سنة سبع عشرة وسبعمائة
في مستهل صفرها شرع في بناء جامع تنكز [١] ظاهر دمشق.
وفي صفرها أيضا كانت الزيادة العظمى ببعلبك، فغرق في البلد مائة وبضع وأربعون نسمة، وخرق السّيل سورها الحجارة مساحة أربعين ذراعا، ثم تدكدك يعد مكانه بمسيرة نحو من خمسمائة ذراع، فكان ذلك آية بيّنة، وتهدم من البيوت والحوانيت نحو ستمائة موضع.
وفيها ظهر جبليّ ادعى أنه المهدي بجبلة [٢] ، وثار معه خلق من النّصيريّة والجهلة، وبلغوا ثلاثة آلاف، فقال: أنا محمد المصطفى مرّة، ومرة قال: أنا عليّ، وتارة قال: أنا محمد بن الحسن المنتظر، وزعم أن الناس كفرة، وأن دين النّصيريّة هو الحقّ، وأن النّاصر صاحب مصر قد مات، وعاثوا بالسّاحل واستباحوا جبلة، ورفعوا أصواتهم بقول [٣] لا إله إلّا عليّ، ولا حجاب إلّا محمّد، ولا باب إلا سلمان، ولعنوا الشيخين [٤] وخرّبوا المساجد، وكانوا يحضرون المسلم إلى
стр. 3677
طاغيتهم ويقولون: اسجد لإلهك. فسار إليهم عسكر طرابلس، وقتل الطّاغية وجماعة، وتمزّقوا. قاله في «العبر» [١] .
وفيها مات الأديب الفاضل شهاب الدّين أحمد بن أبي المحاسن [يعقوب] الطّيبي [الأسديّ] الطّرابلسي [٢] بها.
ومن شعره:
ما مسّني الضّيم إلّا من أحبّائي ... فليتني كنت قد صاحبت أعدائي
ظننتهم لي دواء الهمّ فانقلبوا ... داء يزيد بهم همّي وأدوائي
من كان يشكو من الأعداء جفوتهم ... فإنني أنا شاك من أودّائي
وفيها أبو بكر أحمد بن أبي بكر البغدادي الدمشقي، المعروف بنقيب المتعمّمين.
كانت عنده فضائل في النظم والنثر مما يناسب الوقائع، ويحضر التّهاني والتّعازي، ويعرف الموسيقيا، والشّعبذة، وضرب الرّمل، ويحضر مجالس البسط والهزل، ثم انقطع لكبر سنه. حكاه ابن الجزري [٣] في «تاريخه» .
وفيها- وجزم ابن شهبة أنه في التي قبلها- فقال: يوسف بن محمد بن موسى بن يونس بن منعة كمال الدين أبو المعالي بن بهاء الدّين ابن كمال الدّين بن رضي الدّين قاضي الموصل [٤] .
стр. 3678
قال بعض المتأخرين في «طبقات» جمعها: انتهت إليه رئاسة إقليمه، وشرح «الحاوي» ، وقدم رسولا من غازان [١] على الملك النّاصر، فأكرمه، وأظهر له من الحشمة والمهابة ما يليق ببيته وأصالته.
مات بالسّلطانية سنة ست عشرة وسبعمائة. انتهى كلام ابن شهبة.
وفيها، على خلاف أيضا، عزّ الدّين أبو حفص عمر بن أحمد بن أحمد المدلجي النّشائي المصري [٢] .
قال ابن شهبة: لا أعلم [٣] عمن أخذ الفقه. وسمع من جماعة، ودرّس بالفاضلية وله على «الوسيط» إشكالات حسنة مفيدة [في مجلدين] ، إلّا أنها لم تكمل. وعليه تفقه ولده كمال الدّين، والشيخ مجد الدّين الزّنكلوني.
وقال الإسنوي: كان إماما، بارعا في الفقه والنحو والعلوم الحسابية [أصوليا] ، محقّقا، ديّنا، ورعا، زاهدا، متصوفا، يحب السّماع ويحضره. وكانت في أخلاقه حدّة. وانتفع به خلق كثير.
وقال ابن السّبكي: كان فقيها، كبيرا، ورعا، صالحا، حجّ في البحر من عيذاب [٤] سنة ست عشرة وسبعمائة.
وتوفي في تلك السنة بمكّة في العشر الأخير من ذي القعدة، وقيل في ذي الحجّة، ودفن بالمعلاة [٥] . انتهى.
стр. 3679
وفيها شرف الدّين الحسين بن علي بن إسحاق بن سلّام- بتشديد اللام- ابن عبد الوهاب بن الحسن ابن سلّام الشافعي [١] .
ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، واشتغل، فبرع، وحصّل، وأفتى، وناظر، ودرّس بالعذراوية. وولي إفتاء دار العدل أيام الأفرم. وكلام الكتبي يفهم أنه أول من ولي الإفتاء بها.
قال الذهبي: كان من الأذكياء.
وقال ابن كثير: كان واسع الصّدر كبير الهمّة، كريم النّفس، مشكورا في فهمه وحفظه وفصاحته ومناظرته.
توفي بدمشق في رمضان. ودفن بباب الصّغير.
وفيها الرّشيد فضل الله بن أبي الخير الهمذاني [٢] الطّبيب. كان أبوه يهوديا عطّارا، فاشتغل هذا في المنطق والفلسفة، وأسلم، واتصل بغازان، وعظم في دولة خربندا بحيث إنه صار في رتبة الملوك. قام عليه الوزير علي شاه بأنه هو الذي قتل القآن خربندا لكونه أعطاه على هيضة مسهلا فتقيّأ، فخارت قواه، فاعترف، وبرطل جوبان بألف ألف دينار، فما نفع، بل قتل هو وابنه.
وكان يوصف بحلم ولطف وسخاء ودهاء.
فسّر القرآن العظيم فشحنه بآراء الأوائل، وعاش نيفا وسبعين سنة، وقيل:
بل كان جيد الإسلام وهو والد الوزير المعظم محمد بن الرّشيد. وكان وزير التتار ومدبّر دولتهم.
وفيها المحدّث الإمام الشيخ علي بن محمد الجبّني- بالضم والتشديد،
стр. 3680
نسبة إلى الجبن المأكول- الصّوفي [١] . روى عن الفخر علي، وتاج الدّين الفزاري، وكان تقيا، دينا، مؤثرا، كثير المحاسن.
توفي في المحرّم عن سبع وأربعين سنة.
وفيها الشيخ تاج الدّين محمد بن علي البارنباريّ [٢] المصري العالم الشّافعي، الملقب طوير اللّيل [٣] .
قال السّبكي: أحد أذكياء الزّمان، برع فقها [وعلما] وأصولا ومنطقا.
قرأ الأصول والمعقول على الأصبهاني شارح «المحصول» وسمعت الوالد- ﵀ يقول: قال لي ابن الرّفعة: من عندكم من الفضلاء في درس الظّاهريّة؟ فقلت له: قطب الدّين السّنباطي، وفلان وفلان، حتّى انتهيت إلى البارنباري، فقال لي: ما في من ذكرت مثله.
مولده سنة أربع وخمسين وستمائة. انتهى.
وفيها المعمّر قاضي المالكية بدمشق، جمال الدّين محمد بن سليمان بن سومر [٤] الزّواوي [٥] . استمر قاضيا بدمشق ثلاثين سنة.
قال الذهبي: ثنا الزّواوي عن الشّرف المرسي، وابن عبد السلام.
وأصابه فالج سنوات فعجز عن المنصب، فجاء على منصبه قبل موته بعشرين يوما العلّامة فخر الدّين بن سلامة الإسكندراني.
стр. 3681
وتوفي الزّواوي بدمشق عن بضع وثمانين سنة.
