← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فلما صرّح الشّرّ ... فأضحى [١] وهو عريان مشينا مشية اللّيث ... غدا واللّيث غضبان بضرب فيه توهين ... وتخضيع وإقران وطعن كفم الزّقّ ... وهي والزّقّ ملآن وفي الشّرّ نجاة حي ... ن لا ينجيك إحسان وهو شعر قديم يقال: إنه للفند الزّمّاني [٢] في حرب البسوس [٣] فقال لحبابة: غنّيني به بحياتي، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا شعر لا أعرف أحدا يغنّي به إلّا الأحول المكّي [٤] فقال: نعم قد كنت سمعت ابن عائشة [٥] يعمل فيه ويترك، قالت: إنما أخذه عن فلان ابن أبي لهب، وكان حسن الأداء، فوجه يزيد إلى صاحب مكّة: إذا أتاك كتابي هذا، فادفع إليّ فلان ابن أبي لهب ألف دينار لنفقة طريقه على ما شاء من دواب البريد، ففعل، فلما قدم عليه،

стр. 422

قال: غنّني بشعر الفند الزّمّاني، فغنّاه، فأجاد، وأحسن، وأطرب، فقال: أعده، فأعاده، فأجاد، وأطرب يزيد، فقال له: عمّن أخذت هذا الغناء؟ قال: أخذته عن أبي، وأخذه أبي عن أبيه، قال: لو لم ترث إلّا هذا الصّوت لكان أبو لهب- ﵁! - ورّثكم خيرا كثيرا [١] ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا لهب مات كافرا مؤذيا لرسول الله- ﷺ قال: قد أعلم ما تقول، ولكني داخلني عليه رقة إذ كان يجيد الغناء، ووصله، وكساه، ورده إلى بلده مكرّما. وبالجملة فأخباره من هذا القبيل كثيرة [٢] فلنحبس عنان القلم عن ذلك سامحه الله تعالى. وفيها، أو في التي قبلها أو بعدها، مات عكرمة مولى ابن عبّاس، أحد فقهاء مكّة، من التابعين الأعلام، أصله من البربر. وهب لابن عبّاس، فاجتهد في تعليمه، ورحل إلى مصر وخراسان، واليمن، وأصبهان، والمغرب، وغيرها، وكانت الأمراء تكرمه، وأذن له مولاه بالفتوى. وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال [٣] : عكرمة. ولما مات مولاه باعه ابنه عليّ من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف [دينار!] [٤] ، فاستقاله فأقاله ثم أعتقه. قيل: مات هو وكثيّر عزّة في يوم واحد وصلّي عليهما جميعا، فقيل: مات أفقه النّاس وأشعر النّاس. قال ابن قتيبة [٥] : كان عكرمة يكنى أبا عبد الله.

стр. 423

وروى جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: دخلت على عليّ بن عبد الله بن عبّاس، وعكرمة موثوق على باب كنيف [١] ، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إن هذا يكذب على أبي. وقال ابن الخلّال: سمعت يزيد بن هارون يقول: قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيّوب، وسليمان التيمي، ويونس، فبينما هو يحدثهم، إذ سمع صوت غناء، فقال عكرمة: اسكتوا، فسمع [٢] ثم قال:- قاتله الله- لقد أجاد، أو قال: ما أجود ما غنى، فأما سليمان، ويونس فلم يعودا إليه، وعاد [إليه] [٣] أيوب. قال يزيد: وقد أحسن أيوب. ثم قال ابن قتيبة: وكان عكرمة يرى رأي الخوارج. وطلبه بعض الولاة فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده. ومات سنة خمس ومائة، وقد بلغ ثمانين سنة. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: احتج أحمد، ويحيى، والبخاريّ، والجمهور بما روى، وأعرض عنه مالك لمذهبه، وما كان يرى. قال طاووس: لو ترك من حديثه واتّقى الله لشدّت إليه الرّحال. انتهى. وفيها على الأصح أبو رجاء العطارديّ بالبصرة عن مائة وعشرين سنة، وكان أسلم في حياة النّبيّ- ﷺ وأخذ عن عمر، وطائفة.

стр. 424

قال ابن قتيبة [١] : اسمه عمران بن تيم [٢] ، ويقال: عطارد بن برد [٣] . ولد قبل الهجرة بإحدى عشرة سنة، وهو من ولد عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ويقال: إنه مولى لهم. وقال أبو رجاء: لما بلغني أنّ النّبيّ- ﷺ أخذ في القتل هربنا فأصبنا شلو أرنب دفينا، فاستثرناه وقعدنا [٤] عليه، وألقينا من بقول الأرض، فلا أنسى تلك الأكلة. حدّثني [٥] أبو حاتم، عن الأصمعيّ قال: حدّثنا رزين [٦] العطارديّ قال: أتت أبا رجاء امرأة في جوف الليل، فقالت: يا أبا رجاء، إن لطارق الليل حقا، وإن [٧] بني فلان خرجوا إلى سفوان [٨] وتركوا شيئا من متاعهم، فانتعل [٩] وأخذ الكتب فأداها [١٠] وصلّى بنا الفجر، وهي مسيرة ليلة للإبل. انتهى.

