← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

غازي بن محمد بن أبي بكر بن شادي [١] صاحب حصن كيفا وابن صاحبه. تسلطن في الحصن بعد موت أبيه، وحسنت أيامه، وكان مشكور السيرة، محبّبا للرعية، مع الفضيلة التّامة، والذكاء، والمشاركة الحسنة، وله نظم، ونثر، وديوان شعر لطيف. ومن شعره: أريعان الشّباب عليك منّي ... سلام كلّما هبّ النّسيم سروري مع زمانك قد تناءى ... وعندي بعده وجد مقيم فلا برحت لياليك الغوادي ... وبدر التّمّ لي فيها نديم يغازلني بغنج والمحيّا ... يضيء وثغره درّ نظيم وقد مثل لدنّ [٢] إن تثنّى ... وريقته بها يشفي السّقيم إذا مزجت رحيق مع رضاب ... ونحن بليل طرّته نهيم ونصبح في ألذّ العيش حتّى ... تقول وشاتنا هذا النّعيم ونرتع في رياض الحسن طورا ... وطورا للتّعانق نستديم واستمرّ في مملكة الحصن إلى أن توفي، وأقيم بعده ولده الملك الأشرف أحمد المقتول بيد أعوان قرايلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة. وفيها عبيد الله [٣] بن محمد بن محمد [٤] بن محمد [٤] بن زبد- بالزاي والباء الموحدة [٥]- البعلبكي الشافعي، المعروف بان زبد [٦] .

стр. 4482

ولد سنة ستين وسبعمائة تقريبا، وتفقه على ابن الشّريشي، والقرشي، وغيرهما بدمشق. ثم ولي قضاء بلده قبل اللّنك، ودرّس وأفتى، ثم ولي قضاء طرابلس في سنة عشر، ثم ولاه المؤيد قضاء دمشق عوضا عن نجم الدّين بن حجي في سنة تسع عشرة، ثم في سنة ست وعشرين في أيام الأشرف، وكانت مدته في الولايات يسيرة جدا الأولى ستة أشهر، والثانية شهرا ونصفا. ولما صرف في النّوبة الثانية حصل له ذلّ كبير، وقهر زائد، وذهب غالب ما كان حصّله في عمره، ولحقه فالج، فاستمرّ به إلى أن مات في ربيع الأول. قاله ابن حجر. وفيها أبو محمد بن عبد الله بن مسعود بن علي الملبّي [١] المعروف بابن القرشية [٢] . أخذ عن أبيه عن الوادياشي، وعن أبي عبد الله بن عرفة، وأبي علي عمر بن قدّاح الهواري، وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية. أخذ عنه «المسلسل بالأولية» و «مصافحة المعمّرين» وأبي عبد الله بن مرزوق في آخرين تتضمنهم «فهرسته» التي أجاز فيها لابن أخيه أبي الفرج سرور بن عبد الله القرشي. وتوفي بتونس على ما ذكره ابن أخيه سرور. وفيها زين الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد الزّرندي المدني الحنفي [٣] قاضي الحنفية بالمدينة المنورة. ولد في ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالمدينة، وسمع على عزّ الدّين بن جماعة، وصلاح الدّين العلائي، وأجاز له الزّبير بن علي الأسواني، فكان خاتمة أصحابه. وتوفي في ربيع الأول.

стр. 4483

وفيها محيي الدّين عبد القادر بن أبي الفتح محمد بن أبي المكارم أحمد بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الشريف الحسني الفاسي [١] الأصل المكي الحنبلي أخو قاضي القضاة سراج الدّين عبد اللّطيف الحنبلي. ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وقرأ، وتفقه، وناب في الحكم عن أخيه شقيقه سراج الدّين المذكور. وتوفي بمكة في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان، ودفن بالمعلاة. قاله تقي الدّين الفاسي في «تاريخه» . وفيها نور الدّين علي [بن محمد] بن عبد الكريم الفوي [٢] . قال ابن حجر: سمع من الشيخ جمال الدّين بن نباتة، وأحمد بن يوسف الخلاطي، وغيرهما. وحدّث بالكثير. سمعت عليه «السيرة النبوية» لابن هشام ونعم الشيخ كان. مات في خامس ذي الحجّة وبلغ الستين. وفيها [٣] نور الدّين [٣] علي بن لؤلؤ [٤] . قال ابن حجر: كان عالما متورّعا، لا يأكل إلّا من عمل يده، ولم يتقلّد وظيفة قطّ، ولازم الإقراء بالجامع الأزهر وغيره، وانتفع الناس به، وله مقدّمة في العربية سهلة المأخذ. مات في عشر الستين. انتهى. وفيها عيسى بن يحيى الرّيغي- براء، ومثناة تحية، وغين معجمة، نسبة

стр. 4484

إلى ريغة إقليم بالمغرب- المغربي [١] المالكي، نزيل مكة. قال الفاسي: كان خيرا متعبدا معتنيا بالعلم نظرا وإفادة، وله في النحو وغيره يد، وسمع الحديث بمكّة على جماعة من شيوخها والقادمين إليها، وكان كثير السعي في مصالح الفقراء والطّرحاء، وجمعهم من الطرقات إلى البيمارستان المستنصري بالجانب الشامي من المسجد الحرام، وربما حمل الفقراء المنقطعين بعد الحجّ إلى مكّة من منى، وجاور بمكة سنين كثيرة تقارب العشرين [٢] وتأهل فيها بنساء من أعيان مكة، ورزق بها أولادا، وبها توفي ليلة الاثنين سلخ المحرم، ودفن بالمعلاة وهو في عشر الستين ظنا [٢] وفيها محمد بن أحمد بن المبارك الحموي بن الخرزي الحنفي [٣] ولد قبل سنة ستين وسبعمائة، واشتغل على الصّدر منصور وغيره [٤] من أشياخ الحنفية بدمشق، ثم سكن حماة، وتحول إلى مصر بعد اللّنك، وناب في الحكم، ثم تحوّل إلى دمشق، ودرّس، وكان مشاركا في عدة فنون إلّا أن يده في الفقه ضعيفة، وكان كثير المرض. وتوفي في شعبان. وفيها بدر الدّين محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن سليمان بن جعفر القرشي المخزومي الإسكندراني [٥] المالكي النحوي الأديب. قال السيوطي في «طبقات النّحاة» : [٦] ولد بالإسكندرية سنة أربع وستين وسبعمائة، وتفقه، وتعانى الأدب ففاق في النحو [٦] والنّظم، والنّثر، والخط، ومعرفة الشّروط، وشارك في الفقه وغيره، وناب في الحكم، ودرّس بعدة مدارس، وتقدم، ومهر، واشتهر ذكره، وتصدّر بالجامع الأزهر لإقراء النحو، ثم رجع إلى

стр. 4485

الإسكندرية، واستمرّ يقرئ بها، ويحكم، ويتكسب بالتجارة، ثم قدم القاهرة، وعيّن للقضاء لم يتفق له، ودخل دمشق سنة ثمانمائة، وحجّ منها، وعاد إلى بلده، وتولي خطابة الجامع، وترك الحكم، وأقبل على الاشتغال، ثم أقبل على أشغال الدنيا وأمورها، فتعانى الحياكة، وصار له دولاب متّسع، فاحترقت داره، وصار عليه مال كثير، ففرّ إلى الصّعيد، فتبعه غرماؤه، وأحضروه مهانا إلى القاهرة، فقام معه الشيخ تقي الدّين بن حجة، وكاتب السرّ ناصر الدّين البارزي، حتّى صلحت حاله، ثم حجّ سنة تسع عشرة، ودخل اليمن سنة عشرين، ودرّس بجامع زبيد نحو سنة فلم يرج له بها أمر، فركب البحر إلى الهند، فحصل له إقبال كثير، وعظّموه، وأخذوا عنه، وحصل له دنيا عريضة، فبغته الأجل ببلد كلبرجة من الهند في شعبان، قتل مسموما. وله من التصانيف: «شرح الخزرجية» و «جواهر البحور» في العروض، و «تحفة الغريب في شرح مغني اللّبيب» و «شرح البخاري» و «شرح التسهيل» و «الفواكه البدرية» من نظمه و «مقاطع الشرب ونزول الغيث» وهو حاشية على الغيث الذي انسجم في «شرح لامية العجم» للصّفدي و «عين الحياة» مختصر «حياة الحيوان» للدّميري، وغير ذلك. روى لنا عنه غير واحد. ومن شعره: رماني زماني بما ساءني ... فجاءت نحوس وغابت سعود وأصبحت بين الورى بالمشيب ... غليلا فليت الشّباب يعود وله في امرأة جبّانة: مذ تعانت لصنعة الجبن خود [١] ... قتلتنا عيونها الفتّانة لا تقل لي كم مات فيها قتيل؟ ... كم قتيل بهذه الجبّانة