وفيها أبو القاسم محمد بن خالد بن إبراهيم الحرّاني [١] الفقيه الحنبلي التّاجر، بدر الدّين، أخو الشيخ تقي الدّين بن تيميّة لأمّه.
ولد سنة خمسين وستمائة تقريبا بحرّان، وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن الصّيرفي، وابن أبي عمر، وغيرهم. وتفقه، ولازم الاشتغال على الشيوخ، وأفتى بالمدرسة الجوزية، وبمسجد الرمّاحين بسوق جقمق، ودرّس بالمدرسة الحنبلية نيابة عن أخيه الشيخ تقي الدّين مدّة.
قال الذهبي: كان فقيها عالما إماما بالجوزية، وله رأس مال يتجر به. وكان قد تفقّه على أبي زكريا بن الصّيرفي، وابن المنجّى، وغيرهما. سمعنا منه أجزاء، وكان خيّرا، متواضعا.
وقال البرزالي: كان فقيها، مباركا، كثير الخير، قليل الشرّ، حسن الخلق، منقطعا عن النّاس، وكان يتجر، ويتكسب، وترك لأولاده تركة. وروى «جزء ابن عرفة» مرارا عديدة.
وتوفي يوم الأربعاء ثامن جمادى الآخرة ودفن بمقابر الصّوفية عند والدته.
وفيها شمس الدّين محمد بن الصّلاح موسى بن خلف بن راجح الصّالحي الحنبلي [٢] . سمع ابن قميرة، والرّشيد بن مسلمة، وجماعة. وله نظم جيد.
توفي في جمادى الآخرة في عشر الثمانين.
وفيها القاضي الأثير شرف الدّين عبد الوهاب بن فضل الله بن مجلّي العدوي [٣] . كاتب السرّ بمصر، ثم بدمشق.
стр. 3682
كان ديّنا، عاقلا، ناهضا، ثقة، مشكورا، مليح الخطّ والإنشاء.
روى عن ابن عبد الدائم، وتوفي بدمشق في رمضان عن أربع وتسعين سنة.
وفيها القاضي الأديب علاء الدّين علي بن الصّاحب فتح الدّين محمد بن عبد الله بن عبد الظّاهر بن نشوان السّعدي الجذامي [١] . كان من كبار المنشئين وعلمائهم، ورثاه الشّهاب محمود بقصيدة أولها:
الله أكبر أيّ ظلّ زالا ... عن آمليه وأيّ طود مالا
أنعى إلى النّاس المكارم والعلا ... والجود والإحسان والإفضالا
وفيها فخر الدّين عثمان بن بلبان المقاتلي [٢] ، معيد المنصوريّة.
قال الذهبي: كان رفيقنا، محدّثا، رئيسا. حدّث عن أبي حفص بن القوّاص وطبقته، وارتحل، وحصّل، وكتب، وخرّج. وكان نديما، أخباريا.
توفي بمصر عن اثنتين وخمسين سنة.
وفيها المقرئ زين الدّين محمد بن سليمان بن أحمد بن يوسف الصّنهاجيّ المرّاكشي ثم الإسكندراني [٣] ، إمام مسجد قدّاح. سمع من ابن رواج، ومظفّر بن الفوّيّ.
وتوفي في ذي الحجّة. قاله في «العبر» .
стр. 3683
سنة ثمان عشرة وسبعمائة
فيها كان القحط المفرط بالجزيرة وديار بكر، وأكلت الميتة، وبيع [١] الأولاد، وجلا الناس، ومات بعض النّاس من الجوع، وجرى ما لا يعبّر عنه.
وكان أهل بغداد في قحط أيضا ولكن دون ذلك.
وجاءت بأرض طرابلس زوبعة أهلكت جماعة وحملت الجمال في الجوّ.
قاله في «العبر» [٢] .
وفيها توفي كمال الدّين أحمد بن الشيخ جمال الدّين محمد بن أحمد بن الشّريشيّ الوائليّ البكريّ الشافعي [٣] وكيل بيت المال، وشيخ دار الحديث، وشيخ الرّباط النّاصري.
مولده في رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وسمع ورحل، وطلب مدة، وقرأ بنفسه الكتب الكبار، وكان أبوه مالكيا، فاشتغل هو في مذهب الشافعي، وأفتى ودرّس، وناظر، وناب في القضاء عن ابن جماعة، ثم ترك ذلك ودرّس بالشّامية البرّانية، وبالناصرية عشرين سنة.
قال ابن كثير: اشتغل في مذهب الشافعي فبرع وحصّل علوما كثيرة، وكان خبيرا بالنظم والنثر، وكان مشكور السّيرة. فيما يتولاه من الجهات كلّها.
стр. 3684
توفي في سلخ شوال متوجها إلى الحجّ بالحسا [١] ودفن هناك.
وفيها الشّهاب المقرئ الجنائزي أحمد بن أبي بكر بن حطّة البغدادي أبوه الدمشقي هو [٢] صاحب الألحان والصّوت الطيّب، وله نظم ونثر وفضائل، وظرف، ومنادمة ووعظ.
توفي في ذي القعدة عن خمس وثمانين سنة.
وفيها المهتار شهاب الدّين أحمد بن رمضان، عرف بابن كسيرات مهتار الطستخاناه [٣] ، وهو الذي سعى في تبطيل ما يؤخذ من قوام الحمّامات الرّجال والنّساء في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، واستمر الحال إلى الآن.
وفيها فخر الدّين أحمد بن سلامة بن أحمد الإسكندراني [٤] ، المالكي القاضي العلّامة الأصولي البارع.
كان حميد السّيرة، بصيرا بالعلم، محتشما.
توفي بدمشق في ذي الحجّة عن سبع وخمسين سنة.
وفيها مجد الدّين أبو بكر بن محمد بن قاسم التّونسي الشافعي [٥] .
قال الذهبي: هو شيخ [القراء و] النّحاة والبحّاثين. أخذ القراآت والنّحو عن الشيخ حسن الرّاشدي، وتصدّر بتربة الأشرفية وبأمّ الصّالح، وتخرّج به الفضلاء.
وكان ديّنا، صيّنا، ذكيا. حدثنا عن الفخر علي.
وتوفي في ذي القعدة عن اثنتين وثمانين [٦] سنة.
стр. 3685
وفيها السيّد ركن الدّين أبو محمد الحسن بن محمد بن شرف شاه [١] .
الإمام العلّامة المفنن الحسيني الإستراباذي الشافعي. أخذ عن النّصير الطّوسي، وحصّل، وتقدّم، وكان الطّوسيّ قد جعله رئيس أصحابه بمراغة، وكان [٢] يعيد دروس الجلّة، ثم انتقل إلى الموصل، ودرّس بالنّورية بها. وشرح «مختصر ابن الحاجب» شرحا متوسطا، وشرح الحاجبية ثلاثة شروح، المتوسط أشهرها. وشرح «الحاوي» في أربع مجلدات فيه اعتراضات على «الحاوي» حسنة.
وتوفي في هذه السنة في المحرّم عن نيف وسبعين سنة بالموصل، وقيل توفي في سنة خمس عشرة.
وفيها برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ عزّ الدّين عبد الحافظ بن أبي محمد عبد الحميد بن محمد بن أبي بكر بن ماضي المقدسي الحنبلي [٣] .
تفقّه بدمشق، وحضر بنابلس على خطيب مردا. وسمع وكتب بخطه كثيرا.
قال الذهبي: كان فقيها، إماما، عارفا بالفقه والعربية، وفيه دين وتواضع وصلاح. وسمعت منه قصيدته التي رثى [٤] بها الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر.
ثم روى عنه حديثا.
وقال ابن رجب: كان عدلا، وفقيها في المدارس، من أهل الدّين والعفاف.
وكان كثير السّكوت، قليل الكلام.
توفي بالصّالحية، ودفن بتربة الشيخ موفق الدّين، وكان من أبناء التسعين.