стр. 425

وعدّه ابن ناصر الدّين وغيره من المخضرمين، وقال: عاش مائة وعشرين سنة. وفيها الأخوان عبيد الله، وعبد الله، ابنا عبد الله بن عمر بن الخطّاب، وكان عبد الله وصيّ أبيه، وروايتهما قليلة. والمسيّب بن رافع الكوفي، سمع البراء، وجماعة. وعمارة بن خزيمة بن ثابت. روى عن أبيه ذي الشّهادتين [١] وجماعة يسيرة، وهو مدنيّ. وسليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، روى عن أبيه، وعائشة، وغيرهما. وأبان بن عثمان بن عفّان الأمويّ الفقيه، روى عن أبيه. قال ابن سعد [٢] : كان به صمم [شديد] [٣] ووضح كثير، وأصابه الفالج قبل موته بسنة. قال ابن قتيبة [٤] : أبان بن عثمان شهد الجمل مع عائشة، وكان الثاني من المنهزمين، وكانت أمه بنت جندب [٥] بن عمرو بن حممة الدّوسي، وكانت حمقاء. تجعل الخنفساء في فمها وتقول: حاجيتك ما في فمي؟ وهي أمّ عمرو بن عثمان أيضا.

стр. 426

وكان أبان أبرص، أحول، يلقب: بقيعا [١] . وكانت عنده أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، خلف عليها بعد الحجّاج. وعقبه كثير، منهم: عبد الرّحمن بن أبان [و] كان [عابدا] مجتهدا [٢] يحمل عنه الحديث. انتهى. وفيها توفي أبو صخر كثيّر بن عبد الرّحمن صاحب عزّة، وإنما صغّر لشدة قصره، وكان يحمق، وهو من غلاة الشيعة الموقنين بالرّجعة [٣] وكان بمصر، وعزّة بالمدينة، فسافر ليجتمع بها، فلقيها في الطريق متوجهة إلى مصر، وجرى بينهما كلام طويل، ثم تمت في سفرها إلى مصر، وتأخر كثيّر بعدها مدّة ثم عاد إلى مصر، فجاء والنّاس منصرفون من جنازتها. وروي أن عزّة دخلت على أمّ البنين ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز، وزوجة الوليد بن عبد الملك، فقالت لها: رأيت قول كثيّر: قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه [٤] ... وعزّة ممطول معنّى غريمها [٥] [فقالت] : ما هذا الدّين؟ قالت [٦] : وعدته قبلة فتحرّجت [٧] منها، فقالت

стр. 427

أمّ البنين: أنجزيها وعليّ إثمها، فقيل: إنّ أمّ البنين أعتقت عن ذلك رقابا [١] . ويقال: إنه لما سمحت له بالقبلة، قبّلها في فمها، وقذف من فمه إلى فمها بلؤلؤة ثمينة [٢] ، وكان لكثيّر غلام عطار بالمدينة، فباع من عزّة ونسوة معها نسيئة، ثم علم أنها عزّة فأبرأها، فعلم كثيّر، فأعتقه ووهبه العطر الذي عنده. وحكي أن عبد الملك حين أراد الخروج لقتال مصعب بن الزّبير، عرضت له زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فلم يقبل منها، فبكت وبكى حشمها، فقال عبد الملك: قاتل الله كثيّرا كأنه رأى موقفنا هذا بقوله: إذا ما أراد الغزو لم يثن عزمه ... حصان عليها نظم درّ يزينها [٣] نهته فلمّا لم تر النّهي [٤] عاقه ... بكت فبكى مما شجاها قطينها [٥] والقطين: الخدم [٦] . وذكر أن كثيّرا كان يهوى كل حسن، إما لشبهة بعزّة، أو استقلالا، ولهذا يقال: فلان كثيّريّ المحبّة، أي يحب كلّ من يعرض له لا يتقيد بمحبوب معين، بخلاف العامري.

стр. 428

ذكر أن عزّة تبدّلت في غير زيّها وتعرّضت لكثيّر، فراودها غير عالم بها، فقالت: اذهب إلى محبوبتك عزّة، فقال: ومن عزّة حتى تقاس بك؟ فسفرت عن وجهها وشتمته، فأطرق حياء ولم يذكرها إلى سنة، ثم بعد السنة أنشد تائيته الطنّانة التي سارت بها الرّكبان، التي مطلعها: هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت [١] .

стр. 429

سنة ست ومائة فيها استعمل هشام بن عبد الملك على العراق، خالد بن عبد الله القسريّ، فدخلها، وقبض على واليها عمر بن هبيرة [١] الفزاريّ، فنقب له غلمانه السّجن، وهرب إلى الشّام، فاستجار بمسلمة بن عبد الملك، ثم مات على القرب [٢] . وفيها غزا المسلمون فرغانة [٣] والتقوا التّرك، فقتل في الوقعة ابن خاقان، وانهزموا ولله الحمد. وفيها غزا الجرّاح الحكميّ وأوغل [٤] في بلاد الخزر، فصالحوه وأعطوه الجزية. وحج بالنّاس خليفتهم هشام.

стр. 430

وفيها توفي سالم بن عبد الله [بن عمر] [١] العدويّ المدنيّ الفقيه الزّاهد العابد القدوة، وكان شديد الأزمة، خشن [٢] العيش، يلبس الصوف ويخدم نفسه. وقال مالك: لم يكن أحد [٣] في زمانه أشبه بمن مضى من الصّالحين منه. قال أحمد: أصحّ الأسانيد: الزّهري، عن سالم، عن أبيه. وقيل: مالك عن نافع، عن ابن عمر [والشّافعيّ عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر] [٤] وهي سلسلة الذّهب. دخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فرأى سالما واقفا، فقال له: سلني حوائجك؟ فقال: لا والله لا سألت في بيت الله غير الله. وكان أبوه يقبّله ويقول: ألا تعجبون من شيخ يقبّل شيخا. وقال: يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم [٥] وفيها الإمام طاووس بن كيسان اليمانيّ الجنديّ الخولانيّ، أحد الأعلام علما وعملا.