стр. 4486

انتهى كلام السيوطي بحروفه ومن نظمه أيضا: قلت له والدّجى مولّ ... ونحن بالأنس في التّلاقي قد عطس الصّبح يا حبيبي ... فلا تشمّته بالفراق وله ملغزا في غزال: إنّ من قد هويته ... محنتي في وقوفه فإذا زال ربعه ... زال باقي حروفه وفيها نجم الدّين محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف الذّروي الأصل الصّعيدي ثم المكّي الشافعي، المعروف بالمرجاني [١] . ولد سنة ستين وسبعمائة بمكة، وأسمع على العزّ بن جماعة وغيره، وقرأ في الفقه والعربية، وتصدى للتدريس والإفادة، وله نظم حسن ونفاذ في العربية، وحسن عشرة، ورحل في طلب الحديث إلى دمشق، فسمع من ابن خطيب المزّة، وابن المحبّ، وابن الصّيرفي، وغيرهم بإفادة الياسوفي وغيره، وكان يثني عليه وعلى فضائله، وحدّث قليلا، فسمع منه ابن حجر. وتوفي في رجب. وفيها شمس الدّين محمد بن سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد المقدسي الحنفي، المعروف بابن الدّيري [٢] نسبة إلى مكان بمردا من جبل نابلس. ولد سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وسبعمائة، وتعانى الفقه والاشتغال في الفنون، وعمل المواعيد، ثم تقدم في بلده حتّى صار مفتيها والمرجوع إليه فيها، وكانت له أحوال مع الأمراء وغيرهم، يقوم فيها عليهم ويأمرهم بكف الظّلم، واشتهر اسمه، فلما مات ناصر الدّين بن العديم في سنة تسع عشرة استدعاه المؤيد فقرّره في قضاء الحنفية بالقاهرة، وكان قدمها مرارا، فباشرها بصرامة، وشهامة،

стр. 4487

وقوة نفس، ثم انمزج مع المصريين، ومازج [١] الناس، وكان منقادا لما يأمر ويروم ابن البارزي، ولما كملت المؤيدية قرّر في مشيختها، وظنّ أن السلطان لا يخرج عنه القضاء، فجاء الأمر بخلاف ظنّه، فإنه لما قرّره في المشيخة قال له: استرحنا واسترحت، يشير بذلك إلى كثرة الشكاوي عليه من الأمراء، وكان ابن الديري، كثير الازدراء بأهل عصره، لا يظنّ أن أحدا منهم يعرف شيئا، مع دعوى عريضة وشدّة إعجاب مع شدّة التعصب لمذهبه والحطّ على مذهب غيره، سامحه الله. وكان يأسف على بيت المقدس، ويقول: سكنته أكثر من خمسين سنة، ثم أموت في غيره، فقدرت وفاته به في سابع ذي الحجّة، واستقرّ ولده سعد الدّين في مشيخة المؤيدية. وفيها المولى حافظ الدّين محمد بن محمد الكردي الحنفي المشهور بابن البزّازي [٢] له كتاب مشهور من الفتاوى، اشتهر ب «الفتاوى البزّازية» وكتاب في مناقب الإمام الأعظم، وكتاب في «المطالب العالية» نافع جدا، ولما دخل بلاد الرّوم ذاكر وباحث المولى الفناري، وغلبه في الفروع، وغلبه الفناري في الأصول. وتوفي في أواسط رمضان. وفيها شرف الدّين يعقوب بن جلال، واسم جلال رسولا [٣] ، ويسمى أيضا أحمد الرّومي الحنفي العجمي الأصل المصري المولد والدار والوفاة، المعروف بالتبّاني- بفتح المثناة الفوقية، وتشديد الموحدة التحتية، لسكنه بالتبانة خارج القاهرة-. نشأ بالقاهرة، وتفقه بوالده وغيره، وبرع في الفقه، والأصلين، والعربية، والمعاني، والبيان، وأفتى، ودرّس سنين، وولي وكالة بيت المال، ونظر الكسوة،

стр. 4488

ومشيخة خانقاه شيخون، كان ذا همّة عالية، ومكارم، وبرّ، وإيثار، وصدقة، وحرمة في الدولة، وكلمة مسموعة، وصلة بالأمراء والأكابر، واختص بالملك المؤيد شيخ اختصاص كثيرا، وعظم، وضخم، وتردّد الناس إلى بابه، وهو منع ذلك ملازم للاشتغال والإشغال، مع الدّيانة والصّيانة. قاله في «المنهل الصّافي» . وشرع في شرح «المشارق» . وتوفي بالقاهرة فجأة يوم الأربعاء سادس عشر صفر عن نيف وسبعين سنة، واستقرّ بعده في الشيخونية سراج الدّين قارئ «الهداية» .

стр. 4489

سنة ثمان وعشرين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الأسدي العبشمي، الشهير جدّه بالطواشي [١] . ولد بعد الستين وسبعمائة، وأحضر في الثالثة على ابن جماعة، وأسمع على الضّياء الهندي وغيره، وأجاز له الكمال بن حبيب، ومحمد بن جابر، وأبو جعفر الرّعيني، وأبو الفضل النّويري، والزّرندي، والأميوطي، وغيرهم، وكان خيّرا، ديّنا، منقطعا عن الناس. توفي بمكة يوم الجمعة سابع عشر شعبان. وفيها الإمام في الأدب وفنونه الزّين شعبان بن محمد بن داود المصري الأثاري [٢] . قاله في [٣] «ذيل دول الذهبي» . وفيها الحافظ نور الدّين أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن سلامة بن عطوف الشّافعي المكي السّلمي، المعروف بابن سلامة [٤] . ولد في سابع شوال سنة ست وأربعين وسبعمائة بمكّة، وسمع بها من الشيخ خليل المالكي، والعزّ ابن جماعة، وغيرهما، ورحل إلى بغداد، فسمع بها على جماعة، ورحل إلى البلاد الشامية والمصرية، فسمع بها على من لا يحصى ما لا

стр. 4490

يحصى، وسمع ببيت المقدس، وبلد الخليل، ونابلس، والإسكندرية، وعدة من البلاد، وأجاز له جماعة كثيرة، وله مشيخة شيوخة بالسّماع والإجازة، و «فهرست» ما سمعه وقرأه من الكتب والأجزاء تخريج الإمام تقي الدّين بن فهد، وتفقه بجماعة، وأذن له بالإفتاء والتدريس جماعة، منهم سراج الدّين بن الملقّن، وبرهان الدّين الأبناسي، وكان له حظ من العبادة، وله عناية كثيرة بالقراءات. ومن نظمه وقد أهدى للشيخ شمس الدّين بن الجزريّ من ماء زمزم: ولقد نظرت فلم أجد يهدى لكم ... غير الدّعاء المستجاب الصّالح أو جرعة من ماء زمزم قد سمت ... فضلا على مدّ الفرات السّائح هذا الذي وصلت له يد قدرتي ... والحقّ قلت ولست فيه بمازح فأجابه الشيخ شمس الدّين بن الجزري: وصل المشرّف من إمام مرتضى ... نور الشّريعة ذي الكمال الواضح وذكرت أنّك قد نظرت فلم تجد ... غير الدّعاء المستجاب الصّالح أو جرعة من ماء زمزم حبّذا ... ما قد وجدت ولست فيه بمازح أما الدّعاة فلست أبغي غيره ... ما كنت قطّ إلى سواه بطامح وتوفي ابن سلامة بمكّة المشرّفة يوم السبت رابع عشري شوال. وفيها القاضي علاء الدّين أبو الحسن علي بن محمود بن أبي بكر بن مغلي الحنبلي [١] أعجوبة الزّمان الحافظ. قال في «المنهل» : ولد بحماة، وقيل بسلمية سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، ونشأ بحماة، وطلب العلم، وقدم دمشق، فتفقّه بابن رجب الحنبلي وغيره، وسمع «مسند الإمام أحمد» وغيره، وبرع في الفقه، والنحو، والحديث، وغير ذلك. وتولى قضاء حماة وعمره نحو عشرين سنة، ثم قضاء حلب، وعاد إلى بلده حماة،

