← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

بالعلم، لطيفا. كيّسا، حسن المفاكهة. قلّ أن يغشى أحدا، مقبلا على ما هو بصدده. وروى عنه ابن النجار في «تاريخه» ووصفه بنحو ما وصفه ابن السّاعي. توفي في حادي عشري شعبان ودفن بباب حرب وقد ناهز الثمانين، ومرّ ليلة بسوق المدرسة النظامية ليصلي العشاء الآخرة بالمستنصرية إماما فخطف إنسان بقياره في الظلماء وعدا، فقال له الشيخ: على رسلك وهبتكه، قال: قبلت. وفشا خبره بذلك فلما أصبح أرسل إليه عدة بقايير، قيل أحد عشر، فلم يقبل منها إلّا واحدا تنزها. وفيها المجد الإسفراييني المحدّث [١] ، قارئ الحديث، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر الصّوفي. روى عن المؤيد الطّوسي وجماعة، وتوفي في ذي القعدة بالسميساطيّة من دمشق. وفيها مظفّر بن الفوّي أبو منصور بن عبد الملك بن عتيق الفهري الإسكندراني المالكي الشاهد [٢] . روى عن السّلفي، وعاش تسعين سنة، وتوفي في سلخ [ذي] القعدة. وفيها أبو الحجّاج يوسف بن خليل بن قراجا بن عبد الله، محدّث الشام الدمشقي الأدمي الحنبلي [٣] ، نزيل حلب. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة بدمشق، وتشاغل بالكسب إلى الثلاثين من عمره، ثم طلب الحديث، وتخرّج بالحافظ عبد الغني [٤] واستفرغ فيه وسعه. وكتب ما لا يوصف بخطّه المليح المتقن، ورحل إلى

стр. 3222

الأقطار، فسمع بدمشق من الحافظ عبد الغني، وابن أبي عصرون، وابن الموازيني، وغيرهم. وببغداد من ابن كليب، وابن بوش، وهذه الطبقة. وبأصبهان من ابن مسعود الحمّال وغيره. وبمصر من البوصيري وغيره، وكان إماما، حافظا، ثقة، نبيلا، متقنا، واسع الرّواية، جميل السيرة، متسع الرّحلة. قال ابن ناصر الدّين [١] : كان من الأئمة الحفّاظ المكثرين الرحّالين، بل كان أوحدهم فضلا، وأوسعهم رحلة وكتابة ونقلا. وقال ابن رجب: تفرّد في وقته بأشياء كثيرة عن الأصبهانيين، وخرّج وجمع لنفسه «معجما» عن أزيد من خمسمائة شيخ، و «ثمانيات» و «عوالي» و «فوائد» وغير ذلك. واستوطن في آخر عمره حلب، وتصدّر بجامعها، وصار حافظا والمشار إليه بعلم الحديث فيها. حدّث بالكثير من قبل الستمائة وإلى آخر عمره، وحدّث عنه البرزالي، ومات قبله باثنتي عشرة سنة. وسمع منه الحفّاظ المقدّمون، كابن الأنماطي، وابن الدّبيثي، وابن نقطة، وابن النجّار، والصّريفيني، وعمر بن الحاجب، وقال: هو أحد الرحّالين، بل واحدهم فضلا، وأوسعهم رحلة. نقل بخطه المليح ما لا يدخل تحت الحصر، وهو طيّب الأخلاق، مرضي الطريقة، متقن، ثقة، حافظ. وسئل عنه الحافظ الضياء فقال: حافظ مفيد صحيح الأصول. سمع وحصّل، صاحب رحلة وتطواف. وسئل الصّريفيني عنه فقال: حافظ، ثقة، عالم بما [٢] يقرأ عليه، لا يكاد يفوته اسم رجل.

стр. 3223

وقال الذهبي: روى عنه خلق كثير، وآخر من روى عنه إجازة زينب بنت الكمال. توفي سحر يوم الجمعة منتصف- وقيل عاشر- جمادى الآخرة بحلب ودفن بظاهرها، رحمه الله تعالى.

стр. 3224

سنة تسع وأربعين وستمائة فيها توفي إبراهيم بن سهل الإسرائيلي [١] الإسلامي. كان يهوديا فأسلم، وكان أديبا ماهرا، وله قصيدة مدح بها رسول الله ﷺ قبل أن يسلم، وكان يهوى صبيا يهوديا اسمه موسى، فمن قوله فيه من جملة أبيات [٢] : فما وجد أعرابيّة بان إلفها [٣] ... فحنّت إلى بان الحجاز ورنده بأعظم من وجدي بموسى وإنما ... يرى أنني أذنبت ذنبا بودّه وله فيه [٤] : يقولون لو قبّلته لاشتفى الجوى ... أيطمع في التقبيل من يعشق البدرا؟ إلى أن قال: إذا فئة العذّال جاءت بسحرها ... ففي وجه [٥] موسى آية تبطل السّحرا

стр. 3225

ثم إنه هوي بعد إسلامه صبيا اسمه محمد، فقال [١] : تركت هوى موسى لحبّ محمد ... ولولا هدى الرّحمن ما كنت أهتدي وما عن قلى حبي تركت وإنما ... شريعة موسى عطّلت بمحمد مات غريقا، ﵀. وفيها ابن العلّيق أبو نصر الأعزّ بن فضائل البغدادي البابصري [٢] . روى عن شهدة، وعبد الحق، وجماعة. وكان صالحا، تاليا لكتاب الله تعالى. توفي في رجب. وفيها البشيريّ [٣]- بفتح الموحدة وكسر المعجمة وبعد الياء راء، نسبة إلى قلعة بشير بنواحي الدوران من بلاد الأكراد- أبو محمد عبد الخالق بن الأنجب بن معمر الفقيه ضياء الدّين، شيخ ماردين. روى عن أبي الفتح بن شاتيل وجماعة، وكانت له مشاركة قويّة في العلوم. قال الذهبي: قال شيخنا الدّمياطي: مات في الثاني والعشرين من ذي الحجّة، وقد جاوز المائة. وقال الشريف عز الدّين في «الوفيات» : كان يذكر أنه ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. قاله في «العبر» .

стр. 3226

وفيها الإمام رشيد الدّين عبد الظاهر بن نشوان الجذامي المصري [١] الضرير، شيخ الإقراء بالدّيار المصرية. كان عارفا بالنحو أيضا. قال السيوطي في «حسن المحاضرة» : قرأ على أبي الجود، وسمع من أبي القاسم البوصيري، وبرع في العربية، وتصدّر للإقراء، وانتهت إليه رئاسة الفنّ في زمانه، وكان ذا جلالة ظاهرة، وحرمة وافرة، وخبرة تامّة بوجوه القراءات. مات في جمادى الأولى، وهو والد الكاتب البليغ محيي الدّين بن عبد الظّاهر. انتهى. وفيها أبو نصر الزّبيدي عبد العزيز بن يحيى بن المبارك الرّبعي البغدادي [٢] ولد سنة ستين وخمسمائة، وسمع من شهدة وغيرها، وتوفي سلخ جمادى الأولى. وفيها نور الدّين أبو محمد عبد اللّطيف [بن علي] بن نفيس بن بورنداز [٣] بن الحسام البغدادي الحنبلي المحدّث المعدّل. ولد في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع من أبيه أبي الحسن، وأبي محمد جعفر بن محمد بن أموسان، وغيرهما. وعني بهذا الشأن. وقرأ الكثير على عمر بن كرم، ومن بعده. وكتب الكثير بخطّه. قال الذهبي في «تاريخه» : هو الحافظ المفيد، كتب الكثير، وأفاد، وسمع منه الحافظ الدّمياطي، وذكره في «معجمه» .