وفيها أبو بكر بن المنذر بن زين الدّين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي الحنبلي [٥] .
стр. 3686
قال الذهبي: كان مسند الوقت، صالحا. سمع حضورا في سنة سبع وعشرين وستمائة، وسمع من ابن الزّبيدي، والنّاصح، والإربلي، والهمذاني، وسالم بن صصرى، وطائفة، وتفرّد، وكان ذا همة، وجلادة، وذكر، وعبادة، لكنه أضرّ وثقل سمعه.
وتوفي في رمضان عن ثلاث وتسعين سنة وأشهر.
وفيها تقي الدّين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن تمّام بن حسّان التّلي الصّالحي [١] ، الأديب الزّاهد الحنبلي.
ولد سنة خمس وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث من ابن قميرة، والمرسي، واليلداني، وجماعات. وقرأ النحو والأدب على الشيخ جمال الدّين بن مالك، وعلى ولده بدر الدّين، وصحبه ولازمه مدة. وأقام بالحجاز مدة.
قال البرزالي: كان شيخا، فاضلا، بارعا في الأدب، حسن الصّحبة، مليح المحاضرة. صحب الفضلاء والفقراء، وتخلّق بالأخلاق الجميلة، زاهدا، متقللا من الدّنيا، لم يكن له أثاث ولا طاسة، ولا فراش، ولا زبدية، ولا سراج، بل كان بيته خاليا من ذلك كله.
ومن شعره:
يا من عصيت عواذلي في حبّه ... وأطعت قلبي في هواه وناظري
لي في هواك صبابة عذريّة ... علقت بأذيال النّسيم الحاجري [٢]
وحديث وجدي في هواك مكرّر ... فلذاك يحلو إذ يمرّ بخاطري
توفي ليلة السبت ثالث ربيع الآخر، ودفن من الغد بمقابر المرداويين بالقرب من تربة الشيخ أبي عمر.
стр. 3687
وفيها تاج الدّين عبد الرحمن بن محمد بن أفضل الدّين [أبي] حامد التّبريزي الأفضلي الشافعي [١] الواعظ.
قال الذهبي: كان شيخ تبريز، إماما، قدوة، قانتا، مذكّرا.
مات في رمضان ببغداد بعد حجّه كهلا.
وفيها زين الدّين علي بن مخلوف بن ناهض النّويري المالكي [٢] قاضي المالكية بمصر.
كانت ولايته ثلاثا وثلاثين سنة، وحدّث عن المرسي وغيره، وكان مشكور السّيرة.
وتوفي بمصر عن ثلاث وثمانين سنة.
وفيها الإمام القدوة بركة الوقت، الشيخ محمد بن عمر بن الشيخ الكبير أبي بكر بن قوام البالسي [٣] ، نزيل دمشق.
ولد سنة خمسين وستمائة.
قال الذهبيّ: كان كبير القدر، ذا صدق وإخلاص وانقباض عن الناس، متين الدّيانة، قرأت عليه أوراقا من أوائل «الغيلانيات» وسمع من الشيخ شمس الدّين ابن الشيخ أبي عمر، والكمال عبد الرحيم، والفخر، وطائفة. وقد ألّف سيرة لجده في ثلاث كراريس.
وقال ابن كثير: كان شيخا، جليلا، بشوش الوجه، حسن السّمت، مقصدا لكل أحد، كثير الوقار، عليه سيما العبادة والخير، ولم يكن له مرتب على الدولة،
стр. 3688
ولا لزاويته، وقد عرض عليه ذلك فلم يقبل. وكان لديه علم وفضل، وله فهم صحيح ومعرفة تامّة، وحسن عقيدة، وطوية صحيحة.
ومات في شهر صفر بزاويتهم في سفح قاسيون.
وفيها محمد بن عمر بن أحمد بن خشير [١] الزّاهد.
قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» : كان عالما، عاملا، عارفا، كاملا، معروفا بالصّلاح، طائرا بجناح النّجاح، ذا كرامات مشهورة، وإشارات بين القوم مذكورة. وكان في بدايته يختلي في موضع [٢] مشهود له بالفضل، فأقام فيه شهرا، فدخل رجل فسلّم وأحرم بركعتين، ثم صلى ثلاثة أيام ولم يجدد وضوءا.
قال صاحب الترجمة: فقلت هذا الرجل أعطي هذا الحال وأنت مقيم في هذا الموضع مدّة ما فتح عليك بشيء، ثم عزمت على الخروج، فالتفت إليّ وقال: يقرع أحدكم الباب مدة حتّى يوشك أن يفتح له ثم يعزم على الخروج، فأقمت فما تم لي أربعون يوما إلّا وكلي عين ناظرة.
وله كلام في الحقائق يدلّ على كمال فضله وتوسّعه في علوم المعارف، فمنه المجتبى مطلوب والمنيب طالب يَجْتَبِي إِلَيْهِ من يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ من يُنِيبُ ٤٢: ١٣ [الشورى: ١٣] والسلام على من اتبع لا من ابتدع.
وقال: رأس مال الفقير الثقة بالله وإفلاسه الرّكون إلى الخلق وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ١١: ١١٣ [هود: ١١٣] والظّلم تشترك فيه العامّة والخاصة، بدليل إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ ١٤: ٣٤ [إبراهيم: ٣٤] فإيّاك والركون [٣] لغير الله، فتقع في الشّرك الخفي.
وقال: التعلق بغير الله تعب في الدنيا والآخرة، والإقبال عليه بالقلب راحة
стр. 3689
فيهما، والتوفيق كلّه من الله إلّا أن التعرض للنفحات مندوب، قال: ذلك الهادي إلى [١] الرّشاد الشّافع في المعاد [٢] ، ﵊. انتهى ملخصا.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عمر بن عبد المحمود بن رباطر الحرّاني [٣] الفقيه الزّاهد، نزيل دمشق الحنبلي.
ولد سنة سبع وثلاثين وستمائة، بحرّان، وسمع بها من عيسى الخيّاط، والشيخ مجد الدّين بن تيميّة. وسمع بدمشق من إبراهيم بن خليل، ومحمد بن عبد الهادي، واليلداني، وابن عبد الدائم، وخطيب مردا، وعني بسماع الحديث إلى آخر عمره.
قال الذهبي: كان فقيها، زاهدا، ناسكا، سلفيا، عارفا بمذهب الإمام أحمد.
وقال ابن رجب: حدّث، وسمع منه جماعة، منهم: الذّهبي، وصفي الدّين عبد المؤمن بن عبد الحقّ. وسافر سنة إحدى عشرة إلى مصر لزيارة الشيخ تقي الدّين بن تيميّة، فأسر من سبخة بردويل، وبقي مدة في الأسر، ويقال: إن الفرنج لما رأوا ديانته وأمانته واجتهاده أكرموه واحترموه. انتهى.
وفيها الجلال محمد بن محمد [بن عيسى] بن حسن القاهري [٤] طباخ الصّوفية. حدّث عن ابن قميرة، وابن الجمّيزي، والسّاوي وطائفة.
وتوفي بالقاهرة. قاله في «العبر» .
وفيها أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن الحاج التّجيبي القرطبي [٥] المالكي [٦] الإمام
стр. 3690
الكبير، إمام محراب المالكية بدمشق، ووالد إمامه.
كان من العلماء العاملين، ومن بيت فضل وجلالة.
قال الذهبي: حدثنا عن الفخر ابن البخاري.
وتوفي بدمشق في رجب، وله ثمانون سنة.
стр. 3691
سنة تسع عشرة وسبعمائة
فيها كما قال في «العبر» [١] : جاء كتاب سلطانيّ بمنع [٢] ابن تيميّة من فتياه بالكفّارة في الحلف بالطلاق، وجمع له القضاة وعوتب [٣] في ذلك، واشتدّ المنع، فبقي أصحابه يفتون بها خفية [٤] .
