← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

سنة أربع وعشرين وسبعمائة فيها كان الغلاء المفرط بالشّام، وبلغت الغرارة [١] أزيد من مائتي درهم أياما، ثم جلب القمح من مصر بإلزام سلطاني [٢] لأمرائه، فنزل إلى مائة وعشرين درهما، ثم بقي أشهرا، ونزل السّعر بعد شدّة، وأسقط مكس الأقوات بالشام بكتاب سلطاني. وكان على الغرارة ثلاثة دراهم ونصف. قاله في «العبر» . وفيها توفي القاضي المعمّر العدل شمس الدّين أحمد بن علي بن الزّبير الجيلي ثم الدمشقي الشافعي [٣] . سمع من ابن الصّلاح من «سنن البهيقي» . وتوفي بدمشق في ربيع الآخر عن تسع وثمانين سنة. وفيها وزير الشّرق علي شاه بن أبي بكر التّبريزي [٤] . كان سنّيّا، معظّما لصاحب مصر، محبّا له. توفي بأرّجان في جمادى الآخرة وقد شاخ. وفيها الصّاحب الكبير كريم الدّين عبد الكريم بن هبة الله بن العلم

стр. 3712

هبة الله بن السّديد المصري [١] وكيل السلطان. أسلم كهلا في أيام الجاشنكير، وكان كاتبه، وتمكّن من السلطان غاية التمكن، بحيث صار الكلّ إليه، وبيده العقد والحلّ، وبلغ من الرّتبة ما لا مزيد عليه، وجمع أموالا عظيمة عاد أكثرها إلى السلطان، وكان حسن الخلق، عاقلا، خيّرا، سمحا، داهية، وقورا، مرض نوبة فزيّنت مصر لعافيته، وكان يعظّم الدّيّنين، وله برّ وإيثار، عمر البيارات، وأصلح الطّرق، وعمر جامع القبيبات [٢] وجامع القابون، وأوقف عليهما الأوقاف، ثم انحرف عليه السلطان ونكبه، فنفي إلى الشّويكة [٣] ثم إلى القدس، ثم إلى أسوان، فأصبح مشنوقا بعمامته، ولما أحس بالقتل صلّى ركعتين، وقال: هاتوا [ما عندكم] [٤] ، عشنا سعداء، ومتنا شهداء، أعطاني السلطان الدّنيا والآخرة، وشنق وقد قارب السّبعين. وفيها الحافظ الزّاهد علاء الدّين علي بن إبراهيم بن دواد بن سلمان بن سليمان أبو الحسن بن العطّار الشافعي [٥] ، ويلقب بمختصر النّووي. سمع من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وغيرهما. ولد يوم عيد الفطر سنة أربع وخمسين وستمائة، وتفقّه على الشيخ محيي الدّين النّووي، وأخذ العربية عن جمال الدّين بن مالك، وولي مشيخة دار الحديث النّورية وغيرها، ومرض بالفالج أزيد من عشرين سنة، وكان يحمل في محفّة، وكتب الكثير وحمله، ودرّس، وأفتى، وصنّف أشياء مفيدة. قال الذهبي: خرّجت له «معجما» في مجلد انتفعت به، وأحسن إليّ باستجازته لي كبار المشيخة، وله فضائل وتألّه وأتباع.

стр. 3713

وقال ابن كثير: له مصنفات مفيدة وتخاريج ومجاميع. وقال غيره: هو أشهر أصحاب النّووي وأخصّهم به، لزمه طويلا، وخدمه وانتفع به، وله معه حكايات، واطّلع على أحواله، وكتب مصنّفاته، وبيّض كثيرا منها، وعدّه في الحفاظ العلّامة ابن ناصر الدّين [١] وأثنى عليه. توفي بدمشق في ذي الحجّة عن سبعين سنة. وفيها الإمام الزّاهد نور الدّين علي بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن أبو الحسن البكري المصري الشافعي [٢] . ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وسمع «مسند الشافعي» من وزيرة بنت المنجّى، واشتغل، وأفتى، ودرّس، وكان يذكر نسبه إلى أبي بكر الصّدّيق ﵁، ولما دخل ابن تيمية إلى مصر قام عليه وأنكر ما يقوله وآذاه. قاله ابن شهبة. وقال السّبكي في «الطبقات الكبرى» : صنّف كتابا في البيان، وكان من الأذكياء. سمعت الوالد يقول: إن ابن الرّفعة أوصى بأن يكمل [٣] شرحه على «الوسيط» . وكان رجلا، جيدا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وقد واجه مرّة الملك النّاصر [محمد بن قلاوون] [٤] بكلام غليظ فأمر السلطان بقطع لسانه، حتّى شفع فيه. وقال الإسنويّ: تحيا بمجالسته النّفوس، ويتلقى بالأيدي فيحمل على

стр. 3714

الرؤوس، تقمّص بأنواع الورع والتّقى، وتمسّك بأسباب الرّقيّ [١] فارتقى. كان عالما، صالحا، نظّارا، ذكيا، متصوفا، أوصى إليه ابن الرّفعة بأن يكمل ما بقي من شرحه على «الوسيط» [٢] لما علم من أهليته لذلك دون غيره، فلم يتفق ذلك، لما كان يغلب عليه من التخلّي، والانقطاع، والإقامة، والأعمال الخيرية. تنقّل بأعمال مصر لأن الملك النّاصر منعه من الإقامة بالقاهرة ومصر، إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر ودفن بالقرافة. وفيها الشيخ ركن الدّين عمر بن محمد بن يحيى القرشي العتبي الشّاهد بن جابي الأحباس [٣] . تفرّد عن السّبط ب «جزء شيبان» وب «الدعاء» للمحاملي، و «مشيخته» . وتوفي بالثّغر في صفر عن خمس وثمانين سنة. وفيها قاضي حلب زين الدّين عبد الله بن قاضي الخليل محمد بن عبد القادر الأنصاري [٤] . ولي حلب نيّفا وعشرين سنة، وقبلها ولي بعلبك، وناب بدمشق. وولي حمص. وكان مسمتا، مليح الشكل، فاضلا، وتوفي عن سبعين سنة. وفيها شمس الدّين محمد بن الإمام جمال الدّين عبد الرحيم بن عمر الباجربقي الشّافعي [٥] . قال الذهبي: الضّالّ الذي حكم القاضي المالكي بضرب عنقه مرّة [٦] بعد

стр. 3715

أخرى لثبوت أمور فظيعة وكلمات شنيعة، فتغيب عن دمشق، وأقام بمصر بالجامع الأزهر، وتردّد إليه جماعة. وكان الشيخ صدر الدّين يتردّد إليه ويبهت في وجهه ويجلس بين يديه، وكان يري الناس بوارق شيطانية، وكان له قوة تأثير، وشهد عليه أيضا بما أبيح دمه به، منهم: الشيخ مجد الدّين التّونسي، فسافر إلى العراق، ثم سعى أخوه بحماة حتّى حكم الحنبلي بعصمة دمه، فغضب المالكي وجدّد الحكم بقتله، وكان أولا فقيها بالمدارس، ثم حصل له كشف شيطانيّ فضلّ به جماعة، وكان يتنقّص بالأنبياء، ويتفوّه بعظائم، ثم قدم القابون [١] مختفيا، وسكن بها إلى أن مات في ربيع عن ستين سنة. وفيها بدر الدّين أبو عبد الله محمد بن عثمان بن يوسف بن محمد بن الحدّاد الآمدي ثم المصري [٢] ، الخطيب الحنبلي. قال ابن رجب: الإمام، الصّدر، [الرئيس] الفقيه، خطيب دمشق وحلب. سمع الحديث، وتفقّه بالدّيار المصرية، وحفظ «المحرر» وشرحه على ابن حمدان، ولازمه مدة من السنين، حتّى قرأه عليه، وبرع في الفقه، وكان ابن حمدان يشكره ويثني عليه كثيرا، واشتغل بالكتابة، واتصل بالأمير قراسنقر [٣] المنصوري بحلب، فولّاه [٤] نظر الأوقاف وخطابة جامعها، وصرف عنه جلال الدّين القزويني، ثم صرف بالقزويني. وولي ابن الحدّاد حينئذ نظر المارستان، ثم ولي حسبة دمشق ونظر الجامع، واستمر في نظره إلى حين وفاته، وعيّن لقضاء الحنابلة في وقت. وتوفي ليلة الأربعاء سابع جمادى [الأولى] بدمشق ودفن بمقبرة باب الصّغير.