стр. 431

أخذ عن عائشة وطائفة. قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا قط مثل طاووس. ولما ولي عمر بن عبد العزيز، كتب إليه طاووس: إن أردت أن يكون عملك كله خيرا فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة. توفي حاجا بمكّة قبل يوم التّروية [١] بيوم، وصلّى عليه هشام بن عبد الملك، وأراد الخروج عليه فلم يقدر لكثرة النّاس، ووضع عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب السرير على كاهله وسقطت قلنسوته، ومزّق رداؤه من خلفه للزحام. قيل: إنه ولي صنعاء، والجند [٢] ووليه بعده ابنه عبد الله. قيل: سئل طاووس عن مسألة، فقال: أخاف إن تكلمت، وأخاف إن سكت، وأخاف أن آخذ بين الكلام والسكوت. وكان أعلم التابعين بالحلال والحرام. وفيها أبو مجلز لاحق بن حميد البصريّ، أحد علماء البصرة، لقي [٣] كبار الصّحابة كأبي موسى، وابن عبّاس، وكان ينزل خراسان وعقبه بها، وكان عمر بن عبد العزيز بعث إليه فأشخصه ليسأله عنها. وقال قرّة بن خالد: كان أبو مجلز عاملا على بيت المال وعلى ضرب السّكّة [٤] .

стр. 432

قال هشام بن حسّان: كان قليل الكلام، فإذا تكلم كان من الرّجال. وفيها مات عبد الملك [١] قاضي الكوفة بعد الشّعبيّ. رأى عليا، وروى عن جابر. وعنه قال: كنت عند عبد الملك بقصر الكوفة فجيء برأس مصعب بن الزّبير، فارتعت لذلك، فقال: مالك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، كنت بهذا القصر مع عبيد الله بن زياد، فرأيت رأس الحسين بن علي بن أبي طالب بين يديه، ثم رأيت رأس عبيد الله بين يدي المختار [٢] في هذا المكان، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب في هذا المكان، ثم هذا رأس مصعب، فأمر عبد الملك بهدم ذلك الطّاق [٣] .

стр. 433

سنة سبع ومائة فيها عزل هشام الجرّاح بن عبد الله الحكمي عن أذربيجان، وإرمينية، وولّى أخاه مسلمة، فغزا، وافتتح في رمضان قيساريّة عنوة. وفيها توفي سليمان بن يسار [المدنيّ] [١] أخو عطاء. وهم عدة إخوة، وكان يكنى أبا أيّوب. مات عن ثلاثة وسبعين سنة. وكان أحد فقهاء المدينة [٢] السبعة. أخذ عن عائشة، وطائفة. قال الحسن بن محمّد بن الحنفيّة: سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيّب، وكان ابن المسيّب يقول: اذهبوا إليه فإنه أعلم من بقي اليوم. وفيها عطاء بن يزيد اللّيثيّ [المدنيّ] [٣] يكنى أبا محمّد، وهو من كنانة أنفسهم، وهو صاحب تميم الدّاريّ. روى عنه الزّهريّ، وتوفي وهو ابن اثنتين وثمانين سنة [٤] .

стр. 434

وفيها، وقيل: في سنة ثمان، أو إحدى، أو اثنتين ومائة مات أيضا أحد الفقهاء السبعة القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصّدّيق التيميّ المدنيّ الإمام، نشأ في حجر عمته عائشة، فأكثر عنها. قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحدا نفضّله بالمدينة على القاسم بن محمد. وعن أبي الزّناد قال: ما رأيت فقيها أعلم منه. وقال ابن عيينة: كان القاسم أفضل أهل زمانه. وعن عمر بن عبد العزيز قال: لو كان أمر الخلافة إليّ لما عدلت عن القاسم، أي وذلك لأن سليمان بن عبد الملك عهد إلى عمر بالخلافة وليزيد [١] من بعده. وجاءه رجل فقال: أنت أعلم أم سالم [٢] ؟ فقال: ذاك مبارك سالم. قال ابن إسحاق: كره أن يقول: هو أعلم فيكذب، وأن يقول: أنا أعلم فيزكّي نفسه.

стр. 435

سنة ثمان ومائة فيها غزا أسد بن عبد الله القسريّ أمير خراسان، فالتقاه الغور [١] في جمع عظيم فهزمهم. وفيها زحف ابن خاقان إلى أذربيجان وحاصر مدينة ورثان [٢] ونصب عليها المجانيق. فساق إليه المسلمون فهزموه، وقتلوا من جيشه خلقا. ولكن استشهد أميرهم الحارث بن عمرو. وفيها توفي أبو عبد الله بكر بن عبد الله المزنيّ البصريّ الفقيه. روى عن المغيرة بن شعبة، وجماعة. وقيل: توفي سنة ست.

стр. 436

وفيها، وقيل: سنة تسع، أبو نضرة العبدي، واسمه المنذر بن مالك، أحد شيوخ البصرة أدرك عليّا، وطلحة، والكبار. وفيها، يزيد بن عبد الله بن الشّخّير البصري، أخو مطرّف، جليل القدر، ثقة مشهور، لقي عمران بن حصين، وجماعة. وعاش نحوا من تسعين سنة. وقيل: بقي إلى سنة إحدى عشرة، وكان موصوفا بالعلم والصّلاح والورع. وفيها، وقيل: في سنة عشرة، محمد بن كعب القرظيّ الكوفيّ المولد والمنشأ، ثم المدنيّ. روى عن كبار الصّحابة. وبعضهم يقول: ولد في حياة النّبيّ- ﷺ وكان كبير القدر ثقة [١] . موصوفا بالعلم والصّلاح والوّرع. قاله الذّهبيّ [٢] .

