الشافعية مطلعا بعد الرّافعي من [١] يساويه. كان أعجوبة في استحضار كلام الأصحاب، لا سيما في غير مظانه، وأعجوبة في معرفة نصوص الشافعيّ، وأعجوبة في قوة التخريج، ديّنا، خيّرا، محسنا إلى الطلبة.
توفي بمصر في رجب ودفن بالقرافة.
وفيها نجم الدّين أبو بكر عبد الله بن أبي السّعادات بن منصور بن أبي السّعادات بن محمد الأنباري ثم البابصري [٢] المقرئ، خطيب جامع المنصور، وشيخ المستنصرية بعد ابن الطبّال. سمع ابن بهروز، والأنجب الحمّامي، وأحمد بن المارستاني، ومات ببغداد في رمضان عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها عبد الله بن أبي جمرة السّبتي المالكي [٣] . روى بالإجازة عن ابن الرّبيع بن سالم، ثم ولي خطابة غرناطة في أواخر عمره فاتفق أنه صعد المنبر يوم الجمعة فسقط ميتا.
وأما عبد الله بن أبي جمرة [٤] الإمام القدوة، الذي شرح «مختصره للبخاري» فمات قبل القرن.
وفيها علي بن علي بن أسمح اليعقوبي [٥] الزّاهد ويلقب منلا [٦] الناسخ.
стр. 3642
كان علّامة، متفنّنا، ذا محفوظات، منها «مصابيح البغوي» و «المفصّل» و «المقامات» . وسكن الرّوم، وركب البغلة، ثم تزهّد وهاجر إلى دمشق، واستمر بدلق ومئزر صغير أسود، وتردد إلى المدارس، وأقرأ العربية، ومات باللّجّون.
وفيها بهاء الدّين علي بن الفقيه عيسى بن سليمان بن رمضان الثّعلبي المصري ابن القيّم [١] . كان ناظر الأوقاف، وذكر مرّة للوزارة. وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا. حدّث عن الفخر الفارسي، وابن باقا.
وتوفي في ذي القعدة بمصر عن سبع وتسعين سنة.
وفيها أبو عمرو عثمان بن إبراهيم الحمصي النسّاخ [٢] . حضر ابن الزّبيدي، وروى كثيرا عن الضّياء، ومات بدمشق في رجب عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها قاضي القضاة شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن عبد الغني السّروجي [٣] [الحنفي] [٤] . أحد أئمة المذهب. صنف التصانيف واشتهر، وتوفي في ربيع الآخر وله ثلاث وسبعون سنة. قاله الذهبي [٥] .
وفيها ستّ الملوك فاطمة بنت علي بن أبي البدر [٦] ، روت كتابي «الدارمي» و «عبد بن حميد» [٧] عن ابن بهروز الطّبيب، وتوفيت ببغداد في ربيع الأول. قاله في «العبر» .
стр. 3643
سنة إحدى عشرة وسبعمائة
فيها توفي عماد الدّين أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مسعود الواسطيّ الحزامي [١] الزّاهد القدوة العارف.
ولد في حادي أو ثاني عشري [٢] ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وستمائة بشرقي واسط. وكان أبوه شيخ الطّائفة الأحمدية. ونشأ الشيخ عماد الدّين بينهم وألهمه الله تعالى من صغره طلب الحقّ ومحبته، والنّفور عن البدع وأهلها، فاجتمع بالفقهاء بواسط، كالشيخ عز الدّين الفاروثي وغيره، وقرأ شيئا من الفقه على مذهب الشافعي، ثم دخل بغداد، وصحب بها طوائف من الفقهاء، وحجّ واجتمع بجماعة منهم. وأقام بالقاهرة مدة ببعض جوانبها، وخالط طوائف الفقراء، ولم يسكن قلبه إلى شيء من الطرائق المحدثة، واجتمع بالإسكندرية بالطّائفة الشّاذلية، فوجد عندهم ما يطلبه من لوائح المعرفة والمحبة والسّلوك، فأخذ ذلك عنهم، وانتفع بهم واقتفى طريقتهم وهديهم، ثم قدم دمشق فرأى الشيخ تقي الدّين بن تيميّة وصاحبه [٣] فدلّه على مطالعة السيرة النبوية، فأقبل على سيرة ابن إسحاق تلخيص ابن هشام، فلخصها واختصرها، وأقبل على مطالعة كتب الحديث والسّنّة والآثار.
وتخلّى من جميع طرائقه وأذواقه وسلوكه، واقتفى أثر الرّسول- ﷺ وهديه وطرائقه المأثورة عنه في كتب السّنن والآثار. واعتنى بأمر السّنّة أصولا وفروعا
стр. 3644
وشرع [١] في الردّ على طوائف المبتدعة الذين خالطهم وعرفهم من الاتحادية وغيرهم، وبيّن عوراتهم، وكشف أستارهم، وانتقل إلى مذهب الإمام أحمد.
واختصر «الكافي» في مجلد سمّاه «البلغة» وألّف تآليف كثيرة في الطريقة [٢] النبوية والسّلوك الأثري المحمدي، وهي من أنفع كتب الصّوفية للمريدين، وانتفع به خلق كثير من متصوفة أهل الحديث ومتعبديهم. قاله ابن رجب.
وقال الشيخ تقي الدّين بن تيمية: هو جنيد وقته.
وقال البرزالي في «معجمه» : صالح عارف صاحب نسك وعبادة وانقطاع وعزوف عن الدّنيا، وله كلام متين في التصوف الصحيح، وهو [٣] داعية إلى طريق الله تعالى وقلمه أبسط من عبارته، واختصر «السيرة النبوية» وكان يتقوت من النسخ ولا يكتب إلّا مقدار ما يدفع به الضرورة. وكان محبا لأهل الحديث، معظّما لهم، وأوقاته كلّها معمورة.
وقال الذهبي: كان سيّدا، عارفا، كبير الشأن، منقطعا إلى الله تعالى، ينسخ بالأجرة ويتقوت، ولا يكاد يقبل من أحد شيئا إلّا في النادر. صنّف أجزاء عديدة في السلوك والسّير إلى الله تعالى، وفي الردّ على الاتحادية والمبتدعة. وكان داعية إلى السّنّة، ومذهبه مذهب السّلف في الصّفات، يمرّها كما جاءت. وقد انتفع به جماعة صحبوه، ولا أعلم خلّف بدمشق في طريقته مثله.
توفي آخر نهار السبت سادس عشري [٤] ربيع الآخر بالمارستان الصغير بدمشق وصلّي عليه من الغد بالجامع، ودفن بسفح قاسيون قبالة زاوية السّيوفي.
وفيها الأمير الكبير سيف الدّين اسندمر [٥] الكرجي [٦] .
стр. 3645
قال الذهبي: توفي في سجن الكرك في آخر الكهولة. ولي البرّ [١] بدمشق، ثم نيابة طرابلس، ثم حلب. وكان بطلا، شجاعا، سايسا، داهية، جبّارا، ظلوما، مهيبا. سمع بقراءتي «صحيح البخاري» . انتهى.
وفيها إسماعيل بن نصر الله بن تاج الأمناء أحمد بن عساكر [٢] .
قال الذهبي: حدثنا عن ابن اللّتي، ومكرم، وابن الشّيرازي، وطبقتهم.
وشيوخه نحو التسعين. وكان مكثرا، وفيه خفة وطيش، ولكنه فيه دين.
توفي بدمشق في صفر عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها- وقيل في التي قبلها كما جزم به ابن قاضي شهبة- عز الدّين الحسن بن الحارث بن الحسن بن خليفة المعروف بابن مسكين [٣] ، وهو من أولاد الحارث بن مسكين [٤] أحد المالكية المعاصرين للشافعي.
قال ابن كثير في «طبقاته» : كان من أعيان الشافعية بالدّيار المصرية، وكان عيّن لقضاء الشافعية بدمشق فامتنع لمفارقة الوطن.