стр. 3716

وفيها الشيخ شرف الدّين أبو عبد الله محمد بن المنجّى بن عثمان بن أسعد بن المنجّى التّنوخي الدمشقي الحنبلي [١] . ولد سنة خمس وسبعين وستمائة، وأسمعه والده الكثير من المسلم بن علّان، وابن أبي عمر، وطبقتهما. وسمع «المسند» [٢] والكتب الكبار، وتفقّه، وأفتى، ودرّس بالمسمارية. وكان من خواص أصحاب الشيخ تقي الدّين بن تيميّة وملازميه حضرا وسفرا. وكان مشهورا بالدّيانة والتّقوى، ذا خصال جميلة وعلم وشجاعة. روى عنه الذهبي في «معجمه» [٣] وقال: كان إماما، فقيها، حسن الفهم، صالحا، متواضعا. توفي إلى رضوان الله في رابع شوال ودفن بسفح قاسيون. وفيها أمير العرب محمد بن عيسى بن مهنّا [٤] . كان عاقلا، نبيلا، فيه خير، وهو أخو مهنّا. توفي بسلميّة في أحد الرّبيعين، عن نيّف وسبعين سنة، ودفن عند أبيه.

стр. 3717

سنة خمس وعشرين وسبعمائة في جمادى الأولى كان غرق بغداد المهول، وبقيت كالسفينة، وساوى الماء الأسوار، وغرق أمم لا تحصى، وعظمت الاستغاثة بالله تعالى، ودام خمس ليال، وقيل: تهدّم بالجانب الغربي نحو خمسة آلاف بيت. قال الذهبي [١] : ومن الآيات أن مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه، فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع ووقف بإذن الله تعالى، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر، صحّ هذا عندنا. وفيها توفي شيخ الظّاهرية عفيف الدّين إسحاق بن يحيى الآمدي الحنفي [٢] . روى كثيرا عن ابن خليل، وعن عيسى الخيّاط، وعدّة، وطلب الحديث، وحصّل أصولا بمروياته. قال الذهبي: خرّج له ابن المهندس «معجما» قرأته. توفي بدمشق في رمضان عن ثلاث وثمانين سنة، رحمه الله تعالى. وفيها الأديب الأمشاطي أحمد بن عثمان [٣] قيّم الشّام في نظم الزّجل. كان فردا في وقته، وكان كاتبا في دار البطيخ. ومن نظمه: وفتّاك اللّواحظ بعد هجر ... وفى كرما وأنعم بالمزار

стр. 3718

وظلّ نهاره يرمي بقلبي ... سهاما من جفون كالشّفار وعند اللّيل قلت لمقلتيه ... وحكم النّوم في الأجفان سار تبارك من توفّاكم بليل ... ويعلم ما جرحتم بالنّهار وفيها كبير الدولة الأمير الكبير ركن الدّين بيبرس المنصوري الخطائي الدّويدار [١] صاحب «التاريخ الكبير» ورأس الميسرة، ونائب مصر قبل أرغون. توفي في رمضان بمصر عن ثمانين سنة. قال ابن حجر في «الدّرر الكامنة» : هو صاحب «التاريخ المشهور» في خمسة وعشرين مجلدا. وقال الذهبي: كان عاقلا، وافر الهيبة، كبير المنزلة. وقال غيره: كان كثير الأدب، حنفي المذهب، عاقلا، قد أجيز بالإفتاء والتدريس، وله برّ [٢] ومعروف، كثير الصّدقة سرّا، ويلازم الصّلاة في الجماعة، وغالب نهاره في سماع الحديث والبحث في العلوم، وليله في القرآن والتهجد، مع طلاقة الوجه ودوام البشر، ﵀. وفيها الفقيه المعمّر شهاب الدّين أحمد بن العفيف محمد بن عمر الصّقلي ثم الدمشقي الحنفي [٣] . إمام مسجد الرأس، وهو آخر من حدّث عن ابن الصّلاح. توفي في صفر وله ثمان وثمانون سنة وثلاثة أشهر. وفيها جمال الدّين أحمد بن علي اليمني المعروف بالعامري [٤] ، وهو ابن أخت إسماعيل الحضرمي، شارح «المهذّب» .

стр. 3719

قال الإسنوي: كان شافعيا، عالما، جليلا، شرح «الوسيط» في نحو ثمانية أجزاء، وشرح أيضا «التنبيه» شرحا لطيفا، وتولى قضاء المهجم [١] ومات بها. وفيها صدر الدّين سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح بن خطيب، القاضي العالم الزّاهد الورع أبو الرّبيع الهاشمي الجعفري، المعروف بخطيب داريّا [٢] . ولد سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وتفقّه على الشيخين تاج الدّين الفزاري، ومحيي الدّين النّووي. وولي خطابة داريّا، وأعاد بالناصرية، وناب في الحكم مدة سنين، واستسقى الناس به سنة تسع عشرة فسقوا، وكان يذكر نسبه إلى جعفر الطّيّار بينهما ثلاثة عشر أبا، ثم إنه ولي خطابة جامع التّوبة، وترك نيابة الحكم. قال الذهبي: كان يتزهّد في ثوبه وعمامته الصغيرة، ومأكله، وفيه تواضع وترك للرئاسة والتصنّع، وفراغ عن الرّعونات، وسماحة ومروءة، ورفق. وكان لا يدخل حمّاما [٣] . حدّث عن ابن أبي اليسر، والمقداد، وكان عارفا بالفقه، وله حكايات في مشيه إلى شاهد يؤدي عنه [٤] ، وإلى فقير، وربما نزل في طريق داريّا عن حمارته وحمل عليها حزم حطب لمسكينة، ﵀. توفي في ذي القعدة ودفن بباب الصّغير عند شيخه تاج الدّين. وفيها الشيخ المعمّر عبد الرحمن بن عبد الولي الصّحراوي سبط اليلداني [٥] . سمع من جدّه كثيرا، ومن الرّشيد العراقي، وابن خطيب القرافة، وشيخ

стр. 3720

الشيوخ الحموي وأجاز له الضّياء، والسّخاوي، وسمع منه نائب السّلطنة «الآثار» للطحاوي، ووصله ورتّب له مرتّبا، ثم أضرّ وعجز. وتوفي بدمشق في ربيع الأول عن خمس وثمانين سنة. وفيها أول الملوك العثمانية خلّد الله دولتهم، وهو السلطان عثمان بن طغربك بن سليمان شاه بن عثمان [١] . تولى صاحب الترجمة سنة تسع وتسعين وستمائة، فأقام ستا وعشرين سنة. نقل القطبي أن أصله من التّركمان الرّحالة النزّالة من طائفة التتار، ويتصل نسبه إلى يافث بن نوح ﵇. انتهى. ونقل صاحب «درر الأثمان [٢] في أصل منبع آل عثمان» أن عثمان جدّهم الأعلى من عرب الحجاز، وأنه هاجر من الغلاء لبلاد قرمان واتصل بأتباع سلطانها في سنة خمسين وستمائة، وتزوّج من قونيا، فولد له سليمان فاشتهر أمره بعد عثمان، ثم تسلطن، وهو الذي فتح بورصة في حدود ثلاثين وسبعمائة، ثم تسلطن بعد سليمان ولده عثمان حواي الأصغر، ويقال هو الذي افتتح برسبا [٣] ، وأنه أول ملوك بني عثمان، فإنه استقلّ بالملك. وأما أبواه فكانا تابعين للملوك السّلجوقية. ونقل بعض المؤرخين أن أصل ملوك بني عثمان من المدينة المنورة، فالله أعلم. ولما ظهر جنكزخان أخرب بلاد بلخ، فخرج سليمان شاه بخمسين ألف بيت إلى أرض الرّوم، فغرق في الفرات، فدخل ولده طغربك الرّوم فأكرمه السلطان علاء الدّين السّلجوقي سلطان الرّوم، فلما مات طغربك خلّف أولادا أمجادا، أشدّهم بأسا وأعلاهم همّة عثمان صاحب الترجمة، فنشأ مولعا بالقتال والجهاد في الكفّار، فلما أعجب السلطان علاء الدّين السّلجوقي ذلك منه، أرسل إليه الرّاية

