← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سنة ثلاث عشرة ومائة فيها التقى المسلمون والتّرك بظاهر سمرقند، فاستشهد الأمير الخطير سورة بن أبحر [١] الدّارميّ عامل سمرقند وعامة أصحابه. ثم التقاهم الجنيد المريّ فهزمهم. وفيها أعيد مسلمة إلى ولاية أذربيجان وإرمينية، فالتقى خاقان، فاقتتلوا قتالا عظيما وتحاجروا، ثم التقوا بعدها فانهزم خاقان. وفيها غزا المسلمون وهم ثمانية آلاف، وعليهم مالك بن شبيب الباهليّ، فوغل بهم في أرض الرّوم، فحشدوا لهم والتقوا، فانكسر المسلمون وقتل أميرهم مالك بن شبيب، وقتل معه جماعة كثيرة، منهم عبد الوهّاب بن بخت مولى بني مروان، وكان موصوفا بالشجاعة والإقدام. روى عن ابن عمر، وأنس، ووثقه أبو زرعة، وكان معه في القتلى أبو يحيى عبد الله الأنطاكي أحد الشجعان الذين يضرب بهم المثل، وله مواقف مشهودة، وكان طليعة جيش مسلمة، وله أخبار في الجملة، لكن كذبوا عليه، وحمّلوه من الخرافات والكذب ما لا يحدّ ولا يوصف. وفيها توفي فقيه الشّام أبو عبد الله مكحول مولى بني هذيل، أرسل عن

стр. 457

طائفة من الصّحابة، وسمع من واثلة بن الأسقع، وأنس، وأبي أمامة الباهلي وخلق. قال ابن إسحاق: سمعته يقول: طفت الأرض في طلب العلم. وقال أبو حاتم [١] : ما أعلم [بالشّام] [٢] أفقه من مكحول. ولم يكن في زمنه أبصر بالفتيا منه، ولا يفتي حتّى يقول: لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، ويقول: هذا رأيي والرّأي يخطئ ويصيب. وقال سعيد بن عبد العزيز: أعطوا مكحولا مرّة عشرة آلاف دينار، فكان يعطي الرّجل خمسين دينارا. وقال الزّهريّ: العلماء ثلاثة، فذكر منهم مكحولا. وقال ابن قتيبة [٣] : قال الواقديّ: هو من كابل [٤] ، مولى لامرأة من هذيل. وقال ابن عائشة: كان مكحول مولى لامرأة من قيس، وكان سنديّا لا يفصح. قال نوح بن سفيان: سأله بعض الأمراء عن القدر فقال: أساهر أنا؟ [- يريد: ساحرا-] [٥] ؟ وكان يقول بالقدر. انتهى كلام ابن قتيبة. وقال ابن ناصر الدّين في «شرح بديعية البيان» [٦] : هو ابن أبي مسلم

стр. 458

ابن شاذل بن سفد بن شروان الكابليّ الهذليّ مولاهم، الدّمشقي، أبو عبد الله. وقيل: كنيته أبو أيوب، كان فقيه أهل دمشق، وأحد أوعية العلم والآثار. روى عن أبي أمامة، وواثلة، وأنس، وخلق من الأخيار. وروى تدليسا عن أبيّ، وعبادة بن الصّامت، وعائشة، والكبار. قال سعيد بن عبد العزيز: كان مكحول أفقه من الزّهريّ، وكان بريئا من القدر. انتهى كلام ابن ناصر الدّين. وقال الذّهبيّ في «المغني» [١] : وثقه جماعة. وقال ابن سعد: ضعفه جماعة [٢] . انتهى. وفيها توفي معاوية بن قرّة المزنيّ [٣] البصريّ عن ثمانين سنة، وكان يقول: لقيت ثلاثين صحابيا [٤] . ويوسف بن ماهك المكيّ. روى عن عائشة وجماعة، وقد لقيه ابن جريج وغيره.

стр. 459

سنة أربع عشرة ومائة فيها عزل مسلمة عن أذربيجان، والجزيرة [١] ووليها مروان الحمار [٢] فسار مروان حتّى جاوز نهر الزمّ [٣] فأغار وقتل وسبى خلقا من الصقالبة. وفي رمضان على الأصح، وقيل: في سنة خمس عشرة [٤] توفي فقيه الحجاز أبو محمّد عطاء بن أبي رباح أسلم، من مولدي الجند [٥] وأمه سوداء تسمى بركة، وكان صبيا نشأ بمكّة وتعلم الكتاب بها، وهو مولى لبني فهر، وكان على ما قال ابن قتيبة [٦] أسود [أعور] [٧] أفطس، أشل، أعرج، ثم عمي بعد ذلك، ومات وله ثمان وثمانون سنة.

стр. 460

وقال في «العبر» [١] : كان من مولّدي الجند، أسود مفلفل الشعر. سمع عائشة، وأبا هريرة، وابن عبّاس. قال أبو حنيفة: ما رأيت أفضل منه. وقال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة. وكان من أحسن النّاس صلاة. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو [٢] أرضى أهل الأرض عند النّاس. وقال إسماعيل بن أميّة: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلّم يخيل إلينا أنه يؤيّد. وقال غيره: كان لا يفتر عن [٣] الذكر. انتهى كلامه في «العبر» . انفرد بالفتوى بمكّة هو ومجاهد، وكان بنو أميّة يصيحون بالموسم [٤] لا يفتي أحد غيره، وما روي عنه أنه كان يرى إباحة وطء الإماء بإذن أهلهن، وكان يبعث بهن إلى أضيافه، فقد قال القاضي شرف الدّين بن خلّكان [٥] : اعتقادي أن هذا لا يصح عنه، فإنه لو رأى الحلّ، فإن الغيرة والمروءة تمنعه عن ذلك. قال اليافعيّ [٦] : ينبغي أن يحمل [٧] بعثهن لسماع القول منهن نحو ما نقل عن بعض المشايخ الصوفية أنه كان يأمر جواريه يسمعن أصحابه، وفيه

