القلوب لصدقه وإخلاصه، وصدعه بالحقّ. وكان شافعيا.
قال السبكيّ في «الطبقات» : الشيخ الصّالح المشهور بالأحوال والمكاشفات. تفقه على مذهب الشّافعي، وسمع الحديث بالشام من أبي الحسن السّخاوي، وقدم القاهرة وحدّث بها، فسمع منه شيخنا أبو حيّان وغيره. وكان يعظ الناس ويتكلم عليهم، ويحصل في مجلسه أحوال سنيّة.
وتحكى عنه كرامات باهرة.
وقال في «البدر السّافر» [١] : اشتهر عنه أنه قبيل وفاته ركب دابة وجاء إلى موضع يدفن فيه، وقال: يا قبير جاءك دبير، ولم يكن به مرض ولا علّة.
فتوفي بعيد ذلك.
وتوفي- ﵀ في الرابع والعشرين من المحرّم وقد جاوز الثمانين، ودفن بتربته بالحسينية.
وفيها الجمال ابن الحموي أبو العبّاس أحمد بن أبي بكر بن سليمان بن علي الدّمشقي [٢] . حضر ابن طبرزد، وسمع من الكندي، وابن الحرستاني. افترى على الحاكم ابن الصائغ بشهادة فأسقط لأجلها، ومات بدويرة حمد [٣] في ذي الحجّة، وله سبع وثمانون سنة.
وفيها أبو إسحاق اللّوري [٤] إبراهيم بن عبد العزيز بن يحيى الرّعيني الأندلسي المالكي [٥] .
стр. 3502
ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وحجّ، فسمع من ابن رواح وطبقته، وسكن دمشق، وقرأ الفقه، وتقدم في الحديث، مع الزّهد والعبادة والإيثار والصّفات الحميدة، والحرمة والجلالة. وناب في القضاء، ثم ولي مشيخة دار الحديث الظّاهرية، وتوفي في الرابع والعشرين من صفر بالمنيبع [١] .
وفيها سعد الخير بن أبي القاسم عبد الرحمن بن نصر بن علي أبو محمد النّابلسي ثم الدّمشقي الشّاهد [٢] . سمع الكثير من ابن البنّ، وزين الأمناء، وطبقتهما. وتوفي في جمادى الآخرة، وله سبعون سنة.
وفيها الأديب الفاضل الحسن بن شاور الكناني [٣] . عرف بابن النّقيب، الشّاعر المشهور.
من شعره:
أراد الظّبي أن يحكي التفاتك ... وجيدك قلت: لا يا ظبي فاتك
وفدّى [٤] الغصن قدّك إذ تثنّى ... وقال: الله يبقي لي حياتك
فيا آس العذار فدتك نفسي ... وإن لم أقتطف بفمي نباتك
ويا ورد الخدود حمتك منّي ... عقارب صدغه فأمن [٥] جناتك
ويا قلبي ثبتّ على التّجنّي ... ولم يثبت له أحد ثباتك
стр. 3503
وله:
يا من أدار بريقه مشمولة ... وحبابها الثّغر النّقيّ الأشنب
تفّاح خدّك بالعذار ممسّك ... لكنّه بدم الخدود [١] مخضّب
وله:
وخود [٢] دعتني إلى وصلها ... وعصر الشّبيبة عنّي ذهب
فقلت مشيبي ما ينطلي ... فقالت: بلى ينطلي بالذّهب
وله:
في النّاس قوم إذا ما أيسروا بطروا ... فأصلح الأمر أن يبقوا مفاليسا
لا تسأل الله إلّا في خمولهم ... فهم جياد إذا كانوا مناحيسا
وفيها ابن خطيب المزّة شهاب الدّين عبد الرحيم بن يوسف بن يحيى الموصلي ثم الدمشقي [٣] ، نزيل القاهرة ومسندها. سمع في الخامسة من حنبل، وابن طبرزد. وكان فاضلا، ديّنا، ثقة. توفي في تاسع رمضان.
وفيها القطب خطيب القدس أبو الذّكاء عبد المنعم بن يحيى بن إبراهيم القرشي الزّهري العوفي النّابلسي. الشّافعي [٤] ، المفتي المفسّر.
سمع من داود بن ملاعب، وأبي عبد الله بن البناء، وأجاز له أبو الفتح المندائي وطائفة، وتوفي في سابع رمضان، وله أربع وثمانون سنة.
وفيها ابن النّفيس العلّامة علاء الدّين علي ابن أبي الحزم القرشي
стр. 3504
الدمشقي الشّافعي [١] ، شيخ الطبّ بالدّيار المصرية، وصاحب التصانيف، ومن انتهت إليه معرفة الطبّ، مع الذكاء المفرط، والذّهن الخارق، والمشار إليه في الفقه، والأصول، والحديث، والعربية، والمنطق.
قال الذهبي: ألّف في الطب كتاب «الشّامل» وهو كتاب عظيم تدل فهرسته على أنه يكون ثلاثمائة مجلدة، بيّض منها ثمانين مجلدة [٢] . وكانت تصانيفه يمليها من حفظه ولا يحتاج إلى مراجعة لتبحّره في الفنّ.
وقال السّبكي: صنّف شرحا على «التنبيه» وصنّف في أصول الفقه، وفي المنطق. وأما الطبّ فلم يكن على وجه الأرض مثله، قيل: ولا جاء بعد ابن سينا مثله. قالوا: وكان في العلاج أعظم من ابن سينا.
وقال الإسنويّ: إمام وقته في فنّه شرقا وغربا بلا مدافعة، أعجوبة فيه [٣] ، وصنّف في الفقه وأصوله، وفي العربية، والجدل، والبيان، وانتشرت عنه التلامذة.
وقال في «العبر» : توفي في الحادي والعشرين من ذي القعدة، وقد قارب الثمانين، ووقف أملاكه وكتبه على المارستان المنصوري، ولم يخلّف بعده مثله.
وفيها السيد الشّريف محمد بن نصير بن علي الحسيني [٤] . كان فاضلا بارعا.
стр. 3505
حكي عن عمر بن الحسن قال: رأيت إبليس في النّوم على كركدن يقوده بأفعى، فقال لي: يا عمر بن الحسن! سلني حاجتك، فدفعت إليه رقعة كانت معي فوقّع فيها:
ألم ير العاصي وأصحابه ... ما فعل الله بأهل القرى
بلى ولكن ليس من سفلة ... إلّا إذا استعلى أذلّ الورى
فليت أني متّ فيما مضى ... ولم أعش حتّى أرى ما أرى
وكلّ ذي خفض وذي رفعة ... لا بدّ أن يعلو عليه الثّرى
ثم ضرب كركدنّه ومضى لسبيله.
وروي عن الشّافعي، ﵁، قال: رأيت بالمدينة أربع عجائب، جدّة عمرها إحدى وعشرون سنة [١] ورجلا فلّسه القاضي في مدين من النّوى، وشيخا كبيرا يدور على بيوت القيان يعلّمهنّ الغناء، فإذا حضرت الصّلاة صلّى قاعدا، ورجلا يكتب بالشّمال أسرع مما يكتب باليمين.
