وانهب العيش ودعه ينقضي ... غلطا ما بين هتك واستتار
إن تكن شيخ خلاعات الصّبا ... فالبس الصّبوة في خلع العذار
وارض بالعار وقل قد لذّ لي ... في هوى خمّار كاسي لبس عاري
توفي بمصر، ودفن بالقرافة.
وفيها القاضي صفيّ الدّين أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن يحيى الشّقراوي الحنبلي [١] .
ولد بشقرا من ضياع زرع [٢] سنة خمس وستمائة، وسمع من موسى بن عبد القادر، والشيخ موفق الدّين، وأحمد بن طاووس، وجماعة. وتفقه وحدّث، وولي الحكم بزرع نيابة عن الشيخ شمس الدّين [٣] ابن أبي عمر، وكان فقيها، فاضلا، حسن الأخلاق.
قال الذهبي: كان رجلا، خيّرا، فقيها، حفظ النّوادر والأخبار، وولي قضاء زرع، وأعاد بمدرسته. وتوفي يوم السبت تاسع عشر ذي الحجّة ودفن بسفح قاسيون.
وفيها شيخ الشيوخ شرف الدّين أبو بكر عبد الله بن شيخ الشيوخ تاج الدّين عبد الله بن عمر بن حمّوية الجويني ثم الدمشقي الصّوفي [٤] .
ولد سنة ثمان وستمائة وروى عن أبي القاسم بن صصرى وجماعة، وتوفي في شوال.
وفيها ابن الأوحد الفقيه شمس الدّين عبد الله بن محمد بن
стр. 3432
عبد الله بن علي القرشيّ الزّبيريّ [١] . روى عن الافتخار الهاشمي، وكتب بديوان المارستان النّوري، وتوفي في شوال وله خمس وسبعون سنة.
وفيها الشيخ القدوة إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحضرمي [٢] ، نسبة إلى حضرموت.
قال المناوي: قطب الدّين، الإمام الكبير، العارف الشهير، قدوة الفريقين وعمدة الطريقين، شيخ الشّافعية ومربي الصّوفية.
كان إماما من الأئمة مذكورا، وعلما من أعلام الولاية مشهورا. وهو من بيت مشهور بالصّلاح، مقصود لليمن والنّجاح، أعلامه للإرشاد منصوبة، وبركات أهله كالأهلّة مرقومة مرقوبة. وكان في بدايته يؤثر الخلوة، ثم تفقه، فبرع وفاق، وسبق الأقران والرّفاق. وله عدّة مؤلفات في عدّة فنون، تدلّ على تمكّنه، منها «شرح المهذّب» و «مختصر مسلم» و «مختصر بهجة المجالس» و «فتاوى» مفيدة. وكلام في التصوف، يدلّ على كمال معرفته. انتفع به جمع من الأعيان، وولي قضاء الأقضية فأنكر المنكرات وأقام مواسم الخيرات. ثم عزل نفسه. وكتب للسلطان في شقفة من خزف: يا يوسف كثر شاكوك وقلّ شاكروك، فإما عدلت وإما انفصلت. فغضب، فلم يلتفت إليه.
وله كرامات- قال المطري [٣] : كادت تبلغ التواتر-.
стр. 3433
منها: أن ابن معطي قيل له في النّوم: اذهب إلى الفقيه إسماعيل الحضرمي واقرأ عليه النّحو، فلما انتبه تعجّب لكون الحضرميّ لا يحسنه، ثم قال: لا بدّ من الامتثال، فدخل عليه وعنده جمع يقرؤون الفقه، فبمجرد رؤياه، قال: أجزتك بكتب النّحو، فصار لا يطالع فيه شيئا إلّا عرفه بغير شيخ.
ومنها أنه قصد بلدة زبيد، فكادت الشّمس تغرب، وهو بعيد عنها، فخاف أن تغلق أبوابها، فأشار إلى الشّمس فوقفت [١] ، حتّى دخل المدينة.
وإليه أشار الإمام اليافعيّ بقوله:
هو الحضرمي نجل الوليّ محمد ... إمام الهدى نجل الإمام محمد
ومن جاهه أومأ إلى الشّمس أن قفي ... فلم تمش حتّى أنزلوه بمقعد
ومنها أنه زار مقبرة زبيد، فبكى كثيرا، ثم ضحك، فسئل، فقال:
كشف لي، فرأيتهم يعذّبون، فشفعت فيهم. فقالت صاحبة هذا القبر: وأنا معهم يا فقيه، قلت: من أنت؟ قالت: فلانة المغنيّة، فضحكت وقلت:
وأنت.
ومنها أن بعض الصّلحاء رأى المصطفى، ﷺ ، فقال له: «من قبّل قدم الحضرميّ دخل الجنّة» [٢] فبلغ الحكميّ مفتي زبيد، فقصده ليقبّلها، فلما وقع بصره عليه، مدّ له رجليه. انتهى ملخصا.
وفيها الشيخ نجم الدّين بن الحكيم عبد الله بن محمد بن أبي الخير الحمويّ [٣] الصّوفي الفقير.
كان له زاوية بحماة ومريدون، وفيه تواضع وخدمة للفقراء، وأخلاق
стр. 3434
حميدة. صحب الشيخ إسماعيل الكوراني، واتفق موته بدمشق، فدفن عنده بمقابر الصّوفية.
وفيها الشيخ عبد السّلام بن أحمد بن الشيخ القدوة غانم بن علي المقدسي [١] الواعظ. أحد المبرّزين في الوعظ، والنّظم، والنّثر. توفي بالقاهرة في شوال.
وفيها فاطمة ابنة الملك المحسن أحمد بن السلطان صلاح الدّين [٢] .
ولدت سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسمعت من حنبل، وابن طبرزد.
وفيها السّلطان الملك السعيد ناصر الدّين أبو المعالي محمد بن الملك الظّاهر بيبرس [٣] .
ولد في حدود سنة ثمان وخمسين وستمائة، بظاهر القاهرة. وتملّك بعد أبيه سنة ست وسبعين في صفر، وكان شابا، مليحا، كريما، حسن الطّباع، فيه عدل، ولين، وإحسان، ومحبة للخير. خلعوه من الأمر، فأقام بالكرك أشهرا، ومات شبه الفجأة في نصف ذي القعدة بقلعة الكرك، ثم نقل بعد سنة ونصف إلى تربة والده، وتملّك بعده أخوه خضر.
وفيها ابن الصّيرفيّ، المفتي المعمّر، جمال الدّين أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع الحرّاني الحنبلي، ويعرف بابن الحبيشي [٤] .
стр. 3435
سمع من عبد القادر الرّهاوي بحرّان، ومن ابن طبرزد ببغداد، ومن الكندي بدمشق، واشتغل على أبي بكر بن غنيمة، وأبي بكر العكبري، والشيخ الموفق [١] . وكان إماما، عالما، متفننا، صاحب عبادة، وتهجد، وصفات حميدة. توفي في رابع صفر.
стр. 3436
سنة تسع وسبعين وستمائة
في آخرها نزل السّلطان الملك الكامل سنقر الأشقر إلى الشّام غازيا، فنزل قريبا من عكّا، فخضع له أهلها، وراسلوه في الهدنة، وجاء إلى خدمته عيسى بن مهنّا، فصفح عنه وأكرمه.