وقال الإسنويّ: درّس بالشافعي، وكان من أعيان الشافعية الصّلحاء، كتب ابن الرّفعة تحت خطّه: جوابي كجواب سيدي وشيخي.
توفي في جمادى الأولى.
وفيها رشيد الدّين رشيد بن كامل الرّقّي الشافعي [٥] .
درّس وأفتى، وبرع في الأدب، وكان وكيل بلاد حلب، وحدّث عن ابن مسلمة وابن علّان، وكان علّامة، شيخ الأدباء.
توفي عن ست وثمانين سنة.
стр. 3646
وفيها- أو في التي قبلها وجزم به ابن شهبة- الشيخ عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد الجليل النّمراوي المصري الشافعي [١] .
ولد بنمرا من أعمال الغربية، واشتغل وتصدى للاشتغال [٢] ، ودرّس في التفسير بالقبة المنصورية.
قال ابن كثير في «طبقاته» : أحد الفضلاء المناظرين من الشافعية، أفتى ودرّس، وناظر بين يدي العلّامة ابن دقيق العيد، والعلّامة صدر الدّين بن الوكيل، فاستجاد ابن دقيق العيد بحثه ورجّحه في ذلك البحث على ابن الوكيل، فارتفع قدره من يومئذ. وصحب النائب سلّار فازداد وجاهة في الدنيا بذلك.
توفي في ذي القعدة ودفن بالقرافة.
وفيها، بل في التي قبلها جزم به غير واحد، بدر الدّين أبو البركات عبد اللّطيف بن قاضي القضاة تقي الدّين محمد بن الحسين بن رزين العامري الحموي الأصل المصري الشافعي [٣] العلّامة.
مولده سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع بمصر والشام من جماعة، وأعاد عند والده وهو ابن عشرين سنة، وناب عنه في القضاء، وأفتى وولي قضاء العسكر في حياة والده، وخطب بجامع الأزهر، ودرّس بالظّاهرية والسّيفية والأشرفية.
قال ابن كثير: كان من صدور الفقهاء وأعيان الرؤساء، وأحد المذكورين في الفضلاء. وكان له اعتناء جيد بالحديث ويلقي الدروس منه ومن التفسير والفقه وأصوله، وله اعناء بالسماع والرّواية.
وقال السبكي في «الطبقات» : كان يجتمع عنده بالظاهرية من الفضلاء ما لا يجتمع عند غيره وتحصل بينهم الفضائل الجمّة، بحيث كان طالب التحقيقات
стр. 3647
يحضر درسه لأجل من يحضر، فممن كان يحضر الوالد، وقطب الدين السّنباطي، وتاج الدّين طوير اللّيل [١] وجماعة.
توفي بالقاهرة في جمادى الآخرة.
وفيها شعبان بن أبي بكر بن عمر الإربلي [٢] .
قال الذهبي: الشيخ الزّاهد الصّالح البركة، خرّج له رفيقه ابن الظّاهري عن محمد بن النّعالي، وعبد الغني بن بنين، والكمال الضرير، وطبقتهم. وكان خيّرا، متواضعا، وافر الحرمة.
توفي في رجب عن سبع وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة.
وفيها القاضي المنشئ جمال الدّين محمد بن مكرّم بن علي الأنصاري [الرّويفعي] [٣] ، يروي عن مرتضى، وابن المقيّر، ويوسف المحيلي، وابن الطّفيل. وحدّث بمصر ودمشق، واختصر «تاريخ ابن عساكر» [٤] وله نظم ونثر، وفيه شائبة تشيّع، وتوفي بمصر في شعبان عن اثنتين وثمانين سنة.
стр. 3648
وفيها الأديب الخليع الحكيم شمس الدّين محمد بن دانيال [١] مؤلّف كتاب «طيف الخيال» .
كانت له نكت غريبة، وطباع عجيبة.
صحبه ولد القسيس الملكي، وكان جميل الصّورة، فخاف والده عليه منه، فكتب إليه ابن دانيال:
قلت للقسيس يوما ... والورى تفهم قصدي
ما الذي أنكرت من نج ... لك إذ أخلصت ودّي
خفت أن يسلم عندي ... هو ما يسلم عندي
ومن شعره:
ما عاينت عيناي في عطلتي ... أيشم [٢] من حظّي ومن بختي
قد بعت عبدي وحماري وقد ... أصبحت لا فوقي ولا تحتي
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي نصر الدّباهي البغدادي [٣] الحنبلي الزاهد.
ولد سنة ست أو سبع وثلاثين وستمائة ببغداد، وصحب الشيخ يحيى الصّرصري، وكان خال والدته، والشيخ عبد الله كتيلة مدّة، وسافر معه، وجاور بمكّة عشر سنين. ودخل الرّوم، والجزيرة، ومصر، والشام، ثم استوطن دمشق وبها توفي.
قال ابن الزملكاني عنه: شيخ صالح وعارف زاهد، كثير الرّغبة في العلم وأهله، والحرص على الخير، والاجتهاد في العبادة. تخلّى عن الدّنيا، وخرج عنها، ولازم العبادة والعمل الدائم، واستغرق أوقاته في الخير.
стр. 3649
وقال ابن رجب: سمع منه البرزالي، والذهبي، ابتلي بضيق النّفس سبعة أشهر، ثم بالاستسقاء، وانتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس رابع عشري شهر ربيع الآخر ودفن بقاسيون قبل الشيخ عماد الدّين الواسطي بيومين.
وفيها شرف الدّين محمد بن شريف بن يوسف ابن الوحيد الزّرعي [١] .
قال الذهبي: شيخ التجويد، وصاحب الكتابة الباهرة والإنشاء الجيد. كان شجاعا، مقداما، متكلما، منشئا. وهو متّهم في دينه يرمى بعظائم.
توفي في شعبان وقد شاخ. انتهى.
وفيها عماد الدّين أبو المعالي محمد بن علي بن محمد بن علي بن البالسي [٢] الدمشقي [٣] .
قال في «العبر» : العدل المرتضى المسند. سمع من إسحاق الشّاغوري، وكريمة، وجماعة حضورا، ومن السّخاوي، وابن قميرة، وابن شقير، وخلق.
خرّجت له «معجما» كبيرا، ووقف أجزاءه. وكان محمودا في الشهادات، حسن الدّيانة.
توفي في جمادى الأولى عن أربع وسبعين سنة.
وفيها الصّاحب فخر الدّين عمر بن عبد العزيز بن الحسن بن الخليلي التّميمي الدّاري المصري [٤] .
روى عن المرسي، وولي وزارة الصحبة في آخر الدولة المنصورية، ثم للعادل والمنصور حسام الدّين، ثم عزل ثم ولّي للناصر ثم عزل، ومات معزولا.
وكان خبيرا بالأمور، شهما، مقداما، فيه كرم وسؤدد.
مات ليلة الفطر عن إحدى وسبعين سنة.
стр. 3650
وفيها أبو حفص عمر بن عبد النّصير بن محمد بن هاشم بن عزّ العرب القُرَشي السّهمي القوصي ثم [١] الإسكندراني، المعروف بالزّاهد [٢] .
قال الذهبي: حدثنا بدمشق عن ابن المقيّر، وابن الجمّيزي، وحجّ مرات.
وقال ابن حجر: أجاز لبعض شيوخنا، وله شعر، فمنه:
قف بالحمى ودع الرّسائل ... وعن الأحبة قف وسائل
واجعل خضوعك والتذلّل ... في طلابهم وسائل
والدّمع من فرط البكا ... ء عليهم جار وسائل
واسأل مراحمهم فهنّ ... لكل محروم وسائل
وتوفي في منتصف المحرّم بالثغر عن ست وتسعين سنة.
