كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإنّ أحقّ النّاس إن كنت شاكرا ... بشكرك من يعطيك والعرض وافر
ومن شعره أيضا:
وما طلب المعيشة بالتّمنّي ... ولكن ألق دلوك في الدّلاء
تجيء بمثلها طورا وطورا ... تجيء بحمأة وقليل ماء
وكان موسرا مبخّلا [١] ، وعوتب في البخل فقال: لو أطعنا الفقراء في مالنا أصبحنا مثلهم.
وروي أنه عشّى سائلا لجوجا [٢] وقيده، فقيل له في ذلك، فقال: لئلا يؤذي المسلمين الليلة.
وقيل له: عند الموت: أبشر بالمغفرة، فقال: وأين الحياء مما كانت منه المغفرة، وتوفي عن خمس وثمانين سنة.
وفيها توفي محمود بن الرّبيع الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، الذي عقل مجّة مجهّا رسول الله ﷺ في وجهه من بئر في دارهم وله أربع سنين.
وفيها نافع بن جبير بن مطعم النّوفليّ المدنيّ، وكان هو وأخوه محمد من علماء قريش وأشرافهم، توفي قريبا من أخيه محمّد بن جبير.
وفيها توفي عبد الله بن محيريز الجمحيّ المكيّ نزيل بيت المقدس، وكان عابد الشام في زمانه.
قال رجاء بن حيوة: إن تفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنّا نفخر عليهم بعابدنا ابن محيريز، وإن كنت لأعدّ بقاءه أمانا لأهل الأرض.
وفي عاشر صفر مات الخليفة أبو أيّوب سليمان بن عبد الملك الأمويّ
стр. 387
وله خمس وأربعون سنة، وكانت خلافته أقلّ من ثلاث سنين، وكان فصيحا فهما محبّا للعدل والغزو، ذا همّة عالية، جهّز الجيوش لحصار القسطنطينية، وقرّب ابن عمّه عمر بن عبد العزيز، وجعله وزيره ومشيره، وعهد إليه بالخلافة، وكان أبيض مليح الوجه، يضرب شعره منكبيه، وله محاسن.
قيل: قال له حكيم: عندي لك أن تأكل ولا تشبع، وتنكح ولا تفتر، ويسودّ شعرك ولا يبيضّ، فقال: كلّهنّ يرغب عنهن العاقل، فمع الأكل كثرة دخول المراحيض، وشمّ الروائح المنتنة، وفي كثرة النّكاح الشّغل بالنّساء، وتسويد الشعر تسويد نور الله تعالى. [١] وقال في «مروج الذهب» [٢] : لما أفضى الأمر إلى سليمان صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على رسوله [ ﷺ ] ثم قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، وما شاء أعطى، وما شاء منع، ومن شاء رفع، ومن شاء وضع، أيّها الناس الدّنيا دار غرور وباطل، وزينة وتقلّب بأهلها، تضحك [٣] باكيها، وتبكي ضاحكها، وتخيف آمنها، وتؤمّن خائفها، وتثري فقيرها، وتفقر مثريها، عباد الله: اتّخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه لكم هاديا دليلا، فإنه ناسخ ما قبله، ولا ينسخه ما بعده، واعلموا عباد الله أنه ينفي عنكم كيد الشيطان ومطامعه، كما يجلو ضوء الصّبح إذا أسفر إدبار الليل إذا عسعس، ثم نزل، وأذن للناس عليه، وأقرّ عمّال من كان قبله على أعمالهم، وأقرّ خالد بن عبد الله [القسريّ] [٤] على مكّة.
وكان سليمان صاحب أكل كثير يجوز المقدار، كان شبعه في كلّ يوم
стр. 388
من الطّعام مائة رطل عراقيّ [١] وكان ربما أتاه الطّبّاخون بالسّفافيد [٢] التي فيها الدّجاج المشوية وعليه جبّة [٣] الوشي المثقلة [٤] فلنهمه وحرصه على الطّعام يدخل يده في كمّه حتى يقبض على الدجاجة وهي حارّة فيفصلها.
وحدّث المنقري [٥] عن العتبي [٦] عن إسحاق بن إبراهيم [٧] بن الصّبّاح بن مروان، وكان مولى لبني أميّة من أرض البلقاء من أعمال دمشق، وكان حافظا لأخبار بني أميّة قال: لبس سليمان يوما في جمعة من ولايته لباسا تشهّر به وتعطّر، ودعا بتخت فيه عمائم، وبيده مرآة، فلم يزل يعتمّ [٨] بواحدة بعد أخرى، حتى رضي منها واحدة، فأرخى من سدولها، وأخذ بيده مخصرة [٩] وعلا منبره ناظرا في عطفيه [١٠] ، وجمع حشمه. و [خطب] [١١]
стр. 389
خطبته التي أرادها، التي يريد يخطب بها الناس، فأعجبته نفسه، فقال: أنا الملك الشابّ السّيّد [١] الحجاب [٢] الكريم الوهّاب، فتمثّلت له جارية [من جواريه] [٣] وكان يتحظّاها، فقال لها: كيف ترين أمير المؤمنين، قالت: أراه منى النفس، وقرّة العين، لولا ما قال الشاعر، قال: وما قال [الشاعر؟] [٤] قالت قال:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس أنّا يريبنا منك شيء ... علم الله غير أنّك فان
فدمعت عيناه، وخرج على النّاس باكيا، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا بالجارية فقال لها: ما دعاك إلى ما قلت لأمير المؤمنين؟ فقالت: والله ما رأيت أمير المؤمنين اليوم ولا دخلت عليه، فأكبر ذلك ودعا بقيّمة [٥] جواريه فصدّقتها [٦] في قولها، فراع ذلك سليمان، ولم ينتفع بنفسه، ولم يمكث بعد ذلك إلّا مدّة حتى توفي.
وكان يقول: قد أكلنا الطّيّب، ولبسنا اللّيّن، وركبنا الفاره، ولم يبق [٧] لي لذّة إلّا صديق أطرح معه فيما بيني وبينه مؤونة [٨] التّحفّظ.
стр. 390
ووقف سليمان على قبر ولده أيّوب، وبه كان يكنى، فقال: اللهمّ إني أرجوك له، وأخافك عليه، فحقّق رجائي، وآمن خوفي [١] .
وبالجملة فإنّه كان من أحسن بني أميّة حالا، ولو لم يكن له إلّا [٢] ما عمر في مسجد دمشق، وعهده بالخلافة لعمر بن عبد العزيز لكفى، فرحمه الله تعالى وتجاوز عنه.
стр. 391
سنة مائة
فيها توفي أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاريّ الدّوسيّ المدنيّ، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، وروى عن عمر، وجماعة، وكان من علماء المدينة.
وفيها، وقيل: في سنة عشر ومائة توفي أبو الطّفيل عامر بن واثلة بن الأسقع الكنانيّ الليثيّ بمكة، وهو آخر من مات ممن رأى النبيّ ﷺ في الدّنيا، روي أنّه ولد عام أحد، وأدرك من النبيّ ﷺ ثمان سنين، وكان عاقلا، حاضر الجواب، يفضّل عليّا، ويثني على الشّيخين، ويترحّم على عثمان، والعجب أنّ ابن قتيبة عدّه من غالية الشيعة [١] ، وممن يؤمن بالرّجعة. وكان يقول الشعر، ومن قوله:
أتدعونني [٢] شيخا وقد عشت حقبة ... وهنّ من الأزواج نحوي فوارع [٣]
وما شاب رأسي عن سنيّ [٤] تتابعت ... عليّ ولكن شيّبتني الوقائع [٥]
стр. 392
وقوله:
وبقيت سهما في الكنانة واحدا ... سيرمى به أو يكسر السّهم كاسره [١]
وفيها بسر بن سعيد المدنيّ الزّاهد العابد المجاب الدّعوة، روى عن عثمان، وزيد بن ثابت وله ولاء لبني الحضرميّ.
وفيها، وقيل: قبلها أو بعدها بعام سالم بن أبي الجعد الكوفيّ، من مشاهير المحدّثين [٢] .
وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاريّ المدنيّ المفتيّ، أحد الفقهاء السّبعة، تفقّه على والده.
وفيها أبو عثمان النّهديّ عبد الرّحمن بن ملّ [٣] بالبصرة، وهو أحد المخضرمين، أسلم في عهد النبيّ ﷺ ، وأدّى الزّكاة إلى عمّاله ﷺ ولم يره، وحجّ في الجاهلية، وعاش مائة وثلاثين سنة، وصحب سلمان اثنتي عشرة سنة.
وشهر بن حوشب الأشعري الشامي، كان كثير الرواية، حسن الحديث، وقرأ القرآن على ابن عبّاس، وكان عالما كبيرا.
وفيا حنش بن عبد الله الصّنعاني- صنعاء دمشق [٤]- كان مع عليّ بالكوفة [٥] ، ثم ولي عشور إفريقية، وروى عن جماعة.
стр. 393
ومسلم بن يسار البصريّ، روى عن أبي عمر وغيره، وكان من عبّاد البصرة وفقهائها.
قال ابن عون [١] كان لا يفضل عليه أحد في زمانه.
وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلا عابدا ورعا [٢] .
وعيسى بن طلحة بن عبيد الله القرشيّ التيميّ، أحد أشراف قريش وعقلائها وعلمائها، روى عن أبيه وجماعة.
стр. 394
تم بعون الله تعالى وتوفيقه المجلد الأول من كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للإمام ابن العماد الحنبلي، وكان الفراغ من تحقيقه في السادس والعشرين من شهر رجب لعام (١٤٠٥ هـ) والحمد لله على ما أنعم ووفق.
ونسأله تعالى أن يعيننا على تحقيق المجلدات المتبقية من الكتاب، وأن ينفع بعملنا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، إنه خير مسؤول.
محمود الأرناؤوط
стр. 395
[المجلد الثاني]
سنة إحدى ومائة
في رجب منها توفي الخليفة العادل، أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الرّاشدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز [١] بن مروان الأمويّ بدير سمعان من أرض المعرّة [٢]
стр. 396
وله أربعون سنة [١] وخلافته سنتان وستة أشهر وأيام كخلافة الصّدّيق، وكان أبيض جميلا نحيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته أثر حافر فرس شجّه وهو صغير، فلذا كان يقال: أشجّ بني أميّة، يذكر أن في «التوراة» أشجّ بني أميّة تقتله خشية الله، حفظ القرآن في صغره، وبعثه أبوه من مصر إلى المدينة فتفقه بها حتى بلغ رتبة [٢] الاجتهاد. جده لأمه عاصم بن عمر بن الخطّاب، وذلك أن عمر خرج طائفا ذات ليلة فسمع امرأة تقول لبنيّة لها:
اخلطي الماء في اللبن، فقالت البنية: أما سمعت منادي عمر بالأمس ينهى عنه؟ فقالت: إنّ عمر لا يدري عنك، فقالت البنية: والله ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سرّا، فأعجب عمر عقلها، فزوجها ابنه عاصما، فهي جدة عمر بن عبد العزيز.
قال السيد الجليل رجاء بن حيوة [٣] : استشارني سليمان بن عبد الملك فيمن يعهد إليه بالخلافة، فأشرت بعمر، فقال: فكيف ببني عبد الملك؟! فقلت: اكتب العهد واختمه وبايع لمن فيه، ففعل، فلما مات كتمنا موته، ثم قلت: بايعوا لأمير المؤمنين ثانيا على السمع والطاعة لمن في الكتاب، ففعلوا، فقلت: أعظم الله أجركم في أمير المؤمنين، ثم أخرجت الكتاب
стр. 397
فوجموا [١] ولم يقولوا شيئا، ثم خرجوا في جنازته ركبانا، وخرج عمر يمشي، فلما رجعوا [٢] أرسل عمر إلى نسائه من أرادت منكن الدّنيا فلتلحق بأهلها، فإن عمر قد جاءه شغل شاغل، فسمعت النوائح في بيته يومئذ.
وقال أيضا: قوّمت ثياب عمر وهو يخطب باثني عشر درهما، وكانت حلته قبل ذلك بألف درهم لا يرضاها، وقال: إن لي نفسا ذوّاقة توّاقة، كلما ذاقت شيئا تاقت [إلى] [٣] ما فوقه، فلما ذاقت الخلافة- ولم يكن شيء في الدّنيا فوقها- تاقت إلى ما عند الله في الآخرة، وذلك لا ينال إلّا بترك الدّنيا.
ومن كلامه- ﵁: ينبغي في القاضي خمس خصال:
العلم بما يتعلق به، والحلم عند الخصومة، والزّهد عند الطمع، والاحتمال للأئمة، والمشاورة لذوي العلم.
وعاتب مسلمة بن عبد الملك أخته فاطمة زوجة عمر في ترك غسل ثيابه في مرضه [٤] فقالت: إنه لا ثوب له غيره.
وكان مع عدله وفضله حليما رقيق الطبع.
ومن ألطف ما حكي عنه ما ذكره في «مروج الذهب» [٥] قال: كان رجل من [أهل] العراق أتى المدينة [٦] في طلب جارية وصفت له قارئة [٧] قوّالة،
стр. 398
فسأل عنها، فوجدها عند قاضي البلد، فأتاه، ثم سأله أن يعرضها عليه، فقال:
يا عبد الله لقد أبعدت الشّقّة [١] في طلب هذه الجارية، فما رغبتك فيها؟ لما رأى من شدة إعجابه [بها] [٢] قال: إنها تغنّي فتجيد، فقال القاضي:
ما علمت بهذا، فألح عليه في عرضها، فعرضت [٣] بحضرة مولاها القاضي، فقال لها الفتى: هات، فتغنّت [٤] :
إلى خالد حتّى أنخن [٥] بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل
ففرح القاضي بجاريته وسرّ بها [٦] ، وغشيه من الطرب أمر عظيم حتّى أقعدها على فخذه وقال: هات بأبي أنت وأمي شيئا، فتغنّت [٧] :
أروح إلى القصّاص كلّ عشيّة ... أرجّي ثواب الله في عدد الخطا
فزاد الطرب على القاضي، ولم يدر ما يصنع، فأخذ نعله فعلّقها في أذنه وجثا على ركبتيه، وجعل يأخذ بإحدى أذنيه [٨] والنعل معلّق فيها ويقول: أهدوني [إلى البيت الحرام] [٩] فإني بدنة، فلما أمسكت قال للفتى: يا حبيبي، انصرف، فقد كنا فيها راغبين قبل أن نعلم أنها تقول، ونحن الآن فيها أرغب، فانصرف الفتى، وبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فقال:
стр. 399
قاتله الله، لقد استرقّه الطّرب، وأمر بصرفه عن عمله [١] ، فلما صرف قال:
نساؤه طوالق، لو سمعها عمر لقال: اركبوني فإني مطية، فبلغ ذلك عمر، فأشخصه، وأشخص الجارية، فلما دخلا على عمر، قال له: أعد ما قلت، قال: نعم، فأعاده، ثم قال للجارية: قولي، فتغنّت [٢] :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكّة سامر
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا ... صروف اللّيالي والجدود العواثر [٣]
فما فرغت [من هذا الشعر] [٤] حتّى طرب عمر طربا بيّنا [٥] ، وأقبل يستعيدها ثلاثا، وقد بلّت دموعه لحيته، ثم أقبل على القاضي فقال:
لقد قاربت في يمينك، ارجع إلى عملك راشدا. انتهى.
وبالجملة فمناقبه عديدة قد أفردت بالتصنيف.
ومما رثاه به جرير:
لو كنت أملك والأقدار غالبة ... تأتي رواحا وتبيانا [٦] وتبتكر
رددت عن عمر الخيرات مصرعه ... بدير سمعان لكن يغلب القدر [٧]
وفيها، أو في سنة مائة، توفي ربعيّ بن حراش أحد علماء الكوفة وعبّادها،
стр. 400
قيل: إنه لم يكذب قطّ، وشهد خطبة [عمر] [١] بالجابية [٢] وحلف لا يضحك حتّى يعلم أفي الجنّة هو أم في النّار.
وفيها مقسم [٣] مولى ابن عبّاس، ولم يكن مولاه، بل مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، وأضيف إلى ابن عبّاس لملازمته إياه.
ومحمّد بن مروان بن الحكم، الأمير، ولد الخليفة مروان، وكان بطلا شجاعا شديد البأس، له عدة مصافّات [٤] مع الرّوم، وكان متولي الجزيرة [٥] وغيرها.
وفيها، وقيل: في سنة خمس وتسعين، الحسن بن محمّد بن الحنفيّة الهاشميّ العلويّ [٦] .
روي أنه صنف كتابا في الإرجاء ثم ندم عليه، وكان من عقلاء قومه وعلمائهم.
وفيها استعمل يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة على إمرة العراقين، وأمره بمحاربة يزيد بن المهلّب- وكان قد خرج عليهم- فحاربه حتّى قتل في السنة الآتية.
стр. 401
قال الذهبيّ في «العبر» [١] : وممن توفي بعد المائة:
إبراهيم بن عبد الله بن حنين المدنيّ، له عن أبي هريرة.
وإبراهيم بن عبد الله [بن معبد] [٢] بن عبّاس الهاشميّ المدنيّ. له عن ابن عبّاس، وميمونة [٣] .
وعبد الله بن شقيق العقيليّ البصريّ، سمع من عمر، والكبار.
والقطاميّ الشاعر المشهور [٤] .
ومعاذة العدويّة [٥] الفقيهة العابدة بالبصرة.
وعراك بن مالك المدنيّ.
ومورّق، العجليّ.
وبشير بن يسار، المدنيّ الفقيه.
стр. 402
وأبو السّوّار العدويّ [١] البصريّ، صاحب عمران بن حصين.
وعبد الرّحمن بن كعب بن مالك الأنصاري.
وابن أخيه عبد الرّحمن بن عبد الله.
وحفصة بنت سيرين، الفقيهة العابدة.
وعائشة بنت طلحة التيميّة، التي أصدقها مصعب بن الزّبير مائة ألف دينار.
وعبد الرحمن بن أبي بكرة، أوّل من ولد بالبصرة.
ومعبد بن كعب بن مالك.
وذو الرّمّة الشاعر المشهور. انتهى.
قلت: وذو الرّمّة أحد فحول الشعراء، واسمه غيلان، [٢] وأحد العشّاق
стр. 403
المشهورين من العرب، وصاحبته ميّة ابنة مقاتل بن طلبة [١] بن قيس بن عاصم المنقري التميميّ، [وقيس بن عاصم هو] [٢] الذي قال فيه رسول الله- ﷺ حين وفد عليه: «هذا سيّد أهل الوبر» [٣] وهو أول من وأد البنات غيرة وأنفة.
وسبب فتنته بها، أنه لحظها وهي خارجة من خبائها [٤] ، فخرّق إداوته [٥] ثم دنا يستطعم حديثها، فقال إني مسافر [٦] وقد تخرّقت إداوتي [٧] فأصلحيها لي، فقالت: والله إني لخرقاء [٨]- والخرقاء التي لا تحسن العمل لكرامتها على أهلها [٩]- فشبّب بالخرقاء أيضا، وهي ميّة [١٠] .
стр. 404
ويروى [١] أن ذا الرّمّة لم ير ميّة قطّ إلّا في برقع، فأحبّ أن ينظر إلى وجهها فقال:
جزى الله البراقع من ثياب ... عن الفتيان شرّا ما بقينا
بوارين الملاح فلا نراها ... ويخفين القباح فيزدهينا [٢]
فنزعت البرقع عن وجهها فقال:
على وجه ميّ مسحة من ملاحة ... وتحت الثّياب العرّ [٣] لو كان باديا [٤]
стр. 405
فنزعت ثيابها وقامت عريانة فقال:
ألم تر أنّ الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا [١]
فيا ضيعة [٢] الشّعر الذي لجّ فانقضى ... بميّ ولم أملك ضلال فؤاديا
فقالت [له] [٣] : أتحب أن تذوق طعمه؟ فقال: إي والله، فقالت:
تذوّق الموت قبل أن تذوقه.
ومن شعره السائر [فيها] [٤] قوله:
إذا هبّت الأرواح من نحو جانب ... به أهل ميّ هاج شوقي هبوبها [٥]
هوى تذرف العينان منه وإنّما ... هوى كلّ نفس حيث [٦] حلّ حبيبها [٧]
وكان ذو الرّمّة يشبّب بخرقاء أيضا، ومن قوله فيها:
تمام الحجّ أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللّثام [٨]
قيل: كانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة.
ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أنا ابن أربعين سنة، وأنشد:
يا قابض الرّوح من نفس إذا احتضرت ... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار [٩]
стр. 406
وإنما قيل له: ذو الرّمّة بقوله في الوتد:
أشعث باقي رمّة التقليد [١]
والرّمّة: بضم الراء: الحبل البالي، وبكسرها: الحبل البالي.
وممن توفي بعد المائة على ما قاله في «العبر» [٢] .
أبو الأشعث الصنعانيّ الشّاميّ.
وزياد الأعجم الشاعر [المشهور] [٣] .
وسعيد بن أبي هند، والد عبد الله [٤] .
وأبو سلّام ممطور الحبشيّ الأسود.
وأبو بكر [٥] بن أبي موسى الأشعريّ القاضي. انتهى.
стр. 407
سنة اثنتين ومائة
كان أمير البصرة يزيد بن المهلّب، المتقدم آنفا، فلما تولّى عمر بن عبد العزيز عزل يزيد بن المهلّب وسجنه، فلما توفي عمر أخرجه خواصّه من السّجن، فوثب على البصرة وهرب منه عاملها عديّ بن أرطاة الفزاريّ، ونصب يزيد رايات سود، وتسمى بالقحطانيّ، وقال: أدعو إلى سيرة عمر بن الخطّاب، فوجه إليه يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة، فحاربه، وقتله في صفر في المعركة، وقيل: بل حبسه الحجّاج وعذّبه، وهو الذي جزم به الإسنويّ [١] في «طبقاته» .
وكان يزيد بن المهلّب كريما ممدّحا، وكان المهالبة في دولة الأمويين
стр. 408
كالبرامكة في دولة العباسيين، في الكرم، وكان كثير الغزو والفتوح.
وفيها يزيد بن أبي مسلم الثقفيّ مولاهم، مولى الحجّاج، وكاتبه، وخليفته على العراق بعد موته، وأقره الوليد.
قال الوليد في حقه: مثلي ومثل الحجّاج ويزيد، كرجل ضاع له درهم فلقي دينارا.
فضّل يزيد لعقله وبلاغته.
واستحضره سليمان بعد موت الوليد فرآه دميما، كبير البطن، فقال:
لعن الله من أشركك في أمانته. فقال: يا أمير المؤمنين! رأيتني والأمور مدبرة عني، ولو رأيتني وهي مقبلة إليّ لعظّمتني، فقال: قاتله الله ما أسدّ قوله وأغضب لسانه، ثم قال له سليمان: أترى صاحبك- يعني الحجّاج- يهوي في النّار أم قد استقرّ في قعرها، فقال: عن يمين الوليد، ويسار عبد الملك، فاجعله حيث أحببت. وروي: يحشر بين أبيك وأخيك، فقال سليمان: قاتله الله ما أوفاه لصاحبه، إذا اصطنعت الرّجال فليصنع مثل هذا.
وهمّ سليمان باستكتابه، فقال له عمر بن عبد العزيز: لا تحيي ذكر الحجّاج. فقال: إني كشفت عنه فلم أجد له خيانة في دينار ولا في درهم.
فقال عمر: إبليس لم يخن فيهما، وهذا قد أهلك الخلق، فتركه سليمان.
وفيها توفي الضّحّاك بن مزاحم الهلاليّ بخراسان. وثقه الإمام أحمد وغيره.
ذكر أنه كان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارا يدور عليهم إذا عيي.
стр. 409
سنة ثلاث ومائة
فيها توفي عطاء بن يسار المدنيّ الفقيه، مولى ميمونة أمّ المؤمنين، ثقة إمام، كان يقصّ [١] بالمدينة. روى عن كبار الصحابة. قاله الذهبيّ [٢] .
وقال ابن قتيبة [٣] : كان عطاء قاصّا [٤] ويرى القدر، ويكنى أبا محمد، ومات سنة ثلاث ومائة، وهو ابن أربع وثمانين سنة. انتهى.
وفيها الإمام أبو الحجّاج مجاهد بن جبر، الإمام الحبر المكّيّ، عن نيّف وثمانين سنة.
قال خصيف [٥] : كان أعلمهم بالتفسير.
وقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاثين مرّة [٦] .
стр. 410
وقال [له] [١] ابن عمر: وددت أنّ نافعا يحفظ حفظك.
وقال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدا أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلّا عطاء وطاووسا ومجاهدا [٢] .
وقال الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهدا تراه مغموما، فقيل له في ذلك، فقال: أخذ عبد الله- يعني ابن عمر [٣]- بيدي، ثم قال: أخذ رسول الله- ﷺ بيدي وقال لي: «يا عبد الله! كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل» [٤] . ومات مجاهد بمكّة وهو ساجد.
وفسر ابن قتيبة [٥] النّيّف بثلاث [٦] ، فقال: مات [وهو] [٧] ابن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها مصعب بن سعد بن أبي وقّاص الزّهريّ المدنيّ، كان فاضلا كثير الحديث.
стр. 411
روى عن عليّ والكبّار.
وفيها موسى بن طلحة بن عبيد الله التيميّ بالكوفة.
روى عن عثمان ووالده.
وقال أبو حاتم [١] : هو أفضل إخوته بعد محمد، وكان يسمّى المهدي.
وفيها مقرئ الكوفة يحيى بن وثّاب الكوفيّ، مولى لبني كاهل من بني أسد بن خزيمة، توفي بالكوفة. أخذ [عن] [٢] ابن عبّاس، وطائفة.
ويزيد بن الأصمّ العامريّ، ابن خالة ابن عبّاس، نزل الرّقّة [٣] . وروى عن خالته ميمونة، وطائفة.
стр. 412
سنة أربع ومائة
فيها وقعة بهرزان [١] دون الباب بفرسخين، التقى المسلمون وعليهم الجرّاح الحكميّ [٢] ، هم وابن خاقان [٣] فهزموه [٤] بعد قتال عظيم، وقتل خلق من الكفار.
وفيها توفي خالد بن معدان الكلاعيّ الحمصيّ، الفقيه العابد.
قيل: كان يسبّح كل يوم أربعين ألف تسبيحة [٥] .
стр. 413
سمعه صفوان [١] يقول: لقيت سبعين من الصّحابة.
وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت ألزم للعلم منه.
وقال الثّوريّ: ما أقدّم عليه أحدا.
وفيها، وقيل: قبل [٢] المائة، عامر بن سعد [٣] بن أبي وقّاص الزّهريّ، أحد الإخوة التسعة، كان ثقة كثير الحديث.
وفيها، وقيل: في سنة سبع أبو قلابة الجرميّ، عبد الله بن زيد، البصري الإمام.
طلب للقضاء فهرب ونزل الشّام، فنزل بداريّا، وكان رأسا في العلم والعمل.
سمع من سمرة [٤] وجماعة.
ومناظرته مع علماء عصره في القسامة [٥] بحضرة عمر بن عبد العزيز مشهورة في «الصحيح» [٦] .
стр. 414
وفيها، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في سنة ست أو سبع، توفي أبو بردة عامر بن أبي موسى الأشعريّ.
قضى في الكوفة بعد شريح [١] ، وله مكارم ومآثر مشهورة.
وولي القضاء في البصرة بعده ابنه بلال، وكان ممدّحا.
وفيه يقول ذو الرّمّة:
رأيت [٢] النّاس ينتجعون غيثا [٣] ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا [٤]
يعني بصيدح ناقته.
وأبو موسى وبنوه كلهم ولي القضاء.
وفيها، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها، توفي فجأة [٥] الإمام الحبر العلّامة، أبو عمرو عامر بن شراحيل بن معبد الشّعبيّ، وهو من حمير، وعداده في همدان، ونسب إلى جبل باليمن، نزله حسّان بن عمرو الحميريّ هو وولده ودفن فيه، [وهو ذو شعبين] [٦] فمن كان منهم بالكوفة قيل لهم: شعبيون.
ومن كان منهم بمصر والمغرب قيل لهم: الأشعبون، والأشعوب [٧] ، ومن كان منهم بالشّام قيل لهم: شعبانيّون. ومن كان منهم باليمن قيل لهم: آل ذي شعبين. وكان نحيفا ضئيلا. وقيل له: مالنا نراك ضئيلا؟ قال: إني
стр. 415
زوحمت في الرّحم، وكان ولد هو وأخ له في بطن واحد.
وقيل لأبي إسحاق: أنت أكبر أم الشّعبي؟ فقال: هو أكبر مني بسنتين.
وحدثنا [١] الرّياشي [٢] عن الأصمعي: أن أمّ الشّعبي كانت من سبي جلولاء، قال: وهي قرية بناحية فارس [٣] .
وكان مولده لست سنين مضت من خلافة عثمان، وكان كاتب عبد الله بن مطيع العدوي، وكاتب عبد الله بن يزيد الخطمي عامل [٤] ابن الزّبير على الكوفة، وكان مزّاحا.
حدّثني [٥] أبو مرزوق، عن زاجر بن الصّلت الطّاحيّ [٦] عن سعيد بن عثمان، قال: قال الشعبي لخياط مرّ به: عندنا حب مكسور تخيطه؟ فقال له:
نعم، إن كان عندك خيط من ريح.
وحدثني [٧] بهذا الإسناد، أن رجلا دخل عليه ومعه في البيت امرأة، فقال: أيكما الشّعبيّ، فقال: هذه. قاله ابن قتيبة [٨] .
стр. 416
ومات وله بضع وثمانون سنة.
وشعب، بطن من همدان.
مرّ به ابن عمر وهو يحدّث بالمغازي، فقال: شهدتها، وهو أعلم بها مني.
وعنه [١] قال: بعثني عبد الملك إلى ملك الرّوم، فأقمت عنده أياما، فلما أردت الانصراف قال لي: من [أهل] [٢] بيت الملك أنت؟ قلت: بل رجل من العرب، فدفع إليّ رقعة وقال: أدّها إلى صاحبك، فلما قرأها عبد الملك قال لي: تدري ما فيها؟ قلت، لا، قال:
فإن فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملّكوا غيره؟ فقلت: والله لو علمت ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك، فقال عبد الملك: بل حسدني عليك، فأغراني بقتلك، فبلغ ذلك ملك الرّوم، فقال: ما أردت إلّا ذلك [٣] .
وقال له أبو بكر الهذلي: تحب الشعر؟ فقال: إنما يحبه فحول الرّجال ويكرهه مؤنّثوهم.
وقال: ما أودعت قلبي شيئا فخانني قطّ.
وقال: إنما الفقيه من تورّع عن محارم الله، والعالم من خاف الله تعالى.
وقال: اتقوا القاصر من العلماء والجاهل من المتعبّدين.
وقال: أدركت خمسمائة من الصّحابة أو أكثر.
ودخل الشّعبيّ مع زياد على هند بنت النّعمان في ديرها، فإذا هي وأختها جالستان عليهما ثياب سود، قال الشّعبيّ: فما أنسى جمالها، وقد كان
стр. 417
كلّمها للمغيرة بن شعبة في الزّواج، فقالت: أردت أن يقال: تزوج هند بنت النّعمان بن المنذر، إن ذلك غير كائن، فقال لها زياد: حدثيني عن ملككم وما كنتم فيه؟ قالت: أجمل، أم أفنّن؟ [١] . قال: أجملي، قالت: أصبحنا وكل من رأيت عبدا لنا، وأمسينا وعدونا ممن يرحمنا.
قال ابن المديني [٢] : ابن عبّاس في زمانه، والشّعبيّ في زمانه، وسفيان الثّوري في زمانه [٣] .
وقال الشعبيّ: ما كتبت سوداء في بيضاء إلّا حفظتها.
стр. 418
سنة خمس ومائة
فيها التقى في رمضان منها الجرّاح الحكميّ، وخاقان ملك التّرك، ودام الحرب أياما، ثم نصر الله دينه، وهزم الترك شرّ هزيمة. وكان المصّافّ بناحية إرمينية.
وفيها غزا الرّوم عثمان بن حيّان المرّي [١] الذي ولي المدينة للوليد بن عبد الملك. وكان ظالما يقول الشعر على المنبر في خطبته، وقد روى له مسلم.
وفيها توفي في شعبان منها الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان، وجدّه لأمّه يزيد بن معاوية، عاش أربعا وثلاثين سنة. وولي أربع سنين وشهرا، وكان أبيض جسيما متلفا للمال، أعطى حلّاقا حلق له رأسه أربعة آلاف درهم.
ووقع مثل ذلك ليزيد بن المهلّب، أو لعله اشتبه على بعض المؤرخين اسمهما.
قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: لما استخلف قال: سيروا سيرة عمر بن عبد العزيز، فأتوه بأربعين شيخا شهدوا له أنّ الخلفاء لا حساب
стр. 419
عليهم ولا عذاب. فأقبل على الظلم وإتلاف المال والشراب، والانهماك على سماع الغناء، والخلوة بالقينات [١] .
وكان ممن استولى على عقله جارية يقال لها حبابة [٢] ، وكانت تغنّيه، فلما كثر ذلك منه عزله أخوه مسلمة، وقال له: إنما مات عمر أمس، وكان من عدله ما قد علمت، فينبغي أن تظهر للنّاس العدل [٣] ، وترفض هذا اللهو، فقد اقتدى بك عمّالك [٤] في سائر أفعالك وسيرتك، فارتدع عما كان عليه، وأظهر الإقلاع والندم، وأقام على ذلك [مدّة] [٥] مديدة، فغلظ ذلك على حبابة، فبعث إلى الأحوص الشّاعر [٦] ومعبد المغنّي [٧] وقالت: انظرا ما أنتما
стр. 420
صانعان، فقال الأحوص في أبيات له:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلّدا
إذا كنت ممنوعا [١] عن اللهو والصّبا ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا [٢]
فما العيش [٣] إلّا ما تلذّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا [٤]
وغنّاه معبد، فأخذته حبابة عنه، فلما دخل عليها يزيد قالت: يا أمير المؤمنين [اسمع منّي] [٥] صوتا واحدا ثم افعل ما بدا لك [٦] وغنّته، فلما فرغت منه، جعل يردّد قولها:
فما العيش إلّا ما تلذّ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
وعاد بعد ذلك إلى لهوه وقصفه [٧] ورفض ما كان عزم عليه.
وعن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حدثني ابن سلام قال: ذكر يزيد قول الشّاعر:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع ... ن قوما كالّذي كانوا
стр. 421
فلما صرّح الشّرّ ... فأضحى [١] وهو عريان
مشينا مشية اللّيث ... غدا واللّيث غضبان
بضرب فيه توهين ... وتخضيع وإقران
وطعن كفم الزّقّ ... وهي والزّقّ ملآن
وفي الشّرّ نجاة حي ... ن لا ينجيك إحسان
وهو شعر قديم يقال: إنه للفند الزّمّاني [٢] في حرب البسوس [٣] فقال لحبابة: غنّيني به بحياتي، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا شعر لا أعرف أحدا يغنّي به إلّا الأحول المكّي [٤] فقال: نعم قد كنت سمعت ابن عائشة [٥] يعمل فيه ويترك، قالت: إنما أخذه عن فلان ابن أبي لهب، وكان حسن الأداء، فوجه يزيد إلى صاحب مكّة: إذا أتاك كتابي هذا، فادفع إليّ فلان ابن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه على ما شاء من دواب البريد، ففعل، فلما قدم عليه،
стр. 422
قال: غنّني بشعر الفند الزّمّاني، فغنّاه، فأجاد، وأحسن، وأطرب، فقال:
أعده، فأعاده، فأجاد، وأطرب يزيد، فقال له: عمّن أخذت هذا الغناء؟ قال:
أخذته عن أبي، وأخذه أبي عن أبيه، قال: لو لم ترث إلّا هذا الصّوت لكان أبو لهب- ﵁! - ورّثكم خيرا كثيرا [١] ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا لهب مات كافرا مؤذيا لرسول الله- ﷺ قال: قد أعلم ما تقول، ولكني داخلني عليه رقة إذ كان يجيد الغناء، ووصله، وكساه، ورده إلى بلده مكرّما.
وبالجملة فأخباره من هذا القبيل كثيرة [٢] فلنحبس عنان القلم عن ذلك سامحه الله تعالى.
وفيها، أو في التي قبلها أو بعدها، مات عكرمة مولى ابن عبّاس، أحد فقهاء مكّة، من التابعين الأعلام، أصله من البربر. وهب لابن عبّاس، فاجتهد في تعليمه، ورحل إلى مصر وخراسان، واليمن، وأصبهان، والمغرب، وغيرها، وكانت الأمراء تكرمه، وأذن له مولاه بالفتوى.
وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال [٣] : عكرمة.
ولما مات مولاه باعه ابنه عليّ من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف [دينار!] [٤] ، فاستقاله فأقاله ثم أعتقه.
قيل: مات هو وكثيّر عزّة في يوم واحد وصلّي عليهما جميعا، فقيل:
مات أفقه النّاس وأشعر النّاس.
قال ابن قتيبة [٥] : كان عكرمة يكنى أبا عبد الله.
стр. 423
وروى جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال:
دخلت على عليّ بن عبد الله بن عبّاس، وعكرمة موثوق على باب كنيف [١] ، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إن هذا يكذب على أبي.
وقال ابن الخلّال: سمعت يزيد بن هارون يقول: قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيّوب، وسليمان التيمي، ويونس، فبينما هو يحدثهم، إذ سمع صوت غناء، فقال عكرمة: اسكتوا، فسمع [٢] ثم قال:- قاتله الله- لقد أجاد، أو قال:
ما أجود ما غنى، فأما سليمان، ويونس فلم يعودا إليه، وعاد [إليه] [٣] أيوب.
قال يزيد: وقد أحسن أيوب.
ثم قال ابن قتيبة: وكان عكرمة يرى رأي الخوارج.
وطلبه بعض الولاة فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده. ومات سنة خمس ومائة، وقد بلغ ثمانين سنة. انتهى.
وقال ابن ناصر الدّين: احتج أحمد، ويحيى، والبخاريّ، والجمهور بما روى، وأعرض عنه مالك لمذهبه، وما كان يرى.
قال طاووس: لو ترك من حديثه واتّقى الله لشدّت إليه الرّحال. انتهى.
وفيها على الأصح أبو رجاء العطارديّ بالبصرة عن مائة وعشرين سنة، وكان أسلم في حياة النّبيّ- ﷺ وأخذ عن عمر، وطائفة.
стр. 424
قال ابن قتيبة [١] : اسمه عمران بن تيم [٢] ، ويقال: عطارد بن برد [٣] .
ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، وهو من ولد عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ويقال: إنه مولى لهم.
وقال أبو رجاء: لما بلغني أنّ النّبيّ- ﷺ أخذ في القتل هربنا فأصبنا شلو أرنب دفينا، فاستثرناه وقعدنا [٤] عليه، وألقينا من بقول الأرض، فلا أنسى تلك الأكلة.
حدّثني [٥] أبو حاتم، عن الأصمعيّ قال: حدّثنا رزين [٦] العطارديّ قال: أتت أبا رجاء امرأة في جوف الليل، فقالت: يا أبا رجاء، إن لطارق الليل حقا، وإن [٧] بني فلان خرجوا إلى سفوان [٨] وتركوا شيئا من متاعهم، فانتعل [٩] وأخذ الكتب فأداها [١٠] وصلّى بنا الفجر، وهي مسيرة ليلة للإبل. انتهى.
стр. 425
وعدّه ابن ناصر الدّين وغيره من المخضرمين، وقال: عاش مائة وعشرين سنة.
وفيها الأخوان عبيد الله، وعبد الله، ابنا عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وكان عبد الله وصيّ أبيه، وروايتهما قليلة.
والمسيّب بن رافع الكوفي، سمع البراء، وجماعة.
وعمارة بن خزيمة بن ثابت. روى عن أبيه ذي الشّهادتين [١] وجماعة يسيرة، وهو مدنيّ.
وسليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، روى عن أبيه، وعائشة، وغيرهما.
وأبان بن عثمان بن عفّان الأمويّ الفقيه، روى عن أبيه.
قال ابن سعد [٢] : كان به صمم [شديد] [٣] ووضح كثير، وأصابه الفالج قبل موته بسنة.
قال ابن قتيبة [٤] : أبان بن عثمان شهد الجمل مع عائشة، وكان الثاني من المنهزمين، وكانت أمه بنت جندب [٥] بن عمرو بن حممة الدّوسي، وكانت حمقاء. تجعل الخنفساء في فمها وتقول: حاجيتك ما في فمي؟ وهي أمّ عمرو بن عثمان أيضا.