وفيها كانت الملحمة العظمى بالأندلس بظاهر غرناطة، فقتل فيها من الفرنج أزيد من ستين ألفا، ولم يقتل من عسكر المسلمين سوى ثلاثة عشر نفسا إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً ٣: ٤٩ [آل عمران: ٤٩] فلله الحمد على هذا النّصر المبين، واشتهرت هذه الكائنة وصحّت لدينا. قاله في «العبر» أيضا [٥] .
وفيها توفي شيخ القرّاء شهاب الدّين حسين بن سليمان بن فزارة الكفري الحنفي [٦] .
قال الذهبي: كان قاضيا، مفتيا، شيخ القرّاء، تلا بالسّبع على علم الدّين القاسم، وأخذ عنه خلق. وحدّث عن ابن طلحة وغيره، وكان ديّنا، خيّرا، فقيها.
توفي بدمشق في شعبان عن اثنتين وثمانين سنة.
стр. 3692
وفيها الشيخ عبد الرحيم بن يحيى بن عبد الرحيم بن مسلمة القلانسي [١] المقرئ.
قال الذهبي: له مشيخة. حدثنا عن عمّه الرّشيد بن مسلمة، وابن علّان، وجماعة. وعن السّخاوي [٢] حضورا. وكان فيه خير وقناعة.
مات بدمشق في المحرّم عن سبع وسبعين سنة.
وفيها مسند الوقت شرف الدّين عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد الصّالحي [٣] المطعّم في الأشجار، ثم السّمسار في العقار. سمع «الصحيح» [٤] بفوت من ابن الزّبيدي، وسمع الإربلي حضورا. وسمع ابن اللّتي، وجعفر، وكريمة، والضّياء. وتفرّد، وتكاثروا عليه. وكان أمّيّا عاميّا. قاله في «العبر» .
وفيها سيف الدّين اعزلوا [٥] الأمير الكبير العادلي، الذي استنابه أستاذه العادل كتبغا على دمشق في آخر سنة خمس وتسعين وستمائة. وكان أحد الشجعان العقلاء، وله تربة مليحة بقاسيون.
توفي بدمشق ودفن بها.
وفيها الإمام بدر الدّين محمد بن منصور الحلبي ثم المصري ابن الجوهري [٦] .
قال الذهبي: كان صدرا، كبير الرؤساء. روى عن إبراهيم بن خليل،
стр. 3693
والكمال الضّرير، وجماعة. وتلا بالسّبع، وتفقّه. وكان فيه دين ونزاهة ويذكر [١] للوزارة، ومات غريبا بدمشق وله سبع وستون سنة.
وفيها العلّامة أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع القرطبي [٢] .
تفرّد بالسّماع من الشّلوبين والكبار، وكان شيخ مالقة على الإطلاق.
وفيها الإمام القدوة العابد أبو الفتح نصر بن سليمان المنبجيّ [٣] المقرئ. حدّث عن إبراهيم بن خليل وجماعة، وتلا بثلاث على الكمال الضّرير، وتفقه وانعزل، ثم اشتهر وزاره الأعيان. وكان الجاشنكير الذي تسلطن يتغالى في حبّه، وله سيرة ومحاسن جمّة.
توفي بمصر في زاويته في الحسينية في جمادى الآخرة عن بضع وثمانين سنة.
وفيها، وجزم السيوطي في «حسن المحاضرة» أنه [٤] في التي قبلها، فقال: أبو العلاء رافع بن محمد بن هجرس بن شافع الصّميديّ [٥] السّلامي، المقرئ المحدّث، جمال الدّين، والد الحافظ تقي الدّين محمد بن رافع [٦] .
تفقّه في مذهب الشّافعي على العلم العراقي، وأخذ النّحو عن البهاء بن
стр. 3694
النحّاس، وسمع من أبي الحسن بن البخاري وجماعة، وتلا على أبي عبد الله محمد بن الحسن الإربلي الضّرير، وتصدّر للإقراء بالفاضلية.
ولد بدمشق سنة ثمان وستين وستمائة، ومات بالقاهرة في ذي الحجّة سنة ثمان عشرة وسبعمائة. انتهى كلام السّيوطي.
وفيها نخوة بنت محمد بن عبد القاهر بن النّصيبي [١] .
قال الذهبي: روت لنا عن يوسف بن خليل.
стр. 3695
سنة عشرين وسبعمائة
فيها توفي القاضي جمال الدّين أحمد المعروف بابن عصبة البغدادي الحنبلي [١] .
قال الطّوفي [٢] : حضرت درسه، وكان بارعا في الفقه، والتفسير، والفرائض، وأما معرفة القضاء والأحكام فكان أوحد عصره في ذلك.
وفيها أبو الهدى أحمد بن إسماعيل بن علي بن الحباب [٣] الكاتب.
تفرّد باجزاء عن سبط السّلفي، وكان قاضيا صدرا، ويلقب بفخر الدّين.
توفي بمصر عن سبع وسبعين سنة.
وفيها حميضة بن أبي نميّ الحسني [٤] صاحب مكة كان، ثم نزع الطّاعة، فتولى أخوه عطيفة. قتله جندي التصق به في البريّة غيلة، ثم قتله السّلطان لغدره.
وفيها كمال الدّين عبد الرحيم بن عبد المحسن بن حسن بن ضرغام الكناني المصري الحنبلي المنشاوي [٥] ، وكان خطيب المنشية.
стр. 3696
قال الذهبي: حدّثنا عن السّبط واختلط قبل موته بنحو أربعة أشهر فما إخاله حدّث فيها. وكان عدلا فقيها.
توفي في ربيع الآخر وله ثلاث وتسعون سنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن حسن بن سباع الجذامي المصري ثم الدمشقي الصّايغ [١] .
كان نحويا، لغويا، أديبا، بارعا، ذا نظم ونثر وتصانيف، تخرّج به فضلاء، ومات بدمشق عن خمس وسبعين سنة.
وفيها المسند الجليل شرف الدّين أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم بن عبّاس القرشي التّاجر الحريري المسند، ابن النّشو [٢] .
قال الذهبي: حدثنا عن ابن رواج وجماعة [٣] وابن الجمّيزي، وابن الحباب، وتفرّد بعوالي.
وتوفي بدمشق في شوال عن ثمانين سنة.
وفيها المعمّر الصّالح أمين الدّين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله الأسدي الحلبي الصّفار [٤] .
روى عن صفية القرشية، وشعيب الزّعفراني، والسّاوي، وابن خليل، وتفرّد، وأكثروا عنه.
وتوفي في شوال بدمشق أيضا عن نيف وتسعين سنة. قاله الذهبي.
стр. 3697
سنة إحدى وعشرين وسبعمائة
فيها توفي بهاء الدّين إبراهيم بن المفتي شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن بن نوح المقدسي الدمشقي [١] .
قال الذهبي: حدّثنا عن ابن مسلمة، وابن علّان، والمرسي، وله أوقاف على البرّ، وفيه خير وتصوّن، وكان يكره فعائل أخيه ناصر الدين المشنوق، وكان عدلا، مسندا.
توفي بدمشق في جمادى الآخرة عن اثنتين وثمانين سنة.
وفيها نور الدّين إبراهيم بن هبة الله بن علي بن الصّنيعة [٢] الحميري الإسنائي ويقال الإسنوي- نسبة إلى بلد بصعيد مصر الأعلى- الشّافعي [٣] .
