سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة
في ربيع الآخر منها، كما قال ابن حجر [١] : اتفق أن شخصا له أربعة أولاد ذكور، فلما وقع الموت في الأطفال، سألت أمهم [٢] أن تختنهم لتفرح بهم قبل أن يموتوا، فجمع الناس لذلك على العادة، وأحضر المزيّن، فشرع في ختن واحد بعد آخر، وكل من يختن يسقى شرابا مذابا بالماء على العادة، فمات الأربعة في الحال عقب ختنهم، فاستراب أبوهم بالمزيّن، وظنّ أن مبضعه مسموم، فجرح المزيّن نفسه ليبرئ ساحته، وانقلب فرحهم عزاء، ثم ظهر في الزّير الذي كان يذاب منه الشراب حيّة عظيمة ماتت فيه وتمزقت [٣] فكانت سبب هلاك الأطفال، ولله الأمر.
وفيها توفي شهاب الدّين أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرّج بن يزيد بن عثمان بن جابر العامري الغزّي ثم الدمشقي الشافعي [٤] .
ولد سنة بضع وستين وسبعمائة بغزّة، وأخذ عن الشيخ علاء الدّين بن خلف، وحفظ «التنبيه» وقدم دمشق بعد الثمانين وهو فاضل، فأخذ عن الشّريشي، والزّهري، وشرف الدّين الغزّي بلديّة، وغيرهم، ومهر في الفقه والأصول، وجلس بالجامع يشغل الناس في حياة مشايخه، وأفتى، ودرّس، وأعاد، ثم أصيب بماله
стр. 4447
وكتبه بعد الفتنة اللنكية، وناب في القضاء، وعيّن مرّة مستقلا فلم يتم، وولي إفتاء دار العدل، واختصر «المهمات» اختصارا حسنا، وكتب عليه «الحاوي» و «جمع الجوامع» ، ودرّس بأماكن، وأقبل على الحديث حتّى لم يبق بالشام في آخر عمره من يقاربه في رئاسة فقه الشافعية إلا ابني [١] نشوان، وكان يرجع إلى دين وعفّة من صغره، وعلو همّة، ومروءة، ومساعدة لمن يقصده، مع عجلة فيه، وحسن عقيدة، وسلامة باطن، وجاور في أواخر أمره بمكة فمات بها مبطونا في شوال وله اثنتان وستون سنة.
وفيها أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المطريّ المدنيّ [٢] .
سمع من العزّ ابن جماعة، وعنى بالعلم، وكان يذاكر بأشياء حسنة، ثم تزهّد، ودخل اليمن، فأقام بها نحوا من عشرة أعوام، وكان ينسب إلى معاناة الكيمياء.
توفي في أول ذي الحجّة.
وفيها أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عيّاش الجوخي الدمشقي [٣] ، نزيل تعز.
ولد سنة ست وأربعين وسبعمائة، وتعانى بيع الجوخ فرزق منه دنيا طائلة، وعني بالقراءات، فقرأ على جماعة، وكان يقرأ في كل يوم نصف ختمة، وكان قد أسمع في صغره على علي بن العزّ عمر حضورا «جزء ابن عرفة» وحدّث به عنه، وقرأ بدمشق على شمس الدّين بن اللّبان، وابن السلّار، وغيرهما، وتصدى للقراءات، فانتفع به جمع من أهل الحجار واليمن، وكان غاية في الزّهد في الدنيا، فإنه ترك بدمشق أهله، وماله، وخيله، وخدمه، وساح في الأرض، وحدّث، وهو مجاور بمكّة، واستمرّ في إقامته باليمن في خشونة العيش حتّى مات.
وكان بصيرا بالقراءات، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنجب ولده المقرئ عبد الرحمن مقرئ الحرم.
стр. 4448
وفيها أحمد بن يوسف بن محمد الدمشقي [١] ، الشاعر المشهور، عرف بابن الزّعيفريني.
قال في «المنهل الصّافي» : كانت له فضيلة، ويكتب الخطّ المنسوب، وينظم الشعر، ويشتغل بعلم الحرف، ويزعم أن له فيه اليد الطّولى، وحصل له حظ بهذا المعنى عند جماعة من أعيان الأمراء وغيرهم، إلى أن ظفر بعض أعيان الدولة بأبيات من نظمه بخطّه نظمها للأمير جمال الدّين الاستادار يوهمه أنه سيملك مصر، ويملك بعده ابنه. فقطع الملك الناصر فرج لسانه وعقدتين من أصابعه، ورفق به عند القطع فلم يمنعه ذلك من النطق، لكنه أظهر الخرس مدة أيام الناصر، ثمّ تكلّم بعد ذلك، وأخذ في الظّهور والكتابة بيده اليسرى، فلم يرج في الأيام المؤيّدية، وانقطع إلى أن مات.
ومن شعره: ما كتبه بيده اليسرى إلى قاضي القضاة صدر الدّين علي بن الأدمي الحنفي:
لقد عشت دهرا في الكتابة مفردا ... أصوّر منها أحرفا تشبه الدّرّا
وقد صار خطي [٢] اليوم أضعف ما ترى ... وهذا الذي قد يسّر الله لليسرى
فأجابه صدر الدّين المذكور:
لئن فقدت يمناك حسن كتابة ... فلا تحتمل همّا ولا تعتقد عسرا
وأبشر ببشر دائم ومسرّة ... فقد يسّر الله العظيم لك اليسرى [٣]
وتوفي ابن الزّعيفريني يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول.
وفيها تندو بنت حسين بن أويس [٤] .
стр. 4449
كانت بارعة الجمال، وقدمت مع عمّها أحمد بن أويس إلى مصر، فتزوجها الظّاهر برقوق، ثم فارقها، فتزوجها ابن عمها شاه ولد ابن شاه زاده بن أويس، فلما رجعوا إلى بغداد ومات أحمد أقيم شاه ولد في السلطنة فدبّرت مملكته حتّى قتل، وأقيمت هي بعده في السلطنة، ثم ملكت تستر وغيرها، واستقلّت بالمملكة مدة، وصار في ملكها الحويزة وواسط، يدعى لها على منابرها، وتضرب السّكة باسمها، إلى أن ماتت في هذه السنة. وقام بعدها ابنها أويس بن شاه ولده. قاله ابن حجر.
وفيها علم الدّين أبو الرّبيع سليمان بن نجم الدّين فرج بن سليمان الحجبي [١] الحنبلي بن المنجّى.
ولد سنة سبع وستين وسبعمائة، واشتغل على ابن الطحّان وغيره، ورحل إلى مصر، فأخذ عن ابن الملقّن وغيره، ثم عاد بعد فتنة اللّنك، فناب في القضاء، وشارك في الفقه وغيره، وأشغل الناس بالجامع الأموي وبمدرسة أبي عمر.
وتوفي في ربيع الآخر.
وفيها عزّ الدّين عبد العزيز بن مظفّر بن أبي بكر البلقيني [٢] قريب شيخ الإسلام سراج الدّين الشافعي.
اشتغل على الشيخ سراج الدّين، وكان يشارك في الفنون، ويذاكر بالفقه مذاكرة حسنة.
قال ابن حجر: رافقنا في سماع الحديث كثيرا، وناب في الحكم، وكان سيء السيرة في القضاء، جمّاعة للمال من غير حلّه في الغالب، زري الملبس، مقترا على نفسه إلى الغاية.
توفي في ثالث عشري جمادي الأولى وخلّف مالا كثيرا جدا فحازه ولده.
стр. 4450
وفيها نجم الدّين عبد اللطيف بن أحمد بن علي الفاسي الشافعي [١] .
قال ابن حجر: سمع معنا كثيرا من شيوخنا، ولازم الاشتغال في عدة فنون، وأقام في القاهرة [٢] مدة بسبب الذّب عن منصب أخيه تقي الدّين قاضي المالكية، إلى أن مات مطعونا في هذه السنة. انتهى.
وفيها مجد الدّين فضل الله بن القاضي فخر الدّين عبد الرحمن بن عبد الرزّاق بن إبراهيم، الشهير بابن مكانس القبطي المصري الحنفي [٣] الشاعر المشهور.
