وعشرون سنة، أسلم سنة سبع وأكرمه النبيّ ﷺ وألقى له وسادة وقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» [١] . وفيها ثارت الفتنة بين ابن الزّبير، والمختار بن أبي عبيد الثقفي كان متلوّنا كذّابا يدعو مرة إلى محمّد بن الحنفيّة، ومرّة لابن الزّبير، حتى ادعى آخرا أن جبريل يأتيه بالوحي من السماء، فلما تحقّق ابن الزّبير سوء حاله، بعث أخاه المصعب لحربه، فقدم المصعب البصرة وتأهّب منها، واجتمع إليه جيش الكوفة، فسار بهم جميعا وعلى مقدّمته عبّاد بن الحصين، وعلى ميمنته المهلّب بن أبي صفرة، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، فجهز المختار لحربهم أحمر بن شميط، وكيسان [٢] فهزمهم مصعب، وقتل أحمر، وكيسان، وقتل من جيش مصعب محمّد بن الأشعث الكندي ابن أخت أبي بكر الصّدّيق، وعبيد الله بن عليّ بن أبي طالب، وقتل من جند المختار عمر الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، ثم سار جيش مصعب فدخلوا الكوفة، وحصروا المختار بقصر الإمارة أياما إلى أن قتله الله في رمضان وصفت العراق لمصعب.
стр. 282
سنة ثمان وستين
فيها توفي عبد الله بن عبّاس الهاشمي حبر الأمة بالطّائف عن إحدى وسبعين سنة، كان يقال له: البحر، والحبر، وترجمان القرآن، وذلك أن النبيّ ﷺ قال في دعائه له: «اللهمّ فقهه في الدّين وعلمه التأويل» [١] وذهب بصره آخرا فقال:
إن يذهب الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكيّ وذهني غير ذي وكل ... وفي فمي صارم كالسّيف مشهور [٢]
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وكان جميلا نبيلا مجلسه مشحونا بالطلبة
стр. 283
في أنواع العلوم، قال بعضهم: حج معاوية وابن عبّاس وكان [١] لمعاوية موكب بالولاية، ولابن عباس موكب بالرواية والدراية.
قال ابن عبّاس: ضمني رسول الله ﷺ وقال: «اللهمّ علمه الحكمة» [٢] . وقال أيضا: دعاني رسول الله ﷺ فمسح ناصيتي وقال: «اللهمّ علمه الحكمة وتأويل الكتاب» [٣] . وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة ولا أجلد رأيا ولا أثقب نظرا حين ينظر من ابن عبّاس، وإن كان عمر بن الخطّاب ليقول [٤] له: قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها.
وقال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا قط أكرم من مجلس ابن عبّاس، أكثر فقها وأعظم، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم في واد واسع.
وقال مغيرة: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول [٥] .
وقال مجاهد: كان ابن عبّاس يسمى البحر من كثرة علمه [٦] .
стр. 284
وقال طاووس [١] : أدركت نحوا من خمسين [٢] من أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكر ابن عبّاس شيئا فخالفوه لم يزل بهم حتى يقرّرهم.
وقال ابن أبي نجيح: كان أصحاب ابن عبّاس يقولون: ابن عبّاس أعلم من عمر، ومن عليّ، ومن عبد الله [٣] ويعدّون ناسا، فيثب عليهم الناس فيقولون: لا تعجلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلّا وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه، وكان ابن عبّاس قد جمعه كلّه.
وقال الأعمش: كان ابن عبّاس إذا رأيته قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا حدّث قلت: أعلم النّاس [٤] .
وفيها عزل ابن الزّبير أخاه مصعبا عن العراق وولاها ابنه حمزة.
وتوفي أبو شريح [٥] الخزاعي الكعبي، ويقال له أيضا: العدوي، وكان قد أسلم قبل فتح مكة.
وأبو واقد الليثيّ [٦] ، وكان ممن شهد الفتح وعاش بضعا وسبعين سنة.
стр. 285
سنة تسع وستين
فيها كان طاعون الجارف [١] بالبصرة، قال المدائني [٢] : حدثني من أدرك الجارف قال: كان ثلاثة أيام فمات في كل يوم نحو من سبعين ألفا، ومات لأنس بن مالك نحو سبعين ابنا، ومات فيه عشرون ألف عروس، وأصبح النّاس في اليوم الرابع ولم يبق إلّا اليسير من الناس، وصعد ابن عامر [٣] المنبر يوم الجمعة فلم يجتمع معه إلّا سبعة رجال وامرأة، فقال: ما ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب أيها الأمير.