وفيها أم محمد فاطمة بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي البعلي [٣] والدة الشيخ إبراهيم بن القرشية [٤] وإخوته. روت «الصحيح» عن ابن الزّبيدي مرّات، وسمعت «صحيح مسلم» من ابن الحصيري شيخ الحنفية، وسمعت من ابن رواحة، وكانت ديّنة، متعبّدة، صالحة، مسندة.
توفيت في صفر عن ست وثمانين سنة.
وفيها قاضي حماة العلّامة عزّ الدّين عبد العزيز بن محيي الدّين محمد بن نجم الدّين أحمد بن هبة الله بن العديم الحنفي [٥] .
قال الذهبي: حدثنا عن ابن خليل، وهدية، وغيرهما. وكان له اعتناء ب «الكشّاف» وب «مفتاح» السّكّاكي [٦] علّامة.
توفي بحماة في ربيع الأول عن ثمان وسبعين سنة، ودفن بتربته.
стр. 3651
وفيها قاضي الحنابلة سعد الدّين أبو محمد وأبو عبد الرحمن، مسعود بن أحمد بن مسعود [١] المحدّث الحافظ، قاضي قضاة الحنابلة الحارثي [٢] .
ولد سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين وستمائة، وسمع بمصر من الرّضي بن البرهان، والنّجيب الحرّاني، وابن علّاق، وجماعة من أصحاب البوصيري.
وبالإسكندرية من عثمان بن عوف، وابن الفرات. وبدمشق من أحمد بن أبي الخير، وأبي زكريا بن الصّيرفي وخلق من هذه الطبقة. وعني بالحديث، وكتب بخطّه الكثير، وتفقّه على ابن أبي عمر وغيره، وبرع، وأفتى، وصنّف، وخرّج لنفسه أمالي، وتكلّم فيها على الحديث ورجاله، وعلى التراجم، فأحسن وشفى.
وحجّ غير مرّة. ودرّس بعدة أماكن. وولي القضاء سنتين ونصفا. وكان سنّيّا، أثريّا، متمسّكا بالحديث.
قال الذهبي في «معجمه» : كان فقيها، مناظرا، مفتيا، عالما بالحديث وفنونه، حسن الكلام، عليه وعلى الأسماء، ذا حظ من عربية وأصول، وأقرأ المذهب، ودرّس، ورأس الحنابلة. روى عنه إسماعيل بن الخبّاز، وهو أسند منه، وأبو الحجّاج المزّي، وأبو محمد البرزالي.
وذكره الذهبي أيضا في «طبقات الحفاظ» وقال: كان عارفا بمذهبه، ثقة، متقنا، صينا.
وقال ابن رجب: حدثنا بالكثير، وروى عنه جماعة من شيوخنا وغيرهم، وتوفي سحر يوم الأربعاء [رابع] عشري ذي الحجّة بالقاهرة، ودفن من يومه بالقرافة.
والحارثي: نسبة إلى الحارثية، قرية ببغداد غربيها [٣] ، كان أبوه منها.
стр. 3652
سنة اثنتي عشرة وسبعمائة
فيها مات شيخ بعلبك الإمام الفقيه الزّاهد القدوة بركة الوقت أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن حاتم الحنبلي [١] .
حدّث عن سليمان الإسعردي، وأبي سليمان الحافظ، والشيخ الفقيه [٢] وبالإجازة، عن ابن روزبه، ونصر بن عبد الرزّاق. وكان من العلماء الأبرار، قليل المثل، خيّرا، منوّرا، أمّارا بالمعروف.
توفي في صفر عن نيّف وثمانين سنة.
وفيها الصّدر الأديب المقرئ شهاب الدّين أحمد بن سليمان بن مروان بن البعلبكي الدمشقي [٣] ، من تجار الخوّاصين، ومن عدول القيمة. عرض «الشاطبية» على السّخاوي، وسمع منه أجزاء، وله نظم جيّد، منه:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا ... ومنتهى أربي صدّوا وإن وصلوا
ما لي اعتراض عليهم في تصرّفهم ... جادوا عليّ بوصل أو هم بخلوا
أحبابنا كيف حلّلتم قطيعة من ... أمسى وليس له في غيركم أمل
لا يحمل الضّيم إلّا في محبّتكم ... ولا يقاس به في غيره رجل
والحبّ يبدي اعتذارا من جنايته ... بغير وجه ويعلو وجهه الخجل
وكل ساع سعى فينا يقول لنا ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل
توفي في ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة.
стр. 3653
وفيها تاج الدّين أحمد بن العماد بن الشّيرازي [١] . ولي الوكالة، والحسبة، ونظر الدواوين، ونظر الجامع. وتنقل في المناصب ثم مات بطالا.
حدّث عن ابن عبد الدائم، وتوفي بالمزّة في رجب عن ثمان وخمسين سنة.
وفيها الفقيه الحنبلي المعمّر عماد الدّين أحمد بن القاضي شمس الدّين محمد بن العماد إبراهيم المقدسي الحنبلي [٢] . سمع ببغداد من الكاشغري، وابن الخازن، وبمصر من ابن رواج وطائفة، وتفرّد بأجزاء، وتوفي بمصر في جمادى الآخرة، عن خمس وسبعين سنة.
وفيها زين الدّين أبو محمد الحسن بن عبد الكريم بن عبد السلام الغماري المصري المالكي [٣] سبط الفقيه زيادة. سمع من أبي القاسم بن عيسى المقرئ، ومحمد بن عمر القرطبي [٤] المقرئ، وتفرّد عنهما. وتلا بالسّبع على أصحاب أبي الجود [٥] . وكان خيّرا، فاضلا، كيسا، يؤدّب في منزله.
توفي بمصر في شوال عن خمس وتسعين سنة.
وفيها نجم الدّين داود الكردي [٦] الشّافعي درّس بصلاحية القدس ثلاثين سنة، وكان علّامة، وتوفي بالقدس.
وفيها شرف الدّين أبو البركات عبد الأحد بن أبي القاسم بن عبد الغني ابن خطيب حرّان فخر الدّين بن تيميّة الحرّاني [٧] الحنبلي التاجر.
روى عن ابن اللّتي حضورا، وعن ابن رواحة، وابن شقير، وجماعة، وكان صالحا، عدلا، تقيا.
стр. 3654
توفي بدمشق في شعبان عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن هارون التّغلبي الدمشقي [١] قارئ المواعيد للعامّة. سمع من ابن صباح حضورا، ومن ابن الزّبيدي، والمازني [٢] وابن اللّتي، والنّاصح، ومكرم، وعدة. وتفرّد بالعوالي، واشتهر.
وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، مسندا، عالما.
توفي بمصر في ربيع الآخر وله ست وثمانون سنة.
وفيها نور الدّين علي بن نصر الله بن عمر القرشي المصري بن الصوّاف [٣] الشّافعي، الذي روى عن ابن باقا أكثر «سنن النسائي» سماعا، وتفرّد واشتهر، وسمع من جعفر الهمذاني، والعلم بن الصّابوني. وله إجازة أبي الوفاء محمود بن مندة من أصبهان.
وتوفي في رجب وقد قارب التسعين.
وفيها الملك المظفّر شهاب الدّين غازي ابن النّاصر داود بن المعظّم بن العادل [٤] .
قال الذهبي: حدثنا عن الصّدر البكري، وخطيب مردا. وكان عاقلا، ديّنا، عاش نيّفا وسبعين سنة.
وفيها سلطان دست [٥] القفجاق طقططيه [٦] المغلي الجنكزخاني، وله
стр. 3655
نحو من أربعين سنة. وكانت دولته ثلاثا وعشرين سنة، وكان على دين قومه، يحب السّحرة، وفيه عدل في الجملة، وميل إلى الإسلام. وعسكره خلق عظيم بالمرّة.
وتملّك بعده القآن الكبير أزبك خان. وهو شاب بديع الجمال حسن الإسلام موصوف بالشجاعة، وامتدت أيامه. قاله في «العبر» .