ولد في سابع شعبان سنة سبع وستين وسبعمائة، ونشأ في كنف والده الوزير فخر الدّين، وعنه أخذ الأدب، وقرأ النحو، والفقه، والأدب على علماء مصره، إلى أن برع ومهر، ونظم الشعر وهو صغير السنّ جدا، وكتب في الإنشاء وتوقيع الدّست مدة في حياة أبيه بدمشق، وكان أبوه وزيرا بها، ثم قدم القاهرة وساءت حالته بعد أبيه، ثم خدم في ديوان الإنشاء، وتنقّلت رتبته فيه إلى أن جاءت الدولة المؤيدية فأحسن إليه القاضي ناصر الدّين البارزي كثيرا، واعتنى به، ومدح السلطان بقصائد فأثابه ثوابا حسنا. وشعره في الذّروة العليا، وكذلك منثورة، وجمع هو ديوان أبيه ورتّبه، وفيه يقول والده:
أرى ولدي قد زاده الله بهجة ... وكمّله في الخلق والخلق مذ نشا
سأشكر ربّي حيث أوتيت مثله ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا
ومن شعره هو:
تساومنا شذا أزهار روض ... تحيّر ناظر فيه وفكري
فقلت نبيعك الأرواح حقا ... بعرف طيّب منه ونشر
стр. 4451
ومنه:
جزى الله شيبي كلّ خير فإنّه ... دعاني لما يرضى الإله وحرّضا
فأقلعت عن ذنبي وأخلصت تائبا ... وأمسكت [١] لما لاح لي الخيط أبيضا
قال ابن حجر: وكانت بيننا مودة أكيدة، اتصلت نحوا من ثلاثين سنة، وبيننا مطارحات، وكان قليل البضاعة من العربية، فربما وقع له اللّحن الظّاهر، وأما الخفي فكثير جدا.
مات في يوم الأحد خامس عشر ربيع الآخر. انتهى.
وفيها الخواجا محمد الزّاهد البخاري [٢] .
قال في «المنهل الصّافي» في ترجمة. تيمور: اجتمع في أيامه- أي تمرلنك- بسمرقند ما لم يجتمع لغيره من الملوك، فمن ذلك الفقيه عبد الملك من أولاد صاحب «الهداية الفقهية» فإنه كان بلغ الغاية في الدروس، والفتيا، ونظم القريض، ويعرف النّرد والشطرنج، ويلعب بهما جيدا في حالة واحدة دائما مدى الأيام، والخواجا محمد الزّاهد البخاري أي صاحب الترجمة المحدّث المفسّر.
صنّف «تفسيرا للقرآن العظيم» في مائة مجلد.
ومات بالمدينة النبوية سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. انتهى.
وفيها محمد بن عبد الله بن شوعان الزّبيدي الحنفي [٣] .
قال ابن حجر: انتهت إليه الرئاسة في مذهب أبي حنفية بزبيد، ودرّس وأفاد. انتهى.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الماجد العجيمي [٤] سبط العلّامة جمال الدّين بن هشام الشافعي.
стр. 4452
أخذ عن خاله الشيخ محبّ الدّين بن هشام، ومهر في الفقه، والأصول، والعربية، ولازم الشيخ علاء الدّين البخاري لما قدم القاهرة، وكذلك الشيخ بدر الدّين الدّماميني، وكان كثير الأدب، فائقا في معرفة العربية، ملازما للعبادة، وقورا، ساكنا.
توفي في العشرين من شعبان.
وفيها نظام الدّين محمد بن عمر الحموي الأصل الحنفي، المعروف بالتّفتازاني [١] ، لعله تشبيها لنفسه بالسعد.
قال ابن حجر: كان أبوه حصريا، فنشأ هذا بين الطلبة، وقرأ في مذهب أبي حنيفة، وتعانى الآداب، واشتغل في بعض العلوم الآلية، وتعليم كلام العجم، وتزيا بزيّهم، وتسمى نظام الدّين التّفتازاني، وغلب عليه الهزل والمجون، وجاد خطه، وقرّر موقعا في الدرج، وكان عريض الدعوى، وله شعر وسط.
وقال محب الدّين الحنبلي: كان حسن المنادمة، لطيف المعاشرة، ولم يتزوج قطّ، وكان متّهما بالولدان، وكان يأخذ الصغير فيربيه أحسن تربية، فإذا كبر وبلغ حدّ التزويج زوّجه. انتهى.
وتوفي في رابع عشري ذي القعدة عن نحو الستين.
وفيها أبو البركات محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فرحون اليعمري [٢] المالكي، قاضي المدينة.
مات بها في المحرم. قاله ابن حجر.
وفيها فتح الدّين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد النّحريري [٣] ، المعروف بابن أمين الحكم.
قال ابن حجر: سمع على جماعة من شيوخنا، وعني بقراءة «الصحيح»
стр. 4453
وشارك في الفقه والعربية، وأكثر المجاورة بالحرمين، ودخل اليمن، فقرأ الحديث بصنعاء وغيرها، ثم قدم القاهرة بأخرة فوعك، ومات بالمارستان عن نحو من خمسين سنة. انتهى.
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمود الجعفري البخاري [١] .
اشتغل ببلاده، ثم قدم مكّة، فجاور بها، وانتفع الناس به في علوم المعقول.
وتوفي بمكة في العشر الأخير من ذي الحجّة عن ستة وسبعين سنة.
وفيها يوسف ابن شريكار العنتابي المقري [٢] .
قال العنتابي في «تاريخه» : ولد بعنتاب، وتعانى القراآت فمهر فيها، وانتفعوا به، وكان يتكلّم على الناس بلسان الوعظ، وكان فصيح اللّسان، حلو المنطق، مليح الوجه، له يد في التفسير، وعاش خمسا وستين سنة. انتهى.
стр. 4454
سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة
في ثالث رمضان ذبح جمل بغزّة فأضاء لحمه كما تضيء الشّموع، وشاع ذلك وذاع حتى بلغ حد التواتر، قاله ابن حجر [١] .
وفيها توفي صارم [٢] الدّين إبراهيم بن شيخ المحمودي الظّاهري [٣] الملك المؤيد أبوه.
قال في «المنهل» : ولد بالبلاد الشامية في أوائل القرن تقريبا، وأمه أم ولد جاركسية تسمى نوروز.
وكان ملكا شجاعا، شابا، حسنا، مقداما، كريما، ساكنا، وعنده أدب وحشمة ملوكية، وكان يميل إلى الخير، والعدل، والعفّة عن أموال الرّعية إلّا أنه كان مسرفا على نفسه، سامحه الله. انتهى.
وقال ابن حجر: أغرى والده عليه بأنه كان يتمنى موته ويعد الأمراء بمواعيد إذا وقع ذلك، فحقد عليه ودسّ بعض خواصه أن يعطيه ما يكون سببا لقتله من غير إسراع، فدسّوا عليه من سقاه من الماء الذي يطفأ فيه الحديد، فلما شربه أحس بالمغص في جوفه فعالجه الأطباء مدة، وندم السلطان على ما فرط منه، فتقدم الأطباء بالمبالغة في علاجه، فلازموه نصف شهر إلى أن كاد يتعافى، فدسّوا إليه ثانيا من سقاه بغير علم أبيه، فانتكس، واستمر إلى ليلة الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة، فمات، فاشتد جزع السلطان عليه، إلا أنه تجلّد، وأسف الناس
стр. 4455
كافة على فقده، ولم يعش أبوه بعده إلا ستة أشهر تزيد أياما كدأب [١] من قتل أباه أو ابنه على الملك قبله عادة مستقرّة وطريقة مستقرأة. انتهى.
وفيها زين الدّين أبو المحاسن تغري برمش بن يوسف بن عبد الله التركماني [٢] الحنفي.
قدم القاهرة شابا، وقرأ على الجلال التّباني [٣] وغيره، وتفقه بجماعة من أعيان العلماء، وكان كثير الاستحضار لفروع مذهبه، ويحفظ بعض مختصرات.
قال في «المنهل» : وكان يميل إلى الصّوفية، مع أنه [كان] يبالغ في ذمّ ابن عربي وأتباعه [٤] ، وأحرق كتبه. وأرسله المؤيد شيخ [٥] إلى الحجاز وعلى يديه مراسيم تتضمن النظر في أحوال مكة المشرّفة، وجاور بها، وأخذ بالأمر فيها بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومنع المؤذنين من المدائح النّبوية فوق المنابر ليلا، ومنع المدّاحين من الإنشاد في المسجد الحرام [٦] ومنع الصّغار من الخطابة في ليالي رمضان، ومن الوقيد في الليالي المعروفة بالحرم [٦] ، وجرى له مع أهل مكة أمور بسبب ذلك يطول شرحها، ثم عاد إلى القاهرة، وكان يميل إلى دين وخير. انتهى.
وقال ابن حجر: كان يكثر الحطّ على ابن العربي وغيره من متصوفي الفلاسفة، وبالغ في ذلك، وصار يحرق ما يقدر عليه من كتب ابن العربي، وربط مرّة كتاب «الفصوص» في ذنب كلب، وصارت له بذلك سوق نافقة عند جمع كثير، وقام عليه جماعة من أضداده فما بالي بهم.