وفيها توفي ضياء الدّين أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمود بن رفيعا الجدري، بفتح الجيم والدال المهملة وراء، نسبة إلى جدرة حيّ من الأزد [١]- المقرئ الفرضي الحنبلي، نزيل الموصل.
قرأ بالسبع على علي بن مفلح البغدادي نزيل الموصل، وسمع الحديث من جماعة، وصنّف تصانيف في القراءات وغيرها، ونظم في القراءات والفرائض قصيدة معروفة لامية، وكان شيخ القرّاء بالموصل، قرأ عليه ابن خروف الموصلي الحنبلي وأكثر عنه، وسمع منه «الأحكام» للشيخ مجد الدّين بن تيميّة، وأجاز لعبد الصّمد بن أبي الجيش غير مرّة، وتوفي سادس جمادى الآخرة.
وفيها تقيّ الدّين أبو محمد عبد الساتر بن عبد الحميد بن محمد بن أبي بكر الحنبلي [٢] . سمع من موسى بن عبد القادر، وابن
стр. 3437
الزّبيدي، والشيخ الموفق، وبه تفقه في مذهب أحمد. ومهر في المذهب، وعني به، وبالسّنّة وجمع فيها، وناظر الخصوم وكفّرهم، وكان صاحب حزبية وتحرّق [١] على الأشعرية، فرموه بالتجسيم.
قال الذهبي: ورأيت له مصنّفا في الصّفات، فلم أر به بأسا. قال: وكان متأيدا للحنابلة، وفيه شراسة أخلاق، مع صلاح ودين يابس.
توفي في ثامن شعبان عن نيّف وسبعين سنة.
وفيها الفقيه [٢] شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن داود بن إلياس البعلي الحنبلي [٣] .
ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسمع من الشيخ موفق الدّين، وابن البنّ [٤] وطائفة. وخدم الشيخ الفقيه اليونيني مدة.
قال القطب ابن اليونيني: سمع من حنبل، والكندي، وابن الزّبيدي، ورحل إلى لبلاد للسماع، وخدم والدي، وقرأ عليه القرآن، واشتغل عليه، وحفظ «المقنع» وعرف الفرائض. وكان ذا ديانة وافرة، وصدق، وأمانة، وتحرّ في شهاداته وأقواله. وحدّث بمسموعاته، وتوفي في حادي عشري رمضان، ودفن بظاهر بعلبك.
وفيها ابن النّنّ- بنونات [٥]- الفقيه شمس الدّين محمد بن عبد الله بن محمد البغدادي الشافعي [٦] في رجب، بالإسكندرية، وله ثمانون
стр. 3438
سنة. سمع من عبد العزيز بن منينا، وسليمان الموصلي، وجماعة. وكان ثقة، متيقظا. قاله في «العبر» .
وفيها الجزّار الأديب، جمال الدّين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم المصري [١] ، الأديب الفاضل. كان جزّارا، ثم استرزق بالمدح، وشاع شعره في البلاد، وتناقلته الرّواة. وكان كثير التّبذير، لا تكاد خلّته تنسدّ، وكان مسرفا على نفسه، سامحه الله تعالى.
ومن شعره:
عاقبتني بالصّد من غير جرم ... ومحا هجرها بقية رسمي
وشكوت الجوى إلى ريقها العذ ... ب فجارت ظلما بمنع لظلم
أنا حكّمتها فجارت وشرع ال ... حبّ يقضي أني أحكّم خصمي
ومنها في المديح:
يا أميرا يرجّى ويخشى لبأس ... ونوال في يوم حرب وسلم
أنت موسى وقد تفرّ عن ذا الخط ... ب ففرّقه من نداك بيمّ
لي من حرفة الجزارة والآ ... داب فقر يكاد ينسيني اسمي
وله:
أكلّف نفسي كلّ يوم وليلة ... هموما على من لا أفوز بخيره
كما سوّد القصّار في الشّمس وجهه ... حريصا على تبييض أثواب غيره
وكانت بينه وبين السّرّاج الورّاق [٢] مداعبة، فحصل للسرّاج رمد، فأهدى الجزّار له تفاحا وكمّثرى، وكتب مع ذلك:
стр. 3439
أكافيك عن بعض الذي قد فعلته ... لأنّ لمولانا عليّ حقوقا
بعثت خدودا مع نهود وأعينا ... ولا غرو أن يجزي الصديق صديقا
وإن حال منك البعض عمّا عهدته ... فما حال يوما عن ولاك وثوقا
بنفسج تلك العين صار شقائقا ... ولؤلؤ ذاك الدّمع عاد عقيقا
وكم عاشق يشكو انقطاعك عند ما ... قطعت على اللّذّات منه طريقا
فلا عدمتك العاشقون فطالما ... أقمت لأوقات المسرّة سوقا
توفي في شوال وله ست وسبعون سنة أو نحوها، ودفن بالقرافة.
وفيها الشيخ يوسف الفقّاعيّ الزّاهد ابن نجاح بن موهوب [١] . كان عبدا، صالحا، قانتا، كبير القدر، له أتباع ومريدون.
توفي في شوال، ودفن بزاويته بسفح قاسيون، وقد نيّف على الثمانين.
وفيها الفقيه المعمّر أبو بكر بن هلال بن عبّاد الحنفي عماد الدّين [٢] ، معيد الشّبلية.
توفي في رجب عن مائة وأربعين سنة، وقد سمع في الكهولة من أبي القاسم بن صصرى وغيره.
وفيها النّجيب بن العود أبو القاسم بن حسين الحلّي الرّافضي [٣] المتكلم، شيخ الشيعة وعالمهم. سكن حلب مدّة فصفع بها لكونه سبّ الصحابة [٤] ، ثم سكن جزّين إلى أن مات بها في نصف شعبان، وله نيف وتسعون سنة، وكان قد وقع في الهرم.
стр. 3440
سنة ثمانين وستمائة
فيها توفي الشيخ موفق الدّين الكواشي- بالفتح والتخفيف، نسبة إلى كواشة قلعة بالموصل- المفسّر العلّامة المقرئ المحقّق الزّاهد القدوة أبو العبّاس أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع بن حسين الشّيبانيّ الموصليّ الشافعي [١] .
ولد بكواشة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، واشتغل، فبرع في القراءات، والتفسير، والعربية، والفضائل. وقدم دمشق فأخذ عن السّخاوي وغيره، وحجّ، وزار بيت المقدس، ورجع إلى بلده وتعبّد.
قال الذهبيّ: كان منقطع القرين، عديم النّظير، زهدا، وصلاحا، وتبتّلا، وصدقا، واجتهادا. كان يزوره السلطان فمن دونه، ولا يعبأ بهم، ولا يقوم لهم، ويتبرّم بهم، ولا يقبل لهم شيئا. وله كشف وكرامات، وأضرّ قبل موته بنحو من عشر سنين، وصنّف «التفسير» الكبير والصغير، وأخذ عنه القراءات محمد بن علي بن خروف الموصلي وغيره.
وتوفي في سابع عشر جمادى الآخرة.