وفيها صاحب ماردين نجم الدّين غازي بن المظفّر قرا أرسلان بن السّعيد غازي بن أرتق بن غازي بن تمرتاش بن الملك غازي بن أرتق التركماني الأرتقي [١] .
توفي في ربيع الآخر ودفن بتربة آبائه، عن بضع وستين سنة.
وتملّك بعده ولده العادل فمات بعد أيام. فيقال: سمّهما قرا سنقر. ثم تملّك ابنه الآخر الملك الصّالح.
وفيها المعمّرة أم محمد هدية بنت علي بن عسكر الهرّاس [٢] ولها ست وثمانون سنة. تروي عن ابن الزّبيدي حضورا، وعن ابن اللّتي، والهمذاني، وغيرهم. وكانت فقيرة، صالحة، قنوعة، متعبدة، سمراء، قابلة.
توفيت بالقدس في جمادى الأولى. قاله الذّهبي.
وفيها ست الأجناس موفّقيّة [٣] بنت عبد الوهاب بن عتيق بن وردان المصرية [٤] . روت عن الحسن بن دينار، والعلم بن الصّابوني، وغيرهما.
وتفرّدت وعمّرت اثنتين وثمانين سنة.
стр. 3656
وفيها الأديب محمد بن موسى القدسي [١] ، عرف بكاتب أمير سلاح.
كتب في لوح صبي مليح اسمه سالم:
وأهيف تهفو نحو بانة قدّه ... قلوب تبثّ الشجو فهي حمائم
عجبت له إذ دام توريد خدّه ... وما الورد في حال على الغصن دائم
وأعجب من ذا أن حيّة شعره ... تجول على أعطافه وهو سالم
стр. 3657
سنة ثلاث عشرة وسبعمائة
فيها توفي أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي القاسم الدّشتي- بفتح المهملة وسكون المعجمة وفوقية، نسبة إلى دشتى محلّة بأصبهان- الكردي المؤدّب الحنبلي [١] .
قال الذهبي حدثنا عن ابن رواحة، وابن يعيش، وابن قميرة، والضّياء، وصفيّة القرشية، وعدة. وله مشيخة بانتقاء البرزالي، وتفرّد بأشياء عالية.
وتوفي في جمادى الآخرة بدمشق عن ثمانين سنة غير أشهر.
وفيها المسند المعمّر ركن الدّين بيبرس التركي العديمي [٢] .
قال الذهبي: حدّثنا عن الكاشغري، وهبة الله بن الدّوامي، وجماعة. وكان مسندا.
توفي بحلب في ذي القعدة، عن نحو التسعين أو أكثر.
وفيها شيخ القرّاء تقي الدّين أبو بكر ثابت بن محمد بن المشيّع الجزري المقصّاتي [٣] .
стр. 3658
أمّ مدّة بالرّباط النّاصري بسفح قاسيون، وتلا على الشيخ عبد الصّمد وغيره. وروى عن الكواشي «تفسيره» وكان ديّنا، صالحا، بصيرا بالسّبع.
وتوفي بدمشق في جمادى الآخرة عن بضع وثمانين سنة.
وفيها فخر الدّين أبو عمرو عثمان بن محمد بن عثمان التّوزري [١]- بفتح المثناة الفوقية والزاي، بينهما واو ساكنة، وآخره راء، نسبة إلى توزر [٢] مدينة بإفريقية- الحافظ المالكي المجاور. سمع السّبط، وابن الجمّيزي، وعدة. وقرأ ما لا يوصف كثرة، ثم جاور للعبادة مدة، وكان قد تلا بالسّبع.
وتوفي بمكّة المشرّفة في ربيع الآخر عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها الخطيب القاضي عماد الدّين علي ابن الفخر عبد العزيز بن قاضي القضاة عماد الدّين عبد الرحمن بن عبد العلي ابن السّكّري المصري الشّافعي [٣] ، خطيب جامع الحاكم، ومدرّس مشهد الحسين، وقد ذهب في الرسالة إلى ملك التتار، وحدّث بدمشق عن جدّه لأمّه ابن الجمّيزي، وتوفي عن أربع وسبعين سنة.
стр. 3659
سنة أربع عشرة وسبعمائة
فيها جرت وقعة بقرب مكّة بين الأخوين حميضة، وأبي الغيث، فقتل أبو الغيث واستولى حميضة على مكّة.
وفيها توفي العدل المسند زين الدّين إبراهيم بن عبد الرحمن بن تاج الدّين أحمد بن القاضي أبي نصر بن الشّيرازي الشّافعي [١] .
قال الذهبي: حدثنا عن السّخاوي، وكريمة، والنسّابة، والتّاج بن حمّوية، وطائفة. وانتخب عليه العلائي.
مولده [في أول يوم من سنة أربع وثلاثين وستمائة] .
وتوفي في جمادى الآخرة وله ثمانون سنة.
وفيها رشيد الدين إسماعيل بن عثمان بن المعلّم القرشي الدمشقي الحنفي [٢] ، شيخ الحنفية. سمع من ابن الزّبيدي «الثلاثيات» [٣] ، وسمع من السّخاوي، والنسّابة، وجماعة. وتفرّد وتلا بالسّبع على السّخاوي، وأفتى ودرّس، ثم انجفل إلى القاهرة سنة سبعمائة، وتغيّر قبل موته بقليل وانهزم، وتوفي بمصر في رجب عن إحدى وتسعين سنة.
стр. 3660
ومات قبله ابنه المفتي تقي الدّين [١] بقليل.
وفيها نقيب الأشراف أمين الدّين جعفر ابن شيخ الشّيعة محيي الدّين محمد بن عدنان الحسيني [٢] .
توفي في حياة أبيه، فولي النقابة بعده ولده شرف الدّين عدنان وخلع عليه بطرحة، وهو شاب طريّ. قاله في «العبر» .
وفيها الشيخ سليمان التركماني المولّه [٣] .
قال الذهبي: كان يجلس بسقاية باب البريد وحوله الكلاب، ثم يطرق العلبيين، وعليه عباءة نجسة ووسخ بيّن، وهو ساكن، قليل الحديث، له كشف وحال من نوع إخبارات الكهنة، وللناس فيه اعتقاد زائد. وكان شيخنا إبراهيم الرّقّي مع جلالته يخضع له ويجلس عنده. قارب سبعين سنة، وكان يأكل في رمضان ولا صلاة ولا دين. ورأيت من يحكي أنه يعقل ولكنه يتجانن. انتهى.
وفيها محتشم العراق القدوة شهاب الدّين عبد المحمود بن عبد الرحمن بن أبي جعفر محمد بن الشيخ شهاب الدّين السّهرورديّ [٤] ، وخلّف نعمة جزيلة، وكان عالما واعظا. حدّث عن جدّه أبي جعفر.
وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطّاب الباجي- بالباء الموحدة والجيم نسبة إلى باجة مدينة بالأندلس- المصري [٥] الشافعي [٦] الإمام المشهور.
стр. 3661
ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة، سنة مولد النّووي، وتفقه بالشام على ابن عبد السّلام، ثم ولي قضاء الكرك قديما في دولة الملك الظّاهر، ثم دخل القاهرة واستوطنها، وناب في الحكم، ثم ترك ذلك، ولزمته الطلبة للاشتغال عليه.
وممن أخذ عنه الشيخ تقي الدّين السّبكي، أخذ عنه الأصلين وتخرّج به في المناظرة، وله مصنّفات في فنون [ليست على قدر علمه] .
قال ابن شهبة: كان أعلم أهل الأرض بمذهب الأشعري، وكان هو بالقاهرة والصّفي الهندي بالشام القائمين بنصرة مذهب الأشعري، وكان ابن دقيق العيد كثير التعظيم له.