стр. 3227

وشهد عند محمود الزّنجاني [١] . ثم إنه امتحن لقراءته شيئا من أحاديث الصفات بجامع القصر، فسعى به بعض المتجهمة، وحبس مديدة، وأسقطت عدالته، ثم أفرج عنه، وأعاد عدالته ابن مقبل، ثم أسقطت، ثم أعاد عدالته قاضي القضاة أبو صالح، فباشر ديوان الوكالة إلى آخر عمره. توفي بكرة السبت ثالث عشري ربيع الآخر ودفن بباب حرب، وكان له جمع عظيم، وشدّ تابوته بالحبال، وأكثر العوام الصّياح في الجنازة: هذه غايات الصالحين. انتهى. قال ابن السّاعي: ولم أر ممن كان على قاعدته فعل في جنازته مثل ذلك، فإنه كان كهلا يتصرف في أعمال السلطان، ويركب الخيل، ويحلّي فرسه بالفضة على عادة أعيان المتصرفين. انتهى. وقال ابن رجب: حصل له ذلك ببركة السّنّة، فإن الإمام أحمد قال: بيننا وبينهم [٢] الجنائز. وفيها ابن الجمّيزي العلّامة بهاء الدّين أبو الحسن علي بن هبة الله ابن سلامة بن المسلم بن أحمد بن علي اللّخمي المصري الشافعي [٣] ، مسند الدّيار المصرية وخطيبها ومدرسها. ولد بمصر يوم الأضحى سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وحفظ القرآن سنة تسع وستين، ورحل به أبوه فسمّعه بدمشق من ابن عساكر، وببغداد من

стр. 3228

شهدة وجماعة، وقرأ القراءات على أبي الحسن البطائحي. وقرأ كتاب «المهذب» على القاضي أبي سعد بن أبي عصرون. وقرأه أبو سعد على القاضي أبي علي الفارقي عن مؤلّفه، وسمع بالإسكندرية من السّلفي، وتفرّد في زمانه. ورحل إليه الطلبة، ودرّس وأفتى، وانتهت إليه مشيخة العلم بالدّيار المصرية. وهو آخر من قرأ القراءات في الدّنيا على البطائحي، بل وآخر من روى عنه بالسماع. وقرأ أيضا بالقراءات العشر على ابن أبي عصرون. وسمع منه الكثير، وهو آخر تلاميذه في الدّنيا. وكان رئيس العلماء في وقته، معظما عند الخاصة والعامة، وعليه مدار الفتوى ببلده. كبير القدر، وافر الحرمة. روى عنه خلائق لا يحصون. توفي في الرابع والعشرين من ذي الحجّة. وفيها السّديد أبو القاسم عيسى بن أبي الحرم مكّي بن حسين العامري المصري الشافعي المقرئ [١] ، إمام جامع الحاكم. قرأ القراءات على الشّاطبي وأقرأها مدة، وتوفي في شوال عن ثمانين سنة، وقرأ عليه غير واحد. وفيها ابن المنّي أبو المظفّر سيف الدّين محمد بن أبي البدر مقبل بن فتيان بن مطر النّهرواني [٢] ، المفتي الإمام. الفقيه الحنبلي، ابن أخي شيخ المذهب أبي الفتح بن المنّي. ولد ببغداد في خامس رجب، سنة سبع، وقيل: تسع وستين وخمسمائة. وقرأ بالروايات على ابن الباقلّاني بواسط. وروى عن جماعة، منهم:

стр. 3229

شهدة، وعبد الحق اليوسفي. وتفقه على عمه ناصح الإسلام أبي الفتح بن المنّي. وتأدّب بالحيص بيص الشاعر وغيره. وناظر في المسائل الخلافية، وأفتى وشهد عند القضاة. وكان حسن المناظرة، متدينا، مشكور الطريقة، كثير التلاوة للقرآن الكريم. وحدّث، وأثنى عليه ابن نقطة، وروى عنه ابن النجار، وابن السّاعي، وعمر بن الحاجب. وبالإجازة جماعة، آخرهم: زينب بنت الكمال المقدسية، وتوفي في سابع جمادى الآخرة ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب. وفيها جمال الدّين بن مطروح الأمير الصّاحب أبو الحسين يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن مطروح المصري [١] ، صاحب الشعر الرائق. ولد بأسيوط يوم الاثنين ثامن رجب، سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. ونشأ هناك، وتنقلت به الأحوال والخدم والولايات، حتّى اتصل بخدمة السلطان الملك الكامل بن الملك العادل بن أيوب، وكان إذ ذاك نائبا عن أبيه بالدّيار المصرية. ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، وصار له آمد، وحصن كيفا، وحرّان، والرّها، والرّقّة، ورأس عين، وسروج، وما انضم إلى ذلك، سيّر إليها ولده الملك الصالح نائبا عنه، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة، فكان ابن مطروح في خدمته، ولم يزل ينتقل في تلك البلاد إلى أن وصل الملك الصّالح إلى مصر مالكا لها، وكان دخوله يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة. ثم وصل ابن مطروح إلى الدّيار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين. فرتّبه السلطان ناظرا في الخزانة، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده، إلى أن ملك الصالح دمشق في

стр. 3230

جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين. فكان ابن مطروح في صورة وزير لها، ومضى إليها، فحسنت حاله، وارتفعت منزلته، ثم إن الصّالح توجّه إليها، فوصلها في شعبان، سنة ست وأربعين، وجهّز عسكرا إلى حمص لاستنقاذها من نواب الملك الناصر، فعزل ابن مطروح عن ولايته بدمشق، وسيّره مع العسكر، ثم بلغه أن الفرنج قد اجتمعوا في جزيرة قبرس [١] على عزم قصد الدّيار المصرية، فسيّر إلى العسكر المحاصرين حمص، وأمرهم أن يعودوا لحفظ الدّيار المصرية، فعاد العسكر وابن مطروح في الخدمة، والملك الصالح متغير عليه لأمور يفهمها منه [٢] . ولما مات الملك الصالح، وصل ابن مطروح إلى مصر، وأقام في داره إلى أن مات. قال ابن خلّكان: كان ذا أخلاق رضية، وكان بيني وبينه مكاتبات ومودة أكيدة، وله ديوان شعر أنشدني أكثره، فمن ذلك قوله في أول قصيدة طويلة: هي رامة فخذوا يمين الوادي ... وذروا السّيوف تقرّ في الأغماد وحذار من لحظات أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الآساد من كان منكم واثقا بفؤاده ... فهناك ما أنا واثق بفؤادي يا صاحبيّ ولي بجرعاء الحمى ... قلب أسير ما له من فادي سلبته مني يوم بانوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد وبحيّ من أنا في هواه ميّت ... عين على العشّاق بالمرصاد وأغنّ مسكيّ اللّمى معسوله ... لولا الرقيب بلغت منه مرادي كيف السّبيل إلى وصال محجّب ... ما بين بيض ظبا وسمر صعاد