وفيه مات قاضي البصرة أبو الأسود الدّؤلي [٤] الذي أسس النحو
стр. 286
بإشارة عليّ إليه.
وفيها قتل نجدة الخارجي الحروري، قتله أصحابه واختلفوا عليه، وقيل: ظفر به أصحاب ابن الزّبير.
وفيها مات قبيصة بن جابر الأسدي [١] ، وكان فصيحا [٢] مفوّها، روى عبد الملك بن عمير عنه قال: قال لي عمر: إني أراك شابا فصيح اللسان فسيح الصدر.
وفيها أعاد ابن الزّبير أخاه مصعبا وعزل ابنه حمزة، وقصد هو وعبد
стр. 287
الملك بن مروان كل منهما الآخر، ثم فصل بينهما الشتاء، فوثب على دمشق في غيبة عبد الملك عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، وأراد الخلافة، فجاء عبد الملك وجرى بينهما قتال وحصار، ثم نزل إليه بالأمان.
وفيها كان بين الأزارقة، وبين المهلّب [١] حرب شديد، ودام القتال أشهرا [٢] بسولاف [٣] .
стр. 288
سنة سبعين
فيها غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد الأشدق، بعد أن أمّنه، وحلف له، وجعله وليّ عهده من بعده، فذبحه صبرا [١] .
وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ، وولد في حياة رسول الله ﷺ ، وهو جدّ عمر بن عبد العزيز من قبل أمه، وقيل: كانت وفاته لستين سنة.
وفيها مات مالك بن يخامر [٢] السّكسكي صاحب معاذ، وكان قد أدرك الجاهلية.
وفيها كان الوباء بمصر.
وفيها قال ابن جرير: ثارت الروم وقووا على المسلمين لاختلاف كلمتهم، فصالح عبد الملك ملك الروم على أن يؤدّي [إليه في] [٣] كلّ جمعة ألف مثقال [٤] ، وهو أول وهن دخل على المسلمين والإسلام.
стр. 289
سنة إحدى وسبعين
فيها توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ ممن بايع تحت الشجرة، وله روايات في غير الكتب الستة [١] . [٢] .
стр. 290
سنة اثنتين وسبعين
فيها توفي أبو عمارة البراء بن عازب الأنصاريّ الحارثيّ نزيل الكوفة، كان من أقران ابن عمر، استصغر يوم بدر [١] .
ومعبد بن خالد الجهنيّ صاحب لواء جهينة يوم الفتح، له حديث واحد عن أبي بكر [٢] ﵄.
وفيها على الصحيح توفي أبو بحر المعروف بالأحنف [٣] بن قيس
стр. 291
التّميمي السّعدي، كان من سادات التّابعين، يضرب بحلمه المثل، فعن الحسن [١] قال: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف أدرك عهد النبيّ ﷺ ، وأسلم قومه بإشارته، ولم يفد على رسول الله ﷺ ووفد على عمر، وله رواية عن عمر وعثمان وعليّ ﵃، قال له معاوية: ما أذكر صفّين إلّا وكانت في قلبي حرارة، فقال الأحنف: إنّ القلوب التي أبغضناكم بها لفي صدورنا، وإنّ السيوف التي قاتلناكم بها لفي أغمادها، ثم خرج، فقالت أخت معاوية: [من] [٢] هذا؟ قال: [هذا] الذي غضب له ألف فارس من تميم لا يدرون فيما غضب، ولما بايع [٣] معاوية لولده يزيد حسّن له بعض الحاضرين ذلك فقال له معاوية: فما تقول أنت يا أبا بحر؟
فقال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال معاوية: جزاك الله من الطاعة خيرا، وأمر له بألوف، فلما خرجا قال له ذلك الرجل: إني لأعلم ذمّ يزيد، ولكنّهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال نستخرجها بما سمعت، فقال الأحنف: إنّ ذا الوجهين خليق أن لا يكون له وجه عند الله [٤] .
ونقل الإمام الطّرطوشي [٥] أن بعض الخلفاء سأل رجلا عن الأحنف ابن قيس، وعن صفاته، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن شئت أخبرتك عنه بواحدة، وإن شئت أخبرتك عنه بثنتين، وإن شئت أخبرتك عنه بثلاث،
стр. 292
فقال: أخبرني عنه باثنتين، فقال: كان الأحنف يفعل الخير ويحبّه، ويتوقّى الشرّ ويبغضه، قال: فأخبرني عنه بثلاث، قال: كان لا يحسد أحدا، ولا يبغي على أحد، ولا يمنع أحدا حقّه، قال: فأخبرني عنه بواحدة، قال: كان من أعظم النّاس سلطانا في قيامه على نفسه.