стр. 461

أيضا ما فيه، فإن صحّ فيحمل على ما إذا لم تحصل فتنة بحضورهن وسماعهن، إذا قلنا: إن صوت المرأة ليس بعورة، والله أعلم. وفيها، وقيل: سنة ثمان أو تسع عشرة، توفي أبو محمّد علي بن عبد الله بن عبّاس جدّ السّفّاح، والمنصور، وكان سيدا شريفا، أصغر أولاد أبيه، وأجمل قرشيّ على وجه الأرض وأوسمه، وأكثره صلاة، ولذلك دعي بالسّجّاد، وكان له خمسمائة أصل زيتون يصلي تحت كلّ ركعتين فالمجموع ألف ركعة. روي أن عليّا جاء ابن عبّاس يهنّئه به يوم ولد وقال له: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سميته؟ قال: أو يجوز أن أسميه حتّى تسميه، ثم حنّكه ودعا له وقال: خدّامك الخلائق والأملاك، سمّيته عليا، وكنيته أبا الحسن. وقيل: إنه ولد يوم قتل عليّ، وهذا يناقض ما تقدم. ولما كان زمن معاوية [١] قال: ليس لك اسمه وكنيته، قد كنيته أبا محمّد فجرت عليه، وضربه الوليد بن عبد الملك مرتين، مرّة في تزوجه لمطلقة عبد الملك لبابة بنت عبد الله بن جعفر، وسبب طلاق عبد الملك لها، أنه عضّ على تفاحة، وكان الخديم رمى بها إليها فاستقذرتها. والثانية في قوله: إن الأمر سيكون في ولدي، فطافوا به على بعير في أسوأ حال، وهو يقول: والله ليكونن فيهم. ودخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان السّفّاح، والمنصور، فأوسع له على سريره وبرّه بثلاثين ألف دينار، وأوصاه عليّ بابني ابنه حين انفصل. وكان إذا قدم مكّة اشتغلت به قريش وأهل مكّة إجلالا له، وكان طوالا

стр. 462

جميلا، قيل: كان طوله إلى منكب أبيه عبد الله، وعبد الله إلى منكب أبيه العبّاس، والعبّاس إلى منكب أبيه عبد المطّلب. ونفاه الوليد إلى الحميمة بليدة بالبلقاء [١] فولد له بها نيّف وعشرون ولدا ذكرا، ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أميّة، وتوفي عن ثمانين سنة بأرض البلقاء، رحمه الله تعالى. وفيها توفي السيد أبو جعفر محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ولد سنة ست وخمسين من الهجرة، وروى عن أبي سعيد الخدري، وجابر، وعدّة. وكان من فقهاء المدينة. وقيل له الباقر لأنه بقر العلم، أي شقّه، وعرف أصله وخفيّه وتوسّع فيه. وهو أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية [٢] . قال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم علما عنده. وله كلام نافع في الحكم والمواعظ، [منه] [٣] : أهل التقوى أيسر أهل الدّنيا مؤونة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكّروك، وإن ذكرت أعانوك، قوّالين بحق الله، قوّامين بأمر الله. ومنه: انزل الدّنيا كمنزل نزلته وارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك

стр. 463

فاستيقظت وليس معك منه شيء. مات- ﵁ عن ست وخمسين سنة، ودفن بالبقيع مع أبيه وعمّ أبيه الحسن، والعبّاس، ﵃. وفيها، وقيل: في سنة سبع عشرة، علي بن رباح اللّخميّ المصريّ وهو في عشر المائة، حمل عن عدة من الصحابة، وولي غزو إفريقية لعبد العزيز بن مروان، فكان من علماء زمانه. وفيها توفي أبو عبد الله وهب بن منبّه الصنعانيّ، من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن. قال: قرأت من كتب الله اثنين وتسعين كتابا. مات بصنعاء. روى عن ابن عبّاس. قيل: وأبي هريرة، وغيره من الصّحابة، وولي القضاء لعمر بن عبد العزيز، وكان شديد الاعتناء بكتب الأولين وأخبار الأمم وقصصهم، بحيث كان يشبّه بكعب الأحبار في زمانه. وله مصنف في ذكر ملوك حمير مفيد [١] ، وله إخوة أجلّهم همّام. روى عن الصّحابة، وهو أكبر من وهب، وهم من أبناء الفرس الذين سيّرهم كسرى أنو شروان كما تقدم آنفا، وكان سيّرهم مع أبي مرّة سيف بن ذي يزن الحميري، وكانوا ثمانمائة، مقدمهم وهرز، غرق منهم في البحر مائتان وسلم ستمائة، قاله ابن إسحاق [٢] . وقال ابن قتيبة [٣] : كانوا سبعة آلاف وخمسمائة. ورجحه أبو القاسم

стр. 464

السّهيليّ [١] ، إذ يبعد مقاومة الحبشة لستمائة، وفي القصة أن سيفا والفرس استظهروا على الحبشة فقتلوهم وملكوا سيفا، فأقام أربع سنين، وقتله خدمه من الحبشة، ولم يملك أهل اليمن بعده ملك، غير أن أهل كل ناحية ملّكوا رجلا من حمير حتّى جاء الإسلام. ويقال: إنها بقيت في أيدي الفرس إلى أن بعث النّبيّ- ﷺ وباليمن عاملان منهم، أحدهما فيروز الأسود الدّيلميّ، والآخر زاذويه، فأسلما وهما اللذان دخلا على الأسود العنسي مع قيس بن المكشوح [٢] لما ادّعى الأسود النّبوّة، فقتلوه، وأولاد الفرس باليمن يدعون الأبناء، منهم طاووس، وعمرو بن دينار، وغيرهما [٣] . وورد أن كسرى أبرويز لما مزّق كتاب النّبيّ- ﷺ [أرسل إلى عامله على صنعاء باذان، وهو الرابع بعد وهرز يأمره أن يسير إلى النّبيّ، ﷺ ] [٤] فكتب إليه النّبيّ- ﷺ يخبره أن الله وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا، فانتظر ذلك، فكان كما قال [ ﷺ ] فأسلم باذان وأهل اليمن [٥] . هذا وقد قال الذّهبيّ في «المغني» [٦] : وهب بن منبه ثقة، مشهور قصاص، خيّر [٧] ، ضعفه أبو حفص الفلّاس وحده. انتهى.