قال الإسنوي في «طبقاته» : كان إماما، عالما، ماهرا في فنون كثيرة، ملازما للاشتغال، والإشغال، والتّصنيف، دينا، خيّرا. أخذ في بلده عن البهاء القفطي، وهاجر إلى القاهرة في صباه، فلازم الشّمس الأصبهاني شارح «المحصول» والبهاء بن النحّاس الحلبي النّحوي، وغيرهما من شيوخ العصر، وصنّف تصانيف حسنة بليغة في علوم كثيرة، وتولى أعمالا كثيرة بالدّيار المصرية، آخرها الأعمال القوصية، ثم صرف عنها في أواخر سنة عشرين وسبعمائة لقيام بعض كتّاب أهل الدولة عليه لكونه لم يجبه إلى ما لا يجوز تعاطيه [٤] فاستوطن القاهرة، وشرع في
стр. 3698
الاشتغال والتصنيف على عادته، واجتمعت عليه الفضلاء، فعاجلته المنيّة.
وتوفي في أوائل السنة وقد قارب السبعين. انتهى.
وفيها خطيب الفيّوم الرئيس الأكمل المحتشم مجد الدّين أحمد بن القاضي معين الدّين أبي بكر الهمداني المالكي [١] . كان يضرب به المثل في السؤدد والمكارم، عزّى به الناس أخاه شرف الدّين المالكي.
وفيها تاج الدّين أحمد بن المجير محمد بن [الشيخ كمال الدين] [٢] علي بن شجاع القرشي العبّاسي [٣] . روى عن جدّه الكمال الضّرير، وابن رواج، والسّبط، وحدّث بالكرك لمّا ولي نظرها. وكان رئيسا، محتشما.
توفي بمصر في جمادى الأولى وله تسع وسبعون سنة.
وفيها الشيخ مجد الدّين إسماعيل بن الحسين بن أبي السّائب [٤] الأنصاري [٥] الكاتب المعدّل. روى عن مكّي بن علّان، والرّشيد العراقي، وجماعة. وطلب بنفسه، وأخذ النّحو عن ابن مالك، وكتب الطّباق والإجازات، وتوفي ببستانه بقرية جوبر [٦] .
وفيها صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدّين داود بن الملك المظفّر يوسف بن عمر التّركماني [٧] .
стр. 3699
كانت دولته بضعا وعشرين سنة، وكان عالما، فاضلا، سائسا، شجاعا، جوادا، له كتب عظيمة نحو مائة ألف مجلد. وكان يحفظ «التنبيه» وغير ذلك، وتوفي بتعز في ذي الحجّة.
وفيها العارف الكبير نجم الدّين عبد الله بن محمد بن محمد الأصبهاني الشّافعي [١] ، تلميذ الشيخ أبي العبّاس المرسي. جاور بمكة مدة، وانتقد عليه الشيخ علي الواسطي أنه مع ذلك لم يزر النّبيّ ﷺ وتوفي بمكّة في جمادى الآخرة عن ثمان وسبعين سنة.
وفيها العدل المسند علاء الدّين علي بن يحيى بن علي الشّاطبي الدمشقي الشّروطي [٢] . روى شيئا كثيرا، وسمع ابن المسلمة، وابن علّان، والمجد الإسفراييني، وعدة. وتفرّد.
وتوفي في رمضان عن خمس وثمانين سنة.
وفيها الشيخ شمس الدّين محمد بن عثمان بن مشرف بن رزين الأنصاري الدمشقي الكناني ثم الخشّاب المعمار [٣] .
روى عن التّقي بن العزّ وغيره، وبالإجازة عن ابن اللّتي، وابن المقيّر، وابن الصّفراوي.
وتوفي بدمشق في ذي الحجّة عن اثنتين وتسعين سنة.
وفيها تقي الدّين محمد بن عبد الحميد بن محمد الهمداني ثم المهلّبي [٤] . حمل عن إسماعيل بن عزّون، والنّجيب، وطبقتهما. وحصّل، وتعب، ثم انقطع ولزم المنزل مدة. وكان صوفيا، محدّثا، رحّالا، ساء خلقه آخرا، وتوفي بمصر.
стр. 3700
وفيها شيخ الشّيعة وفاضلهم محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمذاني ثم الدمشقي السّكاكيني [١] . كان لا يغلو ولا يسبّ معيّنا، ولديه فضائل. روى عن ابن مسلمة، والعراقي، ومكّي بن علّان، وتلا بالسّبع، وله نظم كثير. وأخذ عن أبي صالح الرّافضي الحلبي، وأخذه معه صاحب المدينة منصور فأقام بها سنوات، وكان يتشيّع به سنّة، ويتسنّن به رافضة، وفيه اعتزال.
توفي بدمشق في صفر عن ست وثمانين سنة.
وفيها سعد الدّين يحيى بن محمد بن سعد المقدسي [٢] . روى عن ابن اللّتي حضورا، وعن جعفر، والمرسي، وطائفة. وأجاز له ابن روزبه، والقطيعي، وعدّة. وتفرّد، واشتهر اسمه وبعد صيته، مع الدّين والسّكينة، والمروءة، والتواضع.
قال الذهبي: وتفرّد بإجازة ابن صباح فيما أرى، وهو والد المحدّث شمس الدّين.
توفي بالصالحية في ذي الحجّة عن تسعين سنة وتسعة أشهر.
وفيها عالم المغرب الحافظ العلّامة أبو عبد الله [محمد بن عمر بن محمد] بن رشيد الفهري [٣] في المحرّم بفاس، عن أربع وستين سنة. قاله في «العبر» .
стр. 3701
سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة
فيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطّبري المكّي الشافعي [١] ، شيخ الإسلام وإمام المقام. كان صاحب حديث وفقه وإخلاص وتألّه. روى عن شعيب الزّعفراني، وابن الجمّيزي، وعبد الرحمن بن أبي حرمي، والمرسي، وعدة. وأجاز له السّخاوي وغيره، وخرّج لنفسه التساعيّات، وتفرّد بأشياء.
وتوفي بمكّة في ربيع الأول وله ست وثمانون سنة.
وفيها الزّاهد الكبير، قال في «العبر» [٢] : جلال الدّين إبراهيم بن شيخنا زين الدّين محمد بن أحمد العقيلي الدمشقي بن القلانسي الكاتب. روى عن ابن عبد الدائم والكرماني، ودخل مصر منجفلا، وانقطع في مسجد فتغالوا فيه، ونوّهوا بذكره، وعظّموه، وبنوا له زاوية، واشتهر، وحصّل لأخيه عزّ الدّين الحسبة ونظر الخزانة.
وتوفي المترجم بالقدس في ذي القعدة عن ثمان وستين سنة.
وفيها المعمّرة الرّحلة أم محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن شكر المقدسي [٣] في ذي الحجّة، عن أربع وتسعين سنة. سمعت ابن اللّتي، والهمذاني، وتفردّت بأجزاء ك «الثقفيات» ، ومسندي عبد [بن حميد] والدّارمي، وارتحلت إليها الطلبة. وحدّثت بمصر، والمدينة النّبوية، وماتت ببيت المقدس.
стр. 3702
وفيها زين الدّين عبد الرّحمن بن أبي صالح رواحة بن علي بن الحسين بن مظفّر بن نصر بن رواحة الأنصاريّ الحموي [١] الشّافعي [٢] . سمع من جدّه لأمّه أبي القاسم بن رواحة، وصفية القرشية، وتفرّد، ورحل إليه، وله إجازات من ابن روزبه، والسّهروردي، وعدة.
وتوفي بأسيوط في ذي الحجّة عن أربع وتسعين سنة، وكان رئيسا، معمّرا، كاتبا.
وفيها نصير الدّين عبد الله بن الوجيه محمد بن علي بن سويد التّغلبيّ التكريتي ثم الدمشقي [٣] ، الصّدر الكبير، صاحب الأموال، من أبناء السّبعين.
سمع الرّضي، والبرهان، والنّجيب، وابن عبد الدائم.
وفيها تقي الدّين عتيق بن عبد الرحمن بن أبي الفتح العمري [٤] . كان محدّثا، زاهدا، له رحلة وفضائل. وروى عن النّجيب، وابن علّاق، ومرض بالفالج مدة، ثم توفي بمصر في ذي القعدة.