стр. 3231

في بيت شعر نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف في بادي حرسوا مهفهف قدّه بمثقّف ... فتشابه الميّاس بالميّاد قالت لنا ألف العذار بخدّه ... في ميم مبسمه شفاء الصّادي ومن شعره قوله: وعلّقته من آل يعرب لحظه ... أمضي وفتك من سيوف عريبه أسكنته بالمنحنى من أضلعي ... شوقا لبارق شوقه وعذيبه يا عائبا ذاك الفتور بطرفه ... خلّوه لي أنا قد رضيت بعيبه لدن وما مرّ النّسيم بعطفه ... أرج وما نفح العبير بجيبه ونزل في بعض أسفاره بمسجد وهو مريض فقال: يا ربّ قد عجز الطّبيب فداوني ... بلطيف صنعك واشفني يا شافي أنا من ضيوفك قد حسبت وإنّ من ... شيم الكرام البرّ بالأضياف وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي وأحسن فيهما، وهما: إذا ما سقاني ريقه وهو باسم ... تذكّرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من قدّه ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى السوابق وكان بينه وبين البهاء زهير محبة قديمة من زمن الصّبا وإقامتهما بالصعيد، حتى كانا كالأخوين وليس بينهما فرق في أمور الدّنيا. ثم اتصلا بخدمة الصالح وهما على تلك الحال والمودة. وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان، ودفن بسفح المقطّم، وأوصى أن يكتب عند رأسه دو بيت نظمه في مرضه وهو: أصبحت بقعر حفرتي [١] مرتهنا ... لا أملك من دنياي إلّا كفنا يا من وسعت عباده رحمته ... من بعض عبادك المسيئين [٢] أنا

стр. 3232

سنة خمسين وستمائة فيها وصلت التتار إلى ديار بكر فقتلوا وسبوا وعملوا عوائدهم. وفيها توفي الرّشيد بن مسلمة أبو العبّاس أحمد بن مفرّج بن علي بن الدّمشقي [١] ، ناظر الأيتام. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وأجاز له الشيخ عبد القادر الجيلي، وهبة الله الدقّاق، وابن البطّي، والكبار. وتفرّد في وقته، وسمع من الحافظ ابن عساكر وجماعة. وتوفي في ذي القعدة. وفيها الكمال إسحاق بن أحمد بن عثمان المعرّي [٢] الشيخ المفتي الإمام الفقيه الشافعي المعرّي [٣] ، أحد مشايخ الشافعية وأعيانهم. أخذ عن الشيخ فخر الدّين بن عساكر، ثم عن ابن الصّلاح. وكان

стр. 3233

إماما، عالما، مقيما بالرّواحية، أعاد بها عند ابن الصلاح عشرين سنة، وقد أخذ عنه جماعة، منهم: الإمام محيي الدّين النّووي. قال أبو شامة: كان زاهدا، متواضعا. وقال النووي في أوائل «تهذيب الأسماء واللغات» : أول شيوخي الإمام المتفق على علمه، وزهده، وورعه، وكثرة عبادته، وعظيم [١] فضله وتميّزه [٢] في ذلك على أشكاله. وقال غيره: كان متصديا للإفادة والفتوى، تفقّه به أئمة، وكان كبير القدر في الخير والصلاح، متيقن الورع. عرضت عليه مناصب فامتنع، ثم ترك الفتوى، وقال: في البلد من يقوم مقامي. وكان يسرد الصوم، ويؤثر بثلث جامكيته [٣] ويقنع باليسير، ويصل رحمه بما فضل عنه، وكان في كلّ رمضان ينسخ ختمة ويوقفها. وله أوراد كثيرة، ومحاسن جمّة. توفي في ذي القعدة عن نيّف وخمسين سنة، ودفن بتربة الصّوفية إلى جانب ابن الصّلاح. وفيها [الصّغاني] العلّامة رضي الدّين أبو الفضائل الحسن بن محمد [بن الحسن] بن حيدر العدوي العمري الهندي اللّغوي [٤] ، نزيل بغداد. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة بكوهور [٥] ، ونشأ بغزنة، وقدم بغداد، وذهب في الرسائل غير مرّة. وسمع بمكّة من أبي الفتوح بن [محمد]

стр. 3234

الحصري، وببغداد من سعيد بن الرزّاز. وكان إليه المنتهى في معرفة اللغة. له مصنّفات كبار في ذلك، وله بصر في الفقه، مع الدّين، والأمانة. توفي في شعبان، وحمل إلى مكّة فدفن بها. وفيها الخطيب العدل عبد الله بن حسّان بن رافع [١] ، خطيب المصلّى. توفي بدمشق بقصر حجّاج، بالمسجد المعروف به، ودفن بسفح قاسيون. وفيها الخطيب كمال الدّين عبد الواحد بن خلف بن نبهان، خطيب زملكا، جدّ الشيخ كمال الدّين بن الزّملكاني [٢] . كان فاضلا، خيّرا، متميزا في علوم متعددة. تولى قضاء صرخد، ودرّس ببعلبك، وناب بدمشق، ومات بها. حكى عنه ابن أخيه عبد الكافي أنه لما طال به المرض ونحن عنده إذ التوت [٣] يده اليمنى إلى أن صارت كالقوس، ثم فقعت وانكسرت، وبقيت معلّقة بالجلدة، ثم يوما آخر أصاب يده اليسرى مثل ذلك، ثم رجله اليمنى، ثم رجله اليسرى كذلك، فبقيت أربعته مكسرة. وسألوا الأطباء عن ذلك فما عرفوا جنس هذا المرض. وفيها الشيخ الصّالح علي بن محمد الفهّاد [٤] . كان بحرم السلطان. سنجرشاه، فلما قتل انقطع في بيته وبنى مسجدا ورباطا ووقف عليهما ما ملك، وبقي يؤذّن احتسابا، فلما كان في بعض الأيام، جاء إلى المسجد وفيه بئر، فأدلى السطل ليستقي ماء، فطلع مملوءا ذهبا، فقال: بسم الله مردود، فأنزله مرة ثانية فطلع مملوءا ذهبا، فقال: بسم الله غير مردود وقلبه في البئر،