стр. 3441
وفيها جيعانة [١] إبراهيم بن سعيد الشّاغوري [٢] المولّه. مات في جمادى الأولى، وكان من أبناء السّبعين على قاعدة المولّهين من عدم التعبّد بصلاة أو صيام أو طهارة، وللعامة فيه اعتقاد يتجاوز الوصف لما يرون من كشفه وكلامه على الخواطر. وقد شاركه في ذلك الكّاهن، والرّاهب، والمصروع، فانتفت الولاية. قاله في «العبر» .
وفيها أبغا ملك التّتار وابن ملكهم هولاكو [٣] بن قاآن [٤] بن جنكزخان [٥] . مات بنواحي همذان بين العيدين وله نحو خمسين سنة.
وفيها الحاج عزّ الدّين أزدمر الجمدار [٦] الذي ولي نيابة السلطنة بدمشق لسنقر الأشقر. كان ذا معرفة وفضيلة، وعنده مكارم كثيرة. استشهد على حمص مقبلا غير مدبر، وله بضع وخمسون سنة.
وفيها الكمال أبو محمد عبد الرّحيم بن عبد الملك بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي [٧] الصّالح. سمع من ابن طبرزد، والكندي، وعدة.
وتوفي في عاشر [٨] جمادى الأولى.
стр. 3442
وفيها المجد بن الخليل عبد العزيز بن الحسين الدّاري [١] والد الصّاحب فخر الدّين. سمع من أبي الحسين بن جبير الكتّاني، والفتح بن عبد السّلام، وطائفة. وكان رئيسا، ديّنا، خيّرا.
توفي بدمشق في ربيع الآخر عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها وليّ الدّين الزّاهد أبو الحسن علي بن أحمد بن بدر الجزريّ [٢] الشّافعي الفقيه، نزيل بيت لهيا. كان صاحب حال وكشف وعبادة وتبتّل.
توفي في شوال وقد قارب الستين.
وفيها أبو الحسن علي بن محمود بن حسن بن نبهان [٣] ، المنجّم الأديب. عاش خمسا وثمانين سنة، وروى عن ابن طبرزد، والكندي. تركه بعض العلماء لأجل التّنجيم.
وفيها ابن بنت الأعزّ، قاضي القضاة، صدر الدّين عمر ابن قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهاب بن خلف الشّافعي العلامي [٤] المصري [٥] .
ولد سنة خمس وعشرين وستمائة، وسمع من الزّكي المنذري، والرّشيد العطّار، وولي قضاء الدّيار المصرية في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين، وعزل سنة تسع في رمضان، وقيل: إنه عزل نفسه، واقتصر على تدريس الصّالحية.
стр. 3443
قال الذهبيّ: كان فقيها، عارفا بالمذهب، يسلك طريقة والده في التحرّي والصّلابة. وكان فيه دين وتعبد، ولديه فضائل. وكان عظيم الهيبة، وافر الجلالة، عديم المزاح، بارّا بالفقهاء، مؤثرا، متصدقا. وكان والده يحترمه ويتبرّك به. درّس بأماكن، وتوفي يوم عاشوراء.
وفيها الأمين [١] الإربلي العدل أبو محمد القاسم بن أبي بكر ابن القاسم بن غنيمة [٢] . رحل مع أبيه، وله بضع عشرة سنة، فذكر- وهو صدوق- أنه سمع جميع «صحيح مسلم» من المؤيّد الطّوسي، ورواه بدمشق، فسمعه منه الكبار، وتوفي في جمادى الأولى وله خمس وثمانون سنة.
وفيها ابن سني الدولة، قاضي القضاة، نجم الدّين محمد ابن قاضي القضاة صدر الدّين أحمد بن قاضي القضاة شمس الدّين يحيى الدمشقي الشافعي [٣] .
ولد سنة ست عشرة وستمائة، واشتغل وتقدّم، وناب عن والده، ثم ولي قضاء حلب، ثم ولي قضاء دمشق، ثم عزل بعد سنة بابن خلّكان، ثم سكن مصر مدّة وصودر وتعب، ثم ولي قضاء حلب، ودرّس بالأمينية وغيرها.
وكان يعدّ من كبار الفقهاء العارفين بالمذهب، مع الهيبة والتّحرّي، موصوفا بجودة النّقل، مشهورا بالصّرامة والهمّة العالية. حدّث عن أبي القاسم بن صصرى وغيره، وتوفي في ثامن المحرّم ودفن بقاسيون.
стр. 3444
وفيها شمس الدّين محمد بن مكتوم البعليّ [١] الفاضل الأديب، توفي شهيدا في وقعة حمص.
ومن شعره:
رام أن يترك الهوى فبدا له ... إذ رأى حسن وجهه قد بدا له
كلّما لمته على الحبّ يزدا ... د ضلالا فخلّه وضلاله
كيف يرجى الشّفاء يوما لصبّ ... لم يحاك السّقام إلّا خياله
ناقص صبره كثير بكاه ... لو رآه عدوّه لرثى له
دنف ظلّه مستهاما ببدر ... عمّه الوجد حين عاين خاله
أنا صب له وإن حال عنّي ... وعبيد له على كلّ حاله
فاق كلّ الورى جمالا وحسنا ... ضاعف الله حسنه وجماله
وفيها ابن المجبّر الكتبيّ شرف الدّين محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي [٢] .
ولد سنة عشر وستمائة، وسمع من أبي القاسم بن صصرى وطائفة، ورحل وأكثر عن الأنجب الحمّامي وطبقته، وكتب الكثير بالخطّ الحسن، ولكنه لم يكن ثقة في نقله.
توفي في ذي القعدة، ولم يكن عليه أنس [أهل] الحديث، الله يسامحه. قاله الذّهبي.
وفيها ابن رزين قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدّين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن موسى العامريّ الحمويّ الشافعي [٣] .
стр. 3445
ولد سنة ثلاث وستمائة في شعبان بحماة، واشتغل من الصّغر، فحفظ «التنبيه» في صغره، ثم حفظ «الوسيط» و «المفضّل» و «المستصفى» للغزّالي، إلى غير ذلك. وبرع في الفقه، والعربية، والأصول، وشارك في الخلاف [١] ، والمنطق، والكلام، والحديث وفنون العلم. وأفتى وله ثمان عشرة سنة.
وقدم دمشق، فلازم ابن الصّلاح، وقرأ القراءات على السّخاوي، وسمع منهما ومن غيرهما. وأخذ العربية عن ابن يعيش. وكان يفتي بدمشق في أيام ابن الصّلاح، ويؤمّ بدار الحديث، ثم ولي وكالة بيت المال في أيام النّاصر، مع تدريس الشّامية. ثم تحوّل من هولاكو [٢] إلى مصر، واشتغل، ودرّس بالظّاهرية، ثم ولي قضاء القضاة فلم يأخذ عليه رزقا تديّنا وورعا، ودرّس بالشّافعي وامتنع من أخذ الجامكيّة، وولي عدّة جهات، وظهرت فضائله الباهرة، وتفقه به عدّة أئمة، وانتفعوا بعلمه، وهديه، وسمته، وورعه، [وممن تخرّج به بدر الدّين بن جماعة. وحدّث عنه الدّمياطيّ والمصريّون، وكان يقصد بالفتاوى من النّواحي] [٣] .
وممن نقل عنه الإمام النّووي، وتوفي- رحمه الله تعالى- بالقاهرة في ثالث رجب.