وفيها المعمّر الصّالح أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن علي النّجديّ [٥] . كان ذا خشية، وعبادة، وتلاوة، وقناعة. سمع من المرسي، وخطيب مردا، وأجاز له ابن القبّيطي، وكريمة، وخلق. وروى الكثير، ومات بالسّفح في صفر عن بضع وثمانين سنة.
وفيها قطب الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الصّمد بن عبد القادر السّنباطي المصري الشافعي [٦] .
стр. 3703
ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وتفقّه بابن رزين وغيره، وسمع من الدّمياطي وغيره، وتقدم في العلم، ودرّس بالمدرسة الحساميّة ثم الفاضلية، وولي وكالة بيت المال، وناب في الحكم، وصنّف «تصحيح التعجيز» و «أحكام المبعّض» و «استدراكات على تصحيح التّنبيه» للنووي، واختصر قطعة من «الروضة» .
قال السبكي: كان فقيها، كبيرا، تخرّجت به المصريون.
وقال الإسنوي: كان إماما، حافظا للمذهب، عارفا بالأصول، دينا، خيّرا، سريع الدّمعة، متواضعا، حسن التعليم، متلطّفا بالطّلبة.
توفي بالقاهرة في ذي الحجّة، ودفن بالقرافة.
وسنباط: بلدة من أعمال المحلّة.
وفيها السيد المعمّر الإمام محيي الدّين محمد بن عدنان بن حسن الحسيني الدمشقي [١] .
قال الذهبي: ولي نظر الحلق والسبع [٢] مدة، وكان عابدا، كثير التلاوة جدا، تخضع له الشيعة، وهو والد النّقيبين زين الدّين حسين، وأمين الدّين جعفر، وجدّ النّقيب ابن عدنان، وابن عمّه.
عاش ثلاثا وتسعين سنة، وكانت له معرفة وفضيلة، وفيه انجماع وانقباض عن النّاس.
وفيها، أو في التي قبلها، الأديب شمس الدّين محمد بن علي المازني [٣] . كان يعرف الأنغام، ويعمل الشّعر ويلحنه ويغنّي به.
стр. 3704
فمن ذلك قوله:
لا تحسبوا أنني عن حبّكم سالي ... وحياتكم لم يزل حالي بكم حالي
أرخصتم في هواكم مدنفا صلفا ... وهو العزيز الذي عهدي به غالي
سكنتم في فؤادي وهو منزلكم ... لا عشت يوما أراه منكم خالي
يا هاجرين بلا ذنب ولا سبب ... قطّعتم بسيوف الهجر أوصالي
إن كان يوسف أوصى بالجمال لكم ... فإنّ والده بالحزن أوصى لي
وفيها الإمام أقضى القضاة شمس الدّين محمد بن شرف الدّين أبي البركات محمد بن الشيخ أبي العزّ الأذرعي الحنفي [١] . كان فاضلا، فقيها، بصيرا بالأحكام، حكم بدمشق نحو عشرين سنة، وخطب بجامع الأفرم مدة، ودرّس بالظّاهرية، والقليجية، والمعظمية، وأفتى.
وفيها العلّامة القدوة أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن حريث القرشي البلنسي ثم السبتي المالكي [٢] . روى «الموطأ» عن ابن أبي الرّبيع، عن ابن بقي، وكان صاحب فنون، وولي خطابة سبتة ثلاثين عاما، وتفقهوا عليه. ثم حجّ وبقي بمكة سبع سنين، ومات بها في جمادى الآخرة عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها مجد الدّين محمد بن محمد بن علي بن الصّيرفي سبط ابن الحبوبي [٣] . روى عن أبي اليسر، ومحمد بن النشي [٤] وشهد وحضر المدارس، وقال الشعر، وعمل لنفسه مجلدا ضخما. وكان محدّثا [٥] متواضعا ساكنا.
توفي في رمضان بدمشق عن إحدى وستين سنة.
стр. 3705
سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة
فيها توفي الشيخ أبو العبّاس أحمد بن علي بن مسعود الكلبي البدوي ثم الصّالحي الفامي، ويعرف بابن سعفور، ويلقب بعمّي [١] . سمع من المرسي حضورا، ومن محمد بن عبد الهادي، وخطيب مردا، وطائفة. وأجاز له السّبط، وكان خيّرا، كيسا، متعفّفا، منقطعا.
توفي بقاسيون في ربيع الآخر عن إحدى وثمانين سنة.
وفيها قاضي القضاة نجم الدّين أبو العبّاس أحمد بن الرئيس الكبير عماد الدّين محمد بن المعدّل أمين الدّين سالم بن الحافظ بهاء الدّين بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التّغلبي الرّبعي الدمشقي الشافعي [٢] . سمع الحديث من جماعة، وقرأ للسبع، وجوّد الخطّ على ابن المهتار، وأتقن الأقلام السّبعة، ودرّس بالأمينية وغيرها، واستمر على القضاء إلى أن مات. وكان حسن الأخلاق، كثير التودد، كريم المجالسة، مليح المحاضرة، حسن الملتقى.
متواضعا جدا، له مشاركة في فنون شتّى، وعنده حظ من الأدب والنّظم.
ومن نظمه:
ومهفهف بالوصل جاد تكرّما ... فأعاد ليل الهجر صبحا أبلجا
ما زلت ألثم ما حواه ثغره ... حتّى أعدت الورد فيه بنفسجا
توفي ببستانه بالسّهم وحمل الصّوفية نعشه إلى الجامع المظفّري، وصلّى
стр. 3706
عليه الشيخ برهان الدّين الفزاري، ودفن بتربته بالقرب من الرّكنية.
وفيها الفاضل الأديب العدل شهاب الدّين محمد بن محمد [بن محمود بن مكّي] [١] عرف بابن دمرداش. كان جنديا، فلما كبر وشاخ ترك ذلك وصار شاهدا بمركز الرّواحية.
وله شعر كثير لطيف، فمنه قوله:
أقول لمسواك الحبيب لك الهنا ... بلثم فم ما ناله ثغر عاشق
فقال وفي أحشائه حرق الجوى ... مقالة صبّ للدّيار مفارق
تذكّرت أوطاني فقلبي كما ترى ... أعلّله بين العذيب وبارق
وله:
يا قمّري إن جئت وادي الأراك ... وقبّلت أغصانه الخضر فاك
فأرسل إلى عبدك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك
وله دو بيت، قيل: إن الشيخ صدر الدّين بن الوكيل قال: وددت أنه يأخذ جميع ما قلته [٢] ويعطينيه، وهو:
الصبّ بك المنعوب والمعتوب ... والقلب بك المسلوب والملسوب
يا من طلبت لحاظه سفك دمي ... مهلا ضعف الطّالب والمطلوب
وفيها الرئيس شهاب الدّين أحمد بن محمد بن القطينة [٣] ، التاجر المشهور. كان فقيرا معدما ففتح الله تعالى عليه بحيث بلغت زكاته ثمانين ألفا، وكان فيه برّ وخير، وبنى مدرسة بذرع.
وتوفي بدمشق ودفن بتربته على طريق القابون.
وفيها مؤرّخ الآفاق العالم المتكلم كمال الدّين عبد الرزّاق بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن أبي المعالي محمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن
стр. 3707
أبي المعالي الفضل بن العبّاس بن عبد الله بن معن بن زائدة الشّيباني المروزي الأصل البغدادي [١] الأخباري، الكاتب المؤرّخ الحنبلي، ابن الصّابوني، ويعرف بابن الفوطي- محركا، نسبة إلى بيع الفوط- وكان الفوطي المنسوب إليه جدّه لأمّه.
