← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

وكان يذكر أنه سمع من الوادي آشي، وابن النّقيب الشافعي. توفي في ربيع الأول. وفيها ستّ الرّكب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر [١] ، أخت كاتبه [٢] . قال ابن حجر: ولدت في رجب سنة سبعين [٣] في طريق الحجّ، وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، وهي أمي بعد أمي، أصبت بها في جمادى الآخرة من هذه السنة. وفيها سعد بن إبراهيم الطّائي الحنبلي البغدادي [٤] . قال في «إنباء الغمر» : كان فاضلا، وله نظم فمنه: خانني ناظري وهذا دليل ... لرحيلي [٥] من بعده عن قليل وكذا الرّكب إن أرادوا قفولا ... قدّموا ضوءهم أمام الحمول وفيها سفر شاه بن عبد الله الرّومي الحنفي [٦] . تقدم في العلم ببلاده، وتقدم عند أبي يزيد بن عثمان، وقدم القاهرة رسولا من صاحب الرّوم فأخذ عن فضلائها، وأكرمه السلطان، وحصل له وعك، واستمرّ إلى أن بغته الأجل بالقاهرة، فمات في جمادى الآخرة. وفيها طقتمش خان التّركي صاحب بلاد الدّشت [٧] . قتل في هذه السنة بعد أن انكسر من اللّنك، قتله أمير من أمراء التتار، يقال له تمرقطلو.

стр. 4202

وفيها عبد الله بن عمر بن محلى بن عبد الحافظ البيتليدي- بفتح الموحدة، وسكون المثناة التحتية [١] ، وفتح المثناة الفوقية، بعدها لام مكسورة خفيفة، ثم مثناة تحتانية ساكنة- الورّاق الدمشقي [٢] . قال ابن حجر: سمع من أبي بكر بن الرّضي، وشرف الدّين بن الحافظ، ومحمد بن علي الجزري، وغيرهم. أجاز لي غير مرة، ومات في ذي القعدة. وفيها فخر الدّين عثمان بن عبد الله العامري [٣] أخو تقي الدّين. كان شافعيا بارعا في الفقه، وهو منسوب إلى كفر عامر قرية من ناحية الزّبداني، فربما قيل فيه الكفر العامري. أخذ عن الشّرف الشّريشي، وأثنى عليه ابن حجي بحسن الفهم وصحة الذّهن، وهو ممن أذن له البلقيني في الإفتاء. توفي في ذي الحجّة كهلا دون الأربعين. وفيها موفق الدّين علي بن عبد الله الشّاوري الزّبيدي اليمني الشّافعي [٤] . كان بارعا في الفقه والصّلاح، مع الدّين والتواضع، وعرض عليه القضاء فامتنع. توفي في صفر. وفيها فرج بن عبد الله الشّرفي الحافظي الدمشقي [٥] ، مولى شرف الدّين بن الحافظ. قال ابن حجر: سمع من يحيى بن سعد، وابن الزّرّاد وغيرهما، وأجاز لي غير مرّة. وتوفي في شوال وقد قارب التسعين.

стр. 4203

وفيها محبّ الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن عماد المصري ثم المقدسي الشّافعي ابن الهايم [١] . قال ابن حجر في «إنباء الغمر» : ولد سنة ثمانين أو إحدى وثمانين، وحفظ القرآن. وهو صغير جدا، وكان من آيات الله في سرعة الحفظ وجودة القريحة، واشتغل في الفقه، والعربية، والقراءات، والحديث، ومهر في الجميع في أسرع مدة، ثم صنّف، وخرّج لنفسه ولغيره، رافقني في سماع الحديث كثيرا، وسمعت بقراءته «المنهاج» عن شيخنا برهان الدّين وهو أذكى من رأيت من البشر، مع الدّين، والتواضع، ولطف الذات، وحسن الخلق، والصّيانة. مات في رمضان وأصيب به أبوه وأسف عليه كثيرا، عوّضه الله الجنّة، انتهى بحروفه. وفيها عزّ الدّين محمد بن محمد بن محمد بن عثمان الأماسي- بهمزة وميم مفتوحتين وبعد الألف سين مهملة- الدمشقي [٢] . قال ابن حجر: سمع من الحجّار «صحيح البخاري» ، وحدّث. أجاز لي، وكان ناظر الأيتام بدمشق، ويتكسب بالشهادة تحت السّاعات، ويوقّع على الحكّام، أقام على ذلك أكثر من ستين سنة. مات في ربيع الآخر وقد ناهز الثمانين. وفيها محمد بن محمد بن موسى بن عبد الله الشنشي [٣]- بمعجمتين وبينهما نون مفتوحتان [٤]- الحنفي. ناب في الحكم، وكان أحد طلبة الصّرغتمشية، وكان فاضلا. جاور بمكة سنة ثلاث وثمانين، ومات في جمادى الأولى.

стр. 4204

وفيها مقبل بن عبد الله الصّرغتمشي [١] . تفقه وتقدم في العلم، وصنّف وشرح، وشارك في العربية، ومات في رمضان. وأنجب ولده محمدا [٢] فشارك في الفضائل، ومهر في الحساب، وكان قصير القامة، أحدب مات قبل أبيه بشهرين. قاله ابن حجر. وفيها ميكائيل بن حسين بن إسرائيل التّركماني الحنفي [٣] ، نزيل عنتاب، قدمها فأخذ عن الشيخ فخر الدّين إياس وغيره، وباشر بها بعض المدارس، ولازم الإفادة. أخذ عنه القاضي بدر الدّين العيني، وهو الذي ترجمه، وقال: إنه عاش أكثر من سبعين سنة. مات في سابع عشر ذي الحجّة. وفيها جمال الدّين أبو المحاسن يوسف بن تقي الدّين أحمد بن العزّ إبراهيم ابن الخطيب شرف الدّين عبد الله بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي [٤] ، أخو مسند عصره صلاح الدّين الصّالحي إمام مدرسة جدّه الشيخ أبي عمر. سمع من الحجّار وغيره، ومهر في مذهبه، وكان فاضلا، جيد الذّهن، صحيح الفهم، معروفا بذلك. أثنى عليه ابن حجي بذلك. وقال ابن حجر: مهر في مذهبه، وكان يعاب بفتواه بمسألة الطلاق البتة. أجاز لي. انتهى. توفي يوم الأحد ثامن عشر رمضان وصلّي عليه من الغد، ودفن بمقبرة جدّه أبي عمر.

стр. 4205

سنة تسع وتسعين وسبعمائة فيها وصلت كتب من جهة تمرلنك فعوقبت [١] رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه أطلمش الذي أسره قرا يوسف، فأمر السلطان أطلمش المذكور أن يكتب إلى قريبه كتابا، يعرّفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالدّيار المصرية، وأرسل السلطان ذلك مع أجوبته. ومضمونها: أنك إذا أطلقت الذين عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك، والسلام. وفيها توفي إبراهيم بن عبد الله الحلبي الصّوفي الملقّن [٢] . قدم دمشق وهو كبير، وأقرأ القرآن بالجامع، وصارت له جماعة مشهورة، ويقال: إنه قرأ عليه أكثر من ألف نفس اسمه محمد خاصة، وكان الفتوح يأتيه فيفرّقه في أهل حلقته، وكان أول من يدخل الجامع وآخر من يخرج منه، واستسقوا به مرّة بدمشق، وكان شيخا طوالا، كامل البنية، وافر الهمّة، كثير الأكل. مات في شعبان عن مائة وعشرين سنة، وكانت جنازته حافلة جدا. وفيها إبراهيم بن عبد الله، وسمّاه الغسّاني في «تاريخه» حسن بن عبد الله [٣] . قال الغسّاني المذكور: حسن بن عبد الله الأخلاطي الحسيني. كان منقطعا في منزله، ويقال: إنه كان يصنع اللازورد، ويعرف الكيمياء،