وفيها على الصحيح عبيدة [١] السّلماني المرادي الكوفي الفقيه المفتي، أسلم في حياة النبيّ ﷺ ، وتفقّه بعليّ وابن مسعود، قال الشعبيّ: كان يوازي شريحا في القضاء.
وفيها وقعة دير الجاثليق [٢] بالعراق، وكانت وقعة هائلة بين مصعب وعبد الملك، وذلك أن عبد الملك أفسد جيش مصعب بالأطماع، ولما استظهر عبد الملك، أرسل إلى مصعب بالأمان فأبى، وقال: [إن] [٣] مثلي لا ينصرف [عن مثل هذا الموقف] [٤] إلّا غالبا أو مغلوبا، فأثخنوه بالرّمي، ثم شدّ عليه زائدة بن قدامة الثقفي [٥] فطعنه وقال: يا لثارات المختار [٦] وانصرف إلى عبد الملك.
стр. 293
وقتل مع مصعب ولداه عيسى، وعروة، وإبراهيم بن الأشتر النّخعيّ سيّد النّخع وفارسها، ومسلم بن عمرو الباهليّ.
واستولى عبد الملك على العراق وولّاها أخاه بشرا، وفيه يقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
وبعث الأمراء إلى الأمصار، وبعث الحجّاج إلى مكة لحرب ابن الزّبير فقتله، واستوى الأمر لعبد الملك من غير معارض [١] .
стр. 294
سنة ثلاث وسبعين
فيها توفي عوف بن مالك الأشجعيّ الحبيب الأمين، وكان ممن شهد فتح مكة [١] .
وأبو سعيد بن المعلّى [٢] الأنصاريّ له صحبة ورواية.
وربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي عمّ محمّد بن المنكدر، له رواية عن عمر.
وفيها نازل الحجّاج ابن الزّبير فحاصره، ونصب المنجنيق على أبي قبيس [٣] ، ودام القتال أشهرا، وتفرّق عن عبد الله أصحابه، فأخبر أمّه بذلك
стр. 295
واستشارها، فقالت: يا بنيّ إن كنت قاتلت لغير الله فقد هلكت وأهلكت، وإن كان لله فلا تسلّم نفسك، فقاتلهم، ولم يزل يهزمهم عند كلّ باب حتى أصابته رمية في رأسه، فنكس رأسه وهو يقول:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
فلما سقط، قالت جارية له: وا أمير المؤمنين، فعرفوه، ولم يكونوا عرفوه من لباس الحديد، فشدّوا عليه من كلّ جانب، وقتلوه قريبا من باب المسجد من ناحية الصّفا، وذلك في جمادى الأولى [١] وطافوا برأسه في مصر [٢] وغيرها.
قال النواوي في «شرح مسلم» [٣] مذهب أهل الحقّ أنّ ابن الزّبير كان مظلوما و [أن] الحجّاج ورفقته خارجون عليه. ودخل الحجّاج على أمّه بعد قتله فقال: كيف رأيتني صنعت بابنك؟ فقالت: أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ ﷺ ، أنّ في ثقيف مبيرا وكذّابا، فأمّا الكذّاب فرأيناه- يعني المختار- وأما المبير فلا إخالك [٤] إلا إيّاه [٥] .
والمبير المهلك.
قتل وله [٦] اثنتان وسبعون سنة، وكانت ولايته تنيف على ثمان سنين،
стр. 296
وكان ابن الزّبير صوّاما، قوّاما مستغرق الساعات في الطّاعات، بطلا شجاعا، ومناقبه شهيرة كثيرة، رضي الله تعالى عنه.
وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أميّة بن خلف الجمحيّ رئيس مكة، وابن رئيسها، ولد في حياة النبيّ ﷺ ، ولما حجّ معاوية قدّم له ابن صفوان ألفي شاة.
وقتل معه أيضا عبد الله بن مطيع بن الأسود العدويّ، الذي ولي الكوفة لابن الزّبير قبل غلبة المختار.
وقتل معه عبد الرّحمن بن عثمان بن عبد الله التيميّ، ممن أسلم يوم الحديبية.
وتوفّيت أمّ عبد الله بن الزّبير بعد مصاب ابنها بيسير، وهي أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق، وهي في عشر المائة، وهي من المهاجرات الأول، ومن أهل السّوابق في الإسلام، وهي ذات النّطاقين [١] ، ﵂.