стр. 4491

وولي قضاءها، وحمدت سيرته، إلى أن طلبه السلطان المؤيد شيخ إلى الدّيار المصرية، وولاه قضاء قضاة الحنابلة بها مضافا إلى قضاء حماة. وكان إماما، عالما، حافظا، يحفظ في كل مذهب من المذاهب الأربعة كتابا يستحضره في مباحثه. وكان سريع الحفظ إلى الغاية، ويحكى عنه في ذلك غرائب، منها ما حكى بعض الفقهاء قال: استعار منّي أوراقا نحو عشرة كراريس، فلما أخذها منّي احتجت إلى مراجعتها في اليوم، فرجعت إليه بعد ساعة هنيّة وقلت: أريد أنظر في الكراريس نظرة ثم خذها ثانيا، فقال: ما بقي لي فيها حاجة قد حفظتها، ثم سردها من حفظه. وتوفي بالقاهرة قاضيا يوم الخميس العشرين من المحرّم، ودفن بتربة باب النصر، وخلّف مالا جمّا ورثه ابن أخيه محمود. انتهى. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الحريري البيري [١] الشافعي [٢] أخو جمال الدّين الاستادار. ولد في حدود الخمسين وسبعمائة، وتفقه على أبي البركات الأنصاري، وسمع من أبي عبد الله بن جابر، وأبي جعفر الغرناطي نزيل البيرة بحلب، وولي قضاء البيرة مدة، ثم قضاء حلب سنة ست وثمانمائة، ثم تحوّل إلى القاهرة في دولة أخيه، وتوجه إلى مكّة فجاور بها، ثم قدم فعظم قدره، وعيّن للقضاء، ثم ولي مشيخة البيبرسية، ثم درّس بالمدرسة المجاورة للشافعي، ثم انتزعتا منه بعد كائنة أخيه، ثم أعيدت إليه البيبرسية في سنة ست عشرة، ثم صرف عنها بابن حجر في سنة ثماني عشرة، ثم قرّر في مشيخة سعيد السّعداء، وكان قد ولي خطابة بيت المقدس. وتوفي في سحر يوم الجمعة رابع عشري ذي الحجّة.

стр. 4492

وفيها شمس الدّين محمد بن القاضي شهاب الدّين أحمد الدّمزي المالكي [١] . ولد سنة بضع وستين وسبعمائة، وتفقّه، وأحبّ الحديث، فسمعه وطاف على الشيوخ. قال ابن حجر: وسمع معنا كثيرا من المشايخ [٢] وكان حسن المذاكرة، جيد الاستحضار، ودرّس بالناصرية الحسنية وغيرها [٢] . وكان قليل الحظ. مات في العشرين من جمادى الأولى. انتهى. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن المحبّ عبد الله السّعدي المقدسي الأصل ثم الدمشقي الحنبلي [٣] ، المحدّث الإمام. ولد في شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وأحضره والده في السنة الأولى من عمره مجالس الحديث، وأسمعه كثيرا على عدة شيوخ، منهم عبد الله ابن القيّم، وأحمد بن الحوفي، وعمر بن أميلة، وستّ العزّ ابنة محمد بن الفخر بن البخاري، وحدّث قبل فتنة تمرلنك وبعدها، وصنّف شرحا على البخاري، وله نظم ونثر، وكان يقرأ «الصحيحين» في الجامع الأموي، وحصل به النّفع العام. توفي بطيبة في رمضان وقد رأى في نومه من نحو عشرين سنة ما يدل على موته هناك. وفيها شمس الدّين محمد الحموي النّحوي، المعروف بابن العيّار [٤] .

стр. 4493

قال ابن حجر: كان في أول أمره حائكا، ثم تعانى الاشتغال فمهر في العربية، وأخذ عن ابن جابر وغيره، ثم سكن دمشق، ورتّب له على الجامع تصدير بعناية البارزي، وكان حسن المحاضرة، ولم يكن محمودا في تعاطى الشهادات. مات في ذي القعدة. انتهى.

стр. 4494

سنة تسع وعشرين وثمانمائة في رمضانها كان فتح قبرس، وعمل زين الدّين عبد الرحمن بن محمد بن الخرّاط موقّع الدست بالقلعة قصيدة طويلة فائية أولها: بشراك يا ملك الملوك الأشرف ... بفتح قبرس بالحسام المشرفي فتح بشهر الصّوم تمّ قتاله ... من أشرف في أشرف في أشرف قالت دمى تلك البلاد وقد عفا ... إنجيلهم أهلا بأهل المصحف وفي آخرها: لم تخلف الأيام مثلك فاتكا ... ملكا ومثلي شاعرا لم تخلف فيك التّقى والعدل والإحسان في ... كلّ الرّعية والوفا والفضل في وبيع السّبي والغنائم، وحمل الثمن إلى الخزانة السلطانية، وفرّق في الذين جاهدوا منه بعضه. وفيها نهب المدينة عاملها عجلان بن ثابت لما بلغه أنه عزل بابن عمه حسن بن جمّاز، وهدم أكثر بيوتها، وحرق، وسلم منه بيوت الرافضة، وأقام قاضيا رافضيا بها يقال له: الصّيقل، ولم يسلم منه من أرباب الخدم إلّا القاضي الشافعي لأنه استجار بقريب لعجلان يقال له: مانع فأجاره. وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن محمد القطوي الشافعي [١] .

стр. 4495

ولد بقطية سنة تسع وسبعين وسبعمائة، وأبوه إذ ذاك الحاكم [١] بها، ونشأ نشأة حسنة، وحفظ «الحاوي» ، واشتغل في الفرائض، ولازم الشيخ شمس الدّين العراقي في ذلك، وكان يستحضر «الحاوي» وكثيرا من شرحه، واشتغل في العربية قليلا، ثم ولي قضاء قطية [٢] بعد أبيه، ثم ولي قضاء غزّة في أول الدولة المؤيدية، ثم استقرّ في دمياط [٣] مع بقاء قطية معه، فاستناب فيها قريبة زين الدّين عبد الرحمن، واستمرّ في دمياط [٣] في غاية الإعزاز والإكرام، وكان كثير الاحتمال، حسن الأخلاق، وصاهر ابن حجر على ابنته رابعة، ودخل بها وهي [٤] بكر سنة خمس عشرة، وولدت منه بنتا، ثم مات عنها في شهر رمضان، وكثر الأسف عليه. وفيها الشيخ تقي الدّين أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى بن موسى بن حريز بن سعيد بن داود بن قاسم بن علي بن علوي بن ناشي بن جوهر بن علي بن أبي القاسم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن موسى بن يحيى بن علي الأصغر بن محمد المتّقي بن حسن العسكري [٥] بن علي بن محمد الجواد بن علي الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الحصني،- نسبة إلى الحصن قرية من قرى حوران [٦]- ثم الدمشقي الفقيه الشافعي [٧] . ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، وتفقه بالشّريشي، والزّهري، وابن الجابي، والصّرخدي، والغزّي، وابن غنّوم. وأخذ عن الصّدر الياسوفي، ثم