وقال المقريزي ذاما له: رضي من دينه وأمانته بالحطّ على ابن العربي، مع
стр. 4456
عدم معرفته بمقالته، وكان يتعاظم مع دناءته، ويتمصلح مع رذالته، حتّى انكشفت للناس سيرته، وانطلقت الألسن بذمّة بالدّاء العضال، مع عدم مداراته وشدّة انتقامه ممن يعارضه في أغراضه، ولم يزل على ذلك حتّى مات بمكة ليلة الأربعاء مستهل المحرّم.
وفيها جمال الدّين عبد الله بن مقداد بن إسماعيل قاضي القضاة الأقفهسي المالكي [١] قاضي الدّيار المصرية.
نشأ بالقاهرة، وطلب العلم، وتفقه بالشيخ خليل وغيره إلى أن برع في الفقه والأصول، وأفتى ودرّس، وناب في الحكم، ثم استبدّ به، ثم صرف، ثم ولي، وكان مشكور السيرة في أحكامه، ديّنا، خيّرا، وشرح رسالة الشيخ خليل.
وتوفي على القضاء في رابع عشر جمادى الأولى.
وفيها محمد بن مورمة البخاري الحنفي [٢] .
قال ابن حجر: يلقّب نبيرة- بنون وموحدة وزن عظيمة- ذكر أنه من ذرّية حافظ الدّين النّسفي، ونشأ ببلاده، وقرأ الفقه، وسلك الزّهد، وحجّ في هذه السنة، وأراد أن يرجع إلى بلاده فذكر أنه رأى النّبيّ ﷺ في النّوم، فقال له: «إن الله قد قبل حجّ كلّ من حجّ في هذا العام وأنت منهم» وأمره أن يقيم بالمدينة فأقام، فاتفقت وفاته يوم الجمعة ودفن بالبقيع. انتهى.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن حسين المخزومي البرقي الحنفي [٣] .
كان مشهورا بمعرفة الأحكام، مع قلّة الدّين وكثرة التهتّك، وقد باشر عدة أنظار وتداريس.
مات في جمادى الأولى. قاله ابن حجر.
стр. 4457
وفيها شمس الدّين محمد بن العلّامة شمس الدّين محمد بن سليمان بن الخرّاط الحموي [١] ، الشاعر المنشئ الموقّع.
أخذ عن أبيه وغيره، وقال الشعر فأجاد، ووقع في ديوان الإنشاء، وكان مقرّبا عند ابن البارزي، ومات ولم يكمل الخمسين وعاش أخوه زين الدّين عبد الرحمن بعده وهو أسن منه إلى سنة أربعين.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الله بن أحمد الصّغير [٢]- بالتصغير- الطبيب المشهور.
ولد في خامس عشر جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكان أبوه فرّاشا، فاشتغل هو بالطبّ، وحفظ «الموجز» وشرحه، وتصرّف في العلاج، فمهر، وصحب البهاء الكازروني، وكان حسن الشكل، له مروءة.
مات بعد مرض طويل في عاشر شوال. قاله ابن حجر.
وفيها القاضي ناصر الدّين محمد بن محمد بن عثمان البارزي [٣] الشافعي كاتب السرّ.
ولد في شوال سنة تسع وستين وسبعمائة، وحفظ «الحاوي» في صغره، واستمرّ يكرّر عليه ويستحضر منه، وتعانى الشعر، والأدب، وكتب الخط الجيد، ثم ولي قضاء بلده وكتابة السرّ بها، وقضاء حلب، وكتابة السرّ بالقاهرة طول دولة المؤيد.
وكان لطيف المنادمة، كبير الرئاسة، ذا طلاقة وبشر وإحسان للعلماء والفضلاء على طريقة قدماء الكرماء.
وتوفي بالقاهرة يوم الأربعاء ثامن شوال.
стр. 4458
وفيها الحافظ جمال الدّين أبو المحاسن محمد بن موسى بن علي بن عبد الصّمد بن محمد بن عبد الله المراكشي الأصل ثم المكي [١] .
ولد في ثالث رمضان سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وحفظ القرآن العظيم، وأجاز له وهو صغير قبل التسعين وبعدها أبو عبد الله بن عرفة، وتقي الدّين بن حاتم، وناصر الدّين بن الميلق، وجماعة، وتفقه، وحبّب إليه، الطلب، فسمع بمكة على مشايخ مكّة، كابن صديق ومن دونه، وعلى القادمين عليها، وأخذ علم الحديث عن الشيخ جمال الدّين بن ظهيرة، والحافظ تقي الدّين الفاسي، والحافظ صلاح الدّين الأقفهسي، وتخرّج به في معرفة العالي والنّازل، ورحل إلى الدّيار المصرية، فسمع من شيوخها، ثم رحل إلى الشام، فأدرك عائشة بنت عبد الهادي خاتمة أصحاب الحجّار، وجال في رحلته، فسمع بحلب، وحماة، وحمص، وبعلبك، والقدس، والخليل، وغزّة، والرّملة، والإسكندرية، وغيرها، ورجع وقد كمل معرفته، وخرّج لغير واحد من مشايخه، وعمل تراجم مشايخه فأفاد، وخرّج لنفسه «أربعين» متباينة لكن لم يلتزم فيها السماع، ورحل إلى اليمن، فسمع بها، ومدح الناصر أحمد فأجازه وولّاه مدرسة هناك، فأقام بتلك البلاد، وصار يحجّ كل سنة، وكان حافظا، ذا مروءة وقناعة وصبر على الأذى، باذلا لكتبه [٢] وفوائده، موصوفا بصدق اللهجة وقلّة الكلام.
قدم في هذه السنة حاجّا فعاقهم الرّيح، فخشي فوات الحجّ، فركب البحر، وأجهد نفسه، فأدرك الحجّ لكنه توعك، واستمرّ مريضا إلى أن مات بمكة في ثامن عشر ذي الحجّة ودفن بالمعلاة.
وفيها القاضي شرف الدّين أبو الفتح موسى بن محمد بن نصر البعلبكي، المعروف بابن السّقيف- تصغير سقف- الشافعي [٣] .
стр. 4459
ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وأخذ الفقه عن الخطيب جلال الدّين، والحديث عن عماد الدّين بن بردس، وغيرهما، واشتغل بدمشق على ابن الشّريشي، والزّهري، وغيرهما، ومهر، وتصدّى للإفتاء والتدريس ببلده من أول سنة إحدى وثمانين وهلم جرا، وولى قضاء بلده مرارا فحمدت سيرته، وكان كثير البرّ للطلبة، سليم الباطن، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وله أوراد وعبادة، وانتهت إليه رئاسة الفقه ببلده إلى أن توفي في جمادى الآخرة.
وفيها جمال الدّين يوسف بن الشيخ إسماعيل الأنبابي [١] .
قال ابن حجر: ابن القدوة إسماعيل. أخذ الكثير عن شيوخنا، وقرأ في الفقه، والأصول، والعربية، وأكثر جدا، ثم انقطع بزاوية أبيه بأنبابة، وأحبه الناس واعتقدوه، وحجّ مرارا، وكان يذكر لنفسه نسبا إلى سعد بن عبادة، ومات في شوال وخلّف مالا كثيرا جدا. انتهى.
وفيها السلطان قرا يوسف بن محمد قرا التّركماني [٢] ملك العجم.
كان في أول أمره من التركمان الرحّالة النزّالة، فتنقلت به الأحوال إلى أن استولى بعد اللّنك على عراق العرب والعجم، ثم ملك تبريز، وبغداد، وماردين، وغيرها، واتسعت مملكته، وكان ينتمي إلى أحمد بن أويس، وتزوج أحمد أخته، ثم وقع بينهما، وتقابلا، فهرب أحمد منه، فملك بغداد سنة خمس وثمانمائة، فأرسل إليه اللّنك عسكرا، فهرب إلى دمشق، واجتمع مع أحمد بن أويس وتصالحا، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن قتل مرزاشاه بن اللّنك في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة، واستبدّ بملك العراق، وسلطن ابنه محمد شاه ببغداد، ثم نهب سنجار، والموصل، وأوقع بالأكراد، واختلف الحال بينه وبين شاه رخ، ثم تصالحا وتحالفا وتصاهرا، ثم انتقض الصّلح سنة سبع عشرة وتحاربا. وفي سنة إحدى وعشرين سبى أهل عنتاب، وقتل، وأسر، وأفحش في القتل والسّبي بحيث أبيع
стр. 4460
صغير واحد بدرهمين، وحرق المدينة، وأخذ أموالها، وتوجه إلى البيرة فنهبها، ثم بلغه أن ولده محمد شاه عصى عليه ببغداد فتوجه إليه وحصره واستصفى أمواله وعاد إلى تبريز، وكان شديد الظّلم، قاسي القلب، لا يتمسك بدين، واشتهر عنه أن في عصمته أربعين امرأة، وقد خرجت في أيامه وأيام أولاده مملكة العراقين.