стр. 465

سنة خمس عشرة ومائة فيها، وقيل: في التي قبلها، مات الحكم بن عتيبة مصغرا، أبو محمّد الكنديّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه، إلّا أنه ربما دلّس. والحكم بن عتيبة [١] بن النّهاس، آخره مهملة، العجليّ الكوفيّ قاضي الكوفة، لا أعرف له رواية، وهو عصريّ الذي قبله، وقيل: إنه هو، قاله ابن حجر العسقلاني [٢] . الكوفي مولى كندة الفقيه النبيه. لكن قال الذهبيّ في «المغني» [٣] : هو مجهول. وقال في «العبر» [٤] : هو أبو محمّد، أخذ عن أبي جحيفة السّوائي [٥] وغيره، وتفقه على إبراهيم النّخعي. قال المغيرة: كان الحكم إذا قدم المدينة أخلوا له سارية النّبيّ- ﷺ يصلي إليها.

стр. 466

وقال الأوزاعيّ: قال لي عبدة بن أبي لبابة: هل لقيت الحكم؟ قلت: لا، قال: فالقه فما بين لابتيها أفقه منه. انتهى. والضّحّاك بن فيروز الدّيلميّ الأبناويّ [١] ، صحب ابن الزّبير، وعمل له على بعض اليمن. وقاضي مرو أبو سهل عبد الله بن بريدة الأسلميّ عن مائة سنة. روى عن أبي موسى، وعائشة، وطائفة. وأبو يحيى عمير [٢] بن سعيد النخعي، وقد قارب المائة أو جاوزها، وحديثه عن عليّ في «الصحيحين» [٣] وهو أكبر شيخ لمسعر. وفيها توفي الجنيد بن عبد الرّحمن المرّيّ الدّمشقي الأمير، ولي خراسان، والسّند [٤] وكان أجود الأجواد، قاله في «العبر» [٥] .

стр. 467

سنة ست عشرة ومائة فيها توفي عديّ بن ثابت الأنصاري. قال في «المغني» [١] : هو [تابعي] [٢] كوفي، شيعيّ، جلد، ثقة مع ذلك، وكان قاصّ [٣] الشيعة وإمام مسجدهم. قال المسعوديّ: ما أدركنا أحدا أقول بقول الشيعة من عديّ بن ثابت. وقال ابن معين: شيعيّ مفرط. وقال الدّارقطنيّ: رافضيّ غال. انتهى [٤] . وفيها توفي عمرو بن مرّة المراديّ الكوفيّ الضرير، سمع ابن أبي أوفى وجماعة، وكان حجّة، حافظا. قال مسعر: ما أدركت أحدا أفضل منه. ومحارب بن دثار السّدوسيّ [٥] قاضي الكوفة. قال الحسن بن زياد اللؤلؤي: حدثنا أبو حنيفة قال: كنا عند محارب بن دثار، فتقدم إليه رجلان، فادعى أحدهما على الآخر مالا فجحده

стр. 468

المدّعى عليه، فسأله البينة، فجاء رجل فشهد عليه، فقال المشهود عليه: لا والله الذي لا إله إلّا هو ما شهد عليّ بحق، وما علمته إلّا رجلا صالحا غير هذه الزّلّة، فإنه فعل هذا لحقد كان في قلبه عليّ، وكان محارب متكئا فاستوى جالسا ثم قال: يا ذا الرّجل سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «ليأتين على النّاس يوم تشيب فيه الولدان، وتضع الحوامل ما في بطونها، وتضرب الطير بأذنابها، وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم، ولا ذنب عليها، وإن شاهد الزّور لا تقار [١] قدماه على الأرض حتّى يقذف به في النّار» [٢] فإن كنت شهدت بحق فاتق الله وأقم على شهادتك، وإن شهدت بباطل فاتق الله وغطّ رأسك واخرج من ذلك الباب، فغطى الرّجل رأسه وخرج من ذلك الباب. وقال في «المغني» [٣] : ثقة، ثبت، مشهور. قال ابن سعد [٤] : لا يحتجون به. انتهى. سمع ابن عمر وجابرا وطائفة [٥] وهو من بني سدوس بن شيبان، ويكنى أبا مطرّف. ولي قضاء الكوفة لخالد بن عبد الله القسريّ، وتوفي في ولاية خالد بالكوفة.

стр. 469

سنة سبع عشرة ومائة فيها جاشت [١] التّرك بخراسان، وانضم إليهم الحارث بن أبي شريح [٢] الخارجي، فاقتتلوا، وجاوزوا نهر جيحون، وأغاروا على مرو الرّوذ [٣] فسار إليهم أسد بن عبد الله القسري، فالتقوا، ونصر الله حزبه، وقتلهم المسلمون قتلا ذريعا. وفيها افتتح مروان الحمار ثلاثة حصون، وأسر الملك تومان شاه، وبعث به إلى هشام، فمنّ عليه وأعاده إلى ملكه. وفيها توفي أبو الحباب سعيد بن يسار المدنيّ مولى ميمونة. روى عن أبي هريرة وجماعة.