стр. 4206

واشتهر بذلك، وكان يعيش عيش الملوك ولا يتردد لأحد، وكان ينسب إلى الرفض لأنه كان لا يصلي الجمعة، ويدّعي من يتبعه أنه المهدي، وكان في [١] أول أمره قدم حلب- أي من بلاد العجم التي نشأ بها- فنزل بجامعها منقطعا عن الناس، فذكر للظّاهر أنه يعرف الطب معرفة جيدة، فأحضره إلى القاهرة ليداوي ولده فلم ينجع، فاستمر مقيما بمنزله على شاطئ النيل إلى أن مات في جمادى الآخرة وقد جاوز الثمانين، وخلّف موجودا كثيرا ولم يوص بشيء، فنزل قلمطاي الدويدار الكبير فاحتاط على موجودة فوجد عنده جام ذهب وقوارير فيها خمر وزنانير للرّهبان ونسخة من الإنجيل، وكتبا تتعلق بالحكمة والنّجوم والرّمل، وصندوق فيه فصوص مثمنة على ما قيل. وفيها برهان الدّين أبو الوفا إبراهيم بن نور الدّين أبي الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي [٢] . ولد بالمدينة الشريفة، ونشأ بها، وسمع من الحافظ جمال الدّين المطري، والوادياشي. سمع منه «الموطأ» ، وغيرهما. وتفقه وبرع، وصنّف، وجمع، وحدّث، وولي قضاء المالكية بالمدينة المنورة، وكانت وفاته بها في ذي الحجّة ودفن بالبقيع وقد جاوز التسعين. وفيها نجم الدّين أحمد [بن إسماعيل] [٣] بن محمد بن أبي العزّ [بن صالح بن أبي العزّ] [٤] وهيب [٥] الأذرعي ثم الدمشقي الحنفي، المعروف بابن الكشك [٦] .

стр. 4207

ولد سنة عشرين، وسمع من الحجّار وحدّث عنه، وتفقه وولي قضاء مصر سنة سبع وسبعين فلم تطب له، فرجع، وولي قضاء دمشق مرارا آخرها سنة اثنتين وتسعين، ثم لزم داره، وكان خبيرا بالمذهب. درّس بأمكان وهو أقدم المدرسين والقضاة، وكان عارفا صارما، وأجاز له سنة مولده وبعدها القاسم بن عساكر، ويحيى بن سعد، وابن الرزّاز، وابن شرف، وزينب بنت سكّر، وغيرهم. وأجاز هو للحافظ ابن حجر، وضربه أخ له مختل بسكين فقتله، ﵀. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن إبراهيم الصّفدي [١] ، نزيل مصر، المعروف بابن شيخ الوضوء. قال ابن حجر: كانت له عناية بالعلم، وعرف والده بشيخ الوضوء لأنه كان يتعاهد المطاهر فيعلّم العوام الوضوء، وهو والد الشيخ شهاب الدّين، وتوفي المترجم في ربيع الأول. وفيها محبّ الدّين أحمد بن أبي الفضل محمد بن أحمد بن عبد العزيز النّويري الشافعي [٢] ، قاضي مكّة وابن قاضيها. ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وأسمعه أبوه على البدر بن جماعة وغيره، وتفقه بأبيه وغيره، وناب عن أبيه، وولي قضاء المدينة في حياته، ثم تحوّل إلى قضاء مكّة سنة سبع وثمانين فمات بها. وكان عارفا بالأحكام مشكورا. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن أسد بن قطليشا العطّار [٣] . ولد سنة بضع وعشرين وسبعمائة، وحدّث عن زينب بنت الكمال، وأبي بكر بن الرّضي، وغيرهما. قال ابن حجر: أجاز لي، ومات في ربيع الأول وقد جاوز السبعين.

стр. 4208

وفيها أبو بكر بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي ثم الصّالحي الحنبلي [١] . قال في «إنباء الغمر» : سمع من الحجّار، وحدّث، وكان به صمم. مات في المحرّم وقد جاوز الثمانين. أجاز لي. انتهى. وفيها عماد الدّين أبو الفداء إسماعيل بن الشيخ زين الدّين عبد الرحمن ابن أبي بكر بن أيوب الزّرعي الأصل ثم الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قيم الجوزية [٢] . كان من الأفاضل، واقتنى كتبا نفيسة، وهي كتب عمّه الشيخ شمس الدّين ابن القيم، وكان لا يبخل بعاريتها. توفي يوم السبت خامس عشري رجب. وفيها زينب بنت عبد الله بن عبد الحليم ابن تيميّة الحنبلية [٣] بنت أخي الشيخ تقي الدّين. قال ابن حجر: سمعت من الحجّار وغيره، وحدّثت، وأجازت لي. وفيها زينب بنت محمد بن عثمان بن عبد الرحمن الدمشقية [٤] ، يعرف أبوها بابن العصيدة. حدّثت بالإجازة العامة عن الفخر بن البخاري وغيره، وأجازت لابن حجر، وزاد عمرها على المائة وعشر سنين. وفيها سعد بن عبد الله البهائي السّبكي الشافعي [٥] مولى أبي البقاء.

стр. 4209

سمع من زينب بنت الكمال، والجزري بدمشق، ومن العلّامة شمس الدّين بن القمّاح، وإسماعيل بن عبد ربّه بالقاهرة، ومن غيرهم. وأجاز للحافظ ابن حجر العسقلاني، وتوفي في رمضان. وفيها عبد الله بن علي بن عمر السّنجاري الحنفي [١] ، قاضي صور. ولد سنة اثنتين وعشرين، وتفقه بسنجار، وماردين، والموصل، وإربل. وحمل عن علماء تلك البلاد، وحدّث عن الصّفي الحلّي بشيء من شعره، وقدم دمشق أخذ بها عن القونوي الحنفي، ثم قدم مصر فأخذ عن شمس الدّين الأصبهاني، وأفتى ودرّس، وتقدم، ونظم [٢] «المختار» في فقه الحنفية، وغير ذلك. وكان يصحب أمير [٣] علي المارداني، فأقام معه بمصر مدة، وناب في الحكم، ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق، ودرّس بالصالحية، وكان حسن الأخلاق، لطيف الذات، لين الجانب. ومن شعره: لكلّ امرئ منّا من الدّهر شاغل ... وما شغلي ما عشت إلّا المسائل وكان يحفظ كثيرا من الحكايات والنّوادر، وعنده سكون وتواضع. توفي بدمشق في ربيع الآخر. وفيها أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك بن حمّاد بن تركي بن عبد الله المعرّي [٤] ، نزيل القاهرة الشافعي. ولد سنة أربع أو خمس عشرة [٥] ، وسمع من الدّبوسي، والواني، وابن

стр. 4210

سيّد النّاس، وخلق كثير. وأجاز له ابن الشّيرازي، والقاسم بن عساكر، والحجّار، وخلق كثير أيضا. وطلب بنفسه، وتيقظ، وأخذ الفقه عن السبكي وغيره. وكان يقظا نبيها، مستحضرا، عابدا، قانتا. وكان يتسبب في حانوت بزّاز ظاهر باب الفتوح، ثم ترك ذلك. قال ابن حجر: وكان بينه وبين أبي مودّة وصحبة، فكان يزورنا بعد موت أبي وأنا صغير، ثم اجتمعت به لما طلبت الحديث، فأكرمني، وكان يديم الصبر لي على القراءة إلى أن أخذت عنه [١] أكثر مروياته، وقد تفرّد برواية «المستخرج على صحيح مسلم» لأبي نعيم، قرأته عليه كلّه، وحدّثت بالكثير من مسموعاته. وقال لي شيخنا العراقي مرارا: عزمت على أن أسمع عليه شيئا. وقد تغيّر قليلا في أول هذه السنة، واتفق له لمّا كان في الحانوت أن أودع عنده شخص مائتي دينار فوضعها في صندوق بالحانوت، فنقب اللّصوص الحانوت وأخذوا ما فيه، فطابت نفس صاحب الذّهب ولم يكذّب الشيخ ولا اتهمه، فاتفق أن الشيخ رأى في النّوم بعد نحو [٢] ستة أشهر من يقول له: إن الذهب الوديعة في الحانوت وأنه وقع من اللّص لما أخذ الصندوق في الدّروند، فأصبح فجاء إلى الحانوت فوجد الصّرّة كما هي قد غطّاها التّراب، فأخذها وجاء إلى صاحب الذهب، فقال: خذ ذهبك، فقال: ما علمت منك إلّا الصّدق والأمانة وقد نقب حانوتك وسرق الذهب فلم كلّفت نفسك واقترضت هذا الذهب، فحدّثه بالخبر، فقال: لا آخذ منه شيئا وأنت في حلّ منه، فعالجه حتّى أعياه، فامتنع من أخذه، فحجّ الشيخ وجاور مدة حتّى أنفق الذهب. وتوفي بمصر في تاسع عشري ربيع الآخر.