وفيها الجمال بن الصّابوني الحافظ أبو حامد محمد بن علي بن محمود [٤] ، شيخ دار الحديث النّورية.
стр. 3446
ولد سنة أربع وستمائة، وسمع من أبي القاسم بن الحرستاني وخلق كثير، وكتب العالي والنّازل، وبالغ، وحصّل الأصول، وجمع، وصنّف، واختلط قبل موته بسنة أو أكثر، وتوفي في نصف ذي القعدة.
وفيها ابن أبي الدّنيّة مسند العراق، شهاب الدّين، أبو سعد، محمد ابن يعقوب بن أبي الفرج البغدادي [١] .
ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة [٢] ، وسمع من أبي الفتح المندائي، وضياء بن الخريف، والكبار [٣] . وأجاز له ذاكر بن كامل، وابن كليب.
وولي مشيخة المستنصرية إلى أن توفي في ثامن عشر رجب.
وفيها ابن علّان القاضي الجليل شمس الدّين، أبو الغنائم، المسلم بن محمد بن المسلم بن مكّي بن خلف القيسي الدمشقي [٤] .
ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير من حنبل، وابن طبرزد، وابن مندويه، وغيرهم. وأجاز له الخشوعي وجماعة. وكان من سروات النّاس. توفي في ذي الحجّة.
وفيها البدر يوسف بن لؤلؤ [٥] ، الشّاعر المشهور.
قال الذهبيّ: كان من كبار شعراء الدولة النّاصرية، ومن الأدباء الظّراف.
стр. 3447
من شعره- وقد تكاثرت الأمطار بدمشق-:
إن ألحّ [١] الغيث شهرا هكذا ... جاء بالطّوفان والبحر المحيط
ما هم من قوم نوح يا سما ... أقلعي [عنهم] فهم من قوم لوط
وكتب إلى ابن إسرائيل [٢] وكان يهوى غلاما اسمه جارح:
قلبك اليوم طائر ... عنك أم في الجوانح
كيف يرجى خلاصه ... وهو في كفّ جارح
ثم بلغه أنه تركه، فقال:
خلّصت طائر قلبك العاني ترى [٣] ... من جارح يغدو به ويروح
ولقد يسرّ خلاصه إن كنت قد ... خلّصته منه وفيه روح
توفي في شعبان، وقد نيّف على سبعين سنة.
وفيها المزّيّ الفقيه، شمس الدّين أبو بكر بن عمر بن يونس الحنفي [٤] . روى «البخاري» عن ابن مندويه، والعطّار، و «مسلما» عن ابن الحرستاني، وعاش سبعا وثمانين سنة، وتوفي في شعبان، رحمه الله تعالى.
стр. 3448
سنة إحدى وثمانين وستمائة
فيها وصلت رسل أحمد بن هولاكو [١] بأنه استقرّ في المملكة إلى بغداد عوض أخيه، وأمر ببناء المساجد والجوامع وإقامة الشّرع الشّريف على ما كان في زمن الخلفاء، ووصلت رسله إلى الشام وإلى مصر [٢] . وكان منهم الشيخ قطب الدّين الشّيرازي.
وفيها كان بدمشق الحريق العظيم الذي لم يسمع بمثله، أقامت النّار ثلاثة أيام ليلا ونهارا. وكان مبدؤه من الذّهبيين. وذهب للنّاس شيء كثير، ولكن لم يحترق فيه أحد من الناس. ومن جملة ما ذهب فيه [٣] للشيخ شمس الدّين الكتبي، عرف بالفاشوشة خمسة عشر ألف مجلد.
وحكى السيد جمال الدّين بن السّراج البصرويّ، قال: بتنا [٤] في الجامع، وإذا الهواء ألقى ورقة من الحريق، مكتوب فيها:
سلم الأمر راضيا ... جفّ بالكائن القلم
ليس في الرّزق حيلة ... إنّما الرّزق في القسم
стр. 3449
جلّ من يرزق الضّعي ... ف وهو لحم على وضم
إنّ للخلق خالقا ... لا مردّ لما حكم
وفيها توفي [١] الأمين الأشتري الإمام أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الجبّار ابن طلحة بن عمر بن الأشتري الشّافعي الحلبي ثم الدّمشقي [٢] .
ولد في شوال سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع من أبي محمد بن علوان، والقزويني، وابن روزبه وخلق، وكان بصيرا بالمذهب، ورعا، صالحا. جمع بين العلم والعمل، والإنابة، والديانة التّامة، بحيث إن الشيخ محيي الدّين النّووي كان إذا جاءه شابّ يقرأ عليه، يرشده القراءة على المذكور، لعلمه بدينه وعفّته.
قال المزّيّ: كان ممن يظنّ به أنه لا يحسن أن يعصي الله تعالى.
وقال الذهبي: كان بارز العدالة، كبير القدر، مقبلا على شأنه، سرد الصّوم أربعين سنة. توفي فجأة بدمشق في ربيع الأول.
وفيها ابن خلّكان، قاضي القضاة، شمس الدّين أبو العبّاس، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان البرمكيّ الإربليّ الشّافعيّ [٣] .
ولد بإربل سنة ثمان وستمائة، وسمع «البخاري» من ابن مكرم، وأجاز
стр. 3450
له المؤيّد الطّوسي وجماعة، وتفقه بالموصل على كمال الدّين بن يونس، وبالشّام على ابن شدّاد، ولقي كبار العلماء، وبرع في الفضائل والآداب، وسكن مصر مدّة، وناب في القضاء، ثم ولي قضاء الشام عشر سنين، وعزل بابن الصّايغ سنة تسع وستين، فأقام سبع سنين معزولا بمصر، ثم ردّ إلى قضاء الشام، ثم عزل ثانيا في أول سنة ثمانين، واستمر معزولا وبيده الأمينية والنّجيبية.
قال الشيخ تاج الدّين الفزاري في «تاريخه» : كان قد جمع حسن الصّورة، وفصاحة المنطق، وغزارة الفضل، وثبات الجأش، ونزاهة النّفس.
وقال الذّهبيّ: كان إماما، فاضلا، متقنا، عارفا بالمذهب، حسن الفتاوى، جيد القريحة، بصيرا بالعربية، علّامة في الأدب، والشعر، وأيّام الناس، كثير الاطلاع، حلو المذاكرة، وافر الحرمة، من سروات النّاس، كريما، جوادا، ممدّحا. وقد جمع كتابا نفيسا في وفيات الأعيان [١] . انتهى.
ولله درّ القائل:
ما زلت تلهج بالأموات تكتبها ... حتّى [٢] رأيتك في الأموات مكتوبا
ومن محاسنه أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحدا عنده بغيبة.
حكي أنه جاءه إنسان فحدّثه في أذنه، أن عدلين في مكان يشربان الخمر، فقام من مجلسه ودعا برجل، وقال: اذهب إلى مكان كذا، وأمر من فيه بإصلاح أمرهما وإزالة ما عندهما، ثم عاد فجلس مكانه إلى أن علم أن نقيبه قد حضر، فدعا بذلك الرجل، وقال: أنا أبعث معك النّقيب فإن كنت
стр. 3451
صادقا ضربتهما الحدّ، وإن كنت كاذبا أشهرتك وقطعت لسانك، وجهّز النّقيب معه، فلم يجدوا غير صاحب البيت وليس عنده شيء من ذلك، فأحضر الدّرّة وهدّده، فشفع النّقيب فيه، فقبل شفاعته، ثم أحضر له مصحفا وحلّفه أن لا يعود يقذف عرض مسلم.