стр. 470

وفيها توفي بالاسكندرية عبد الرّحمن بن هرمز الأعرج المدنيّ صاحب أبي هريرة. وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشيّ التيميّ المدنيّ عن سنّ عالية، وقد ولي القضاء لابن الزّبير، ويكنى أبا بكر، وأبا محمّد. روى عن جده، وابن عبّاس، وابن عمر في آخرين. كان إمام الحرم، وشيخه، ومؤذنه الأمين، وقاضي مكّة والطائف زمن ابن الزّبير. وفيها فقيه دمشق عبد الله بن أبي زكريا الخزاعيّ. كان عمر بن عبد العزيز يجلسه معه على السرير. قال أبو مسهر: كان سيّد أهل المسجد. قيل: بم سادهم؟ قال: بحسن الخلق. قال في «العبر» [١] : أرسل عن أبي الدّرداء، وعبادة، وهو ثقة قليل الحديث. انتهى. وفيها، وقيل: في سنة ثمان عشرة، الحافظ أبو الخطّاب قتادة بن دعامة السّدوسيّ، عالم أهل البصرة. روى معمر عنه. قال [٢] : أقمت عند سعيد بن المسيّب ثمانية أيام، فقال لي في اليوم التاسع [٣] : ارتحل يا أعمى عني [٤] فقد أنزقتني [٥] .

стр. 471

وقال قتادة: ما قلت لمحدّث قطّ أعد عليّ. قال ابن ناصر الدّين: مات بواسط في الطاعون، وهو أبو الخطّاب الضرير الأكمه، مفسر الكتاب، [كان] آية في الحفظ، إماما في النسب، رأسا في العربية واللغة وأيام العرب. انتهى. قال في «العبر» [١] : قال قتادة: ما قلت لمحدّث قطّ أعده عليّ، وما سمعت شيئا إلّا وعاه قلبي. وقال فيه شيخه ابن سيرين: قتادة أحفظ النّاس. وقال معمر: سمعت قتادة يقول: ما في القرآن آية إلّا و [قد] [٢] سمعت فيها شيئا. انتهى. وفيها موسى بن وردان المصريّ القاضي. روى عن أبي هريرة وسعد، وطائفة. وعاش نيفا وثمانين سنة. قال أبو حاتم [٣] : ليس به بأس، وكان آخر أصحابه ضمام [٤] بن إسماعيل. وفيها مات قاضي الجزيرة [٥] ميمون بن مهران الرّقّيّ [٦] أبو أيوب الفقيه. كان من العلماء العاملين. روى عن عائشة، وأبي هريرة، وطائفة. وفيها مات فقيه المدينة أبو عبد الله نافع الدّيلمي مولى عبد الله بن عمر.

стр. 472

كان من جلّة التابعين. بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن. قال في «العبر» [١] : وقد روى نافع أيضا عن عائشة، وأبي هريرة. وفيها توفيت عائشة بنت سعد بن أبي وقّاص بالمدينة، وقد رأت شيئا من أمهات المؤمنين، وعاشت أربعا وثمانين سنة، قاله في «العبر» [٢] . وسكينة بنت الشهيد الحسين بن عليّ بالمدينة، واسمها أميمة، وقيل: أمينة، وسكينة لقب [٣] وأمها الرّباب ابنة امرئ القيس بن عدي، تزوجها مصعب بن الزّبير، ثم عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، ثم زيد بن عمرو بن عثمان بن عفّان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها، وجمالها وحسن خلقها مشهور. لها نوادر، منها أنها لما سمعت مرثية عروة بن أذينة [٤]- وكان من أعيان العلماء الصلحاء- في أخيه بكر وقوله فيها: على بكر أخي ولّى حميدا ... وأيّ العيش يصفو بعد بكر [٥] قالت سكينة: ومن بكر! أهو ذاك الأسود الذي كان يمر بنا؟ قيل: نعم، قالت: لقد طاب بعده كل عيش حتّى الخبز والزيت. توفيت سكينة بالمدينة، والعامة تزعم أنها بمكّة في طريق العمرة.

стр. 473

سنة ثماني عشرة ومائة فيها مات عمرو بن شعيب بن محمّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السّهميّ، أبو إبراهيم. روى عن زينب ربيبة النّبيّ- ﷺ فهو تابعيّ، وثقه يحيى بن معين، وابن راهويه، وهو حسن الحديث. قاله في «العبر» [١] . وقال في «المغني» [٢] : هو مختلف فيه، وحديثه حسن، وفوق الحسن. قال يحيى القطّان: إذا روى عنه ثقة فهو حجّة. وقال أحمد: ربما احتججنا بحديثه. وقال البخاريّ: رأيت أحمد، وإسحاق، وأبا عبيد [٣] وعامة أصحابنا يحتجون به، فمن النّاس بعدهم؟ قلت [٤] : ومع هذا القول لم يحتجّ به البخاريّ في «صحيحه» .

стр. 474

وقال أيوب السّختيانيّ: كنت إذا أتيت عمرو بن شعيب غطيت رأسي حياء من النّاس. وقال ابن معين: ليس بذاك، وهو ثقة في نفسه، إنما بلي بكتاب أبيه عن جده. وقال أبو زرعة: إنما أنكروا عليه أنه روى صحيفة كانت عنده. وقال أحمد: ربما وحش القلب منه، وله مناكير، وثقه إسحاق، وصالح جزرة [١] . وقال الأوزاعيّ: ما رأيت قرشيا أكمل منه. قال إسحاق: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كأيّوب عن نافع عن ابن عمر. وقال أحمد أيضا: إنما تليت حديثه ليعتبر، أما ليكون حجّة فلا. وعن أبي داود، وقيل له: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حجّة؟ فقال: لا، ولا نصف حجّة. وقال ابن المديني، عن القطّان: حديثه واه. وقال ابن عدي: ثقة في نفسه. انتهى ما قاله الذّهبيّ في «المغني» [٢] . وقال شمس الدّين بن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» : وقد احتج الأئمة الأربعة، والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،