وفيها استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان بمقتل ابن الزّبير، وولي الحجّاج أمر الحجاز، ونقض بناء ابن الزّبير الكعبة [٢] وأعادها إلى بنائها في زمن النبيّ ﷺ بمشاورة عبد الملك بن مروان.
وسبب هدم ابن الزّبير الكعبة، أنها كانت قد تهدّمت وتشعّثت من حجر المنجنيق الذي كان يرمي به الحصين بن نمير وأصحابه، وحدّثته خالته عائشة أنّ قريشا قصّرت بهم النفقة- يعني الحلال التي كانوا جمعوها لبنائها-
стр. 297
فاقتصروا عن قواعد إبراهيم ستة أذرع أو سبعة، وهي الحجر، ولما عزم ابن الزّبير على ذلك فرقت الناس، وخرج بعضهم هاربا إلى الطائف، وإلى عرفات، ومنى وطلع ابن الزّبير بنفسه واتّخذ معه عبدا حبشيا دقيق السّاقين رجاء أن يكون ذا السّويقتين الحبشي الذي يهدم الكعبة [١] ، وأما الحجّاج فلم يهدمها إلّا أنفة أن يبقى هذا الشّرف والمكرمة لابن الزّبير، واختلفوا كم بنيت مرّات، فقيل: سبعا، وقيل: خمسا، ومنشأ الخلاف أنّها هل بنيت قبل بناء إبراهيم، أو هو أول من بناها؟.
стр. 298
سنة أربع وسبعين
فيها توفي السّيّد الجليل الفقيه العابد الزّاهد أبو عبد الرّحمن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، وكان قد عيّن للخلافة يوم التّحكيم، مع وجود عليّ والكبار ﵃.
وقال فيه النبيّ ﷺ : «إنّ عبد الله رجل صالح» [١] . وقال: «نعمّ الرّجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل» فكان بعدها لا يرقد من الليل إلّا قليلا [٢] ، وكان من زهّاد الصحابة وأكثرهم اتّباعا للسّنن،
стр. 299
وأعزفهم [١] عن الفتن، وتمّ له ذلك إلى أن مات.
قيل: اعتمر قريبا من ألف عمرة.
قال مالك: بلغ ابن عمر ستا وثمانين سنة، أفتى في ستين منها، ولما مات أمرهم أن يدفنوه ليلا ولا يعلموا الحجّاج لئلا يصلّي عليه، ودفن في ذات أذاخر [٢] يعني فوق القرية التي يقال: لها العابدة، وبعضهم يزعم أنها في الجبل الذي فوق البستان على يمين الخارج من مكّة إلى المحصّب [٣] .
وتوفي بعده في تلك السنة أبو سعيد الخدريّ سعد بن مالك الأنصاريّ، وكان من أعيان الصحابة وفقهائهم، شهد الخندق، وبيعة الرّضوان، وغيرهما.
وفيها توفي بالمدينة سلمة الأكوع الأسلميّ، وكان ممن بايع النبيّ ﷺ على الموت يوم الحديبية، وكان بطلا شجاعا راميا، يسبق الفرس عدوا [٤] ، وله سوابق ومشاهد محمودة.
وفيها توفّي بالكوفة أبو جحيفة [٥] السّوائيّ، ويقال له: وهب الخير، له
стр. 300
صحبة ورواية، وكان صاحب شرطة عليّ ﵁، وكان يقوم تحت منبره يوم الجمعة، وقيل: تأخر إلى بعد الثمانين [١] .
وفيها توفّي محمّد بن حاطب بن الحارث الجمحيّ، له صحبة ورواية، وهو أوّل من سمّي في الإسلام محمّدا بعد رسول الله ﷺ .
ورافع بن خديج الأنصاريّ الصحابيّ، أصابه سهم يوم أحد فبقي النّصل إلى أن مات في جسمه.
وأوس بن ضمعج الكوفيّ العابد.
وخرشة بن الحرّ [٢] ، وقد ربّي يتيما في حجر عمر، ونزل الكوفة.
وعاصم بن ضمرة [٣] السّلولي.
ومالك بن أبي عامر الأصبحيّ، جدّ الإمام مالك، له رواية عن عمر وعثمان.
وعبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ بالمدينة له رواية ورؤية [٤] ، وكان كثير الحديث والفتوى.
وعبد الله بن عمير الليثيّ.
стр. 301
سنة خمس وسبعين
فيها حجّ عبد الملك بن مروان، وخطب على منبر رسول الله [١] ﷺ ، وعزل الحجّاج عن الحجاز وأمّره على العراقين.