стр. 4211

وفيها أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي [١] الشافعي مسند الشام في عصره. أحضره أبوه على وزيرة بنت المنجّى، والقاضي سليمان، وإسماعيل بن مكتوم، وابن عبد الدائم، وأسمعه من عيسى المطعم، وابن الشيرازي، وابن مشرف، والقاسم بن عساكر، وأهل عصره، فأكثر عنهم. قال في «إنباء الغمر» : وخرّج له «أربعين حديثا» ، وحدّث بها في حياة أبيه سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وحدّث في غالب عمره، وكان صبورا على الإسماع، محبا لأهل الحديث والروايات، ويذاكر بأشياء حسنة، وأمّ بجامع كفر بطنا عدة سنين، وأضر بأخرة، وتفرّد بكثير من الشيوخ والروايات، وأجاز لي غير مرة. مات في ربيع الأول بقرية كفر بطنا وله إحدى وثمانون سنة. وفيها عبد القادر بن محمد بن علي بن حمزة العمري المدني، المعروف بالحجار [٢] . قال ابن حجر: روى عن جدّه، وسمع من أصحاب الفخر، وعني بالعلم، وتفقه قليلا. مات في عيد الأضحى. وذكر لنا السّكّري أنه رأى سماعه «الموطأ» على الوادياشي. انتهى. وفيها عثمان بن محمد بن وجيه الشّيشيني [٣]- بمعجمتين مكسورتين بعد كل منهما تحتانية ساكنة، ثم نون قبل ياء النّسب-. سمع «جامع الترمذي» من العرضي، ومظفّر الدّين العسقلاني بسندهما

стр. 4212

المعروف، وكان يباشر في الشهادات وينوب في الحكم ببعض البلاد، وكان ذا مروءة ومواساة لأصحابه، وأجاز للحافظ ابن حجر. وتوفي يوم نصف ربيع الآخر. وفيها علي بن أحمد بن عبد العزيز النّويري ثم المكّي المالكي [١] . ولد سنة أربع وعشرين، وسمع من عيسى الحجّي، والزّين بن علي، والوادياشي، وغيرهم. وتفقه، وباشر إمامة مقام المالكية بمكة خمسا وثلاثين سنة، وناب في الحكم عن أبيه أبي الفضل، ثم عن ابن أخيه، وكان ذا مروءة وعصبية، وتصلب في الأحكام، مع المهابة. وفيها شرف الدّين عيسى بن عثمان بن عيسى بن غازي الغزّي الشافعي [٢] . ولد سنة تسع وخمسين، وقدم دمشق وهو كبير، فأخذ عن ابن حجي، والحسباني، وابن قاضي شهبة، وغيرهم. وعني بالفقه والتدريس، وناب في الحكم، وولي قضاء داريّا، وأخذ عن ابن الخابوري الفقه بطرابلس، وأذن له في الفتوى، وكان بطيء الفهم، متشاغلا في الأحكام، مع المعرفة التّامة. وله تصنيف في أدب القضاء جوّده، وهو حسن في بابه، وكان في أول أمره فقيرا، ثم تزوج فماتت الزوجة فحصل له منها مال له صورة، ثم تزوج أخرى كذلك، ثم أخرى، إلى أن أثرى وكثر ماله. قال ابن حجي: كان أكثر الناس يمقتونه. مات في رمضان. قاله ابن حجر. وفيها زين الدّين قاسم بن محمد بن إبراهيم بن علي النّويري المالكي [٣] .

стр. 4213

تفقه، وقرأ المواعيد، وأعاد للمالكية بأماكن، وتصدّر بالجامع الأزهر وغيره، وكان صالحا، خيّرا، ديّنا، متواضعا. مات في المحرم عن نحو ستين سنة. وفيها القاضي شمس الدّين محمد بن أحمد بن أبي بكر الطّرابلسي الحنفي [١] . تفقه ببلده على شمس الدّين بن إيمان التركماني وغيره، وبدمشق على صدر الدّين بن منصور، وقدم القاهرة فتقرّر من طلبة الصرغتمشية، وأخذ عن السّراج الهندي، وناب عنه في الحكم، وسمع على الشيخ جمال الدّين الأسيوطي بمكّة. وولي القضاء بالقاهرة مرتين استقلالا، وكان خبيرا بالأقضية، عارفا بالوثائق. قال العثماني في «تاريخه» : كان شيخا مهابا، مليح الشّيبة، فقيها، مشاركا في الفنون، عارفا بالشعر، وطرق أحوال الأحكام. انتهى. توفي في ذي الحجّة قبل انسلاخ الشهر بيوم، وقد زاد على السبعين. وفيها محمد بن أحمد بن سليمان الكفرسوسي اللّبّان المعمّر [٢] . قال ابن حجر: زاد على المائة يقرؤون عليه بإجازته العامة من الأبرقوهي ونحوه، وأجاز لي. انتهى. وفيها محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سلامة بن المسلم بن البهاء الحرّاني ثم الصّالحي [٣] المؤذن، المعروف بابن البهاء. سمع من القاسم بن عساكر، والحجّار، وغيرهما. وحدّث في سنة ست وثمانين بالصحيح، قرأه عليه بدر الدّين بن مكتوم، ومات في هذه السنة.

стр. 4214

وفيها محبّ الدّين محمد بن العلّامة جمال الدّين عبد الله بن يوسف بن هشام [١] . حضر على الميدومي وغيره، وسمع من بعده، وقرأ العربية على أبيه وغيره، وشارك في غيرها قليلا، وكان إليه المنتهى في حسن التعليم، مع الدّين المتين. مات في رجب عن نحو خمسين سنة. وفيها ناصر الدّين محمد بن الشيخ عزّ الدّين محمد بن الشيخ ناصر الدّين داود بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر الحنبلي، المسند الأصيل المقرئ [٢] . أجاز له إسحاق النحّاس وجماعة، وسمع من القاضي سليمان، وكان إمام المسجد المعروف بأبيه عزّ الدّين، وقد أضرّ في آخر عمره. انقطع ثلاثة أيام مطعونا، وتوفي في ليلة ثامن رجب ودفن بتربة جدّه الشيخ أبي عمر على والده. وفيها شرف الدّين أبو الخطّاب محمد بن القاضي جمال الدّين محمد بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الملك الدمشقي سبط التّقي السّبكي [٣] . ولد في رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وأحضر على ابن الخبّاز وغيره، وأجاز له ابن الملوك وجماعة من المصريين، وكان أبوه قاضي المالكية، ثم تحوّل هو شافعيا مع أخواله السّبكية، ونشأ بينهم، فسلك طريقهم، وولي إفتاء دار العدل، وناب في الحكم عن برهان الدّين بن جماعة نحو سنة بعد أن صاهره على ابنته فصرف عن قريب، ثم استقلّ بالحكم بعده، وولي خطابة

стр. 4215

المسجد الأقصى بعد وفاة ولد البرهان بن جماعة، ثم طلب للقاهرة ليولّى القضاء فأدركه أجله بها في شهر رجب، وكان عفيفا، صارما، مع لين جانب، شريف النّفس، حسن المباشرة للأوقاف، مقتصدا في مأكله وملبسه. وفيها جمال الدّين محمود بن علي القيصري الرّومي الحنفي، المعروف بالعجمي [١] . قدم القاهرة قديما [واشتغل بالفنون، ومهر، وولي الحسبة مرارا، ثم نظر الأوقاف، ودرّس بالمنصورية في التفسير] [٢] وولي مشيخة الشيخونية، وقضاء الحنفية، ونظر الجيش. وكان بحالة إملاق، ثم وصل إلى ما وصل إليه، حتّى قال: هذا الذي حصل لي- أي من الغنى- غلطة من غلطات الدهر، وكان عنده دهاء، مع حشمة زائدة وسخاء، وكان فصيحا بالعربية والتركية والفارسية، كثير التأنق في ملبسه ومأكله. مات في سابع ربيع الأول. وفيها يوسف بن أمين الدّين عبد الوهاب بن يوسف بن السّلّار الشّمّاع [٣] . حضر على الحجّار وغيره، وحدّث، وأجاز لابن حجر. وتوفي في المحرم عن سبعين سنة، والله تعالى أعلم.