وفيها النّجيب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد بن علي الهمذانيّ ثم المصريّ [٢] المحدّث أجاز له ابن طبرزد، وعفيفة، والكبار. وسمع من عبد القوي بن الحباب. وقرأ بنفسه على ابن باقا، ثم صار كاتبا في أواخر عمره، ومات في ذي القعدة.
وفيها شرف الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان الأمويّ الإسكندرانيّ [٣] . أجاز له أبو الفخر أسعد [بن سعيد] بن روح.
стр. 3506
وسمع من علي بن البناء، والحافظ ابن المفضّل وطائفة كثيرة، وعاش اثنتين وثمانين سنة.
وفيها الحاج ياسين المغربي الحجّام الأسود [١] . كان جرائحيا على باب الجابية. وكان صاحب كشف وحال. وكان النّووي- ﵀ يزوره ويتّلمذ له، وتوفي في ربيع الأول وقد قارب الثمانين.
стр. 3507
سنة ثمان وثمانين وستمائة
في ربيع الأول نازل السلطان الملك المنصور مدينة طرابلس، ودام الحصار والقتال ورمي المجانيق الكبار، وحفر [١] النّقوب ليلا ونهارا، إلى أن افتتحها بالسّيف في رابع ربيع الآخر، وغنم المسلمون ما لا يوصف، وكان سورها منيعا قليل المثل، وهي من أحسن المدائن وأطيبها، فخرّبها وتركها خاوية على عروشها، ثم أنشؤوا مدينة على ميل من شرقيها، فجاءت رديئة الهواء والمزاج.
وفيها توفي الشيخ العماد أحمد بن العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الصالحي [٢] .
ولد سنة ثمان وستمائة، وسمع من أبي القاسم ابن الحرستاني وجماعة، واشتغل وتفقه، ثم تمفقر وتجرّد، وصار له أتباع ومريدون أكلة [سطلة] بطلة. توفي يوم عرفة. قاله في «العبر» .
وفيها العلم ابن الصّاحب أبو العباس أحمد بن يوسف بن الصّاحب صفيّ الدّين بن شكر المصري [٣] اشتغل، ودرّس، وتميّز، ثم تمفقر وتجرّد،
стр. 3508
وأرسل طباعه واشتلق على بني آدم وعاشر الخمّارين [١] ، وله أولاد [٢] رؤساء، ونوادره مشهورة، وزوائده حلوة. توفي في ربيع الآخر وقد شاخ. قاله في «العبر» أيضا.
ومن شعره في الحشيشة [٣] :
في خمار الحشيش معنى مرامي ... يا أهيل العقول والأفهام
حرّموها من غير عقل ونقل ... وحرام تحريم غير الحرام
وفيها أبو العبّاس أحمد بن أبي محمد بن عبد الرزاق [المغازي] [٤] .
قال الذهبي: هو أخو شيخنا عيسى المغازي [٥] . روى عن موسى بن عبد القادر، والموفق وجماعة، وتوفي في ثاني ذي الحجّة عن ثمان وسبعين سنة. انتهى.
وفيها زينب بنت مكّي بن علي بن كامل الحرّاني [٦] الشيخة المعمّرة العابدة، أمّ أحمد. سمعت من حنبل، وابن طبرزد، وستّ الكتبة، وطائفة. وازدحم عليها الطلبة، وعاشت أربعا وتسعين سنة، وتوفيت في شوال.
وفيها الفخر البعلبكّي المفتي أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن نصر الحنبلي [٧] الفقيه المحدّث الزاهد.
стр. 3509
ولد سنة إحدى عشرة وستمائة ببعلبك، وقرأ القرآن على خاله صدر الدّين عبد الرحيم بن نصر قاضي بعلبك.
وسمع الحديث من أبي المجد القزويني، والبهاء المقدسي، وابن اللّتي، والنّاصح ابن الحنبلي، وخلائق.
وتفقه على تقي الدّين أحمد بن العزّ، وغيره. وحفظ كتاب «علوم الحديث» وعرضه من حفظه على مؤلّفه الحافظ تقي الدّين بن الصّلاح. وقرأ الأصول وشيئا من الخلاف على السّيف الآمدي، وقرأ النّحو على أبي عمرو بن الحاجب وغيره، وصحب الشيخ الفقيه اليونيني، وإبراهيم البطائحي، والنّووي، وغيرهم. وكان اليونيني يحبه ويقدّمه على أولاده.
وتخرّج به جماعة من الفقهاء. وكان دائم [١] البشر، يحب الخمول ويؤثره، ويلازم قيام الليل من الثلث الأخير، ويتلو بين العشاءين، ويصوم الأيام البيض، وستة من شوال، وعشر ذي الحجّة، والمحرّم، ولا يخلّ بذلك. ذكر ذلك ولده الشيخ شمس الدّين [٢] ، وقال: ولقد أخبر بأشياء فوقعت كما قال لخلائق، ولقد قال لي في صحته وعافيته: أنا أعيش عمر الإمام أحمد، لكن شتّان ما بيني وبينه، فكان كما قال.
وقال ابن اليونيني: كان رجلا، صالحا، زاهدا، عابدا، فاضلا، وهو من أصحاب والدي، اشتغل عليه وقدّمه يصلي به في مسجد الحنابلة. رافقته في طريق مكّة، فرأيته قليل المثل في ديانته، وتعبّده، وحسن أوصافه. وكان من خيار الشيوخ علما، وعملا، وصلاحا، وتواضعا، وسلامة صدر وحسن سمت، وصفاء قلب، وتلاوة قرآن وذكر.
стр. 3510
وقال البرزالي: كان من خيار المسلمين، وكبار الصّالحين.
توفي ليلة الأربعاء سابع رجب بدمشق، ودفن بالقرب من قبر الشيخ موفق الدّين.
وفيها الكمال بن النجّار محمد بن أحمد بن علي الدمشقي الشافعي [١] مدرس الدّولعيّة [٢] وكيل بيت المال. روى عن ابن أبي لقمة وجماعة، وكان ذا بشر وشهامة. قاله في «العبر» .
وفيها شمس الدّين محمد ابن الشيخ العفيف التّلمساني سليمان بن علي [٣] الكاتب الأديب. كان ظريفا، لعّابا، معاشرا، وشعره في غاية الحسن، منه:
يا من حكى بقوامه ... قدّ القضيب إذا التوى
ماذا أثرت على القلو ... ب من الصّبابة والجوى
ما أنت عندي والقضي ... ب اللّدنّ في حال سوا
هذاك حرّكه النّسي ... م وأنت حرّكت الهوى
ومنه:
إنّي لأشكو في الهوى ... ما راح يفعل خدّه
ما كان يعرف ما الجفا ... حتّى تفتّح ورده
وله في ذم الحشيشة:
ما في الحشيشة [٤] فضل عند آكلها ... لكنّه غير مصروف إلى رشده
стр. 3511
حمراء في عينه خضراء في يده ... صفراء في وجهه سوداء في كبده
توفي في رجب وله نحو ثلاثين سنة، ودفن بمقابر الصّوفية.
وفيها بن الكمال المحدّث الإمام شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد [السّعديّ] المقدسي الحنبلي [١] .