وفيها توفّي العرباض بن سارية السّلمي أحد أصحاب الصّفّة بالشّام [٢] .
وأبو ثعلبة الخشنيّ [٣] بالشام، وقد شهد فتح خيبر.
وعمرو بن ميمون الأوديّ، قدم مع معاذ من اليمن، فنزل الكوفة، وكان صالحا قانتا، قيل: حجّ مائة حجّة وعمرة [٤] ، وكان إذا رؤي ذكر الله.
والأسود بن يزيد النّخعيّ [٥] الكوفيّ الفقيه العابد، كان يصلّي في اليوم والليلة سبعمائة ركعة، واستسقى به معاوية فسقوا.
стр. 302
وبشر بن مروان الأمويّ أمير العراقين بعد مصعب.
وسليم بن عتر [١] التجيبيّ قاضي مصر وناسكها، وقد حضر خطبة عمر بالجابية [٢] .
стр. 303
سنة ست وسبعين
فيها وجّه الحجّاج زائدة بن قدامة الثقفيّ ابن عمّ المختار لحرب شبيب بن قيس الخارجيّ الشيبانّي، فاستظهر شبيب وقتل زائدة، وهزم العساكر مرات واستفحل أمر شبيب. [١] .
стр. 304
سنة سبع وسبعين
فيها بعث الحجّاج لحرب شبيب عتّاب بن ورقاء الرياحي [١] بالباء الموحدة فلقي شبيبا [٢] بسواد الكوفة، فقتل شبيب أيضا عتّابا، وهزم جيشه، ثم جهّز الحجّاج له الحارث بن معاوية الثقفيّ فقتل الحارث أيضا، فوجّه الحجّاج له أبا الورد البصريّ فقتله أيضا، فوجّه له طهمان عثمان، فقتله أيضا، ففرق الحجّاج وسار بنفسه، فاقتتلوا شديدا أشد القتال، وتكاثروا على شبيب فانهزم.
وقتلت غزالة امرأة شبيب، وكانت قد قاتلت في تلك الحروب قتالا عجز عنه كمّل الرّجال، وكانت بحيث يضرب بشجاعتها المثل، وكانت نذرت أني تأتي مسجد كوفة فتصلّي فيه ركعتين بسورة البقرة، وآل عمران، فخرجت إليه في سبعين رجلا ووفت نذرها، فقال الناس:
وفت الغزالة نذرها ... يا ربّ لا تغفر لها
وقال الشاعر في الحجّاج بن يوسف:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
стр. 305
هلّا كررت على غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
ونجا شبيب بنفسه في فوارس من أصحابه إلى الأهواز.
وبها محمّد بن موسى بن طلحة التيميّ، فخرج لقتاله، فبارزه، فقتله شبيب، وسار إلى كرمان [١] فتقوّى، ثم رجع إلى الأهواز، فبعث إليه الحجّاج سفيان بن الأبرد الكلبيّ، وحبيب بن عبد الرّحمن، فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، ثم ذهب شبيب وعبر على جسر نهر دجيل [٢] فقطع به فغرق، وقيل:
بل نفر به فرسه وعليه الحديد الثقيل فألقاه في الماء، فقال بعض أصحابه:
أغرقا يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذلك تقدير العزيز العليم، فألقاه دجيل ميتا على ساحله، فحمل على البريد إلى الحجّاج، فأمر بشقّ بطنه، واستخرج قلبه، فإذا هو كالحجر، إذا ضرب به الأرض نبا عنها، فشقّ، فإذا قلب صغير كالكرة الصغيرة، فشقّ أيضا، فوجد في داخله علقة دم، وكانت شجاعته خارجة أكثر ما يكون في مائة نفس فيهزمون الألوف.
وفيها غزا عبد الملك الرّوم بنفسه، وافتتح مدينة هرقلة [٣] وافتتحت أيضا في خلافة العباسيّين [٤] ولعلّها عادت إليهم.
стр. 306
وفيها توفّي أبو تميم الجيشانيّ [١] وكان قرأ القرآن على معاذ، وكان من عبّاد أهل مصر وعلمائهم.
стр. 307
سنة ثمان وسبعين
فيها وثب الرّوم على ملكهم، فنزعوه من الملك، وقطعوا أنفه، ونفوه إلى بعض الجزائر.
وفيها جرت حروب وملاحم بإفريقيّة، وولي فيها موسى بن نصير إمرة المغرب كلّه، وولي خراسان المهلّب بن أبي صفرة.