وقال التّقي السّبكي: كان ابن دقيق العيد لا يخاطب أحدا إلّا بقوله: يا إنسان غير اثنين الباجي، وابن الرّفعة، يقول للباجي: يا إمام، ولابن الرّفعة يا فقيه.
وقال الإسنوي: له في المحافل مباحث مشهورة، وفي المشاهد مقامات مأثورة. كان إماما في الأصلين، والمنطق، فاضلا فيما عداها. وكان أنظر أهل زمانه ومن أذكاهم قريحة، لا يكاد ينقطع في المباحث، فصيح العبارة. وكان يبحث مع الكبير والصغير إلّا أنه قليل المطالعة جدا، ولا يكاد أحد يراه ناظرا في كتاب.
وصنف مختصرات في علوم متعددة، واشتهرت وحفظت في حياته، وعقب موته، ثم انطفت كأن لم تكن.
توفي في ذي القعدة ودفن بالقرافة بقرب المكان المعروف بورش.
وفيها العالمة الفقيهة الزّاهدة القانتة، سيدة نساء زمانها، الواعظة أمّ زينب فاطمة بنت عبّاس البغدادية [١] الشّيخة بمصر، عن نيّف وثمانين سنة، وشيّعها خلائق، وانتفع بها خلق من النساء وتابوا. وكانت وافرة العقل والعلم [٢] ، قانعة
стр. 3662
باليسير، حريصة على النفع والتّذكير، ذات إخلاص وخشية وأمر بالمعروف، انصلح بها نساء دمشق، ثم نساء مصر. وكان لها قبول زائد ووقع في النّفوس، رحمها الله، زرتها مرة. قاله في «العبر» .
وفيها العدل جمال الدّين ابن عطيّة بن إسماعيل بن عبد الوهاب بن محمد بن عطيّة اللّخمي [١] المتفرّد بكرامات الأولياء عن مظفّر الفوّي.
مات وهو من أبناء الثمانين.
وفيها الصّالح المعمّر، بقية السّلف، محمد [بن محمود بن الحسين بن الحسن، المعروف ب] «حياك الله» الموصلي [٢] بزاويته في سويقة كوم الرّيش [٣] بمصر، ودفن بالقرافة. وكان من الأخيار يقصد للزيارة والتبرك، سئل عن مولده فقال: قدمت مصر في أول دولة المعزّ أيبك التّركماني [٤] وعمري خمس وثمانون سنة، فيكون لي مائة وستون سنة. وكان كثير الذّكر والتّلاوة، وعنده محاضرة، وعلى ذهنه أشياء.
ومن شعره:
إذا الحبّ لم يشغلك عن كلّ شاغل ... فما ظفرت كفّاك منه بطائل
وما الحبّ إلا خمرة تسكر الفتى ... فيصبح نشوانا لطيف الشّمائل
لقيني من أهواه يوما فقال لي ... بمن أنت مشغوف فقلت بسائلي
ولو أن في السّلوان ما عنكم غنى ... لخلّصت قلبي واستراحت عواذلي
стр. 3663
سنة خمس عشرة وسبعمائة
فيها كما قال في «العبر» [١] : قتل أحمد الرّويس الأقباعي بدمشق لاستحلاله المحارم وتعرضه للنّبوّة، وكان له كشف وإخبار عن المغيّبات، فضلّ به الجهلة. وكان يقول: أتاني النّبيّ- ﷺ وحدّثني. وكان يأكل الحشيشة ويترك الصلاة، وعليه قباء.
وفيها توفي السيّد ركن الدّين حسن بن شرف شاه الحسيني الأستراباذي [٢] صاحب التصانيف. كان علّامة، متكلما، نحويا، مبالغا في التواضع، يقوم لكلّ أحد، حتّى للسّقّاء. وكانت جامكيّته [٣] في الشهر ألفا وثمانية [٤] دراهم، وتوفي بالموصل في المحرّم وقد شاخ.
وفيها الشّيخة الصّالحة، ستّ الوزراء ابنة [تاج الدّين] أبي الفضل يحيى بن محمد بن حمزة التّغلبي الدمشقي [٥] .
مولدها سنة تسع وثلاثين وستمائة. وأجاز لها ابن البخاري والضّياء،
стр. 3664
وعز الدّين بن عساكر، وعتيق السّلماني، وخطيب عقربا، وجماعة. وهي من بيت الحديث.
وفيها مسند الشّام قاضي القضاة تقي الدّين أبو الفضل سليمان بن حمزة ابن أحمد بن عمر بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الصّالحي الحنبلي [١] .
ولد في منتصف رجب، سنة ثمان وعشرين وستمائة. وحضر على ابن الزّبيدي «صحيح البخاري» وعلى الفخر الإربلي، وابن المقيّر، وجماعة. وسمع من ابن اللّتي، وجعفر الهمداني، وكريمة القرشية، والحافظ ضياء الدّين، وابن قميرة [٢] وخلق. وأكثر عن الحافظ الضّياء، حتى قال: سمعت منه نحو ألف جزء.
وكتب كثيرا من الكتب الكبار والأجزاء، وأجاز له خلق من البغداديين، كالسّهروردي، والقطيعي، ومن المصريين كابن عماد [٣] ، وعيسى بن عبد العزيز، وابن باقا.
ولازم الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وأخذ عنه الفقه والفرائض وغير ذلك.
قال البرزالي: شيوخه بالسّماع نحو مائة شيخ، وبالإجازة أكثر من سبعمائة، وخرّجت له المشيخات، والعوالي، والمصافحات [٤] والموافقات. ولم يزل يقرأ عليه إلى قبل وفاته بيوم.
قال: وكان شيخا، جليلا، فقيها، كبيرا، بهي المنظر، وضيء الشّيبة، حسن الشّكل، مواظبا على حضور الجماعات، و [على] قيام اللّيل والتلاوة
стр. 3665
والصيام، وأوراد وعبادة. وكان عارفا بالفقه، خصوصا كتاب «المقنع» قرأه وأقرأه مرّات. وكان قوي النّفس، لين الجانب، حسن الخلق، متودّدا إلى الناس، حريصا على قضاء الحوائج، وعلى النّفع المتعدي. وحدّث بثلاثيات البخاري سنة ست وخمسين وستمائة، وحدّث بجميع «الصحيح» سنة ستين. وولي القضاء سنة خمس وتسعين.
وقال الذهبي: كان إماما، محدّثا، أفتى نيفا وخمسين سنة، وبرع في المذهب وتخرّج به الفقهاء، وروى الكثير، وتفرّد في زمانه. وكان يقول لم أصلّ الفريضة قطّ منفردا إلّا مرتين، وكأني لم أصلهما. وسمع منه [١] الأبيوردي، وذكره في «معجمه» مع أنه توفي قبله بدهر، وابن الخبّاز وتوفي قبله بمدّة. وسمع منه أئمة وحفّاظ. وروى عنه خلق كثير.
وتوفي ليلة الاثنين حادي عشري ذي القعدة بمنزله بالدّير فجأة، وكان قد حكم يوم الأحد [٢] بالمدينة، وطلع إلى الجبل آخر النهار، فعرض له تغيّر يسير، وتوضأ للمغرب، ومات عقيب المغرب، ودفن من الغد بتربة جدّه الشيخ أبي عمر.
وفيها الشّيخ الزّاهد محيي الدّين علي بن محتسب دمشق فخر الدّين محمود بن سيما السّلمي [٣] . روى عن أبيه حضورا، وعن ابن عبد الدائم. وأجاز له ابن دحية، والإربلي، وجماعة. وكان خيّرا، ديّنا، منقطعا عن النّاس.
توفي بدمشق في بستانه [٤] في صفر، عن أربع وثمانين سنة.
وفيها محبّ الدّين أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن وهب بن مطيع القاضي الإمام الشّافعي بن الإمام تقي الدّين بن دقيق العيد [٥] .
стр. 3666
ولد بقوص في صفر، سنة سبع وخمسين وستمائة. وأخذ عن والده، وسمع الحديث، وحدّث، وناب في الحكم عن والده.