стр. 4216

سنة ثمانمائة فيها نازل تمرلنك الهند فغلب على ولي كرسي المملكة، وفتك على عادته، وخرّب، وكان توجّه إليها على طريق غريبة على البرّ ووصل زحفه [١] إلى اليمن، وكان السبب المحرّك له على ذلك أن فيروز شاه ملك الهند مات فبلغه ذلك فسمت نفسه إلى الاستيلاء على أمواله، فتوجه في عساكره، وكان فيروز شاه لما مات قام بالأمر بعده يلوا [٢] الوزير، واستقر في المملكة، فقصده اللّنك فاستقبله يلوا بجد وصدّر أمام عسكره الفيلة عليها المقاتلة، فلما استقبلتها خيل اللّنك هربت منها، فبادر اللّنك وأمر باستعمال قطع من الحديد على صفة الشّوك وألقاها في المنزلة التي كان بها، فلما أصبحوا واصطفوا للقتال أمر عساكره بالتقهقر إلى خلف، فظنوا أنهم انهزموا، فتبعوهم، فاجتازت الفيلة على ذلك الشوك الكائن في الأرض فجفلت منه أعظم من جفل الخيل منها، ورجعت القهقرى من ألم الحديد، فكانت أشدّ عليهم من عدوهم، بحيث طحنت المقاتلة الرجّالة [٣] والفرسان، فانهزموا بغير قتال. وفيها في شوال كان الحريق العظيم بدمشق عمّ الحريريين والقواسين والسّيوفيين [٤] وبعض النحاسين [٥] ، ووصلت النّار إلى حائط الجامع، وإلى قرب

стр. 4217

النّورية، واحترقت الجوزية، وحمّام نور الدّين، وغير ذلك. وأقام من يوم السبت العشرين من شوال إلى يوم الثلاثاء ثالث عشرينه [١] . وفيها برهان الدّين إبراهيم بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة الحنبلي، المعروف بالقاضي [٢] الشيخ الإمام الصّالح، أخو الحافظ شمس الدّين. حضر على الحجّار، وسمع من أحمد بن علي الحريري، وعائشة بنت المسلّم، وزينب بنت الكمال، وحدّث، فسمع منه الحافظ ابن حجر، وتوفي في شوال. وفيها إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد [بن عبد المؤمن بن سعيد] [٣] بن علوان بن كامل التّنوخي البعلي ثم الشّامي [٤] ، نزيل القاهرة الشافعي، شيخ الإقراء، ومسند القاهرة. ولد سنة تسع أو عشر وسبعمائة، وأجاز له إسماعيل بن مكتوم، وابن عبد الدائم، والقاسم بن عساكر، وجمع كثير يزيدون على الثلاثمائة، ثم طلب الحديث بنفسه، فسمع الكثير من أبي العبّاس الحجّار، والبرزالي، والمزّي، وخلق كثير يزيدون [٥] على المائتين، وعني بالقراءات فأخذ عن البرهان الجعبري، والبرقي، وغيرهما. ثم رحل فأخذ عن أبي حيّان، وابن السّرّاج وغيرهما، ومهر في القراءات، وكتب مشايخه له خطوطهم بها، وتفقه على المازري بحماة، وابن النّقيب بدمشق، وابن القمّاح بالقاهرة، وغيرهم، وأذنوا له، وأفاد، وحدّث قديما. قال ابن حجر: قرأت عليه الكثير، ولازمته طويلا، وخرّجت له عشاريات

стр. 4218

مائة [١] ، ثم خرّجت له «المعجم الكبير» في أربعة وعشرين جزءا، فصار يتذكر به مشايخه وعهده القديم، فانبسط للسماع، وحبّب إليه، فأخذ عنه أهل البلد والرّحّالة فأكثروا عنه، وكان قد أضرّ بأخرة، وحصل له خلط ثقل منه لسانه، فصار كلامه قد يخفى بعضه بعد أن كان لسانه كما يقال كالمبرد. ومات فجأة من غير علّة في جمادى الأولى. انتهى. وفيها تاج الدّين أحمد بن القاضي فتح الدّين محمد بن أبي بكر إبراهيم بن أبي الكرم محمد بن الشهيد الشامي [٢] الفقيه الشافعي. شارك في الفنون، والنّظم، والنّثر، ودرّس في عدة أماكن، وباشر قضاء العسكر، وكان محبوبا إلى النّاس. توفي في ذي القعدة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن موسى الدمشقي الشّوبكي [٣] ، نزيل مكة. قال ابن حجر: كان عارفا بالفقه والعربية، مع الدّين والورع، وأتقن القراءات، وجاور بمكة نحو عشر سنين، فقرءوا عليه ومات بها في ربيع الأول، وهو في عشر الخمسين، وكانت جنازته حافلة جدا. وفيها بدر الدّين حسن بن علي بن سرور بن سليمان البرماوي الشافعي [٤] ابن خطيب الحديثة. قال ابن حجي: اشتغل وحصّل، وذكر في النّبهاء من [٥] بعد

стр. 4219

الخمسين [١] . وقرّر في عدة وظائف، ثم تركها، وأقبل على العبادة والمواظبة على الأوراد الشاقة، ولم يغيّر زي الفقهاء، وكان شكلا حسنا، نيّر الوجه، منبسطا، ولا يكون في الخلوة إلّا مصليا أو تاليا، أو ذاكرا، أو مطالعا في كتاب، وكان يبدي مسائل ومشكلات ويحسن الجواب، ولم يكن في عصره من الفقهاء أعبد منه، وكان أخوه القاضي شرف الدّين قد كفاه همّ الدنيا. مات في سلخ رمضان. انتهى. وفيها زينب بنت عثمان بن محمد بن لؤلؤ الدمشقية [٢] . سمعت الحجّار، وأجازت للحافظ ابن حجر. وفيها أبو عامر عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحقّ المريني [٣] ، صاحب فاس وبلاد المغرب. توفي في جمادى الآخرة واستقرّ بعده أخوه أبو سعيد عثمان ودبّر أمر المملكة أحمد بن علي القبائلي على عادته في أيام أخيه. وفيها تاج الدّين أبو محمد عبد الله بن علي بن عمر السّنّجاري الحنفي [٤] المعروف بقاضي صور- بفتح الصاد المهملة بلدة بين حصن كيفا وبين ماردين بديار بكر [٥]-. ولد بسنجار سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وتفقه بها وبالموصل وماردين، وكان إماما عالما بارعا مفننا في الفقه، والأصلين، والعربية، واللغة. أفتى ودرّس سنين، وقدم إلى دمشق ثم إلى القاهرة، وأخذ عن علماء المصريين، وألّف عدة كتب، منها: «البحر الحاوي» في الفتاوى، و «نظم المختار» في الفقه، و «نظم السّراجية» في الفرائض، و «نظم سلوان المطاع لابن ظفر» .

стр. 4220

وناب في الحكم بالقاهرة ودمشق وولي وكالة بيت المال بدمشق، وكان من محاسن الدنيا. توفي في [١] آخر هذه السنة، رحمه الله تعالى. وفيها عبد الرحمن بن أحمد بن المقداد بن أبي الوسم بن هبة الله بن المقداد القيسي الصّقلي الأصل ثم الدمشقي [٢] . قال ابن حجر: سمع من الحجّار، وحفيد العماد، والمزّي، وهلال بن أحمد البصراوي، وأيوب بن نعمة الكحّال، وغيرهم. وحدّث، وهو رجل جيد أجاز لي غير مرّة. وكان قد انفرد بسماع «مسند الحميدي» . انتهى. وفيها مجد الدّين عبد الرحمن بن مكّي الأقفهسي [٣] المالكي. تفقه وناب في الحكم، وتوفي في جمادى الأولى. وفيها علاء الدّين علي بن صلاح الدّين محمد بن زين الدّين محمد بن المنجّى بن محمد بن عثمان الحنبلي التّنوخي [٤] قاضي الشام. تقدم في العلم إلى أن صار أمثل فقهاء الحنابلة في عصره، مع الفضل والصّيانة والدّيانة والأمانة، وناب عن ابن قاضي الجبل، ثم استقلّ بالقضاء سنة ثمان وثمانين بعد موت ابن التّقي، ثم صرف مرارا، وأعيد، إلى أن مات في رجب بالطّاعون بمنزله بصالحية دمشق. وفيها علي بن محمد بن محمد بن أبي المجد بن علي الدمشقي [٥] المحدّث سبط القاضي نجم الدّين الدمشقي، ويعرف بابن الصّايغ وبابن خطيب عين ترما، وبالجوزي لأن أباه كان إمام مسجد الجوزة بدمشق.