ولد في سابع عشر محرم سنة اثنتين وأربعين وستمائة بدار الخلافة من بغداد، وسمع بها من الصّاحب محيي الدّين بن الجوزي، ثم أسر في واقعة بغداد، وخلّصه النّصير الطّوسي الفيلسوف وزير الملاحدة، فلازمه وأخذ عنه علوم الأوائل، وبرع في الفلسفة وغيرها وأمره [٢] بكتابة الزّيج وغيره من علم النجوم، واشتغل على غيره في اللّغة والأدب، حتّى برع ومهر في التاريخ، والشعر، وأيام الناس. وأقام بمراغة مدة، وولي بها كتب الرّصد بضع عشرة سنة، وظفر بها بكتب نفيسة، وحصّل من التواريخ ما لا مزيد عليه، وسمع بها من المبارك بن المستعصم بالله سنة ست وستين، ثم عاد إلى بغداد، وبقي بها إلى أن مات.
وسمع ببغداد الكثير، وعني بالحديث [٣] ، وعدّ من الحفّاظ، حتّى ذكره الذهبي في طبقاتهم، وقال: له النّظم، والنّثر، والباع الأطول في ترصيع تراجم النّاس. وله ذكاء مفرط وخطّ منسوب رشيق، وفضائل كثيرة. وسمع منه الكثير، وعني بهذا الشأن، وجمع وأفاد، فلعل الحديث أن يكفّر عنه به، وكتب من التواريخ ما لا يوصف، وعمل تاريخا كبيرا لم يبيضه، ثم عمل آخر دوّنه في خمسين مجلدا، سمّاه «مجمع الآداب في معجم الأسماء على معجم الألقاب» [٤] وله كتاب «درر الأصداف في غرر الأوصاف» وهو كبير جدا، ذكر أنه جمعه من ألف مصنّف، وكتاب «المؤتلف والمختلف» رتّبه مجدولا، وكتاب «التاريخ» على
стр. 3708
الحوادث، وكتاب «حوادث المائة السابعة» [١] وإلى أن مات، وكتاب [٢] «نظم الدّرر النّاصعة في شعر المائة السابعة» في عدة مجلدات.
وذكر الذهبي أيضا في «المعجم المختص» أنّه خرّج «معجما» لشيوخه، فبلغوا خمسمائة شيخ بالسّماع والإجازة.
قال: وذيّل على تاريخ شيخه ابن السّاعي نحوا من ثمانين مجلدا. وله «تلقيح الأفهام في تنقيح الأوهام» وله أشياء كثيرة في الأنساب وغيرها. وقد تكلّم في عقيدته وفي عدالته.
قال: وهو في الجملة أخباريّ علّامة، ما هو بدون أبي الفرج الأصبهاني.
وكان ظريفا، متواضعا، حسن الأخلاق، الله يسامحه.
توفي في ثالث المحرم ببغداد ودفن بالشّونيزية.
وفيها مسند الشّام بهاء الدّين القاسم بن مظفّر بن النّجم محمود بن تاج الأمناء ابن عساكر [٣] . حضر في سنة تسع وعشرين وستمائة على مشهور النيرباني، وحضر ابن عساكر، وكريمة، وعبد الرحيم بن عساكر، وابن المقيّر. وسمع من ابن اللّتي وجماعة، وأجاز له مشايخ البلاد، وبلغ «معجمه» سبع مجلدات، وألحق الصّغار بالكبار، ووقف أماكن على المحدّثين. وكان طبيبا، مؤرّخا، وخرّج له البرزالي مشيخة، وابن طغرلبك «معجما» كبيرا جمع فيه شيوخه، فبلغوا أكثر من خمسمائة وسبعين شيخا.
وتوفي بدمشق في شعبان عن أربع وتسعين سنة.
وفيها خطيب صفد وعالمها بها نجم الدّين حسن بن محمد الصّفدي [٤] .
стр. 3709
تقدّم في الأدب والمعقول، وله تآليف.
وتوفي في رمضان وهو من أبناء الثمانين.
وفيها شرف الدّين أبو عبد الله محمد بن سعد الله بن عبد الأحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الأحد بن عمر بن نجيح الحرّاني ثم الدمشقي [١] الفقيه الحنبلي الإمام.
سمع من الفخر بن البخاري وغيره، وطلب الحديث، وقرأ بنفسه، وتفقه وأفتى، وصحب الشيخ تقي الدّين بن تيميّة ولازمه، وكان صحيح الذّهن، جيد المشاركة في العلوم، من خيار الناس وعقلائهم وعلمائهم.
توفي في ذي الحجّة بوادي بني سالم في رجوعه من الحجّ، وحمل إلى المدينة النبوية فدفن بالبقيع، وكان كهلا.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمود الجيلي [٢] ، نزيل بغداد، المدرّس للحنابلة بالبشيرية. كان إماما، فقيها، عالما، فاضلا، له مصنّف في الفقه لم يتمه، سمّاه «الكفاية» ذكر فيه أن الإمام أحمد نصّ على أن من وصّى بقضاء الصّلاة المفروضة عنه نفّذت وصيته.
توفي ببغداد في يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى.
وفيها الأمير الصّاحب الوزير نجم الدّين محمد بن عثمان بن الصّفي البصروي الحنفي [٣] .
ولي الحسبة ثم الخزانة، ثم الوزارة، ثم الإمرة، ودرّس أولا بمدرسة بصرى، وكان فاضلا، مقدّم خيول عربية، فتقدم في ذلك، وتوفي ببصرى كهلا.
وفيها مسند الوقت شمس الدّين أبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن مميل بن الشّيرازي الدّمشقي [٤] . سمع من جدّه القاضي أبي نصر، والسخاوي،
стр. 3710
وجماعة. وبمصر من العلم بن الصّابوني، وابن قميرة. وأجاز له أبو عبد الله بن الزّبيدي، والحسين ابن السيّد، وقاضي حلب بن شدّاد، وخلق. وله «مشيخة» وعوال. وروى الكثير، وكان ساكنا، وقورا، منقبضا له، كفاية، وكبر سنّه وأكثر ولم يختلط.
وتوفي بالمزّة ليلة عرفة، عن أربع وتسعين سنة وشهرين.
وفيها صفي الدّين محمود بن محمد بن حامد الأرموي ثم القرافي الصّوفي [١] .
كان محدّثا، لغويا، إماما. سمع الكثير، وكتب، وتعب، واشتهر، وحدّث عن النّجيب، والكمال، وكان شافعيا، حفظ «التنبيه» مع دين وتصوّن ومعرفة.
توفي بدمشق بالمارستان في جمادى الآخرة وله ست وسبعون سنة.
وفيها صاحب «الأجرومية» أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود الصّنهاجي [٢] النّحوي المشهور بابن آجروم- بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم والراء [٣] المشدّدة ومعناه بلغة البربر الفقير- الصّوفي، صاحب «المقدمة» المشهورة بالجرومية.
قال ابن مكتوم [٤] في «تذكرته» : نحويّ مقرئ، له معلومات من فرائض، وحساب، وأدب بارع، وله مصنّفات وأراجيز.
وقال غيره: المشهور بالبركة والصّلاح، ويشهد لذلك عموم النّفع بمقدمته.
ولد بفاس سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وتوفي بها في صفر.
стр. 3711
سنة أربع وعشرين وسبعمائة
فيها كان الغلاء المفرط بالشّام، وبلغت الغرارة [١] أزيد من مائتي درهم أياما، ثم جلب القمح من مصر بإلزام سلطاني [٢] لأمرائه، فنزل إلى مائة وعشرين درهما، ثم بقي أشهرا، ونزل السّعر بعد شدّة، وأسقط مكس الأقوات بالشام بكتاب سلطاني. وكان على الغرارة ثلاثة دراهم ونصف. قاله في «العبر» .
وفيها توفي القاضي المعمّر العدل شمس الدّين أحمد بن علي بن الزّبير الجيلي ثم الدمشقي الشافعي [٣] .