قال الإسنوي: كان فاضلا، ذكيا، علّق على «التعجيز» شرحا جيدا لم يكمله. وانقطع في القرافة مدّة.
وتوفي في شهر رمضان بمصر ودفن عند أبيه.
وفيها العلّامة شيخ الشيوخ صفي الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي ثم الهندي الشافعي [١] المتكلم على مذهب الأشعري.
مولده بالهند في ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة، وتفقه على جدّه لأمه الذي توفي سنة ست وستمائة، وسار من دلّي [٢] سنة سبع وستين إلى اليمن، وحجّ وجاور ثلاثة أشهر، وجالس ابن سبعين. ثم قدم مصر فأقام بها أربع سنين، ثم سافر إلى بلاد الرّوم فأقام بها إحدى عشرة سنة بقونية وغيرها. وأخذ عن صاحب «التحصيل» ثم قدم دمشق سنة خمس وثمانين. وسمع من ابن البخاري وولي بها مشيخة الشيوخ، ودرّس بها بالظّاهرية الجوانية والأتابكية والرّواحية والدّولعية.
وانتصب للافتاء والإقراء في الأصول والمعقول والتصنيف والنظر. وأخذ عنه ابن المرحّل، وابن الوكيل، والفخر المصري، والكبار.
وكان ذا دين وتعبد وإيثار وخير وحسن اعتقاد. وكان يحفظ ربع القرآن.
قال السّبكي: كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن [٣] وأدراهم بأسراره، متضلعا بالأصلين.
وقال الاسنوي: كان فقيها، أصوليا، متكلّما، أديبا، متعبّدا.
стр. 3667
توفي بدمشق في صفر عن إحدى وسبعين سنة، ودفن بمقابر الصّوفية.
ومن تصانيفه في علم الكلام «الزّبدة» و «الفائق» وفي أصول الفقه «النهاية» و «الرسالة السيفية» . وكل مصنفاته حسنة جامعة، لا سيما «النهاية» . انتهى.
وفيها العلّامة المفتي شمس الدّين بن العونسي محمد بن أبي القاسم بن جميل المالكي [١] . ولي قضاء الإسكندرية مدّة، وكان علّامة، متفنّنا.
توفي بمصر وله ست وسبعون سنة.
وفيها تاج الدّين أبو المكارم محمد بن كمال الدّين أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن النّصيبي [٢] .
قال الذهبي: مكثر عن يوسف بن خليل، وكان مدرّس العصرونية، ووكيل بيت المال. وولي مرّة نظر الأوقاف وكتابة الإنشاء، وتوفي بحلب عن أربع وسبعين سنة.
وفيها ناصر الدّين محمد بن يوسف بن محمد بن المهتار نقيب الحاكم [٣] . سمع المرجّى بن شقيرة، ومكّي بن علّان، وأبا عمرو بن الصّلاح، وعدّة، وله «مشيخة» وأجاز له ظافر بن شحم، وابن المقيّر، وتفرّد بأشياء، وتوفي في ذي الحجّة عن تسع وسبعين سنة.
وفيها عزّ الدّين أبو الفتح موسى بن علي بن أبي طالب العلوي الموسوي الدمشقي [٤] الحنفي. روى عن الإربلي حضورا، وعن مكرم، والسّخاوي، وابن الصّلاح، وجماعة. وتفرّد، ورحل إليه.
وتوفي في ذي الحجّة بمصر عن سبع وثمانين سنة.
стр. 3668
سنة ست عشرة وسبعمائة
فيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي الإشبيلي المالكي [١] . سمع «التيسير» من ابن جوبر [٢] بسماعه من أبي حمزة، وبحث «كتاب سيبويه» على ابن أبي الرّبيع، وتلا بالسّبع. وكان مقرئا، نحويا، ذا علوم وتصانيف وجلالة وتلامذة.
توفي بسبتة وله خمس وسبعون سنة.
وفيها المقرئ المعمّر صدر الدّين أبو الفداء إسماعيل ابن يوسف بن مكتوم بن أحمد القيسي الدمشقي [٣] . سمع ابن اللّتي [٤] ، ومكرما، وابن الشّيرازي، والسّخاوي. وقرأ عليه بثلاث روايات. وكان فقيها بالمدارس، ومقرئا بالزويزانية [٥] ، وله أملاك. وتفرّد بأجزاء.
وتوفي بدمشق في شوال عن ثلاث وتسعين سنة.
وفيها الرئيس العدل شمس الدّين عبد القادر بن يوسف بن مظفّر بن الحظيري الدمشقي [٦] . ولي نظر الخزانة، ونظر الجامع، ونظر المارستان.
стр. 3669
وحدّث عن ابن رواج، وبالإجازة عن علي بن الجمل، وابن الصّفراوي، وطائفة.
وكان ديّنا، صيّنا، أمينا، وافر الجلالة.
وتوفي في جمادى الأولى عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها كشتية النّاصري [١] .
وفيها علاء الدّين علي بن مظفّر [٢] الكندي، ويعرف بكاتب ابن وداعة [٣] . سمع من البكري، وإبراهيم بن خليل، وطبقتهما. وتلا بالسّبع على العلم [٤] . وغيره، ونسخ الأجزاء. وكان أديبا، بارعا، محدّثا، من جياد الطلبة، على رقّة في دينه وهنات، وله نظم ونثر وحسن كتابة. ولي مشيخة النّفيسية مدّة، وكتابة الإنشاء. وتوفي عن ست وسبعين سنة. قاله الذهبي.
وفيها نجم الدّين أبو الرّبيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطّوفي الصّرصري ثم البغدادي [٥] ، الحنبلي الأصولي المتفنن.
ولد سنة بضع وسبعين وستمائة بقرية طوفا [٦] من أعمال صرصر. وحفظ بها [ «مختصر الخرقي» في الفقه، و «اللّمع» في النحو لابن جنّي. وتردد إلى صرصر، وقرأ الفقه بها] [٧] على الشيخ شرف الدّين علي بن محمد الصّرصري.
стр. 3670
ثم دخل بغداد سنة إحدى وتسعين فحفظ «المحرّر» في الفقه وبحثه على الشيخ تقي الدّين الزّريراتي [١] . وقرأ العربية والتصريف على أبي عبد الله محمد بن الحسين الموصلي، والأصول على النّصير الفارقي وغيرهم. وقرأ الفرائض وشيئا من المنطق، وجالس فضلاء بغداد في أنواع الفنون، وعلّق عنهم.
وسمع الحديث من ابن الطبّال وغيره.
وسافر إلى دمشق سنة أربع وسبعمائة، فسمع بها الحديث من ابن حمزة وغيره. ولقي الشيخ تقي الدّين بن تيميّة، والمزّي، والبرزالي.
ثم سافر إلى مصر سنة خمس وسبعمائة، فسمع بها [٢] من الحافظ عبد المؤمن بن خلف، والقاضي سعد الدّين الحارثي. وقرأ على أبي حيّان النّحوي «مختصره» لكتاب سيبويه [٣] . ولقي بها جماعة. وحجّ وجاور بالحرمين الشريفين، وسمع بهما، وقرأ بهما كثيرا من الكتب.
وأقام بالقاهرة مدة، وصنّف تصانيف كثيرة، منها: «الاكسير في قواعد التفسير» و «الرّياض النّواضر في الأشباه والنظائر» و «بغية الواصل إلى معرفة الفواصل» . و «شرح مقامات الحريري» في مجلدات، وغير ذلك. وكان مع ذلك كلّه شيعيا منحرفا في الاعتقاد عن السّنّة، حتى إنه قال في نفسه [٤] :
حنبليّ رافضيّ ظاهري ... أشعريّ إنّها إحدى الكبر
ووجد له في الرفض قصائد ويلوّح به في كثير من مصنّفاته [٥] حتى إنه صنّف كتابا سمّاه «العذاب [٦] الواصب على أرواح النّواصب» .