стр. 4221

ولد في ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة، وسمع من ابن تيميّة، والقاسم بن عساكر، ووزيرة، والحجّار، وخلق، وتفرّد بالسماع منهم، وخرّجت له عنهم «مشيخة» وأجاز له سنة ثلاث عشرة التّقي سليمان، والمطعم، والدّبوسي، وابن سعد، وابن الشّيرازي، وظهر سماعه للصحيح من ست الوزراء بأخرة، فقرءوا عليه بدمشق، ثم قدم القاهرة فحدّث به مرارا. قال ابن حجر: سمعت عليه «سنن ابن ماجة» و «مسند الشافعي» و «تاريخ أصبهان» وغير ذلك من الكتب الكبار والأجزاء الصغار، فأكثرت عنه، وكان صبورا على التسميع، ثابت الذهن، ذاكرا، ينسخ بخطّه وقد جاوز التسعين. صحيح السمع والبصر، رجع إلى بلده فأقام بمنزله إلى أن مات في ربيع الأول. وفيها شمس الدّين محمد بن يسير البعلبكي، المعروف بابن الأقرع الحنبلي الأعجوبة [١] . قال في «إنباء الغمر» : اشتغل كثيرا، وتمهر، وكان جيد الذهن، قوي الحفظ، يعمل المواعيد عن ظهر قلب، وله عند العامة بدمشق قبول زائد، وكان طلق اللّسان، حلو الإيراد. مات في شهر رمضان مطعونا. انتهى. وفيها بهاء الدّين أبو البقاء محمد بن حجي الحسباني الشافعي [٢] ، أخو قاضي الشام الآن نجم الدّين عمر، والشيخ شهاب الدّين. ولد سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وعني بالعلم، وشارك في عدة فنون، وكان حسن الصّوت بالقرآن جدا. توفي في شوال شابا.

стр. 4222

وفيها أبو عبد الله محمد بن سلامة التّوزري المغربي الكركي [١] نزيل القاهرة. قال ابن حجر: كان فاضلا، مستحضرا لكثير من الأصول والفقه، صحب السلطان في الكرك فارتبط عليه واعتقده، ثم قدم عليه فعظمه جدا، وكان يسكن في مخزن في اسطبل الأمير قلمطاي الدويدار، وإذا ركب إلى القلعة ركب على فرس بسرج ذهب، وكبنوش مزركش من مراكب السلطان، وكان داعية إلى مقالة ابن العربي الصّوفي يناضل عنها ويناظر عليها، ووقع له مع شيخنا الشيخ سراج الدّين البلقيني مقامات. اجتمعت به وسمعت كلامه، وكنت أبغضه في الله تعالى، وكان قد حجّ في السنة الماضية، ووقع بينه وبين ابن النقّاش وغيره ممن حجّ من أهل الدّين وقائع وكتبوا عليه محضرا بأمور صدرت منه فيها ما يقتضي الكفر، ولم يتمكنوا من القيام عليه لميل السلطان إليه. مات في الرابع والعشرين من ربيع الأول، ولمّا مات أمر السلطان ليبلغا السالمي بمائتي دينار ليجهزه بها، فتولى غسله وتجهيزه، وأقام على قبره خمسة أيام بالمقرءين على العادة. انتهى كلام ابن حجر. وفيها جمال الدّين محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن يوسف الزّرندي المدني الحنفي [٢] . عني بالفقه والحديث، وبرع في مذهب الإمام الأعظم. توفي بين مكة والمدينة. وفيها أمين الدّين محمد بن محمد بن علي الأنصاري الحمصي الدمشقي الحنفي [٣] . تقدم في الأدب، وأخذ الفقه عن رمضان الحنفي، والعربية عن تقي الدّين ابن الحمصية، وولي كتابة السرّ بحمص، ثم بدمشق.

стр. 4223

قال ابن حجر: قدم القاهرة مع نائبها تنم فاجتمعت به، وسمعت عليه قطعة من نظمه، وأجاز لي، وكان شكلا حسنا، مع التواضع والأدب، وكان له في النظم والنثر اليد البيضاء طارح فتح الدّين بن الشهيد، وعلاء الدّين التّبريزي، وفخر الدّين بن مكانس وغيرهم، وأثنى عليه طاهر بن حبيب، وقال: كانت له مشاركة في الفنون، وكتابة فائقة، وعبارة رائقة. توفي في ربيع الأول ولم يكمل الخمسين. ومن شعره: كلّما قلت قد نصرت عليه ... لاح من عسكر اللّحاظ كمينا خنت فيه مع التشويق صبري ... ليت شعري فكيف أدعى أمينا وفيها شمس الدّين محمد بن المبارك بن عثمان الحلبي الرّومي الأصل الحنفي [١] . أصله من قرية يقال لها فنرى [٢] . قرأ ببلاده «الهداية» على التاج بن البرهان، ثم قدم حلب، فأخذ عن الشيخ شمس الدّين بن الأقرب وقطبها، وكان صالحا، خيّرا، متعبدا، وهو آخر فقهاء حلب المتعبدين العاملين، كثير التلاوة والخير والعبادة والإيثار. قدم القاهرة فأخذ عن العراقي، وابن الملقن، والجلال التباني، وحجّ، وجاور، ومات في ثامن عشر شهر رمضان. وفيها بدر الدّين محمد بن يوسف بن أحمد بن الرّضي عبد الرحمن الدمشقي الحنفي [٣] . اشتغل، وبرع، وسمع من ابن الخبّاز، وابن عبد الكريم، وكان أعرف

стр. 4224

من بقي من الحنفية بنقل الفقه، مع جودة النباهة، ودرّس بأماكن وأفتى، وناب في الحكم، وكان هو المعتمد عليه في المكاتيب بدمشق، وتوفي في ذي الحجّة. وفيها شمس الدّين محمد بن يوسف بن أبي المجد الحكّار [١] . سمع من الميدومي، وابن عبد الهادي، وغيرهما، وأجاز له جماعة من المصريين والشاميين، وحدّث، وسمع منه الحافظ ابن حجر، وتوفي في رجب، والله تعالى أعلم.

стр. 4225

تمّ بعون الله تعالى وتوفيقه تحقيقنا للمجلد الثامن من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للإمام ابن العماد الحنبلي في اليوم الثاني من شهر ربيع الثاني الأغر لعام ١٤١٢ هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وأسأل الله أن يعيننا على الانتهاء من تحقيق بقية الكتاب بحوله وقوته، إنه تعالى خير مسؤول، وأسرع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين محمود الأرناؤوط

стр. 4226

[المجلد التاسع] تقديم [١] للأستاذ الدكتور شاكر الفحّام نائب رئيس مجمع اللّغة العربيّة بدمشق المدير العام لهيئة الموسوعة العربيّة - ١- أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الصالحي الحنبلي المعروف بابن العماد (١٠٣٢- ١٠٨٩ هـ) من أبرز من أنجبته دمشق من المؤرخين في القرن الحادي عشر الهجري. وصفه تلميذه المحبي في (خلاصة الأثر) فأضفى عليه حلل الثناء تقديرا لمكانته العلمية، وتحدّث بإعجاب بالغ عن سعة معرفته بالعلوم المختلفة، وعدد تآليفه، وأشاد بمهارته في تعليم طلابه والآخذين عنه. شهر ابن العماد بكتابه العظيم: (شذرات الذهب) الذي لخص فيه أحداث ألف عام (سنة ١- ١٠٠٠ هـ) ، وعني فيه بتراجم العلماء والأعلام. وقد فرغ من تأليفه في يوم الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان المعظم من شهور سنة ثمانين وألف [٢] وكان في نحو الثامنة والأربعين من عمره.