وله النظم الفائق، فمنه قوله [١] :
يا سادتي إنّي قنعت وحقّكم ... في حبّكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطّفا ... وقصدتم هجري وفرط تجنّبي
لا تحرموا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
قسما بوجدي في الهوى وتحرّقي ... وتحيّري وتلهّفي وتلهّبي
لو قلت لي جد لي بروحك لم أقف ... فيما أمرت وإن شككت فجرّب
وحياة وجهك وهو بدر طالع ... وبياض غرّتك التي كالغيهب
وبقامة لك كالقضيب ركبت من ... أخطارها في الحبّ أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ال ... عهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذّ لي ... خلع العذار ولجّ فيك مؤنّبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي ... قد جنّ هذا الشيخ في هذا الصّبي
وله في ملاح يسبحون [٢] :
وسرب ظباء في غدير تخالهم ... بدورا بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبي ... أما لك عن [٣] هذي الصّبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى ... فقلت له: دعهم يخوضوا ويلعبوا
стр. 3452
وتوفي- رحمه الله تعالى- في رجب، ودفن بالصّالحية.
قال ابن شهبة قال الإسنوي: خلّكان: قرية [من عمل إربل] كذا قال وهو وهم [١] وإنما هو اسم لبعض أجداده. انتهى.
وقال الإسنويّ في «طبقاته» : هو صاحب «التاريخ» المعروف، وهو ولد الشّهاب محمد [٢] ، بيته كما ترى من أجلّ البيوت، ولكن تلعّب الدّهر بناره [٣] ما بين لهيب وخبوت، وتلعّب بتذكاره، ما بين ظهور وخفوت، وقد أوضح هو حاله في «تاريخه» مفرقا. انتهى ملخصا.
وفيها البرهان بن الدّرجي أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى القرشي الدمشقي الحنفي [٣] . إمام مدرسة الكشك. روى عن الكندي، وأبي الفتوح البكري، وأجاز له أبو جعفر الصّيدلاني وطائفة، وروى «المعجم الكبير» للطبراني، وتوفي في صفر.
стр. 3453
وفيها ابن المليجي [١] مسند القرّاء بالدّيار المصرية فخر الدّين أبو الطّاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي المقرئ المعدّل.
ولد سنة بضع وثمانين وخمسمائة [٢] ، وقرأ القراءات على أبي الجود [٣] ، فكان آخر من قرأ عليه وفاة، وسمع الحديث من أبي عبد الله بن البنّا وغيره، وتوفي في رمضان.
وفيها الشيخ عبد الله كتيلة بن أبي بكر الحربي الفقير [٤] الصّوفي [٥] ، بقية شيوخ العراق. كان صاحب أحوال وكرامات، وله أتباع وأصحاب.
تفقه، وسمع الحديث، وصحب الشيوخ، ومات في عشر الثمانين وكان حنبليّا [٦] .
قال ابن رجب: ولد سنة خمس وستمائة، وسمع الحديث بدمشق من الحافظ الضّياء المقدسي، وسليمان الأسعردي، وأجاز له الشيخ موفق الدّين [٧] ، وتفقه في المذهب ببغداد على القاضي أبي صالح، وبحرّان على مجد الدّين بن تيمية، وابن تميم صاحب «المختصر» ، وبدمشق على
стр. 3454
الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر وغيره، وبمصر على أبي عبد الله بن حمدان، ونقل عنهم فوائد، وشرح «كتاب الخرقي» وسمّاه «المهمّ» . وله تصانيف أخر، منها مجلد في أصول الدّين، سماه «العدّة للشدّة» ومصنّف في السّماع، وحدّث، وسمع منه عبد الرزاق بن الفوطي وغيره، وكان قدوة، زاهدا، عابدا، ذا أحوال وكرامات.
وقال الذهبي: كان مع جلالته، يترنّم ويغني لنفسه في بعض الأوقات.
وكان فيه كيس وظرف وبشاشة. توفي- ﵀ يوم الجمعة منتصف رمضان ببغداد.
وفيها جلال الدّين أبو محمد عبد الجبّار بن عبد الخالق بن محمد بن نصر الزّاهد الفقيه الحنبلي المفسّر الأصوليّ الواعظ [١] .
ولد سنة تسع [٢] عشر وستمائة ببغداد، وسمع من ابن المنيّ وغيره، واشتغل بالفقه، والأصول، والتفسير، والوعظ، والطبّ، وبرع في ذلك. وله النّظم والنّثر، والتصانيف الكثيرة، منها «تفسير القرآن» في ثمان مجلدات، ولم يزل على ذلك إلى واقعة بغداد، فأسر، واشتراه بدر الدّين صاحب الموصل، فحمله إلى الموصل فوعظ بها، ثم حدّره إلى بغداد، فاستمر بها صدرا إلى أن توفي في يوم الاثنين سابع عشري شعبان، وكان له يوم مشهود.
وفيها الشيخ زين الدّين الزّواوي الإمام أبو محمد عبد السّلام بن علي بن عمر بن سيّد النّاس المالكي القاضي المقرئ [٣] ، شيخ المقرئين.
стр. 3455
ولد ببجاية سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وقرأ القراءات بالإسكندرية على ابن عيسى، وبدمشق على السّخاوي، وبرع في الفقه، وعلوم القرآن، والزّهد، والإخلاص، وولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصّالح اثنتين وعشرين سنة، وقرأ عليه عدد كثير، وولي القضاء تسعة أعوام، ثم عزل نفسه يوم موت رفيقه القاضي شمس الدّين بن عطاء، واستمر على التدريس والإقراء إلى أن توفي في رجب.
وفيها البرهان المراغي أبو الثّناء محمود بن عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد العلّامة برهان الدّين الشافعي [١] الأصولي [٢] .
ولد سنة خمس وستمائة، وحدّث عن أبي القاسم بن رواحة، وكان مع سعة فضائله وبراعته في العلوم، صالحا، متعبّدا، متعفّفا، عرض عليه القضاء ومشيخة الشيوخ فامتنع، ودرّس مدّة بالفلكية، وأفتى، واشتغل بالجامع مدّة طويلة. وحدّث عنه المزّيّ، والبرزاليّ، وابن العطّار، وجماعة.
وكان شيخا، طوالا، حسن الوجه، مهيبا، متصوفا، لطيف الأخلاق، كريم الشّمائل، مكمّل الأدوات. وكان عليه وعلى الشيخ تاج الدّين مدار الفتوى بدمشق. توفي في ربيع الآخر، ودفن بمقابر الصّوفية.
وفيها أبو المرهف المقداد بن أبي القاسم هبة الله بن علي بن المقداد الإمام نجيب الدّين القيسيّ الشافعي [٣] .
ولد سنة ستمائة ببغداد، وسمع بها من ابن الأخضر، وأحمد بن
стр. 3456
الدّبيثي، وبمكّة من ابن الحصري، وابن البنّا، وروى الكثير. وكان عدلا، خيّرا، تاجرا. توفي في ثامن شعبان بدمشق.