стр. 3671
قال تاج الدّين أحمد بن مكتوم: اشتهر عنه الرّفض، والوقوع في أبي بكر ﵁، وابنته عائشة ﵂، وفي غيرهما من جلّة [١] الصحابة رضوان الله عليهم، وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطّه، نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويظهر موافقة له، منها قوله في قصيدة:
كم بين من شكّ في خلافته ... وبين من قيل: إنه الله
فرفع أمر ذلك إلى قاضي الحنابلة سعد الدّين الحارثي، وقامت عليه بذلك البينة، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيره وإشهاره، وطيف به، ونودي عليه بذلك، وصرف عن جميع ما كان بيده من المدارس، وحبس أياما، ثم أطلق، فخرج من حينه مسافرا، فبلغ قوص من صعيد مصر، وأقام بها مدة. ثم حجّ في أواخر سنة أربع عشرة وجاور سنة خمس عشرة. ثم حجّ، ثم نزل إلى الشام إلى [٢] الأرض المقدسة فأدركه الأجل في بلد الخليل ﵇ في شهر رجب.
وفيها طقطاي بن منكوتمر بن طغاي بن باطو بن [٣] ، الطّاغية الأكبر جنكزخان المغلي التّتري، ملك القبجاق [٤] . جلس على تخت الملك وعمره سبع سنين، وكان يحب السّحرة ويعظّمهم، ويحب الأطباء. وممالكه واسعة جدا، منها: قرم، وسراي، وغير ذلك. وكان له جيش عظيم إلى الغاية، يقال: إنه جهّز عسكرا مرّة يشتمل على مائتي ألف فارس. وطالت أيامه إلى هذه السنة، وكانت دولته ثلاثا وعشرين سنة.
وملك بعده أخوه أزبك خان.
وفيها مسندة الوقت ستّ الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجّى التّنوخية [٥] . روت عن أبيها القاضي شمس الدّين، وابن الزّبيدي، وحدّثت
стр. 3672
ب «الصحيح» [١] وب «مسند الشّافعي» بدمشق ومصر مرات. وكانت على خير عظيم.
وتوفيت في شعبان فجاءه عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها سلطان التتار غياث الدّين خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو [٢] .
هلك من هيضة في هيضة في آخر رمضان ولم يتكهل. وكانت دولته ثلاث عشرة سنة، وتملّك بعده ابنه أبو سعيد.
وفيها بحماة أم أحمد فاطمة بنت النّفيس محمد بن الحسين بن رواحة [٣] . روت أجزاء عن عمّها بمصر وطرابلس.
قال الذهبي: سمعنا منها.
وفيها الشيخ العلّامة ذو الفنون صدر الدّين أبو عبد الله محمد بن عمر بن مكّي بن عبد الصّمد بن عطية بن أحمد بن عطية الشّافعي العثماني، المعروف بابن المرحّل، وبابن الوكيل [٤] .
ولد بدمياط في شوال سنة خمس وستين وستمائة، ونشأ بدمشق، وسمع من ابن علّان والقاسم الإربلي. وحفظ كتبا. يقال: إنه كان إذا وضع بعضها على بعض كانت طول قامته. وحفظ «المفصّل» في مائة يوم، و «مقامات الحريري» في خمسين يوما، و «ديوان المتنبي» في جمعة واحدة. قاله ابن قاضي شهبة.
وتفقّه على والده، وعلى الشيخ شرف الدّين المقدسي، والشيخ تاج الدّين الفزاري، وغيرهم. وأخذ الأصلين عن الصّفي الهندي، والنحو عن بدر الدّين بن مالك. وبرع وأفتى، وله اثنتان وعشرون سنة. واشتغل، وناظر، واشتهر اسمه، وشاع ذكره، ودرّس بالشّاميتين والعذرواية. وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية.
стр. 3673
وخالط النائب آقش الأفرم، وجرت له أمور لا يحسن ذكرها ولا يرشد أمرها، وأخرجت جهاته.
وانتقل إلى حلب فأقام بها مدة، ودرّس، ثم انتقل إلى الدّيار المصرية، ودرّس بالمشهد الحسيني، وجمع كتاب «الأشباه والنظائر» .
وأثنى عليه السّبكي كثيرا، وله نظم رائق وشعر فائق، منه [١] :
ليذهبوا في ملامي أيّة ذهبوا ... في الخمر لا فضّة تبقى ولا ذهب
لا تأسفنّ على مال تمزّقه [٢] ... أيدي سقاة الطّلا والخرّد العرب
راح بها راحتي في راحها [٣] حصلت ... فتمّ عجبي بها وازداد لي [٤] العجب
فما كسوا راحتيّ من راحها حللا ... إلّا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا
إذ ينبع [٥] الدّنّ [٦] من حلو مذاقته ... والتّبر منسبك في الكأس منسكب
وليست الكيميا في غيرها وجدت ... وكلّ ما قيل في ألوانها كذب
قيراط خمر [٧] على القنطار من حزن ... يعود في الحال أفراحا [٨] وينقلب
عناصر أربع في الكأس قد جمعت ... وفوقها الفلك السيّار والشّهب
ماء ونار هواء أرضها قدح ... وطوقها فلك والأنجم الحبب
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
شججت بالماء منها الرأس موضحة ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب
وما تركت بها الخمس التي وجبت ... وإن رأوا تركها في بعض ما يجب
стр. 3674
وإن تقطّب وجهي حين تبسم لي ... فعند بسط الموالي يحسن الأدب
عاطيتها من بنات التّرك غانية ... لحاظها لأسود والسّود قد غلبوا [١]
يا قلب [٢] أردافها مهما برزت [٣] بها ... قف لي عليها وقل: لي هذه الكثب
وإن مررت بشعر فوق قامتها ... بالله قل لي: كيف البان والعذب
تحكي الثنايا التي أبدته من حبب ... لقد حكيت ولكن فاتك الشّنب
وله:
عيّرتني بالسّقم إنك مشبهي ... ولذاك خصرك مثل جسمي ناحلا
وأراك تشمت إذ رأيتك سائلا ... لا بدّ أن يأتي عذارك سائلا
قال الذهبي: تخرّج به الأصحاب، وكان أحد الأذكياء.
وقال ابن شهبة: توفي في ذي الحجّة بالقاهرة، ودفن بالقرافة بتربة القاضي فخر الدّين ناظر الجيش.
ولما بلغت وفاته ابن تيميّة قال: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدّين.
وفيها، على خلاف في ذلك [٤] ، محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمود الجزري ثم المصري شمس الدّين أبو عبد الله [٥] . ولد سنة سبع وثلاثين وستمائة.
واشتغل بالعلم وأخذ بقوص عن الأصفهاني [٦] وسمع، ودرّس، وأفتى في مذهب الشافعي، وخطب بجامع طولون، ودرّس بالشّريفيّة والمعزّيّة [٦] ، وشرح «منهاج
стр. 3675
البيضاوي» شرحا حسنا، و «ألفية ابن مالك» وأخذ السّبكي عنه علم الكلام.
وتوفي بمصر في ذي القعدة.
وفيها، على خلاف أيضا، شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أبي بكر ابن هبة الله الجزري ثم المصري الشافعي، ويعرف بابن المحوجب، وفي بلاده بابن القوّام [١] .
ولد سنة ست وثلاثين وستمائة، كذا رأيته في بعض تواريخ المصريين، وقرأ القراآت السّبع، وأخذ بدمشق النحو عن شرف الدّين بن المقدسي، وبقوص المعقولات عن الأصفهاني، والفقه عن الشيخين ابن دقيق العيد، والدّشناوي.
وأخذ بمصر عن القرافي.