стр. 437

سنة تسع ومائة فيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام، فافتتح حصن القطاسين [١] . وفيها توفي أبو نجيح يسار المكيّ، مولى ثقيف، ووالد عبد الله بن أبي نجيح. روى عن أبي سعيد، وجماعة. قال أحمد بن حنبل: كان من خيار عباد الله. وأبو حرب بن أبي الأسود الدّؤليّ [٢] البصريّ. روى عن عبد الله بن عمرو [٣] ، وجماعة.

стр. 438

سنة عشر ومائة فيها افتتح معاوية ولد هشام قلعتين من أرض الرّوم. وفيها كانت وقعة الطّين، التقى مسلمة وطاغية الخزر بقرب باب الأبواب، فاقتتلوا أياما كثيرة، ثم كان النصر ولله الحمد والمنة، وذلك في جمادى الآخرة. وفيها كانت وقعة بالمغرب أسر فيها بطريق المشركين. وفيها توفي إبراهيم بن محمّد بن طلحة بن عبيد الله التيميّ، وكان يسمّى أسد قريش. روى عن عائشة، وجماعة، وولي خراج الكوفة لابن الزّبير. والحسن بن أبي الحسن [١] البصريّ، أبو سعيد، إمام أهل البصرة وخير أهل زمانه. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وسمع خطبة عثمان، وشهد يوم الدّار [٢] أبوه مولى زيد بن ثابت، وأمّه مولاة أمّ سلمة، وكان ربما أعطته أمّ

стр. 439

سلمة ثديها في صغره تعلّله به [١] حتّى تجيء أمه، فيدرّ عليه. فيروون أن علمه، وفصاحته، وورعه من بركة ذلك. وكان جميلا فصيحا. قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن، والحجّاج. قيل: ولا أشعر من رؤبة، والعجّاج. وقال ابن سعد في «طبقاته» [٢] : كان جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، حجة [٣] مأمونا، عابدا، ناسكا كثير العلم [٤] فصيحا، جميلا، وسيما. انتهى. ولما ولي ابن هبيرة [٥] العراق وخراسان نيابة عن يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن، وابن سيرين، والشّعبيّ، وذلك في سنة ثلاث ومائة، فقال لهم: إنّ الخليفة كتب إليّ بأمر فأقلده ما تقلد من ذلك الأمر. فقال ابن سيرين والشّعبيّ قولا فيه بعض تقيّة. فقال: ما تقول يا حسن؟ قال: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيدا في الله، فإن الله يمنعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله، ويوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك [٦] إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلّا عملك. يا ابن هبيرة إياك أن تعصي الله [٧] فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله تعالى وعباده، فلا تتركن [٨] دين الله وعباده لهذا السلطان، فإنه «لا طاعة لمخلوق في معصيّة الخالق» [٩] فأضعف جائزة الحسن عليهما. فقالا له:

стр. 440

قشقشنا [له] فقشقش لنا، والقشقشة: الرّديء من العطية [١] . وكتب إليه عمر بن عبد العزيز يقول له: إني قد ابتليت بهذا الأمر، فانظروا لي أعوانا يعينونني [٢] عليه. فكتب إليه الحسن: أما أبناء الدّنيا فلا تريدهم، وأما أبناء الآخرة فلا يريدونك [٣] فاستعن بالله والسلام. وله مع الحجّاج وقعات هائلة، وسلمه الله من شره، وربما حضر مجلسه فلم [٤] يقم، بل يوسع له ويجلس إلى جنبه، ولا يغير كلامه الذي هو فيه. وقال أبو بكر الهذليّ: قال لي السّفّاح: بأي شيء بلغ حسنكم ما بلغ؟ فقلت: جمع القرآن وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم لم يخرج من سورة إلى غيرها حتّى يعرف تأويلها، وفيما أنزلت، ولم، يقلب درهما في تجارة، ولا ولي سلطانا، ولا أمر بشيء حتّى فعله، ولا نهى عن شيء حتّى ودعه، فقال بهذا بلغ الشيخ ما بلغ. وكان جلّ كلامه حكم ومواعظ، بقوة عبارة وفصاحة.

стр. 441

وقال ابن قتيبة في «المعارف» [١] : كان الحسن من أجمل أهل البصرة، حتّى سقط عن دابته، فحدث بأنفه ما حدث. وحدّثني عبد الرّحمن، عن الأصمعي، عن أبيه قال: ما رأيت أحدا أعرض زندا من الحسن، وكان عرضه شبرا، وكان تكلم في شيء [٢] من القدر ثم رجع عنه. وكان عطاء بن يسار قاصّا [٣] ويرى القدر وكان لسانه يلحن [٤] ، وكان يأتي الحسن هو ومعبد الجهني، فيسألانه، ويقولان: يا أبا سعيد، إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله تعالى. فقال: كذب أعداء الله. فتعلق عليه بمثل هذا وأشباهه. وكان يشبّه برؤبة بن العجّاج في فصاحة لهجته، وعربيته. ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما. وكان الحسن كاتب الرّبيع بن زياد الحارثي بخراسان. وقيل ليونس بن عبيد: أتعرف أحدا يعمل بعمل الحسن؟ فقال: والله ما أعرف [٥] أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل بعمله. ثم وصفه فقال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس

стр. 442

فكأنه أسير [١] أمر بضرب عنقه، وإذا ذكرت النّار فكأنها لم تخلق إلّا له. انتهى ملخصا. وقال رجل قبل موته لابن سيرين: رأيت طائرا أخذ حصاة من المسجد، فقال: إن صدقت رؤياك مات الحسن، فمات بعد [٢] ذلك. ولما شيّع النّاس جنازته لم تقم صلاة العصر في الجامع، ولم يكن ذلك منذ قام الإسلام، رحمه الله تعالى ورضي عنه. وفي شوال يوم الجمعة منها توفي شيخ البصرة، إمام المعبّرين محمد بن سيرين، أبو بكر، بعد موت الحسن بمائة يوم. قالوا: كان سيرين أبو محمّد عبدا لأنس بن مالك، فكاتبه على عشرين ألفا، وأدى المكاتبة، وكان من سبي ميسان [٣] وكان المغيرة افتتحها. ويقال: من سبي عين التّمر، وكانت أمه صفيّة مولاة لأبي بكر الصّدّيق [﵁] [٤] طيّبها ثلاث من أزواج النّبيّ- ﷺ ودعون لها، وحضر إملاكها [٥] ثمانية عشر بدريّا، فيهم أبيّ بن كعب، يدعو، وهم يؤمّنون.

стр. 443

وكان سيرين يكنى: أبا عمرة. وولد له ثلاث وعشرون ولدا، من أمهات أولاد شتى. وكان محمّد بزّازا [١] وحبس بدين [كان] [٢] عليه، وكان أصمّ، وولد له ثلاثون ولدا من امرأة واحدة، كان تزوجها عربية، ولم يبق منهم غير عبد الله بن محمّد، وولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، قال ذلك أنس بن سيرين، قال: وولدت أنا لسنة بقيت من خلافته. ومات محمد عن سبع وسبعين سنة، وقضى عنه ابنه عبد الله ثلاثين ألف درهم. وكان محمد بن سيرين كاتب أنس بن مالك بفارس. قال الأصمعيّ: كان [٣] الحسن سيدا سمحا، وإذا حدثك الأصمّ- يعني ابن سيرين- فاشدد يديك به. وقتادة حاطب ليل. وكان ابن سيرين إذا دخل منزلا لم يره أحد إلّا ذكر اسم الله لصلاحه، وكان يقول: ما أهون الورع، فقيل: وكيف هو هيّن؟ فقال: إذا رابك شيء فدعه. وقال: رأيت يوسف النّبيّ- على نبينا وعليه الصلاة والسلام- في النوم، فقلت له: علّمني تعبير الرّؤيا. قال: افتح فاك، ففتحته، فتفل فيه، فأصبحت، فإذا أنا أعبر الرّؤيا.

стр. 444

قال ابن قتيبة: وكان ابن سيرين غاية في العلم، نهاية في العبادة، روى عن كثير من الصحابة، وروى عنه الجمّ الغفير من التابعين، وأريد على القضاء فهرب إلى الشّام، ثم أتى المدينة [١] . قال ابن عون: لم أر مثله. وقال هشام بن حسّان [٢] : حدثني أصدق من رأيت من البشر محمد بن سيرين. وقال ابن عون: لم أر مثل ابن سيرين. وله في التعبير عجائب. قال له رجل: رأيت على ساق رجل شعرا كثيرا، فقال: يركبه دين ويموت في السّجن، فقال الرجل: أنت هو، فاسترجع، ومات في السجن وعليه أربعون ألف درهم، قضاها عنه ولده أو بعض إخوانه، وقوّم ماله بستمائة ألف درهم. وقالت له امرأة: رأيت كأن القمر دخل في الثّريا، فنادى مناد من خلفي قضي على ابن سيرين، فاصفرّ لونه، وقام وهو آخذ ببطنه، فقالت له عمته: مالك؟ قال: زعمت هذه المرأة أني أموت إلى سبعة أيام، فدفن في اليوم السابع. وقال له رجل: رأيت طائرا سمينا ما أعرفه، تدلّى من السماء فوقع على شجرة، وجعل يلتقط الزّهر، ثم طار، فتغيّر وجه ابن سيرين، وقال: هذا موت العلماء.

стр. 445

وفيها توفيت فاطمة بنت الحسين الشهيد- ﵁ التي أصدقها الدّيباج عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان ألف ألف درهم [١] ، وتزوج أختها سكينة مصعب بن الزّبير، هي وعائشة بنت طلحة. وفيها مات مسلم البطين [٢] صاحب سعيد بن جبير بالكوفة. [وسليم بن عامر الكلاعي الحمصي. قال الذّهبي في «العبر» : وقد أدرك النبيّ- ﷺ وروى عن أبي الدرداء ونحوه] [٣] . انتهى. وفيها عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أخو الفقيه عبيد الله، إمام، زاهد، قانت، واعظ، كثير العلم، لقي ابن عبّاس، والكبار. وفيها توفي الشاعران المشهوران، شاعرا العصر، جرير [٤] والفرزدق. قال ابن خلّكان [٥] : أجمعوا على أنه ليس في شعراء الإسلام مثلهما والأخطل.