стр. 475

ولا نعرف في أئمة الفتوى إلّا من احتاج إليها واحتج بها، وإنما طعن فيها من لم يتحمل أعباء الفقه والفتوى، كأبي حاتم البستي، وابن حزم، وغيرهما. انتهى ما قاله ابن القيم. وفيها عبادة بن نسيّ الكنديّ قاضي طبريّة، كان شريفا جليل القدر، موصوفا بالصّلاة. روى عن شدّاد بن أوس، وجماعة. وفيها، في المحرم، قاضي الشّام أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبيّ الدّمشقيّ، وله سبع وتسعون سنة. قرأ القرآن العظيم على المغيرة بن أبي شهاب، عن قراءته على عثمان نفسه نصف القرآن. وورد أيضا أنه قرأ على أبي الدّرداء. وحدّث عن فضالة بن عبيد [١] ، والنعمان بن بشير. وولي قضاء دمشق، رحمه الله تعالى. وفيها عبد الرّحمن بن جبير بن نفير الحضرميّ الحمصيّ. وهو مكثر عن أبيه وغيره. قال في «العبر» [٢] : ولا أعلمه روى عن الصحابة. وقد رأى جماعة منهم. انتهى. وعبد الرّحمن بن سابط [٣] الجمحيّ المكيّ الفقيه. روى عن عائشة وجماعة.

стр. 476

وفيها معبد بن خالد الجدليّ الكوفيّ القّاض. روى عن جابر بن سمرة، وجماعة. وأبو عشّانة المعافريّ [١] [حيّ] [٢] بن يومن بمصر. روى عن عقبة بن عامر، وجماعة.

стр. 477

سنة تسع عشرة ومائة فيها غزا مروان غزوة السانحة [١] فدخل من باب اللّان، فلم يزل يسير حتّى طلع من باب الخزر، ومرّ ببلنجر [٢] وسمرقند، وانتهى إلى مدينة خاقان التّرك، فانهزم خاقان. وفيها توفي إياس بن سلمة بن الأكوع المدني. روى عن أبيه. وفيها، وقيل: في سنة اثنتين وعشرين، حبيب بن أبي ثابت الكوفيّ، فقيه الكوفة ومفتيها مع حمّاد بن أبي سليمان. وقال في «العبر» [٣] : بل هو أجلّ من حمّاد وأكبر، فإنه روى عن ابن عبّاس، وابن عمر، وخلق من التابعين. وفيها سليمان بن أبي موسى الأشدق. فقيه دمشق ومفتيها. مولى بني أميّة. روى عن أبي أمامة، وسلمة، وطائفة. قال سعيد بن عبد العزيز: كان أعلم أهل الشّام بعد مكحول.

стр. 478

وقال ابن لهيعة: ما لقيت مثله. و [فيها] [١] قيس بن سعد المكي، صاحب عطاء، وكان مفتي أهل مكّة في وقته. وفيها الأمير أبو شاكر معاوية ابن الخليفة هشام بن عبد الملك، وكان أنبل أولاد أبيه، جوادا ممدّحا. ولي الغزو مرّات. وهو أحد أمراء الأندلس. وإسماعيل بن حمّاد بن أبي سلمة.

стр. 479

سنة عشرين ومائة فيها، وقيل: سنة ثمان عشرة، توفي أنس بن سيرين أخو محمّد بن سيرين، وله خمس وثمانون سنة. روى عن ابن عبّاس وجماعة. وفيها فقيه الكوفة أبو إسماعيل حمّاد بن أبي سليمان الأشعري مولاهم صاحب إبراهيم النّخعي. روى عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيّب، وطائفة. وكان جوادا، سريّا، محتشما، يفطّر كل ليلة من رمضان خمسمائة إنسان. وقال شعبة: كان صدوق اللسان. وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري شيخ محمّد بن إسحاق، وكان أخباريا، علّامة بالمغازي، يروي عن جابر، وغيره. وفيها توفي قارئ مكّة أبو معبد عبد الله بن كثير الكنانيّ، مولاهم، الفارسيّ الأصل، الدّاريّ، العطّار. قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي، وعلى مجاهد. وحدّث عن ابن الزّبير، وغيره. وفضله وعلمه وشهرته تغني عن

стр. 480

الإطناب في أوصافه [١] . وفيها توفي سيّد أهل الجزيرة عديّ بن عدي بن عميرة الكنديّ الأمير. كان فقيها ناسكا كبير الشأن، ولأبيه صحبة. وفيها توفي علقمة بن مرثد الحضرميّ الكوفيّ. قال في «العبر» [٢] : كان ثبتا [٣] في الحديث. روى عن طارق بن شهاب، ولطارق صحبة ما. وقيس بن مسلم الجدليّ الكوفيّ صاحب طارق. ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى السماء منذ زمان تعظيما لله تعالى. ومحمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ المدنيّ الفقيه الثبت. روى عن أسامة، وأبي سعيد، وطائفة، وجده من المهاجرين. وواصل الأحدب. يروى عن أبي وائل، وطبقته. وأبو بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ. قاضي المدينة، وأميرها عن نيّف وثمانين سنة. ويقال: إنه كان أعلم أهل المدينة بالقضاء، وله خبرة بالسّير [٤] . قاله في «العبر» [٥] .