ولد في ليلة الخميس حادي عشر ذي الحجّة سنة سبع وستمائة بقاسيون، وحضر على ابن الحرستاني، والكندي، وسمع ابن ملاعب، والشيخ موفق الدّين، وخلقا، ولازم عمّه الحافظ الضّياء، وتخرّج به، وكتب الكثير، وعني بالحديث، وتمّم تصنيف «الأحكام» الذي جمعه عمّه الحافظ ضياء الدّين.
قال الذهبي: كان إماما، فقيها، محدّثا، زاهدا، عابدا، كثير الخير، له قدم راسخ في التّقوى، ووقع في النّفوس. متقللا من الدنيا، من سادات الشيوخ، علما، وعملا، وصلاحا، وعبادة.
حكي لي عنه: أنه كان يحفر مكانا في جبل الصّالحية لبعض شأنه، فوجد جرّة مملوءة دنانير، وكانت زوجته معه تعينه على الحفر، فاسترجع وطمّ المكان كما كان أولا، وقال لزوجته: هذه فتنة، ولعل لها مستحقين لا نعرفهم، وعاهدها على أنها لا تشعر بذلك أحدا، ولا تتعرّض إليه. وكانت صالحة مثله، فتركا ذلك تورّعا مع فقرهما وحاجتهما، وهذا غاية الورع والزّهد، وحدّث- ﵀ بالكثير نحوا من أربعين سنة، وسمع منه خلق كثير، وروى عنه جماعة من الأكابر.
وحدثنا عنه جماعة، منهم: ابن الخبّاز، وابن قيّم الضيائية.
стр. 3512
وتوفي بعد العشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء تاسع جمادى الأولى بمدرسة عمّه بالجبل، ودفن من الغد عند الشيخ موفق الدّين.
وفيها شمس الدّين الأصفهاني الأصوليّ المتكلم العلّامة أبو عبد الله محمد بن محمود بن محمد بن عباد العجلي [١] ينتهي نسبه إلى أبي دلف الشّافعي، نزيل مصر وصاحب التصانيف. شرح «المحصول» [٢] وله كتاب «الفوائد في العلوم الأربعة» الأصلين، والخلاف، والمنطق. وكتاب «غاية المطلب» في المنطق، وله يد طولى في العربية والشعر.
ولد- ﵀ بأصفهان سنة ست عشرة وستمائة، وكان والده نائب السلطنة بأصفهان، واشتغل بأصفهان في جملة من العلوم في حياة أبيه، بحيث إنه فاق نظراءه، ثم لما استولى العدو على أصفهان. رحل إلى بغداد، فأخذ في الاشتغال في الفقه على الشيخ سراج الدّين الهرقلي، وبالعلوم على الشيخ تاج الدّين الأرموي، ثم ذهب إلى الرّوم إلى الشيخ أثير الدّين الأبهري، فأخذ عنه الجدل والحكمة، ثم دخل القاهرة، وولي قضاء قوص خلافة عن القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعزّ، فباشره مباشرة حسنة. وكان مهيبا، قائما في الحقّ، وقورا في درسه، ودرّس بالشافعي، ومشهد الحسين، وأخذ عنه جماعة وتخرّج به المصريون، وقيل: إن ابن دقيق العيد كان يحضر درسه بقوص.
وتوفى في العشرين من رجب، وله اثنتان وسبعون سنة.
стр. 3513
وفيها المهذّب بن أبي الغنائم [١] التّنوخي العدل الكبير زين الدّين [٢] ، كاتب الحكم بدمشق.
ولد سنة ثمان عشرة وستمائة، وقرأ على السّخاوي، وسمع من مكرم، وتفقه، وانتهت إليه رئاسة الشروط ومعرفة عللها ودقائقها، وتوفي في رجب.
وفيها الملك المنصور محمود بن الملك الصّالح إسماعيل بن العادل أبي بكر بن أيوب [٣] سلطنه أبوه بدمشق، وركب في أبّهة السلطنة سنة أربعين وستمائة، ولا زالت تتقلّب به الأحوال إلى أن صار يطلب بالأوراق.
قال ابن مكتوم: رأيته سلطانا ورأيته يستعطي، وكان شيخا مهيبا يلبس قباء وعمامة مدورة.
وفيها الجرائدي تقيّ الدّين يعقوب بن بدران بن منصور المصري [٤] ، شيخ القراء. أخذ القراءات عن السّخاوي وغيره، وروى عن الزّبيدي وغيره، وتصدّر للإقراء، وتوفي في شعبان.
стр. 3514
سنة تسع وثمانين وستمائة
فيها توفي نجم الدّين بن الشيخ قاضي القضاة أبو العبّاس أحمد بن شيخ الإسلام شمس الدّين عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصّالحي الحنبلي [١] .
ولد في شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة، وسمع الحديث، ولم يبلغ أوان الرواية. وتفقه على والده، وولي القضاء في حياة والده بإشارته.
قال البرزالي: كان خطيب الجبل، وقاضي القضاة، ومدرّس أكثر المدارس، وشيخ الحنابلة. وكان فقيها فاضلا، سريع الحفظ، جيد الفهم، كبير المكارم، شهما، شجاعا. ولي القضاء ولم يبلغ ثلاثين سنة، فقام به [٢] أتم قيام.
وقال غيره: درّس بدار الحديث الأشرفية بالسفح، وشهد فتح طرابلس مع السلطان الملك المنصور، وكان مليح البزّة، ذكيا، مليح الدروس. له قدرة على الحفظ، ومشاركة جيدة في العلوم، وله شعر جيد، منه:
آيات كتب الغرام أدرسها ... وعبرتي لا أطيق أحبسها
لبست ثوب الضّنى على جسدي ... وحلّة الصّبر لست ألبسها
стр. 3515
وشادن ما رنا بمقلته ... إلّا سبى العالمين نرجسها
فوجهه جنّة مزخرفة ... لكن بنبل الحتوف يحرسها
وريقه خمرة معتّقة ... دارت علينا من فيه أكؤسها
يا قمرا أصبحت ملاحته ... لا يعتريها عيب يدنّسها
صل هائما إن جرت مدامعه ... تلحقها زفرة تيبّسها
توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الأولى بمنزله بقاسيون، ودفن عند أبيه وجدّه.
وفيها ابن عزّ القضاة فخر الدّين أبو الفداء إسماعيل بن علي بن محمد الدمشقي الزّاهد [١] .
ولد سنة ثلاثين وستمائة، وخدم في الكتابة، وكان أديبا، شاعرا، ناسكا، زاهدا، خاشعا، مقبلا على شأنه، حافظا لوقته.
توفي ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من رمضان، وكانت له جنازة مشهودة.
وفيها خطيب المصلّى عماد الدّين أبو بكر عبد الله بن محمد بن حسّان بن رافع العامريّ [٢] المعدّل. روى عن ابن البنّ، وزين الأمناء، وطائفة.
وتوفي في صفر، وله ثلاث وسبعون سنة.
وفيها الشّمس عبد الرحمن بن الزّين أحمد بن عبد الملك بن
стр. 3516
عثمان بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله بن نمير المقدسي ثم الصّالحي [١] ، الحنبلي المحدّث الزّاهد.