стр. 4227

ودلّ هذا الكتاب على سعة اطلاع ابن العماد، وكثرة الكتب التي نقل عنها. وقد ذكر طائفة من تلك الكتب في مقدمة كتابه [٢] ، ونثر الكثير منها في متن الكتاب، وأغفل ذكر جملة منها فقال: «وربما لم أعز ما أنقله إلى كتاب لظهور ما أثبته ولطلب الاختصار» [٣] . وعني الخالفون بكتاب (الشذرات) ووألوا إليه، ومما يدل على تلك العناية ما انتهى إلينا من اختصار ابن شقدة الدمشقي (ت. ١١٦ هـ) له في كتابه: (منتخب شذرات الذهب) [٤] . - ٢- طبع كتاب (شذرات الذهب) طبعته الأولى سنة (١٣٥٠- ١٣٥١ هـ) . أصدرته مكتبة القدسي بالقاهرة في ثمانية أجزاء، وأثبتت على صفحته الأولى أنه طبع عن نسخة المصنّف المحفوظة في دار الكتب المصرية، مع مقابلة بعضها بنسختين في الدار أيضا، وبعضها بنسخة الأمير عبد القادر الجزائري. ونشرت في مطلع الجزء الأول من الكتاب صورة الصفحة الأولى من مخطوط (الشذرات) وقد ظهر فيها: «انتقل، ولله الحمد والمنّة، إلى ملك جامعه الفقير أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد، غفر الله تعالى ذنوبه، آمين» ، وتحت هذا التملك ختمه. ثم ظهر في أسفل الصفحة: «دخل، ولله الحمد والمنة، وفي ... وأحوجهم إلى وجود ربه ... ابن عبد الحي بن ... العماد، غفر ... لهم أجمعين، آمين» . ثم جاء في ختام الجزء الرابع المطبوع: «نجز الجزء الأول [أي من تجزئة الأصل] من (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) في منتصف جمادى الثانية الذي هو من شهور سنة إحدى وثمانين وألف على يد أفقر عباد الله محمد بن أحمد بن شيخ المحيا ... وهذه نسخة نقلت من خط المصنّف حفظه الله تعالى. وهي ثاني نسخة، ولله الحمد» [٥] .

стр. 4228

وقال الناسخ في آخر الكتاب: «وكان الفراغ من نسخه يوم الخميس خامس عشر شهر رجب الفرد الذي هو من شهور سنة أربعة وثمانين وألف على يد الفقير الحقير محمد بن أحمد المحيوي الصالحي ... وهي أول نسخة نقلت من خط المصنّف حفظه الله تعالى» . [٦] وذكر الناشر في مطلع الكتاب ترجمة ابن العماد مقتبسة من (النعت الأكمل) و (السحب الوابلة) ، و (خلاصة الأثر) . ثم ذكر جملة من مصادر ابن العماد [٧] . ووعد بإضافة تعليقات للسيد أحمد رافع الطهطاوي، ولكنه لم يستطع الوفاء بما وعد [٨] . وقد يسرت مكتبة القدسي بطبعتها الاطلاع على كتاب نفيس، كانت تتشوق إليه النّفوس. - ٣- لم يلق الكتاب آنذاك ما يستحق من التحقيق والتدقيق والمراجعة، فوقع فيه التصحيف والتحريف والسقط. ومرّت على طبعته تلك خمس وخمسون سنة، وهي الطبعة الوحيدة التي تصورها المطابع، وتتداولها الأيدي، حتى انتدب الأستاذ محمود الأرناؤوط لتحقيق الكتاب تحقيقا علميا، فأعد للأمر عدته، وشدّ له حيازيمه، واعتمد مخطوطة الظاهرية (رقم ٣٤٦٥ عام) أصلا [٩] . وهي نسخة فرغ شعبان بن عبد الله الشافعي المخزومي من كتابتها صبيحة يوم الجمعة رابع عشر شهر شوال من شهور سنة خمس وثمانين وألف. ونقلت من خط مؤلّفها. وهي ثالث نسخة تمت. كما عاد في تحقيقه إلى النسخة المطبوعة [١٠] .

стр. 4229

ثم أفاد في التحقيق من كتاب: (منتخب شذرات الذهب) لابن شقدة [١١] . وعني بتخريج النصوص والأشعار من مظانها، ونسبة ما أغفله ابن العماد فلم يعزه، مستدركا تارة من المصادر، ومصححا تارة أخرى. وقد ضبط الألفاظ وفسّر المشكل. وقد تولى والد المحقق الأستاذ الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وهو العالم المحدّث الثقة، تخريج الأحاديث النبوية والإشراف على التحقيق فحظي الكتاب بمزيّة لا تضاهى [١٢] . وقدّم الأستاذ محمود للكتاب بمقدمة أطال فيها عنان القول متحدثا عن مشهوري المؤرخين الذين سبقوا ابن العماد، ثم ترجم لابن العماد، وكشف عن قيمة كتاب (الشذرات) بين كتب المؤرخين، وبيّن النهج الذي سلك في تحقيق الكتاب [١٣] . وقد كلّفته هذه الخطة العلمية التي انتهجها العودة إلى مصادر كثيرة تطالعك بوجوهها في حواشي الكتاب، وتكشف لك عن هذا الجهد الجاهد الذي أخذ به نفسه ليقدّم الكتاب في أبهى حلّة، وقد استكمل حقّه في التحقيق. وزيّن المحقّق الكتاب بتعليقات ضافية تلوح كالدرر، فبدا الكتاب بتعليقاته ومصادره مجمع فوائد، تأخذ بيد قارئه لتهديه إلى مراده بأيسر سبيل. ولا أزعم أن الكتاب قد خلا من الغلط والسهو فذلك فوق الوسع، وقد سأل الأستاذ المحقّق ألا يبخل أحد عليه باستدراك وقع له، فالكتاب إرث الأمة، يتعاون الناصحون المخلصون ليبلغوا بالكتاب المحقّق ما يرجون له من الإتقان [١٤] .

стр. 4230

ولئن كان المحقّق قد وفق التوفيق كله في تحقيق متن الكتاب، إنه قد أخذ نفسه من بعد، بتهيئة فهارس ضافية، تفتح مغاليق هذا الكتاب الضخم، لتجعله لقارئه على طرف الثّمام. لا أملك إلا أن أهنئ الأستاذ محمود الأرناؤوط على ما بذل من جهد حتى أظهر كتاب (شذرات الذهب) بحلّته القشيبة، ميسرا للواردين. جزاه الله الجزاء الأوفى على ما بذل وقدم وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ١٨: ٤٦. دمشق في ٨ ربيع الأول ١٤١٣ هـ. ٥ أيلول ١٩٩٢ م الدكتور شاكر الفحّام

стр. 4231

نسخة أخرى من منتخب شذرات الذّهب بين أيدينا بسم الله الرحمن الرحيم اللهم أنعمت فتمم، ويسرت السّبيل فسدّد الخطا، يا أرحم الراحمين. وبعد: فقد من الله تعالى علينا بمصورة نسخة خطية أخرى من «منتخب شذرات الذهب» للعلّامة المؤرخ البارع الشيخ عبد الرحيم بن مصطفى بن أحمد بن محمد الشهير بابن شقدة الدّمشقي الصّالحي [١] ، وهذه النسخة الجديدة هي في الأصل من محفوظات مكتبة الرئيس الشيخ محمد تاج الدّين الحسنيّ الدّمشقي [٢] ، وهي نسخة خزائنية نفيسة وخطها جميل جدا، وتقع في (١٤٨٩) صفحة، وقد وقفت عليها في مكتب البحث العلمي العائد للشركة المتحدة للتوزيع بدمشق في بداية عام (١٤١٢) هـ، واستأذنت القائمين عليه بالاستفادة منها وتصوير نسخة عنها فأذنوا لي بذلك، جزاهم الله تعالى خير الجزاء [٣] .