وفيها منكوتمر أخو أبغا بن هولاكو [١] المغلي [٢] طاغية التتار. كان نصرانيا، جرح يوم المصافّ على حمص، وحصل له ألم، وغمّ بالكسرة، فاعتراه فيما قيل صرع متدارك كما اعترى أباه، فهلك في أوائل المحرّم في قرية [٣] من جزيرة ابن عمر، وله ثلاثون سنة. وكان شجاعا جريئا مهيبا.
وفيها جمال الدّين أبو إسحاق يوسف بن جامع بن أبي البركات البغدادي القفصي [٤] الضرير المقرئ النحوي الحنبلي الفرضي.
ولد سابع رجب سنة ست وستمائة بالقفص [٥] من أعمال بغداد. وقرأ القرآن بالروايات على أبي عبد الله محمد بن سالم صاحب البطائحي وغيره، وسمع الحديث من عمر بن عبد العزيز بن النّاقد، وأخته تاج النّساء عجيبة.
وأجاز له ابن منينا وغيره، وبرع في العربية، والقراءات، والفرائض، وغير ذلك. وانتفع الناس به في هذه العلوم، وصنّف فيها التصانيف الحسنة.
قال إبراهيم الجعبري: هو جمّاعة لعلوم القرآن، قرأت عليه كتبا كثيرة في ذلك.
стр. 3457
وقال الذهبي: كان مقرئ بغداد، عارفا باللغة، والنّحو، بصيرا بعلل القراءات، متصديا لإقرائها. دخل دمشق، ومصر، وسمع من شيوخهما. جمّ الفضائل لا يتقدمه أحد في زمانه في الإقراء. توفي يوم الجمعة تاسع عشري صفر ببغداد، ودفن بباب حرب.
стр. 3458
سنة اثنتين وثمانين وستمائة
فيها توفي إسماعيل بن أبي عبد الله العسقلاني ثم الصّالحي [١] في ذي القعدة، وله ست وثمانون سنة. سمع من حنبل، وابن طبرزد، والكبار.
وكان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب.
وفيها أمير آل مرى أحمد بن حجّي [٢] . كان يدّعي أنه من نسل البرامكة، وأنه ابن عمّ قاضي القضاة شمس الدّين بن خلّكان. وكانت سراياه تصل إلى أقصى نجد، وأهل الحجاز يؤدّون له الخفر.
وفيها شهاب الدّين أبو المحاسن وأبو أحمد عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيميّة الحرّاني [٣] ، نزيل دمشق، الحنبلي ابن المجد، وأبو شيخ الإسلام تقي الدّين.
ولد سنة سبع وعشرين وستمائة بحرّان، وسمع من والده وغيره، ورحل في صغره إلى حلب، فسمع بها من ابن اللّتي، وابن رواحة، ويوسف بن خليل، ويعيش النّحوي، وغيرهم. وتفقه بوالده، وتفنّن في الفضائل.
قال الذهبي: قرأ المذهب حتّى أتقنه على والده، ودرّس، وأفتى،
стр. 3459
وصنّف، وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه، وحاكمه. وكان إماما محقّقا، كثير الفنون. له يد طولى في الفرائض، والحساب، والهيئة، ديّنا، متواضعا، حسن الأخلاق، جوادا، من حسنات العصر. تفقه عليه ولداه أبو العبّاس [١] وأبو محمد، وحدّثنا عنه على المنبر ولده، وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه، مهاجرا سنة سبع وستين، وكان من أنجم الهدى، وإنما اختفى من نور القمر وضوء الشمس، يشير إلى أبيه وابنه.
وقال البرزالي: كان من أعيان الحنابلة، باشر بدمشق مشيخة دار الحديث السّكّرية بالقصّاعين، وبها كان يسكن، وكان له كرسيّ بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه، ولما توفي خلفه فيهما ولده أبو العبّاس [١] ، وله تعاليق وفوائد، ومصنّف في علوم عدّة. توفي ليلة الأحد سلخ ذي الحجّة، ودفن من الغد، يقال بسفح قاسيون.
وفيها الجمال الجزائري أبو محمد عبد الله بن يحيى الغسّاني [٢] ، المحدّث، نزيل دمشق. روى عن أبي الخطّاب ابن دحية، والسّخاوي وخلق، وكتب الكثير، وصار من أعيان الطّلبة، مع العبادة والتواضع. توفي في شوال.
وفيها شيخ الإسلام وبقية الأعلام شمس الدّين أبو الفرج وأبو محمد عبد الرحمن ابن القدوة الزّاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثمّ الصّالحي الحنبلي [٣] .
стр. 3460
ولد في أول شوال، وقيل: في المحرم، سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدير والده بسفح قاسيون، وسمع من أبيه وعمّه الشيخ موفق الدّين، ومن ابن طبرزد، وحنبل، وأبي اليمن الكندي، وأبي القاسم بن الحرستاني، وابن ملاعب، وجماعة مستكثرة، وأجاز له الصّيدلاني، وابن الجوزي، وجماعة، وسمع من أصحاب السّلفي، وعني بالحديث، وكتب بخطّه الأجزاء والطّباق، وتفقّه على عمّه شيخ الإسلام الموفق، وشرح كتاب عمّه «المقنع» في عشر مجلدات ضخمة، وأخذ الأصول عن السّيف الآمدي، ودرّس، وأفتى، وأقرأ العلم زمانا طويلا، وانتفع به الناس، وانتهت إليه رئاسة المذهب في عصره بل رئاسة العلم في زمانه، وكان معظّما عند الخاص والعام، عظيم الهيبة لدى الملوك وغيرهم، كثير الفضائل والمحاسن، متين الدّيانة والورع، وقد جمع المحدّث إسماعيل بن الخبّاز ترجمته وأخباره في مائة وخمسين جزءا.
قال الحافظ الذهبي: ما رأيت سيرة عالم أطول منها أبدا.
وقال الذهبي أيضا في «معجم شيوخه» [١] في ترجمة الشيخ شمس الدّين: شيخ الحنابلة، بل شيخ الإسلام، وفقيه الشام وقدوة العباد وفريد وقته ومن اجتمعت الألسن على مدحه والثّناء عليه، حدّث نحوا من ستين سنة، وكتب عنه أبو الفتح بن الحاجب، وقال: سألت عنه الحافظ الضياء فقال: إمام عالم خيّر. قال الذهبي: وكان الشيخ محيي الدّين النّواوي يقول:
هو أجلّ شيوخي.
وأول ما ولي مشيخة دار الحديث سنة خمس وستين وستمائة. حدّث عنه بها في حياته [٢] .
стр. 3461
وقال ابن رجب: روى عنه [الشيخ] محيي الدّين النّووي في كتاب «الرّخصة في القيام» [١] له، فقال: أنبأ الشيخ الإمام المتفق على إمامته وفضله وجلالته، القاضي أبو محمد عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام العالم العامل الزّاهد أبي عمر المقدسي، ﵁.