ولد في ذي القعدة سنة ست وستمائة بقاسيون، وسمع بدمشق من الكندي، وابن الحرستاني، وطائفة. وتفقّه بالموفق. ثم رحل. وأدرك الفتح بن عبد السلام وطائفة فأكثر، وأجاز له ابن طبرزد وغيره.
قال الذهبي: كان فقيها زاهدا [٢] ، ثقة نبيلا من أولي العلم والعمل والصّدق والورع. حدّث بالكثير، وأكثر عنه ابن نفيس، والمزّي، والبرزالي وطائفة.
وتوفي يوم الاثنين تاسع عشري ذي القعدة بالسفح، ودفن بالقرب من قبر الشيخ أبي عمر.
وفيها خطيب دمشق جمال الدّين أبو محمد عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الرّبعي الدمشقي الشّافعي المفتي [٣] .
ولد سنة اثنتي عشرة وستمائة. وسمع من ابن الصبّاح، وابن الزّبيدي، وجماعة. وناب في القضاء مدّة. وكان ديّنا، حسن السّمت للناس، فيه عقيدة كبيرة. مات في جمادى الأولى.
وفيها النّور بن الكفتي أبو الحسن علي بن ظهير بن شهاب المصري [٤] شيخ الإقراء بديار مصر. أخذ القراءات عن ابن وثيق وأصحاب
стр. 3517
أبي الجود، وشهر بالاعتناء بالقراءات وعللها، وسمع من ابن الجمّيزي وغيره، مع الورع، والتّقى، والجلالة. توفي في ربيع الآخر.
وفيها الرّشيد الفارقي أبو حفص عمر بن إسماعيل بن مسعود الرّبعي الشّافعي الأديب [١] .
ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسمع من الفخر ابن تيمية، وابن الزّبيدي، وابن باقا. وكان أديبا، بارعا، منشئا، بليغا، شاعرا مفلقا، لغويا محقّقا. درّس بالنّاصرية مدّة ثمّ بالظّاهرية، وتصدّر للإفادة. كتب رقعة إلى علي بن جرير، وأرسلها إلى القاسميّة مع رجل اسمه علي:
حسدت عليّا على كونه ... توجّه دوني إلى القاسميّه
وما بي شوق إلى قربه ... ولكن مرادي ألقى سميّه
خنق في بيته في رابع المحرّم بالظّاهرية وأخذ ماله.
ودرّس بعده علاء الدّين ابن بنت الأعزّ.
وفيها السّلطان الملك المنصور سيف الدّين أبو المعالي وأبو الفتح قلاوون التّركي الصّالحي النّجمي [٢] . كان من أكبر الأمراء زمن الظّاهر، وتملّك في رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة، وكسر التتار على حمص، وغزا الفرنج غير مرّة، وفتح طرابلس وما جاورها، وفتح حصن المرقب. وفي سنة ثمان وثمانين عمل في القاهرة بين القصرين تربة عظيمة ومدرسة كبيرة ومارستانا للمرضى، وكانت وفاته ظاهر القاهرة بالمخيّم، وقد عزم على الغزاة، فتوفي في سادس ذي القعدة، ودفن بتربته بين القصرين.
стр. 3518
وفيها سبط إمام الكلّاسة المحدّث المفيد بدر الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن النّجيب [١] شابّ ذكيّ، مليح الخطّ، صحيح النّقل، حريص على الطلب، عالي الهمّة. سمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وحدّث، وتوفي في صفر.
وفيها شمس الدّين أبو الفضائل محمد بن عبد الرزاق الرّسعني [٢]- نسبة إلى رأس عين، بلد [٣]- الحنبلي، كان شاعرا أديبا معدّلا. حدّث عن ابن القبيطي وغيره، وكان أحد الشهود بدمشق ويؤم بمسجد الرّمّاحين.
ومن شعره:
ولو أنّ إنسانا يبلّغ لوعتي ... ووجدي وأشجاني إلى ذلك الرّشا
لأسكنته عيني ولم أرضها له ... ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا
وله:
أآيس من برّ وجودك واصل ... إلى كلّ مخلوق وأنت كريم
وأجزع من ذنب وعفوك شامل ... لكلّ الورى طرّا وأنت رحيم
وأجهد في تدبير حالي جهالة ... وأنت بتدبير الأنام حكيم
وأشكو إلى نعماك ذلّي وحاجتي ... وأنت بحالي يا عزيز عليم
غرق- ﵀ بنهر الشّريعة من الغور [٤] في جمادى الآخرة.
وفيها محمد بن عون الدّين يحيى بن شمس الدّين علي بن عز الدّين محمد بن الوزير عون الدّين بن هبيرة [٥] نزيل بلبيس بها، وكان
стр. 3519
ناظرا على ديوانها. حدّث عن الدّاهري، ونصر بن عبد الرزاق، وابن اللّتي.
وسمع من الحارثي، والمزّي، والبرزالي، وغيرهم. وكان فاضلا، له شعر حسن.
وفيها ابن المقدسي ناصر الدّين محمد بن العلّامة المفتي شمس الدّين عبد الرحمن بن نوح الشّافعي الدمشقي [١] . تفقّه على أبيه، وسمع من ابن اللّتي، ودرّس بالرّواحيّة، وتربة أمّ الصّالح، ثم داخل الدولة.
وولي وكالة بيت المال، ونظر الأوقاف فظلم وعسف، وعدا طوره. ثم اعتقل بالعذراويّة فوجد مشنوقا بعد [أن] [٢] ضرب بالمقارع وصودر.
توفي في ثالث شعبان، قاله في «العبر» .
стр. 3520
سنة تسعين وستمائة
فيها ولله الحمد والمنّة فتح ما كان بأيدي النّصارى من بلاد الشّام ولم يبق لهم بها حصن ولا معقل.
وفيها توفي الشيخ الخابوري خطيب حلب ومقرئها ونحويّها الإمام شهاب الدّين أحمد بن عبد الله بن الزّبير الحلبي [١] صاحب النّوادر والظّرف. سمع بحرّان من فخر الدّين ابن تيميّة، وبحلب من ابن الأستاذ، وببغداد من ابن الدّاهري، وبدمشق من ابن صباح، وقرأ القراءات على السّخاوي. وتوفي في المحرّم وقد قارب التسعين.
وفيها السّويديّ الحكيم العلّامة شيخ الأطباء عزّ الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري الدمشقي [٢] .
ولد سنة ستمائة، وسمع من الشّمس العطّار، وابن ملاعب، وطائفة.
وتأدّب على ابن معطي، وأخذ الطبّ عن المهذب الدّخوار [٣] وبرع في الطبّ، وصنّف فيه، وفاق الأقران، وكتب الكثير بخطّه المليح، ونظر في
стр. 3521
العقليات، وألّف كتاب «الباهر في الجواهر» وكتاب «التذكرة» في الطب، وتوفي في شعبان.