وتوفي بتبريز في ذي القعدة وقام بعده ابنه إسكندر
.
стр. 4461
سنة أربع وعشرين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن هلال الحلبي [١] .
اشتغل قديما على الشيخ شمس الدّين بن الخرّاط وغيره، وكان مفرط الذّكاء، وأخذ التّصوف عن شمس الدّين البلالي، ثم توغل في مذهب أهل الوحدة ودعا إليه، وصار كثير الشطح، وجرت له وقائع، وكان أتباعه يبالغون في إطرائه ويقولون: هو نقطة الدائرة، إلى غير ذلك من مقالاتهم المستبشعة. قاله ابن حجر.
وفيها جقمق [٢] .
كان من أبناء التّركمان، فاتفق مع بعض التجار أن يبيعه ويقسم ثمنه بينهما ففعل، فتنقل في الخدم حتّى تقرّر دويدارا ثانيا عند الملك المؤيد قبل سلطنته، ثم استمرّ، وكان يتكلم بالعربية [٣] لا يشك من جالسه أنه من أولاد الأحرار، ثم استقرّ دويدارا كبيرا إلى أن قرّره الملك المؤيد في نيابة الشام، فبنى السوق المعروف بسوق جقمق، وأوقفه على المدرسة التي بناها قرب الأموي، ثم أظهر العصيان لما مات الملك المؤيد.
قال المقريزي: كان سيء السيرة، شديدا في دواداريته على الناس، حصّل أموالا كثيرة، وكان فاجرا، ظلوما، غشوما، لا يكف عن قبيح [٤] . انتهى.
стр. 4462
قتله ططر بدمشق بعد أن صادره، في أمواله في أواخر شعبان، ودفن بمدرسته لصيق الكلّاسة.
وفيها الملك المؤيد شيخ بن عبد الله المحمودي [١] .
قدم القاهرة وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكان جميل الصورة، فمات جالبه، فاشتراه محمود تاجر المماليك، وانتسب إليه، وقدّمه لبرقوق فأعجبه وجعله خاصكيا، ثم جعله من السّقاة، ونشأ ذكيا، فتعلم الفروسية من اللعب بالرّمح، ورمي النّشّاب والضّرب بالسيف وغير ذلك، ومهر في جميع ذلك، مع جمال الصّورة، وكمال العشرة، والتهتّك، وضرب بسبب ذلك، ثم تنقلت به الأحوال من الإمارة على الحاج وغير ذلك، إلى أن ولي نيابة الشام، ثم تسلطن يوم الاثنين مستهل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة.
قال في «المنهل» : وكان ملكا، شجاعا، مقداما، مهابا، سيوسا، عارفا بالحروب والوقائع، جوادا على من يستحق الإنعام، بخيلا على من لا يستحقه إلى الغاية، طويلا، بطينا، واسع العينين، أشهلهما، كثّ اللّحية، جهوري الصّوت، فحّاشا، سبّابا، ذا خلق سيء، وسطوة، وجبروت، وهيبة زائدة، يرجف القلب عند مخاطبته، محبّا لأهل العلم، مبجلا للشرع، مذعنا له، غير مائل إلى شيء من البدع، إلا أنه كان مسرفا على نفسه، متظاهرا بذلك، وبنى أماكن تقام فيها الخطبة، منها جامعه المؤيدي داخل باب زويلة الذي ما عمر في الإسلام أكثر زخرفة وأحسن ترخيما منه بعد جامع دمشق.
وتوفي يوم الاثنين تاسع المحرم.
وسلطنوا ولده المظفّر أبا السعادات وعمره سنة واحدة وثمانية أشهر وسبعة أيام.
قال المقريزي: واتفق في موته موعظة وهو أنه لما غسّل لم يوجد له منشفة ينشف بها، فنشّف في منديل لبعض من حضر من الأمراء، ولا وجد له مئزر يستره،
стр. 4463
حتّى أخذ له مئزر صوف صعيدي من فوق رأس بعض جواريه، ولا وجد له طاسة يصب بها عليه الماء وهو يغسل، مع كثرة ما خلّف من الأموال. انتهى.
ودفن بقبته التي أنشأها بالجامع المؤيدي بباب زويلة.
وفيها أبو الفتح ططر بن عبد الله الظّاهري [١] ، ملك الدّيار المصرية والشامية.
كان من جملة مماليك الظّاهر برقوق، ولا زال يترقى حتى صار أمير مائة مقدم ألف بالدّيار [٢] المصرية، وتنقلت به الأحوال إلى أن مرض الملك المؤيد، وأوصى له بالتكلم على ابنه أحمد، فلما مات المؤيد خرج ططر إلى البلاد الشامية بالسلطان والخليفة والقضاة والعساكر، وعزل، وولّي، ثم دخل حلب، ثم عاد إلى دمشق، واستمال الخواطر، وتحبّب إلى الأمراء، ثم عزم على خلع الملك المظفّر لصغره، فخلعه في تاسع عشري شعبان من هذه السنة، وتسلطن هو، ولقّب بالملك الظّاهر أبي الفتح، وجلس على كرسي الملك، ثم في سابع عشر شهر رمضان برز من دمشق إلى الدّيار المصرية فوصلها يوم الخميس رابع شوال، فمرض ولزم بيته إلى يوم الثلاثاء أول ذي القعدة، نصل، ودخل الحمام، وتباشر الناس بعافيته، ثم أخذ مرضه يتزايد إلى ثاني ذي الحجّة، فجمع الخليفة المعتضد بالله داود والقضاة، وعهد لولده محمد، وأن يكون الأمير جانبك الصّوفي متكلما في الأمور، وحلف الأمراء على ذلك، كما حلف هو غير مرّة لابن الملك المؤيد، وتوفي ضحى يوم الأحد رابع ذي الحجّة وله نحو خمسين سنة، ودفن بالقرافة بجوار الإمام اللّيث بن سعد، وكانت مدة سلطنته أربعة وتسعين يوما، وفي هذه المدة اليسيرة لا يستقلّ ما فعل من الانتقام والجور وسفك الدماء، فأتعب نفسه، ومهد لغيره، وكان ملكا عارفا فطنا، عفيفا عن المنكرات، مائلا إلى العدل، يحب الفقهاء وأهل العلم، ويذاكر بالفقه، ويشارك فيه، وله فهم وذوق في البحث، بارعا في حفظ الشعر التركي، عارفا بمعانيه، وعنده إقدام وجرأة وكرم مفرط، مع طيش
стр. 4464
وخفّة، وكان قصيرا جدا كبير اللّحية أسودها، مليح الشكل، يتكلم بأعلى حسّه، وفي صوته بحة، شنعة، كثير التعصب لمذهب الحنفية، يريد أن لا يدع أحدا من الفقهاء غير الحنفية. قاله في «المنهل الصّافي» .
وفيها جلال الدّين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني [١] الشافعي.
ولد في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وأمه بنت القاضي بهاء الدّين بن عقيل النّحوي، ونشأ بالقاهرة، وحفظ القرآن وعدة متون في عدة علوم، وتفقه بوالده وغيره، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، والتفسير، والمعاني، والبيان، وأفتى، ودرّس في حياة والده، وتولى قضاء العسكر بالدّيار المصرية في حياة والده أيضا.
قال المقريزي: لم يخلّف بعده مثله في كثرة علومه بالفقه وأصوله، والحديث، والتفسير، والعربية، والنّزاهة عما ترمي به قضاة السوء. انتهى.
وممن أثنى عليه جلال الدّين بن ظهيرة المكّي، وأنشد فيه لنفسه:
هنيئا لكم يا أهل مصر جلالكم ... عزيز فكم من شبهة قد جلا لكم
ولولا اتّقاء الله ﷻ ... لقلت لفرط الحبّ جلّ جلالكم
وقال ابن تغري بردي، بعد أن أثنى عليه أحسن الثناء: وأنا أعرف به من غيري فإنه كان تأهل بكريمتي، وما نشأت إلّا عنده، وقرأت عليه غالب القرآن الكريم، وكان إذا توجه إلى منتزه يأخذني صحبته إلى حيث سار، فإذا أقمنا بالمكان يطلبني ويقول: اقرأ الماضي من محفوظك فأقرأ عليه ما شاء الله أن أقرأه.
وتوفي ليلة الخميس بعد العشاء الآخرة بساعة الحادي عشر من شوال.