стр. 3721

السّلطانية والطّبل والزّمر، فلما ضربت النّوبة بين يديه، قام على قدميه تعظيما لذلك، فصار قانونا مستمرا لآل عثمان إلى الآن، يقومون عند ضرب النّوبة، ثم بعد ذلك تمكّن من السّلطنة، واستقلّ بالأمر، وافتتح من الكفّار عدة قلاع وحصون، رحمه الله تعالى. قاله الشيخ مرعي في «نزهة الناظرين» [١] . وفيها الإمام المحدّث نور الدّين علي بن جابر الهاشمي اليمني [٢] الشافعي، شيخ الحديث. حدّث عن زكي البيلقاني، وعرض عليه «الوجيز» للغزّالي، وله مشاركات وشهرة. وتوفي بالمنصورية عن بضع وسبعين سنة. وفيها علاء الدّين علي بن النّصير محمد بن غالب بن محمد الأنصاري الشافعي [٣] . روى عن الكمال الضّرير «الشّاطبية» وعن ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وطلب، وكتب، وتفقّه، وشارك في العلم، وتميّز في كتابة الحكم والشروط. وتوفي بدمشق عن ثمانين سنة. وفيها شيخ القرّاء تقي الدّين محمد بن أحمد بن عبد الخالق [٤] ، العلّامة المعروف بابن الصّايغ، الشافعي، شيخ القرّاء بالدّيار المصرية. قرأ «الشاطبية» على الكمال الضّرير، والكمال على مصنّفه ابن فارس، واشتهر، وأخذ عنه خلق، ورحل إليه، وكان ذا دين، وخير، وفضيلة، ومشاركة قوية.

стр. 3722

قال الإسنوي: رحل إليه الطلبة من أقطار الأرض لأخذ علم القراءة عليه لانفراده بها رواية ودراية، وأعاد بالطّيبرسية، والشّريفية، وغيرهما. وتوفي بمصر في صفر عن أربع وتسعين سنة. وفيها العلّامة الورع نور الدّين محمد بن إبراهيم بن الأميوطي [١] الشافعي [٢] . حكم بالكرك نحوا من ثلاثين سنة، وتفقه به الطلبة، وحدّث عن قطب الدّين القسطلّاني وغيره، وهو والد شرف الدّين قاضي بلبيس، وتوفي بالكرك. وفيها شهاب الدّين محمود بن سليمان بن فهد الحلبي ثم الدمشقي أبو الثناء [٣] ، كاتب السرّ الحنبلي. قال الذهبي: علّامة الأدب، وعلم البلاغيين، وكاتب السّرّ بدمشق. حدّث عن ابن البرهان، ويحيى بن الحنبلي، وابن مالك، وخدم بالإنشاء نحوا من خمسين سنة، وكان يكتب التقاليد على البدية. وقال ابن رجب في «طبقاته» : تعلّم الخطّ المنسوب، ونسخ بالأجرة بخطّه الأنيق كثيرا، واشتغل بالفقه على الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، وأخذ العربية عن الشيخ جمال الدّين بن مالك، وتأدّب بالمجد بن الظهير وغيره، وفتح له في النّظم والنثر، ثم ترقت حاله، واحتيج إليه، وطلب إلى الدّيار المصرية، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وصار المشار إليه في هذا الشأن في الدّيار المصرية والشامية، وكان يكتب التقاليد [٤] الكبار بلا مسودة، وله تصانيف في الإنشاء وغيره، ودوّن الفضلاء نظمه ونثره، ويقال: لم يكن بعد القاضي الفاضل مثله، وله من الخصائص ما ليس للفاضل من كثرة القصائد المطولة الحسنة الأنيقة، وبقي في

стр. 3723

ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة بدمشق ومصر، وولي كتابة السرّ بدمشق نحوا من ثماني سنين قبل موته، وحدّث، وروى عنه الذهبي في «معجمه» وقال: كان ديّنا، خيّرا، متعبدا، مؤثرا للانقطاع والسّكون، حسن المجاورة، كثير الفضائل. وتوفي بدمشق ليلة السبت ثاني عشري شعبان ودفن بتربته التي أنشأها بالقرب من اليعمورية، وولي بعده ابنه شمس الدّين. ومن شعره- أي الشهاب محمود-: يا من أضاف إلى الجمال جميلا ... لا كنت إن طاوعت فيك عذولا عوّضتني من نار هجرك جنّة ... فسكنت ظلا من رضاك ظليلا ومننت حين منحتني سقما به ... أشبهت خصرك رقّة ونحولا وسلكت بي في الحبّ أحسن مسلك ... لم يبق لي نحو السلوّ سبيلا ولربّ ليل مثل وجهك بدره ... ودجاه مثل مديد شعرك طولا أرسلت لي فيه الخيال فكان لي ... دون الأنيس مؤانسا وخليلا إن لم أجد للوجد فيك بمهجتي ... لا نال قلبي من وصالك سولا وله في حرّاث: عشقت حرّاثا مليحا غدا ... في يده المسّاس ما أجمله كأنّه الزّهرة قدّامه ال ... ثور يراعي مطلع السّنبله وفيها سراج الدّين يونس بن عبد المجيد بن علي الأرمنتي [١]- نسبة إلى أرمنت من صعيد مصر الأعلى-. ولد بها في المحرم سنة أربع وأربعين وستمائة، واشتغل بقوص على الشيخ مجد الدّين القشيري، وأجازه بالفتوى، ثم ورد مصر، فاشتغل على علمائها، وسمع من الرّشيد العطّار وغيره، وصار في الفقه من كبار الأئمة، مع فضله في النحو والأصول، وغير ذلك وتصدّر لإفادة الطلبة، وصنّف كتابا سمّاه «المسائل

стр. 3724

المهمة في اختلاف الأئمة» وكتاب «الجمع والفرق» وولاه ابن بنت الأعزّ قضاء إخميم [١] ثم صار يتنقل في أقاليم الدّيار المصرية، مشكور السيرة، محمود الحال، إلى أن تولى القوصية، فأقام بها سنين قليلة فلسعه ثعبان في المشهد بظاهر قوص، فمات به في ربيع الآخر. وذكر قبل موته بقليل أنه لم يبق أحد في الدّيار المصرية أقدم منه في الفتوى وكان أديبا شاعرا، حسن المحاضرة، وجد بعضهم مكتوبا بخطّه على ظهر كتاب له: الحال منّي يا فتى ... يغني عن الخبر المفيد فبغير سكّين ذبح ... ت فؤاد حرّ في الصّعيد فكان كذلك، لم يخرج من قوص كما سبق. وله البيتان المعروفان في الكفاءة: شرط الكفاءة حرّرت في ستة ... ينبيك عنها بيت شعر مفرد نسب ودين صنعة حريّة ... فقد العيوب وفي اليسار تردّد قاله الإسنوي.

стр. 3725

سنة ست وعشرين وسبعمائة فيها في شعبانها أخذ ابن تيميّة وحبس بقلعة دمشق في قاعة ومعه أخوه عبد الرحمن [١] يؤنسه، وعزّروا [٢] جماعة من أصحابه، منهم ابن القيّم. وفيها توفي زين الدّين أبو بكر بن يوسف المزّي بن الحريري الشافعي [٣] . كان عالما، متواضعا، مقرئا بالسبع. أخذ عن الزّواوي، وحفظ الفقه، والنحو، وحدّث عن خطيب مردا، والبكري، وابن عبد الدائم. وله جهات. وكان مقرئا، مدرّسا. توفي بدمشق في ربيع الأول عن ثمانين سنة. وفيها الخطيب المسند تقيّ الدّين أحمد بن إبراهيم بن عبد الله ابن أبي عمر المقدسي الحنبلي [٤] .

