← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اسمه طاووسا فلما تخنّث سمّي طويسا [١] وكان مجوّدا في المغني، وإياه عنى الشاعر في مدح معبد [٢] تغنّى طويس والسّريجيّ [٣] بعده ... وما قصبات السبق إلّا لمعبد [٤] وضرب المثل بشؤمه [٥] ، وقيل: لأنه ولد يوم مات النبيّ ﷺ ، وفطم يوم مات الصّدّيق، وختن [٦] يوم قتل عمر، وقيل: بلغ الحلم في ذلك اليوم [٧] وتزوج يوم قتل عثمان، وقيل: ولد له ولد يوم قتل عليّ، وقيل يوم مات الحسن بن عليّ ﵃، وهذا من عجائب الاتفاقات. وكان مفرطا في طوله، مضطربا في خلقه، أحول العين، انتقل [٨] عن المدينة إلى السّويداء على مرحلتين منها في طريق الشام، وتوفي هناك.

стр. 352

سنة ثلاث وتسعين فيها افتتح قتيبة بن مسلم عدّة فتوح، وهزم التّرك، ونازل سمرقند في جيش عظيم، ونصب المجانيق [١] عليها، فجاءت نجدة التّرك، فأكمن لهم كمينا، فالتقوا في نصف الليل، فاقتتلوا قتالا عظيما، ولم يفلت من الترك إلّا اليسير، وافتتحها صلحا، وبنى بها الجامع والمنبر، وقيل: صالحهم على مائة ألف رأس [٢] وعلى بيوت النار وعلى حلية [٣] الأصنام، فسلبت [٤] ثم وضعت الأصنام بين يديه، فكانت كالقصر العظيم، فأحرقها، ثم جمعوا ما بقي منها من مسامير الذّهب والفضة، فكانت خمسين ألف مثقال، واستعمل على البلد ابنه عبد الله [٥] ، ورد إلى مرو [٦] .

стр. 353

وفيها كانت الفتوح بأرض المغرب، والأندلس، وبأرض الروم، وبأرض الهند، ولم يفتح المسلمون منذ خلافة عثمان مثل هذه [١] الفتوح التي جرت بعد التسعين شرقا وغربا، فلله الحمد والمنّة. وفيها توفي من سادات الصحابة خادم رسول الله ﷺ أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاريّ النّجاريّ، وقيل: توفي سنة تسعين، أو إحدى أو اثنتين وتسعين، قدم النبيّ ﷺ المدينة وله عشر سنين، فخدمه، ودعا له بكثرة المال والولد والبركة فيهما، وفيما أوتي، فدفن لصلبه إلى مقدم الحجّاج البصرة مائة وعشرين، وكان نخله يثمر في العام مرتين [٢] . وبلال بن أبي الدّرداء، روى عن أبيه، ووليّ إمرة دمشق [٣] . وأبو الشّعثاء جابر بن زيد، الذي قال فيه ابن عبّاس: لو أنّ أهل البصرة نزلوا على [٤] قول أبي الشّعثاء لأوسعهم علما عمّا في كتاب الله . وأبو الخطّاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشيّ المخزوميّ، الشاعر المشهور، قيل: لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير المجون والتغزّل بالثّريّا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث بن أميّة بن عبد شمس الأموية، التي جدّتها قتيلة بالتصغير ابنة النّضر بن الحارث المنشدة في قتل [٥]

стр. 354

أبيها يوم بدر الأبيات [١] وقال النبيّ ﷺ : «لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته» [٢] . واستدلّ بهذا القول الصحيح أنّ النبيّ ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام. وكانت الثّريّا موصوفة بارعة الجمال، وتزوّجها سهيل بن عبد الرّحمن بن عوف، ونقلها إلى مصر، وفيهما يقول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان

стр. 355

هي شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يماني [١] وهو القائل: إنّ من أكبر الكبائر عندي ... قتل بيضاء خودة عطبول كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول [٢] ولد عمر هذا في ليلة قتل عمر بن الخطّاب ﵁، وذلك ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين، وكان الحسن البصري يقول فيها: أيّ حق رفع؟ وأيّ باطل وضع؟ يعني مقتل عمر [٣] ووضع عمر [٤] وكان جدّه أبو ربيعة يلقّب بذي الرمحين، وأبوه عبد الله [أخو أبي جهل بن هشام لأمه، توفي في سفينة غرقا، وعمره سبعون سنة أو ثمانون. وفيها على الصحيح] [٥] وقيل: سنة تسعين توفي أبو العالية رفيع بن مهران الرّياحي [٦] مولاهم البصري المقرئ المفسّر، دخل على أبي بكر، وقرأ القرآن على أبيّ، وكان ابن عبّاس يرفعه على السرير وقريش أسفل. وقال أبو بكر بن أبي داود [٧] : ليس بعد الصحابة أحد أعلم، بالقرآن من أبي العالية، وبعده سعيد بن جبير.

стр. 356

قال ابن قتيبة: حجّ أبو العالية ستين حجّة [١] . وقال الأصمعي [٢] : كان أبو العالية، ومكحول جميلين،- يعني مكحول الأزدي- وكان مزّاحا. قال مسلم بن إبراهيم: سألت أبا العالية عن قتل الذّرّ [٣] فجمع منهن شيئا كثيرا وقال: مساكين ما أكيسهن، ثم قتلهن وضحك [٤] .

стр. 357

وفيها توفي السيد الجليل زرارة بن أوفى العامريّ أبو حاجب، قاضي البصرة، قرئ في صلاة الصبح فَإِذا نُقِرَ في النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ٧٤: ٨- ٩ [المدثر: ٨- ٩] فخرّ ميتا [١] . وفيها عبد الرّحمن بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، ولد في عهد النبيّ ﷺ ، وروى عن الصحابة، وولى قضاء المدينة، وعن الأعرج [٢] قال: ما رأيت بعد الصحابة أفضل منه.

стр. 358

سنة أربع وتسعين فيها غزا قتيبة بن مسلم فرغانة [١] فافتتحها بعد قتال عظيم، وبعث جيشا فافتتحوا الشّاش [٢] . وفيها افتتح مسلمة سدرة [٣] من أرض الروم. وتوفي الإمام السّيّد الجليل أبو محمّد سعيد بن المسيّب المخزوميّ المدنيّ، أحد أعلام الدّنيا، [و] سيّد التابعين. قال ابن عمر: لو رأى رسول الله ﷺ هذا لسرّه. وقال مكحول، وقتادة، والزّهري، وغيرهم: ما رأينا أعلم من ابن المسيّب.

стр. 359

قال عليّ بن المديني: لا أعلم في التّابعين أوسع علما منه، وهو عندي أجلّ التابعين. وقال أحمد العجليّ: كان لا يأخذ العطاء، وله أربعمائة دينار يتّجر بها في الزّيت. وقال مسعر [١] : عن سعد ابن إبراهيم قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر مني، سمع من الصحابة، وجلّ روايته عن أبي هريرة، وكان تزوّج ابنته. قال قتادة: ما جمعت علم الحسن [٢] إلى علم أحد إلّا وجدت له عليه فضلا، غير أنّه كان إذا أشكل عليه شيء، كتب إلى ابن المسيّب، يسأله. وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزّبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، فقيه مكّة عطاء، وفقيه اليمن طاووس، وفقيه اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه البصرة الحسن البصريّ، وفقيه الكوفة إبراهيم النّخعيّ، وفقيه الشّام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراسانيّ، إلّا المدينة، فإن الله تعالى حرسها بقرشيّ فقيه غير مدافع سعيد بن المسيّب، وهو من فقهاء المدينة، جمع بين الحديث، والتفسير، والفقه، والورع، والعبادة. وعنه [٣] قال: حججت أربعين حجّة، وما فاتني التكبيرة الأولى [٤] منذ

стр. 360

خمسين سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة. وعطّل المسجد النّبويّ أيام الحرّة [١] ولم يبق فيه غيره، وكان لا يعرف أوقات الصلاة إلّا بهمهمة يسمعها داخل الحجرة المقدّسة، وخطب ابنته بعض ملوك بني أمية، فزوّجها فقيرا من الطّلبة، وسيّرها إلى بيته، ثم زارها بعد ذلك ووصلها بشيء من عنده، وكانت ابنة أبي هريرة تحته، وكان جابر بن الأسود على المدينة دعاه إلى بيعة ابن الزّبير فأبى، فضربه ستين سوطا، وضرب أيضا هشام بن إسماعيل ستين سوطا، وطاف به [٢] في المدينة في تبّان [٣] من شعر، وذلك أنه دعاه إلى البيعة لسليمان، والوليد بالعهد فلم يفعل. وكان مولده لسنتين مضتا من خلافة عمر، ووفاته بالمدينة. وولد لسعيد محمّد، وكان نسّابة، فنفى قوما من المخزومين، فرفع ذلك إلى الوالي، فجلده الحدّ. وكان لسعيد غيره من الولد، وبرد مولاه، قال له: يا برد، إياك أن تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عبّاس. وقال: كل حديث حدثكموه برد ليس مع غيره مما تنكرونه فهو كذب. وبالجملة فمناقبه ومآثره تفوت الحصر، وقد صنّف فيها. وفيها أيضا توفي أحد فقهاء المدينة السبعة [٤] أبو محمّد عروة ابن

стр. 361

الزّبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ، الفقيه، الحافظ، جمع العلم، والسيادة، والعبادة. ولد في سنة تسع وعشرين، وحفظ عن والده، وكان يصوم الدّهر [١] ومات صائما، واشتهر أنه قطعت رجله وهو في الصلاة لأكلة [٢] وقعت فيها، ولم يتحرّك حتى لم يشعر الوليد بن عبد الملك بذلك وهو عنده، حتى كويت، فوجد رائحة الكيّ. قال الزّهريّ: رأيته بحرا لا تكدّره الدّلاء. ودخل على عبد الملك بعد قتل أخيه [٣] وسأله سيف الزّبير، فأخرجوا له السيوف، فأخذ منها سيفا مفلّلا فعرفه، وبئره أعذب بئر في المدينة اليوم [٤] . توفي في قرية له دون الفرع بضم الفاء وتسكين الراء من ناحية الرّبذة على أربع ليال من المدينة، ذات نخل ومياه. وهو شقيق عبد الله، أمهما أسماء بنت أبي بكر، بخلاف مصعب، فإنّ أمّه أخرى، وكان عبد الملك بن مروان يقول: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى عروة بن الزّبير، وسبب ذلك أنهم اجتمعوا في المسجد الحرام وتمنّوا، وكان أمنية [٥] عروة الزّهد في الدّنيا، والفوز بالجنة، فلما نال كلّ امرئ منهم أمنيته، كان في ذلك دليل على نيل أمنية عروة.

стр. 362

وقد نظم بعض الفضلاء فقهاء المدينة السبع فقال: ألا كلّ من لا يقتدي بأئمّة ... فقسمته ضيزى عن الحقّ خارجة فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجة [١] وفيها مات أيضا أحد الفقهاء السبعة، أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، الملقّب براهب قريش لعبادته وفضله، استصغر يوم الجمل فردّ هو وعروة، وكان مكفوفا وأبوه الحارث من الصحابة، وهو أخو أبي جهل لأمه. وهذه السّنة تسمّى سنة الفقهاء، لأنها مات فيها جماعة منهم، وإنما قيل: الفقهاء السبعة، لأنهم كانوا بالمدينة في عصر واحد ينشر عنهم العلم والفتوى [٢] وكان في عصرهم جماعة من فقهاء التابعين مثل: سالم بن عبد الله بن عمر، وغيره، فلم يكن لهم مثل مالهم. وفيها زين العابدين عليّ بن الحسين الهاشميّ، وولد سنة ثمان وثلاثين بالكوفة، أو سنة سبع، سمّي زين العابدين لفرط عبادته، وكان ورده في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات. وكان يوم استشهد والده مريضا فلم يتعرّضوا له. وكان عبد الملك يحترمه ويجلّه، وأمّه سلّامة [٣] ، وقيل: غزالة بنت يزدجرد ملك فارس [٤] سبيت [٥] ثالثة ثلاث من بناته في خلافة عمر، أمر عمر

стр. 363

ببيعهنّ، فأشار عليّ، بتقويمهن، ويأخذهنّ من اختارهنّ، فأخذهنّ عليّ فدفع واحدة لعبد الله بن عمر، وأخرى لولده الحسين، وأخرى لمحمّد بن أبي بكر الصّدّيق فولدن [١] سالما، وزين العابدين، والقاسم بن محمّد، فهم بنو خالة، وكان أهل المدينة يكرهون السراري حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة، وفاقوا فقهاء المدينة ورعا، فرغبت النّاس في السّراري. ومن برّ زين العابدين لأمه، أنّه كان لا يأكل معها في صحفة [٢] ويقول: أخشى أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه. ومن قوله: إن لله عبّادا عبدوه رهبة، فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة، فتلك عبادة التّجار، وآخرين عبدوه شكرا، فتلك عبادة الأحرار، وتكلم فيه رجل وافترى عليه، فقال له: إن كنت كما قلت فأستغفر الله، وإن لم أكن كما قلت، فالله يغفر لك، فقبّل رأسه وقال: جعلت فداك، لست كما قلت، فاغفر، قال: غفر الله لك، فقال له الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته [٣] . وقصّته مع هشام والفرزدق، ومدح الفرزدق له مشهورة نذكر شيئا منها عند ذكر الفرزدق إن شاء الله تعالى [٤] . قال الزّهري: ما رأيت أحدا أفقه من زين العابدين، لكنّه قليل الحديث. وقال أبو حازم الأعرج: ما رأيت هاشميّا أفضل منه. وعن سعيد بن المسيّب قال: ما رأيت أورع منه.

стр. 364

وقال مالك: بلغني أن عليّ بن الحسين كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات. وكان يسمّى زين العابدين لعبادته. وفيها، وقيل: سنة أربع ومائة، أبو سلمة [١] بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ المدنيّ، أحد الأئمة الكبار، قال الزّهري: أربعة وجدتهم بحورا: عروة، وابن المسيّب، وأبو سلمة، وعبيد الله. وفيها تميم بن طرفة الطّائي الكوفي، ثقة له عدة أحاديث [٢] .

стр. 365

سنة خمس وتسعين فيها أراح الله العباد والبلاد بموت الحجّاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الطائفيّ، في ليلة مباركة على الأمّة، ليلة سبع وعشرين من رمضان، وله ثلاث، وقيل: أربع أو خمس وخمسون سنة، أو دونها، وكان شجاعا مقداما [مهيبا] [١] مفوّها، فصيحا، سفّاكا، ولي الحجاز سنين [٢] ثم العراق، وخراسان عشرين سنة، وأقره الوليد على عمله بعد أبيه، وقيل لابن سيرين [٣] : رأيت حمامة بيضاء حسنة على سرادقات المسجد، فجاء صقر فاختطفها، فقال ابن سيرين إن صدقت رؤياك تزوّج الحجّاج ابنة جعفر الطّيّار، فلما تزوّجها قيل لابن سيرين: من أين أخذت ذلك، فقال: الحمامة امرأة، وبياضها حسنها، والسّرادقات شرفها، فلم أر بالمدينة أنقى حسنا ولا أشرف من ابنة جعفر، والصّقر سلطان غشوم، فلم أر أغشم من الحجّاج. وقال ابن قتيبة في «المعارف» : يكنى الحجّاج أبا محمّد، وكان

стр. 366

أخفش [١] دقيق الصوت، وأول ولاية وليها تبالة [٢] فلما رآها احتقرها وانصرف، فقيل في المثل: «أحقر من تبالة على الحجّاج» [٣] وولي شرطة أبان بن مروان في بعض ولايات أبان، فلما خرج ابن الزّبير، وقوتل زمانا، قال الحجّاج لعبد الملك: إني رأيت في المنام [٤] كأني أسلخ عبد الله بن الزّبير، فوجّهني إليه، فوجّهه في ألف رجل، وأمره أن ينزل الطائف حتى يأتيه أمره [٥] ففعل، ثم كتب إليه بقتاله، وأمدّه، فحاصره حتى قتله، ثم أخرجه فصلبه، وذلك في سنة ثلاث وسبعين، فولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، فكان يصلّي بالموسم كلّ سنة، ثم ولّاه العراق وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فوليها عشرين سنة، وأصلحها، وذلّل أهلها، وحدثني أبو اليمان [٦] عن حريز [٧] بن عثمان، عن عبد الرّحمن بن ميسرة، عن أبي عذبة الحضرمي قال:

стр. 367

قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ رابع أربعة من أهل الشام، ونحن حجّاج، فبينا [١] نحن عنده إذ أتاه خبر من العراق بأنهم قد حصبوا إمامهم فخرج إلى الصلاة، ثم قال: من ها هنا من أهل الشام؟ فقمت أنا وأصحابي. فقال: يا أهل الشام تجهّزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، ثم قال: اللهم قد لبّسوا عليّ، فلبّس عليهم، اللهمّ عجّل لهم بالغلام الثّقفيّ، الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم انتهى [٢] . وأمّ الحجّاج الفارعة بنت همام [٣] بن عروة بن مسعود الثقفي، ولدت الحجّاج مشوّها لا دبر له، فنقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثديّ أمه أو غيرها [٤] [فأعياهم أمره] [٥] فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة، وكان تزوج الفارعة قبل أبي الحجّاج، وكان حكيم العرب فقال لهم: ألعقوه دم جدي [٦] يومين، واليوم الثالث ألعقوه دم تيس أسود ثم دم ثعبان [٧] سالخ أسود، واطلوا به وجهه، وأخبرهم أنه يقبل الثدي في اليوم الرابع، فلذلك كان لا يصبر عن سفك الدماء، ويخبر أنه أكبر لذّاته. وله مقحمات عظائم وأخبار مهولة وكان معلّما.

стр. 368

قال ابن قتيبة: كان يعلّم [الصبيان] [١] بالطائف واسمه كليب، وأبوه أيضا يوسف كان معلّما [٢] . وقال مالك [٣] بن الرّيب [٤] في الحجّاج: فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير [٥] زياد فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو العبد المقرّ بذلّه ... يراوح غلمان القرى ويغادي وقال آخر: أينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر رغيف له فلكه ما يرى ... وآخر كالقمر الأزهر يريد أن خبز المعلّمين مختلف. ولما حضرته الوفاة قال للمنجّم: هل ترى ملكا يموت؟ قال: بلى، ولست به، أرى ملكا يموت يسمى كليبا، قال: أنا والله كليب كانت أمي سمّتني. انتهى. وتمثّل حينئذ بقول عبيد بن سفيان العكليّ: يا ربّ قد حلف الأعداء واجتهدوا ... أيمانهم أنّني من ساكني النّار

стр. 369

أيحلفون على عمياء ويحهم ... ما علمهم بعظيم العفو غفّار [١] وكان موته بالأكلة [٢] في بطنه، سوّغه الطبيب لحما في خيط فخرج مملوءا دودا وسلط عليه أيضا [٣] البرد، فكان يوقد النّار تحته وتأجّج حتى تحرق ثيابه [٤] وهو لا يحسّ بها، فشكا [ما يجده] [٥] إلى الحسن البصريّ فقال [له] [٦] ألم أكن نهيتك أن تتعرّض للصالحين [فلججت، فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاء شديدا، وأقام الحجّاج على هذه الحال بهذه العلة خمسة عشر يوما] [٧] فلما أخبر الحسن بموته سجد شكرا، وقال: اللهمّ كما أمته أمت [٨] سنّته [٩] . وكان [١٠] قد رأى أن عينيه قلعتا: وكان تحته هند بنت المهلّب، وهند بنت أسماء بن خارجة فطلّقهما [١١] ليتأوّل رؤياه بهما، فمات ابنه محمّد، وجاءه نعي أخيه محمّد من اليمن، فقال: هذا والله تأويل رؤياي محمّد

стр. 370

ومحمّد في يوم واحد، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ٢: ١٥٦ ثم قال من: يقول شعرا فيسلّيني [به؟] [١] فقال: الفرزدق: إن الرّزيّة لا رزيّة بعدها ... فقد [ان] [٢] مثل محمّد ومحمّد ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد [٣] قيل: قتل مائة ألف وعشرين ألفا، ووجد في سجونه بعد موته ثلاثة وثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، ويقال: إن زياد ابن أبيه أراد [أن] يتشبّه بعمر في ضبطه وسياسته، فتجاوز الحدّ ولم يصب، وأراد الحجّاج أن يتشبّه بزياد فدمّر وأهلك [٤] . وفي شعبان من السنة المذكورة قتل الحجّاج- قاتله الله- سعيد بن جبير الوالبيّ مولاهم الكوفيّ المقرئ، المفسّر، الفقيه، المحدّث، أحد الأعلام، وله نحو من خمسين سنة، أكثر روايته عن ابن عبّاس، وحدّث في حياته بإذنه، وكان لا يكتب الفتاوى مع ابن عبّاس، فلما عمي ابن عبّاس كتب، وروي أنه قرأ القرآن في ركعة في البيت الحرام، وكان يؤمّ النّاس في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وأخرى بقراءة غيرهما، وهكذا أبدا، وقيل: كان أعلم التّابعين بالطّلاق سعيد بن جبير، وبالحجّ عطاء [٥] ، وبالحلال والحرام طاووس [٦] وبالتفسير

стр. 371

مجاهد [١] ، وأجمعهم لذلك سعيد بن جبير، وقتله الحجّاج وما على وجه الأرض أحد إلّا وهو مفتقر إلى علمه. وقال الحسن [٢] يوم قتله: اللهمّ أعن على فاسق ثقيف، والله لو أنّ أهل الأرض اشتركوا في قتله لأكبّهم [٣] الله في النار. وقال أبو اليقظان [٤] : هو- أي سعيد- مولى لبني والبة من بني أسد، ويكنى أبا [٥] عبد الله، وكان أسود، وكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة وهو على القضاء وبيت المال، وكان سعيد مع عبد الرّحمن بن محمّد بن الأشعث بن قيس، لما خرج على عبد الملك بن مروان، فلما قتل عبد الرّحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم [٦] هرب فلحق بمكّة، وكان واليها يومئذ خالد بن

стр. 372

عبد الله القسري، فأخذه وبعث به إلى الحجّاج مع إسماعيل بن أوسط البجلّي، فقال له الحجّاج: يا شقيّ بن كسير أما قدمت الكوفة وليس يؤمّ بها إلّا عربي فجعلتك إماما؟ فقال: بلى، قال: أما ولّيتك القضاء، فضجّ أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح للقضاء إلّا عربيّ، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري، وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك؟ قال: بلى، قال أما جعلتك من سمّاري وكلهم رؤوس [١] العرب؟ قال: بلى، قال: أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرّقها على أهل الحاجة في أول ما رأيتك ثم لم أسألك عن شيء منها؟ قال: بلى، قال: فما أخرجك عليّ؟ قال: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث، فغضب الحجّاج ثم قال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل؟ والله لأقتلنّك؟. وقال أبو بكر الهذليّ [٢] : لما دخل سعيد بن جبير على الحجّاج قام بين يديه، فقال له: أعوذ منك بما استعاذت به مريم بنت عمران حيث قالت: [إِنِّي] أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ١٩: ١٨ [مريم: ١٨] ، فقال له الحجّاج: ما اسمك قال: سعيد بن جبير، قال: شقيّ بن كسير، قال: أمّي أعلم باسمي، قال: شقيت وشقيت أمّك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأوردنّك حياض الموت، قال: أصابت إذا أمّي، قال: فما تقول في محمد ﷺ ؟ قال: نبيّ ختم الله تعالى به الرّسل وصدّق به الوحي، وأنقذ به من الهلكة إمام هدي ونبيّ رحمة، قال: فما تقول في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، إنما استحفظت أمر ديني، قال: فأيّهم

стр. 373

أحبّ إليك؟ قال: أحسنهم خلقا وأرضاهم لخالقه، وأشدّهم فرقا [١] قال: فما تقول في عليّ وعثمان، أفي الجنة هما أو في النار؟ قال: لو دخلتهما فرأيت أهلهما إذا لأخبرتك، فما سؤالك عن أمر غيّب عنك؟ قال: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: مالك تسألني عن امرئ أنت واحدة من ذنوبه؟ قال: فمالك لم تضحك قطّ؟ قال: لم أر ما يضحكني [٢] ، كيف يضحك من خلق من تراب وإلى التراب يعود؟ قال: فإني أضحك من اللهو [٣] قال ليست القلوب سواء، قال: فهل رأيت من اللهو [٤] شيئا، ودعا بالنّاي والعود، فلما نفخ بالنّاي بكى، قال: ما يبكيك؟ قال: ذكّرني يوم ينفخ في الصّور، فأمّا هذا العود فمن نبات الأرض، وعسى أن يكون قد قطع من غير حقّه، وأمّا هذه المغاش والأوتار [٥] فإنها سيبعثها الله معك يوم القيامة، قال: إني قاتلك، قال: إن الله قد وقّت لي وقتا أنا بالغه، فإن يكن أجلي قد حضر فهو أمر قد فرغ منه، ولا محيص ساعة، وإن تكن العافية، فالله تعالى أولى بها، قال: اذهبوا به فاقتلوه، قال: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له [وأن محمدا عبده ورسوله] [٦] استحفظكها يا حجّاج حتى ألقاك يوم القيامة، فلما تولّوا به ليقتلوه ضحك، قال له الحجّاج: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله جلّ وعلا عليك [٧] ثم استقبل القبلة فقال:

стр. 374

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا من الْمُشْرِكِينَ ٦: ٧٩ [الأنعام: ٧٩] قال: اقتلوه عن القبلة، قال: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله واسِعٌ عَلِيمٌ ٢: ١١٥ [البقرة: ١١٥] قال: اضربوا به الأرض، قال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ٢٠: ٥٥ [طه: ٥٥] قال: اضربوا عنقه، قال: اللهمّ لا تحل له دمي ولا تمهله من بعدي [١] فلما قتله لم يزل دمه يجري حتى علا وفاض حتى دخل تحت سرير الحجّاج، فلما رأى ذلك هاله وأفزعه، فبعث إلى صادق [٢] المتطبّب فسأله عن ذلك، قال: لأنك قتلته ولم يهله، ففاض دمه ولم يجمد في جسده، ولم يخلق الله شيئا أكثر دما من الإنسان، فلم يزل به ذلك الفزع حتى منع النّوم، وجعل يقول: مالي ولك يا سعيد بن جبير، وكان في جملة مرضه كلما نام رآه آخذا بمجامع ثوبه يقول: يا عدوّ الله فيم قتلتني، فيستيقظ مذعورا ويقول: مالي ولابن جبير، وقتل ابن جبير، وله تسع وأربعون سنة، وقبره بواسط يتبرك به [٣] . وفيها توفي مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير العامريّ البصريّ، الفقيه العابد المجاب الدّعوة، روى عن عليّ، وعمّار [٤] . وحميد بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ، سمع من خاله عثمان [٥]

стр. 375

وهو صغير، وكان عالما فاضلا مشهورا. والإمام الجليل، فقيه العراق بالاتفاق أبو عمران إبراهيم بن يزيد النّخعيّ، أخذ عن مسروق، والأسود، وعلقمة، ورأى عائشة وهو صغير، والنّخع من مذحج، وقد عدّه ابن قتيبة في «المعارف» من الشيعة [١] ، وقال عنه: وكان مزّاحا، قيل له: إن سعيد بن جبير يقول: كذا، قال: قل له يسلك وادي النّوكى [٢] ، وقيل لسعيد: إنه يقول كذا، قال قل له: يقعد في ماء بارد، ومات وهو ابن ستّ وأربعين سنة، وقال ابن عون: كنت في جنازة إبراهيم، فما كان فيها إلّا سبعة أنفس، وصلّى عليه عبد الرّحمن بن الأسود بن يزيد، وهو ابن خاله. انتهى ملخصا [٣] . وفيها أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ.

стр. 376

سنة ست وتسعين فيها توفي عبد الله بن بسر المازنيّ بحمص، كذا ورّخه عبد الصّمد بن سعيد، وقد مرّ. وفيها قلع الله تعالى قرّة بن شريك القيسي أمير مصر، وكان عسوفا ظالما، قيل: كان إذا انصرف الصّنّاع من بناء جامع مصر دخله فدعا بالخمر والملاهي، ويقول: لنا الليل ولهم النّهار. قال عمر بن عبد العزيز ﵁: الوليد بالشّام، وقرّة بمصر، والحجّاج بالعراق، وعثمان بن حيّان بالحجاز، امتلأت الأرض والله جورا. وفيها في جمادى الآخرة توفي الخليفة أبو العبّاس الوليد بن عبد الملك بن مروان الخليفة، وكان ذميما سائل الأنف يتبختر في مشيه وأدبه ناقص حتى قيل: [إنه] [١] قرأ في الخطبة يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ٦٩: ٢٧ [الحاقة: ٢٧] بضم تاء ليت، ودخل عليه أعرابي فقال: من ختنك؟ قال: المزين فقالوا [٢] : إنما يريد أمير المؤمنين من ختنك؟ قال: نعم، فلان. لكنه كان مع جوره كثير التّلاوة للقرآن، يختم في ثلاث، وفي رمضان سبع

стр. 377

عشرة ختمة، وطاب حاله في دنياه، ورزق سعادة عظيمة مع جانب من الدّين، فبنى جامع دمشق، وافتتح الهند، والتّرك، والأندلس، وتصدّق كثيرا، وروي أنه قال: لولا ذكر الله آل لوط في القرآن ما ظننت أحدا يفعله. وفي أواخرها قتل قتيبة بن مسلم بخراسان، وقد وليها عشرين سنة، قال خليفة: خلع سليمان بن عبد الملك فقتلوه [١] . وكان بطلا شجاعا هزم الكفّار غير مرّة وافتتح عدّة مدائن.

стр. 378

سنة سبع وتسعين فيها توفي سعيد بن مرجانة صاحب أبي هريرة ﵁. وقاضي المدينة طلحة بن عبد الله بن عوف الزّهريّ أحد الطّلحات الموصوفين بالجود، روى عن عثمان، وغيره. وفيها، أو في سنة ثمان توفي قيس بن أبي حازم الأحمسيّ البجليّ الكوفيّ وقد جاوز المائة، سمع أبا بكر، وطائفة من البدريّين، وكان أحد علماء المدينة [١] . وفيها، أو في سنة ست محمود بن لبيد الأنصاريّ الأشهليّ. قال البخاريّ: له صحبة [٢] . وذكره مسلم وغيره في التّابعين، وله عدّة أحاديث، قال بعض المحدّثين حكمها الإرسال [٣] . وفيها حجّ بالناس خليفتهم سليمان بن عبد الملك بن مروان، فتوفي معه بوادي القرى [٤] أبو عبد الرّحمن موسى بن نصير الأعرج، الأمير الذي

стр. 379

افتتح الأندلس وأكثر المغرب، ولم يهزم له جيش قطّ، وكان من رجال العالم حزما، ورأيا، وهمّة، ونبلا وشجاعة، وإقداما، وكان والده نصير على جيوش معاوية، وكان الوليد بن عبد الملك أرسل إلى عمّه وعامله على مصر عبد الله بن مروان: أن أرسل موسى بن نصير إلى إفريقية ففعل، فقدمها معه جماعة من الجند وخرج عليه [١] خارجة من البربر، فوجّه إليهم ولده عبد الله [٢] ، فسبى منهم ما لم يسمع بمثله، بلغ الخمس ستين ألف رأس، وفي بعضها مائة وستين ألفا، ووقع قحط شديد، فخرج بالناس مستسقيا بشروط الاستسقاء، وخطب النّاس فقال له قائل: ألا تدعو لأمير المؤمنين الوليد؟ فقال: هذا مقام لا يذكر فيه غير الله، فسقوا، وانتهت، فتوجّه إلى السّوس [٣] الأدنى ونزل بقية البربر بالطّاعة، وولّى عليهم واليا، وولّى على طنجة وأعمالها مولاه طارق ابن زياد البربريّ، ومهّد البلاد، ولم يبق منازع من البربر ولا من الرّوم، وترك خلقا كثيرا من العرب يعلّمون النّاس القرآن وفرائض الإسلام، ولما تقرّرت القواعد كتب إلى طارق بطنجة يأمره بغزو بلاد الأندلس، فركب البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء، وصعد على جبل يعرف اليوم بجبل طارق، ورأى النبيّ ﷺ ، والخلفاء الأربعة ﵃ يبشّرونه بالفتح وهم يمشون على الماء، وأمره النبيّ ﷺ بالوفاء بالعهد والرّفق

стр. 380

بالمسلمين [١] فجاءه ملك طليطلة في سبعين ألفا ومعه العجل تحمل الأموال والمتاع، فأمر طارق جيش المسلمين بالثبات، والصّبر، والصّدق، والعدوّ أمامهم، وكان النّصر للمسلمين، وافتتحوا إلى ساحل البحر المحيط ولله الحمد.

стр. 381

سنة ثمان وتسعين فيها غزا المسلمون قسطنطينية [١] وعليهم مسلمة بن عبد الملك [٢] . وافتتح يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة جرجان [٣] . وفيها توفي أبو عمرو الشيبانيّ الكوفيّ، واسمه سعد بن إياس عن مائة وعشرين سنة، وكان يقرئ النّاس بمسجد الكوفة، وروى عن عليّ، وابن مسعود. وفيها أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة [٤] الهاشميّ المدنيّ، وهو الذي أوصى إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، وصرف الشيعة إليه، ودفع إليه كتبا، وأسرّ إليه [٥] أشياء. وفيها، أو في التي بعدها توفي أبو عبد عبد الرّحمن الأسود بن يزيد النخعيّ الكوفيّ، الفقيه العابد، أدرك عمر، وسمع من عائشة.

стр. 382

وفيها على الصحيح توفي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ الضرير، أحد الفقهاء السبعة، ومؤدّب عمر بن عبد العزيز، قال ابن الجوزيّ في كتاب «ذمّ الهوى» [١] قدمت امرأة من هذيل المدينة فخطبها الناس وكادت تذهب بعقول أكثرهم لفرط جمالها، فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أحبّك حبّا لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد أحبّك حبّا لا يحبّك مثله ... قريب ولا في العاشقين بعيد وحبّك [٢] يا أمّ الصبيّ مدلّهي ... شهيدي أبو بكر فذاك شهيد ويعلم وجدي قاسم بن محمّد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد ويعلم ما عندي سليمان علمه ... وخارجة يبدي بنا ويعيد متى تسألي عمّا أقول فتخبري ... فلله عندي طارف وتليد فقال سعيد بن المسيّب: فقد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما طمعت أن نشهد لك [٣] بزور. وهؤلاء الذين استشهد بهم، وهو معهم فقهاء المدينة السبعة: أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمّد بن أبي بكر الصّدّيق، وعروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود صاحب الترجمة. وفيها كريب مولى ابن عبّاس، وكان كثير العلم كنزا له، كبير السنّ والقدر.

стр. 383

قال موسى بن عقبة: وضع كريب عندنا عدل بعير من كتب ابن عبّاس. وفيها الفقيهة الفاضلة عمرة بنت عبد الرّحمن الأنصاريّة، نشأت في حجر عائشة، فأكثرت الرواية عنها، وهي العدل الضابطة لما يؤخذ عنها .

стр. 384

سنة تسع وتسعين فيها على خلاف توفي أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤليّ. قال ابن قتيبة [١] : هو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان بن كنانة، وأمّه من بني عبد الدّار بن قصيّ، وكان عاقلا، حازما بخيلا، وهو أول من وضع العربيّة، وكان شاعرا مجيدا، وشهد صفّين مع عليّ بن أبي طالب ﵁، وولي البصرة لابن عبّاس، وفلج بالبصرة ومات بها، وقد أسنّ، فولد عطاء، وأبا حرب، وكان عطاء ويحيى [بن] [٢] يعمر العدواني بعجا [٣] العربية بعد أبي الأسود، ولا عقب لعطاء، وأمّا [أبو] [٤] حرب بن أبي الأسود فكان عاقلا شاعرا، وولّاه الحجّاج جوخى [٥] فلم يزل عليها حتى مات الحجّاج.

стр. 385

وقد روي الحديث عن أبي حرب [وله عقب بالبصرة، وعدد] [١] وهو القائل لولده: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد منكم، ولو شاء أن يوسّع على النّاس كلّهم، حتى لا يكون محتاج، لفعل، [ولا تجهدوا أنفسكم في التوسعة فتهلكوا هزالا] [٢] . وسمع رجلا يقول: من يعشّي الجائع؟ فعشّاه، ثم ذهب السائل ليخرج، فقال: هيهات! على أن لا تؤذي المسلمين الليلة، ووضع رجله في الأدهم [٣] انتهى. وقال ابن الأهدل [٤] : هو ظالم بن عمرو الدّيلي، ويقال: الدؤلي نسبة إلى الدّيل من كنانة، وفتح بعضهم في النسبة لئلا تتوالى الكسرات، كما قالوا في النسبة إلى النّمر: نمري، وهي قاعدة مطوقة، وكان من خواصّ عليّ، وشهد معه صفّين، وكان من كمل الرّجال، وهو أول من وضع النحو، حكى ولده أبو حرب قال: أول ما وضع والدي باب التعجّب، وقيل له: من أين لك النحو، قال: تلقّنت حدوده من عليّ ﵁. انتهى. وباع له دارا [٥] بالبصرة، فقيل له: بعت دارك، فقال: بل بعت جاري، وكان جار سوء. ودخل على بعض الولاة وعليه جبّة رثّة، فقال: يا أبا الأسود أما تملّ هذه الجبّة؟. فقال: رب مملوك لا يستطاع فراقه، فأمر له بمائة ثوب فقال:

стр. 386

كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر وإنّ أحقّ النّاس إن كنت شاكرا ... بشكرك من يعطيك والعرض وافر ومن شعره أيضا: وما طلب المعيشة بالتّمنّي ... ولكن ألق دلوك في الدّلاء تجيء بمثلها طورا وطورا ... تجيء بحمأة وقليل ماء وكان موسرا مبخّلا [١] ، وعوتب في البخل فقال: لو أطعنا الفقراء في مالنا أصبحنا مثلهم. وروي أنه عشّى سائلا لجوجا [٢] وقيده، فقيل له في ذلك، فقال: لئلا يؤذي المسلمين الليلة. وقيل له: عند الموت: أبشر بالمغفرة، فقال: وأين الحياء مما كانت منه المغفرة، وتوفي عن خمس وثمانين سنة. وفيها توفي محمود بن الرّبيع الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، الذي عقل مجّة مجهّا رسول الله ﷺ في وجهه من بئر في دارهم وله أربع سنين. وفيها نافع بن جبير بن مطعم النّوفليّ المدنيّ، وكان هو وأخوه محمد من علماء قريش وأشرافهم، توفي قريبا من أخيه محمّد بن جبير. وفيها توفي عبد الله بن محيريز الجمحيّ المكيّ نزيل بيت المقدس، وكان عابد الشام في زمانه. قال رجاء بن حيوة: إن تفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنّا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز، وإن كنت لأعدّ بقاءه أمانا لأهل الأرض. وفي عاشر صفر مات الخليفة أبو أيّوب سليمان بن عبد الملك الأمويّ

стр. 387

وله خمس وأربعون سنة، وكانت خلافته أقلّ من ثلاث سنين، وكان فصيحا فهما محبّا للعدل والغزو، ذا همّة عالية، جهّز الجيوش لحصار القسطنطينية، وقرّب ابن عمّه عمر بن عبد العزيز، وجعله وزيره ومشيره، وعهد إليه بالخلافة، وكان أبيض مليح الوجه، يضرب شعره منكبيه، وله محاسن. قيل: قال له حكيم: عندي لك أن تأكل ولا تشبع، وتنكح ولا تفتر، ويسودّ شعرك ولا يبيضّ، فقال: كلّهنّ يرغب عنهن العاقل، فمع الأكل كثرة دخول المراحيض، وشمّ الروائح المنتنة، وفي كثرة النّكاح الشّغل بالنّساء، وتسويد الشعر تسويد نور الله تعالى. [١] وقال في «مروج الذهب» [٢] : لما أفضى الأمر إلى سليمان صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله [ ﷺ ] ثم قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، ومن شاء رفع، ومن شاء وضع، أيّها الناس الدّنيا دار غرور وباطل، وزينة وتقلّب بأهلها، تضحك [٣] باكيها، وتبكي ضاحكها، وتخيف آمنها، وتؤمّن خائفها، وتثري فقيرها، وتفقر مثريها، عباد الله: اتّخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه لكم هاديا دليلا، فإنه ناسخ ما قبله، ولا ينسخه ما بعده، واعلموا عباد الله أنه ينفي عنكم كيد الشيطان ومطامعه، كما يجلو ضوء الصّبح إذا أسفر إدبار الليل إذا عسعس، ثم نزل، وأذن للناس عليه، وأقرّ عمّال من كان قبله على أعمالهم، وأقرّ خالد بن عبد الله [القسريّ] [٤] على مكّة. وكان سليمان صاحب أكل كثير يجوز المقدار، كان شبعه في كلّ يوم

стр. 388

من الطّعام مائة رطل عراقيّ [١] وكان ربما أتاه الطّبّاخون بالسّفافيد [٢] التي فيها الدّجاج المشوية وعليه جبّة [٣] الوشي المثقلة [٤] فلنهمه وحرصه على الطّعام يدخل يده في كمّه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارّة فيفصلها. وحدّث المنقري [٥] عن العتبي [٦] عن إسحاق بن إبراهيم [٧] بن الصّبّاح بن مروان، وكان مولى لبني أميّة من أرض البلقاء من أعمال دمشق، وكان حافظا لأخبار بني أميّة قال: لبس سليمان يوما في جمعة من ولايته لباسا تشهّر به وتعطّر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمّ [٨] بواحدة بعد أخرى، حتى رضي منها واحدة، فأرخى من سدولها، وأخذ بيده مخصرة [٩] وعلا منبره ناظرا في عطفيه [١٠] ، وجمع حشمه. و [خطب] [١١]

стр. 389

خطبته التي أرادها، التي يريد يخطب بها الناس، فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك الشابّ السّيّد [١] الحجاب [٢] الكريم الوهّاب، فتمثّلت له جارية [من جواريه] [٣] وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين، قالت: أراه منى النفس، وقرّة العين، لولا ما قال الشاعر، قال: وما قال [الشاعر؟] [٤] قالت قال: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان ليس أنّا يريبنا منك شيء ... علم الله غير أنّك فان فدمعت عيناه، وخرج على النّاس باكيا، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية فقال لها: ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: والله ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبر ذلك ودعا بقيّمة [٥] جواريه فصدّقتها [٦] في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلّا مدّة حتى توفي. وكان يقول: قد أكلنا الطّيّب، ولبسنا اللّيّن، وركبنا الفاره، ولم يبق [٧] لي لذّة إلّا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤونة [٨] التّحفّظ.

стр. 390

ووقف سليمان على قبر ولده أيّوب، وبه كان يكنى، فقال: اللهمّ إني أرجوك له، وأخافك عليه، فحقّق رجائي، وآمن خوفي [١] . وبالجملة فإنّه كان من أحسن بني أميّة حالا، ولو لم يكن له إلّا [٢] ما عمر في مسجد دمشق، وعهده بالخلافة لعمر بن عبد العزيز لكفى، فرحمه الله تعالى وتجاوز عنه.
следующие страницы →