإذا رأى الكرسيّ تاه بنفسه [٣] ... أي أن هذا منصبي ومقامي
ويدق صدرا ما انطوى إلّا على ... غلّ يواريه بكفّ عظام
ويقول أيش أقول من حصر به ... لا لازدحام عبارة وكلام
وله دو بيت:
هذا ولهي وكم [٤] كتمت الولها ... صونا لوداد من هوى النفس لها
стр. 2513
يا آخر محنتي ويا أوّلها ... آيات غرامي فيك من أوّلها
وله:
ساروا وأقام في ودادي الكمد ... لم يلق كما لقيت منهم أحد
شوق وجوى ونار وجد تقد ... ما لي جلد ضعفت ما لي جلد
وله:
ما ضرّ حداة عيسهم لو رفقوا ... لم يبق غداة بينهم لي رمق
قلب قلق وأدمع تستبق ... أوهى جلدي من الفراق الفرق
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. قاله ابن خلّكان [١] .
وفيها أبو القاسم نصر بن نصر العكبري [٢] الواعظ. روى عن أبي القاسم بن البسري وطائفة، وتوفي في ذي الحجة عن سبع وثمانين سنة.
стр. 2514
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال ابن الأثير [١] نزل ألف وسبعمائة من الإسماعيلية على روق [٢] كبير التركمان [فجازوه] [٣] ، فأسرع عسكر التركمان فأحاطوا بهم ووضعوا فيهم السيف، فلم ينج منهم إلّا تسعة أنفس، فلله الحمد.
وفيها توفي مسند الدّنيا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السّجزي ثم الهروي الماليني [٤] الصوفي الزاهد. سمع «الصحيح» [٥] و «مسندي [٦] » الدّارمي وعبد بن حميد، من جمال الإسلام الداودي في سنة خمس وستين وأربعمائة، وسمع من أبي عاصم الفضيل [٧] ، ومحمد بن أبي مسعود، وطائفة، وصحب شيخ الإسلام الأنصاري وخدمه، وعمّر إلى هذا الوقت، وقدم بغداد فازدحم الخلق عليه، وكان خيّرا متواضعا متودّدا، حسن السمت،
стр. 2515
متين الديانة، محبا للرواية. توفي سادس ذي القعدة ببغداد وله خمس وتسعون سنة. قاله في «العبر» [١] .
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : حمله أبوه من هراة إلى بوشنج، فسمع «صحيح البخاري» وغيره من جمال الإسلام الداودي. عزم على الحجّ وهيأ ما يحتاج إليه فأصبح ميتا، وكان آخر كلمة قالها: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي من الْمُكْرَمِينَ ٣٦: ٢٦- ٢٧ [يس ٢٦- ٢٧] ودفن بالشونيزية وعمّر حتّى ألحق الأصاغر بالأكابر. انتهى.
وفيها أبو الفتح سالم بن عبد الله بن عبد الملك الشيباني [٢] الفقيه الحنبلي الزاهد. صحب أبا بكر الدّينوري، وسمع من الشريف أبي العزّ بن المختار، وأبي الغنائم النّرسي، وغيرهما.
قال ابن شافع: كان فقيها زاهدا مخمولا ذكره عند أبناء الدّنيا رفيعا عند الله وصالحي عباده. توفي ليلة الأربعاء سابع شعبان، ودفن بباب حرب.
وفيها الإمام العلّامة عبد الله بن يحيى الصّعبي [٣] عن ثمان وسبعين، أو إحدى وثمانين سنة. وكان مدرّس سهفنة [٤] وقد تفقّه عليه خلق باليمن، وكان صاحب «البيان» يحبه ويقول له: شيخ الشيوخ، وحضر جنازته يوم مات.
روي أن أناسا وقعوا عليه في طريق فضربوه بالسيوف فلم تقطع سيوفهم، فسئل عن ذلك فقال: كنت أقرأ سورة يس.
قال ابن سمرة: والمشهور أنه كان يقرأ قوله تعالى:
стр. 2516
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ٢: ٢٥٥ [البقرة: ٢٥٥] فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ١٢: ٦٤ [يوسف، ٦٤] وَحِفْظاً من كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ٣٧: ٧ [الصّافّات، ٧] وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ٤١: ١٢ [فصّلت: ١٢] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ٨٥: ١٢ [البروج: ١٢] إلى آخر السورة، وتسمى آيات الحفظ، وسببه أنه وجدها معلقة في عنق شاة والذئاب تلاعبها لا تضرها.