стр. 3726

سمع من خطيب مردا «السيرة» وسمع من اليلداني والبكري، ومحمد بن عبد الهادي حضورا. ومن إبراهيم بن خليل. وأجاز له السبط وجماعة. وكان يخطب جيدا بالجامع المظفّري. وتوفي في جمادى الآخرة عن بضع وسبعين سنة. وفيها المعمّرة أمة الرّحمن ستّ الفقهاء بنت الشيخ تقي الدّين إبراهيم بن علي بن الواسطي [١] الصّالحية المحدّثة. سمعت «جزء ابن عرفة» من عبد الحقّ حضورا. وسمعت من إبراهيم بن خليل وغيره، وأجاز لها جعفر الهمذاني، وكريمة، وأحمد بن المعزّ، وابن القسطي، وعدد كثير. وكانت مشاركة، صالحة مباركة. روت الكثير. وهي والدة فاطمة بنت الدّباهي. توفيت في ربيع الآخر عن ثلاث وتسعين سنة. وفيها الفاضل الأديب الحسن بن أحمد بن زفر الإربلي [٢] . سافر، وتغرّب، ودخل إلى بلاد العجم، واشتغل بالطبّ، واستوطن دمشق، وأقام بها صوفيا بدويرة حمد [٣] إلى أن مات. وكان يعرف النّحو، والأدب، والتاريخ. ومن شعره: وإذا المسافر آب مثلي مفلسا ... صفر اليدين من الذي رجّاه

стр. 3727

وخلا عن الشيء الذي يهديه لل ... إخوان عند لقائهم إيّاه لم يفرحوا بقدومه وتثقّلوا ... بوروده وتكرّهوا لقياه وإذا أتاهم قادما بهديّة ... كان السّرور بقدر ما أهداه وفيها الزّاهد الكبير الشيخ حمّاد التّاجر بن القطّان [١] . كان يقرئ القرآن، ويحكي عجائب عن الفقراء. وفيه زهد، وتعفّف، ويحضر السّماع، ويصيح. وله وقع في القلوب. توفي بالعقيبة عن ست وتسعين سنة. وفيها الشيخ علاء الدّين علي بن محمد السّكاكري الشاهد [٢] . كان رأسا في كتابة الشّروط، وفيه شهامة وحطّ على الكبار، ولكنه متحرّز في الشهادة. ساء ذهنه بأخرة، وأجاز له عبد العزيز بن الزّبيدي، وهبة الله ابن الواعظ، وغيرهما. وسمع من ابن عبد الدائم وجماعة. وتوفي في المحرّم عن ثمانين سنة. وفيها خطيب المدينة وقاضيها سراج الدّين عمر بن أحمد بن طراد الخزرجي المصريّ الشافعي [٣] . حدّث عن الرّشيد، وأجازه الشّرف المرسي، والمنذري. وتفقّه بابن عبد السلام قليلا، ثم بالسّديد التّزمنتي، والنّصير بن الطبّاخ، وخطب بالمدينة أربعين سنة، ثم سافر إلى مصر ليتداوى، فأدركه الموت بالسّويس عن تسعين سنة.

стр. 3728

وفيها العالم المسند شمس الدّين محمد بن أحمد بن أبي بن الهيجاء بن الزّرّاد الصّالحي [١] . روى شيئا كثيرا، وتفرّد. قال الذهبي: وخرجت له «مشيخة» . روى عن البلخي، ومحمد ابن عبد الهادي، واليلداني، وخطيب مردا، والبكري. وكان يروي «المسند» و «السيرة» و «مسند أبي عوانة» و «الأنواع والتقاسيم» و «مسند أبي يعلى» وأشياء. وافتقر واحتاج، وتغيّر ذهنه قبل موته، ولم يختلط. وتوفي بقاسيون عن ثمانين سنة. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن مسلّم بن مالك بن مزروع بن جعفر الزّيني الصّالحي [٢] ، الفقيه الحنبلي، قاضي قضاة المدينة المنورة. ولد سنة اثنتين وستين وستمائة، وتوفي أبوه سنة ثمان وستين، وكان من الصّالحين، فنشأ يتيما، فقيرا. وكان قد حضر على ابن عبد الدائم، وعمر الكرماني. وسمع من ابن البخاري وطبقته. وأكثر عن ابن الكمال، وعني بالحديث، وتفقّه، وأفتى، وبرع في العربية. وتصدّى للاشتغال والإفادة، واشتهر اسمه، مع الدّيانة، والورع، والزّهد، والاقتناع باليسير. ثم بعد موت القاضي تقي الدّين سليمان ورد تقليده للقضاء في صفر سنة ست عشرة موضعه فتوقف في القبول، ثم استخار الله تعالى وقبل بعد أن شرط أن لا يلبس خلعة حرير، ولا يركب في المواكب. قال الذهبي في «معجمه» : برع في المذهب والعربية، وأقرأ [٣] الناس مدّة.

стр. 3729

على ورع، وعفاف، ومحاسن جمة. ثم ولي القضاء بعد تمنّع [١] فشكر وحمد، ولم يغيّر زيّه. واجتهد في الخير، وفي عمارة أوقاف الحنابلة. وكان من قضاة العدل والحقّ، لا يخاف في الله لومة لائم. وهو الذي حكم على ابن تيميّة بمنعه من الفتيا بمسائل الطّلاق وغيرها مما يخالف المذهب. وقد حدّث، وسمع منه جماعة، وخرّج له المحدّثون تخاريج عدّة، وحجّ ثلاث مرّات، ثم حجّ رابعة فتمرض في طريقه، فورد المدينة المنورة يوم الاثنين ثالث عشري ذي القعدة وهو ضعيف، فصلّى في المسجد، وسلّم على النّبيّ ﷺ ، وكان بالأشواق إلى ذلك في مرضه، ثم مات عشية ذلك اليوم، وصلّي عليه بالرّوضة الشريفة، ودفن بالبقيع شرقي قبر عقيل [٢] ، ﵁. وفيها كمال الدّين محمد بن علي بن عبد القادر التّميمي الهمذاني ثم المصريّ الشافعي [٣] . حدّث عن النّجيب وجماعة، وقرأ عليه ولده الإمام نور الدّين «صحيح البخاري» وله عليه حواش بخطّه المنسوب. وكان إماما قاضيا. توفي بمصر عن إحدى وسبعين سنة. وفيها الصّدر الكبير قطب الدّين موسى ابن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي الحسين عبد الله اليونيني الحنبلي المؤرخ [٤] . ولد بدمشق سنة أربعين وستمائة، وسمع من أبيه، ومن ابن عبد الدائم، وعبد العزيز شيخ شيوخ حماة.

стр. 3730

وبمصر من الرّشيد العطّار. وإسماعيل بن صارم، وجماعة. وأجاز له ابن رواج، والبشيري. قال الذهبي: كان عالما، فاضلا، مليح المحاضرة، كريم النّفس، معظّما، جليلا، حدّثنا بدمشق، وبعلبك، وجمع «تاريخا» حسنا ذيّل به على «مرآة الزمان» . واختصر «المرآة» . قال: وانتفعت بتاريخه، ونقلت منه فوائد جمّة، وقد حسنت في آخر عمره حالته، وأكثر من العزلة والعبادة، وكان مقتصدا في لباسه وزيّه، صدوقا في نفسه، مليح الشّيبة، كثير الهيبة، وافر الحرمة. توفي ببعلبك عن ست وثمانين سنة، ودفن عند أخيه بباب سطحا. وفيها جمال الدّين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السّلام البغدادي [١] المقرئ الفقيه الحنبلي، الأديب النّحوي المتفنن. قرأ بالروايات، وسمع الحديث من محمد بن حلاوة، وعلي بن حصين، وعبد الرزّاق بن الفوطي وغيرهم. وقرأ بنفسه على ابن الطبّال، وأخذ عن ابن القوّاس شارح «ألفية ابن معطي» الأدب، والعربية، والمنطق، وغير ذلك. وتفقه بالشيخ تقي الدّين الزّريرانيّ [٢] . وكان معيدا عنده بالمستنصرية. قال الطّوفي [٣] : استفدت منه كثيرا، وكان نحويّ العراق ومقرئه، عالما بالأدب، له حظّ من الفقه، والأصول، والفراض، والمنطق. وقال ابن رجب: نالته في آخر عمره محنة، واعتقل بسبب موافقته الشيخ