وفيها أرغون بن أبغا بن هولاكو [١] ، صاحب العراق وخراسان وأذربيجان. تملّك بعد عمّه الملك أحمد، وكان شهما مقداما، كافر النّفس، شديد البأس، سفّاكا للدّماء، عظيم الجبروت. هلك في هذا العام، فيقال:
إنه سمّ، فاتهمت المغل وزيره سعيد الدولة اليهودي بقتله، فمالوا على اليهود قتلا ونهبا وسبيا. قاله في «العبر» .
وفيها إسماعيل بن نور بن قمر الهيتي الصّالحي [٢] . روى عن موسى بن عبد القادر وجماعة، وتوفي في رجب.
وفيها سلامش الملك العادل بدر الدّين، ولد الملك الظّاهر بيبرس الصّالحي [٣] ، الذي سلطنوه عند خلع أخيه السعيد، ثم نزعوه بعد ثلاثة أشهر، وبقي خاملا بمصر، فلما تسلطن الأشرف أخذه وأخاه الملك خضر وأهلهم، وجهّزهم إلى مدينة اسطنبول بلاد الأشكري فمات بها وله نحو من عشرين سنة. وكان مليح الصّورة، رشيق القدّ، ذا عقل وحياء.
وفيها التّلمساني عفيف الدّين سليمان بن علي بن عبد الله بن علي [٤] . الأديب الشّاعر، أحد زنادقة الصّوفية، وقيل له مرّة: أأنت نصيريّ [٥] ؟ فقال: النّصيريّ بعض مني.
стр. 3522
وأما شعره ففي الذّروة العليا من حيث [البيان و] البلاغة لا من حيث الاتحاد.
توفي في خامس رجب، وله ثمانون سنة. قاله في «العبر» .
وقال الشيخ عبد الرّؤف المناوي: أثنى عليه ابن سبعين، وفضّله على شيخه القونوي، فإنه لما قدم شيخه القونوي رسولا إلى مصر، اجتمع به ابن سبعين لما قدم من المغرب، وكان التّلمساني مع شيخه القونوي، قالوا لابن سبعين: كيف وجدته؟ - يعني في علم التوحيد- فقال: إنه من المحقّقين، لكن معه شابّ أحذق منه، وهو العفيف التّلمساني.
والعفيف هذا من عظماء الطّائفة القائلين بالوحدة المطلقة.
وقال بعضهم: هو لحم خنزير في صحن صيني، وأنه يدرج السّمّ القاتل في كلامه لمن لا فطنة له بأساس قواعده.
ورموه بعظائم من الأقوال والأفعال، وزعموا أنه كان على قدم شيخ شيخه [١] في أنه لا يحرّم فرجا، وأن عنده إن ما ثم غيره ولا سوى بوجه من الوجوه، وأن العبد إنما يشهد السوي إذا كان محجوبا، فإذا انكشف حجابه ورأى أنّ ما ثم غيره تبين له الأمر، ولهذا كان يقول: نكاح الأم والبنت والأجنبية واحد، وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا حرام علينا، فقلنا حرام عليكم.
وذكروا أنه دخل على أبي حيّان، فقال له: من أنت؟ قال: العفيف التّلمساني، وجدّي من قبل الأم ابن سبعين، فقال: إي والله عريق أنت في لإلهية يا كلب يا بن الكلب.
وأكثروا من نقل هذا الهذيان في شأنه وشأن شيخه وشيخ شيخه، ولم
стр. 3523
يثبت عنهم شيء من ذلك بطريق معتبر. نعم هم قائلون بأن واجب الوجود هو الوجود المطلق، ومبنى طريقهم على ذلك. انتهى كلام المناوي ملخصا.
وقال غيره: له عدة تصانيف، منها «شرح أسماء الله الحسنى» و «شرح مواقف النّفّري» [١] ، وشرح «النّصوص» وغير ذلك. وله ديوان شعر.
وقال الشيخ برهان الدّين بن الفاشوشة الكتبي: دخلت عليه يوم مات، فقلت له: كيف حالك؟ قال: بخير، من عرف الله كيف يخاف، والله مذ عرفته ما خفته وأنا فرحان بلقائه.
ومن شعره:
إن كان قتلي في الهوى يتعيّن ... يا قاتلي فبسيف طرفك أهون
حسبي وحسبك أن تكون مدامعي ... غسلي وفي ثوب السّقام أكفّن
عجبا لخدّك وردة في بانة ... والورد فوق البان ما لا يمكن
أدنته لي سنة الكرى فلثمته ... حتّى تبدّل بالشّقيق السّوسن
ووردت كوثر ثغره فحسبتني ... في جنّة من وجنيته أسكن
ما راعني إلّا بلال الخال من ... خدّيه في صبح الجبين يؤذّن
وفيها تاج الدّين الفركاح، فقيه الشام، شيخ الإسلام، أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري الدمشقي الشافعي [٢] .
ولد في ربيع الأول سنة أربع وعشرين وستمائة، وسمع من ابن الزّبيدي، وابن اللّتي، وابن الصّلاح، والسّخاوي، وخلائق.
стр. 3524
وتفقه على الإمامين ابن الصّلاح، وابن عبد السّلام.
وبرع في المذهب وهو شابّ، وجلس للإشغال وله بضع وعشرون سنة، وكتب على الفتاوى وله ثلاثون سنة. وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار.
قال القطب اليونيني: انتفع به جمّ غفير، ومعظم قضاة الشّام وما حولها وقضاة الأطراف تلامذته. وكان- ﵀ عنده من الكرم المفرط وحسن العشرة، وكثرة الصّبر والاحتمال، وعدم الرغبة في التّكثّر من الدنيا، والقناعة والإيثار، والمبالغة في اللّطف، ولين الكلمة والأدب، ما لا مزيد عليه.
وقال الذهبي: فقيه الشام، درّس وناظر وصنّف، وانتهت إليه رئاسة المذهب في الدّنيا، كما انتهت إلى ولده برهان الدّين. وكان من أذكياء العالم، وممن بلغ رتبة الاجتهاد. ومحاسنه كثيرة، وهو أجلّ ممن [١] ينبّه عليه مثلي.
وكان- ﵀ يلثغ بالراء، فسبحان من له الكمال. وكان لطيف اللّحية، قصيرا، حلو الصّورة، مفركح السّاقين: ولهذا قيل له: الفركاح.
وقال ابن قاضي شهبة: كان أكبر من النّووي بسبع سنين، وكان أفقه نفسا، وأزكى قريحة، وأقوى مناظرة، من الشيخ محيي الدّين [٢] ، وأكثر محفوظا منه. وكان قليل المعلوم كثير البركة، وكان مدرّس البادرائية، ولم يكن بيده سواها.
وقال الذهبي: جمع تاريخا مفيدا، وصنّف التصانيف، رأيته وسمعت كلامه في حلقة إقرائه مدّة، وكان بينه وبين النّووي- رحمهما الله- وحشة.
توفي بالبادرائية في خامس جمادى الآخرة ودفن بمقبرة باب الصغير.
стр. 3525
وفيها الأبهري القاضي، شمس الدّين، عبد الواسع بن عبد الكافي بن عبد الواسع الشّافعي [١] .
ولد بأبهر- وهي بالباء الموحدة السّاكنة، مدينة نحو يوم من قزوين- سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وسمع من ابن روزبه وابن الزّبيدي، وطائفة.