صنّف الصّعبيّ كتاب «التعريف» في الفقه و «احتراز المذهب» وكان يقوم بكفايته وما يحتاج إليه رجل من مشايخ بني يحيى من يافع.
قال اليافعي- رحمه الله تعالى-[١] : [أهل] يافع يقولون: أهل يحيى وأهل عيسى وأهل موسى، ثلاثة بطون لهم [٢] عز وشرف، فأهل موسى أخوالي، وفيهم الكرم والمشيخة، وأهل يحيى أخوال بني عمي، وفيهم العزّ والنجدة، ولا تزال الحرب بينهم وبين أعدائهم. وفيهم الفقيه الولي أبو بكر البحيري [٣] الذي كان السلطان المؤيد في طوعه، واستدرك الفقيه حسين على اليافعي وغلّطه في ثنائه عليه، ونسبه- أي البحيري- إلى الزندقة لكونه من أتباع ابن عربي، والله أعلم بحاله. قاله ابن الأهدل.
وفيها كوتاه الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد الأصبهاني. توفي في شعبان عن سبع وسبعين سنة، وحدّث عن رزق الله التميمي، وأبي بكر بن ماجة الأبهري، وخلق.
قال أبو موسى المديني: أوحد وقته في علمه وطريقته [٤] وتواضعه، حدثنا لفظا وحفظا على منبر وعظه.
стр. 2517
وقال غيره: كان جيّد المعرفة، حسن الحفظ، ذا عفّة وقناعة وإكرام للغرباء.
وقال ابن ناصر الدّين [١] : كان إماما حافظا من أولاد المحدّثين، كان ابن عساكر يفخّم أمره [ويصفه بالحفظ والإتقان] وأثنى عليه ابن السمعاني وغيره [من الأعيان] . انتهى.
وفيها علي بن عساكر بن سرور المقدسي ثم الدمشقي الخشّاب [٢] .
صحب الفقيه نصر المقدسي [مدّة] وسمع منه سنة سبعين وأربعمائة، ثم سمع بدمشق من أبي عبد الله بن أبي الحديد. توفي في سنّ أبي الوقت، صحيح الذهن والجسم، وتوفي في شوال.
وفيها العلّامة أبو حفص الصفّار عمر بن أحمد بن منصور النيسابوري [٣] . روى عن أبي بكر بن خلف، وأبي المظفّر موسى بن عمران وطائفة، ولقبه عصام الدّين. كان من كبار الشافعية يذكر مع محمد بن يحيى ويزيد عليه بالأصول.
قال ابن السمعاني، إمام بارع مبرّز جامع لأنواع من العلوم الشرعية، سديد السيرة، مكثرا، مات يوم عيد الأضحى.
وفيها الفقيه الإمام الورع الزاهد عمر بن إسماعيل بن يوسف اليمني. أخذ عن الإمام زيد بن الحسن الفايشي [٤] «المهذب» وأصول الفقه، وصحب يحيى بن أبي الخير صاحب «البيان» في الطلب. قاله ابن الأهدل.
وفيها نصر بن منصور الحرّاني، عرف بابن العطار [٥] . كان تاجرا
стр. 2518
كبيرا كثير المال، قارئا للقرآن، يكسو العراة، ويفك الأسرى، ويسمع الحديث، ويزور الصالحين.
قال العكبري: رأيت النّبيّ، ﷺ ، فقلت: امسح بيدك على عيني فإنها تؤلمني، فقال: «امض إلى أبي نصر بن العطّار يمسح على عينك» فقلت في نفسي: أدع رسول الله ﷺ وأروح إلى رجل من أبناء الدّنيا! وعاودته القول، وقلت: يا رسول الله، امسح على عيني، فقال: أما سمعت الحديث «إن الصّدقة لتقع في يد الله قبل أن تقع في يد السّائل» [١] «وهذا نصر قد صافحت يده يد الحقّ- امض إليه» فانتبهت ومضيت إليه، فلما رآني قام حافيا وقال: ما الذي رأيته في المنام، ومسح على عيني وقرأ المعوذات، فذهب الألم. قال: وذهبت إحدى عيني نصر. قال: فخرجت يوما إلى جامع السلطان لأصلي الجمعة، فجلست على جانب دجلة لأتوضأ، وإذا بفقير عليه أطمار رثة، فتقدمت إليه وقلت له: امسح على عيني، فمسح عليها فعادت صحيحة، فدفعت إليه منديلا فيه دنانير، فقال: ما لي به حاجة، إن كان معك رغيف خبز، فقمت واشتريت له خبزا، ورجعت فلم أره، فكان نصر بعد ذلك لا يمشي إلّا وفي كمه الخبز إلى أن مات.