وفيها تاج الدّين أبو نصر عبد الوهاب بن أحمد بن صالح بن أحمد بن
стр. 4465
خطاب البقاعي [١] الفاري- بالفاء والراء الخفيفة- نسبة إلى قرية بالبقاع تسمّى بيت فار- الدمشقي الشافعي.
ولد سنة سبع وستين وسبعمائة، وحفظ «التمييز» وغيره، واشتغل على والده، وعلى النّجم ابن الجابي، والشريشي، وغيرهم، ونشأ هو وأخوه عبد الله على خير وتصون، ودرّس في حياة أبيه بالعادلية الصّغرى، واستمرت بيده إلى أن مات، ودرّس بعد أبيه بالشامية البرّانية، وولي إفتاء دار العدل، وناب في الحكم مدة طويلة، وولّاه الأمير نوروز القضاء باتفاق الفقهاء عليه بعد موت الأخنائي، فباشره مباشرة حسنة، فلما غلب المؤيد على نوروز صرفه ولم يعزله بسوء، فلزم الشباك الكمالي بجامع دمشق يفتي، وبالشامية يدرّس، وكان حسن الرأي والتدبير، ديّنا له حظ من عبادة إلّا أنه لم يكن مشكورا في مباشرة الوظائف، وكان عاقلا، ساكنا، كثير التّلاوة، يقوم اللّيل، كثير الأدب والحشمة، طاهر اللّسان.
توفي في أحد الرّبيعين. قاله ابن حجر.
وفيها قتل أبو سعيد عثمان بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الخالق المريني [٢] .
قتله مدبر مملكته عبد العزيز الكناني، وقتل إخوته وأولاده وأكابر البلد وأبطالها وشيوخها، وكانت فتنة كبيرة انقطعت فيها دولة بني مرين من فاس، وأقام محمد بن أبي سعيد في المملكة، واستبدّ هو بتدبير الأمور، فسبحان من لا يزول ملكه.
وفيها شمس الدّين محمد بن إبراهيم البوصيري الشافعي [٣] .
قال ابن حجر: كان خيّرا، ديّنا، كثير النّفع للطلبة، يحج كثيرا ويقصد الأغنياء لنفع الفقراء وربما استدان للفقراء على ذمته ويوفي الله عنه، وكانت له عبادة، وتؤثر عنه كرامات.
стр. 4466
مات في سادس ربيع الآخر. انتهى.
وفيها عزّ الدّين محمد بن خليل بن هلال الحاضري الحلبي الحنفي [١] .
ولد في أحد الجمادين سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ورحل إلى دمشق، فأخذ بها عن جماعة، منهم ابن أميلة، قرأ عليه «سنن أبي داود» و «الترمذي» ودخل القاهرة، فأخذ عن الشيخ ولي الدّين المنفلوطي، والجمال الإسنوي، ورحل إلى القاهرة مرة أخرى، وتفقه ببلده، وحفظ كتبا نحو الخمسة عشر كتابا في عدة فنون، وقرأ على العراقي في علوم الحديث، وأجاز له، ولازم العلم إلى أن انفرد، وصار المشار إليه ببلاده، وولي قضاء بلده، ودرّس، وأفتى، وكان محمود السيرة، مشكور الطريقة.
قال البرهان المحدّث: لا أعلم بالشام كلها مثله ولا بالقاهرة مثل مجموعه الذي اجتمع فيه من العلم الغزير، والتواضع، والدّين المتين، والذّكر، والتّلاوة.
انتهى.
وتوفي في أحد الجمادين.
وفيها رضي الدّين أبو حامد محمد بن عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن أبي عبد الله الفاسي الحسني المكّي المالكي [٢] .
ولد في رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وسمع الحديث، وتفقه، وأفتى، ودرّس، وولي قضاء المالكية، ثم عزل، فناب عن القاضي الشافعي، وكان خيّرا ساكنا، متواضعا، ذاكرا للفقه.
توفي في ربيع الأول.
وأخوه محبّ الدّين أبو عبد الله محمد [٣] .
كان أسنّ منه أجاز له ابن أميلة وغيره، ومهر في الفقه.
стр. 4467
سنة خمس وعشرين وثمانمائة
فيها كما قال ابن حجر [١] : ولدت فاطمة بنت القاضي جلال الدّين البلقيني من بعلها تقي الدّين رجب بن العماد قاضي الفيّوم ولدا خنثى، له ذكر وفرج أنثى، وقيل: إن له يدين زائدتين نابتتان في كتفيه، وفي رأسه قرنان كقرني الثّور، فيقال: ولدته ميتا، ويقال: مات بعد أن ولدته. انتهى.
وفيها أخذ الفرنج مدينة سبتة من أيدي المسلمين [٢] .
وفيها كان الطّاعون الشديد بحلب، حتّى خلال أكثر البلد من الناس [٢] .
وفيها برهان الدّين إبراهيم بن أحمد البيجوري الشافعي [٣] .
ولد في حدود الخمسين وسبعمائة، وأخذ عن الإسنوي، ولازم البلقيني، ورحل إلى الأذرعي بحلب سنة سبع وسبعين، وبحث معه، وكان الأذرعي يعترف له بالاستحضار، وشهد له الشيخ جمال الدّين الحسباني عالم دمشق بأنه أعلم الشافعية بالفقه في عصره.
وقال محيى الدّين المصري: فارقته سنة خمس وثمانين وهو يسرد «الروضة» حفظا، وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، لا يتردد إلى أحد، سليم الباطن، لا يكتب
стр. 4468
على الفتوى تورعا، وولي بأخرة مشيخة الفخرية بين السورين، وكان الطلبة يصححون عليه تصانيف العراقي نقلا وفهما، وكانوا يراجعون العراقي في ذلك فلا يزال يصلح في تصانيفه ما ينقلونه له عنه، ولم يخلّف بعده من يقارنه، وكان فقيرا جدا، مع قلّة وظائف.
وتوفي يوم السبت رابع عشر رجب، رحمه الله تعالى.
وفيها برها الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عيسى بن عمر بن زياد العجلوني الدمشقي الشافعي، الشهير بابن خطيب عذراء [١] .
ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة بعجلون، وحفظ «المنهاج» في صغره، واشتغل على مشايخ عصره، ودأب في الفقه خصوصا «الروضة» وتصدّر للاشغال مدة طويلة، وولي قضاء صفد في أيام الظّاهر برقوق سنة ثلاث وثمانمائة، وقدم دمشق سنة ست وثمانمائة، وولي نيابة الحكم، وأقام على ذلك سنين، ثم تنزه عن ذلك كلّه وأكب على الأشغال، وصار يفتي ويدرّس، إلى أن حصل له فالج فلزم منه الفراش من غير أن يتكلم إلى أن توفي سابع عشري المحرم.
وفيها صدر الدّين أبو بكر بن تقي الدّين إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الأصل ثم الدمشقي الحنبلي [٢] .
ولد سنة ثمانين وسبعمائة، وتفقه قليلا، واستنابه أبوه وهو صغير، واستنكر الناس منه ذلك، ثم ناب لابن عبادة، وشرع في عمل المواعيد بجامع الأرموي، وشاع اسمه، وراجع بين العوام، وكان على ذهنه كثير من التفسير، والأحاديث، والحكايات، مع حضور شديد في الفقه، وولي القضاء استقلالا في شوال سنة سبع عشرة فباشر خمسة أشهر ثم عزل وتوفي في جمادى الآخرة. قاله ابن حجر.
стр. 4469
وفيها نفيس الدّين سليمان بن إبراهيم بن عمر التّعزي [١] الشافعي [٢] ، الفقيه العلوي- نسبة إلى علي بن بلي بن وائل-.
سمع أباه، وابن شدّاد، وغيرهما، وعني بالحديث، وأحب الرواية، واستجيز له من جماعة من أهل مكة.
قال ابن حجر: وسمع مني، وسمعت منه، وكان محبّا في السماع والرواية، محثا على ذلك، مع عدم مهارة فيه، فذكر لي أنه مرّ على «صحيح البخاري» مائة وخمسين مرة ما بين قراءة وسماع وإسماع ومقابلة، وحصل من شروحه كثيرا، وحدّث بالكثير، وكان محدّث أهل بلده.
مات في ذي الحجّة، وقد جاوز الثمانين.
وفيها صدقة بن سلامة بن حسين بن بدران بن إبراهيم بن جملة الجيدوري [٣] ثم الدمشقي المقرئ.
عني بالقراءات وأتقنها، وأقرى بالجامع الأموي، وأدّب خلقا، وانتفعوا به، وله تآليف في القراآت.
توفي في عاشر جمادى الأولى.
وفيها أسد الدّين عبد الرحمن بن محمد بن طولوبغا التّنكزي [٤] ، مسند الشّام.