وأجاز له أبو الفتح المندائي، والمؤيد ابن الإخوة، وخلق. وسمع منه الحافظ المزّي.
وتوفي في شوال بدمشق بالخانقاه الأسدية.
وفيها الفخر بن البخاري مسند الدّنيا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السّعدي المقدسي الصّالحي الحنبلي [٢] .
ولد في آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وسمع من حنبل، وابن طبرزد، والكندي، وخلق. وأجاز له أبو المكارم اللبّان، وابن الجوزي، وخلق كثير. وطال عمره، ورحل الطلبة إليه من البلاد، وألحق الأسباط بالأجداد في علو الإسناد. قاله في «العبر» .
وقال ابن رجب في «طبقاته» : تفرّد في الدّنيا بالرواية العالية. وتفقه على الشيخ موفق الدّين، وقرأ عليه «المقنع» وأذن له في إقرائه، وصار محدّث الإسلام وراويته. روى الحديث فوق ستين سنة، وسمع منه الأئمة الحفّاظ المتقدّمون، وقد ماتوا قبله بدهر. وخرّج له عمّه [٣] الحافظ ضياء الدّين جزءا من عواليه. وحدّث به كثيرا، سمعناه من أصحابه.
وذكره عمر بن الحاجب في «معجم شيوخه» فقال: تفقه على والده،
стр. 3526
وعلى الشيخ موفق الدّين، قال: وهو فاضل، كريم النّفس، كيّس الأخلاق، حسن الوجه، قاض للحاجة، كثير التّعصب- أي للحقّ- محمود السّيرة.
سألت عمّه الشيخ ضياء الدّين عنه، فأثنى عليه ووصفه بالفعل الجميل [١] والمروءة التّامّة.
وقال الفرضي في «معجمه» : كان شيخا، عالما، فقيها، زاهدا، عابدا، مسندا، مكثرا، وقورا، صبورا على قراءة الحديث، مكرما للطلبة، ملازما لبيته، مواظبا على العبادة، ألحق الأحفاد بالأجداد، وحدّث نحوا من ستين سنة، وتفرّد بالرواية عن شيوخ كثيرة.
وقال الذهبي: كان فقيها، عارفا بالمذهب، فصيحا، صادق اللهجة، يردّ على الطلبة، مع الورع والتّقوى والسّكينة والجلالة، زاهدا، صالحا، خيّرا، عدلا، مأمونا. وقال [٢] : سألت المزّي عنه فقال: أحد المشايخ الأكابر والأعيان الأماثل، من بيت العلم والحديث، ولا نعلم أحدا حصل له من الحظوة في الرّواية في هذه الأزمان مثل ما حصل له.
قال شيخنا ابن تيميّة: ينشرح صدري إذا أدخلت ابن البخاري بيني وبين النّبيّ، ﷺ ، في حديث.
قلت: وقد دخل بيني وبين النّبيّ ﷺ ، في أحاديث لا تحصى، منها:
الحديث المسلسل بالحنابلة الذي يقال له: «سلسلة الذّهب» [٣] ولا يوجد حديث أصحّ منه، وهو ما حدّثني به أستاذي الشيخ أيوب بن أحمد بن أيوب، وكان حنبليا، ثم تحنّف، وهو سبط الشيخ موسى الحجاوي الحنبلي،
стр. 3527
قال: روينا عن الشيخ إبراهيم- يعني ابن الأحدب- قال: روينا بعموم الإذن إن لم يكن سماعا عن النّجم بن حسن الماتاني الحنبلي قال: ثنا أبو المحاسن يوسف بن عبد الهادي الحنبلي، ثنا جدّي أحمد بن عبد الهادي الحنبلي «ح» قال: ابن الماتاني: وأنبأنا أيضا محمد بن أبي عمر الحنبلي المعروف بابن زريق، ثنا عبد الرحمن بن الطّحّان الحنبلي بقراءتي عليه، قالا: ثنا الصّلاح محمد بن أحمد بن أبي عمر الحنبلي، ثنا علي ابن أحمد بن عبد الواحد الحنبلي المعروف بابن البخاري، ثنا حنبل بن عبد الله البغدادي الحنبلي، ثنا محمد بن الحصين الحنبلي، ثنا الحسن بن علي بن المذهب الحنبلي، ثنا أحمد بن جعفر القطيعي الحنبلي، ثنا عبد الله بن الإمام أحمد الحنبلي، ثنا إمام السّنّة وحافظ الأمّة الصّدّيق الثاني الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، إمام كل حنبليّ في الدّنيا، ﵁، ثنا محمد بن إدريس الشافعي، ثنا مالك بن أنس، عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» [١] . «ونهى عن النّجش» [٢] و «نهى عن بيع حبل الحبلة» [٣] و «نهى عن المزابنة» [٤] . والمزابنة: بيع الرّطب بالتّمر كيلا، وبيع الكرم بالزّبيب كيلا» . انتهى، والله أعلم، وله الحمد والمنّة.
وقال الذهبي: وهو آخر من كان في الدنيا بينه وبين النّبيّ ﷺ ، ثمانية رجال ثقات.
стр. 3528
وقال ابن رجب: حدّث ببلاد كثيرة، بدمشق، ومصر، وبغداد، والموصل، وتدمر، والرّحبة، والحديثة، وزرع.
وتكاثرت عليه الطلبة من نحو الخمسين وستمائة، وازدحموا عليه بعد الثمانين، وروى عنه من الحفّاظ ما لا يحصى [١] ، منهم: ابن الحاجب، والزّكي المنذري، والرّشيد العطّار، والدّمياطي، وابن دقيق العيد، والحارثي، والشيخ تقي الدّين بن تيميّة. وبقيت طلبته وجماعته إلى نيّف وسبعين وسبعمائة، وهذه بركة عظيمة.
ومن شعره:
تكررت السّنون عليّ حتّى ... بليت وصرت من سقط المتاع
وقلّ النّفع عندي غير أني ... أعلّل بالرّواية والسّماع
فإن يك خالصا فله جزاء ... وإن يك مانعا فإلى ضياع
وله:
إليك اعتذاري من صلاتي قاعدا ... وعجزي عن سعي إلى الجمعات
وتركي صلاة الفرض في كلّ مسجد ... تجمّع فيه النّاس للصّلوات
فيا ربّ لا تمقت صلاتي ونجّني ... من النّار واصفح لي عن الهفوات
وتوفي- رحمه الله تعالى- ضحى يوم الأربعاء ثاني شهر ربيع الآخر، وصلّي عليه وقت الظهر بالجامع المظفّري، ودفن عند والده بسفح قاسيون، وكانت له جنازة مشهودة، شهدها القضاة والأمراء والأعيان، وخلق كثير.
وفيها ابن الزّملكاني الإمام المفتي علاء الدّين أبو الحسن [٢]
стр. 3529
علي بن العلّامة البارع كمال الدّين عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري السّماكي الدمشقي الشّافعي [١] مدرّس الأمينية.
توفي في ربيع الآخر، وقد نيّف على الخمسين.
سمع من خطيب مراد، والرّشيد العطّار، ولم يحدّث. قاله في «العبر» .