стр. 4496

انحرف عن طريقته، وحطّ على ابن تيميّة [١] ، وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة، وكان يميل إلى التقشف ويبالغ في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وللناس فيه اعتقاد زائد، ولخّص «المهمات» في مجلد، وكتب على «التنبيه» . قال القاضي تقي الدّين الأسدي: كان خفيف الرّوح، منبسطا، له نوادر، ويخرج إلى النّزه ويبعث الطلبة على ذلك، مع الدّين المتين، والتّحري في أقواله وأفعاله، وتزوّج عدة نساء، ثم انقطع وتقشّف وانجمع، وكل ذلك قبل القرن [٢] ثم ازداد بعد الفتنة تقشّفه وانجماعه، وكثرت مع ذلك أتباعه، حتّى امتنع من مكالمة الناس، ويطلق لسانه في القضاة وأصحاب الولايات، وله في الزّهد والتّقلّل من الدنيا حكايات تضاهي ما نقل عن الأقدمين، وكان يتعصب للأشاعرة، وأصيب في سمعه وبصره فضعف، وشرع في عمارة رباط داخل باب الصغير، فساعده الناس بأموالهم وأنفسهم، ثم شرع في عمارة خان السّبيل ففرغ في مدة قريبة، وكان قد جمع تآليف كثيرة قبل الفتنة، وكتب بخطّه كثيرا في الفقه والزّهد. وقال السخاوي: شرح «التنبيه» و «المنهاج» وشرح «مسلم» في ثلاث مجلدات، ولخص «المهمات» في مجلدين، وخرّج أحاديث «الإحياء» مجلد [٣] وشرح «النواوية» مجلد، و «أهوال القيامة» مجلد، وجمع «سير نساء السّلف العابدات» مجلد، و «قواعد الفقه» مجلد، و «تفسير القرآن إلى الأنعام» آيات متفرقة مجلد، و «تأديب القوم» مجلد، و «سير السالك» مجلد، و «تنبيه السالك على مضار [٤] المهالك» ست مجلدات، و «شرح الغاية» مجلد، و «شرح النهاية»

стр. 4497

مجلد، و «قمع النّفوس» مجلد، و «دفع الشّبه» مجلد، و «شرح أسماء الله الحسنى» مجلد، و «المولد» مجلد. وتوفي بخلوته بجامع المزّاز بالشاغور بعد مغرب ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة وصلّى عليه بالمصلي، صلّى عليه ابن أخيه، ثم صلّي عليه ثانيا عند جامع كريم الدّين، ودفن بالقبيبات في أطراف العمارة على جادة الطريق عند والدته، وحضر جنازته عالم لا يحصيهم إلا الله، مع بعد المسافة وعدم علم أكثر الناس بوفاته، وازدحموا على حمله للتبرك به، وختم عند قبره ختمات كثيرة، وصلّى عليه أمم ممن فاتته الصلاة على قبره، ورؤيت له منامات صالحة في حياته وبعد موته. انتهى. وفيها شمس الدّين شمس بن عطاء الهروي الرّازي الأصل [١] القاضي الشافعي. كان يكتب أيام قضائه محمد بن عطا قال ابن حجر: كان شيخا عالما [٢] ، ضخما، طوالا، أبيض اللحية، مليح الشكل، إلا أن في لسانه مسكة. وقال الحافظ تاج الدّين محمد بن الغرابيلي [٣] ما نصه- كما نقله عنه البرهان البقاعي-: محمد بن عطا شمس الدّين أبو عبد الله الهروي، شيخنا الامام العالم، أحد عجائب الوقت في كل أموره، حتى في كذبه وزوره، ولم ير مثل نفسه، ولا والله ما رأى أحد من أهل عصره المخرّفة مثله [٤] في كل شيء من العلوم والظلم،

стр. 4498

ولولا أني كنت أشاهد جوارحه في كل وقت لقلت: إنه شيطان، خرج إلى الناس في زي إنسان. أفردت ترجمة تشتمل على عجائبه في نحو كرّاسة. مات- ﵀ وأرضى عنه خصومه- يوم الاثنين بعد الفجر تاسع عشر ذي الحجّة من جمرة طلعت بين كتفيه، وصلّى عليه بعد الظهر بالمسجد الأقصى، وحمل إلى تربة ماملا فدفن إلى جوار شيخنا العلّامة أحد الزّهّاد عمر البلخي، رحمه الله تعالى. انتهى بحروفه. وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن علي بن إسحاق بن سلام بن عبد الوهاب بن الحسن بن سلام الدمشقي الشافعي [١] . ولد سنة خمس أو ست وخمسين وسبعمائة، وحفظ القرآن، و «التنبيه» و «الألفية» و «مختصر ابن الحاجب» . وتفقه على علاء الدّين بن حجي، وابن قاضي شهبة، وغيرهما. وأخذ الأصول عن الضّياء القرمي، وارتحل إلى القاهرة، فقرأ «المختصر» على الركراكي، وكان يطريه، حتّى كان يقول يعرفه أكثر من مصنّفه، فاشتهر وتميّز ومهر، وأصيب في الفتنة الكبرى بماله وفي يده بالحرق وأسروه، فسار معهم إلى ماردين، ثم انفلت منهم، وقرّره ابن حجي في الظّاهرية البرّانية، ونزل له التّاج الزّهري عن العذراوية، ودرّس بالرّكنية، وكان يقرئ في الفقه و «المختصر» إقراء حسنا، وله يد في الأدب والنّظم والنثر، وكان بحثه أقوى من تقريره، وكان مقتصدا في ملبسه وغيره، شريف النّفس، حسن المحاضرة، ينسب إلى نصرة مقالة ابن العربي، وكان يطلق لسانه في جماعة من الكبار، واتفق أنه حجّ في هذه السنة، فلما ردّ من الحجّ والزيارة مات في وادي بني سالم في أواخر ذي الحجّة، وحمل إلى المدينة فدفن بالبقيع وقد شاخ. وفيها سراج الدّين أبو حفص عمر بن علي بن فارس المصري الحنفي،

стр. 4499

المعروف بقارئ الهداية [١] . قال في «المنهل» : شيخ الإسلام وعالم [٢] زمانه. ولد بالحسينيّة ظاهر القاهرة، ونشأ بالقاهرة، وحفظ القرآن العظيم، وطلب العلم، وتفقه بجماعة من علماء عصره، وجدّ ودأب، حتّى برع في الفقه وأصوله، والنحو، والتفسير، وشارك في عدة علوم، وصار إمام عصره ووحيد دهره، وتصدّى للإقراء والتدريس والفتوى عدة سنين، وانتهت إليه رئاسة السادة الحنفية في زمانه، وانتفع به غالب الطلبة، وصار المعوّل عليه في الفتوى بالدّيار المصريّة، وشاع ذكره، وبعد صيته، وتولى عدّة مدارس ووظائف دينية، وكان مهابا، وقورا، أوقاته مقسّمة للطلبة، وعلى دروسه خفر ومهابة، هذا مع اطراح الكلفة، والاقتصاد في ملبسه، والتعاطي لشراء ما يحتاجه من الأسواق بنفسه، وكان يسكن بين القصرين، ويذهب لتدريس الشيخونية على حمار، ولم يركب الخيل. انتهى ملخصا. وفيها كمال الدّين أبو الفضل محمد بن أحمد بن ظهيرة المخزومي المكّي الشافعي [٣] ابن عمّ الشيخ جمال الدّين محمد. ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبعمائة، وسمع من عزّ الدّين بن جماعة، والشيخ خليل المالكي، والموفق الحنبلي، وابن عبد المعطي، وناب في الخطابة، وحدّث، وأضر بأخرة، وتوفي في صفر. وفيها القاضي جمال الدّين يوسف بن خالد بن أيوب الحفناوي- بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، ونون، نسبة إلى حفنا قرية بمصر [٤]- الشافعي [٥]

стр. 4500

نشأ بحلب، وقرأ الفقه على ابن أبي الرضي، وقرأ عليه القراآت، ثم سافر إلى ماردين، فأخذ عن زين الدّين سريجا، وولي قضاء ملطية مدة، ثم دخل القاهرة، وولي [١] قضاء حلب، ثم قضاء طرابلس، ثم كتابة السرّ بصفد، وكان حسن الشكل، فائق الخطّ، قوي النّظم. وتوفي بطرابلس في ثالث عشر المحرم.