قال الإسنوي: كان ذكيا، أقام بمصر وأخذ عنه كثير من طلبتها، ودرّس بالمعزّية بعد موت ابن الرّفعة. وكانت السوداء تغلب على مزاجه.
توفي في رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وقد جاوز الثمانين. كذا قاله الإسنوي.
стр. 3676
سنة سبع عشرة وسبعمائة
في مستهل صفرها شرع في بناء جامع تنكز [١] ظاهر دمشق.
وفي صفرها أيضا كانت الزيادة العظمى ببعلبك، فغرق في البلد مائة وبضع وأربعون نسمة، وخرق السّيل سورها الحجارة مساحة أربعين ذراعا، ثم تدكدك يعد مكانه بمسيرة نحو من خمسمائة ذراع، فكان ذلك آية بيّنة، وتهدم من البيوت والحوانيت نحو ستمائة موضع.
وفيها ظهر جبليّ ادعى أنه المهدي بجبلة [٢] ، وثار معه خلق من النّصيريّة والجهلة، وبلغوا ثلاثة آلاف، فقال: أنا محمد المصطفى مرّة، ومرة قال: أنا عليّ، وتارة قال: أنا محمد بن الحسن المنتظر، وزعم أن الناس كفرة، وأن دين النّصيريّة هو الحقّ، وأن النّاصر صاحب مصر قد مات، وعاثوا بالسّاحل واستباحوا جبلة، ورفعوا أصواتهم بقول [٣] لا إله إلّا عليّ، ولا حجاب إلّا محمّد، ولا باب إلا سلمان، ولعنوا الشيخين [٤] وخرّبوا المساجد، وكانوا يحضرون المسلم إلى
стр. 3677
طاغيتهم ويقولون: اسجد لإلهك. فسار إليهم عسكر طرابلس، وقتل الطّاغية وجماعة، وتمزّقوا. قاله في «العبر» [١] .
وفيها مات الأديب الفاضل شهاب الدّين أحمد بن أبي المحاسن [يعقوب] الطّيبي [الأسديّ] الطّرابلسي [٢] بها.
ومن شعره:
ما مسّني الضّيم إلّا من أحبّائي ... فليتني كنت قد صاحبت أعدائي
ظننتهم لي دواء الهمّ فانقلبوا ... داء يزيد بهم همّي وأدوائي
من كان يشكو من الأعداء جفوتهم ... فإنني أنا شاك من أودّائي
وفيها أبو بكر أحمد بن أبي بكر البغدادي الدمشقي، المعروف بنقيب المتعمّمين.
كانت عنده فضائل في النظم والنثر مما يناسب الوقائع، ويحضر التّهاني والتّعازي، ويعرف الموسيقيا، والشّعبذة، وضرب الرّمل، ويحضر مجالس البسط والهزل، ثم انقطع لكبر سنه. حكاه ابن الجزري [٣] في «تاريخه» .
وفيها- وجزم ابن شهبة أنه في التي قبلها- فقال: يوسف بن محمد بن موسى بن يونس بن منعة كمال الدين أبو المعالي بن بهاء الدّين ابن كمال الدّين بن رضي الدّين قاضي الموصل [٤] .
стр. 3678
قال بعض المتأخرين في «طبقات» جمعها: انتهت إليه رئاسة إقليمه، وشرح «الحاوي» ، وقدم رسولا من غازان [١] على الملك النّاصر، فأكرمه، وأظهر له من الحشمة والمهابة ما يليق ببيته وأصالته.
مات بالسّلطانية سنة ست عشرة وسبعمائة. انتهى كلام ابن شهبة.
وفيها، على خلاف أيضا، عزّ الدّين أبو حفص عمر بن أحمد بن أحمد المدلجي النّشائي المصري [٢] .
قال ابن شهبة: لا أعلم [٣] عمن أخذ الفقه. وسمع من جماعة، ودرّس بالفاضلية وله على «الوسيط» إشكالات حسنة مفيدة [في مجلدين] ، إلّا أنها لم تكمل. وعليه تفقه ولده كمال الدّين، والشيخ مجد الدّين الزّنكلوني.
وقال الإسنوي: كان إماما، بارعا في الفقه والنحو والعلوم الحسابية [أصوليا] ، محقّقا، ديّنا، ورعا، زاهدا، متصوفا، يحب السّماع ويحضره. وكانت في أخلاقه حدّة. وانتفع به خلق كثير.
وقال ابن السّبكي: كان فقيها، كبيرا، ورعا، صالحا، حجّ في البحر من عيذاب [٤] سنة ست عشرة وسبعمائة.
وتوفي في تلك السنة بمكّة في العشر الأخير من ذي القعدة، وقيل في ذي الحجّة، ودفن بالمعلاة [٥] . انتهى.
стр. 3679
وفيها شرف الدّين الحسين بن علي بن إسحاق بن سلّام- بتشديد اللام- ابن عبد الوهاب بن الحسن ابن سلّام الشافعي [١] .
ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، واشتغل، فبرع، وحصّل، وأفتى، وناظر، ودرّس بالعذراوية. وولي إفتاء دار العدل أيام الأفرم. وكلام الكتبي يفهم أنه أول من ولي الإفتاء بها.
قال الذهبي: كان من الأذكياء.
وقال ابن كثير: كان واسع الصّدر كبير الهمّة، كريم النّفس، مشكورا في فهمه وحفظه وفصاحته ومناظرته.
توفي بدمشق في رمضان. ودفن بباب الصّغير.
وفيها الرّشيد فضل الله بن أبي الخير الهمذاني [٢] الطّبيب. كان أبوه يهوديا عطّارا، فاشتغل هذا في المنطق والفلسفة، وأسلم، واتصل بغازان، وعظم في دولة خربندا بحيث إنه صار في رتبة الملوك. قام عليه الوزير علي شاه بأنه هو الذي قتل القآن خربندا لكونه أعطاه على هيضة مسهلا فتقيّأ، فخارت قواه، فاعترف، وبرطل جوبان بألف ألف دينار، فما نفع، بل قتل هو وابنه.
وكان يوصف بحلم ولطف وسخاء ودهاء.
فسّر القرآن العظيم فشحنه بآراء الأوائل، وعاش نيفا وسبعين سنة، وقيل:
بل كان جيد الإسلام وهو والد الوزير المعظم محمد بن الرّشيد. وكان وزير التتار ومدبّر دولتهم.
وفيها المحدّث الإمام الشيخ علي بن محمد الجبّني- بالضم والتشديد،
стр. 3680
نسبة إلى الجبن المأكول- الصّوفي [١] . روى عن الفخر علي، وتاج الدّين الفزاري، وكان تقيا، دينا، مؤثرا، كثير المحاسن.
توفي في المحرّم عن سبع وأربعين سنة.
وفيها الشيخ تاج الدّين محمد بن علي البارنباريّ [٢] المصري العالم الشّافعي، الملقب طوير اللّيل [٣] .
قال السّبكي: أحد أذكياء الزّمان، برع فقها [وعلما] وأصولا ومنطقا.
قرأ الأصول والمعقول على الأصبهاني شارح «المحصول» وسمعت الوالد- ﵀ يقول: قال لي ابن الرّفعة: من عندكم من الفضلاء في درس الظّاهريّة؟ فقلت له: قطب الدّين السّنباطي، وفلان وفلان، حتّى انتهيت إلى البارنباري، فقال لي: ما في من ذكرت مثله.
مولده سنة أربع وخمسين وستمائة. انتهى.
وفيها المعمّر قاضي المالكية بدمشق، جمال الدّين محمد بن سليمان بن سومر [٤] الزّواوي [٥] . استمر قاضيا بدمشق ثلاثين سنة.
قال الذهبي: ثنا الزّواوي عن الشّرف المرسي، وابن عبد السلام.
وأصابه فالج سنوات فعجز عن المنصب، فجاء على منصبه قبل موته بعشرين يوما العلّامة فخر الدّين بن سلامة الإسكندراني.