وفيها الفخر الكرخي [٢] أبو حفص عمر بن يحيى بن عمر الشّافعي [٣] ولد سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالكرخ [٤] . وتفقه بدمشق على ابن الصّلاح وخدمه مدّة. وسمع من البهاء عبد الرحمن، وابن الزّبيدي وطائفة، وليس ممن يعتمد عليه في الرّواية. توفي هو والفخر ابن البخاري في يوم واحد.
وفيها أبو محمد غازي الحلاوي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الدّمشقي [٥] . سمع من حنبل، وابن طبرزد، وعمّر دهرا، وانتهى إليه علو الإسناد بمصر، وعاش خمسا وتسعين سنة. وتوفي في رابع صفر بالقاهرة.
وفيها الشّهاب بن مزهر الشيخ [٦] أبو عبد الله محمد بن عبد الخالق بن مزهر الأنصاري الدمشقي المقرئ [٧] .
стр. 3530
قرأ القراءات على السّخاوي وأقرأها، وكان فقيها، عالما، وقف كتبه بالأشرفية.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن بن أبي الفتح الصّوري الصّالحي [١] .
ولد سنة إحدى وستمائة، وسمع من الكندي، وابن الحرستاني [٢] وطائفة، وببغداد من أبي علي بن الجواليقي وجماعة. وأجاز له ابن طبرزد وجماعة. وكان آخر من سمع من الكندي موتا.
توفي في منتصف ذي الحجّة.
وفيها ابن المجاور نجم الدّين أبو الفتح يوسف ابن الصّاحب يعقوب بن محمد بن علي الشّيباني الدمشقي الكاتب [٣] .
ولد سنة إحدى وستمائة، وسمع من الكندي، وعبد الجليل بن مندويه وجماعة، وتفرّد برواية «تاريخ بغداد» عن الكندي.
وتوفي في الثامن والعشرين من ذي القعدة.
وكان ديّنا، ومصلّيا، إلّا أنه يخدم في المكس. قاله في «العبر» .
стр. 3531
سنة إحدى وتسعين وستمائة
فيها نازل السّلطان الملك الأشرف قلعة الرّوم وهي مجاورة لقلعة البيرة وأهلها نصارى من تحت طاعة التتار، فنصب عليها المجانيق، وجدّ في حصارها، وفتحت بعد خمسة وعشرين يوما في رجب.
وما أحسن ما قال الشّهاب محمود في كتاب «الفتح» : فسطا خميس الإسلام يوم السبت على أهل الأحد، فبارك الله للأمّة في سبتها وخميسها.
وفيها توفي الزّكي المعرّيّ إبراهيم بن عبد الرحمن بن أحمد بن المغربي البعلي [١] الفقيه الحنبلي [٢] ، الزّاهد العابد أبو إسحاق.
حضر على الشيخ الموفق، وسمع من البهاء عبد الرحمن وغيره، وتفقه، وحفظ «المقنع» وكان صالحا، عابدا، زاهدا، ورعا. اجتمعت الألسن على مدحه والثناء عليه.
ذكره ابن اليونيني.
وقال الذهبي: كان من أعبد البشر.
توفي ليلة السبت سابع شوال ببعلبك، وله إحدى وثمانون سنة.
стр. 3532
وفيها ابن دبوقا المقرئ المحقّق أبو الفضل جعفر بن القاسم بن جعفر بن حبيش الرّبعي [١] الضّرير. قرأ القراءات على السّخاوي وأقرأها، وله معرفة متوسطة وشعر جيد. توفي في رجب. قاله في «العبر» .
وفيها سعد الدّين الفارقي الأديب البارع المنشئ أبو الفضل، سعد الله بن مروان الكاتب [٢] .
قال الذهبي: هو أخو شيخنا زين، سمع من ابن رواحة، وكريمة، وطائفة. وكان بديع الكتابة معنى وخطا.
توفي في رمضان بدمشق وهو في عشر الستين.
وفيها السّيف عبد الرحمن بن محفوظ بن هلال الرّسعني [٣] ، أحد الشهود تحت السّاعات.
كان عدلا، صالحا، ناسكا. روى عن الفخر ابن تيميّة وغيره، وأجاز له عبد العزيز بن منينا وجماعة، وتوفي في المحرّم عن بضع وثمانين سنة.
وفيها ابن صصرى العدل علاء الدّين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن أبي الفتح التّغلبي الدمشقي الضرير [٤] . آخر من روى «صحيح البخاري» عن عبد الجليل بن مندويه، والعطّار. توفي في شعبان.
وفيها الخبّازي الإمام العلّامة جلال الدّين أبو محمد عمر بن محمد بن عمر الخجندي الحنفي [٥] .
стр. 3533
كان فقيها، بارعا، زاهدا، ناسكا، عارفا بالمذهب. صنّف في الفقه والأصلين، وأفتى، ودرّس، ثم جاور بمكة سنة، ثم رجع إلى دمشق فدرّس بالخاتونية التي على الشّرف القبلي إلى أن توفي في آخر ذي الحجّة عن اثنتين وستين سنة، ودفن بالصّوفية [١] ، رحمه الله تعالى.
وفيها وكيل بيت المال، خطيب دمشق، زين الدّين أبو حفص عمر بن مكّي بن عبد الصّمد الشّافعي الأصولي المتكلم [٢] . توفي في ربيع الأول.
وفيها العماد الصّائغ محمد بن عبد الرحمن بن ملهم القرشي الدمشقي [٣] . روى عن ابن البنّ حضورا، وعن ابن الزّبيدي، وتوفي في شعبان عن بضع وسبعين سنة.
وفيها الصّاحب فتح الدّين محمد بن المولى محيي الدّين عبد الله بن عبد الظّاهر المصري الكاتب [٤] الموقع. روى عن ابن الجمّيزي، وتوفي بدمشق في رمضان.
وفيها ابن أبي عصرون نور الدّين محمود بن القاضي نجم الدّين عبد الرحمن بن أبي سعد بن أبي عصرون التّميمي [٥] . روى عن المؤيد الطّوسي بالإجازة، وتوفي في رمضان.
стр. 3534
وفيها النّجم أبو بكر بن أبي العزّ [١] مشرف الكاتب الأديب، ويعرف بابن الحردان [٢] .
كان لغويا، أخباريا، فصيحا، متقعّرا. له شعر جيد. توفي في صفر قاله في «العبر» .
стр. 3535
سنة اثنتين وتسعين وستمائة
فيها سلّم صاحب سيس قلعة بهنسا للسلطان صفوا عفوا، وضربت البشائر في رجب.
وفيها توفي تقي الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل بن الواسطي الصالحي [١] الفقيه الحنبلي الزّاهد، شيخ الإسلام، بركة الشّام، قطب الوقت.
ولد سنة اثنتين وستمائة، وسمع بدمشق من ابن الحرستاني، وابن البنّا، والشيخ موفق الدّين، وابن أبي لقمة، وخلق. ورحل في طلب الحديث والعلم. فسمع ببغداد من الفتح بن عبد السّلام، وابن الجواليقي، وغيرهما. وبحلب من عبد الرحمن بن علوان. وبحرّان من أحمد بن سلامة. وبالموصل من أبي العزّ القسطلي.