وفيها توفي جابر بن عبد الله بن عمرو [١] بن حرام الأنصاريّ السّلميّ، وهو آخر من مات من أهل العقبة [٢] عن أربع وتسعين سنة، وهو من أهل بيعة الرّضوان وأهل السّوابق والسّبق في الإسلام، وكان كثير العلم، وأبوه عبد الله بن عمرو بن حرام مناقبه عديدة.
وفيها على الأصح زيد بن خالد [الجهنيّ] [٣] من مشاهير الصحابة، مات بالكوفة وله خمس وثمانون سنة.
стр. 308
وعبد الرّحمن بن غنم الأشعريّ بالشام [١] وكان من رووس التابعين، بعثه عمر يفقّه الناس. قال أبو مسهر [٢] هو رأس التابعين.
وفيها، وقيل: في سنة ثمانين أبو أميّة شريح بن الحارث الكنديّ، ولي قضاء الكوفة لعمر فمن بعده خمسا وسبعين سنة، ولم يتعطّل فيها إلّا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وعاش على ما قال ابن قتيبة [٣] مائة وعشرين سنة، واستعفى عن القضاء قبل موته بعام فأعفاه الحجّاج، وكان فقيها نبيها شاعرا، صاحب مزاح، وكان له دربة في القضاء بالغة، وهو أحد السّادات الطّلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزّبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس، وشريح.
والأطلس الذي لا شعر بوجهه [٤] .
وحكي أن عليا دخل على شريح مع خصم له ذمّيّ، فقام له شريح، فقال له عليّ كرم الله وجهه: هذا أوّل جورك، فقال: لو كان خصمك مسلما لما قمت، ويقال: إنه قضى على عليّ، وذلك أنه ادّعى على الذّمّيّ درعا سقطت منه، فقال للذّمّيّ: ما تقول؟ فقال: مالي وبيدي، فقال لعليّ كرم الله وجهه، ألك بيّنة أنّها سقطت منك؟ قال: نعم. فأحضر كلّا من الحسن وعبده قنبر [٥] فقال: قبلت شهادة قنبر، ورددت شهادة الحسن، فقال عليّ ثكلتك
стр. 309
أمّك [١] أما بلغك أن النبيّ ﷺ قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» [٢] فقال: اللهمّ نعم، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده، فقال لليهوديّ خذها فليس عندي غيرها [٣] فقال اليهوديّ: لكنّي أشهد أنّها لك، وأنّ دينكم هو الحقّ، قاضي المسلمين يحكم على أمير المؤمنين ويرضى، أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، فدفع عليّ الدّرع له فرحا بإسلامه. وضرب شريح امرأة له تميمية ثم ندم فقال:
رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلّت يميني يوم [٤] أضرب زينبا
فزينب بدر والنساء كواكب ... إذا طلعت لم تبق [منهنّ] [٥] كوكبا
وذكر أن زيادا كتب إلى معاوية: ضبطت لك العراق بشمالي، ويميني فارغة لطاعتك فولّني الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، وكان مقيما بمكة، فقال: اللهمّ اشغل يمين زياد، فأصابه الطّاعون، أو الأكلة [٦] في يمينه، فجمع الأطبّاء، فأشاروا بقطعها، فاستشار شريحا فقال: أكره لك، إن كانت لك مدة تعيش بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربّك مقطوع
стр. 310
اليد، فإذا قال لك: لم قطعتها؟ قلت: بغضا للقائك، وفرارا من قضائك، ومات زياد من يومه، فلام النّاس شريحا حيث نصح له لبغضهم لزياد، فقال:
استشارني، والمستشار مؤتمن، وإلّا لوددت أنه قطع يده يوما، ورجله يوما، وسائر جسده يوما يوما.
وتقدّم إلى شريح رجلان في شيء، فأقرّ أحدهما بما ادّعى عليه، ولم يعلم، فقضى عليه شريح، فقال: أتقضي عليّ بغير بينة؟ فقال: قد شهد عليك ثقة، قال: ومن ذلك؟ قال: ابن أخت خالتك، وقال له آخر: أين أنت أصلحك الله، قال بينك وبين الحائط، قال: إني رجل من أهل الشام، قال:
مكان سحيق، قال: وتزوجت امرأة، قال: بالرّفاء والبنين [١] قال: وولدت غلاما، قال: ليهنك الفارس قال: وشرطت لها دارا، قال: الشّرط أملك، قال:
اقض بيننا، قال: قد فعلت، قال: بم؟ قال: حدّث امرأة حديثين، فإن أبت فأربع.