стр. 4501

سنة ثلاثين وثمانمائة في عاشر جمادى الآخرة منها قبض على تغري بردي المحمودي وهو يومئذ رأس نوبة [كبير] ، وهو يلعب مع السلطان بالأكرة في الحوش، وذكر أن ذنبه أنه اختلس من أموال قبرس، وشيّع في الحال إلى الإسكندرية مقيّدا. ومن عجائب ما اتفق له في تلك الحال أن شاهد ديوانه شمس الدّين محمد بن الشامية لحقه قبل أن يصل إلى البحر، فقال له- وهو يبكي-: يا خوند! هل لك عندي مال؟ وقصد أن يقول: لا. فينفعه ذلك بعده عند السلطان وغيره، فكان جوابه له: أنا لا مال لي بل [المال] للسلطان، فلما سمعها ابن الشّامية دق صدره، واشتد حزنه، وسقط ميّتا من غير ضعف ولا علّة. قاله ابن حجر [١] . وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن يوسف الزّعيفريني الدمشقي ثم القاهري [٢] . قال ابن حجر: كان أديبا بارعا. وفيها شهاب الدّين أحمد بن موسى بن نصير المتبولي الشافعي [٣] القاضي، أحد نوّاب الحكم. قال في «المنهل» : ولد في حدود سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكان فقيها

стр. 4502

محدّثا. سمع الكثير، وحدّث عن محمد بن ازبك، وعمر بن أميلة، وستّ العرب، وآخرين. وتوفي يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول. انتهى. وفيها أويس بن شاه در بن شاه زاده بن أويس [١] صاحب بغداد. قتل في الحرب بينه وبين محمد شاه بن قرا يوسف، واستولى محمد شاه على بغداد مرّة أخرى. وفيها الملك المنصور عبد الله بن الناصر أحمد بن الأشرف [٢] صاحب اليمن. توفي في جمادى الأولى، واستقرّ بعده الأشرف إسماعيل بن الناصر أحمد. وفيها نجم الدّين أبو الفتوح عمر بن حجّي بن موسى بن أحمد بن سعد السّعدي الحسباني الأصل الدمشقي الشافعي [٣] . ولد بدمشق سنة سبع وستين وسبعمائة، وقرأ القرآن، ومات والده وهو صغير، فحفظ «التنبيه» في ثمانية أشهر، وحفظ كثيرا من المختصرات، وأسمعه أخوه الشيخ شهاب الدّين من ابن أميلة وجماعة، واستجاز له من جماعة، وسمع هو بنفسه من جماعة كثيرة، وأخذ العلم عن أخيه وابن الشّريشي، والزّهري، وغيرهم، ودخل مصر سنة تسع وثمانين، فأخذ عن ابن الملقّن، والبدر الزّركشي، والعزّ بن جماعة، وغيرهم. وأذن له ابن الملقن، ولازم الشّرف الأنطاكي. قال ابن حجر: تعلّم العربية، وكان قليل الاستحضار إلّا أنه حسن الذّهن، جيد التّصرف، وحجّ سنة ست وثمانين، ثم ولي إفتاء دار العدل سنة اثنتين

стр. 4503

وتسعين، وجرت له كائنة مع الباعوني هو والغزّي وغيرهما، فضربهم وطوّفهم، وسجنوا بالقلعة، وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين، ثم حجّ سنة تسع وتسعين، وجاور وولي قضاء حماة مرتين، ثم قضاء الشام مرارا. وقال في «المنهل» : ثم طلب لقضاء الدّيار المصرية فامتنع، ولما كانت دولة الأشرف برسباي طلبه إلى الديار المصرية وخلع عليه باستقراره في كتابة السرّ في حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وباشر ذلك بتجمّل وحرمة وافرة وعدم التفات إلى رفقته من مباشري الدولة، فعمل عليه بعضهم حتّى عزل وأخرج من القاهرة على وجه شنع في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين إلى دمشق، ثم جهّز إليه تقليد بقضاء دمشق، فباشر، وكان حاكما، صارما، مقداما، رئيسا، فاضلا، ذا حرمة وإحسان لأهل العلم والخير، واستمر قاضيا إلى أن قتل ببستانه في النّيرب خارج دمشق، ولم تدر زوجته إلّا وهو يضطرب في دمه، وذلك في ليلة الأحد مستهل ذي القعدة ولم يعرف قاتله. وفيها فتح الدّين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن محمود بن ختلوا الحلبي ابن الشّحنة [١] أخو العلّامة محبّ الدّين الحنفي. كان أصغر سنا من أخيه، واشتغل كثيرا في الفقه، وناب عن أخيه في الحكم، ثم تحوّل بعد الفتنة العظمى مالكيا، وولي القضاء، ثم عزل، وحصل له نكد لاختلاف الدول، ثم عاد إلى القضاء مرارا. قال القاضي علاء الدّين الحلبي: رافقته في القضاء، وكان صديقي وصاحبي وعنده مروءة وحشمة، وأنشد له من نظمه: لا تلوموا الغمام إن صبّ دمعا ... وتوالت لأجله الأنواء فاللّيالي أكثرن فينا الرّزايا ... فبكت رحمة علينا السّماء

стр. 4504

وفيها تاج الدّين أبو عبد الله محمد بن المحدّث عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن نصر بن بردس بن رسلان البعلبكي الحنبلي [١] . ولد يوم السبت تاسع عشري جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة ببعلبك، وسمع من والده، وأسمعه أيضا من عدة، منهم أبو عبد الله بن الخبّاز. سمع منه «صحيح مسلم» و «جزء ابن عرفة» وهو آخر من حدّث عنه. وسمع من أبي عبد الله محمد بن يحيى بن السعر جميع «مسند الإمام أحمد» وتفرّد برواية «المسند» عنه ومن ابن الجوخي، وابن أميلة، وجماعة من أصحاب ابن البخاري، وحدّث، ورحل الناس إليه، وانتفع به جماعة، منهم الشيخ تقي الدّين بن قندس، وكان ملازما للاشغال في العلم ورواية الحديث، ولا يخلّ بتلاوة القرآن، مع قراءته لمحفوظاته، وكان طلق الوجه، حسن الملتقى، كثير البشاشة، ذا فكاهة ولين، مع عبادة وصلاح وصلابة في الدّين، مبالغا في حبّ الشيخ تقي الدّين بن تيميّة، وكان كثير الصّدقة سرّا، ملازما لقيام الليل، وله نظم ونثر، ومن نظمه ما كتب على استدعاء إجازته لجماعة: أجزت للإخوان ما قد سألوا ... مولاهم ربّ العلى في الأثر وذاك بالشّرط الّذي قرّره ... أئمّة النّقل رواة الأثر وتوفي ببعلبك في شوال. وفيها بدر الدّين محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الأصل البشتكي [٢] . كان أبوه فاضلا، فنزل بخانقاه بشتاك الناصري، فولد له بدر الدّين هذا بها، وكان جميل الصّورة، فنشى محبّا في العلم، وحفظ القرآن وعدة مختصرات، وتعانى الأدب فمهر فيه، ولازم ابن أبي حجلة، وابن الصّايغ، ثم قدم ابن نباتة فلازمه، ثم رافق جلال الدّين بن خطيب داريّا، وأخذ عن البهاء السّبكي وغيره.