وعني بالحديث، وقرأ بنفسه. وله إجازات من جماعات من الأصبهانيين والبغداديين. وتفقه في المذهب، وأفتى، ودرّس بالمدرسة الصّاحبة [٢] بقاسيون نحوا من عشرين سنة، وبمدرسة الشيخ أبي عمر. وولي
стр. 3536
في آخر عمره مشيخة دار الحديث الظّاهرية. وكان من خير خلق الله تعالى علما، وعملا.
قال الذهبيّ: قرأت بخطّ العلّامة كمال الدّين ابن الزّملكاني في حقّه:
كان كبير القدر، له وقع في القلوب، وجلالة، ملازما للتعبّد ليلا ونهارا. قائما بما يعجز عنه غيره، مبالغا في إنكار المنكر، بايع نفسه فيه، لا يبالي على من أنكر. يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويعظم الشّعائر والحرمات. وعنده علم جيد وفقه حسن. وكان داعية إلى عقيدة أهل السّنّة والسّلف الصّالح. مثابرا على السّعي في هداية من يرى فيه زيغا عنها.
وقال البرزالي: تفرّد بعلو الإسناد وكثرة الروايات والعبادة، ولم يخلّف [١] مثله.
توفي آخر نهار الجمعة في جمادى الآخرة، ودفن بتربة الشيخ موفق الدّين.
وفيها الفاضلي جمال الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن داود بن ظافر العسقلاني ثم الدمشقي المقرئ [٢] صاحب السّخاوي. ولي مشيخة الإقراء بتربة أمّ الصّالح مدّة. وسمع من ابن الزّبيدي وجماعة، وكتب الكثير. وتوفي في مستهل جمادى الأولى.
وفيها الأرموي الشيخ الزّاهد إبراهيم ابن الشيخ القدوة عبد الله [٣] .
روى عن الشيخ الموفّق وغيره، وتوفي في المحرّم، وحضر جنازته الملوك والأمراء والقضاة. وحمل على الرؤوس. وكان صالحا، خيّرا، متقنا، قانتا لله تعالى.
стр. 3537
وفيها أبو العبّاس أحمد بن علي بن يوسف الحنفي [١] المعدّل.
سبط عبد الحقّ بن خلف، ووالد قاضي الحصن. روى عن موسى بن عبد القادر والشيخ الموفق، وتوفي في صفر بنواحي البقاع.
وفيها ابن النّصيبي، الرئيس كمال الدّين أحمد بن محمد بن عبد القاهر الحلبي [٢] . آخر من حدّث عن الافتخار الهاشمي، وثابت بن مشرف، وأبي محمد بن الأستاذ. توفي بحلب في المحرّم.
وفيها تقيّ الدّين أحمد بن أبي الطّاهر بن أبي الفضل المقدسي الصّالحي [٣] شيخ صالح. روى عن الموفق، والقزويني، وتوفي في رجب.
وفيها صفية بنت الواسطي أخت الشيخ إبراهيم المذكور، أول هذه السنة، روت عن الموفّق، وابن راجح، وتوفيت في ذي الحجّة عن نيف وثمانين سنة.
وفيها محيي الدّين عبد الله بن عبد الظّاهر بن نشوان المصري الأديب [٤] كاتب الإنشاء وأحد البلغاء المذكورين. توفي بمصر.
وفيها المكين الأسمر عبد الله بن منصور الإسكندراني [٥] . شيخ القراء بالإسكندرية. أخذ القراءات عن أبي القاسم بن الصّفراوي، وأقرأ الناس مدّة.
وفيها التّقيّ عبيد بن محمد الإسعردي الحافظ [٦] نزيل القاهرة.
стр. 3538
سمع الكثير من أصحاب السّلفي، وخرّج لغير واحد، وتوفي في هذا العام، وكان ثقة.
وفيها السّيف عليّ بن الرّضى عبد الرحمن بن عبد الجبّار المقدسي الحنبلي [١] ، نقيب الشيخ شمس الدّين. سمع من ابن البنّ، والقزويني، وحضر موسى، والموفّق، وتوفي في شوال.
وفيها ابن الأعمى، صاحب «المقامة» البحرية كمال الدّين علي بن محمد بن المبارك [٢] الأديب الشاعر. روى عن ابن اللّتي وغيره، وتوفي في المحرم عن سنّ عالية.
ومن شعره في حمّام ضيّق ليس فيه ماء بارد:
إن حمّامنا الذي نحن فيه ... قد أناخ العذاب فيه وخيّم
مظلم الأرض والسّما والنّواحي ... كلّ عيب من عيبه يتعلّم
حرج بابه كطاقة سجن ... شهد الله من يجز [٣] فيه يندم
وبه مالك غدا خازن النّا ... ر بلى مالك أرقّ وأرحم
كلّما قلت قد أطلت عذابي ... قال لي أخسأ فيه ولا تتكلّم
قلت لما رأيته يتلظّى ... ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم
وفيها ابن فرقين الأمير ناصر الدّين علي بن محمود بن فرقين [٤] .
أجاز له الكندي، وسمع من القزويني وغيره، وتوفي في شعبان.
стр. 3539
وفيها ابن الأستاذ عز الدّين أبو الفتح عمر بن محمد بن الشيخ أبي محمد عبد الرّحمن بن عبد الله بن علوان الأسدي الحلبي [١] ، مدرّس المدرسة الظّاهرية التي بظاهر دمشق. روى «سنن ابن ماجة» عن عبد اللّطيف، وتوفي في ربيع الأول.
وفيها أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ترجم [٢] المصري. آخر من روى «جامع الترمذي» عن علي بن البنّاء.
стр. 3540
سنة ثلاث وتسعين وستمائة
فيها قتل الملك الأشرف صلاح الدّين خليل بن الملك المنصور سيف الدّين [١] ولي السلطنة بعد والده في ذي القعدة، سنة تسع وثمانين، وفتك به الأمير بيدرا [٢] ، وذلك أنه جهّز العسكر مع وزيره إلى القاهرة، وتخلّى بنفسه ليخلو مع خاصيته بسبب الصّيد، وترك نائبه الأمير بيدرا [٢] تحت الصّناجق، فلما كان وقت العصر وهو جالس بمفرده، قدم الأمير بيدرا [٢] وصحبته جماعة من الأمراء، فقتلوا السلطان وحلفوا لبيدرا [٣] وسلطنوه. ولقّب بالملك القاهر، وتوجهوا إلى مصر، فلقيهم الخاصكية ومقدّمهم الأمير زين الدّين كتبغا، فحملوا عليهم، فانهزم الأمير بيدرا [٢] ، فأدركوه وقتلوه ومسكوا باقي الأمراء فقتلوهم، وأقاموا الملك النّاصر وحلفوا له، واستقرّ الشّجاعي وزيرا.
ومسك ابن السّلعوس [٤] واستأصلوا أمواله، ومسكوا أقاربه وذويه، وكان قد أحضرهم من الشّام، فحلّت عليهم النّقمة، إلّا رجل واحد لم يحضر من الشام، وكتب إليه شعرا: