سنة ثمان وتسعين وستمائة
استهلت وسلطان الإسلام الملك المنصور حسام الدّين لاجين، ونائبه منكوتمر مملوكه، وهو معتمد عليه في جلّ الأمور. فشرع يمسك كبار الأمراء وينفي آخرين.
وفي ربيع الآخر استوحش قبجق المنصوري نائب الشام، وبكتمر السّلحدار، وغيرهما من فعائل منكوتمر، وخافوا أن يبطش بهم، وبلغهم دخول ملك التتار في الإسلام، فأجمعوا على المسير إليه، فساروا من حمص على البريّة، فلم يلبثوا أن جاء الخبر بقتل السلطان ومنكوتمر على يد كرجي الأشرفي، ومن قام معه. هجم عليه كرجي في ستة أنفس، وهو يلعب بالشطرنج بعد العشاء ما عنده إلّا قاضي القضاة حسام الدّين الحنفي، والأمير عبد الله، ويزيد البدوي، وأمامه المجير بن العسّال.
قال حسام الدّين: رفعت رأسي فإذا سبعة أسياف تنزل عليه، ثم قبضوا على نائبه فذبحوه من الغد، ونودي للملك النّاصر وأحضروه من الكرك فاستناب في المملكة سلّار، ثم قتل طغجي وكرجي الأشرفيّان، ثم ركب الملك الناصر بخلعة الخليفة وتقليده، وقدم الأفرم على نيابة دمشق في جمادى الأولى، وكان الملك المنصور أشقر، أصهب، فيه دين وعدل في الجملة، وله شجاعة وإقدام.
وفيها توفي ابن الحصيري [١] نائب الحكم نظام الدّين أحمد بن
стр. 3572
العلّامة جمال الدّين محمود بن أحمد البخاري الدمشقي الحنفي، وله نحو من سبعين سنة، قاله في «العبر» .
وفيها الصّوابي الخادم الأمير الكبير بدر الدّين بدر الحبشي [١] .
كان أميرا على مائة فارس بدمشق، وأقام في الإمرة نحوا من أربعين سنة. وكان خيّرا، ديّنا، معمرا، موصوفا بالشجاعة والعقل والرأي.
قال الذهبي: روى لنا عن ابن عبد الدائم. وتوفي فجأة بقرية الخيارة [٢] في جمادى الأولى.
وقال ابن شهبة: وحمل إلى قاسيون فدفن بتربته، وهو أول من أبطل ما كان يجبى من الحجّاج في كل سنة لأجل العربان. وهو على كل جمل عشرة دراهم، أقام ذلك من ماله، وأبطل الجباية، وذلك سنة إحدى وثمانين، فبطل ذلك إلى الآن. انتهى.
وفيها التّقيّ البيّع الصّاحب الكبير أبو البقاء توبة بن علي بن مهاجر التكريتي، عرف بالبيّع. كان تاجرا، فلما أخذت التتار بغداد حضر إلى الشام وتولى البيعية بدار الوكالة، ثم ضمنها في أيام الظّاهر وخدم المنصور وأقرضه ستين ألفا بلا فائدة، فلما تولى المنصور أطلق له دار الوكالة وما كان عليه مكسورا، وهو مائة ألف درهم، وولّاه كتابة الخزانة، ثم نقل إلى وزارة الشام، وتوزّر لخمس [٣] ملوك: الأشرف، والمنصور، والعادل كتبغا،
стр. 3573
ولاجين، والناصر. وكان حسن الأخلاق، ناهضا وافرا [١] ، كافيا، وافر الحرمة.
توفي في جمادى الآخرة، ودفن بتربته بسفح قاسيون عن ثمان وسبعين سنة.
وفيها صدر الدّين أبو عبد الله أحمد بن محمد بن الأنجب بن الكسّار الواسطي الأصل البغدادي المحدث الحافظ الحنبلي [٢] .
ولد سنة ست وعشرين وستمائة، وسمع ببغداد من ابن قميرة وغيره.
وبواسط من الشريف الدّاعي الرّشيدي. وقرأ كثيرا من الكتب والأجزاء. وعني بالحديث. وكانت له معرفة حسنة به.
قال الذهبي: قال لنا الفرضي: كان فقيها، محدّثا، حافظا، له معرفة.
وقال الذهبي: وبلغني أنه تكلّم فيه، وهو متماسك، وله عمل كثير في الحديث، وشهرة بطلبه.
وقال ابن رجب: كان- ﵀ زريّ اللّباس، وسخ الثياب، على نحو طريقة أبي محمد بن الخشّاب النّحوي كما سبق ذكره [٣] . وكان بعض الشيوخ يتكلم فيه وينسبه إلى التهاون في الصّلاة. وكان الدّقوقي يقول: إنهم كانوا يحسدونه لأنه كان يبرز عليهم في الكلام في المجالس، والله أعلم بحقيقة أمره.
سمع منه خلق من شيوخنا وغيرهم.
توفي في رجب، ودفن بمقبرة باب حرب. انتهى كلام ابن رجب.
стр. 3574
وفيها العماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل المقدسي النّابلسي [١] ، صاحب المدرسة بنابلس. روى عن الموفق، وابن راجح، وموسى بن عبد القادر، وجماعة. وطال عمره، وقصد بالزيارة، وتفرّد بأشياء، وتوفي في ذي الحجّة.
وفيها الشيخ علي الملقّن بن محمد بن علي بن بقاء الصّالحي المقرئ [٢] ، العبد الصّالح. روى عن ابن الزّبيدي وغيره، وعاش ستا وثمانين سنة [٣] ، وتوفي في رابع شوال.
وفيها ابن القوّاس مسند الوقت، ناصر الدّين، أبو حفص. عمر بن عبد المنعم بن عمر الطّائي الدمشقي [٤] . سمع حضورا من ابن الحرستاني، وأبي يعلى بن أبي لقمة، فكان آخر من روى عنهما. وأجاز له الكندي وطائفة، وخرّجت له «مشيخة» . وكان ديّنا، خيرا، متواضعا، محبّا للرّواية.
توفي في ثاني ذي القعدة، وله ثلاث وتسعون سنة.
وفيها ابن النحّاس العلّامة حجّة العرب بهاء الدّين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أبي عبد الله الحلبي [٥] . شيخ العربية بالدّيار المصرية.
روى عن الموفق بن يعيش، وابن اللّتي، وجماعة. وكان من أذكياء أهل زمانه.
توفي في جمادى الأولى، وله إحدى وسبعون سنة.
стр. 3575
وفيها ابن النّقيب الإمام المفسّر العلّامة المفتي [١] جمال الدّين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن حسن البلخي ثم المقدسي الحنبلي [٢] .
مدرّس العاشورية بالقاهرة.
ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، وقدم مصر، فسمع بها من يوسف بن المخيلي، وصنّف تفسيرا كبيرا إلى الغاية. وكان إماما، زاهدا، عابدا، مقصودا بالزّيارة. متبرّكا به. أمّارا بالمعروف، كبير القدر.
توفي في المحرّم ببيت المقدس. قاله في «العبر» .
وفيها صاحب حماة الملك المظفّر تقيّ الدّين محمود بن الملك المنصور ناصر الدّين محمد بن المظفّر محمود بن المنصور محمد بن عمر شاهنشاه الحموي [٣] آخر ملوك حماة.
مات في الحادي والعشرين من ذي القعدة.
وفيها جمال الدّين ياقوت المستعصمي [٤] . الكاتب الأديب البغدادي. آخر من انتهت إليه رئاسة الخطّ المنسوب. كان يكتب على طريقة ابن البوّاب، وهو من مماليك المستعصم أمير المؤمنين.
قال الحافظ علم الدّين البرزالي، قال: أنشدني أبو شامة، قال:
أنشدني ياقوت لنفسه:
رعى الله أياما تقضّت بقربكم ... قصارا وحيّاها الحيا وسقاها
فما قلت إيه بعدها لمسامر ... من الناس إلّا قال قلبي آها
стр. 3576
وفيها الملك الأوحد نجم الدّين يوسف بن النّاصر [١] ، صاحب الكرك، داود بن المعظّم.
توفي بالقدس في ذي الحجّة، وله سبعون سنة. سمع من ابن اللّتي، وروى عنه الدّمياطي في «معجمه» .
стр. 3577
سنة تسع وتسعين وستمائة
فيها كانت بالشام فتنة غازان ملك التتار، توفي فيها من شيوخ الحديث بدمشق والجبل- يعني بالصالحية [١]- أكثر من مائة نفس، وقتل بالجبل، ومات بردا وجوعا نحو أربعمائة نفس، وأسر نحو أربعة آلاف، منهم سبعون نسمة من ذريّة الشيخ أبي عمر.
وفيها توفي أبو العبّاس أحمد بن سليمان بن أحمد بن إسماعيل ابن عطّاف المقدسي ثم الحرّاني المقرئ [٢] . روى عن القزويني وابن روزبه ووالده الفقيه أبي الربيع، وتوفي في جمادى الآخرة وله أربع وثمانون سنة.
وفيها أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز أبو العبّاس اليونيني الصّالحي الحنفي [٣] . سمع البهاء عبد الرّحمن، وابن الزّبيدي، واستشهد بالجبل في ربيع الآخر.
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن فرح بن أحمد الإشبيلي الشافعي [٤] ، المحدّث الحافظ. تفقه على ابن عبد السّلام.
стр. 3578
قال الذهبي: وحدثنا عن ابن عبد الدائم وطبقته. وكان له حلقة إشغال بجامع دمشق. عاش خمسا وسبعين سنة. وكان ذا ورع وعبادة وصدق.
وقال ابن ناصر الدّين [١] : ومن نظمه الرائق قصيدته التي أولها:
غرامي صحيح والرّجا فيك معضل
[٢] ولقد حفظها جماعة، وعلى فهمها عوّلوا.
وفيها نجم الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن حمزة بن منصور الهمداني الطّبيب الحنبلي [٣] روى عن ابن الزّبيدي، ومات بدويرة حمد [٤] في رمضان.
وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي الفتح الصّالحي الحدّاد [٥] . روى عن أبي القاسم بن صصرى، وابن الزّبيدي.
وأجاز له الشيخ الموفق. هلك في الجبل فيمن هلك.
وفيها ابن جعوان الزّاهد المفتي الشافعي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عبّاس الدمشقي [٦] ، أخو الحافظ شمس الدّين. كان عمدة في النّقل. روى عن ابن عبد الدائم.
وفيها القاضي علاء الدّين أحمد بن عبد الوهاب بن بنت الأعز [٧] .
стр. 3579
كان فصيح العبارة. تولّى حسبة القاهرة والأحباس، ودرّس بها وبدمشق في الظّاهرية والقيمرية. وناب بالقاهرة، وبها مات.
ومن نظمه:
إن أومض البرق في ليل بذي سلم ... فإنّه ثغر سلمى لاح في الظّلم
وإن سرت نسمة في الكون عابقة ... فإنّها نسمة من ربّة الخيم
تنام عين التي أهوى وما علمت ... بأنّ عيني طول اللّيل لم تنم
لله عيش مضى في سفح كاظمة ... قد مرّ حلوا مرور الطّيف في الحلم
أيّام لا نكد فيها نشاهده ... ولّت بعين الرّضا منّي ولم تدم
وقال في دمشق:
إني أدلّ على دمشق وطيبها ... من حسن وصفي بالدّليل القاطع
جمعت جميع محاسن في غيرها ... والفرق بينهما بنفس الجامع
وفيها نجم الدّين أحمد بن محسّن- بفتح الحاء وكسر السين المهملة المشدّدة- ابن ملي- باللّام- الأنصاري البعلبكي الشّافعي [١] .
قال الإسنوي: ولد ببعلبك في رمضان سنة سبع عشرة وستمائة. وأخذ النّحو عن ابن الحاجب، والفقه عن ابن عبد السّلام، والحديث عن الزّكي البدري. وكان فاضلا في علوم أخرى، منها: الأصول، والطّبّ، والفلسفة.
ومن أذكى النّاس وأقدرهم على المناظرة وإفحام الخصوم. ودخل بغداد ومصر، إلى آخر الصّعيد، وحضر الدّرس، ببلدنا أسنا ومدرّسها بهاء الدّين القفطي، ثم استقرّ بأسوان مدّة يدرّس بها بالمدرسة البانياسية، ثم عاد منها إلى الشام. وكان متّهما في دينه بأمور كثيرة، منها الرّفض، والطّعن في الصّحابة.
стр. 3580
توفي في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وستمائة بقرية يقال لها:
نخعون من جبال الظنيّين، وهو جبل بين طرابلس وبعلبك. انتهى.
وفيها شرف الدّين أبو العبّاس وأبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر المسند الأجلّ الدمشقي الشافعي [١] .
ولد سنة أربع عشرة وستمائة، وسمع القزويني، وابن صصرى، وزين الأمناء، وطائفة.
وأجاز له المؤيد الطّوسي، وأبو روح الهروي، وآخرون. وروى الكثير، وتفرّد بأشياء. وتوفي في الخامس والعشرين من أحد الجمادين.
وفيها العماد الماسح إبراهيم بن أحمد بن محمد بن خلف بن راجح. ولد القاضي نجم الدّين المقدسي الصالحي [٢] . روى عن إسماعيل بن ظفر وجماعة، وبالإجازة عن عمر بن كرم. وتوفي في أواخر السنة عن نيّف وسبعين سنة.
وفيها أبو عمر وأبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن الفرّاء الصّالحي [٣] . سمع الموفق والبهاء القزويني، واستشهد بالجبل، وله سبع وثمانون سنة.
وفيها إبراهيم بن عنبر المارديني الأسمر [٤] . قال الذهبي: حدثنا عن ابن اللّتي، وتوفي في جمادى الأولى بعد الشدّة والضّرب.
وفيها الشيخ بهاء الدّين أبو صابر أيوب بن أبي بكر بن إبراهيم ابن
стр. 3581
هبة الله الحلبي الحنفي ابن النحّاس [١] ، مدرس القليجية، وشيخ الحديث بها.
قال الذهبي: روى لنا عن ابن روزبه، ومكرم، وابن الخازن، والكاشغري، وابن خليل. وتوفي في شوال عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها بلال المغيثي الطّواشي الأمير الكبير أبو الخير الحبشي الصّالحي [٢] روى عن عبد الوهاب بن رواج، وتوفي بعد الهزيمة بالرّملة، وهو في عشر المائة.
وفيها جاعان الأمير الكبير سيف الدّين [٣] . الذي ولي الشدّ بدمشق.
كان فيه خير ودين.
توفي بأرض البلقاء في أول الكهولة. قاله في «العبر» .
وفيها المطروحي الأمير جمال الدّين الحاجب [٤] من جلّة أمراء دمشق ومشاهيرهم. عمل الحجوبية مدّة، وعدم في الوقعة، فيقال: أسر وبيع للفرنج.
وفيها حسام الدّين قاضي القضاة الحسن بن أحمد بن أنو شروان [٥] الرّازي ثم الرّومي الحنفي [٦] . عدم بعد الوقعة، وتحدّث أنه في الأسر بقبرص. ولم يثبت ذلك، والله أعلم. وكان هو والمطروحي من أبناء السبعين. قاله في «العبر» .
стр. 3582
وفيها ابن هود الشيخ الزّاهد بدر الدّين حسن بن علي بن أمير المؤمنين أبي الحجّاج يوسف [١] .
قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» : المغربي الأندلسي.
نزيل دمشق، المعروف بابن هود. كان فاضلا قد تفنّن وزاهدا قد تسنّن، عنده من علوم الأوائل فنون، وله طلبة وتلامذة ومريدون، فيه انجماع عن النّاس وانقباض وانفراد وإعراض عمّا في هذه الدّنيا من الأعراض. وكان لفكرته، غائبا عن وجوده، ذاهلا عن بخله وجوده، لا يبالي بما ملك، ولا يدري أيّة سلك. قد طرح الحشمة، وذهل عما ينعم جسمه، ونسي ما كان فيه من النّعمة. وكان يلبس قبع لبّاد ينزل على عينيه ويغطي به حاجبيه. ولم يزل على حاله حتّى برق بصره، وألجمه عيه وحصره، سنة سبعمائة.
وقد ذكره الذهبي فقال: الشيخ الزاهد الكبير، أبو علي بن هود المرسي أحد الكبار في التصوف على طريق الوحدة. كان أبوه نائب السلطنة بها عن الخليفة المتوكل، حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، فسافر وترك الحشمة. وصحب ابن سبعين واشتغل بالطّبّ والحكمة، وقرع باب الصّوفية، وخلط هذا بهذا. وكان غارقا في الفكر، عديم اللذة، مواصل الأحزان، فيه انقباض. وكان اليهود يشتغلون عليه في كتاب «الدلالة» .
ثم قال الذهبي: قال شيخنا عماد الدّين الواسطي: قلت: له أريد أن تسلّكني، فقال: من أي الطرق الموسوية أو العيسوية أو المحمدية. وكان يوضع في يده الجمر فيقبض عليه وهو لاه عنه، فإذا حرقه رجع إليه حسه فيلقيه.
وقال ابن أبي حجلة: ابن هود، شيخ اليهود، عقدوا له العقود، على ابنة العنقود، فأكل معهم وشرب، ودخل من عمران في حجر ضبّ خرب،
стр. 3583
فأتوا إليه واشتغلوا عليه، فانقلب أرضهم، وأسلم بعضهم، وكان له في السلوك مسلك عجيب، ومذهب غريب، لا يبالي بما انتحل، ولا يفرق بين الملل والنحل، فربما سلك المسلم على ملة اليهود، واليهود على ملة هود، وعاد، وثمود وربما أخذته سكتة، واعترته بهتة فيقيم اليوم واليومين شاخص العينين لا يفوه بحرف، ولا يفرق بين المظروف والظرف.
ثم قال المناوي: له شعر كثير، وكلام يسير، مات سنة تسع وتسعين وستمائة، ودفن بقاسيون، وكان والده متوليا نيابة عن أخيه أمير المؤمنين المتوكل محمد بن يوسف بن هود. انتهى ملخصا.
ووصفه الذهبي في «العبر» بالاتحاد والضّلالة.
وفيها ابن النشابي الوالي عماد الدين حسن بن علي [١] كان قد أعطى الطبل خاناه، ومات في شوال بالبقاع وحمل إلى تربته بقاسيون.
وفيها ابن الصّيرفي شرف الدّين حسن بن علي بن عيسى اللخمي المصري [٢] المحدّث أحد من عني بالحديث وقرأ وكتب وولى مشيخة الفارقانية، روى عن ابن رواح وابن قميرة وطائفة، ومات في ذي الحجة.
وفيها خديجة بنت يوسف بن غنيمة [٣] العالمة الفاضلة أمة العزيز روت الكثير عن ابن اللتي ومكرم وطائفة، وقرأت غير مقدمة في النحو، وجودت الخط على جماعة وحجت. وتوفيت في رجب عن نيف وسبعين سنة.
وفي حدودها شرف الدّين أبو أحمد داود بن عبد الله بن كوشيار الحنبلي [٤] الفقيه المناظر. كان بغداديا فقيها مناظرا بارعا عارفا بالفقه. صنّف
стр. 3584
في أصول الفقه كتابا سماه «الحاوي» وفي أصول الدين كتابا سمّاه «تحرير الدلائل» .
وفي حدودها أيضا الشيخ رسلان الدمشقي [١] .
قال المناوي: من أكابر مشايخ الشام المجمع على جلالتهم، ومن جلة أهل التصريف، له أحوال معروفة ومكاشفات مشهورة، منها ما حكاه شيخ الإسلام تقي الدّين السبكي أنه حضر سماعا فيه رسلان فأنشد القوال، فصار الشيخ يثب في الهوى، ويدور فيه ثم ينزل، فعل ذلك مرارا، ثم لما استقر بالأرض استند إلى شجرة يابسة فاخضر ورقها للوقت، وأثمرت، وكان يقول، لا تأكل النار لحما دخل زاويتي، فدخل رجل للصلاة بها ومعه لحم نيء فطبخه فلم ينطبخ، ومن كلامه: قلب العارف لوح منقوش بأسرار الموجودات، فهو يدرك حقائق تلك السطور ولا تتحرك ذرة حتى يعلمه الله بها، وقال: الحدة مأوى كل شر، والغضب يحوج إلى الاعتذار، وقال:
مكارم الأخلاق العفو عند القدرة، والتواضع عند الرفعة، والعطاء بغير منّة، وقال: سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس عليها ممن فوقها فتحدث السطورة والانتقام، مات بدمشق، ودفن بها قبل السبعمائة. انتهى كلام المناوي.
وفيها زينب بنت عمر بن كندي أم محمد الحاجة البعلبكية الدّار الدمشقية [٢] المحتد لها أوقاف ومعروف. وروت بالإجازة عن المؤيد الطّوسي وأبي روح وعدة، وتوفيت في جمادى الآخرة عن نحو تسعين سنة.
وفيها الشيخ سعيد الكاساني- بالسين المهملة نسبة إلى كاسان بلد
стр. 3585
وراء الشّاش- الفرغاني [١] شيخ خانقاه الطاحون، وتلميذ الصّدر القونوي.
قال الذهبي: كان أحد من يقول بالوحدة، شرح «تائية ابن الفارض» في مجلدتين، ومات في ذي الحجة عن نحو سبعين سنة. انتهى.
وفيها ابن الشّيرجي الصّاحب فخر الدين سليمان بن العماد محمد بن أحمد بن محمد [٢] . سمع من ابن الصلاح ولم يحدّث، وكان ناظر الدواوين، فأقره نواب التتار على النظر، فمنع أرجواش الناس من تشييع جنازته لذلك وطردوهم وما بقي معه غير ولده، ومات في رجب عن نيف وستين سنة.
وفيها الدّواداري الأمير الكبير علم الدّين سنجر التّركي الصالحي [٣] .
كان من نجباء الترك وشجعانهم وعلمائهم، وله مشاركة جيدة في الفقه والحديث، وفيه ديانة وكرم، سمع الكثير من ابن الزّكي والرّشيد العطّار وطبقتهما. وله «معجم» كبير وأوقاف بدمشق والقدس، وتحيّز إلى حصن الأكراد فتوفي به في رجب عن بضع وسبعين سنة.
وفيها صفية بنت عبد الرحمن بن عمرو الفرّاء المنادي أم محمد [٤] .
روت في الخامسة عن الشيخ الموفق، وعدمت في الجبل. قاله في «العبر» .
وفيها الطّيّار الأمير الكبير سيف الدين المنصوري [٥] .
أدركته التتار بنواحي غزة فقاتل عن حريمه حتّى قتل، وحصلت له الشهادة والخير بذلك فإنه كان مسرفا على نفسه.
وفيها تقي الدّين أبو محمد عبد الله بن عبد الولي بن جبارة بن عبد الولي المقدسي ثم الصّالحي الحنبلي. [٦]
стр. 3586
قال الذهبي: إمام، مفت، مدرس، صالح، عارف، بالمذهب، متبحّر في الفرائض والجبر والمقابلة، كبير السنّ.
توفي في العشر الأوسط من ربيع الآخر.
وفيها الفقيه سيف الدّين أبو بكر بن الشّهاب أبي العبّاس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم النّابلسي [١] .
كان مولده سنة سبعين وستمائة. وروى عنه الذهبي في «معجمه» وقال: كان فقيها، حنبليا، مناظرا، صالحا، يتوسوس من الماء. سمع بمصر جماعة، وتفقه على ابن حمدان. وسمع بدمشق بعد الثمانين. وسمع معنا كثيرا. وكان مطبوعا عارفا بالمذهب، مناظرا، ذكيا، حسن المذاكرة. عدم في الفتنة.
وفيها الباجربقي المفتي المفنن جمال الدّين عبد الرحيم بن عمرو بن عثمان الشيباني الدّنيسري الشافعي [٢] .
اشتغل بالموصل، وقدم دمشق فدرّس وأشغل. وحدّث ب «جامع الأصول» عن والده، عن المصنّف. وقد ولي قضاء غزّة سنة تسع وسبعين.
قال الذهبي: شيخ، فقيه، محقّق، نقّال مهيب، ساكن، كثير الصلاة، ملازم للجامع والاشتغال. وكان لازما لشأنه، حافظا للسانه، منقطعا عن النّاس على طريقة واحدة. وله نظم وسجع ووعظ. وقد نظم كتاب «التعجيز» وعمله برموز. وتوفي في خامس شوال.
وفيها- على خلاف كبير- أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن سعيد بن عبد الله الدّميري الدّيريني [٣] ، نسبة إلى ديرين قرية بصعيد مصر.
стр. 3587
الفقيه الشافعي العالم الأديب الصّوفي الرّفاعي.
أخذ عن الشيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام وغيره ممن عاصره، ثم صحب أبا الفتح بن أبي الغنائم الرّسعني، وتخرّج به. وتكلم في الطرائق، وغلب عليه الميل إلى التصوف. وكان مقرّه بالرّيف ينتقل من موضع إلى موضع والناس يقصدونه للتبرك به.
ومن تصانيفه تفسير سمّاه «المصباح المنير في علم التفسير» في مجلدين. ونظم أرجوزة في التفسير سمّاها «التيسير في التفسير» تزيد على ثلاثة آلاف ومائتي بيت. وكتاب «طهارة القلوب في ذكر علام الغيوب» في التصوف. ونظم «الوجيز» فيما يزيد على خمسة آلاف بيت. ونظم «التنبيه» .
وله غير ذلك.
ومن نظمه:
وعن صحبة الإخوان والكيمياء خذ ... يمينا فما من كيمياء ولا خلّ
ولم أر خلّا قد تفرّد ساعة ... مع الله خالي البال والسرّ من شغل
وفيها ابن الزّكي القاضي عزّ الدّين عبد العزيز [١] بن قاضي القضاة محيي الدّين يحيى بن محمد القرشي الشافعي، مدرس العزيزية. وقد ولي نظر الجامع وغير ذلك، ومات كهلا.
وفيها عبد الولي بن علي بن السّماقي [٢] . روى عن ابن اللّتي، وتوفي في أيام التتار، ودفن داخل السّور.
وفيها عبيد الله بن الجمال أبي حمزة أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر المقدسي العلّاف [٣] . روى عن جعفر الهمداني، وكريمة.
وفيها الشيخ أبو الحسن علي بن الشيخ شمس الدّين
стр. 3588
عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي [١] . قتله التتار على مرحلتين من البيرة بالجامع المظفّري.
وفيها المؤيد علي بن إبراهيم بن يحيى بن عبد الرزاق بن خطيب عقربا [٢] .
قال الذهبي: عدل كاتب متميز. روى عن ابن اللّتي، والنّاصح، وطائفة.
توفي في رجب عن سبع وسبعين سنة.
وفيها علي بن أحمد بن عبد الدائم بن نعمة أبو الحسن المقدسي الحنبلي [٣] قيّم جامع الجبل. اعتنى بالرواية قليلا، وكتب أجزاء. وسمع من البهاء عبد الرحمن، وابن صباح. وببغداد من ابن الكاشغري وطائفة. وكان صالحا كثير التلاوة. عذّبه التتار إلى أن مات شهيدا، وله اثنتان وثمانون سنة.
وفيها علي بن مطر المحجّي ثم الصّالحي البقّال [٤] . روى عن ابن الزّبيدي، وابن اللّتي، وقتل في الجبل في جمادى الأولى. قاله في «العبر» .
وفيها ابن العقيمي، شيخ الأدباء جمال الدّين عمر بن إبراهيم بن حسين بن سلامة الرّسعني الكاتب [٥] .
ولد سنة ست وستمائة برأس عين، وأجاز له الكندي. وسمع من القزويني، وابن روزبه وطائفة. وبرع في النّظم والنثر. وتوفي في شوال.
стр. 3589
وفيها الشيخ أبو محمد عبد الله المرجاني [١] .
قال ابن الأهدل: الولي الشهير. توفي بتونس، قيل له: قال فلان رأيت عمود نور ممتدا من السماء إلى فم الشيخ المرجاني في حال كلامه، فلما سكت الشيخ ارتفع العمود، فتبسّم وقال: لم يعرف كيف يعبّر، بل لما ارتفع العمود سكت، يعني أنه كان يتكلم عن مدد الأنوار، فلما ارتفع النّور انقطع الكلام.
قال اليافعي: ومناقبه تحتمل مجلدا. قال: وأما قول الذهبي: أبو محمد عبد الله المرجاني المغربي الواعظ المذكور أحد مشايخ الإسلام علما وعملا، فغض من قدره.
وفيها إمام الدّين قاضي القضاة أبو المعالي [٢] عمر بن عبد الرّحمن القزويني الشّافعي. انجفل إلى مصر فتألم في الطريق، وتوفي بالقاهرة بعد أسبوع في ربيع الآخر، وكان تامّ الشكل. سمينا، متواضعا، مجموع الفضائل. لم يتكهل.
وفيها عمر بن يحيى بن طرخان المعرّي ثم البعلبكي [٣] . روى عن الإربلي وغيره، وكان ضعيفا في نفسه. قاله الذهبي.
стр. 3590
وفيها المجد عيسى بن بركة ابن والي الحوراني [١] الصّالحي المؤدّب. روى عن ابن اللّتي وغيره، وهلك في جمادى الأولى.
وفيها ابن غانم الإمام شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن سلمان [٢] ابن حمايل بن علي المقدسي الشافعي الموقّع، سبط الشيخ غانم.
قال الذهبي: روى لنا عن شيخ الشيوخ تاج الدّين بن حمّويه [وكان مع تقدمه في الإنشاء فقيها مدرسا، ذكر لخطابة دمشق، وقال غيره: روى لنا عن ابن حمويه] [٣] وابن الصّلاح. وكان أحد الأعيان والأكابر معروفا بالكتابة والأمانة، حسن المحاضرة، كثير التواضع. درّس بالعصرونية، واقتنى كتبا نفيسة. وكان كثير المروءة والعصبية لمن يعرفه ومن لا يعرفه، وله بر وصدقة.
وكان حجازي الأصل، وإنما ولد في بغداد في حارة الجعافرة فكان جعفريا.
وفيها ابن الفخر المفتي المتفنن شمس الدّين محمد بن الإمام فخر الدّين عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي [٤] . أحد الموصوفين بالذكاء المفرط وحسن المناظرة والتقدم في الفقه وأصوله والعربية والحديث وغير ذلك. قاله الذهبي.
وقال ابن رجب: ولد في أواخر سنة أربع وأربعين وستمائة، وسمع الكثير من خطيب مردا، وشيخ شيوخ حماة، وابن عبد الدائم، والفقيه اليونيني وغيرهم. وتفقه وبرع وأفتى وناظر وحفظ عدة كتب، ودرّس بالمسمارية والجامع.
стр. 3591
وقال البرزالي: كان من فضلاء الحنابلة في الفقه والأصول والنحو والحديث والأدب، وله ذهن جيد وبحث فصيح، ودرس وأعاد وأفتى، وروى الحديث وتوفي ليلة الأحد بين العشاءين تاسع رمضان، ودفن بمقابر باب توما قبلي مقبرة الشيخ رسلان.
وفيها زين الدّين محمد بن عبد الغني بن عبد الكافي الأنصاري الذهبي بن الحرستاني المعروف بالنحوي [١] .
قال الذهبي: دين خيّر متودد. روى عن ابن صباح، وابن اللّتي.
وتوفي في ذي القعدة عن خمس وسبعين سنة.
وفيها العلّامة شمس الدّين محمد بن عبد القوي بن بدران بن سعد الله المقدسي المرداوي الصالحي الحنبلي أبو عبد الله [٢] .
ولد سنة ثلاثين وستمائة بمردا، وسمع الحديث من خطيب مردا وعثمان بن خطيب القرافة، وابن عبد الهادي وابن خليل وغيرهم. وتفقه على الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر وغيره، وبرع في العربية واللغة واشتغل ودرس وأفتى وصنف.
قال الذهبي: كان حسن الديانة، دمث الأخلاق، كثير الإفادة، مطّرحا للتكلف، ولي تدريس الصاحبة مدة، وكان يحضر دار الحديث ويشغل بها وبالجبل وله حكايات ونوادر وكان من محاسن الشيوخ. قال: وجلست عنده وسمعت كلامه ولي منه إجازة.
وقال ابن رجب: وممن قرأ عليه العربية الشيخ تقي الدّين بن تيمية.
стр. 3592
وله تصانيف، منها في الفقه «القصيدة الطويلة الدالية» وكتاب «مجمع البحرين» لم يتمه. وكتاب «الفروق» وعمل طبقات للأصحاب. وحدّث، وروى عنه إسماعيل بن الخبّاز في «مشيخته» وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول ودفن بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى.
وفيها أبو السعود محمد بن عبد الكريم بن عبد القوي المنذري المصري [١] .
روى عن ابن المقيّر وجماعة، وتوفي في ربيع الأول عن خمس وستين سنة.
وفيها الفخر محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحباب التميمي المصري [٢] ناظر الخزانة. روى عن علي بن الجمل وجماعة، وتوفي في ربيع الأول عن خمس وسبعين سنة.
وفيها ابن الواسطي شمس الدّين محمد بن علي بن أحمد بن فضل الصالحي الحنبلي [٣] .
سمع حضورا من الموفق وموسى بن عبد القادر وابن راجح، وسمع من ابن البن وابن أبي لقمة وطائفة، وتوفي بمارستان البلد في رجب بعد أن قاسى الشدائد. وكان قليل العلم خيّرا ساكنا. قاله الذهبي.
وفيها الخطيب موفق الدّين محمد بن محمد بن الفضل بن محمد النهرواني القضاعي الحموي الشافعي، ويعرف بابن حبيش [٤] . خطيب حماة، ثم خطيب دمشق، ثم قاضي حماة.
стр. 3593
قال الذهبي: روى لنا بالإجازة عن جدّه مدرك، وكان شيخا متنورا مديد القامة مهيبا كثير الفضائل.
توفي بدمشق في أواخر جمادى الآخرة وله سبع وسبعون سنة.
وفيها محمد بن مكّي بن أبي المذكّر [١] القرشي الصّقلي الرّقّام [٢] .
روى بمصر عن ابن صباح والإربلي وطائفة كثيرة.
وتوفي في ربيع الأول وله خمس وسبعون سنة.
وفيها أبو عبد الله محمد بن هاشم بن عبد القاهر بن عقيل العدل الهاشمي العبّاسي الدمشقي [٣] روى عن ابن الزّبيدي، وأبي المحاسن الفضل بن عقيل العبّاسي، وشهد مدة، وانقطع ببستانه. ومات في رمضان عن ثلاث وتسعين سنة.
وفيها الموفق محمد بن يوسف بن إسماعيل المقدسي الحنبلي الشاهد [٤] .
قال الذهبي: حدثنا عن ابن المقيّر، ومات في شعبان عن خمس وسبعين سنة.
وفيها محمد بن يوسف بن خطاب التلّي الصّالحي [٥] .
قال الذهبي: حدثنا عن جعفر الهمداني ومات في جمادى الأولى بعد المحنة والشّدة بالجبل.
стр. 3594
وفيها مريم بنت أحمد بن حاتم البعلبكية [١] . حضرت البهاء، وسمعت الإربلي وكانت صالحة خيّرة. قاله في «العبر» .
وفيها ابن المقيّر أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الحسن المقرئ [٢] .
روى عن إبراهيم بن الخير وجماعة، وكان عبدا صالحا، حضر المصافّ واستشهد يومئذ.
وفيها ابن المقدّم الأمير نوح بن عبد الملك بن الأمير الكبير شمس الدّين محمد بن المقدّم [٣] ، لجده المواقف المشهودة، وهو الذي استشهد بعرفة زمن صلاح الدّين، وكان هذا من أمراء حماة، استشهد يومئذ وله خمس وسبعون سنة وقد حدّث عن ابن رواحة.
وقال الذهبي: وهو ممن عرفنا من كبار من قتل يوم المصافّ.
وفيها هدية بنت عبد الحميد بن محمد المقدسية الصّالحية [٤] . روت «الصحيح» عن ابن الزّبيدي، وتوفيت بالجبل في ربيع الآخر.
وفيها أبو الكرم وهبان بن علي بن محفوظ الجزري [٥] ، المؤذن المعمّر.
ولد بالجزيرة سنة أربع وستمائة، وسمع بمصر من ابن باقا، وتوفي في ربيع الأول، وكان مؤذّن السلطان مدة.
стр. 3595
وفيها ابن السفّاري [١] أمير الحاج يوسف بن أبي نصر بن أبي الفرج الدمشقي [٢] .
حدّث ب «الصحيح» [٣] مرات، وروى عن النّاصح، والإربلي، وجماعة، وحجّ مرات. توفي في زمن التتار ووضع في تابوت، فلما أمّن الناس نقل إلى النّيرب ودفن في قبته التي بالخانقاه، وله نحو من تسعين سنة.
وفيها ابن خطيب بيت الآبار محيي الدّين أبو بكر بن عبد الله بن عمر بن يوسف المقدسي [٤] . يروي عن ابن اللّتي والإربلي، ومات في شعبان.
стр. 3596
سنة سبعمائة
في صفر قويت الأراجيف بالتتار، وأكريت المحارة من الشام إلى مصر بخمسمائة درهم، وأبيعت الأمتعة بالثمن البخس.
وفي ربيع الآخر جاوز غازان بجيشه الفرات وقصد حلب وساق الشيخ تقي الدّين بن تيمية في البريد إلى القاهرة يحرّض الناس على الجهاد واجتمع بأكابر الأمراء، ثم نودي في دمشق من قدر على الهرب فلينج بنفسه، فانقلبت المدينة وانرصّ الخلق بالقلعة وأشرف الناس على خطة صعبة، وبقي الخوف أياما ثم تناقص برجعة غازان لما ناله من المشاق والثلوج.
وفيها توفي العزّ أبو العبّاس أحمد بن العماد عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الصّالحي الحنبلي [١] .
روى عن الشيخ الموفق، وابن أبي لقمة، وابن راجح، وموسى بن عبد القادر، وطائفة. وخرّج له «مشيخة» سمعها خلق، وزاره نائب السلطان، وتوفي في ثالث المحرم وله ثمان وثمانون سنة.
وفيها العماد أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سعد بن عبد الله المقدسي الصّالحي الحنبلي [٢] شيخ صالح مشهور.
стр. 3597
روى عن القزويني، وابن الزّبيدي وجماعة. وروى الكثير، وتوفي في المحرم وله ثلاث وثمانون سنة.
وفيها الشيخ إسماعيل بن إبراهيم بن شويخ الصالحي، شيخ البكرية [١] .
كان ينتسب لأبي بكر ﵁، وله أصحاب وفيه خير وسكون مات كهلا.
وفيها ابن الفرّاء العدل المسند الكبير عز الدّين أبو الفداء إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمر المرداوي الصالحي الحنبلي [٢] .
روى عن الموفق وابن راجح، وابن البن، وجماعة. وروى «الصحيح» مرّات. وكان صالحا، متواضعا، متعبّدا. قاسى الشدائد عام أول، واحترقت أملاكه.
توفي في سادس جمادى الآخرة وله تسعون سنة. قاله في «العبر» .
وفيها أبو جلنك أحمد الحلبي [٣] الشاعر المشهور، أسره التتر بحلب فسألوه عن عسكر المسلمين فعظمهم وكثرهم فقتلوه.
ومن شعره:
أتى العذار بماذا أنت معتذر ... وأنت كالوجد لا تبقي ولا تذر
لا عذر يقبل إذ نم العذار ولا ... ينجيك من شره خوف ولا حذر
стр. 3598
كأنني بوحوش الشعر قد أنست ... بوجنتيك وبالعشاق قد نفروا
وكلما مر بي مرد أقول لهم ... قفوا انظروا وجه هذا الكيس واعتبروا
قد كان شكلا نقيّ الخد معتدلا ... كأنه غصن بان فوقه قمر
فعاد لحيان فانفلّ الجماعة إذ ... رأوا طريقا إلى السلوان وانتصروا
وعاد في قبضهم لا شك جودلة ... فراح والدّمع من عينيه ينهمر
فاقرأ على نعشه آخر سبا فلقد ... جاءت بما تقتضي أحواله السور
إذا رأى عاشقا في النازعات غدا ... ما بعدها وهو قد أودى به الضرر
فعاد والليل يغشى نور طلعته ... وزال عن عاشقيه الهم والحصر
هذا جزاؤك يا من لا وفاء له ... والعاشقون لهم طوبى بما صبروا
وفيها المعمر شمس الدّين إبراهيم بن أبي بكر الجزري الكتبي، عرف بالفاشوشة [١] .
مولده سنة اثنتين وستمائة. وكان مشهورا بالكتب ومعرفتها، وكان عنده فضيلة. وكان يتشيع، جاء إليه إنسان فقال: عندك فضائل يزيد؟ قال: نعم، ودخل الدكان وطلع ومعه جراب فجعل يضربه به ويقول: العجب كيف ما قلت- ﷺ .
ومن شعره:
وما ذكرتكم إلا وضعت يدي ... على حشاشة قلب قلّما بردا
وما تذكّرت أياما بكم سلفت ... إلا تحدّر من عينيّ ما بردا
وفيها أيدمر الأمير الكبير عز الدّين الظّاهري [٢] ، الذي كان نائب دمشق
стр. 3599
في دولة مخدومه، حبس مدة ثم أطلق فلبس عمامة مدورة، وسكن بمدرسة عند الجسر الأبيض.
توفي في ربيع الأول، ودفن بتربته، وكان أبيض الرأس واللحية. قاله في «العبر» .
وفيها الأمير الكبير سيف الدّين بلبان المنصوري الطبّاحي [١] نائب حلب، ولي إمرة مصر وإمرة طرابلس، وكان من جلّة الأمراء وكبرائهم، حليما إذا غضب على أحد تكون عقوبته البعد عنه. توفي بالساحل كهلا وخلف جملة.
وفيها ابن عبدان، المسند شمس الدّين أبو القاسم الخضر بن عبد الرحمن بن الخضر بن الحسين بن عبد الله بن عبدان الأزدي الدمشقي [٢] الكاتب خدم في جهات الظلم، وكان عريا من العلم، لكنه تفرّد بأشياء وحدّث عن ابن البن، والقزويني، وأبي القاسم بن صصرى وجماعة.
وتوفي في ذي الحجّة عن أربع وثمانين سنة، قاله في «العبر» .
وفيها زينب بنت قاضي القضاة محيي الدّين يحيى بن محمد بن الزكي القرشي الدمشقي أم الخير [٣] .
روت عن علي بن حجاج، وابن المقيّر، وجماعة، وتوفيت في شعبان عن بضع وسبعين سنة.
وفيها أبو محمد عبد الملك بن عبد الرحمن بن عبد الأحد بن
стр. 3600
العنيقة الحرّاني العطّار [١] . روى عن أبي المعالي العطّار وابن يعيش وابن خليل، وتوفي بطريق مصر عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها مفيد الدين أبو محمد عبد الرحمن بن سليمان [٢] بن عبد العزيز بن المجلخ الحربي الضرير الفقيه الحنبلي [٣] معيد الحنابلة بالمستنصرية، سمع من الشيخ مجد الدين ابن تيمية وغيره، وكان من أكابر الشيوخ وأعيانهم، عالما بالفقه والعربية والحديث، قرأ عليه الفقه جماعة، وسمع منه الدقوقي وغيره.
وفيها أبو محمد عبد المنعم بن عبد اللطيف بن زين الأمناء أبي البركات بن عساكر الدمشقي [٤] روى عن ابن غسّان وابن اللّتي وطائفة، وتوفي في رجب، وله أربع وسبعون سنة.
وفيها الفرضي الإمام الحافظ شمس الدّين أبو العلاء محمود بن أبي بكر ابن أبي العلاء البخاري الكلاباذي الحنفي. الصّوفي. الحافظ [٤] .
كان إماما في الفرائض، مصنّفا فيها، له حلقة إشغال، وسمع الكثير بخراسان، والعراق، والشام، ومصر. وكتب بخطه الأنيق المتقن الكثير، ووقف أجزاءه، وراح مع التتار من خوف الغلاء فنزل بماردين أشهرا فأدركه أجله بها وله ست وخمسون سنة. وكان صالحا، ديّنا، سنّيا. قاله الذهبي.
وقال [٥] : حدثنا عن محمد بن أبي الدّنية وغيره.
стр. 3601
وفيها الغسولي أبو علي يوسف بن أحمد بن أبي بكر الصّالحي الحجار [١] .
روى عن موسى بن عبد القادر- وهو آخر من روى في الدنيا عنه- وروى عن الشيخ الموفق، وعاش ثماني وثمانين سنة. وكان فقيرا متعفّفا أمّيّا لا يكتب. خدم مدة في الحصون. وتوفي في منتصف جمادى الآخرة بالجبل. قاله الذهبي وغيره.
стр. 3602
تمّ بعون الله تعالى وتوفيقه تحقيقنا للمجلد السابع من كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للإمام ابن العماد الحنبلي الدمشقي مساء يوم الاثنين الواقع في ٢٦ من شوال المعظم لعام ١٤١٠ هـ، والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات. وأسأله- أن يعيننا على الانتهاء من تحقيق المجلدات المتبقية من الكتاب بحوله وقوته وتأييده، إنه تعالى خير مسؤول محمود الأرناؤوط
стр. 3603
[المجلد الثامن]
سنة إحدى وسبعمائة
فيها قتل بمصر [١] على الزّندقة الذّكي المتفنّن [٢] فتح الدّين أحمد بن [محمد] البقصي [٣] . ضربت رقبته بين القصرين، وجعل يتشاهد ولم يقبل المالكي توبته. وكان قد قامت عليه بيّنة بالتنقيص للقرآن المجيد والرّسول- ﷺ وتحليل المحرّمات والاستهانة بالعقائد. وكان ذكيا.
ومن شعره:
لحا [٤] الله الحشيش وآكليها ... لقد خبثت كما طاب السّلاف
كما تصبي [٥] كذا تضني وتشقي ... لآكلها [٦] وغايتها انحراف
стр. 3604
وأصغر دائها والدّاء جمّ ... بغاء أو جنون أو نشاف
وفيها توفي صاحب مكّة عزّ الدّين أبو نمي محمد بن صاحب مكّة أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني [١] ، من أبناء السبعين.
قال الذهبي: كان أسمر، ضخما، شجاعا، سائسا، مهيبا. ولي أربعين سنة. قال لي الدّباهي: لولا أنه زيديّ لصلح للخلافة لحسن صفاته. انتهى.
وفيها خديجة بنت الرّضي عبد الرحمن بن محمد [٢] ، عن أربع وثمانين سنة. روت عن القزويني، والبهاء، وجماعة.
وفيها علاء الدّين علي بن عبد الغني بن الفخر بن تيميّة الشّاهد الحنبلي [٣] .
قال الذهبي: حدّثنا عن الموفّق عبد اللّطيف، وابن روزبه، ومات بمصر عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العبّاس أحمد بن أبي علي [الحسن] بن أبي بكر [الحسن بن علي القبّي بن] المسترشد بالله العبّاسي [٤] .
توفي ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، وصلّي عليه العصر بسوق الخيل [٥] تحت القلعة، وحضر جنازته الدولة والأعيان كلّهم مشاة، ودفن بقرب
стр. 3605
السيدة نفيسة، وهو أوّل من دفن منهم هناك. واستمر مدفنهم إلى الآن. قاله السيوطي.
وقال الذهبي كانت خلافته أربعين عاما، وعهد بالخلافة إلى ابنه المستكفي سليمان.
وقال ابن الأهدل: كانت خلافتهم بمصر تحكّما لا حكما، وترسّما لا رسما.
وفيها مسند الشّام تقي الدّين أحمد بن عبد الرحمن بن مؤمن الصّوري الصّالحي الحنبلي [١] .
روى عن الشيخ الموفّق حضورا، وعن ابن أبي لقمة، والقزويني، والبهاء، وابن صصرى. وخرّجوا له «مشيخة» .
توفي في جمادى الآخرة عن أربع وثمانين سنة.
وفيها الشيخ وجيه الدّين محمد بن عثمان بن أسعد بن المنجّى أبو المعالي التّنوخي الحنبلي [٢] أخو الشيخ زين الدّين بن المنجّى.
ولد سنة ثلاثين وستمائة. وسمع من جعفر الهمداني، والسّخاوي، وخلق.
وكان شيخا، عالما، فاضلا، كثير المعروف والصّدقات والبرّ والتواضع للفقراء، موسّعا عليهم، موسّعا عليه في الدنيا، له هيبة وسطوة وجلالة.
بنى بدمشق دار قرآن معروفة به قريبة من مدرسة الخاتونية الحنفية الجوانية، ودرّس في أول عمره بالمسمارية والصّدرية، ثم تركهما لولده، فمات في حياته.
وولي نظر الجامع فأحسن فيه السيرة، وحدّث وروى عنه جماعة، وتوفي في شعبان.
وفي شعبان أيضا من هذه السنة توفي ببعلبك الفقيه الحنبلي المقرئ
стр. 3606
المحدّث أمين الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الولي بن أبي محمد بن خولان البعلي التّاجر [١] . وكان مولده سنة أربع وأربعين وستمائة. وسمع من الشيخ عبد الرحمن بن أبي عمر، وابن عبد الدائم، وجماعة. وقرأ ونظر في علوم الحديث.
قال الذهبي: سمعت منه ببعلبك، والمدينة، وتبوك. وكان من خيار النّاس وعلمائهم مقرئا [٢] ، ففيها، محدّثا، متقنا، صالحا، عدلا، ملازما للتحصيل.
وفيها شيخ بعلبك الحافظ شرف الدّين أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني الحنبلي [٣] .
ولد ببعلبك في حادي عشر رجب، سنة إحدى وعشرين وستمائة.
قال الذهبي: حدثنا عن البهاء [٤] حضورا، وعن ابن صباح، وابن الزّبيدي، وعدّة، ودرّس وأفتى.
وقال البرزالي: كان شيخا، جليلا، حسن الوجه، بهي المنظر، له سمت حسن وعليه سكينة ولديه فضل كثير. فصيح العبارة، حسن الكلام، له قبول من النّاس، وهو كثير التّودد إليهم. قاض للحقوق.
وقال ابن رجب: سمع منه خلق من الحفّاظ والأئمة، وأكثر عنه البرزالي والذهبي.
وتوفي ليلة [٥] الخميس حادي عشر رمضان ببعلبك. وكان موته شهادة، فإنه دخل إليه يوم الجمعة خامس رمضان وهو في خزانة الكتب بمسجد الحنابلة شخص فضربه بعصا على رأسه مرّات، وجرحه في رأسه بسكين، فاتّقى بيده، فجرحه
стр. 3607
فيها، فأمسك الضّارب وضرب [ضربا عظيما] [١] وحبس فأظهر الاختلال، وحمل الشيخ إلى داره، فأقبل على أصحابه يحدّثهم وينشدهم على عادته، وأتمّ صيام يومه. ثم حصل له بعد ذلك حمّى، واشتد مرضه، حتّى توفي ليلة الخميس المذكور.
وفيها مسند الوقت أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد الأبرقوهي [٢]- بفتح الهمزة والموحدة وسكون الراء وضم القاف وبالهاء، نسبة إلى أبرقوه بلدة بأصبهان- حدّث عن الفتح بن عبد السّلام، وابن صرما، وابن أبي لقمة، والفخر بن تيميّة، وتفرّد بأشياء. وكان مقرئا، صالحا، متواضعا، فاضلا.
توفي بمكة في عشري ذي الحجّة.
وفيها مجد الدّين يوسف بن القباقبي [٣] ، الفاضل الأديب.
من شعره في الثّلج:
طمت الثّلوج على الوهاد مع الرّبى ... فالكون يعجب منه وهو مفضّض
فانهض لنجمع شمل أنس مقبل ... بلذاذة فاليوم يوم أبيض
стр. 3608
سنة اثنتين وسبعمائة
فيها وسّط اليعفوريّ والقبّاريّ، وقطعت يمين التّاج النّاسخ لدخولهم في تزوير.
وفيها طرق قازان [١] التّتريّ الشام، فالتقاه يزك [٢] الإسلام، وفيهم الشيخ تقي الدّين بن تيميّة، التقوا على مرج الصّفّر [٣] ، فقتل من التتار خلق عظيم، وأسر منهم جماعة، ولكن استشهد من المسلمين جماعة، منهم:
الفقيه إبراهيم بن عبيدان [٤] .
والأمير صلاح الدّين ولد الكامل [٥] .
والأمير علاء الدّين الجاكي [٦] .
والأمير حسام الدّين [أوليا] بن قرمان [٧] .
والأمير الكافري [٨] .
стр. 3609
وفيها توفي المسند بدر الدّين الحسن بن علي بن الخلّال الدّمشقي [١] ، عن ثلاث وسبعين سنة. حدّث عن مكرم، وابن اللّتي، وابن الشّيرازي، وابن المقيّر، وجعفر، وكريمة، وخلق. وتفرّد بأشياء، وتوفي في ربيع الأول.
وفيها الإمام فخر الدّين أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي النّابلسي [٢] الفقيه الحنبلي.
ولد سنة ثلاثين وستمائة بنابلس، وسمع من ابن الجمّيزي، وابن رواح بمصر. ومن سبط السّلفي بالإسكندرية، ومن خطيب مردا، [و] محيي الدّين بن الجوزي لمّا قدم الشّام رسولا.
قال: البرزالي: كان شيخا، صالحا، عالما، كثير التواضع، محسنا إلى النّاس. أقام يفتي بنابلس مدة أربعين سنة.
وقال الذهبي: كان عارفا بالمذهب، ثقة، صالحا، ورعا، سمعت منه بنابلس. توفي ليلة الأحد مستهل المحرّم بنابلس.
وفيها متولي حماة الملك العادل زين الدّين كتبغا المغلي المنصوري [٣] ، ونقل فدفن بتربته في سفح قاسيون يوم الجمعة، يوم الأضحى. وكان في آخر الكهولة أسمر، قصيرا، دقيق الصّوت، شجاعا، قصير العنق، ينطوي على دين وسلامة باطن، وتواضع. وتسلطن بمصر عامين، وخلع في صفر سنة ست وتسعين، فالتجأ إلى صرخد، ثم أعطي حماة فمات بها.
وفيها شيخ الإسلام تقي الدّين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع ابن أبي الطّاعة القشيري المنفلوطي الشّافعي المالكي [٤] المصري، ابن دقيق العيد [٥] .
стр. 3610
ولد في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة، وتفقّه على والده بقوص.
وكان والده مالكيّ المذهب، ثم تفقّه على الشيخ عزّ الدّين بن عبد السلام، فحقّق المذهبين، وأفتى فيهما، وسمع الحديث من جماعة، وولي قضاء الدّيار المصرية، ودرّس بالشافعي ودار الحديث الكاملية وغيرهما. وصنّف التصانيف المشهورة، منها «الإلمام» في الحديث [١] ، وشرحه وسمّاه «الإمام» . وله «الاقتراح» في أصول الدّين وعلوم الحديث، و «شرح مختصر ابن الحاجب» في فقه المالكية ولم يكمله. [وشرح «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني] [٢] ، وله غير ذلك.
وكان يقول: ما تكلمت بكلمة ولا فعلت فعلا إلّا أعددت له جوابا بين يدي الله تعالى.
ويحكى أن ابن عبد السّلام كان [٣] يقول: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها، ابن منير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص.
وقال الذهبي في «معجمه» . قاضي القضاة بالدّيار المصرية، وشيخها، وعالمها، الإمام العلّامة، الحافظ القدوة الورع، شيخ العصر. كان علّامة في المذهبين، عارفا بالحديث وفنونه، سارت بمصنّفاته الرّكبان. وولي القضاء ثمان سنين.
وبسط السبكي ترجمته في «الطبقات الكبرى» قال: ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السّبعمائة.
وقال ابن كثير في «طبقاته» [٤] : أحد علماء وقته، بل أجلّهم وأكثرهم، علما، ودينا، وورعا، وتقشفا، ومداومة على العلم في ليله ونهاره، مع كبر السّن