стр. 446

وكان بينهما مهاجاة وتفاخر، وفضّل جرير ببيوته الأربعة: الفخر، والمدح، والهجاء، والتشبيب، فالفخر قوله في قومه [١] : إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضابا [٢] والمدح قوله: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح [٣] والهجاء قوله: فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا [٤] والتشبيب قوله: يصرعنّ ذا اللّبّ حتّى لا حراك به [٥] ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا [٦] وقال اليافعيّ [٧] : وقد رجّح كثير من المتأخرين أو أكثرهم [٨] ثلاثة متأخرين: أبا تمّام، والبحتري، والمتنبّي، واختلفوا في ترجيح أيهم، ورجّح [٩] الفقيه حسين المؤرخ [١٠] قول شمس الدّين بن خلّكان [١١] ، وذلك

стр. 447

لأن الأولين سبقوا إلى ابتكار المعاني الجزيلة بالألفاظ البليغة، وأحسن حالات المتأخرين أن يفهموا أغراضهم وينسجوا على منوالهم، وتبقى لهم فضيلة السبق. ويقال لجرير: ابن الخطفاء، ولعلها أمه، وأما أبوه فعطيّة، وهو تميميّ، ومن أحسن قوله قصيدته في عبد الملك التي أولها: أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشيّة همّ صحبك بالرّواح [١] يقال: إنه لما أنشد عبد الملك هذا المطلع، قال له: بل فؤادك يا ابن الفاعلة، وعده بعضهم من الورطات في حسن الابتداء. ومن القصيدة المذكورة: سأشكر إن رددت عليّ ريشي ... وأنبتّ القوادم من جناحي ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح [٢] وقال عبد الملك: من مدحنا فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ووهبه مائة ناقة، فسأله الرعاء، فوهبه ثمانية أعبد، ورأى صحاف ذهب بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين والمحلب [٣] وأشار إليها، فنحاها إليه بالقضيب، وقال: خذها لا نفعتك. وكان عمر بن عبد العزيز لا يأذن لأحد من الشعراء غيره. ولما مات الفرزدق بكى جرير وقال: إني لأعلم أني قليل البقاء بعده،

стр. 448

ولقد كان نجمنا واحدا، وكلّ منا مشغول، بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلّا ويتبعه صاحبه، وبقي حزينا. وقال: أطفأ موت الفرزدق جمرتي، وأسال عبرتي، وقرب منيّتي، فعاش بعده أربعين يوما، وقيل: ثمانين، وقد قارب المائة. وأما الفرزدق فهو أبو فراس [١] همّام بن غالب التميميّ المجاشعيّ من سراة قومه، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس، تبارى أبوه غالب هو وسحيم بن وثيل الرّياحي، نحر مائة ناقة ثنتين ثنتين، ثم ثلاثا ثلاثا، وفي اليوم الرابع نحر غالب مائة، ولم يكن عند سحيم هذا القدر، فعجز، ولما انتهت، وانقضت المجاعة، وزال الضّر، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدّهر! لو نحرت مثله أعطيناك مكان كل ناقة ناقتين، فنحر ثلاثمائة، وقال للناس: شأنكم والأكل، فنهى عليّ- كرم الله وجهه- عن أكلها، فألقيت على كناسة [٢] الكوفة، وفي ذلك يقول جرير في هجو الفرزدق: تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى هلّا الكميّ المقنّعا [٣] يقول: هلا افتخرتم بالشجاعة.

стр. 449

وهدم الوليد بن عبد الملك بيعة النصارى، فكتب إليه الأخرم ملك الرّوم: إن من قبلك أقرّها، فإن أصابوا فقد أخطأت، وإن أصبت فقد أخطئوا، فقال له الفرزدق: اكتب إليه وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ في الْحَرْثِ ٢١: ٧٨ إلى قوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ٢١: ٧٩ [الأنبياء: ٧٩- ٧٨] . واجتمع الحسن البصريّ والفرزدق في جنازة نوّار [١] امرأة الفرزدق، فقال له الفرزدق: أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد، يقولون: اجتمع خير النّاس وشر الناس، فقال الحسن: لست بخيرهم، ولست بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلّا الله منذ ستين سنة، فقال الحسن: نعم والله العدّة. وعن أبي عمرو بن العلاء قال: شهدت الفرزدق وهو يجود بنفسه، فما رأيت أحسن ثقة بالله منه، وترجى له الزلفى والفائدة وعظيم العائدة بحميته في أهل بيت رسول الله- ﷺ ومدحه لزين العابدين علي بن الحسين، وإعرابه عن الرّغبة والرّهبة، وذلك أن زين العابدين لما أراد استلام الحجر في زحمة النّاس انفرجوا عنه هيبة ومحبة، ولم تنفرج لهشام بن عبد الملك، فقال شاميّ: من هذا؟ فقال هشام: لا أعرفه، خاف أن ترغب عنه أهل الشّام، فقال الفرزدق: أنا أعرفه، فقال الشّاميّ: من هو يا أبا فراس؟ فقال: هذا سليل حسين وابن فاطمة ... بنت الرّسول [من] انجابت به الظلم [٢] هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم

стр. 450

إذا رأته قريش قال قائلها [١] ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم يسمو إلى ذروة العزّ التي عجزت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم [٢] بكفّه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم يبين نور الضّحى من بدر غرّته ... كالشّمس ينجاب من إشراقها القتم [٣] مشتقّة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشّيم الله شرّفه قدرا وعظّمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم هو ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... تستوكفان ولا يعروهما عدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والشّيم حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشّمائل تحلو عنده النعم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم عمّ البريّة بالإحسان فانقشعت ... عنه الغياية [٤] والإملاق والعدم من معشر حبّهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم

стр. 451

إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمّتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم لا يقبض العدم بسطا من أكفّهم ... سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا [١] مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كلّ برّ ومختوم به الكلم يأبى لهم أن يحلّ الذّمّ ساحتهم ... خيم كرام وأيد بالندى ديم من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا ... والدّين من بيت هذا ناله الأمم ما قال لا قطّ إلّا في تشهّده ... لولا التّشهّد كانت لاءه نعم [٢] فلما سمع هشام ذلك أنف، وحبس عطاء الفرزدق أو حبسه هو، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم، فردها، وقال: مدحته لله لا للعطاء، فقال زين العابدين: إنّا أهل بيت [٣] إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، فقبلها الفرزدق. وهذه القصيدة الموعود بها في ترجمة زين العابدين- ﵁[٤] . قال في «العبر» [٥] : وفي حدود [سنة] عشر ومائة، مات محمد بن عمرو ابن عطاء العامريّ المدنيّ أحد الأشراف، وكانوا يتحدثون أنه يصلح للخلافة لهمته وسؤدده. انتهى.

стр. 452

سنة إحدى عشرة ومائة فيها عزل مسلمة عن أذربيجان، وأعيد الجرّاح الحكميّ، فافتتح مدينة البيضاء [١] التي للخزر، فجمع ابن خاقان جمعا عظيما، وساق، فنازل أردبيل. وفيها توفي عطيّة بن سعد العوفي الكوفيّ. روى عن أبي هريرة، وطائفة. ضربه الحجّاج أربعمائة سوط على أن يشتم عليا [﵁] ، فلم يفعل، وهو ضعيف الحديث، قاله الذّهبيّ [٢] . وفيها القاسم بن مخيمرة الهمدانيّ الكوفيّ، نزيل الشّام. روى عن أبي سعيد، وعلقمة، وكان عالما، نبيلا، زاهدا، رفيعا.

стр. 453

سنة اثنتي عشرة ومائة فيها سار مسلمة في شدّة البرد والثّلج حتّى جاوز الباب من بلاد التّرك، وافتتح مدائن وحصونا. وافتتح معاوية بن هشام خرشنة من ناحية ملطية [١] . وفيها زحف الجرّاح الحكميّ من برذعة [٢] إلى ابن خاقان [٣] وهو محاصر أردبيل [٤] ، فالتقى الجمعان، فاشتد وكسر المسلمون، وقتل الجرّاح الحكميّ- ﵀ وغلبت الخزر- لعنهم الله- على أذربيجان، وبلغت خيولهم إلى الموصل، وكان بأسا شديدا على الإسلام. قال الواقديّ: وكان بأسا شديد البلاء عظيما [٥] على المسلمين بمقتل

стр. 454

الجرّاح، وبكوا عليه. روى أبو مسهر [١] عن رجل، أن الجرّاح قال: تركت الذنوب أربعين سنة، ثم أدركني الورع، وكان من قراء أهل الشام. وقال غيره: ولي خراج خراسان لعمر بن عبد العزيز، وكان إذا مرّ بجامع دمشق يميل رأسه عن القناديل لطوله. وفيها غزا الأشرس السّلميّ فرغانة، فأحاطت به التّرك. وفيها أخذت الخزر أردبيل بالسيف، فبعث هشام إلى أذربيجان سعيد بن عمرو الجرشي، فالتقى الخزر، فهزمهم واستنقذ سبيا كثيرا وغنائم، ولطف الله تعالى. وفيها [توفي] [٢] أبو المقدام رجاء بن حيوة [٣] الكنديّ الشاميّ الفقيه، روى عن معاوية وطبقته، وكان شريفا نبيلا كامل السؤدد. قال مطر الورّاق: ما رأيت شاميا أفقه منه. وقال مكحول: هو سيّد أهل الشّام في أنفسهم. وقال مسلمة الأمير في كندة: رجاء بن حيوة، وعبادة بن نسيّ، وعديّ بن عديّ، إن الله لينزل بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء. بلغ يوما عبد الملك قول من بعض النّاس، فهمّ أن يعاقب صاحبه، فقال له رجاء: يا أمير المؤمنين، قد فعل الله بك ما تحب حيث أمكنك منه، فافعل ما يحبه الله من العفو، فعفا عنه وأحسن إليه.

стр. 455

وفيها القاسم بن عبد الرّحمن الدمشقيّ الفقيه الفاضل، أدرك أربعين من المهاجرين والأنصار. وطلحة بن مصرّف الياميّ [١] الهمدانيّ الكوفيّ، كان يسمى سيّد القراء. قال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، ولما علم إجماع أهل الكوفة على أنه أقرأ من بها، ذهب ليقرأ على الأعمش رفيقه، لينزل رتبته في أعينهم، ويأبى الله إلّا رفعته. سمع عبد الله بن أبي أوفى، وصغار الصّحابة، ومات كهلا، ورحمه الله تعالى.