стр. 3235

وأنزله مرة ثالثة فطلع مملوءا ذهبا، فقال: يا ربّ لا تطردني عن بابك، أنا أروح إلى الشطّ أتوضأ، ليس قصدي سوى الماء لأداء فريضتك، ثم أنزله رابعة فطلع مملوءا ماء، فسجد شكرا لله تعالى [١] . وفيها الإمام شمس الدّين محمد بن سعد بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله بن نمير الأنصاري المقدسي الأصل ثم الدمشقي الكاتب الفقيه الحنبلي [٢] . ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وسمع من يحيى الثقفي، وابن صدقة الحرّاني، وغيرهما. وأجاز له السّلفي وغيره، وكان شيخا، فاضلا، وأديبا حسن النظم والنثر، من المعروفين بالفضل والأدب، والكتابة، والدّين، والصّلاح، وحسن الخطّ، وحسن الخصال، ولطف المقال. وطال عمره، ووزر للملك الصّالح إسماعيل مدة. وحدّث بدمشق وحلب، وكتب عنه ابن الحاجب، وقال: سألت الحافظ ابن عبد الواحد عنه فقال: عالم ديّن. روى عنه جماعة، منهم: ابنه يحيى بن محمد بن سعد، وسليمان بن حمزة، وتوفي في ثاني شوال بسفح قاسيون ودفن به من الغد. وتوفي أخوه أحمد في نصف ذي القعدة من هذه السنة [٣] . روى عن الخشوعي، وابن طبرزد. وفيها الفقيه العلّامة المحدّث الصّالح الورع، محمد بن إسماعيل

стр. 3236

الحضرمي [١] ، والد الفقيه إسماعيل المشهور. كان مفتيا [٢] ، مدرسا. وصنّف، واختصر «شعب الإيمان» للبيهقي، وله عليه زيادات حسنة، وتخرّج به جماعة، منهم: ولده. ولما مات نزل في قبره الشيخ أبو الغيث بن جميل [اليمني] ، نفع الله بهما. قاله ابن الأهدل. وفيها سعد الدّين بن حمّويه الجويني محمد بن المؤيد بن عبد الله ابن علي الصّوفي [٣] ، صاحب أحوال ورياضات. وله أصحاب ومريدون، وله كلام على طريقة الاتحاد. سكن سفح قاسيون مدة، ثم رجع إلى خراسان، وتوفي هناك. قاله في «العبر» . وفيها الفقيه موسى بن محمد القمراوي [٤] ، نسبة إلى قمراء، قرية من أعمال صرخد. ومن شعره قصيدة وازن بها قصيدة الحصري القيرواني [٥] ، التي أولها: يا ليل الصّبّ متى غده ... أقيام السّاعة موعده فقال القمراوي: قد [٦] ملّ مريضك عوّده ... ورثى لأسيرك حسّده لم يبق جفاك سوى نفس ... زفرات الشوق تصعّده

стр. 3237

هاروت يعنعن فنّ [١] السّح ... ر إلى عينيك ويسنده وإذا أغمضت [٢] اللّحظ فتك ... ت فكيف وأنت تجرّده كم سهّل خدّك وجه رضا ... والحاجب منك يعقّده ما أشرك فيك القلب فلم ... في نار الشّوق تخلّده وفيها فخر القضاة نصر الله بن هبة الله بن بصاقة [٣] الحنفي الكاتب [٤] . من شعره: على ورد خدّيه وأسّ عذاره ... يليق بمن يهواه خلع عذاره وأبذل جهدي في مداراة قلبه ... ولولا الهوى يقتادني لم أداره أرى جنّة في خدّه غير أنني ... أرى جلّ ناري شبّ من جلّناره سكرت بكأس من رحيق رضابه ... ولم أدر أنّ الموت عقبى خماره وفيها علي بن أبي الفوارس الخيّاط المقرئ، عرف بالسير باريك [٥] . كان حاذقا بالخياطة، قيل: إن الأمير الأرنباي أحضره ليلة العيد وقد عرض عليه ثوب أطلس، فطلب صاحبه ثمنا كثيرا، فقال: أنا أخيّطه ولا أقطعه، ويلبسه الأمير. فإن رضي صاحبه بما يعطى وإلّا يعاد عليه، فقال: افعل، ففعل ذلك، وجاء صاحبه وأصرّ على الثمن الغالي، فطواه وثقله وأعاده عليه، فلما رآه صحيحا رضي بما أعطي.

стр. 3238

وفيها الشيخ عثمان الديرناعسي [١]- من دير ناعس من قرى البقاع- شيخ عظيم، صاحب كرامات ومكاشفات. أدرك جماعة من الأولياء، ودفن بزاوية هناك، وكان له صيت وسمعة. وفيها ابن قميرة المؤتمن أبو القاسم يحيى بن أبي السعود نصر بن أبي القاسم بن أبي الحسن التميمي الحنظلي الأزجي [٢] ، التاجر السفّار، مسند العراق. ولد سنة خمس وستين وخمسمائة. وسمع من شهدة، وتجنّي، وعبد الحق، وجماعة. وحدّث في تجارته بمصر والشام. توفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى. وفيها هبة الله بن محمد بن الحسين بن مفرّج جمال الدّين أبو البركات المقدسي ثم الإسكندراني الشافعي، ويعرف بابن الواعظ [٣] . من عدول الثّغر. روى عن السّلفي قليلا، وعاش إحدى وثمانين سنة.

стр. 3239

سنة إحدى وخمسين وستمائة فيها توفي الجمال بن النّجّار إبراهيم بن سليمان بن حمزة القرشي الدّمشقي المجوّد [١] . كتب للأمجد صاحب بعلبك مدة، وله شعر وأدب. أخذ عن الكندي، وفتيان الشّاغوري، وتوفي بدمشق في ربيع الآخر. وفيها الملك الصّالح صلاح الدّين أحمد بن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدّين يوسف بن أيوب [٢] ، صاحب عين تاب. ولد سنة ستمائة، وإنما أخّروه عن سلطنة حلب لأنه ابن أمة، ولأن أخاه العزيز ابن بنت العادل، وقد تزوّج بعد أخيه العزيز بفاطمة بنت الملك الكامل، وكان مهيبا وقورا، حدّث عن الافتخار الهاشمي، وتوفي في شعبان بعنتاب. وفيها الصّالح بن شجاع بن سيّدهم أبو التّقي المدلجي المصري [٣]

стр. 3240

المالكي الخيّاط، راوي «صحيح مسلم» عن أبي المفاخر المأموني، وكان صالحا، متعففا. توفي في المحرّم. وفيها السبط جمال الدّين أبو القاسم عبد الرحمن بن مكّي بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي ثم الإسكندراني [١] . ولد سنة سبعين وخمسمائة، وسمع من جدّه السّلفي الكثير [٢] ، ومن غيره وأجاز له عبد الحق، وشهدة، وخلق، وانتهى إليه علو الإسناد بالدّيار المصرية. وكان عريا من العلم. توفي في رابع شوال بمصر. قاله في «العبر» . وفيها ابن الزّملكاني العلّامة كمال الدّين عبد الواحد ابن خطيب زملكا أبو محمد عبد الكريم بن خلف الأنصاري السّماكي الشّافعي [٣] ، صاحب علم المعاني والبيان. كان قويّ المشاركة في فنون العلم، خيّرا، متميزا، ذكيا سريا. ولي قضاء صرخد، ودرّس مدّة ببعلبك. وله نظم رائق. وهو جدّ الكمال الزّملكاني المشهور، واسطة عقد البيت. وتوفي عبد الواحد في المحرّم بدمشق. وكان له ولد يقول له أبو الحسن علي [٤] ، إمام جليل وافر الحرمة، حسن الشكل، درّس بالأمينية، وتوفي في ربيع الأول سنة تسعين وستمائة وقد نيّف على الخمسين. وفيها أبو الحسن بن قطرال علي بن عبد الله بن محمد الأنصاري