قال ابن حجر: تفرّد، وحدّث، وحجّ في سنة أربع وعشرين وثمانمائة بمكّة، ورجع فمات بدمشق في ثاني عشر ذي القعدة، وكان مسند الشام.
وفيها عثمان بن سليمان الصّنهاجي [٥] .
стр. 4470
قال ابن حجر في «إنباء الغمر» : من أهل الجزائر الذين بين تلمسان وتونس، رأيته كهلا وقد جاوز الخمسين وقد شاب أكثر لحيته، وطوله إلى رأسه ذراع واحد بذراع الآدميين لا يزيد عليه شيئا، وهو كامل الأعضاء، وإذا قام قائما يظنّ من رآه أنه صغير قاعد، وهو أقصر آدمي رأيته، وذكر لي أنه صحب أبا عبد الله بن الغمار، وأبا عبد الله بن عرفة، وغيرهما، ولديه فضيلة ومحاضرة حسنة. انتهى.
وفيها علي بن أحمد بن علي المارديني [١] .
سمع من ابن قواليح «صحيح مسلم» بدمشق، وحدّث عنه.
وتوفي بمكّة في شوال.
وفيها صبر الدّين علي بن سعد الدّين محمد [٢] ملك المسلمين بالحبشة.
كان شجاعا، فارسا، شديدا على كفرة الحبشة، وجرت له معهم وقائع عديدة.
وتوفي مبطونا واستقرّ بعده أخوه.
وفيها شمس الدّين أبو المعالي محمد بن أحمد بن معالي الحبتي [٣]- بفتح الحاء المهملة، وسكون الموحدة، وفوقية، نسبة إلى حبتة بنت ملك بن عمرو بن عوف- الحنبلي المحدّث.
ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وسمع من عمر بن أميلة، والعماد بن كثير، وغيرهما، ومهر في فنون كثيرة، وتفقّه بابن قاضي الجبل، وابن رجب، وغيرهما، وتعانى الآداب فمهر، وقدم القاهرة في رمضان سنة أربع وثمانمائة، وحدّث بها ببعض مسموعاته، وقصّ على الناس في عدة أماكن، وناب في الحكم، وكان يحب جمع المال، مع مكارم الأخلاق، وحسن الخلق، وطلاقة الوجه، والخشوع التّام.
стр. 4471
قال ابن حجر: سمعنا بقراءته «صحيح البخاري» في عدة سنين بالقلعة، وسمعنا من مباحثه وفوائده ونوادره وماجرياته.
وتوفي فجأة ليلة الخميس وقت العشاء ثامن عشري المحرم بالقاهرة.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن خالد الشافعي، المعروف بابن البيطار [١] .
سمع من مشايخ ابن حجر معه، وغيره، وكان وقورا، ساكنا، حسن الخلق، كثير التّلاوة.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن أحمد الزّراتيتي الحنبلي [٢] المقرئ إمام الظّاهرية البرقوتية.
ولد سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وعني بالقراءات، ورحل فيها إلى دمشق وحلب، وأخذ عن المشايخ، واشتهر بالدّين والخير.
قال ابن حجر: سمع معنا الكثير، وسمعت منه شيئا يسيرا، ثم أقبل على الطلبة بأخرة، فأخذوا عنه القراآت، ولازموه، وأجاز للجماعة، وانتهيت إليه الرئاسة في الإقراء بمصر، ورحل إليه من الأقطار، ونعم الرجل كان.
توفي يوم الخميس سادس جمادي الآخرة بعد أن أضرّ.
وفيها السلطان محمد جلبي بن با يزيد [٣] بن مراد بن أورخان بن [٤] عثمان.
كان يلقب بكرشي. كان شجاعا مقداما مجاهدا، فتح عدة قلاع وبلاد،
стр. 4472
وبنى المدارس، وعمر العماير، وهو أول من عمل الصرة [١] للحرمين الشريفين من آل عثمان، رحمه الله تعالى.
وفيها بدر الدّين محمود بن العلّامة شمس الدّين الأقصرائي [٢] الأصل المصري المولد والدار والوفاة الحنفي.
ولد سنة بضع وتسعين وسبعمائة، ونشأ بالقاهرة، وطلب العلم، فبرع في الفقه والعربية، وشارك في عدة فنون، ورأس على أقرانه، وجالس الملك المؤيد شيخ، ثم اختص بالملك الظّاهر ططر اختصاصا زائدا، وتردّد الناس إلى بابه، وتحدّثوا برفعته فعوجل بمنيته ليلة الثلاثاء خامس المحرم.
стр. 4473
سنة وست وعشرين وثمانمائة
فيها كان طاعون مفرط بالشام، حتّى قيل: إن جملة من مات في أيام يسيرة زيادة على خمسين ألفا، ووقع أيضا بدمياط طاعون عظيم.
وفيها توفي إبراهيم بن مبارك شاه الإسعردي الخواجا [١] التّاجر المشهور صاحب المدرسة بالجسر الأبيض.
كان كثير المال، واسع العطاء، كثير البذل. قاله ابن حجر.
وفيها الحافظ ولي الدّين أبو زرعة أحمد بن حافظ العصر شيخ الإسلام عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي [٢] الإمام بن الإمام، والحافظ ابن الحافظ، وشيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام الشافعي.
ولد في ذي الحجّة سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وبكّر به أبوه، فأحضره عند المسند أبي الحرم القلانسي في الأولى، وفي الثانية، واستجاز له من أبي الحسن العرضي، ثم رحل به إلى الشام في سنة خمس وستين وقد طعن في الثالثة، فأحضره عند جمع كثير من أصحاب الفخر ابن البخاري وأنظارهم، ثم رجع، فطلب بنفسه وقد أكمل أربع عشرة سنة، فطاف على الشيوخ، وكتب الطّباق، وفهم الفنّ، واشتغل في الفقه، والعربية، والمعاني، والبيان، وأحضر على جمال
стр. 4474
الدّين الإسنوي، وشهاب الدّين ابن النّقيب، وغيرهما، وأقبل على التّصنيف، فصنّف أشياء لطيفة في فنون الحديث، ثم ناب في الحكم، وأقبل على الفقه، فصنّف «النّكت على المختصرات الثلاثة» جمع فيها بين «التوشيح» للقاضي تاج الدّين السّبكي، وبين «تصحيح الحاوي» لابن الملقّن، وزاد عليهما فوائد من «حاشية الروضة» للبلقيني، ومن «المهمات» للإسنوي، وتلقى الطلبة هذا الكتاب بالقبول ونسخوه وقرأوه عليه، واختصر أيضا «المهمات» وأضاف إليها «حواشي البلقيني على الروضة» .
وكان لما مات أبوه تقرّر في وظائفه، فدرّس بالجامع الطّولاني وغيره، ثم ولي القضاء الأكبر، وصرف عنه، فحصل له سوء مزاج من كونه صرف ببعض تلامذته، بل ببعض من لا يفهم عنه كما ينبغي، فكان يقول: لو عزلت بغير فلان ما صعب عليّ، وكان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة في الحكم، وقياما في الحقّ وطلاقة وجه، وحسن خلق، وطيب عشرة.
وتوفي في يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر رمضان عن ثلاث وستين سنة وثمانية أشهر، ودفن عند والده، رحمهما الله تعالى.
وفيها مجد الدّين أبو البركات سالم بن سالم بن أحمد المقدسي ثم المصري الحنبلي [١] ، قاضي القضاة بالدّيار المصرية وشيخ الإسلام بها.
ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وقدم القاهرة في سنة أربع وستين، واستقرّ في القضاء بعد وفاة القاضي موفق الدّين بن نصر الله المتقدّم ذكره، وكان يعدّ من فقهاء الحنابلة وأخيارهم، باشر القضاء نيابة واستقلالا أكثر من ثلاثين سنة بتواضع وعفّة، وعزل بابن مغلي، فقال بعضهم عند عزله:
قضى المجد قاضي الحنبليّة نحبه ... بعزل وما موت الرّجال سوى العزل
وقد كان يدّعى قبل ذلك سالما ... فخالطه فرط انسهال من المغلي
стр. 4475
وتوفي يوم الخميس تاسع عشري [١] ذي القعدة بعد أن ابتلي بالزّمانة والعطلة عدة سنين.
وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدّين محمد بن إسماعيل القلقشندي [٢] الشافعي، سبط الشيخ صلاح الدّين العلائي.
اشتغل على أبيه وغيره، وأحبّ الحديث وطلبه، وكتب الطّباق بخطّه، وصنّف، ونظم، وكان فاضلا نبيها.