стр. 4232

وقد استفدت من المراجعة في نسخة «المنتخب» هذه ابتداء من أول المجلد التاسع من الكتاب وإلى نهاية المجلد العاشر والأخير منه. وأرى من المفيد أن أشير هنا إلى أن القيمة الحقيقة لكتاب «شذرات الذهب» إنما تكمن في العدد الكبير جدا من التراجم المختلفة المنوعة التي احتوت عليها مجلداته العشر، والتي لا يجاريه في عددها وتنوعها أي مصدر آخر من المصادر الموثوقة الأخرى لفنّي التأريخ والسّير مما خلّفه الأسلاف من علماء هذه الأمّة العظيمة، أحسن الله إليهم. وأضرع إلى الله أن يعينني ويعين والدي- المشرف على تحقيق الكتاب- على الانتهاء من إخراج ما بقي من مجلدات هذا السّفر الجليل على أحسن صورة ترضي الله تعالى، وتسعد فؤاد كل محبّ للتراث العربي الإسلامي إن شاء الله تعالى. وختاما اكرر ما قلته في آخر مقدمتي للمجلد الأول من هذا الكتاب [١] وفي الكلمة التي كتبتها بين يدي المجلد الخامس منه: إن هذا الكتاب هو في نهاية الأمر إرث لأفراد الأمة جميعهم، والنصح للقائمين على تحقيقه وإخراجه هو نصح للناطقين بالعربية في مشارق الأرض ومغاربها. راجيا من جميع العالمين في فنّ التحقيق وسواهم أن لا يبخلوا عليّ بملاحظاتهم وتصويباتهم، ولسوف أذكر أصحابها بالجميل في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى [٢] . اللهم إني أسألك أن تسدّد خطاي لما فيه الخير والفلاح في الدّنيا والآخرة، وأن تجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن يعملون أضعاف ما يتكلمون، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. دمشق ٢٩ من شهر رمضان المبارك لعام ١٤١٢ هـ. محمود الأرناؤوط

стр. 4233

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سنة إحدى وثمانمائة وهي أول القرن التاسع من الهجرة قال ابن حجر [١] : دخلت وسلطان مصر والشام والحجاز الملك الظّاهر أبو سعيد برقوق، وسلطان الرّوم أبو يزيد بن عثمان، وسلطان اليمن من نواحي تهامة الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل بن المجاهد، وسلطان اليمن من نواحي الجبال الإمام الزّيدي الحسني علي بن صلاح، [٢] وسلطان المغرب الأدنى أبو فارس عبد العزيز الحفصيّ [٢] ، وسلطان المغرب الأوسط [٣] أبو سعيد عثمان [٣] المرّيني، وسلطان المغرب الأقصى ابن الأحمر، وصاحب البلاد الشرقية تيمور كوركان، المعروف باللّنك، وصاحب بغداد أحمد بن أويس، وأمير مكّة حسن بن عجلان بن رميثة الحسني، وبالمدينة ثابت بن نفير، والخليفة العبّاسي، أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بن المعتضد بالله أبي بكر، ويدعى أمير المؤمنين، ونازعه في هذا الاسم الإمام الزّيدي وبعض ملوك المغرب، وصاحب اليمن، لكن خطيبها يدعو في خطبته للمستعصم العبّاسي أحد الخلفاء ببغداد. وكان نائب دمشق يومئذ تنم الحسني، وبحلب أرغون شاه، وبطرابلس آقبغا الجمالي، وبحماة القلمطاوي [٤] ، وبصفد شهاب الدّين بن الشيخ علي، وبغزّة طيفور. انتهى.

стр. 4234

وقال الحافظ السّخاوي [١] : قد أفردت تراجم أهله في ست مجلدات. وفيها غزا اللّنك بلاد الهند، واستولى على دلّي [٢] ، وسبى منها خلقا كثيرا، ولما رجع إلى سمرقند بيع السّبي [٣] الهندي [٣] برخص عظيم لكثرته. وفيها توفي العلّامة برهان الدّين أبو محمد إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي [٤]- بفتح الهمزة، وسكون الموحدة بعدها نون، وفي آخره سين، نسبة إلى أبناس قرية صغيرة بالوجه البحري-. ولد على ما نقل من خطّه بأبناس سنة خمس وعشرين وسبعمائة تقريبا [٥] . وقدم القاهرة وله بضع وعشرون سنة، وسمع بها وبدمشق من جماعة. وخرّج له الحافظ ولي الدّين بن العراقي «مشيخة» وتخرّج في فقه الشافعية على الشيخين جمال الدّين الإسنائي، وولي الدّين المنفلوطي، وغيرهما. وتخرّج في الحديث بمغلطاي. قال المؤرخ ناصر الدّين بن الفرات: كان شيخ الدّيار المصرية، مربيا للطلبة، وله مصنفات في الحديث، والفقه، والأصول، والعربية، وحجّ وجاور مرات. وقال الحافظ ابن حجر: مهر في الفقه، والأصول، والعربية، وشغل فيها، وبنى زاوية بالمقس ظاهر القاهرة، وأقام بها يحسن إلى الطلبة ويجمعهم على التفقه ويرتب لهم ما يأكلون [٦] ، ويسعى لهم في الرزق، خصوصا الواردين من النّواحي، فصار أكثر الطلبة بالقاهرة تلامذته، وتخرّج به خلق كثير، وكان حسن التعليم، لين الجانب، متواضعا، بشوشا، متعبدا، متقشفا، مطّرح التكلّف، وقد عيّن للقضاء فتوارى، وذكر أنه فتح المصحف فخرج: قال رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ١٢: ٣٣

стр. 4235

[يوسف: ٣٣] ولم يزل مستمرا على طريقته وإفادته ونفعه إلى أن حجّ، فمات راجعا في المحرّم بعيون القصب بالقرب من عقبة إيلة ودفن هناك. وفيها شهاب الدّين أحمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن علي الموصلي الأصل الدّمشقي ابن الخبّاز [١] ، نزيل الصّالحية. قال في «إنباء الغمر» : سمع من أبي بكر بن الرّضي، وزينب بنت الكمال، وغيرهما، وحدّث. سمع منه صاحبنا الحافظ غرس الدّين وأظنه استجازه لي، ومات في شهر ربيع الأول عن بضع وثمانين سنة. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن أبي بكر بن محمد العبّادي الحنفي [٢] . تفقّه على السّراج الهندي، وفضل، ودرّس، وشغل، ثم صاهر القليجي، وناب في الحكم، ووقّع على القضاة [٣] . ودرّس بمدرسة النّاصر حسن، وكان يجمع الطلبة ويحسن إليهم، وحصلت له محنة مع السّالمي، وأخرى مع الملك الظّاهر. وتوفي في ثامن أو تاسع عشر ربيع الآخر. وفيها أحمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن مروان الشّيباني البعلبكي ثم الصّالحي [٤] ، أحد رواة «الصحيح» عن الحجّار. وسمع أيضا من [٥] غيره، وله إجازة من أبي بكر بن محمد بن عنتر السّلمي وغيره، وحدّث، ومات في ذي الحجّة. وفيها القاضي برهان الدّين أحمد بن عبد الله السّيواسي [٦] الحنفي، قاضي سيواس.

стр. 4236

قدم حلب، واشتغل بها، ودخل القاهرة، ورجع إلى سيواس فصاهر صاحبها، ثم عمل عليه حتّى قتله، وصار حاكما بها، وقد قتل في المعركة لما نازله التتار الذين كانوا بأذربيجان، وكان جوادا فاضلا. وله نظم. وفيها القاضي عماد الدّين أبو عيسى أحمد بن عيسى بن موسى بن جميل المعيريّ [١]- بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وفتح التحتية، وآخره راء، نسبة إلى معير بطن من بني أسد [٢]- الكركي العامري الأزرقي الشّافعي. ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وحفظ «المنهاج» واشتغل بالفقه وغيره، وسمع الحديث من التبّاني [٣] وغيره، وسمع بالقاهرة من أبي نعيم بن الحافظ تقي الدّين عبيد الإسعردي وغيره، وحدّث ببلده قديما سنة ثمان وثمانين، ولما قدم القاهرة قاضيا خرّج له الحافظ أبو زرعة «مشيخة» سمعها عليه الحافظ ابن حجر، وكان أبوه قاضي الكرك، فلما مات استقرّ مكانه وقدم القاهرة سنة اثنتين وسبعين، ثم قدمها سنة اثنتين وثمانين. وكان كبير القدر في بلده، محبّبا إلى أهلها بحيث لا يصدرون إلّا عن رأيه، فاتفق أن الظّاهر لما سجن في الكرك قام هو وأخوه علاء الدّين علي في خدمته، فحفظ لهما ذلك، فلما تمكّن أحضرهما إلى القاهرة وولّى عماد الدّين قضاء الشافعية، وعلاء الدّين كتابة السرّ، وذلك في رجب سنة اثنتين وتسعين [٤] ، فباشر بحرمة ونزاهة، واستكثر من النوّاب وشدّد في ردّ رسائل الكبار، وتصلب في الأحكام فتمالؤوا عليه، فعزل في أواخر سنة أربع وتسعين، واستمرت عليه وظائف كثيرة، ثم شغرت خطابة الأقصى وتدريس الصّلاحية سنة تسع وتسعين، فقررهما عليه السّلطان، وباشرهما بالقدس، وانجمع عن الناس، وأقبل على العبادة