стр. 3241

القرطبي [١] . سمع عبد الحق بن توبة، وأبا القاسم بن الشّرّاط، وناظر علي بن أبي العباس بن مضاء [٢] . وقرأ العربية، وولي قضاء أبّذة [٣] ، فلما أخذها الفرنج سنة تسع وستمائة أسروه، ثم خلّص، وولي قضاء شاطبة، ثم ولي قضاء قرطبة، ثم ولي قضاء فاس. وكان يشارك في عدة علوم، ويتفرّد ببراعة البلاغة. توفي بمرّاكش في ربيع الأول، وله ثمان وثمانون سنة. وفيها أبو الحسن موفق الدّين علي بن عبد الرحمن البغدادي البابصري [٤] الفقيه الحنبلي. سمع مع أبيه من أبي العبّاس أحمد بن أبي الفتح بن صرما وغيره، وتفقه في المذهب. وكان معيدا لطائفة الحنابلة بالمستنصرية. توفي في شعبان ببغداد، ودفن بباب حرب. وفيها الشيخ محمد بن الشيخ الكبير عبد الله اليونيني [٥] ، خلف أباه في المشيخة ببعلبك مدة، وكان زاهدا عابدا متواضعا كبير القدر. توفي في رجب.

стр. 3242

سنة اثنتين وخمسين وستمائة فيها شرعت التتار في فتح البلاد الإسلامية، والخليفة غافل في خلوته ولهوه، والوزير مؤيد الدّين وأتباع الخليفة يكاتبون هلاكو والرّسل بينهم. وفيها ظهر بأرض عدن في بعض جبالها نار يطير شرارها إلى البحر بالليل ويصعد منها دخان عظيم بالنهار فما شكّوا أنّها النّار التي ذكرها النّبيّ ﷺ أنها تظهر في آخر الزّمان [١] ، فتاب الناس. وفيها توفي الرّشيد العراقي أبو الفضل إسماعيل بن أحمد بن الحسين الحنبلي الجابي [٢] . بدار الطّعم. كان أبوه فقيها مشهورا. سكن دمشق، واستجاز لابنه من شهدة، والسّلفي، وطائفة، فروى الكثير بالإجازة، وتوفي في جمادى الأولى.

стр. 3243

وفيها الأمير فارس الدّين أقطايا [١] التّركي الصّالحي النّجمي. كان موصوفا بالشجاعة والكرم، اشتراه الصّالح بألف دينار، فلما اتصلت السلطنة إلى رفيقه الملك المعزّ بالغ أقطايا [١] في الإذلال والتجبّر، وبقي يركب ركبة ملك، وتزوّج بابنة صاحب حماة، وقال للمعزّ: أريد أعمل العرس في قلعة الجبل، فأخلها لي، وكان يدخل الخزائن ويتصرف في الأموال، فاتفق المعزّ وزوجته شجرة الدّر عليه، ورتّبا من قتله، وأغلقت أبواب القلعة، فركبت مماليكه وكانوا سبعمائة، وأحاطوا بالقلعة، فألقي إليهم رأسه، فهربوا وتفرّقوا. وكان قتله في شعبان. وفيها شمس الدّين الخسروشاهي [٢]- بضم الخاء المعجمة وسكون المهملة، وفتح الراء، وبعد الواو شين معجمة، نسبة إلى خسروشاه، قرية بمرو- أبو محمد عبد الحميد بن عيسى بن عمريه بن يوسف بن خليل بن عبد الله ابن يوسف التّبريزي الشّافعي، العلّامة المتكلم. ولد سنة ثمانين وخمسمائة، ورحل فأخذ الكلام عن الإمام فخر الدّين الرّازي، وبرع فيه. وسمع من المؤيد الطّوسي، وتقدم في علم الأصول والعقليات، وأقام في الشّام بالكرك مدة عند الناصر، وتفنن في علوم متعددة، منها الفلسفة، ودرّس وناظر، وقد اختصر «المهذّب» في الفقه، «والشفا» لابن سينا. وله إشكالات وإيرادات جيدة، وروى عنه الدّمياطي، وأخذ عنه الخطيب زين الدّين بن المرحل، ومات في ثاني عشري شوال بدمشق ودفن بقاسيون. وفيها- أو في التي قبلها كما جزم به ابن كمال باشا- العلّامة

стр. 3244

بدر الدّين محمد بن محمود بن عبد الكريم الكردري، المعروف بخواهر زاده الحنفي [١] . أخذ عن خاله شمس الأئمة الكردري، وتفقه به. والكردري: يقال لجماعة من العلماء كانوا أخوات شمس الأئمة، ولكن المشهور بهذه النسبة عند الإطلاق اثنان: أحدهما متقدم، وهو أبو بكر محمد بن حسين البخاري ابن أخت القاضي أبي ثابت محمد، وقد تكرر ذكره في «الهداية» بلقبه هذا، وهو مراد صاحبها. والثاني خواهرزاده، صاحب هذه الترجمة. توفي- رحمه الله تعالى- في سنة إحدى وخمسين وستمائة. قاله ابن كمال باشا. وفيها- أو في التي قبلها كما جزم به ابن الأهدل- شيخ شيوخ اليمن أبو الغيث بن جميل اليمني [٢] . كان كبير الشأن، ظاهر البرهان، تخرّج به خلق وانتفع به الناس. وكان وجوده حياة للوجود، وفيه يقول اليافعي- رحمه الله تعالى-: لنا سيّد كم ساد بالفضل سيّدا ... بكلّ زمان ثمّ كلّ مكان إذا أهل أرض [٣] فاخروا بشيوخهم ... أبو الغيث فينا فخر كلّ يماني كان في ابتداء أمره عبدا- أي قنّا- قاطعا للطريق، فبينا هو كامن لأخذ قافلة، إذ سمع هاتفا يقول: يا صاحب العين عليك أعين [٤]

стр. 3245

فوقع منه موقعا أزعجه، وأقبل على الله، وظهر عليه من أوله صدق الإرادة، وسيماء السعادة. وصحب أولا الشيخ علي بن أفلح الزّبيدي، ثم الشيخ المبجّل علي الأهدل. ولما انتشر صيت الشيخ بنواحي سردد [١] كتب إليه الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين [٢] يدعوه إلى البيعة، فأجابه الشيخ، ورد كتاب السيد، وفهمنا مضمونه، ولعمري إن هذا سبيل سلكه الأولون، غير أنا نفر منذ سمعنا قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ١٣: ١٤ [الرّعد: ١٤] لم يبق لإجابة الخلق فينا متسع، وليس لأحد منا أن يشهر سيفه على غير نفسه، ولا أن يفرّط في يومه بعد أمسه، فليعلم السيد قلّة فراغنا لما رام منا، ويعذر المولى، والسلام. وكان أمّيّا وله كلام في الحقائق، وأحوال باهرة، وكرامات ظاهرة، ووضع عليه كتاب في التصوف. وفيها مجد الدّين بن تيمية، شيخ الإسلام أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي بن تيمية الحرّاني [٣] الفقيه الحنبلي الإمام المقرئ المحدّث المفسّر الأصولي النحوي، شيخ الإسلام، وأحد الحفّاظ الأعلام، وفقيه الوقت، ابن أخي الشيخ مجد الدّين محمد المتقدم ذكره. ولد سنة تسعين وخمسمائة تقريبا بحرّان، وحفظ بها القرآن. وسمع من عمه الخطيب فخر الدين، والحافظ عبد القادر الرّهاوي.