стр. 3731

تقي الدّين بن تيميّة في مسألة الزّيارة وكتابته عليها مع جماعة من علماء بغداد. وتخرّج به جماعة. وتوفي في حادي عشر شوال، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. وفيها كبير السّادة الأشراف ناصر الدّين يونس بن أحمد الحسيني الدمشقي [١] ، عن إحدى وثمانين سنة. وكان رئيسا، وسيما. حدّث عن خطيب مردا، وذكر للنّقابة. وفيها هلك قتلا بالسّيف ناصر بن أبي الفضل [٢] الهيتي الصّالحي [٢] [٣] ضربت عنقه لثبوت زندقته على قاضي القضاة شرف الدّين بن مسلم الحنبلي، ونقل الثبوت إلى قاضي القضاة شرف الدّين المالكي، فأنفذه وحكم بإراقة دمه، وعدم قبول توبته وإن أسلم مع العلم بالخلاف، وطلع معه عالم عظيم فصلّى ركعتين، وضربت عنقه. وكان في ابتداء أمره من أحسن الناس صورة، حسن الصّوت، وعاشر الكبار، وانتفع بهم. وكان كثير المزح والمجون. ولما كبر اجتمع بمحلولي العقيدة، مثل ابن المعمار، والباجر بقي، والنّجم بن خلّكان، وغيرهم. فانحلّت عقيدته، وتزندق من غير علم، فشهد عليه. فهرب إلى بلاد الرّوم، ثم قدم حلب، واجتمع بالشيخ كمال الدّين ابن الزّملكاني، فأكرمه، واستتابه [٤] ثم ظهر منه زندقة عظيمة، فسيّره إلى دمشق فضربت عنقه، وهو من أبناء الستين، وفرح الناس بذلك. ثم ضربت عنق توما الرّاهب [٥] الذي أسلم من ثلاث سنين وارتدّ سرّا، ثم أفشى ذلك عند المالكي، فقتل [٦] وأحرق ولم يتكهل، وهو بعلبكي.

стр. 3732

وفيها هلك المعمّر فضل الله بن أبي الفخر بن الصقاعي [١] النّصراني الكاتب ببستانه بأرزة [٢] ودفن في مقابر النّصارى، وكان خبيرا في صناعته، باشر ديوان المرتجع، ثم نقل إلى ديوان البريم، ثم انقطع عن ذلك كلّه. وكانت عنده فضيلة في دينه، جمع الأناجيل الأربعة، إنجيل متّى، ومرقّص، ولوقا، ويوحنا. وجعلها إنجيلا واحدا في كتاب بألسنة مختلفة، عبراني، وسرياني، وقبطي، ورومي. وذكر في كل فصل ما قاله الآخر، وذكر اختلاف الحواريين، وبيّن عباراتهم. وكان يقول: إنه يحفظ التوراة، والإنجيل، والمزامير. وكان المكين بن العميد النّصراني [٣] قد عمل «تاريخا» من أول العالم إلى سنة ثمان وخمسين وستمائة، فكتبه ابن الصقاعي بخطّه، وذيّل عليه إلى سنة عشرين وسبعمائة، واختصر «تاريخ ابن خلّكان» وذيّل عليه [٤] وعمل «وفيات المطربين» وغير ذلك، وقارب مائة سنة.

стр. 3733

سنة سبع وعشرين وسبعمائة فيها توفي الشيخ نجم الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن مكّي بن ياسين القرشي المخزومي القمولي- بالفتح والضم نسبة إلى قمولة بلد بصعيد مصر- المصري الشافعي [١] . قال الإسنوي: تسربل بسربال الورع والتّقى، وتعلّق بأسباب الرّقى فارتقى، وخاض [٢] مع الأولياء، فركب في فلكهم ولزمهم [٣] حتّى انتظم في سلكهم. كان إماما في الفقه، عارفا بالأصول والعربية، صالحا، سليم الصّدر، كثير الذّكر والتلاوة، متواضعا، متودّدا، كريما، كبير المروءة، شرح «الوسيط» شرحا مطوّلا أقرب تناولا من شرح ابن الرّفعة وإن كان كثير الاستمداد منه، وأكثر فروعا منه أيضا، بل لا أعلم كتابا في المذهب أكثر مسائل منه، سمّاه «البحر المحيط في شرح الوسيط» ثم لخّص أحكامه خاصة، ك «تلخيص الروضة» من الرّافعي، سمّاه «جواهر البحر» وشرح «مقدمة ابن الحاجب» في النحو شرحا مطوّلا. وشرح «الأسماء الحسنى» في مجلد. وكمّل «تفسير ابن الخطيب» وتولى تدريس الفخرية بالقاهرة ونيابة الحكم. توفي في رجب ودفن بالقرافة.

стр. 3734

وفيها الرئيس العابد الأمين ضياء الدّين إسماعيل بن عمر بن الحموي الدمشقي [١] الكاتب. سمع من خطيب القرافة، وشيخ الشيوخ، وكان ذا حظّ من صيام وقيام وإطعام وإيثار تام، بصيرا بالحساب، شارف الجامع مدّة والخزانة، وتوفي بدمشق في صفر عن اثنتين وتسعين سنة. وفيها الملك أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد الهنتاني المغربي، ويعرف باللّحياني [٢] وقد وزر أبوه لابن عمّه المستنصر بتونس مدة. اشتغل زكريا في الفقه، والنحو، فبرع في ذلك، وتملّك تونس [٣] ، وحجّ سنة تسع وسبعمائة، ورجع. فبايعوه في سنة إحدى عشرة ولقّبوه بالقائم بأمر الله، فاستمر سبع سنين، ثم تحوّل إلى طرابلس المغرب، وأخذت منه تونس، فتوجّه إلى الإسكندرية في سنة إحدى وعشرين، فسكنها. وكان قد أسقط ذكر المهدي المعصوم- أعني ابن تومرت- من الخطب. وتوفي بالثّغر عن بضع وثمانين سنة. وفيها المفتي الزّاهد القدوة شرف الدّين عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السّلام بن [٤] عبد الله بن [٤] أبي القاسم الخضر بن محمد بن تيميّة الحرّاني ثم الدمشقي [٥] الحنبلي الفقيه الإمام المتقن أبو محمد أخو الشيخ تقي الدّين. ولد في حادي عشر محرم سنة ست وستين وستمائة بحرّان، وقدم مع أهله إلى دمشق رضيعا، فحضر بها على ابن أبي اليسر وغيره، ثم سمع ابن علّان، وابن

стр. 3735

الصّيرفي. وخلقا. وسمع «المسند» [١] و «الصحيحين» وكتب «السنن» وتفقه في المذهب، حتّى أفتى، وبرع أيضا في الفرائض، والحساب، وعلم الهيئة، وفي الأصلين، والعربية. وله مشاركة قويّة في الحديث. ودرّس بالحنبلية مدة. وكان صاحب صدق وإخلاص، قانعا باليسير، شريف النّفس، شجاعا، مقداما، مجاهدا، زاهدا، ورعا، يخرج من بيته ليلا ويأوي إليه نهارا، ولا يجلس في مكان معيّن بحيث يقصد فيه، لكنه يأوي المساجد المهجورة خارج البلد، فيختلي فيها [٢] للصّلاة، والذّكر. وكان كثير العبادة، والتألّه، والمراقبة، والخوف من الله تعالى، ذا كرامات وكشوف. كثير الصّدقات والإيثار بالذهب والفضة في حضره وسفره، مع فقره وقلّة ذات يده. وكان رفيقه في المحمل في الحج يفتش رحله فلا يجد فيه شيئا ثم يراه يتصدق بذهب كثير جدا، وهذا أمر مشهور معروف عنه. وحجّ مرات متعددة. وكان له يد طولى في معرفة تراجم السّلف ووفياتهم في التواريخ المتقدمة والمتأخرة. وجلس مع أخيه مدّة في الدّيار المصرية، وقد استدعي غير مرّة وحده للمناظرة، فناظر وأفحم الخصوم، وسئل عنه الشيخ كمال الدّين بن الزّملكاني، فقال: هو بارع في فنون عديدة، من الفقه، والنّحو، والأصول، ملازم لأنواع الخير وتعليم العلم. حسن العبارة، قويّ في دينه، مليح البحث، صحيح الذّهن، قوي الفهم، ﵀. قاله ابن رجب. وذكره الذهبي في «المعجم» وغيره، وأثنى عليه كثيرا. توفي- رحمه الله تعالى- يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى بدمشق، وصلّي عليه الظهر بالجامع [٣] وحمل إلى القلعة، فصلّى عليه أخواه تقي الدّين، وعبد الرحمن، وغيرهما، صلّى عليه أخواه في السّجن لأن التكبير عليه كان يبلغهم، وكان وقتا مشهودا. ثم صلّي عليه مرة ثالثة ورابعة، وحمل على الرؤوس والأصابع، فدفن في مقابر الصّوفية.