стр. 4505

قال ابن حجر: وبالجملة، كان عديم النظير في الذكاء وسرعة الإدراك، إلا أنه تبلّد ذهنه بكثرة النسخ. سمعت منه كثيرا من شعره وفوائده. ومن نظمه: وكنت إذا الحوادث دنّستني ... فزعت إلى المدامة والنّديم لأغسل بالكؤوس الهمّ عنّي ... لأنّ الرّاح صابون الهموم وكانت وفاته فجأة داخل [١] الحمّام فمات في الحوض يوم الاثنين ثالث عشري جمادي الآخرة. وفيها شمس الدّين محمد بن خالد بن موسى الحمصي القاضي الحنبلي [٢] المعروف بابن زهرة- بفتح الزاي- أول حنبلي ولي قضاء حمص. كان أبوه خالد شافعيا، فيقال إن شخصا رأى النّبيّ ﷺ وقال له: إن خالدا ولد له ولد حنبلي، فاتفق أنه كان ولد له هذا، فشغّله لما كبر بمذهب الحنابلة. وقرأ على ابن قاضي الجبل، وزين الدّين بن رجب، وغيرهما، وولي قضاء حمص. وفيها تقي الدّين محمد بن عبد الواحد بن العماد محمد بن القاضي علم الدّين أحمد بن أبي بكر الأخنائي [٣] المالكي نائب الحكم. قال ابن حجر: كان من خيار القضاة. مات في سادس ذي الحجّة بمكة، وكان قد جاور بها [٤] في هذه السنة. انتهى. وفيها محيي الدّين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن

стр. 4506

محمد بن محمد بن محمد بن الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزّالي الشافعي الطّوسي [١] . قدم من بلاده إلى حلب في شهر رمضان من هذه السنة بعد أن كان دخل الشام قديما، وسمع من مسند الوقت ابن أميلة، وحدّث عنه في هذه القدمة. قال في «ذيل تاريخ حلب» : رأيت أتباعه يذكرون عنه علما كثيرا، وزهدا، وورعا، وأخبر عنه بعض الطلبة أنه حجّ مرارا، منها واحدة ماشيا على قدم التجريد، وكان معظّما في بلاده، وأخذ عنه إبراهيم بن علي الزّمزمي المكّي. وتوفي بحلب في العشر الأخير من شهر رمضان، وكانت جنازته مشهودة. انتهى، والله أعلم.

стр. 4507

سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة فيها ولد السّخاوي تلميذ ابن حجر. وفيها توفي شمس الدّين محمد بن أحمد بن موسى بن عبد الله الكفيري [١] الشافعي العجلوني الأصل ثم الدمشقي [٢] . ولد في العشر الأول من شوال سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وحفظ «التنبيه» وأخذ عن ابن قاضي شهبة وغيره، ولازم الشيخ شمس الدّين الغزّي مدة طويلة، واشتهر بحفظ الفروع، وكتب بخطه الكثير، وناب في الحكم، وولي بعض التداريس، وحجّ مرارا، وجاور، وولي مرة قضاء الركب، وجمع شرحا على «البخاري» في ست مجلدات. وكان قد لخص شرح ابن الملقن، وشرح الكرماني، ثم جمع بينهما، وسمع على ابن أميلة، وابن قواليح [٣] وابن المحبّ، وابن عوض، وخلائق وصنّف «عين النّبيه في شرح التنبيه» واختصر «الروض الأنف» للسهيلي وسماه «زهر الروض» . وتوفي في ثالث عشر المحرم. وفيها تاج الدّين أبو حامد محمد بن بهادر بن عبد الله [٤] .

стр. 4508

قال البرهان البقاعي: الإمام العلّامة القدوة سبط ابن الشهيد. كان يعرف علوما كثيرة، ويحلّ أي كتاب قرئ عليه سواء كان عنده له شرح أم لا، وكان فصيح العبارة، حسن التقرير، صحيح الذّهن، دينا، شديد الانجماع عن الناس، مع خفّة الروح، ولطافة المزاج، والصّبر على الطلبة، وعدم الميل إلى الدنيا، وكثرة التلاوة لكتاب الله تعالى، وإيثار العزلة والانقطاع في الجامع، مع التجمل في اللّباس والهيئة. وتوفي صبح يوم الثلاثاء تاسع شهر رمضان بدمشق عن ثلاث وثلاثين سنة، ولم أر جنازة أحفل من جنازته، وو الله لم يحصل لي بأحد من النفع ما حصل لي به. انتهى ملخصا. وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الدائم بن عيسى بن فارس البرماوي الشافعي [١] . ولد في نصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان اسم والده فارسا فغيّره البرماوي، وتفقه وهو شاب، وسمع من إبراهيم بن إسحاق الآمدي، وعبد الرحمن بن علي [٢] القارئ، وغيرهما. قال الحافظ تاج الدّين بن الغرابيلي الكركي ما نصه: هو أحد الأئمة الأجلاء، والبحر الذي لا تكدّره الدّلاء، فريد دهره ووحيد عصره، ما رأيت أقعد منه بفنون العلوم، مع ما كان عليه من التواضع والخير، وصنّف التصانيف المفيدة، منها «شرح البخاري» شرح حسن، ولخص «المهمات» و «التوشيح» ونظم «ألفية» في أصول الفقه لم يسبق إلى مثل وضعها وشرحها شرحا حافلا نحو مجلدين، وكان يقول: أكثر هذا الكتاب هو جملة ما حصلت في طول عمري، وشرح «لامية ابن مالك» شرحا في غاية الجودة، واختصر «السيرة» وكتب الكثير، وحشّى الحواشي المفيدة، وعلّق التعاليق النّفيسة والفتاوي العجيبة، وكان من عجائب دهره.

стр. 4509

جاور بمكة سنة، ثم قدم إلى القاهرة، فوافى موت شيخنا شمس بن عطا الهروي، فولّي الصّلاحية، وقدم القدس، فأقام بها قريب سنة غالبها ضعيف بالقرحة [١] . وتوفي بها يوم الخميس ثامن عشري أحد الجمادين، ودفن بتربة ماملا بجوار الشيخ أبي عبد الله القرشي. انتهى. وكان بينه وبين ابن حجر نوع وقفة، والله أعلم.

стр. 4510

سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة فيها توفي أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب المرشدي المكّي [١] أخو محمد، وعبد الواحد. قال ابن حجر: ولد سنة ستين وسبعمائة، وسمع من محمد بن أحمد بن عبد المعطي «صحيح ابن حبّان» ومن عبد الله بن أسعد اليافعي «صحيح البخاري» ومن عزّ الدّين بن جماعة وغيرهم، وأجاز له الصّلاح ابن أبي عمر، وابن أميلة، وابن هبل، وابن قواليح، وغيرهم، وحدّث. وتوفي بمكّة يوم الخميس رابع ذي القعدة. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس محمد بن عمر بن أحمد، وقيل عبد الله، المعروف بالشّاب التائب الشافعي [٢] . قال في «المنهل الصّافي» : الفقيه الشافعي، الواعظ المذكّر بالله تعالى. مولده بالقاهرة في حدود الستين وسبعمائة، وبها نشأ، وطلب العلم، وتفقه، ومال إلى التّصوف، وطاف البلاد، وحجّ مرارا، ودخل اليمن مرتين، والعراق، والشام، وكثيرا من البلاد الشرقية. وكان ماهرا في الوعظ، والناس فيه اعتقاد زائد، وبنى زوايا بعدة بلاد، كمصر والشام وغيرهما، واستوطن دمشق فمات بها يوم الجمعة ثامن عشر رجب. انتهى ملخصا.

стр. 4511

وفيها نور الدّين علي بن عبد الله [١] . قال في «المنهل» : «الشيخ الأديب المعتقد، النحريري المولد والمنشأ والدار والوفاة، الشهير بابن عامرية. كان أديبا شاعرا فاضلا وأكثر شعره في المدائح النبوية. توفي بالنّحريرية [٢] في يوم الخميس سادس عشر ربيع الآخر. وفيها شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن عبد الله الشّطّنوفي [٣]- بفتح الشين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، نسبة إلى شطّنوف بلد بمصر [٤]- النحوي. قال السيوطي: ولد بعد الخمسين وسبعمائة، وقدم القاهرة شابا، واشتغل بالفقه، ومهر في العربية، وتصدّر بالجامع الطولوني في القراآت، وفي الحديث بالشيخونية، وانتفع به الطلبة، وسمع الحديث، وحدّث، ولم يرزق الإسناد العالي، وكان كثير التّواضع، مشكور السيرة. أخذ عنه النحو جماعة، شيخنا تقي الدّين الشّمنّي، وحدّثنا عنه خلق، منهم شيخنا علم الدّين البلقيني. وتوفي ليلة الاثنين سادس عشر ربيع الأول. وفيها الحافظ تقي الدّين أبو الطّيب محمد بن أحمد بن علي الفاسي ثم المكّي المالكي [٥] مفيد البلاد الحجازية وعالمها.