وفيها يحيى بن سلامة الحصكفي الخطيب [٢] صاحب ديوان الشعر
стр. 2519
والخطب، الفقيه الشافعي معين الدّين، المعروف بالخطيب.
قال ابن خلّكان: والحصكفي بكسر الحاء المهملة [١] نسبة إلى حصن كيفا، قلعة حصينة.
[ولد] بطنزة- بطاء مهملة مفتوحة ونون ساكنة وزاي معجمة- وهي بلدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة. انتهى.
نشأ معين الدّين هذا بحصن كيفا، وقدم بغداد فقرأ الفقه حتّى أجاد فيه، وقرأ الأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي شارح «المقامات» ثم رجع إلى بلاده واستوطن ميّافارقين، وتولى بها الخطابة، وانتصب للإفتاء والاشتغال، وانتفع عليه الناس [٢] .
قال العماد في «الخريدة» : كان علّامة الزمان في علمه، ومعريّ العصر في نثره ونظمه، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. قاله الإسنوي [٣] .
وقال ابن شهبة في «تاريخ الإسلام» : له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم، فمن قوله في مليح في خصره زنار:
قد شدّ بالميم الألف ... من جسمه ميم ألف
فقلت إذ مرّ بنا ... بخوط بان منعطف
بالله يا زنّاره ... رفقا به لا ينقصف
стр. 2520
وكان الحصكفي يتشيع، وله الخطب المليحة والرسائل المنتقاة.
انتهى [١] .
стр. 2521
سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في «الشذور» وقع في قرى بغداد برد كان في البردة خمسة أرطال، ووزنوا واحدة فبلغت تسعة أرطال، وانفتح القورج [١] وجاء الماء فأحاط بالسور، ثم فتح فتحة ودخل فأغرق كثير من محال من نهر معلّى [٢] ، وهدم ما لا يحصى من الدّور، وغرقت مقبرة الإمام أحمد بن حنبل، وكانت آية عجيبة.
وفيها سار عبد المؤمن في مائة ألف، فنازل المهديّة برّا وبحرا فأخذها من الفرنج بالأمان، ولكن ركبوا البحر، وكان شتاء، فغرق أكثرهم.
وفيها أقبلت الرّوم في جموع عظيمة وقصدوا الشام، فالتقاهم المسلمون وانتصروا، ولله الحمد، وأسر ابن أخت ملك الرّوم.
وفيها توفي ابن قفرجل أبو القاسم أحمد بن المبارك بن عبد الباقي
стр. 2522
البغدادي الذّهبي القطّان. روى عن عاصم بن الحسن وجماعة.
وفيها أبو جعفر العبّاسي أحمد بن محمد بن عبد العزيز المكّي [١] ، نقيب الهاشميين بمكّة. روى عن أبي علي الشافعي، وحدّث ببغداد وأصبهان، وكان صالحا متواضعا فاضلا مسندا، توفي في شعبان عن ست وثمانين سنة وثلاثة أشهر، وسماعه في الخامسة من أبي علي.
وفيها أحمد بن معالي- ويسمى عبد الله أيضا- ابن بركة الحربي الحنبلي [٢] .
تفقّه على أبي الخطّاب الكلوذاني، وبرع في النظر.
قال ابن الجوزي: كان له فهم حسن وفطنة في المناظرة. وسمعت درسه مدة، وكان قد انتقل إلى مذهب الشافعي، ثم عاد إلى مذهب أحمد ووعظ.
وقال صدقة [بن الحسين] : كان شيخا كبيرا قد نيف [٣] على الثمانين، فقيها مناظرا عارفا، له مخالطة مع الفقهاء، ومعاشرة مع الصوفية، وكان يتكلم كلاما حسنا إلّا أنه كان متلونا في المذهب.
توفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، وصلى عليه الشيخ عبد القادر [٤] ، ودفن بمقبرة باب حرب.
стр. 2523
وكان سبب موته أنه ركب دابة فانحنى في مضيق [١] ليدخل، فاتكأ بصدره على قربوس السّرج فأثّر فيه، وانضم إلى ذلك إسهال فضعفت القوة، وكان مرضه يومين أو ثلاثة، رحمه الله تعالى.
وله تعليقة في الفقه.
وفيها أحمد بن مهلهل بن عبيد الله بن أحمد البرداسي [٢] الحنبلي.
قال ابن النجار: هو من قرية برداس [٣]- بسكون الراء من بلد إسكاف- المقرئ الزاهد الضرير، أبو العبّاس. كان من أهل القرآن والزهد والعبادة.
روى عن أبي طالب اليوسفي وغيره، وكان أبو الحسن بن البرداسي [٤] يقول:
كان هذا الشيخ يصلي في كل يوم أربعمائة ركعة.
وتوفي يوم الخميس غرة جمادى الأولى، ودفن بباب حرب.
وقال ابن النجار: كان منقطعا في مسجده [٥] لا يخالط أحدا، مشتغلا بالله ، وكان الإمام المقتفي يزوره، وكذلك وزيره ابن هبيرة. والناس كافة يتبركون به، وكان قد قرأ طرفا صالحا من الفقه على أبي الخطّاب الكلوذاني، ثم على أبي بكر الدّينوري، وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره، وحدّث باليسير، وروى عنه ابن شافع والباقداري. قاله ابن رجب.
стр. 2524
وفيها أبو زيد جعفر بن زيد بن جامع الحموي الشامي [١] مؤلّف رسالة «البرهان» التي رواها عنه ابن الزّبيدي، وكان صالحا عابدا، صاحب سنّة وحديث، روى عن ابن الطيوري، واليوسفي، وغيرهما، وتوفي في ذي الحجة، وقد شاخ.
وفيها أبو علي الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله العبّاسي الهاشمي [٢] المقرئ الأديب الحنبلي.
ولد في حادي عشر شوال سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقرأ القرآن، وسمع قديما من أبي غالب البقّال الباقلاني [٣] وابن العلّاف، وغيرهما، وكان فيه لطف وظرف وأدب، ويقول الشعر الحسن، مع دين وخير، وجمع سيرة المسترشد وسيرة المقتفي، وجمع لنفسه مشيخة، وجمع كتابا سمّاه «سرعة الجواب ومداعبة الأحباب» أحسن فيه.
وقال ابن النجار: كان أديبا فاضلا صالحا متدينا صدوقا. روى عنه ابن الأخضر وغيره.
وذكره ابن السمعاني [وقال: كان صالحا، فاضلا، له معرفة بالأدب والشعر] [٤] ومن شعره ما كتبه:
أجزت للسادة الأخيار ما سألوا ... فليرووا عنّي بلا بخس ولا كذب
стр. 2525
مما [١] أحبوه من شعر ومن خبر ... ومن جميع سماعاتي من الكتب
وليحذروا السّهو والتصحيف من غلط ... ويسلكوا سنّة الحفّاظ في الأدب
ومن شعره أيضا:
يا ذا الذي أضحى يصول ببدعة ... وتشيّع وتمشعر [٢] وتمعزل
لا تنكرنّ تحنبلي وتسنّني [٣] ... فعليهما يوم المعاد معوّلي
إن كان ذنبي حبّ مذهب أحمد ... فليشهد الثقلان أني حنبلي
قاله ابن رجب.
وفيها أبو عبد الله سعيد بن الحسين بن شنيف بن محمد الدّيلمي الدّارقزي [٤] الأمين الحنبلي.
ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وسمع من أبي عبد الله الحسين بن محمد السرّاج الفقيه، والحسين بن طلحة النّعالي [٥] وابن الطيوري، وغيرهم، لا من أبي الخطّاب الكلوذاني.
وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره، وحدّث باليسير.
وروى عنه ابن شافع، وتفقّه في المذهب، وكان إماما بجامع دار القز، وأمينا للقاضي بمحلته [٦] [وما يليها] ، وكان شيخا صالحا ثقة، وروى عنه جماعة، منهم، ابنه أبو عبد الله الحسين.