стр. 456

سنة ثلاث عشرة ومائة فيها التقى المسلمون والتّرك بظاهر سمرقند، فاستشهد الأمير الخطير سورة بن أبحر [١] الدّارميّ عامل سمرقند وعامة أصحابه. ثم التقاهم الجنيد المريّ فهزمهم. وفيها أعيد مسلمة إلى ولاية أذربيجان وإرمينية، فالتقى خاقان، فاقتتلوا قتالا عظيما وتحاجروا، ثم التقوا بعدها فانهزم خاقان. وفيها غزا المسلمون وهم ثمانية آلاف، وعليهم مالك بن شبيب الباهليّ، فوغل بهم في أرض الرّوم، فحشدوا لهم والتقوا، فانكسر المسلمون وقتل أميرهم مالك بن شبيب، وقتل معه جماعة كثيرة، منهم عبد الوهّاب بن بخت مولى بني مروان، وكان موصوفا بالشجاعة والإقدام. روى عن ابن عمر، وأنس، ووثقه أبو زرعة، وكان معه في القتلى أبو يحيى عبد الله الأنطاكي أحد الشجعان الذين يضرب بهم المثل، وله مواقف مشهودة، وكان طليعة جيش مسلمة، وله أخبار في الجملة، لكن كذبوا عليه، وحمّلوه من الخرافات والكذب ما لا يحدّ ولا يوصف. وفيها توفي فقيه الشّام أبو عبد الله مكحول مولى بني هذيل، أرسل عن

стр. 457

طائفة من الصّحابة، وسمع من واثلة بن الأسقع، وأنس، وأبي أمامة الباهلي وخلق. قال ابن إسحاق: سمعته يقول: طفت الأرض في طلب العلم. وقال أبو حاتم [١] : ما أعلم [بالشّام] [٢] أفقه من مكحول. ولم يكن في زمنه أبصر بالفتيا منه، ولا يفتي حتّى يقول: لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، ويقول: هذا رأيي والرّأي يخطئ ويصيب. وقال سعيد بن عبد العزيز: أعطوا مكحولا مرّة عشرة آلاف دينار، فكان يعطي الرّجل خمسين دينارا. وقال الزّهريّ: العلماء ثلاثة، فذكر منهم مكحولا. وقال ابن قتيبة [٣] : قال الواقديّ: هو من كابل [٤] ، مولى لامرأة من هذيل. وقال ابن عائشة: كان مكحول مولى لامرأة من قيس، وكان سنديّا لا يفصح. قال نوح بن سفيان: سأله بعض الأمراء عن القدر فقال: أساهر أنا؟ [- يريد: ساحرا-] [٥] ؟ وكان يقول بالقدر. انتهى كلام ابن قتيبة. وقال ابن ناصر الدّين في «شرح بديعية البيان» [٦] : هو ابن أبي مسلم

стр. 458

ابن شاذل بن سفد بن شروان الكابليّ الهذليّ مولاهم، الدّمشقي، أبو عبد الله. وقيل: كنيته أبو أيوب، كان فقيه أهل دمشق، وأحد أوعية العلم والآثار. روى عن أبي أمامة، وواثلة، وأنس، وخلق من الأخيار. وروى تدليسا عن أبيّ، وعبادة بن الصّامت، وعائشة، والكبار. قال سعيد بن عبد العزيز: كان مكحول أفقه من الزّهريّ، وكان بريئا من القدر. انتهى كلام ابن ناصر الدّين. وقال الذّهبيّ في «المغني» [١] : وثقه جماعة. وقال ابن سعد: ضعفه جماعة [٢] . انتهى. وفيها توفي معاوية بن قرّة المزنيّ [٣] البصريّ عن ثمانين سنة، وكان يقول: لقيت ثلاثين صحابيا [٤] . ويوسف بن ماهك المكيّ. روى عن عائشة وجماعة، وقد لقيه ابن جريج وغيره.

стр. 459

سنة أربع عشرة ومائة فيها عزل مسلمة عن أذربيجان، والجزيرة [١] ووليها مروان الحمار [٢] فسار مروان حتّى جاوز نهر الزمّ [٣] فأغار وقتل وسبى خلقا من الصقالبة. وفي رمضان على الأصح، وقيل: في سنة خمس عشرة [٤] توفي فقيه الحجاز أبو محمّد عطاء بن أبي رباح أسلم، من مولدي الجند [٥] وأمه سوداء تسمى بركة، وكان صبيا نشأ بمكّة وتعلم الكتاب بها، وهو مولى لبني فهر، وكان على ما قال ابن قتيبة [٦] أسود [أعور] [٧] أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي بعد ذلك، ومات وله ثمان وثمانون سنة.

стр. 460

وقال في «العبر» [١] : كان من مولّدي الجند، أسود مفلفل الشعر. سمع عائشة، وأبا هريرة، وابن عبّاس. قال أبو حنيفة: ما رأيت أفضل منه. وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة. وكان من أحسن النّاس صلاة. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو [٢] أرضى أهل الأرض عند النّاس. وقال إسماعيل بن أميّة: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلّم يخيل إلينا أنه يؤيّد. وقال غيره: كان لا يفتر عن [٣] الذكر. انتهى كلامه في «العبر» . انفرد بالفتوى بمكّة هو ومجاهد، وكان بنو أميّة يصيحون بالموسم [٤] لا يفتي أحد غيره، وما روي عنه أنه كان يرى إباحة وطء الإماء بإذن أهلهن، وكان يبعث بهن إلى أضيافه، فقد قال القاضي شرف الدّين بن خلّكان [٥] : اعتقادي أن هذا لا يصح عنه، فإنه لو رأى الحلّ، فإن الغيرة والمروءة تمنعه عن ذلك. قال اليافعيّ [٦] : ينبغي أن يحمل [٧] بعثهن لسماع القول منهن نحو ما نقل عن بعض المشايخ الصوفية أنه كان يأمر جواريه يسمعن أصحابه، وفيه
следующие страницы →