стр. 4512

ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وأجاز له بإفادة الشيخ نجم الدّين المرجاني ابن عوض، وابن السّلار، وابن المحبّ، وجماعة من الدماشقة، وعني بالحديث، فسمع بعد التسعين من جماعة ببلده، ورحل إلى القاهرة والشام مرارا، وولي قضاء بلده للمالكية، وهو أول مالكي ولي القضاء بها استقلالا، وصنّف «أخبار مكة» و «أخبار ولاتها» و «أخبار من نبل بها من أهلها وغيرهم» عدة مصنّفات طوال وقصار، وذيّل على «العبر» للذهبي، وعلى «التقييد» لابن نقطة، وعمل «الأربعين المتباينة» و «فهرست مروياته» وكان لطيف الذات، حسن الأخلاق، عارفا بالأمور الدينية والدنيوية، له غور [١] ودهاء، وتجربة وحسن عشرة، وحلاوة لسان، يجلب [٢] القلوب بحسن عبارته ولطيف إشارته. قال ابن حجر: رافقني في السماع كثيرا بمصر، والشام، واليمن، وغيرها، وكنت أوده وأعظمه وأقوم معه في مهماته، ولقد ساءني موته وأسفت على فقد مثله، فلله الأمر، وكان قد أصيب ببصره، وله في ذلك أخبار، ومكن من قدحه فما أطاق ذلك ولا إفادة. انتهى. ومن مصنّفاته «العقد الثمين في أخبار البلد الأمين» [٣] و «غاية المرام في أخبار البلد الحرام» . وتوفي بمكة في رابع شوال. وفيها ناصر الدّين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباري- بالباء الموحدة، وبعد الألف راء، ثم نون، ثم موحدة، نسبة إلى بارنبار قرية قرب دمياط- الشافعي النحوي [٤] .

стр. 4513

قال السيوطي: ولد قبيل سبعين وسبعمائة، وقدم القاهرة، فاشتهر، ومهر في الفقه، والعربية، والحساب، والعروض، وغير ذلك. وتصدّر بالجامع الأزهر تبرعا، ودرّس وأفتى مدة، وأقرأ وخطب، وناب في الجمالية عن حفيد الشيخ ولي الدّين العراقي، ثم انتزعها منه الشيخ شمس الدّين البرماوي، وأصابه فالج أبطل نصفه، واستمر موعوكا [١] إلى أن مات ليلة الأحد حادي عشر ربيع الأول. وفيها محمد ويدعى الخضر بن علي بن أحمد بن عبد العزيز بن القاسم النّويري الشافعي [٢] . ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتفقه قليلا، وأسمع على العزّ بن جماعة، وابن حبيب، وابن عبد المعطي، والأميوطي، ومن بعدهم. وأجاز له البهاء بن خليل، والجمال الإسنوي، وأبو البقاء السّبكي، وغيرهم، وناب في الحكم عن قريبة عزّ الدّين بن محبّ الدّين. وولي قضاء المدينة مدة يسيرة، ولم يصل إليها، بل استناب ابن المطري، وصرف، وكان ضخما جدا، وانصلح بأخرة، وهو والد أبي اليمن خطيب الحرم. وتوفي في رابع عشر ذي الحجّة.

стр. 4514

سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة فيها كما قال البرهان البقاعي أخبرني الفاضل البارع بدر الدّين حسين البيري الشافعي أنه سكن آمد مدة وأنها أمطرت بها ضفادع، وذلك في فصل الصيف، وأخبرني أن ذلك غير منكر في تلك الناحية بل هو أمر معتاد، وأن الضفادع تستمر إلى زمن الشتاء فتموت، وأخبرني أن أهل المدينة وهي آمد أخبروه أنها أمطرت عليهم مرّة حيّات ومرة أخرى دما. انتهى. وفيها كان الغلاء الشديد بحلب ودمشق، والطّاعون المفرط بدمشق، وحمص، ومصر، حتى قال ابن حجر [١] ركب أربعون نفسا مركبا يقصدون الصعيد، فما وصلت إلى الميمون [٢] حتى مات الجميع، وأن ثمانية عشر صيّادا اجتمعوا في مكان، فمات منهم في يوم واحد أربعة عشر، فجهّزهم الأربعة، فمات منهم وهم مشاة ثلاثة، فلما وصل بهم الآخر إلى المقبرة مات. انتهى. وفيها مات صاحب الحبشة إسحاق بن داود بن سيف أرغد الحبشي الأمحري [٣] . توفي في ذي القعدة، وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة. وأقيم بعده ولده أندراس، فملك أربعة أشهر وهلك، فأقيم عمّه خرنباي بن

стр. 4515

داود فهلك في سبعة أشهر، فأقيم سلمون بن إسحاق بن داود المذكور فهلك سريعا، فأقيم بعده صبيّ صغير إلى أن هلك في طاعون سنة تسع وثلاثين. وفيها صارم الدّين إبراهيم بن ناصر الدّين بن الحسام الصّقري [١] . نشأ طالبا للعلم، فتأدب، وتعلّم الحساب والكتابة، والأدب والخط البارع، وولي حسبة القاهرة في أواخر أيام المؤيد. وتوفي مطعونا في ثامن عشر جمادى الآخرة. وفيها زين الدّين أبو بكر بن عمر بن عرفات القمني الشافعي [٢] الشيخ الإمام العالم. ولد بناحية قمن من ريف مصر [٣] . وقدم القاهرة، وتفقّه بها على جماعة من علماء عصره [٤] وبرع في المذهب [٤] وصحب أعيان الأمراء فأثرى بعد فقر، وتولى تدريس الصلاحية بالقدس الشريف، ودرّس بعدة مدارس، وكتب على الفتاوى، واشتغل. وتوفي ليلة الجمعة ثالث عشر رجل عن نحو ثمانين سنة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان الشّريف الحسيني الدمشقي الأصل والمولد والمنشأ المصري الوفاة الشافعي [٥] . ولد في سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ومع والده نقابة الأشراف بدمشق [٦] .

стр. 4516

[١] قال ابن حجر: وكان فيه جراءة وإقدام، ثم ترقّى بعد موت أبيه، فولي نقابة الأشراف بدمشق [١] ثم كتابة السّرّ في سلطنة المؤيد، ثم ولي القضاء بدمشق في سلطنة الأشرف. انتهى. وقال في «المنهل» : تفقه على مذهب الشافعي، وولي بدمشق عدة وظائف سنية، وتكرّر قدومه إلى القاهرة، إلى أن طلبه الأشرف برسباي إلى الديار المصرية، وولّاه كتابة سرّها فباشرها مباشرة حسنة، وسار فيها أجمل سيرة، على أنه لم تطل أيّامه، فإن قدومه إلى القاهرة كان في ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين. وتوفي ليلة الخميس ثامن عشري جمادى الآخرة بالطّاعون. وتولي كتابة السّرّ من [٢] بعده أخوه أبو بكر الملقّب عماد الدّين ولم تطل أيامه فمات ليلة الجمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة بعد أخيه بستة عشر يوما، وكان [٣] قدم مصر لزيارة أخيه فطعن ومات. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن حاتم، الشيخ الإمام الرّحلة، قاضي القضاة ابن الحبّال البعلي الحنبلي [٤] . ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وتفقه، وسمع الحديث، وولي قضاء طرابلس، ثم قضاء دمشق سنة أربع وعشرين وثمانمائة، إلى أن صرف سنة اثنتين وثلاثين في شعبان بسبب ما اعتراه من ضعف البصر والارتعاش، وكان مع ذلك كثير العبادة، ملازما على الجمعة والجماعة، منصفا لأهل العلم. قال الشاب التائب: كان أهل طرابلس يعتقدون فيه الكمال بحيث أنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في هذا الزّمان لكان هو.