قال ابن حجر: سمع معي في الرحلة إلى دمشق، كثيرا بها، وبنابلس، والقدس، وغيرها، وصار مفيد بلده في عصره، وقدم القاهرة في هذه السنة فأسمع ولده بها من جماعة، وكان حسن العقل والخط، حاذقا، رجع إلى بلده فمات بها، وأسفنا عليه، رحمه الله تعالى. انتهى.
وفيها عزّ الدّين عبد العزيز بن علي بن أحمد النّويري ثم المكّي الشافعي العقيلي [٣] .
ولد سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وتفقّه، ومهر، وقرأ «سنن أبي داود» على السّراج البلقيني سنة اثنتين وثمانمائة، وكان أبوه مالكي المذهب، فخالفه وأقام بالقاهرة مدة، وأخذ عن شيوخها، وأذن له الشيخ برهان الدّين الأنباسي، وبدر الدّين الطّنبدي، ثم دخل اليمن وولي القضاء بتعزّ، ثم رجع إلى مكة فتوفي بها في حادي عشر ذي الحجّة.
وفيها عبد القادر، ويدعى محمدا، ابن قاضي الحنابلة علاء الدّين علي بن محمود بن المغلي السّليماني ثم الحموي الحنبلي [٤] .
نشأ على طريقة حسنة، ونبغ، وحفظ «المحرّر» وغيره.
стр. 4476
وتوفي مراهقا في نصف ذي القعدة وأسف أبوه عليه جدا، ولم يكن له ولد غيره.
وفيها نور الدّين علي بن رمح بن سنان بن قنا الشافعي [١] .
سمع من عزّ الدّين ابن جماعة وغيره، ولم ينجب، وصار بأخرة يتكسّب في حوانيت الشهود، وهو أحد الصّوفية بالخانقاه البيبرسية.
وتوفي عن أزيد من ثمانين سنة.
وفيها زين الدّين وسراج الدّين عمر بن عبد الله بن علي بن أبي بكر، الأديب الشاعر، الأنصاري الأسواني [٢] نزيل القاهرة.
ولد بأسوان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وقدم القاهرة فأقام بها مدة، ثم توجه إلى دمشق، وأخذ الأدب عن الشيخ جلال الدّين ابن خطيب داريا، ثم عاد إلى القاهرة واستوطنها إلى أن مات بها.
قال المقريزي: كان يقول الشعر، ويتقن شيئا من العربية، مع تعاظم وتطاول وإعجاب بنفسه، واطّراح جانب الناس، لا يرى أحدا وإن جلّ شيئا، بل يصرّح بأن أبناء زمانه كلّهم ليسوا بشيء، وأنه هو العالم دونهم، وأنه يجب على الكافة تعظيمه والقيام بحقوقه وبذل أموالهم كلها له، لا لمعنى فيه يقتضي ذلك، بل سوء طباع، وكان يمدح فلا يجد من يوفيه حقه بزعمه، فيرجع إلى الهجاء، فلذلك كان مشنوءا عند الناس.
ومن شعره [٣] :
إنّ دهري لقد رماني بقوم ... هم على بلوتي أشدّ حثيثا
إن أفه بينهم بشيء أجدهم ... لا يكادون يفقهون حديثا
стр. 4477
وتوفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول.
وفيها زين الدّين عمر بن محمد الصّفدي ثم النّيني [١]- بنون مفتوحة، ثم ياء تحتية ساكنة، ثم نون- الشافعي.
اشتغل قديما، ومهر، حتّى صار يستحضر «الكفاية» لابن الرّفعة، وأخذ بدمشق عن علاء الدّين حجي وأنظاره. وسمع من ابن قوالح، وناب في الحكم في بلاد عديدة في معاملات حلب، ثم قدم القاهرة قبل العشرين وثمانمائة، ونزل بالمؤيدية في طلبة الشافعية، وكان كثير التقتير على نفسه.
وتوفي بمصر في جمادى الأولى وقد قارب الثمانين، ووجد له مبلغ عند بعض الناس فوضع يده عليه ولم يصل لوارثه منه شيء، عفا الله عنه.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الله بن عمر بن يوسف المقدسي الصّالحي الحنبلي، المعروف بابن المكّي [٢] .
ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتفقه قليلا، وتعانى الشهادة، ولازم مجلس القاضي شمس الدّين بن التّقي، وولي رئاسة المؤذنين بجامع الأموي، وكان من خيار العدول، عارفا، جهوري الصّوت، حسن الشكل، طلق الوجه، منوّر الشّيبة، أصيب بعدة أولاد له كانوا أعيان عدول البلدة مع النجابة والوسامة فماتوا بالطاعون ثم توفي هو في جمادى الأولى.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن أحمد الغزّي الحلبي المقرئ، المعروف بابن الركّاب [٣] .
ولد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بغزّة، وتعانى الاشتغال بالقراءات، فمهر، وقطن بحلب، واشتغل في الفقه بدمشق مدة، ثم أقبل على التّلاوة والإقراء، فانتفع
стр. 4478
به [١] أهل حلب، واقرأ أكابرهم وفقراءهم بغير أجرة. وممن قرأ عليه قاضي حلب علاء الدّين ابن خطيب الناصرية، وكان قائما بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ومواظبة الإقراء، مع الهرم.
وتوفي في تاسع عشر ربيع الأول.
وفيها محمد بن الشيخ شمس الدّين محمد بن عبد الدائم البرماوي [٢] .
كان قد مهر، وحفظ عدة كتب، وتوجه مع أبيه إلى الشام فمات بالطّاعون، ولم يكمل العشرين سنة، وأسف عليه أبوه، ولم يقم بالشام بعده بل قدم القاهرة.
стр. 4479
سنة سبع وعشرين وثمانمائة
فيها توفي الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل بن الأفضل عبّاس بن المجاهد علي صاحب اليمن [١] .
استقرّ في المملكة بعد أبيه سنة ثلاث وثمانمائة، وجرت له كائنات، وكان فاجرا جائرا.
قال ابن حجر: مات بسبب صاعقة سقطت على حصنه من زجاج فارتاع من صوتها فتوعك.
ثم مات في سادس عشر جمادى الآخرة.
قال الله تعالى: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها من يَشاءُ ١٣: ١٣ [الرّعد: ١٣] .
انتهى بحروفه.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الله البوتيجي الشافعي [٢] .
تفقه ومهر، وحفظ «المنهاج» وكان يتكسّب بالشهادة، ثم تركها تورعا.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن أحمد النّويري المكّي المالكي [٣] ، قاضي مكّة وإمام المالكية بحرمها الشريف وابن إمامهم.
ولد في صفر سنة ثمانين وسبعمائة، وسمع على والده، والعفيف عبد الله،
стр. 4480
وبقراءة أخيه عبد العزيز المذكور في السنة التي قبلها على الشيخ نصر الله بن أحمد البغدادي الحنبلي، ومن جماعة أخر بمكّة. وحفظ «رسالة ابن أبي زيد المالكي» وتفقه على الشريف أبي الخير الفاسي وغيره، وأفتى، ودرّس، وولي بعد وفاة والده بمدة إمامة المالكية بالحرم، ثم بعد مدة طويلة ولي القضاء فلم يتمّ أمره، ودام مصروفا إلى أن توفي قبيل العصر من يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر، ودفن بالمعلاة، وكان له ثروة.
وفيها القاضي محبّ الدّين أحمد بن الشيخ جمال الدّين محمد بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي الشافعي [١] قاضي مكّة وابن قاضيها، ومفتيها وابن مفتيها.
ولد في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وحفظ «المنهاج» وعدة كتب، وتفقه بوالده وغيره، وأذن له في الإفتاء الشّهاب الغزّي، والشّهاب ابن حجي، وغيرهما.
وكان ماهرا في الفقه والفرائض، حسن السيرة في القضاء، ولي من سنة ثماني عشرة إلى أن مات.
وتوفي في جمادى الأولى، وخلت مكّة بعده ممن يفتي فيها على مذهب الشافعي. قاله ابن حجر.
وفيها زين الدّين أبو بكر بن عمر بن محمد الطّريني ثم المحلّي المالكي [٢] الشيخ الفاضل المعتقد.
كان صالحا، ورعا، حسن المعرفة بالفقه، قائما في نصر الحق، وله أتباع وصيت كبير.
وتوفي في حادي عشر ذي الحجّة وقد جاوز الستين.
وفيها الملك العادل فخر الدّين أبو المفاخر سليمان بن الملك الكامل
стр. 4481
غازي بن محمد بن أبي بكر بن شادي [١] صاحب حصن كيفا وابن صاحبه.