стр. 481

سنة إحدى وعشرين ومائة فيها غزا مروان، فأتى قلعة بيت [١] السّرير [٢] . فقتل وسبى، ثم دخل حصن غومشك [٣] وفيها سرير ملكهم، فهرب منه الملك، ثم إن مروان صالحهم في العام على ألف رأس، ومائة ألف مدي [٤] . ثم إنه سار حتّى دخل مدينة أرز [٥] فصالحوه وصالحه تومان شاه على بلاده، ثم سار حتّى نازل حمرين [٦] وحاصرها شهرين، ثم صالحهم وافتتح مسدار [٧] صلحا. وتهيأ

стр. 482

لمروان في هذه السنة من الفتوحات أمر عظيم، ووقع في قلوب التّرك والخزر منه رعب شديد. وفيها، قتل الإمام الشهيد زيد بن عليّ بن الحسين، ﵃، بالكوفة، وكان قد بايعه خلق كثير، وحارب متولي العراق يومئذ لهشام بن عبد الملك، يوسف بن عمر الثقفي، فقتله يوسف وصلبه، ويوسف هذا هو ابن عمر، أبوه عمّ الحجّاج بن يوسف. ولما خرج زيد يدعو إلى طاعته جاءته طائفة وقالوا: تبرّأ من أبي بكر وعمر حتّى نبايعك، فقال: بل أتبرأ ممن تبرأ منهما. فقالوا: إذا نرفضك، فسموا رافضة من يومئذ. وسميت شيعته زيدية. وكان من أمر زيد- ﵁ أن هشاما لما عرف كماله واستجماعه لخلال الفضل، كتب إلى عامله على الكوفة يوسف بن عمر بن أبي عقيل الثقفي يأمره أن يوجه زيدا إلى الحجاز، ففعل، فلما بلغ زيد العذيب [١] لحقته الشيعة وأخبروه أنّ النّاس مجمعة عليه، ولم يزالوا به حتّى رجع، فأقام بالكوفة سنة يبايع النّاس مختفيا، وبالبصرة نحو شهر، وكان ممن بايعه منصور بن المعتمر، ومحمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، وهلال بن خبّاب بن الأرتّ، قاضي المدائن، وابن شبرمة، ومسعر بن كدام، وغيرهم، وأرسل إليه أبو حنيفة بثلاثين ألف درهم، وحثّ النّاس على نصره، وكان مريضا، وكان قد أخذ عنه كثيرا، وحضر معه من أهله محمّد بن عبد الله النفس الزّكية، وعبد الله بن علي بن الحسين، وكان ظهوره ليلة الأربعاء من دار معاوية بن إسحاق الأنصاري لسبع بقين من المحرم، سنة إحدى، أو اثنتين وعشرين ومائة، وقتل يوم الجمعة لثلاثة أيام من ظهوره، وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، واستخرج بعد دفنه وصلب بالكناسة- تربة بالكوفة- أربع

стр. 483

سنين، ونسجت العنكبوت على عورته، ثم أنزل وأحرق، وذرّ رماده، ﵁. روى عن أبيه وجماعة. وروى عنه شعبة، ويأتي طرف من خبره في ترجمة هشام قريبا [١] . وفيها قتل أحد الشجعان والأبطال أبو محمّد [٢] البطّال، وله حروب ومواقف، ولكن كذبوا عليه، فأفرطوا، ووضعوه له سيرة كبيرة، تقرأ كل وقت، يزيد فيها من لا يستحيي من الكذب. وفيها توفي قاضي دمشق نمير بن أوس الأشعريّ، أحد شيوخ الأوزاعي. وأبو عبد الله محمّد بن يحيى بن حبّان الأنصاريّ المدنيّ، وقد لقي ابن عمر، ورافع بن خديج، وطائفة، وكانت له حلقة للفتوى. وفيها، أو في التي بعدها، سلمة بن كهيل الكوفي. روى عن جندب البجلي وطائفة، وكان من أثبات الشّيعة وعلمائهم. حمل عنه شعبة والثوريّ. ومسلمة بن عبد الملك بن مروان الأمويّ الأمير، ويلقب بالجرادة الصّفراء، وكان موصوفا بالشجاعة، والإقدام، والرأي، والدّهاء. ولي إرمينية، وأذربيجان غير مرّة، وإمرة العراقين، وسار في مائة وعشرين ألفا، فغزا القسطنطينيّة في خلافة سليمان أخيه. وروى عن عمر بن عبد العزيز.

стр. 484

سنة اثنتين وعشرين ومائة فيها كانت بالمغرب حروب مزعجة وملاحم، وخرجت طائفة كثيرة، وبايعوا عبد الواحد الهواريّ، والتفت [١] عليه أمم من البربر [٢] ثم نصر عليهم المسلمون، وقتلوا خلقا كثيرا. وفيها توفي قاضي البصرة أبو واثلة إياس بن معاوية بن قرّة المزنيّ الليثيّ، [أحد من] [٣] يضرب بذكائه وفطنته المثل. روى عن أنس وجماعة [٤] ووثقه ابن معين، ولا رواية له في الكتب الستة. كان صاحب فراسة. قال الحريريّ: فإذا ألمعيتي ألمعيّة ابن عبّاس، وفراستي فراسة إياس. وقال أبو تمّام: إقدام عمرو في شجاعة حاتم [٥] ... في حلم أحنف في ذكاء إياس [٦]

стр. 485

قيل لأبيه معاوية: كيف ابنك لك؟ قال: كفاني أمر دنياي، وفرّغني لآخرتي. وعنه قال: رأيت في المنام كأني وأبي على فرسين معا، فلم أسبقه ولم يسبقني، وعاش أبي ستا وتسعين سنة، وها أنا فيها، فلما كان آخر لياليه قال: الليلة استكملت عمري، ونام فأصبح ميتا، رحمه الله تعالى. وفيها بكير بن عبد الله بن الأشجّ، المدنيّ الفقيه نزيل مصر، وأحد شيوخ اللّيث بن سعد، وهو من صغار التابعين. وزبيد بن الحارث الياميّ [١] . روى عن إبراهيم النخعيّ وخلق من كبار التابعين. وسيّار أبو الحكم [٢] صاحب الشّعبيّ، وهو واسطيّ حجّة مشهور. ويزيد بن عبد الله بن قسيط الليثيّ المدنيّ، عن سنّ عالية، لقي أبا هريرة. وفيها أبو هاشم الرّمّانيّ [٣] الواسطيّ، واسمه يحيى [٤] كان يسكن قصر الرّمّان [٥] بواسط. روى عن أبي العالية وجماعة.