стр. 4517

وتوفي بطرابلس بعد قدومه إليها في يوم واحد، وذلك في ربيع الأول. وفيها صدر الدّين أحمد بن محمود بن محمد بن عبد الله القيسري، المعروف بابن العجمي الحنفي [١] . ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة بالقاهرة، ونشأ بها، واعتنى به أبوه في صغره، وصلّى بالناس التراويح بالقرآن أول ما فتحت الظاهرية سنة ثمان وثمانين وهو ابن إحدى عشرة سنة لم يكملها، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، وباشر التوقيع في ديوان الإنشاء، ثم ولي الحسبة مرارا، ونظر الجوالي، وغير ذلك، إلى أن تمت له عشر وظائف نفيسة، وأفتى ودرّس، وكان كريما، حسن المحاضرة، متواضعا، فصيحا، بحّاثا، طلق اللّسان، مستحضرا، ذكيا. توفي بالطّاعون يوم السبت رابع عشر رجب. وفيها تاج الدّين إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد التّدمري الشافعي [٢] خطيب الخليل. قال ابن حجر: ذكر أنه أخذ [٣] عن قاضي حلب شمس الدّين محمد بن أحمد بن المهاجر، وعن شيوخنا العراقي وابن الملقّن، وغيرهما. وأجاز له ابن الملقّن في الفقه، ومات ليلة عيد رمضان. انتهى. وفيها أمير المؤمنين المستعين أبو الفضل العبّاس بن المتوكل بن المعتضد [٤] . استقر في الخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة [٥] . وقرّر أيضا سلطانا مع الخلافة مدة، إلى أن تسلطن المؤيد فعزله من الخلافة، وقرّر فيها أخاه

стр. 4518

داود، ولقّب المعتضد، واعتقل المستعين بالإسكندرية، فلم يزل بها إلى أن تكلّم ططر في المملكة، فأرسل في إطلاقه، وأذن له في المجيء إلى القاهرة، فاختار الاستمرار بالإسكندرية لأنه استطابها، وحصل له مال كثير من التجارة، إلى أن توفي بها شهيدا بالطّاعون، وخلّف ولده يحيى. وفيها جمال الدّين عبد الله بن محبّ الدّين خليل بن فرح بن سعيد القدسي الأصل الدمشقي البرماوي، المعروف بالقلعي [١] . قال البرهان البقاعي: هو شيخنا الرّبّاني الصّوفي العارف. كان إماما، عارفا، مسلّكا، مربيا، قدوة، ذا قدم راسخ في علم الباطن، مشاركا في الفقه والنحو مشاركة جيدة، أستاذا في علم الكلام، ذا حافظة قويّة، مفتوحا عليه في الكلام في الوعظ، يحفظ حديثا كثيرا ويعزوه إلى مخرجيه، وله مصنّفات، منها «منار سبل الهدى وعقيدة أهل التّقى» بحثت عليه بعضه وأقمت عنده مدّة بزاويته بالعقيبة الصّغرى. ومات بدمشق يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأول. انتهى. وفيها نسيم الدّين عبد الغني بن جلال الدّين عبد الواحد بن إبراهيم المرشدي المكّي [٢] . اشتغل كثيرا، ومهر وهو صغير، وأحبّ الحديث، فسمع الكثير، وحفظ، وذاكر، ودخل اليمن، فسمع من الشيخ مجد الدّين الفيروزآبادي، وكتب عن ابن حجر الكثير. وتوفي مطعونا بالقاهرة. وفيها علي بن عنان بن معافس بن رميثة بن أبي نمي الحسيني المكّي الشريف [٣] .

стр. 4519

ولي إمرة مكّة مدة، ودخل المغرب بعد عزله عنها فأكرمه أبو فارس متولي تونس، ثم عاد إلى القاهرة فتوفي بها مطعونا في ثالث جمادى الآخرة، وكان عنده فضيلة ومعرفة ويحاضر بالأدب وغيره. وفيها فاطمة بنت خليل بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح الشيخة المسندة المعمّرة الحنبلية [١] الأصيلة بنت الشيخ صلاح الدّين، وهي بنت أخي قاضي القضاة ناصر الدّين نصر الله بن أحمد الحنبلي. شاركت الشيخ زين الدّين القبّاني في أكثر مروياته، وهي التي ذكرها شيخ الإسلام ابن حجر في «المشيخة المخرّجة» للقبايي التي سمّاها ب «المشيخة الباسمة» للقبّابي، وفاطمة. توفيت في آخر يوم الجمعة الأول من جمادى الأولى بالقاهرة، وصلّي عليها بباب النصر ودفنت هناك. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن سليمان الأذرعي الحنفي [٢] . أخذ عن ابن الرّضي، والبدر المقدسي، وتفقه حنفيا ثم بعد اللّنك. انتقل إلى مذهب الشافعي، وولي قضاء بعلبك وغيرها، ثم عاد حنفيا، وناب في الحكم، ودرّس وأفتى، وكان يقرئ «البخاري» جيدا، ويكتب على الفتوى كتابة حسنة بخط مليح، وتوجه إلى مصر في آخر عمره، فعند وصوله طعن فمات غريبا شهيدا في جمادى الآخرة. وفيها السلطان الصالح محمد ططر [٣] . خلع في خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين، وأقام عند السلطان الملك الأشرف مكرّما إلى أن طعن ومات في سابع عشري جمادي الآخرة.

стр. 4520

وفيها الحافظ شمس الدّين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، المعروف بابن الجزري [١] الشافعي، مقرئ الممالك الإسلامية. ولد بدمشق ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتفقه بها، ولهج بطلب الحديث والقراآت وبرّز فيهما، وعمر للقراء مدرسة سمّاها دار القرآن، وأقرأ الناس، وعيّن لقضاء الشام مرة ولم يتم ذلك لعارض، وقدم القاهرة مرارا، وكان شكلا حسنا، مثريا، فصيحا بليغا، وكان باشر عند قطلبك استادار ايتمش، فاتفق أنه نقم عليه شيئا فتهدده، ففرّ منه، فنزل البحر إلى بلاد الرّوم في سنة ثمان وتسعين، فاتصل بأبي يزيد بن عثمان فعظّمه وأخذ أهل البلاد عنه علم القراآت، وأكثروا عنه، ثم كان فيمن حضر الوقعة مع ابن عثمان واللّنكية، فلما أسر ابن عثمان اتصل ابن الجزري باللّنك، فعظّمه وفوّض له قضاء شيراز فباشره مدة طويلة، وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز، وأخذ عنه أهل تلك البلاد القراآت والحديث، ثم اتفق أنه حجّ سنة اثنتين وعشرين فنهب، ففاته الحجّ، وأقام بينبع، ثم بالمدينة المنورة، ثم بمكّة إلى أن حجّ ورجع إلى العراق، ثم عاد سنة ست وعشرين، وحجّ، ودخل القاهرة سنة سبع، فعظّمه الملك الأشرف وأكرمه، وحجّ في آخرها، وأقام قليلا، ودخل اليمن تاجرا فأسمع الحديث عند صاحبها ووصله، ورجع ببضاعة كثيرة، فدخل القاهرة في سنة سبع، وأقام بها مدة إلى أن سافر على طريق الشام ثم على طريق البصرة، إلى أن وصل شيراز. قال ابن حجر: وقد انتهت إليه رئاسة علم القراآت في الممالك، وكان قديما، صنّف «الحصن الحصين» في الأدعية، ولهج به أهل اليمن، واستكثروا منه، وسمعوه عليّ قبل أن يدخل هو إليهم، ثم دخل إليهم فأسمعهم، وحدّث بالقاهرة ب «مسند أحمد» و «مسند الشافعي» وغير ذلك. وسمع بدمشق وبمصر من ابن أميلة، وابن الشيرجي، ومحمود بن خليفة، وعماد الدّين ابن كثير، وابن أبي عمر، وخلائق وبالإسكندرية، من عبد الله بن الدّماميني، وببعلبك من أحمد بن
следующие страницы →