وقال الذهبي: وروى عنه أيضا الشيخ زين الدّين أحمد بن عبد الدّائم وهو أكبر منه وأسند. وذكره في «تاريخه الكبير» وأطال ترجمته، وذكر فضائله، وعباداته، وأوراده، وكرمه، ونفعه العام، وأنّه حجّ ثلاث مرّات، وكان آخرها قد رأى النّبيّ- ﷺ في المنام يطلبه، فحجّ ذلك العام، وحضر الفتوحات، وأنه كان رقيق القلب، سريع الدّمعة، [كريم النّفس] ، كثير الذّكر لله، والقيام بالليل، محافظا على صلاة الضّحى، ويصلي بين العشاءين ما تيسّر، ويؤثر بما يأتيه من صلات [٢] الملوك وغيرهم. وكان متواضعا عند العامّة، مترفّعا عند الملوك، وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والمحدّثين، وأهل الدّين، وأوقع الله محبته في قلوب الخلق. وكان كثير الاهتمام بأمور النّاس، لا يكاد يعلم بمريض إلّا افتقده، ولا مات أحد من أهل الجبل إلا شيّعه.
وذكر فخر الدّين البعلبكي، أنه منذ عرفه ما رآه غضب، وعرفه نحو خمسين سنة.
وقد ولي القضاء مدّة تزيد على اثنتي عشرة سنة، على كره منه، ولم يتناول عليه معلوما، ثم عزل نفسه في آخر عمره، وبقي قضاء الحنابلة شاغرا [مدّة] ، حتى ولي ولده نجم الدّين في آخر حياة الشيخ. وكان الشيخ ينزل [٣] في ولايته الحكم على بهيمة إلى البلد.
стр. 3462
وقد ذكر أبو شامة في «ذيله» : ولاية الشيخ سنة أربع وستين، قال: جاء من مصر ثلاثة عهود بقضاء القضاة لثلاثة: ابن عطاء، والزّواوي، وابن أبي عمر. فلم يقبل المالكي، والحنبلي، وقبل الحنفي. ثم ورد الأمر بإلزامهما بذلك، وقيل: إن لم يقبلاها وإلّا يؤخذ ما بأيديهما من الأوقاف، ففعلا من أخذ جامكية، وقالا: نحن في كفاية، فأعفيا منها.
وبقي بعد عزل نفسه متوفّرا على العبادة والتدريس، وإشغال [١] الطلبة، والتصنيف.
وكان أوحد زمانه في تعدّد الفضائل، والتّفرّد بالمحامد، ولم يكن له نظير في خلقه ورياضته، وما هو عليه. وانتفع به خلق كثير.
وممن أخذ عنه العلم، الشيخ تقي الدّين ابن تيمية، والشيخ مجد الدّين إسماعيل بن محمد الحرّاني. وكان يقول: ما رأيت بعيني مثله.
وروى عنه خلق كثير من الأئمة والحفّاظ، منهم: الشيخ تقي الدّين بن تيمية، وأبو محمد الحارثي، وأبو الحسن بن العطّار، والمزّي، والبرزالي، وغيرهم.
وتوفي- ﵀ ليلة الثلاثاء، سلخ ربيع الآخر، ودفن من الغد عند والده بسفح قاسيون، وكانت جنازته مشهودة، حضرها أمم لا يحصون، ويقال: إنه لم يسمع بمثلها من دهر طويل.
قال الذهبي: رأيت وفاة الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر بخط شيخنا شيخ الإسلام ابن تيميّة، فمن ذلك:
توفي شيخنا الإمام سيّد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأيام في
стр. 3463
أوانه، وحيد الزّمان حقّا حقّا، وفريد العصر صدقا صدقا، الجامع لأنواع المحاسن والمعالي، [والمعافى] البريء عن جميع النقائص والمساوي، القارن بين خلّتي العلم والحلم، والحسب والنّسب، والعقل والفضل، والخلق والخلق، ذو الأخلاق الزّكية والأعمال المرضية، مع سلامة الصّدر والطبع، واللّطف والرّفق، وحسن النّيّة، وطيب الطّويّة، حتى إن كان المتعنّت ليطلب [١] له عيبا فيعوزه، إلى أن قال: وبكت عليه العيون بأسرها، وعمّ مصابه جميع الطوائف، وسائر الفرق، فأيّ دمع ما سجم، وأيّ أصل ما جذم، وأيّ ركن ما هدم، وأيّ فضل ما عدم؟ يا له من خطب ما أعظمه، [وأجل ما أقدره] ومصاب ما أفخمه [٢] .
وبالجملة فقد كان الشيخ أوحد العصر في أنواع الفضائل، [بل] هذا حكم مسلّم من جميع الطوائف. وكان مصابه أجلّ من أن تحيط به العبارة، فرحمه الله، ورضي عنه، وأسكنه بحبوحة جنّته، ونفعنا بمحبته، إنه جواد كريم. انتهى.
وفيها العماد الموصلي أبو الحسن علي بن يعقوب بن أبي زهران المقرئ الشافعي [٣] أحد من انتهت إليه رئاسة الإقراء. قرأ على ابن وثيق وغيره، وكان فصيحا مفوّها، وفقيها مناظرا. تكرر على «الوجيز» [٤] للغزّالي، وتوفي في صفر وله إحدى وستون سنة.
وفيها ابن أبي عصرون محيي الدّين أبو الخطّاب عمر بن محمد بن القاضي أبي سعد عبد الله بن محمد التّميميّ الدّمشقي الشافعي [٥] .
стр. 3464
سمع في الخامسة من عمره من ابن طبرزد، وسمع من الكندي وغيره، وتعانى الجنديّة، ودرّس بمدرسة جدّه بدمشق، وتوفي فجأة في ذي القعدة.
وفيها المقدسي المفتي شمس الدّين محمد بن أحمد بن نعمة الشّافعي [١] ، مدرس الشامية. ولي نيابة القضاء عن ابن الصائغ، وكان بارعا في المذهب، متين الدّيانة، خيّرا، ورعا.
توفي في ثاني عشر ذي القعدة، قاله في «العبر» .
وقال الإسنويّ في «طبقات الشافعية» : أبو العبّاس، أحمد الملقّب شرف الدّين [٢] كان إماما في الفقه، والأصول، والعربية، والنّظر. حادّ الذّهن، ديّنا، متنسّكا، متواضعا، حسن الأخلاق والاعتقاد، لطيف الشّمائل، طويل الرّوح على الاشتغال، يكتب الخطّ الفائق المنسوب. انتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ تاج الدّين بن الفركاح، وتخرّج به جماعة، وصنّف في الأصول تصنيفا جيدا، ودرّس بالشّامية البرّانية والغزّالية. وتولى مشيخة دار الحديث النّوريّة، وخطابة الجامع، وناب في الحكم عن ابن الجويني [٣] ، وكان نظيره في العلوم.
توفي في رمضان، سنة أربع وتسعين وستمائة، وقد نيّف على السبعين.
стр. 3465
وأما أخوه، فهو شمس الدّين محمد [١] تفقّه، وبرع في المذهب، وكان ممن جمع بين العلم والدّين المتين، اشترك هو والقاضي عز الدّين ابن الصائغ في الشامية البرّانية، ثم استقلّ بها عند تولية ابن الصّايغ وكالة بيت المال، وناب في الحكم عن ابن الصّائغ. وسمع، وحدّث، وتوفي ثاني عشر ذي القعدة، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، وقد جاوز الخمسين. انتهى كلام الإسنوي.