стр. 486

سنة ثلاث وعشرين ومائة فيها قتل بالمغرب كلثوم بن عياض القشيريّ في عدّة من أمرائه، واستبيح عسكره وتمزّقوا [١] هزمهم أبو يوسف الأزدي [٢] رأس الصفريّة، وكان كلثوم قد ولي دمشق لهشام، ثم ولاه غزو الخوارج بالمغرب، واتبعت الصفريّة من انكسر من المسلمين، فثبت لهم بلج القشيريّ [٣] ابن عمّ كلثوم، فكان النصر ولله الحمد. وقتل في المعركة أبو يوسف الأزديّ [٤] . وفيها حجّ بالنّاس يزيد ابن الخليفة هشام، ومعه الزّهريّ، فأخذ عنه إذ ذاك مالك، وابن عيينة، وأهل الحجاز. وفيها توفي ثابت البنانيّ، وهو ثابت بن أسلم، وبنانة من قريش، وهم رهط بني سعد بن [لؤي] [٥] وكانت بنانة أمهم، فنسبوا إليها، وكان من أنفسهم، ويكنى أبا محمّد، وكان من سادة التابعين علما، وفضلا، وعبادة،

стр. 487

ونبلا، وكان من خواص أنس، وروى عن غيره من الصحابة. وربيعة بن يزيد الدّمشقيّ القصير، شيخ دمشق بعد مكحول، استشهد بإفريقية، وقد لقي جبير بن نفير وطائفة. قال فرج بن فضالة [١] : كان مفضّلا على مكحول. وقال سعيد بن عبد العزيز: لم يكن عندنا أحسن سمتا في العبادة منه ومن مكحول. وسماك بن حرب الذّهليّ الكوفيّ، أحد الكبار. قال: أدركت ثمانين من الصحابة، وذهب بصري، فدعوت الله تعالى، فرده عليّ. قال أحمد العجلي: كان عالما بالشّعر وأيام النّاس، فصيحا. وفيها أبو يونس مولى أبي هريرة، وقد شاخ، واسمه سليم [٢] بن جبير، نزل مصر، وأدركه اللّيث. روى عن مولاه عن أبي هريرة، ووثقه النسائيّ. وفيها سيّد القراء، وعالم البصرة وعابدها، محمد بن واسع الأزدي، أخذ عن أنس، ومطرّف بن الشّخّير، وطائفة وهو مقلّ. روى خمسة عشر حديثا، ومناقبه مشهورة. قال بعضهم [٣] : كنت إذا وجدت فترة أو قسوة، نظرت في وجهه فيذهب ذلك جميعه عني. أو قال: شهرا. وقال له مالك بن دينار- وقد نبهه على بعض دقائق الورع-: ما أحوجني إلى معلّم مثلك.

стр. 488

وفيها قارئ مكّة بعد ابن كثير، محمّد بن عبد الرّحمن بن محيصن. ومنهم من يسميه عمر. قال في «العبر» [١] : وأظنهما أخوين. وله رواية شاذة في كتاب «المبهج» [٢] وغيره. وقد روى عن صفيّة بنت شيبة وغيرها. انتهى.

стр. 489

سنة أربع وعشرين ومائة فيها تمت وقعة عظيمة [١] كبيرة بالمغرب مع الصفريّة، ورأسهم ميسرة الحقير. وذاق المسلمون منهم مشاقّا وبلاء شديدا. وفيها مات محمّد بن عبد الرّحمن بن أسعد [٢] بن زرارة الأنصاري، أحد الثقات، وقد ولي إمرة المدينة لعمر بن عبد العزيز، وأدركه ابن عيينة. والقاسم بن أبي بزّة المكي. روى عن أبي الطّفيل وجماعة يسيرة. وفي رمضان منها توفي الإمام أبو بكر محمّد بن [مسلم ابن] عبيد الله بن عبد الله بن شهاب [٣] الزّهري المدني، أحد الفقهاء السبعة [٤] وأحد الأعلام المشهورين، عن أربع وسبعين سنة. سمع من سهل بن سعد، وأنس بن مالك، وخلق.

стр. 490

قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أعلم بسّنة ماضية من الزّهري. وكذا قال مكحول. وقال اللّيث: قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي علما فنسيته. قال اللّيث: فكان يكثر شرب العسل، ولا يأكل شيئا من التفاح الحامض. وقال: من أحب حفظ الحديث فليأكل الزّبيب. وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزّهريّ. قال في «العبر» [١] : قلت: وكان معظّما، وافر الحرمة عند هشام بن عبد الملك، أعطاه مرّة سبعة آلاف دينار. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت الدّينار والدّرهم عند أحد أهون منهما عند الزّهريّ، كأنها بمنزلة البعر. انتهى. ورأى عشرة من الصحابة- ﵃ وكان إذا أقبل على كتبه لم يلتفت إلى شيء. فقالت له امرأته [٢] [يوما] : والله إن هذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر. وقال ابن تيميّة: حفظ الزّهريّ الإسلام نحوا من سبعين سنة. وقال ابن قتيبة [٣] : وكان أبو جده عبد الله بن شهاب شهد مع المشركين بدرا، وكان أحد النّفر الذين تعاقدوا يوم أحد، لئن رأوا رسول الله- ﷺ

стр. 491

ليقتلنه، أو ليقتلنّ دونه، وهم عبد الله بن شهاب، وأبي بن خلف، وابن قمئة [١] ، وعتبة بن أبي وقّاص. وكان يزيد بن عبد الملك استقضى الزّهري، ولما مات دفن بماله [٢] على قارعة الطريق ليمرّ مارّ فيدعو له، والموضع الذي دفن فيه آخر أعمال [٣] الحجّاز، وأول عمل فلسطين، وبه ضيعته [٤] . وأخوه الزّهريّ عبد الله بن مسلم، كان أسنّ [٥] من الزّهري، ويكنى أبا محمّد، وقد لقي ابن عمر وروى عنه وعن غيره، ومات قبل الزّهريّ. انتهى ملخصا.