стр. 3736

وفيها الشيخ عزّ الدّين عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن عيسى بن عمر بن الخضر [الهكّاري] الكردي الشافعي، ويعرف بابن خطيب الأشمونيّين [١] . قال ابن شهبة: سمع من عبد الصّمد ابن عساكر بمكّة، وسمع بدمشق وغيرها من جماعة، وتفقه وتفنن، وفاق الأقران. وكان قد عيّن لقضاء دمشق بعد موت ابن صصرى، فلم يتفق. ودرّس، وأفتى، وصنّف على حديث الأعرابي الذي جامع في رمضان كتابا نفيسا، مشتملا على ألف فائدة وفائدة [٢] . وولي قضاء قوص، وقضاء المحلّة. ثم قدم القاهرة فمات بها في رمضان. انتهى. وقال السّبكي: له تصانيف كثيرة حسنة، وأدب وشعر. وفيها المعمّر شمس الدّين محمد بن أحمد بن منعة بن مطرّف القنوي ثم الصّالحي [٣] . سمع من عبد الحق حضورا، ومن ابن قميرة، والمرسي، واليلداني. وأجاز له الضّياء الحافظ، وابن يعيش النّحوي، وروى جملة، وتفرّد. وتوفي في المحرّم عن اثنتين وتسعين سنة. وفيها النّور علي بن عمر بن أبي بكر الواني [٤] الصوفي [٥] . سمع من ابن رواح، والسبط، والمرسي، وتفرّد بعوالي. وكان ديّنا، خيّرا، أضرّ ثم أبصر. وتوفي بمصر في المحرّم عن اثنتين وتسعين سنة. وفيها قاضي القضاة صدر الدّين علي بن الإمام صفي الدّين

стр. 3737

أبي القاسم بن محمد بن عثمان بن محمد البصراوي الحنفي [١] . ولد في رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة بقلعة بصرى، وكان من أكابر علماء الحنفية. اشتغل على قاضي القضاة شمس الدّين بن عطاء، ودرّس في المقدّمية، والخاتونية البرّانية، والنّورية. وولي القضاء. وكان متحريّا في أحكامه، متّعه الله بسمعه، وبصره، وجميع حواسه، إلى أن توفي ببستانه بأرض سطرا [٢] . وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن علي بن القاسم بن أبي العزّ بن الوّرّاق الموصلي [٣] المقرئ، الفقيه الحنبلي، المحدّث النّحويّ، ويعرف بابن الخروف. ولد في حدود الأربعين وستمائة بالموصل، وقرأ بها القراءات على عبد الله بن إبراهيم الجزريّ الزّاهد، وقصد الإمام أبا عبد الله شعلة ليقرأ عليه فوجده مريضا مرض الموت، ثم رحل ابن خروف إلى بغداد بعد الستين، وقرأ بها القراءات بكتب كثيرة في السّبع والعشر على الشيخ عبد الصّمد بن أبي الجيش، ولازمه مدّة طويلة. وقرأ القراءات أيضا على أبي الحسن بن الوجوهي، وسمع الحديث منهما، ومن ابن وضّاح. وذكر الذهبي: أنه حفظ «الخرقي» [٤] وعني بالحديث. وقرأ في التفسير على الكواشي المفسر بالموصل. وقرأ بها أيضا على الغزنويّ «معالم التنزيل» للبغوي. وتصدّى للإقراء والإشغال ببلده مدّة. وقرأ عليه جماعة.

стр. 3738

وقدم الشام سنة سبع عشرة، فسمع منه الذّهبي، والبرزالي. وذكره في «معجمه» وأثنى عليه، وسمع منه أيضا أبو حيّان، وعبد الكريم الحلبي، وذكره في «معجمه» . ورجع إلى بلده الموصل فتوفي بها في ثامن جمادى الأولى، ودفن بمقبرة المعافى بن عمران، ﵁. وفيها الشيخ كمال الدّين أبو المعالي محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري [١] الشافعي ابن خطيب زملكا، ويعرف بابن الزّملكاني. ولد في شوال سنة سبع، وقيل: ست وستين وستمائة. وسمع من جماعة، وطلب الحديث بنفسه، وكتب الطّباق بخطّه. وقرأ الفقه على الشيخ تاج الدّين الفزاري، والأصول على بهاء الدّين بن الزّكي، والصّفي الهندي، والنّحو على بدر الدّين بن مالك. وجوّد الكتابة على نجم الدّين ابن البصيص، وكتب الإنشاء مدة، وولي نظر الخزانة مدة، ووكالة بيت المال، ونظر المارستان. ودرّس بالعادلية الصّغرى، وتربة أمّ الصّالح. ثم بالشامية البرّانية، والظاهرية الجوّانية، والعدراويّة، والرّواحية، والمسرورية، وجلس بالجامع للاشغال وله تسع عشرة سنة. أرّخ ذلك شيخه الشيخ تاج الدّين. ثم ولي قضاء حلب سنة أربع وعشرين بغير رضاه، ودرّس بها بالسّلطانية، والسّيفية، والعصرونية، والأسدية. ثم طلب إلى مصر ليشافهه السّلطان بقضاء الشام، فركب البريد، فمات قبل وصوله إلى مصر. ومن مصنّفاته «الرّدّ على ابن تيميّة في مسألة الزّيارة» و «الرّدّ عليه في مسألة الطلاق» قال ابن كثير: في مجلد. قال: وعلّق قطعة كبيرة من «شرح المنهاج» للنووي. وله كتاب في «فضل الملك على البشر» . قال الذهبي في «معجمه المختص» : شيخنا، عالم العصر، طلب بنفسه،

стр. 3739

وقرأ على الشيوخ، ونظر في الرّجال والعلل. وكان عذب القراءة، سريعا. وكان من بقايا المجتهدين، ومن أذكياء زمانه. ودرّس وأفتى، وصنّف وتخرّج به الأصحاب. وقال ابن كثير: انتهت إليه رئاسة المذهب تدريسا وإفتاء ومناظرة. برع، وساد أقرانه، وحاز قصب السّبق عليهم بذهنه الوقّاد، وتحصيله الذي أسهره ومنعه الرّقاد. وعبارته التي هي أشهى من السّهاد، وخطّه الذي هو أنضر من أزاهير المهاد، إلى أن قال: أما دروسه في المحافل فلم أسمع أحدا من الناس يدرّس أحسن منه، ولا أجلّ من عبارته، وحسن تقريره، وجودة احترازاته، وصحة ذهنه، وقوة قريحته، وحسن نظره. توفي في رمضان ببلبيس، وحمل إلى القاهرة، ودفن جوار قبّة الشافعي، ﵁. وفيها فخر الدّين محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن الصّقلي [١]- ضبطه بعضهم بفتح الصّاد والقاف، وبعضهم بفتح الصّاد وكسر القاف، نسبة إلى جزيرة صقلية في بحر الرّوم- الشافعي. تفقه في القاهرة على الشيخ قطب الدّين السّنباطي، وناب في القضاء بظاهر القاهرة. وصنف «التنجيز في الفقه» وهو «التعجيز» إلّا أنه يزيد فيه التصحيح على طريقة النّووي، ويشير إلى تصحيح الرّافعي بالرّموز، وزاد فيه بعض قيود. قال السبكي: كان فقيها، فاضلا، دينا، ورعا. توفي بالقاهرة في ذي القعدة. وفيها القاضي الأديب شمس الدّين محمد بن الشّهاب محمود [٢] كاتب السّرّ. توفي في شوال عن ثمان وخمسين سنة.