وفيها ابن الحرستاني خطيب دمشق، محيي الدّين أبو حامد محمد بن الخطيب عماد الدّين عبد الكريم بن القاضي أبي القاسم عبد الصّمد بن الحرستاني الأنصاري الشافعي الخزرجي [٢] .
ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع من ابن صصرى وغيره، ودرّس، وأفتى، وأشغل. وكان قويّ المشاركة في العلوم، على خطابته طلاوة وروح.
قال ابن كثير: كان صيّنا، ديّنا، فقيها، نبيها، فاضلا، شاعرا، مجيدا، بارعا، ملازما منزله، فيه عبادة وتنسّك وانقطاع. طيّب الصّوت في الخطبة، عليه روح بسبب تقواه.
توفي في جمادى الآخرة ودفن بالصّالحية. انتهى.
وفيها ابن القوّاس شرف الدّين محمد بن عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن غدير الطّائي الدمشقي [٣] .
стр. 3466
ولد سنة اثنتين وستمائة، وسمع من الكندي، وابن الحرستاني، والخضر بن كامل، وكان شيخا متميّزا، حسن الدّيانة.
توفي في ربيع الآخر.
وفيها العماد بن الشّيرازي، القاضي الرئيس، أبو الفضل، محمد ابن محمد بن هبة الله بن محمد الدمشقي [١] ، صاحب الخط المنسوب.
ولد سنة خمس وستمائة، وسمع من ابن الحرستاني، وداود بن ملاعب. وكتب على الوليّ، وانتهت إليه رئاسة التجويد، مع الحشمة والوقار.
وتوفي في ثامن عشر صفر، وكان مرضه أربعة أيام.
وفيها الحافظ ابن جعوان- بالجيم والواو، وبينهما مهملة- محمد بن محمد بن عبّاس بن أبي بكر بن جعوان بن عبد الله الأنصاري الدمشقي الشافعي [٢] .
كان إماما، حافظا، متقنا، نحويا. توفي قبيل الكهولة، ولم يبلغ من التّسمّع مأموله. قاله ابن ناصر الدّين [٣] .
وفيها الرّشيد العامري محمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان الدمشقي [٤] . سمع «دلائل النّبوة» و «صحيح مسلم» من ابن الحرستاني، و «جزء» الأنصاري من الكندي، وتوفي في ذي الحجّة. قاله في «العبر» .
стр. 3467
وفيها المحيي بن القلانسي الصّدر الأوحد أبو الفضل يحيى بن علي بن محمد بن سعد التّميميّ الدمشقي [١] .
ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع من الموفّق [٢] ، وابن البنّ، وطائفة. وتوفي في شوال.
стр. 3468
سنة ثلاث وثمانين وستمائة
في شعبان كانت الزّيادة الهائلة بدمشق باللّيل، وكان عسكر المصريين [نزّالا] [١] بالوادي، فذهب لهم ما لا يوصف، وخربت البيوت، وانطمّت الأنهار، وكسر الماء أقفال باب الفراديس، ودخل حتّى وصل إلى مدرسة المقدّمية، وكسر جسر باب الفراديس.
وفيها توفي ابن المنيّر العلّامة ناصر الدّين أحمد بن محمد بن منصور الجذامي الجروي الإسكندراني المالكي [٢] ، قاضي الإسكندرية وفاضلها المشهور.
ولد سنة عشرين وستمائة، وبرع في الفقه، والأصول، والنّظر، والعربية، والبلاغة، وصنّف التصانيف، وتوفي في أول ربيع الأول.
وفيها الملك أحمد بن هولاكو [٣] المغلي. ولي السّلطنة بعد أخيه أبغا. أسلم وهو صبي، ويسّر له قرين صالح، وهو الشيخ عبد الرحمن الذي قدم الشام رسولا، وسعى في الصلح. مات وله بضع وعشرون سنة. وكان قليل الشّرّ مائلا إلى الخير.
ومات أيضا عبد الرّحمن في الاعتقال بقلعة دمشق بعده.
стр. 3469
وفيها ابن البارزي قاضي حماة، وابن قاضيها، وأبو قاضيها، الإمام نجم الدّين عبد الرّحيم بن إبراهيم ابن هبة الله الجهني الشّافعي [١] .
ولد بحماة سنة ثمان وستمائة، وسمع من موسى بن عبد القادر، وكان بصيرا بالفقه والأصول والكلام، له ديانة متينة وصدق وتواضع وشعر بديع.
منه:
إذا شمت من تلقاء أرضكم برقا ... فلا أضلعي تهدا ولا أدمعي ترقا
وإن ناح فوق البان ورق حمائم ... سحيرا فنوحي في الدّجى علّم الورقا
فرقّوا لقلب في ضرام غرامه ... حريق وأجفان بأدمعها غرقى
سميريّ من سعد خذا نحو أرضهم ... يمينا ولا تستبعدا نحوها الطّرقا
وعوجا على أفق توشّح شيحه ... بطيب الشّذا المسكي [٢] أكرم به أفقا
فإنّ به المغني الذي بترابه ... وذكراه يستشفى لقلبي ويسترقى
ومن دونه عرب يرون نفوس من ... يلوذ بمغناهم حلالا لهم طلقا
بأيديهم بيض بها الموت أحمر ... وسمر لدى هيجائهم تحمل الزّرقا
وقولا محبا للشآم [٣] غدا لقى ... لفرقة قلب بالحجاز غدا ملقى
تعلّقكم في عنفوان شبابه ... ولم يسل عن ذاك الغرام وقد أنقى
وكان يمنّي النّفس بالقرب فاغتدى ... بلا أمل إذ لا يؤمّل أن يبقى
عليكم سلام الله أمّا ودادكم ... فباق وأمّا البعد عنكم فما أبقى [٤]
توفي في تبوك في ذي القعدة، فحمل إلى المدينة المنوّرة.
стр. 3470
وفيها علاء الدّين صاحب الديوان عطاء مالك بن الصّاحب بهاء الدّين محمد بن محمد الخراساني الجويني [١] ، أخو الوزير الكبير شمس الدّين. نال هو وأخوه من المال والحشمة والجاه العظيم ما يتجاوز الوصف في دولة أبغا. وكان أمر العراق راجعا إلى علاء الدّين، فساسه أحسن سياسة، طلب في هذه السنة فاختفى ومات في الاختفاء.
وقتل أخوه شمس الدّين.
وفيها ابن مهنّا ملك العرب، ورئيس آل فضل [٢] عيسى بن مهنّا.
كان له المنزلة العالية عند السلطان. توفي في ربيع الأول.
وقام بعده ولده الأمير حسام الدّين مهنّا صاحب تدمر.
وفيها الصّدر الكبير المنشئ بهاء الدّين ابن الفخر عيسى الإربلي [٣] . له الفضيلة التّامة، والنّظم الرّائق، والنّثر الفائق. صنّف مقامات حسنة، ورسالة «الطيف» .
ومن شعره:
أيّ عذر وقد تبدّى العذار ... إن ثناني تجلّد واصطبار
فأقلّا إن شئتما أو فزيدا ... ليس لي عن هوى الملاح قرار
هل مجير من الغرام وهيها ... ت أسير الغرام ليس يجار
يا بديع الجمال قد كثرت في ... ك اللّواحي وقلّت الأنصار