стр. 4237

والتّلاوة إلى أن مرض، فنزل عن خطابة القدس لولده شرف الدّين عيسى، ثم مات في سابع عشري [١] ربيع الأول. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن السلّار الصّالحي [٢] ابن أخي الشيخ ناصر الدّين إبراهيم. ولد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وأحضر على أبي العبّاس بن الشّحنة، وأجاز له أيوب بن نعمة الكحّال، والشّرف بن الحافظ، وعبد الله بن أبي التّائب، وآخرون. وحدّث، فسمع منه الحافظ غرس الدّين، وأجاز لي [٣] ، وتوفي في أواخر ذي الحجّة. وفيها تاج الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن البلبيسي الشافعي الخطيب [٤] . ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، واشتغل، وتفقه، ولم يحصل له من سماع الحديث ما يناسب سنّه، لكنه لما جاور بمكة سمع من الكمال بن حبيب عدّة كتب، حدّث عنه بها ك- «معجم ابن قانع» و «أسباب النزول» و «جزء ابن ماجة» . وولي أمانة الحكم بالقاهرة، ودرّس بالجامع الخطيري، وخطب به، وناب في الحكم ببولاق، ومات في ربيع الأول. وفيها ناصر الدّين أحمد بن جمال الدّين محمد بن شمس الدّين محمد بن رشيد الدّين محمد بن عوض الإسكندراني الزّبيري [٥]- نسبة إلى الزّبير بن العوّام- المالكي. قال ابن حجر: مهر [٦] وفاق الأقران في العربية، وولي قضاء بلده، ثم قدم القاهرة، وظهرت فضائله، وولي قضاء المالكية بها فباشره بعفّة ونزاهة، وناب عنه البدر الدّماميني، وقال فيه من أبيات:

стр. 4238

وأجاد فكرك في بحار علومه ... سبحا لأنّك من بني العوّام وكان عاقلا، متودّدا، موسّعا عليه في المال، سليم الصّدر، طاهر الذيل، قليل الكلام، لم يؤذ أحدا بقول ولا فعل، وعاشر النّاس بجميل فأحبوه، شرح «التسهيل» و «مختصر ابن الحاجب» ، وتوفي في أول شهر رمضان. وفيها الملك الظّاهر برقوق بن آنص [١] بن عبد الله الجركسي العثماني [٢] . ذكر الخواجا عثمان الذي أحضره من بلاد الجركس أنه اشتراه منه يلبغا الكبير، واسمه حينئذ الطنبغا، فسمّاه برقوقا لنتوء في عينيه، فكان في خدمة يلبغا من جملة المماليك الكتابية، ثم كان فيمن نفي إلى الكرك بعد قتل يلبغا، ثم اتصل بخدمة منجك نائب الشام، ثم حضر معه إلى مصر، ثم اتصل بخدمة الأشرف شعبان، فلما قتل الأشرف ترقى برقوق إلى أن أعطي إمرة أربعين، وكان هو وجماعة من إخوته في خدمة إينبك [٣] ثم [٤] ، لما قام طلقتمر [٥] على اينبك، وقبض عليه ركب بركة، وبرقوق ومن تابعهما على المذكور، وأقاما طشتمر العلائي مدبرا لمملكة أتابكا واستمروا [٦] في خدمته إلى أن قام عليه مماليكه في أواخر سنة تسع وسبعين، فآل الأمر إلى استقلال بركة وبرقوق في تدبير المملكة بعد القبض على طشتمر، فلم تطل الأيام حتّى اختلفا وتباينت أغراضهما، وقد سكن برقوق في الاصطبل السلطاني، وأول شيء صنعه أن قبض على ثلاثة من أكابر الأمراء كانوا من أتباع بركة، فبلغه ذلك، فركب على برقوق، ودام الحرب بينهما أياما، إلى أن قبض على بركة وسجنه بالإسكندرية، وانفرد برقوق بتدبير المملكة إلى أن دخل شهر رمضان سنة أربع وثمانين، تم له أمر الاستقلال [٧] بالملك فجلس على تخت

стр. 4239

الملك ولقّب الملك الظاهر، وبايعه الخليفة وهو المتوكل محمد بن المعتضد، والقضاة، والأمراء، ومن تبعهم، وخلعوا الصّالح حاجي بن الأشرف، وأدخل به إلى دور أهله بالقلعة، واستمرّ في الملك إلى وفاته، وجرت عليه أتعاب، وكان شهما شجاعا، ذكيا، خبيرا بالأمور، عارفا بالفروسية، خصوصا اللعب بالرّمح، يحب الفقراء ويتواضع لهم، ويتصدق كثيرا ولا سيما إذا مرض، وأبطل في ولايته كثيرا من المكوس، وضخم ملكه حتّى خطب له على منابر توريز [١] ، وضربت الدنانير والدراهم فيها باسمه، وعلى منابر ماردين والموصل وسنجار وغير ذلك، وكان جهوري الصوت، كبير اللّحية، واسع العينين، محبّا لجمع المال، طمّاعا، جدا. ومن آثاره المدرسة القائمة بين القصرين بالقاهرة، لم يتقدم بناء مثلها، وعمل جسر الشريعة وانتفع به المسافرون كثيرا. وفي ذلك يقول شمس الدّين محمد المزيّن: بنى سلطاننا للنّاس جسرا ... بأمر والوجوه له مطيعة مجازا في الحقيقة للبرايا ... وأمرا بالسّلوك على الشّريعه وبالجملة فإنه كان أعظم ملوك الجراكسة بلا مدافعة، بل المتعصب يقول: إنه أعظم ملوك الترك قاطبة. وتوفي على فراشه ليلة نصف شوال بالقاهرة عن نحو ستين سنة، وترك من الذهب العين ألفي ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار، ومن الأثاث وغيره ما قيمته ألف ألف دينار [٢] وأربعمائة ألف دينار [٢] . قاله المقريزي. وعهد بالسلطنة إلى ابنه فرج ولده يومئذ عشر سنين. وفيها الشيخ الصّالح عبد الله بن سعد بن عبد الكافي المصري ثم المكّي

стр. 4240

المعروف بالحرفوش [١] ، صاحب كتاب «الحريفيش» في الوعظ. كان رجلا عالما زاهدا صوفيا واعظا، مشهورا بالخير، وللناس فيه اعتقاد زائد، ويخبر بأشياء فتقع كما يقول. وجاور بمكة أكثر من ثلاثين سنة، ومات في أول هذه السنة. وفيها ستّ القضاة بنت عبد الوهاب بن عمر بن كثير [٢] ابنة أخي الحافظ عماد الدّين. حدّثت بالإجازة عن القاسم بن عساكر وغيره من الشيوخ الشام، وعن علي الواني وغيره من شيوخ مصر، وخرّج لها صلاح الدّين «أربعين حديثا» عن شيوخها. وتوفيت في جمادى الآخرة وقد جاوزت الثمانين. وفيها صفية بنت القاضي عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن العزّ الصّالحية [٣] . ولي أبوها القضاء، وحدّثت هي بالإجازة عن الحجّار، وأيوب الكحّال، وغيرهما، وسمعت من عبد القادر الأيوبي، وماتت في المحرّم. وفيها جمال الدّين عبد الله بن شهاب الدّين أحمد بن صالح بن أحمد بن خطّاب الزّهري الشافعي [٤] . ولد في جمادى الآخرة سنة تسع وستين، وحفظ «التمييز» وأذن له أبوه في الإفتاء، ودرّس بالقليجية وغيرها، وناب في الحكم، وكان عالي الهمّة. توفي في المحرّم.
следующие страницы →