стр. 3246

ثم ارتحل إلى بغداد سنة ثلاث وستمائة مع ابن عمّه سيف الدّين عبد الغني المتقدم ذكره أيضا، فسمع بها من ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن طبرزد، وخلق. وأقام بها ستّ سنين يشتغل بأنوع العلوم. ثم رجع إلى حرّان، فاشتغل على عمّه فخر الدّين. ثم رجع إلى بغداد، فازداد بها من العلوم. وتفقه بها على أبي بكر بن غنيمة [الحلاوي] ، والفخر إسماعيل، وأتقن العربية، والحساب، والجبر، والمقابلة. وبرع في هذه العلوم وغيرها. قال الذهبي: حدثني شيخنا- يعني أبا العباس بن تيمية شيخ الإسلام حفيد الشيخ مجد الدين هذا- أن جدّه ربّي يتيما، وأنه سافر مع ابن عمّه إلى العراق ليخدمه ويشتغل معه وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فكان يبيت عنده، فيسمّعه مسائل الخلاف، فيحفّظه المسألة، فقال الفخر إسماعيل: ايش حفظ هذه الصغير، فبدر وعرض ما حفظه في الحال، فبهت فيه الفخر، وقال لابن عمه: هذا يجيء منه شيء وحرضه [١] على الاشتغال. قال: فشيخه في الخلاف الفخر إسماعيل، وعرض عليه مصنّفه «جنّة الناظر» وكتب له عليه: عرض عليّ الفقيه الإمام العالم، أوحد الفضلاء. وهو ابن ست عشرة عاما. قال الذهبي: وقال لي شيخنا أبو العبّاس: كان الشيخ جمال الدّين بن مالك يقول: ألين للشيخ المجد الفقيه كما ألين لداود الحديد [٢] . وقال الشيخ جم الدّين بن حمدان مصنّف «الرعاية» في تراجم شيوخ حرّان: صحبت المجد صحبته بعد قدومي من دمشق ولم أسمع منه شيئا، وسمعت بقراءته على ابن عمّه كثيرا. وولي التفسير والتدريس بعد ابن عمه، وكان رجلا فاضلا في مذهبه وغيره، وجرى لي معه مباحث كثيرة ومناظرات عديدة.

стр. 3247

وقال الحافظ عز الدّين الشريف: حدّث بالحجاز، والعراق، والشام، وبلده حرّان. وصنّف، ودرّس، وكان من أعيان العلماء وأكابر الفضلاء. وقال الذهبي: قال شيخنا [١] : كان جدّنا عجبا في حفظ الأحاديث وسردها، وحفظ مذاهب الناس بلا كلفة. وقال الذهبي: وكان الشيخ مجد الدّين معدوم النظير في زمانه، رأسا في الفقه وأصوله، بارعا في الحديث ومعانيه، له اليد الطّولي في معرفة القراءات والتفسير. صنّف التصانيف، واشتهر اسمه وبعد صيته. وكان فرد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الدّيانة، كبير الشأن. وللصّرصريّ [٢] من قصيدة يمدحه بها: وإنّ لنا في وقتنا وفتوره ... لإخوان صدق بغية المتوصّل يذبّون عن دين الهدى ذبّ ناصر ... شديد القوى لم يستكينوا لمبطل فمنهم بحرّان الفقيه النّبيه ذو ال ... فوائد والتّصنيف في المذهب الجلي هو المجد ذو التّقوى ابن تيميّة الرّضا ... أبو البركات العالم الحجّة الملي محرّره في الفقه حرّر فقهنا ... وأحكم بالإحكام علم المبجّل جزاهم بخير [٣] ربّهم عن نبيّهم ... وسنّته آلوا به خير موئل [٤] ومن مصنّفاته «أطراف أحاديث التفسير» رتّبها على السور «الأحكام الكبرى» في عدة مجلدات، «المنتقى من أحاديث الأحكام» وهو الكتاب المشهور، «المحرّر» في الفقه، «منتهى الغاية في شرح الهداية» وغير ذلك.

стр. 3248

قال ابن رجب في «طبقاته» : كان المجد يفتي أحيانا أن الطلاق الثلاث المجموعة إنما يقع منها واحدة فقط. وتوفي- رحمه الله تعالى- يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة منه بحرّان، ودفن بظاهرها. وتوفيت ابنة عمّه زوجته بدرة بنت فخر الدّين بن تيميّة [١] قبله بيوم واحد. روت بالإجازة عن ضياء بن الخريف، وتكنى أم البدر. وفيها أبو علي حسن بن أحمد [٢] بن أبي الحسن بن دويرة البصري المقرئ الزاهد، شيخ الحنابلة بالبصرة ورئيسهم ومدرّسهم. اشتغل عليه أمم، وختم عليه القرآن أزيد من ألف إنسان. وكان صالحا، زاهدا، ورعا. وحدّث ب «جامع الترمذي» بإجازته من الحافظ أبي محمد بن الأخضر. سمعه منه الشيخ نور الدّين عبد الرحمن بن عمر البصري، وهو أحد تلامذته، وعليه ختم القرآن، وحفظ «الخرقي» [٣] عنده بمدرسته بالبصرة، وتوفي الشيخ أبو علي في هذه السنة بالبصرة وولي بعده التدريس بمدرسته تلميذه الشيخ نور الدّين المذكور، وخلع عليه ببغداد في عشر جمادى الآخرة من هذه السنة. وفيها أبو الفضل عيسى بن سلامة بن سالم الحرّاني الخيّاط [٤] . ولد في آخر شوال سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وسمع من أحمد ابن أبي الوفاء الصّايغ، وأجاز له ابن البطّي، وأبو بكر بن النّقور، ومحمد بن

стр. 3249

محمد بن السّكن، وجماعة. وانفرد بالرواية عنهم. توفي في آخر هذه السنة. وفيها النّاصح فرج بن عبد الله الحبشي [١] الخادم، مولى أبي جعفر القرطبي، وعتيق المجد البهنسي. سمع الكثير من الخشوعي والقاسم [ابن عساكر] ، وعدة. وكان صالحا، كيسا، متيقظا. وقف كتبه، وعاش قريبا من ثمانين سنة، وتوفي في شوال. وفيها الكمال محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن كمال الدّين أبو سالم القرشي العدوي النّصيبي الشّافعي [٢] المفتي الرحّال. مصنّف كتاب «العقد الفريد» [٣] وأحد الصدور والرؤساء المعظمين. ولد سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وسمع بنيسابور من المؤيد، وزينب الشعرية. وتفقه، فبرع في الفقه، والأصول، والخلاف. وترسّل عن الملوك، وساد وتقدم. وحدّث ببلاد كثيرة، وفي سنة ثمان وأربعين وستمائة كتب تقليده بالوزارة فاعتذر وتنصل، فلم يقبل منه، فتولاها يومين ثم انسلّ خفية، وترك الأموال والموجود، ولبس ثوبا قطنيا، وذهب فلم يدر أين ذهب. وقد نسب إلى الاشتغال بعلم الحروف والأوقات [٤] ، وأنه يستخرج أشياء من المغيبات، وقيل: إنه رجع، ويؤيد ذلك قوله في المنجّم:

стр. 3250

إذا حكم المنجّم في القضايا ... بحكم حازم فاردد عليه فليس بعالم ما الله قاض ... فقلّدني ولا تركن إليه وله: لا تركننّ إلى مقال منجّم ... وكل الأمور إلى الإله وسلّم واعلم بأنّك إن جعلت لكوكب ... تدبير حادثة فلست بمسلم وله كتاب «الدر المنظم» في اسم الله الأعظم. وتولى ابتداء القضاء بنصيبين، ثم ولي خطابة دمشق، ثم لما زهد في الدّنيا حجّ، فلما رجع أقام بدمشق قليلا، ثم سافر [١] إلى حلب فتوفي بها في رجب. وفيها أبو البقاء محمد بن علي بن بقاء بن السّبّاك البغدادي [٢] . سمع من أبي الفتح بن شاتيل، ونصر الله القزّاز، وجماعة، وتوفي في شعبان. وفيها السّديد بن مكّي بن المسلم بن مكّي بن خلف بن علّان القيسي الدمشقي [٣] ، المعدّل آخر أصحاب الحافظ أبي القاسم بن عساكر وفاة، وتفرّد أيضا عن أبي الفهم عبد الرحمن بن أبي العجائز، وأبي المعالي ابن خلدون، وتوفي في عشري صفر، عن تسع وثمانين سنة.

стр. 3251

سنة ثلاث وخمسين وستمائة فيها جاء سيل بدمشق، فبلغ السيل بسوق الفاكهة من صالحية دمشق ستة أذرع. وفيها توفي الشّهاب القوصيّ أبو المحامد، وأبو العرب، وأبو الفداء، وأبو الطّاهر إسماعيل بن حامد بن عبد الرّحمن بن المرجّى بن المؤمّل بن محمد بن علي بن إبراهيم بن نفيس بن سعيد [١] بن سعد بن عبادة بن الصّامت الرئيس الفقيه الشافعي الأنصاري الخزرجي القوصي [٢] ، وكيل بيت المال بالشام، وواقف الحلقة القوصية بالجامع. ولد بقوص في المحرّم، سنة أربع وسبعين وخمسمائة، ورحل إلى مصر القاهرة سنة تسعين، ثم قدم إلى دمشق سنة إحدى وتسعين واستوطنها. وسمع الكثير ببلاد متعددة، واتصل بالصّاحب صفي الدّين بن شكر. وروى عن إسماعيل بن ياسين، والأرتاحي، والخشوعي، وخلق كثير. وخرج لنفسه «معجما» في أربع مجلدات كبار، قال الذهبي: فيه غلط كثير.

стр. 3252

وكان أديبا، أخباريا [١] ، فصيحا، مفوّها، بصيرا بالفقه، وترسّل إلى البلاد، وولي وكالة بيت المال، وتقدم عند الملوك، ودرّس بحلقته بجامع دمشق. وكان يلبس الطيلسان المحنّك [٢] والبزّة الجميلة، ويركب البغلة. وتوفي بدمشق في ربيع الأول، ودفن بداره التي وقفها دار حديث. وفيها إقبال الشّرابي [٣] . بنى مدرسة بواسط وإلى جانبها جامعا، وبنى ببغداد مدرسة في سوق السلطان [٤] ، وجدّد بمكّة الرّباط الذي اشتهر به، وعين عرفة التي في الموقف. وأجرى ماءها لانتفاع الحجّ به، وأوقف على ذلك أوقافا سنيّة. وفيها سيف الدّين أبو الحسن، علي بن يوسف بن أبي الفوارس القيمري [٥] صاحب المارستان بصالحية دمشق. كان من جلّة الأمراء، وأبطالهم المذكورين، وصلحائهم المشهورين. وهو ابن أخت صاحب قيمر. توفي بنابلس، ونقل فدفن بقبته التي بقرب مارستانه بالصالحية، والدّعاء عند قبره مستجاب [٦] . وفيها ضياء الدّين أبو محمد، صقر بن يحيى بن سالم بن يحيى ابن عيسى بن صقر، المفتي الإمام المعمّر الكلبي الحلبي الشافعي [٧] .

стр. 3253

ولد قبل الستين وخمسمائة، وروى عن يحيى الثقفي وجماعة، وتوفي في صفر بحلب. وفيها النّظام البلخي، محمد بن محمد بن محمد بن عثمان الحنفيّ [١] نزيل حلب. ولد ببغداد سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وتفقه بخراسان، وسمع «صحيح مسلم» من المؤيد الطّوسي، وكان فقيها، مفتيا، بصيرا بالمذهب. توفي بحلب في جمادى الآخرة. وفيها النّور البلخي أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أحمد بن خلف المقرئ [٢] بالألحان. ولد بدمشق سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وسمع بالقاهرة من التّاج المسعودي، واجتمع بالسّلفي، وأجاز له. وسمع بالإسكندرية في سنة خمس وسبعين، وسمع من المطهّر الشحّامي، وتوفي في الرابع والعشرين من ربيع الآخر، وكان صالحا خيّرا معمّرا. وفيها أبو الحجّاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البيّاسي [٣]- بفتح الباء الموحدة والياء المثناة من تحت المشددة، نسبة إلى بيّاسة مدينة كبيرة من كورة جيّان [٤]-. ولد يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو أحد فضلاء الأندلس وحفّاظها المتقنين.

стр. 3254

كان أديبا، بارعا، فاضلا، مطلعا على أقسام كلام العالم، من النظم، والنثر، وراويا لوقائعها وحروبها وأيّامها. قال ابن خلّكان: بلغني أنه كان يحفظ كتاب «الحماسة» تأليف أبي تمّام، و «ديوان المتنبي» و «سقط الزّند» وغير ذلك من الأشعار. وتنقل في بلاد الأندلس، وطاف أكثرها، وألّف لصاحب إفريقية كتابا سمّاه «الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام» ابتدأه بقتل عمر بن الخطّاب، وختمه بخروج الوليد بن طريف الشّاري على هارون الرّشيد، وهو في مجلدين. وله كتاب «الحماسة» في مجلدين أيضا، ذكر فيه أشياء حسنة، منها قول المجنون: تعلّقت [١] ليلى وهي غرّ صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم ومنها قول الوأواء الدمشقي: وزائر راع كلّ النّاس منظره ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل ألقى على اللّيل ليلا من ذوائبه ... فهابه الصّبح أن يبدو من الخجل أراد بالهجر قتلي فاستجرت به ... فاستلّ بالوصل روحي من يدي أجلي وصرت فيه أمير العاشقين وقد ... صارت ولاية أهل العشق من قبلي ومنها قول علي بن عطية البلنسي الزقّاق: مرتجة الأعطاف أمّا قوامها ... فلدن وأما ردفها فرداح ألمّت فبات اللّيل من قصر بها ... يطير وما غير السّرور جناح

стр. 3255

وبتّ وقد زارت بأنعم ليلة [١] ... تعانقني حتّى الصّباح صباح على عاتقي من ساعديها خمائل [٢] ... وفي خصرها من ساعديّ وشاح وتوفي- رحمه الله تعالى- يوم الأحد الرابع من ذي القعدة بمدينة تونس.