وقال في «الإشراف على مناقب الأشراف [٢] : في ذكر المخضرمين، وذكر شريحا منهم.
стр. 311
قال الفضل بن دكين: بلغ شريحا مائة وثمان سنين، وتوفي سنة ست وسبعين، وقال غيره من أهل العلم: سنة ثمان وسبعين، وكان ثقة، ولي قضاء المصرين الكوفة، والبصرة، ومات بالكوفة ﵀ انتهى [١] .
وفيها قتل بسجستان أبو المقدام شريح بن هانئ المذحجيّ، صاحب عليّ وله مائة وعشرون سنة.
стр. 312
سنة تسع وسبعين
فيها، وقيل: في التي قبلها، قتل رأس الخوارج قطريّ بن فجاءة [١] التميميّ، عثر به فرسه فقتل، وأتي الحجّاج برأسه، وكان الحجّاج قد جهّز إليه جيشا بعد جيش وهو يهزمهم، وممن قاتله سوادة، أو سورة بن أبجر [٢] الدّارميّ، وكان مجرّبا في الحروب ومن قوله [٣] يخاطب نفسه:
أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لا تراعي [٤]
فإنّك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستاع
سبيل الموت غاية كلّ حيّ ... وداعيه لأهل الأرض داعي
وقال ابن قتيبة: هو من كنانة، من بني حرقوص بن مازن بن مالك بن
стр. 313
عمرو بن تميم، وكان يكنى أبا نعامة، وخرج زمن مصعب بن الزّبير، فبقي عشرين سنة يقاتل ويسلّم عليه بالخلافة، فوجّه إليه الحجّاج جيشا بعد جيش، وكان آخرهم سفيان بن الأبرد الكلبي فقتله، وكان المتولّي لذلك سودة [بن أبجر] [١] بن الحارث الدارمي، ولا عقب لقطريّ. انتهى [٢] .
وفيها توفيّ عبيد الله بن أبي بكرة [٣] ، وكان قد بعثه الحجّاج أميرا على سجستان في العام الماضي، وكان جوادا ممدّحا يعتق في كلّ يوم عيد مائة عبد.
وفيها مات عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي.
وفيها أصاب أهل الشام طاعون كادوا يفنون من شدّته، قاله ابن جرير [٤] .
стр. 314
سنة ثمانين
فيها بعث الحجّاج على سجستان عبد الرّحمن بن محمّد بن الأشعث الكنديّ، فلما استقرّ بها خلع الحجّاج، وخرج، وكان [١] بينهما حروب يطول شرحها.
وفيها مات عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشميّ، وهو آخر من رأى النبيّ ﷺ من بني هاشم، وكان مولده بالحبشة، ويقال: لم يكن في المسلمين أجود منه، وله فيه [٢] أخبار طويلة، وفي «الصحيح» أنّ ابن الزّبير قال له: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله ﷺ أنا، وأنت، وابن عبّاس؟ قال: نعم، فحملنا وتركك، وهذا من الأجوبة المسكتة، لكن الذي في «صحيح مسلم» عن عبد الله بن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن جعفر لابن الزّبير: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله ﷺ أنا، وأنت، وابن عبّاس، فحملنا وتركك [٣] ، فلينظر ذلك.
وقال الإمام النووي في «شرح مسلم» : وقد توهم القاضي أن القائل:
فحملنا وتركك، هو ابن الزّبير وجعله غلطا في رواية مسلم، وليس كما قال،
стр. 315
بل صوابه ما ذكرناه أن القائل: فحملنا وتركك هو ابن جعفر: انتهى [١] .
وقيل: إن أجواد المسلمين عشرة، منهم: عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن عبّاس، وطلحة الطّلحات الخزاعيّ [٢] .
وفيها مات أبو إدريس الخولانيّ عائذ الله بن عبد الله، فقيه أهل الشّام وقاضيهم، سمع من أبي الدّرداء وطبقته، وقال ابن عبد البرّ [٣] : سماع أبي إدريس عندنا عن معاذ صحيح [٤] .
وفيها مات أسلم مولى عمر ﵁، اشتراه عمر في حياة أبي بكر ﵁، وهو من سبي عين التّمر [٥] وكان فقيها نبيلا.
وفيها صلب عبد الملك معبد الجهنيّ في القدّر، وقيل: بل عذّبه الحجّاج بأنواع العذاب، وقتله.
وتوفّي ملك عرب الشّام حسّان بن النّعمان بن المنذر الغسّانيّ غازيا بالروم [٦] .