стр. 3740

سنة ثمان وعشرين وسبعمائة فيها نقض رخام الحائط القبلي من ناحية جامع دمشق الغربية، فوجد الحائط منحدبا فنقض كأنه تغير من زلزلة فأخرب إلى الأرض مساحة خمسين ذراعا، فبني، وأحدث فيه محراب للحنفية، وجدّد ترخيم حيطان الجامع سوى المقصورة، وأركان القبّة. وفيها توفي الإمام القدوة عزّ الدّين إبراهيم بن أحمد بن عبد المحسن الحسيني العراقي [١] الشّافعي، من ولد موسى الكاظم. سمع من والده، وحليمة بنت ولد جمال الإسلام، والباذرائي، وجماعة. وأجاز له ابن يعيش، وابن رواج. ونسخ بالأجرة، وتفرّد، مع التّقوى، والعلم، والورع. توفي بالثّغر في المحرّم عن تسعين سنة. وفيها شيخ الإسلام تقي الدّين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السّلام ابن عبد الله بن تيميّة الحرّاني [٢] الحنبلي، بل المجتهد المطلق.

стр. 3741

ولد بحرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة سبع وستين [١] ، فسمع الشيخ بها ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، والمجد بن عساكر، ويحيى بن الصّيرفي، والقاسم الإربلي، والشيخ شمس الدّين ابن أبي عمر، وغيرهم. وعني بالحديث، وسمع «المسند» مرّات، والكتب الستة. و «معجم الطبراني الكبير» وما لا يحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، فأخذ الفقه والأصول عن والده، وعن الشيخ شمس الدّين بن أبي عمر، والشيخ زين الدّين بن المنجّى، وبرع في ذلك، وناظر، وقرأ العربية على ابن عبد القوي. ثم أخذ «كتاب سيبويه» فتأمله وفهمه، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرّز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، وغير ذلك من العلوم. ونظر في الكلام والفلسفة، وبرّز في ذلك على أهله، وردّ على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة. وأفتى من قبل العشرين أيضا. وأمدّه الله بكثرة الكتب، وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان، حتّى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئا فينساه. ثم توفي والده وله إحدى وعشرون سنة، فقام بوظائفه بعده مدة، فدرّس بدار الحديث التنكزية المجاورة لحمّام نور الدّين الشهيد في البزورية في أول سنة ثلاث وثمانين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدّين بن الزّكي، والشيخ تاج الدّين الفزاري، وابن المرحّل، وابن المنجّى، وجماعة، فذكر درسا عظيما في البسملة، بحيث بهر الحاضرين، وأثنوا عليه جميعا. قال الذهبي: وكان الشيخ تاج الدّين الفزاري يبالغ في تعظيم الشيخ تقي الدّين، بحيث إنه علّق بخطّه درسه بالتنكزية.

стр. 3742

ثم جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن، فكان يورد في المجلس من حفظه نحو كرّاسين أو أكثر. وبقي يفسّر في سورة نوح عدّة سنين أيام الجمع. وقال الذهبي في «معجم شيوخه» : شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، علما، ومعرفة، وشجاعة، وذكاء، وتنويرا إلهيا، وكرما، ونصحا للأمة، وأمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر. سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب، وخرّج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصّل ما لم يحصّله غيره، وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر وقّاد [١] إلى مواضع الإشكال ميّال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقلّ من يحفظ ما يحفظ من الحديث معزوّا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضار له وقت إقامة الدّليل. وفاق النّاس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصّحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده. وأتقن العربية أصولا وفروعا، وتعليلا واختلافا. ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين. وردّ عليهم، ونبّه على خطئهم وحذّر، ونصر السّنّة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السّنّة المحضة، حتّى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التّقوى على محبته والدعاء له. وكبت أعداءه، وهدى به رجالا كثيرة من أهل الملل والنّحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبا، وعلى طاعته. وأحيا به الشام، بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم خصوصا في كائنة التتار، وهو أكبر من أن ينبّه على سيرته مثلي، فلو حلّفت بين الرّكن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه. انتهى كلام الذهبي. وكتب الشيخ كمال الدّين ابن الزملكاني تحت اسم «ابن تيميّة» : كان إذا سئل عن فنّ من العلم ظنّ الرائي والسّامع أنه لا يعرف غير ذلك الفنّ، وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطّوائف إذا جالسوه استفادوا في

стр. 3743

مذاهبهم منه أشياء، ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشّرع أو غيرها إلّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. وكتب الحافظ ابن سيّد الناس في «جواب سؤالات الدّمياطي» في حقّ ابن تيميّة: ألفيته ممن أدرك من العلوم حظا. وكاد [١] يستوعب السّنن والآثار حفظا. إن تكلّم في التفسير، فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر [٢] بالحديث فهو صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر بالنّحل والملل لم ير أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته. برز في كل فنّ على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه. وقال الذهبي في «تاريخه الكبير» بعد ترجمة طويلة: بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث. وترجمه ابن الزّملكاني أيضا ترجمة طويلة وأثنى عليه ثناء عظيما، وكتب تحت ذلك: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلّت عن الحصر هو حجّة لله باهرة ... هو بيننا أعجوبة الدّهر هو آية للخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر وللشيخ أثير الدين أبي حيّان النّحوي لما دخل الشيخ مصر واجتمع به فأنشد أبو حيّان: لمّا رأينا تقيّ الدّين لاح لنا ... داع إلى الله فردا ما له وزر على محيّاه من سيما الألى صحبوا ... خير البريّة نور دونه القمر حبر تسربل منه دهره حبرا ... بحر تقاذف من أمواجه الدّرر قام ابن تيميّة في نصر شرعتنا ... مقام سيّد تيم إذ عصت مضر

стр. 3744

فأظهر الدّين إذ آثاره درست ... وأخمد الشّرك إذ طارت له شرر يا من تحدّث عن علم الكتاب أصخ ... هذا الإمام الذي قد كان ينتظر يشير بهذا إلى أنه المجدد. وممن صرّح بذلك الشيخ عماد الدّين الواسطي، وقد توفي قبل الشيخ. وقال في حقّ الشيخ بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: فو الله، ثم والله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيميّة، علما، وعملا، وحالا، وخلقا واتّباعا، وكرما، وحلما، وقياما في حقّ الله عند انتهاك حرماته، أصدق النّاس عقدا، وأصحهم علما، وعزما، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحقّ وقيامه همة، وأسخاهم كفّا، وأكملهم اتباعا لنبيّه محمد ﷺ . ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلي النّبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلّا هذا الرجل، يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة. وقال الشيخ تقي الدّين بن دقيق العيد، وقد سئل عن ابن تيمية بعد اجتماعه به،: كيف رأيته؟ فقال: رأيت رجلا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء، فقيل له: فلم لا تتناظرا؟ قال: لأنه يحب الكلام وأحبّ السّكوت. وقال برهان الدّين بن مفلح في «طبقاته» [١] : كتب العلّامة تقي الدّين السّبكي إلى الحافظ الذّهبي في أمر الشيخ تقي الدّين بن تيميّة، فالمملوك يتحقق [أن] قدره وزخارة بحره وتوسعته في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وأنه [٢] بلغ من ذلك كل المبلغ الذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول ذلك دائما، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلّ، مع ما جمعه الله تعالى له من الزّهادة، والورع، والدّيانة، ونصرة الحقّ، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السّلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزّمان، بل في أزمان. انتهى.

стр. 3745

وقال العلّامة الحافظ ابن ناصر الدّين في «شرح بديعته» [١] بعد ثناء جميل وكلام طويل: حدّث عنه خلق، منهم الذهبي، والبرزالي، وأبو الفتح بن سيد الناس، وحدّثنا عنه جماعة من شيوخنا الأكياس. وقال الذهبي في عدّ مصنّفاته المجوّدة: وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلدة. وأثنى عليه الذهبي وخلق بثناء حميد [٢] ، منهم الشيخ عماد الدّين الواسطي العارف، والعلّامة تاج الدّين عبد الرحمن الفزاري، وابن الزّملكاني، وأبو الفتح ابن دقيق العيد [٣] . وحسبه من الثناء الجميل قول أستاذ أئمة الجرح والتعديل أبي الحجّاج المزّي الحافظ الجليل، قال عنه: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه. وترجمه بالاجتهاد وبلوغ درجته، والتمكن في أنواع العلوم والفنون، ابن الزملكاني، والذّهبي، والبرزالي، وابن عبد الهادي، وآخرون. ولم [٤] يخلّف بعده من يقاربه في العلم والفضل. انتهى كلام ابن ناصر الدّين ملخصا. وكان الشيخ العارف بالله أبو عبد الله ابن قوام يقول: ما أسلمت معارفنا إلّا على يد ابن تيمية. وقال ابن رجب: كانت العلماء، والصّلحاء، والجند، والأمراء، والتّجار، وسائر العامّة تحبه، لأنه منتصب لنفعهم ليلا ونهارا، بلسانه، وعلمه.