سمع من ابن الصّلاح من «سنن البهيقي» .
وتوفي بدمشق في ربيع الآخر عن تسع وثمانين سنة.
وفيها وزير الشّرق علي شاه بن أبي بكر التّبريزي [٤] .
كان سنّيّا، معظّما لصاحب مصر، محبّا له.
توفي بأرّجان في جمادى الآخرة وقد شاخ.
وفيها الصّاحب الكبير كريم الدّين عبد الكريم بن هبة الله بن العلم
стр. 3712
هبة الله بن السّديد المصري [١] وكيل السلطان. أسلم كهلا في أيام الجاشنكير، وكان كاتبه، وتمكّن من السلطان غاية التمكن، بحيث صار الكلّ إليه، وبيده العقد والحلّ، وبلغ من الرّتبة ما لا مزيد عليه، وجمع أموالا عظيمة عاد أكثرها إلى السلطان، وكان حسن الخلق، عاقلا، خيّرا، سمحا، داهية، وقورا، مرض نوبة فزيّنت مصر لعافيته، وكان يعظّم الدّيّنين، وله برّ وإيثار، عمر البيارات، وأصلح الطّرق، وعمر جامع القبيبات [٢] وجامع القابون، وأوقف عليهما الأوقاف، ثم انحرف عليه السلطان ونكبه، فنفي إلى الشّويكة [٣] ثم إلى القدس، ثم إلى أسوان، فأصبح مشنوقا بعمامته، ولما أحس بالقتل صلّى ركعتين، وقال: هاتوا [ما عندكم] [٤] ، عشنا سعداء، ومتنا شهداء، أعطاني السلطان الدّنيا والآخرة، وشنق وقد قارب السّبعين.
وفيها الحافظ الزّاهد علاء الدّين علي بن إبراهيم بن دواد بن سلمان بن سليمان أبو الحسن بن العطّار الشافعي [٥] ، ويلقب بمختصر النّووي. سمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وغيرهما.
ولد يوم عيد الفطر سنة أربع وخمسين وستمائة، وتفقّه على الشيخ محيي الدّين النّووي، وأخذ العربية عن جمال الدّين بن مالك، وولي مشيخة دار الحديث النّورية وغيرها، ومرض بالفالج أزيد من عشرين سنة، وكان يحمل في محفّة، وكتب الكثير وحمله، ودرّس، وأفتى، وصنّف أشياء مفيدة.
قال الذهبي: خرّجت له «معجما» في مجلد انتفعت به، وأحسن إليّ باستجازته لي كبار المشيخة، وله فضائل وتألّه وأتباع.
стр. 3713
وقال ابن كثير: له مصنفات مفيدة وتخاريج ومجاميع.
وقال غيره: هو أشهر أصحاب النّووي وأخصّهم به، لزمه طويلا، وخدمه وانتفع به، وله معه حكايات، واطّلع على أحواله، وكتب مصنّفاته، وبيّض كثيرا منها، وعدّه في الحفاظ العلّامة ابن ناصر الدّين [١] وأثنى عليه.
توفي بدمشق في ذي الحجّة عن سبعين سنة.
وفيها الإمام الزّاهد نور الدّين علي بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن أبو الحسن البكري المصري الشافعي [٢] .
ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وسمع «مسند الشافعي» من وزيرة بنت المنجّى، واشتغل، وأفتى، ودرّس، وكان يذكر نسبه إلى أبي بكر الصّدّيق ﵁، ولما دخل ابن تيمية إلى مصر قام عليه وأنكر ما يقوله وآذاه. قاله ابن شهبة.
وقال السّبكي في «الطبقات الكبرى» : صنّف كتابا في البيان، وكان من الأذكياء.
سمعت الوالد يقول: إن ابن الرّفعة أوصى بأن يكمل [٣] شرحه على «الوسيط» .
وكان رجلا، جيدا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وقد واجه مرّة الملك النّاصر [محمد بن قلاوون] [٤] بكلام غليظ فأمر السلطان بقطع لسانه، حتّى شفع فيه.
وقال الإسنويّ: تحيا بمجالسته النّفوس، ويتلقى بالأيدي فيحمل على
стр. 3714
الرؤوس، تقمّص بأنواع الورع والتّقى، وتمسّك بأسباب الرّقيّ [١] فارتقى.
كان عالما، صالحا، نظّارا، ذكيا، متصوفا، أوصى إليه ابن الرّفعة بأن يكمل ما بقي من شرحه على «الوسيط» [٢] لما علم من أهليته لذلك دون غيره، فلم يتفق ذلك، لما كان يغلب عليه من التخلّي، والانقطاع، والإقامة، والأعمال الخيرية.
تنقّل بأعمال مصر لأن الملك النّاصر منعه من الإقامة بالقاهرة ومصر، إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر ودفن بالقرافة.
وفيها الشيخ ركن الدّين عمر بن محمد بن يحيى القرشي العتبي الشّاهد بن جابي الأحباس [٣] .
تفرّد عن السّبط ب «جزء شيبان» وب «الدعاء» للمحاملي، و «مشيخته» .
وتوفي بالثّغر في صفر عن خمس وثمانين سنة.
وفيها قاضي حلب زين الدّين عبد الله بن قاضي الخليل محمد بن عبد القادر الأنصاري [٤] . ولي حلب نيّفا وعشرين سنة، وقبلها ولي بعلبك، وناب بدمشق. وولي حمص. وكان مسمتا، مليح الشكل، فاضلا، وتوفي عن سبعين سنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن الإمام جمال الدّين عبد الرحيم بن عمر الباجربقي الشّافعي [٥] .
قال الذهبي: الضّالّ الذي حكم القاضي المالكي بضرب عنقه مرّة [٦] بعد
стр. 3715
أخرى لثبوت أمور فظيعة وكلمات شنيعة، فتغيب عن دمشق، وأقام بمصر بالجامع الأزهر، وتردّد إليه جماعة. وكان الشيخ صدر الدّين يتردّد إليه ويبهت في وجهه ويجلس بين يديه، وكان يري الناس بوارق شيطانية، وكان له قوة تأثير، وشهد عليه أيضا بما أبيح دمه به، منهم: الشيخ مجد الدّين التّونسي، فسافر إلى العراق، ثم سعى أخوه بحماة حتّى حكم الحنبلي بعصمة دمه، فغضب المالكي وجدّد الحكم بقتله، وكان أولا فقيها بالمدارس، ثم حصل له كشف شيطانيّ فضلّ به جماعة، وكان يتنقّص بالأنبياء، ويتفوّه بعظائم، ثم قدم القابون [١] مختفيا، وسكن بها إلى أن مات في ربيع عن ستين سنة.
وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن عثمان بن يوسف بن محمد بن الحدّاد الآمدي ثم المصري [٢] ، الخطيب الحنبلي.
قال ابن رجب: الإمام، الصّدر، [الرئيس] الفقيه، خطيب دمشق وحلب.
سمع الحديث، وتفقّه بالدّيار المصرية، وحفظ «المحرر» وشرحه على ابن حمدان، ولازمه مدة من السنين، حتّى قرأه عليه، وبرع في الفقه، وكان ابن حمدان يشكره ويثني عليه كثيرا، واشتغل بالكتابة، واتصل بالأمير قراسنقر [٣] المنصوري بحلب، فولّاه [٤] نظر الأوقاف وخطابة جامعها، وصرف عنه جلال الدّين القزويني، ثم صرف بالقزويني. وولي ابن الحدّاد حينئذ نظر المارستان، ثم ولي حسبة دمشق ونظر الجامع، واستمر في نظره إلى حين وفاته، وعيّن لقضاء الحنابلة في وقت.
وتوفي ليلة الأربعاء سابع جمادى [الأولى] بدمشق ودفن بمقبرة باب الصّغير.