стр. 316
وفيها، وقيل: في التي [١] قبلها جنادة بن أبي أميّة الأزديّ بالشّام، له ولأبيه صحبة، وحديثه في «الصحيحين» عن الصحابة، وقد ولي غزو البحر لمعاوية [٢] .
وفيها على الأصح أبو عبد الرّحمن جبير بن نفير الحضرميّ، نزيل حمص، وكان من جلّة التّابعين، روى عن أبي بكر، وعمر.
وفيها توفي عبد الرّحمن بن عبد القاري، أتى به أبوه النبيّ ﷺ وهو صغير، وروى عن جماعة منهم عمر، وهو مدنيّ.
стр. 317
وفيها مات أليون عظيم الروم.
وفيها حاصر المهلّب بن أبي صفرة كشّ [١] ونسف [٢] .
стр. 318
سنة إحدى وثمانين
فيها قام مع ابن الأشعث عامّة أهل البصرة من العلماء والعبّاد، فاجتمع له جيش عظيم ولقوا الحجّاج يوم الأضحى، فانكشف عسكر الحجّاج، وانهزم هو، وتمت بينهما عدّة وقعات، حتى قيل: كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم، ثلاث وثمانون على الحجّاج، والآخرة له.
وفيها، وقيل: في التي بعدها توفي أبو القاسم محمّد بن علي بن أبي طالب الهاشميّ بن الحنفيّة [١] عن سبعين سنة إلّا سنة، وكان جمع له بين الاسم والكنية ترخيصا من النّبيّ ﷺ له، قال لعلي: «سيولد لك غلام بعدي، وقد نحلته اسمي وكنيتي، ولا يحلّ لأحد من أمتي بعده» [٢] وللعلماء في هذا تنازع.
وكان ابن الحنفيّة نهاية في العلم، غاية في العبادة، وتوقّف عن حمل
стр. 319
راية أبيه يوم الجمل، وقال: هذه مصيبة عمياء، فقال له أبوه: ثكلتك أمّك، أتكون عمياء وأبوك قائدها، وروي نحو هذا في يوم صفّين عنه.
وقيل له: كيف كان أبوك يقحمك المهالك دون أخويك، فقال: كانا عينيه، وكنت يده، فكان يتّقي عن عينيه بيده، وكان شديد القوّة، قيل:
استطال أبوه درعا فقطعه من الموضع الذي علّم له.
قيل: إن ملك الرّوم وجّه إلى معاوية رجلين أحدهما جسيم طويل، والآخر قوي، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أمّا الطويل فعندنا كفؤه، وهو قيس بن سعد بن عبادة، ورأيك في الآخر، فقال معاوية: هاهنا رجلان، محمّد بن الحنفيّة، وعبد الله بن الزّبير، ومحمد هو أقرب إلينا على كلّ حال، فلما حضروا نزع قيس سراويله ورماها إلى العلج [١] فبلغت ثّندوته [٢] فأطرق العلج مغلوبا، وقيل: لاموا قيسا على خلع سراويله في المجلس، فقال:
أردت لكي ما يعلم القوم أنّها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عاديّ نمته ثمود [٣]
وقال محمّد بن الحنفيّة: قولوا للعلج: إن شاء جلس وأقمته كرها بيد، أو يقعدني، وإن شاء، فليكن هو القائم، وأنا القاعد، فاختار الرّوميّ الجلوس، فأقامه محمّد، وعجز هو عن إقعاده، ثم اختار أن يقعد، فعجز
стр. 320
الرّوميّ عن إقامته، فانصرفا [١] مغلوبين، وعند الكيسانيّة [٢] أن ابن الحنفيّة لم يمت، وأنه المهديّ الذي يخرج في آخر الزمان [٣] ، وفي ذلك يقول كثّير عزّة:
ألا إنّ الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
عليّ والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... تعود [٤] الخيل يقدمها [٥] اللّواء
نراه مخيّما بجبال رضوى ... مقيما [٦] عنده عسل وماء [٧]
ولما اتّسق الأمر لابن الزّبير دعا محمّدا وابن عبّاس إلى بيعته فقالا:
حتى يجتمع النّاس على بيعتك، ثم أراد ابن عبّاس بعد تمهّل أن يبايعه، فأبى ابن الزّبير، فردّ عليه ابن عبّاس قولا شديدا، يتضمّن التنويه بعبد الملك، والغضّ منه، وذلك مذكور في «صحيح البخاري» [٨] .
وفيها سويد بن غفلة الجعفيّ بالكوفة، وقدم المدينة وقد دفنوا