стр. 3746

ثم قال ابن رجب وغيره: ذكر نبذة من مفرداته وغرائبه: اختار ارتفاع الحدث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه. والقول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلّا أن يتغير قليلا كان أو كثيرا. والقول بجواز المسح على النّعلين والقدمين وكل ما يحتاج في نزعه من الرّجل إلى معالجة باليد أو بالرّجل الأخرى، فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين. واختار أن المسح على الخفّين لا يتوقت مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقت مع إمكان النزع وتيسره. واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها. واختار جواز التيمم لخشية [١] فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخّر الصلاة عمدا حتّى تضايق وقتها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين وهو محدث. واختار أن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول إلى الحمّام وتكرره، أنها تتيمم وتصلي. واختار أن لا حدّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطّهر بين الحيضتين، ولا لسنّ الإياس [من الحيض] [٢] ، وأن ذلك يرجع [٣] إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها. واختار أن تارك الصلاة عمدا لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل [٤] .

стр. 3747

وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، كما هو مذهب الظّاهرية. واختار القول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر واختاره البخاري صاحب «الصحيح» . والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، كما هو مذهب ابن عمر واختيار البخاري. والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل وكان نهارا لا قضاء عليه كما هو الصحيح عن عمر بن الخطّاب ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم. والقول بجواز المسابقة بلا محلّل وإن أخرج المتسابقان. والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر ثلاث تطليقات. والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين. وجواز طواف الحائض، ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرا. والقول بجواز بيع الأصل بالعصير، كالزيتون بالزيت، والسّمسم بالسّيرج. والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره كالخاتم ونحوه بالفضة متفاضلا، وجعل الزايد من الثمن في مقابلة الصّنعة والقول. ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطّلاق الثلاث لا يقع إلّا واحدة، وأن الطلاق المحرّم لا يقع، وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط. وقال ابن رجب: مكث الشيخ معتقلا في القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، ثم مرض بضعة وعشرين يوما، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلّا موته. وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة، ذكره مؤذن القلعة

стр. 3748

على منارة الجامع، وتكلّم به الحرس على الأبرجة، فتسامع الناس بذلك، وبعضهم علم به في منامه، واجتمع الناس حول القلعة حتّى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق، ولا فتحوا كثيرا من الدكاكين، وفتح باب القلعة. واجتمع عند الشيخ خلق كثير من أصحابه يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زين الدّين عبد الرحمن أنه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانين ختمة، وشرعا في الحادية والثمانين، وانتهيا إلى قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٤: ٥٤- ٥٥ [القمر: ٥٤- ٥٥] . فشرع حينئذ الشيخان الصّالحان عبد الله بن المحبّ الصّالحي، والزّرعيّ الضّرير- وكان الشيخ يحب قراءتهما- فابتدأ من سورة الرحمن حتى ختما القرآن. وخرج من عنده من كان حاضرا إلّا من يغسّله ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصّالحين وأهل العلم، كالمزّي وغيره، وما فرغ من تغسيله حتّى امتلأت القلعة وما حولها بالرّجال، فصلّى عليه بدركات القلعة الزّاهد القدوة محمد بن تمّام، وضجّ الناس حينئذ بالبكاء، والثناء، والدعاء بالتّرحم. وأخرج الشيخ إلى جامع دمشق، وصلّوا عليه الظّهر، وكان يوما مشهودا [١] لم يعهد بدمشق مثله، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة السّنّة، فبكى الناس بكاء كثيرا، وأخرج من باب البريد، واشتد الزحام، وألقى الناس على نعشه مناديلهم، وصار النّعش على الرؤوس يتقدم تارة ويتأخر أخرى، وخرجت جنازته من باب الفرج، وازدحم الناس على أبواب المدينة جميعا للخروج، وعظم الأمر بسوق الخيل، وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه عبد الرحمن، ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدّين عبد الله بمقابر الصّوفية. وحزر من حضر جنازته بمائتي ألف، ومن النساء بخمسة عشر ألفا. وختمت له ختمات كثيرة، ﵀ ورضي عنه.

стр. 3749

وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن يحيى بن محمد بن بدر الجزري ثم الصّالحي [١] المقرئ الفقيه الحنبلي. ولد في حدود السبعين وستمائة، وقرأ بالروايات على الشيخ جمال الدّين البدوي [٢] وسمع من جماعة من أصحاب ابن طبرزد، والكندي، ولزم المجد التّونسي. وأخذ عنه علم القراءات، حتى مهر فيها، وأقبل على الفقه، وصحب القاضي ابن مسلم مدة وانتفع به. وكان من خيار الناس، دينا، وعقلا، وحياء، ومروءة، وتعففا. اقرأ القراءات، وحدّث. وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. قاله ابن رجب. وفيها أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الولي بن جبارة المقدسي [٣] المقرئ الفقيه [٤] الحنبلي الأصولي النحوي شهاب الدّين بن الشيخ تقي الدّين. ولد سنة سبع أو ثمان وأربعين وستمائة، وسمع من خطيب مردا، حضورا، وابن عبد الدائم. وارتحل إلى مصر بعد الثمانين، فقرأ بها القراءات على الشيخ حسن الرّاشدي، وصحبه إلى أن مات. وقرأ الأصول على شهاب الدّين القرافي المالكي، والعربية على بهاء الدّين بن النّحاس، وبرع في ذلك. وتفقه في المذهب. وقدم دمشق، ثم تحوّل إلى حلب، وأقرأ بها.

стр. 3750

ثم استوطن بيت المقدس. وتصدّر لإقراء القراءات والعربية، وصنّف شرحا كبيرا ل «الشاطبية» ، وشرحا آخر ل «الرائية» في الرسم، وشرحا ل «ألفية ابن معطي» وصنّف «تفسيرا» وأشياء في القراءات. ذكره الذهبي في «معجم شيوخه» فقال: كان إماما، مقرئا، بارعا، فقيها، نحويا، نشأ إلى اليوم في صلاح ودين وزهد. سمعت منه مجلس البطاقة، وانتهت إليه مشيخة بيت المقدس. وذكر البرزالي أنه حجّ وجاور بمكة، وأنه يعدّ في العلماء الصّالحين الأخيار، وقال: قرأت عليه بدمشق والقدس عدة أجزاء. وتوفي بالقدس سحر يوم الأحد رابع رجب، وذكر الدّبيثي أنه مات فجأة. وفيها الشيخ جمال الدّين عبد الله بن محمد بن علي ابن العاقولي الواسطي [١] الشّافعي، مدرّس المستنصرية. قال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» : مولده في رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة، واشتغل وبرع. وقال ابن كثير: درّس بالمستنصرية مدة طويلة، نحو أربعين سنة، وباشر نظر الأوقاف، وعيّن لقضاء القضاة في وقت، وأفتى من سنة سبع وخمسين وإلى أن مات، وذلك إحدى وسبعون سنة، وهذا شيء غريب جدا. وكان قويّ النّفس، له وجاهة في الدولة، كم كشفت به كربة عن النّاس بسعيه وقصده. وقال السّبكي: ولي قضاء القضاة بالعراق. وقال الكتبي: انتهت إليه رئاسة الشافعية ببغداد، ولم يكن يومئذ من يماثله ولا يضاهيه في علومه وعلو مرتبته، وعيّن لقضاء القضاة فلم يقبل. توفي في شوال ببغداد وله تسعون سنة وثلاثة أشهر، ودفن بداره، وكان وقفها على شيخ وعشرة صبيان يقرؤون القرآن، ووقف عليها أملاكه كلّها.
следующие страницы →