стр. 492

سنة خمس وعشرين ومائة فيها توفي أبو سعد [١] سعيد بن أبي سعيد المقبريّ [٢] المحدّث المكثر عن أبي هريرة. وروى عن سعد بن أبي وقّاص. قال ابن سعد: ثقة لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين. قال الذهبيّ في «العبر» [٣] : قلت: ما سمع منه ثقة في اختلاطه. انتهى. وفيها مات- في ربيع الآخر- الخليفة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموي، وكانت خلافته عشرين سنة، إلّا أشهرا [٤] وكانت داره عند الخوّاصين بدمشق، فعمل منها السلطان نور الدّين مدرسة، وكان ذا رأي وحزم وحلم، وجمع للمال [٥] عاش أربعا وخمسين سنة، وكان أبيض سمينا، أحول سديدا، حسن الكلام، شكس الأخلاق، شديد الجمع للمال، قليل البذل. وكان حازما متيقظا لا يغيب عنه شيء من أمر ملكه. قال المسعودي [٦] : كان هشام أحول فظا غليظا يجمع الأموال، ويعمر

стр. 493

الأرض، ويستجيد الخيل، وأقام الحلبة، فاجتمع له فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يعرف ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس، وقد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل، واستجاد الكساء والفرش وعدد الحرب ولأمتها، واصطنع الرّجال وقوّى الثّغور [١] واتخذ القنيّ والبرك بمكّة، وغير ذلك من الآثار [٢] التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدّولة العبّاسية. وفي أيامه عمل الخزّ [٣] فسلك الناس جميعا في أيامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم فقلّ الإفضال، وانقطع الرّفد، ولم ير زمان أصعب من زمانه. وكان زيد بن عليّ يدخل على هشام، فدخل عليه يوما بالرّصافة [٤] فلما مثل بين يديه، لم ير موضعا يجلس فيه، فجلس حيث انتهى به مجلسه. فقال له: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله. فقال له هشام: أسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة، فقال: يا أمير المؤمنين إن لك جوابا، إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنك، قال: لا بل أجب. قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرّجال عن الغايات، وقد كانت أمّ إسماعيل أمة لأمّ إسحاق- صلى الله عليهما وسلم- فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيا [٥] ، وجعله للعرب أبا، وأخرج من صلبه خير البشر محمدا- ﷺ أفتقول لي كذا وأنا ابن فاطمة، وابن عليّ؟ وقام وهو يقول:

стр. 494

شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد منخرق الخفّين يشكو الجوى [١] ... تنكثه [٢] أطراف مرو حداد قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد إن يحدث الله له دولة ... يترك آثار العدا كالرّماد وعرض هشام يوم الجند بحمص، فمرّ به رجل من أهل حمص وهو على فرس نفور، فقال له هشام: ما حملك على أن تربط [٣] فرسا نفورا؟ فقال الحمصيّ لا والرّحمن الرّحيم يا أمير المؤمنين، ما هو بنفور، وإنما أبصر حولك فظن أنه عين غزوان [٤] البيطار فنفر، فقال له هشام: تنحّ، فعليك وعلى فرسك لعنة الله، وكان غزوان [٤] نصرانيا ببلاد حمص، كأنه هشام في حوله وكشفته. وبينما هشام ذات يوم جالسا [خاليا] [٥] وعنده الأبرش الكلبيّ، إذ طلعت وصيفة لهشام عليها حلّة، فقال للأبرش: مازحها، فقال لها الأبرش: هبي لي حلّتك، فقالت: لأنت أطمع من أشعب، فقال [لها] هشام: ومن أشعب؟ فقالت: كان مضحكا بالمدينة، وحدثته [٦] ببعض أحاديثه، فضحك هشام وقال: اكتبوا إلى إبراهيم بن هشام- وكان عامله على المدينة- في حمله إلينا، فلما ختم الكتاب، أطرق هشام طويلا. ثم قال: يا أبرش، هشام يكتب إلى بلد رسول الله- ﷺ ليحمل إليه [منه] مضحك؟ لاها الله، ثم تمثل:

стр. 495

إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال وأوقف الكتاب. ودخل هشام بستانا له ومعه ندماؤه، فطافوا به وفيه من كل الثمار، فجعلوا يأكلون ويقولون: بارك الله لأمير المؤمنين، فقال: وكيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلون؟!، ثم قال: ادع قيّمه، فدعا به، فقال له: اقلع شجره واغرس فيه زيتونا حتّى لا يأكل أحد منه شيئا. وكان أخوه مسلمة مازحه قبل أن يلي الأمر، فقال له: يا هشام أتؤمّل الخلافة وأنت جبان بخيل! قال: أي والله العليم الحليم [١] . وذكر الهيثم بن عديّ، والمدائني وغيرهما، أن السّوّاس من بني أميّة ثلاثة: معاوية، وعبد الملك، وبهشام ختمت أبواب السياسة وحسن السّير [٢] وأن المنصور كان في أكثر أموره، وتدبيره، وسياسته، متبعا لهشام في أفعاله، لكثرة ما يستحسنه من أخبار هشام وسيره. انتهى ملخصا. ومن نوادره ما روي أنه تمادى في الصيد فوقع على غلام، فأمره ببعض الأمر، فأبى الغلام، وأغلظ له في القول، وقال له: لا قرّب الله دارك، ولا حيّا مزارك، في قصة طويلة، فيها أنه أمر بقتله وقرّب له نطع الدّم، فأنشأ الغلام يقول: نبّئت أنّ الباز علّق مرّة ... عصفور برّ ساقه المقدور فتكلّم العصفور في أظفاره ... والباز منهمك عليه يطير ما في ما يغني لبطنك شبعة ... ولئن أكلت فإنّني لحقير
следующие страницы →