تسلطن في الحصن بعد موت أبيه، وحسنت أيامه، وكان مشكور السيرة، محبّبا للرعية، مع الفضيلة التّامة، والذكاء، والمشاركة الحسنة، وله نظم، ونثر، وديوان شعر لطيف.
ومن شعره:
أريعان الشّباب عليك منّي ... سلام كلّما هبّ النّسيم
سروري مع زمانك قد تناءى ... وعندي بعده وجد مقيم
فلا برحت لياليك الغوادي ... وبدر التّمّ لي فيها نديم
يغازلني بغنج والمحيّا ... يضيء وثغره درّ نظيم
وقد مثل لدنّ [٢] إن تثنّى ... وريقته بها يشفي السّقيم
إذا مزجت رحيق مع رضاب ... ونحن بليل طرّته نهيم
ونصبح في ألذّ العيش حتّى ... تقول وشاتنا هذا النّعيم
ونرتع في رياض الحسن طورا ... وطورا للتّعانق نستديم
واستمرّ في مملكة الحصن إلى أن توفي، وأقيم بعده ولده الملك الأشرف أحمد المقتول بيد أعوان قرايلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة.
وفيها عبيد الله [٣] بن محمد بن محمد [٤] بن محمد [٤] بن زبد- بالزاي والباء الموحدة [٥]- البعلبكي الشافعي، المعروف بان زبد [٦] .
стр. 4482
ولد سنة ستين وسبعمائة تقريبا، وتفقه على ابن الشّريشي، والقرشي، وغيرهما بدمشق. ثم ولي قضاء بلده قبل اللّنك، ودرّس وأفتى، ثم ولي قضاء طرابلس في سنة عشر، ثم ولاه المؤيد قضاء دمشق عوضا عن نجم الدّين بن حجي في سنة تسع عشرة، ثم في سنة ست وعشرين في أيام الأشرف، وكانت مدته في الولايات يسيرة جدا الأولى ستة أشهر، والثانية شهرا ونصفا. ولما صرف في النّوبة الثانية حصل له ذلّ كبير، وقهر زائد، وذهب غالب ما كان حصّله في عمره، ولحقه فالج، فاستمرّ به إلى أن مات في ربيع الأول. قاله ابن حجر.
وفيها أبو محمد بن عبد الله بن مسعود بن علي الملبّي [١] المعروف بابن القرشية [٢] .
أخذ عن أبيه عن الوادياشي، وعن أبي عبد الله بن عرفة، وأبي علي عمر بن قدّاح الهواري، وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية.
أخذ عنه «المسلسل بالأولية» و «مصافحة المعمّرين» وأبي عبد الله بن مرزوق في آخرين تتضمنهم «فهرسته» التي أجاز فيها لابن أخيه أبي الفرج سرور بن عبد الله القرشي.
وتوفي بتونس على ما ذكره ابن أخيه سرور.
وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد الزّرندي المدني الحنفي [٣] قاضي الحنفية بالمدينة المنورة.
ولد في ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالمدينة، وسمع على عزّ الدّين بن جماعة، وصلاح الدّين العلائي، وأجاز له الزّبير بن علي الأسواني، فكان خاتمة أصحابه.
وتوفي في ربيع الأول.
стр. 4483
وفيها محيي الدّين عبد القادر بن أبي الفتح محمد بن أبي المكارم أحمد بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الشريف الحسني الفاسي [١] الأصل المكي الحنبلي أخو قاضي القضاة سراج الدّين عبد اللّطيف الحنبلي.
ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وقرأ، وتفقه، وناب في الحكم عن أخيه شقيقه سراج الدّين المذكور.
وتوفي بمكة في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، ودفن بالمعلاة.
قاله تقي الدّين الفاسي في «تاريخه» .
وفيها نور الدّين علي [بن محمد] بن عبد الكريم الفوي [٢] .
قال ابن حجر: سمع من الشيخ جمال الدّين بن نباتة، وأحمد بن يوسف الخلاطي، وغيرهما. وحدّث بالكثير.
سمعت عليه «السيرة النبوية» لابن هشام ونعم الشيخ كان.
مات في خامس ذي الحجّة وبلغ الستين.
وفيها [٣] نور الدّين [٣] علي بن لؤلؤ [٤] .
قال ابن حجر: كان عالما متورّعا، لا يأكل إلّا من عمل يده، ولم يتقلّد وظيفة قطّ، ولازم الإقراء بالجامع الأزهر وغيره، وانتفع الناس به، وله مقدّمة في العربية سهلة المأخذ.
مات في عشر الستين. انتهى.
وفيها عيسى بن يحيى الرّيغي- براء، ومثناة تحية، وغين معجمة، نسبة
стр. 4484
إلى ريغة إقليم بالمغرب- المغربي [١] المالكي، نزيل مكة.
قال الفاسي: كان خيرا متعبدا معتنيا بالعلم نظرا وإفادة، وله في النحو وغيره يد، وسمع الحديث بمكّة على جماعة من شيوخها والقادمين إليها، وكان كثير السعي في مصالح الفقراء والطّرحاء، وجمعهم من الطرقات إلى البيمارستان المستنصري بالجانب الشامي من المسجد الحرام، وربما حمل الفقراء المنقطعين بعد الحجّ إلى مكّة من منى، وجاور بمكة سنين كثيرة تقارب العشرين [٢] وتأهل فيها بنساء من أعيان مكة، ورزق بها أولادا، وبها توفي ليلة الاثنين سلخ المحرم، ودفن بالمعلاة وهو في عشر الستين ظنا [٢] وفيها محمد بن أحمد بن المبارك الحموي بن الخرزي الحنفي [٣] ولد قبل سنة ستين وسبعمائة، واشتغل على الصّدر منصور وغيره [٤] من أشياخ الحنفية بدمشق، ثم سكن حماة، وتحول إلى مصر بعد اللّنك، وناب في الحكم، ثم تحوّل إلى دمشق، ودرّس، وكان مشاركا في عدة فنون إلّا أن يده في الفقه ضعيفة، وكان كثير المرض. وتوفي في شعبان.
وفيها بدر الدّين محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن سليمان بن جعفر القرشي المخزومي الإسكندراني [٥] المالكي النحوي الأديب.
قال السيوطي في «طبقات النّحاة» : [٦] ولد بالإسكندرية سنة أربع وستين وسبعمائة، وتفقه، وتعانى الأدب ففاق في النحو [٦] والنّظم، والنّثر، والخط، ومعرفة الشّروط، وشارك في الفقه وغيره، وناب في الحكم، ودرّس بعدة مدارس، وتقدم، ومهر، واشتهر ذكره، وتصدّر بالجامع الأزهر لإقراء النحو، ثم رجع إلى
стр. 4485
الإسكندرية، واستمرّ يقرئ بها، ويحكم، ويتكسب بالتجارة، ثم قدم القاهرة، وعيّن للقضاء لم يتفق له، ودخل دمشق سنة ثمانمائة، وحجّ منها، وعاد إلى بلده، وتولي خطابة الجامع، وترك الحكم، وأقبل على الاشتغال، ثم أقبل على أشغال الدنيا وأمورها، فتعانى الحياكة، وصار له دولاب متّسع، فاحترقت داره، وصار عليه مال كثير، ففرّ إلى الصّعيد، فتبعه غرماؤه، وأحضروه مهانا إلى القاهرة، فقام معه الشيخ تقي الدّين بن حجة، وكاتب السرّ ناصر الدّين البارزي، حتّى صلحت حاله، ثم حجّ سنة تسع عشرة، ودخل اليمن سنة عشرين، ودرّس بجامع زبيد نحو سنة فلم يرج له بها أمر، فركب البحر إلى الهند، فحصل له إقبال كثير، وعظّموه، وأخذوا عنه، وحصل له دنيا عريضة، فبغته الأجل ببلد كلبرجة من الهند في شعبان، قتل مسموما.
وله من التصانيف: «شرح الخزرجية» و «جواهر البحور» في العروض، و «تحفة الغريب في شرح مغني اللّبيب» و «شرح البخاري» و «شرح التسهيل» و «الفواكه البدرية» من نظمه و «مقاطع الشرب ونزول الغيث» وهو حاشية على الغيث الذي انسجم في «شرح لامية العجم» للصّفدي و «عين الحياة» مختصر «حياة الحيوان» للدّميري، وغير ذلك.
روى لنا عنه غير واحد.
ومن شعره:
رماني زماني بما ساءني ... فجاءت نحوس وغابت سعود
وأصبحت بين الورى بالمشيب ... غليلا فليت الشّباب يعود
وله في امرأة جبّانة:
مذ تعانت لصنعة الجبن خود [١] ... قتلتنا عيونها الفتّانة
لا تقل لي كم مات فيها قتيل؟ ... كم قتيل بهذه الجبّانة