стр. 3256

سنة أربع وخمسين وستمائة فيها كان ظهور النّار بظاهر المدينة النبوية، على ساكنها الصلاة والسلام، وكانت مصداق قوله- ﷺ : «لا تقوم السّاعة حتّى تظهر نار بالحجاز [١] ، تضيء أعناق الإبل ببصرى» [٢] وبقيت أيّاما، قيل ثلاثة أشهر، وكان نساء المدينة يغزلن على ضوئها، وظن أهل المدينة أنها القيامة. ظهرت من وادي أحيلين [٣] في الحرّة الشرقية، تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال، تأكل ما أتت عليه من أحجار وجبال، ولا تأكل الشجر. حتّى إن صاحب المدينة الشريفة، منيف بن شبحة أرسل اثنين ليأتياه بخبرها، فدنيا منها، فلم يجدا لها حرّا، فأخذ أحدهما سهما، ومدّ به إليها، فأكلت النصل دون العود، ثم قلبه ومدّ بالطرف الآخر، فأكلت الرّيش دون العود، وكانت تذيب وتسبك ما مرّت عليه من الجبال. فسدّت وادي شطاه بالحجر المسبوك بالنّار سدّا، ولا كسد ذي القرنين، واحتبس الماء خلفه، فصار بحرا مدّ البصر طولا وعرضا، كأنه نيل مصر عند زيادته. ثم خرقه الماء سنة تسعين وستمائة، فجرى الماء من الخرق سنة كاملة، يملأ ما بين جنبتي الوادي، ثم انسدّ، ثم

стр. 3257

انخرق ثانية في العشر الأول بعد السبعمائة، فجرى سنة وأزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة [١] . وفيها احترق المسجد النبوي ليلة الجمعة أول ليلة من رمضان، بعد صلاة التراويح، على يد الفرّاش أبي بكر المراغي، بسقوط ذبالة [٢] من يده، فأتت النّار على جميع سقوفه، ووقعت بعض السواري، وذاب الرّصاص، وذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقف الحجرة، ووقع بعضه في الحجرة الشريفة. وقال بعض الناس في ذلك: لم يحترق حرم النّبيّ لريبة ... تخشى عليه ولا دهاه العار لكنّما أيدي الرّوافض لامست ... ذاك الجناب فطهّرته النّار وقال ابن تولوا [٣] المغربي: قل للروافض بالمدينة ما لكم ... يقتادكم للذمّ كلّ سفيه ما أصبح الحرم الشريف محرّما ... إلّا لذمّكم الصّحابة فيه وفيها غرقت بغداد الغرق الذي لم يسمع بمثله، زادت دجلة زيادة ما رأي مثلها، وغرق خلق كثير، ووقع شيء كثير من الدّور على أهلها،

стр. 3258

وأشرف النّاس على الهلاك، وبقيت المراكب تمرّ في أزفة بغداد، وركب الخليفة في مركب، وابتهل النّاس إلى الله تعالى بالدّعاء. وفيها تواترت الأخبار بوصول عساكر هلاكو إلى بلاد أذربيجان، قاصدة بلاد الشام، فوردت قصّاد الخليفة بأن يصطلح الملك الناصر مع الملك العزيز صاحب مصر، ويتفقا على قتال التتار، فأجاب إلى ذلك وعاد إلى الشام. وفيها توفي ابن وثيق، شيخ القراء أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأموي الإشبيلي [١] المجوّد الحاذق. ولد سنة سبع وستين وخمسمائة، وذكر أنه قرأ القراءات السبع بغزّة وغيرها سنة خمس وتسعين على غير واحد من أصحاب أبي الحسن شريح، وأن أبا عبد الله ابن زرقون أجاز له، فروى عنه «التيسير» بالإجازة، وأقرأ بالموصل، والشام، ومصر. وكان عالي الإسناد. توفي بالإسكندرية في ربيع الآخر. وفيها الأمير مجاهد الدّين إبراهيم بن أدنبا [٢] الذي بنى الخانقاه المجاهدية بدمشق، على الشرف، القبلي، وكان والي دمشق، عاقلا فاضلا. ومن نظمه: أشبهك الغصن في خصال ... القدّ واللّين والتّثنّي لكن تجنّيك ما حكاه ... الغصن يجني وأنت تجني

стр. 3259

وله في مليح اسمه مالك: ومليح قلت ما الاس ... م حبيبي قال مالك قلت صف لي وجهك الزّا ... هي وصف حسن اعتدالك قال كالغصن وكالبد ... ر وما أشبه ذلك توفي بدمشق، ودفن بخانقانه المذكورة. وفيها بشارة بن عبد الله الأرمني الكاتب، مولى شبل الدّولة المعظّمي [١] . كان يكتب خطّا حسنا. دفن بسفح قاسيون، وذريته يدّعون النظر على الذّرية، وعلى الخانقاة الشّبلية. وفيها الحافظ ابن شاهاور عبد الله بن محمد بن شاهاور بن أنوشروان بن أبي النّجيب الرّازي [٢] . كان حافظا، فاضلا غزير العلم، صاحب مقامات وكرامات وآثار. وفيها العماد بن النّحاس الأصمّ أبو بكر عبد الله بن أبي المجد الحسن بن الحسين [٣] بن علي الأنصاري الدمشقي [٣] . ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع من أبي سعد بن أبي عصرون. وكان آخر من روى عنه. ومن الفضل بن البانياسي، ويحيى الثقفي، وجماعة. وسمع بنيسابور من منصور الفراوي، وبأصبهان من

стр. 3260

علي بن منصور الثّقفي. وكان ثقة، خيّرا، نبيلا، به صمم مفرط. سمع الناس من لفظه، ومات في الثاني والعشرين من صفر. وفيها شمس الدّين عبد الرحمن بن نوح بن محمد المقدسي [١] ، مدرس الرّواحية، وأجلّ أصحاب ابن الصّلاح وأعرفهم بالمذهب. توفي في ربيع الآخر، وقد تفقه به جماعة. وفيها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن قرناص الحموي [٢] أحد الأعيان العلماء الفضلاء في الفقه والأدب. تزهّد في صباه، وامتنع من قول الشعر إلّا في الزّهد ومدح النّبي- ﷺ . ومن شعره: يا من غدا وجهه روض العيون لما ... أعاره الحسن من أنواع أزهار نعّمت طرفي وأودعت الحشا حرقا ... فالطرف في جنّة والقلب في نار وله أشياء مستحسنة جدا. وفيها زكي الدّين عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر المصري، وعرف بابن أبي الإصبع [٣] صنف كتاب «تحرير التّحبير في البديع» لم يصنّف مثله. ومن شعره المستجاد: تبسّم لمّا أن بكيت من الهجر ... فقلت: ترى دمعي، فقال: ترى ثغري
следующие страницы →