[١] قال ابن حجر: وكان فيه جراءة وإقدام، ثم ترقّى بعد موت أبيه، فولي نقابة الأشراف بدمشق [١] ثم كتابة السّرّ في سلطنة المؤيد، ثم ولي القضاء بدمشق في سلطنة الأشرف. انتهى.
وقال في «المنهل» : تفقه على مذهب الشافعي، وولي بدمشق عدة وظائف سنية، وتكرّر قدومه إلى القاهرة، إلى أن طلبه الأشرف برسباي إلى الديار المصرية، وولّاه كتابة سرّها فباشرها مباشرة حسنة، وسار فيها أجمل سيرة، على أنه لم تطل أيّامه، فإن قدومه إلى القاهرة كان في ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين.
وتوفي ليلة الخميس ثامن عشري جمادى الآخرة بالطّاعون.
وتولي كتابة السّرّ من [٢] بعده أخوه أبو بكر الملقّب عماد الدّين ولم تطل أيامه فمات ليلة الجمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة بعد أخيه بستة عشر يوما، وكان [٣] قدم مصر لزيارة أخيه فطعن ومات.
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن حاتم، الشيخ الإمام الرّحلة، قاضي القضاة ابن الحبّال البعلي الحنبلي [٤] .
ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وتفقه، وسمع الحديث، وولي قضاء طرابلس، ثم قضاء دمشق سنة أربع وعشرين وثمانمائة، إلى أن صرف سنة اثنتين وثلاثين في شعبان بسبب ما اعتراه من ضعف البصر والارتعاش، وكان مع ذلك كثير العبادة، ملازما على الجمعة والجماعة، منصفا لأهل العلم.
قال الشاب التائب: كان أهل طرابلس يعتقدون فيه الكمال بحيث أنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في هذا الزّمان لكان هو.
стр. 4517
وتوفي بطرابلس بعد قدومه إليها في يوم واحد، وذلك في ربيع الأول.
وفيها صدر الدّين أحمد بن محمود بن محمد بن عبد الله القيسري، المعروف بابن العجمي الحنفي [١] .
ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة بالقاهرة، ونشأ بها، واعتنى به أبوه في صغره، وصلّى بالناس التراويح بالقرآن أول ما فتحت الظاهرية سنة ثمان وثمانين وهو ابن إحدى عشرة سنة لم يكملها، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، وباشر التوقيع في ديوان الإنشاء، ثم ولي الحسبة مرارا، ونظر الجوالي، وغير ذلك، إلى أن تمت له عشر وظائف نفيسة، وأفتى ودرّس، وكان كريما، حسن المحاضرة، متواضعا، فصيحا، بحّاثا، طلق اللّسان، مستحضرا، ذكيا.
توفي بالطّاعون يوم السبت رابع عشر رجب.
وفيها تاج الدّين إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد التّدمري الشافعي [٢] خطيب الخليل.
قال ابن حجر: ذكر أنه أخذ [٣] عن قاضي حلب شمس الدّين محمد بن أحمد بن المهاجر، وعن شيوخنا العراقي وابن الملقّن، وغيرهما. وأجاز له ابن الملقّن في الفقه، ومات ليلة عيد رمضان. انتهى.
وفيها أمير المؤمنين المستعين أبو الفضل العبّاس بن المتوكل بن المعتضد [٤] .
استقر في الخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة [٥] . وقرّر أيضا سلطانا مع الخلافة مدة، إلى أن تسلطن المؤيد فعزله من الخلافة، وقرّر فيها أخاه
стр. 4518
داود، ولقّب المعتضد، واعتقل المستعين بالإسكندرية، فلم يزل بها إلى أن تكلّم ططر في المملكة، فأرسل في إطلاقه، وأذن له في المجيء إلى القاهرة، فاختار الاستمرار بالإسكندرية لأنه استطابها، وحصل له مال كثير من التجارة، إلى أن توفي بها شهيدا بالطّاعون، وخلّف ولده يحيى.
وفيها جمال الدّين عبد الله بن محبّ الدّين خليل بن فرح بن سعيد القدسي الأصل الدمشقي البرماوي، المعروف بالقلعي [١] .
قال البرهان البقاعي: هو شيخنا الرّبّاني الصّوفي العارف. كان إماما، عارفا، مسلّكا، مربيا، قدوة، ذا قدم راسخ في علم الباطن، مشاركا في الفقه والنحو مشاركة جيدة، أستاذا في علم الكلام، ذا حافظة قويّة، مفتوحا عليه في الكلام في الوعظ، يحفظ حديثا كثيرا ويعزوه إلى مخرجيه، وله مصنّفات، منها «منار سبل الهدى وعقيدة أهل التّقى» بحثت عليه بعضه وأقمت عنده مدّة بزاويته بالعقيبة الصّغرى.
ومات بدمشق يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأول. انتهى.
وفيها نسيم الدّين عبد الغني بن جلال الدّين عبد الواحد بن إبراهيم المرشدي المكّي [٢] .
اشتغل كثيرا، ومهر وهو صغير، وأحبّ الحديث، فسمع الكثير، وحفظ، وذاكر، ودخل اليمن، فسمع من الشيخ مجد الدّين الفيروزآبادي، وكتب عن ابن حجر الكثير.
وتوفي مطعونا بالقاهرة.
وفيها علي بن عنان بن معافس بن رميثة بن أبي نمي الحسيني المكّي الشريف [٣] .
стр. 4519
ولي إمرة مكّة مدة، ودخل المغرب بعد عزله عنها فأكرمه أبو فارس متولي تونس، ثم عاد إلى القاهرة فتوفي بها مطعونا في ثالث جمادى الآخرة، وكان عنده فضيلة ومعرفة ويحاضر بالأدب وغيره.
وفيها فاطمة بنت خليل بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح الشيخة المسندة المعمّرة الحنبلية [١] الأصيلة بنت الشيخ صلاح الدّين، وهي بنت أخي قاضي القضاة ناصر الدّين نصر الله بن أحمد الحنبلي.
شاركت الشيخ زين الدّين القبّاني في أكثر مروياته، وهي التي ذكرها شيخ الإسلام ابن حجر في «المشيخة المخرّجة» للقبايي التي سمّاها ب «المشيخة الباسمة» للقبّابي، وفاطمة.
توفيت في آخر يوم الجمعة الأول من جمادى الأولى بالقاهرة، وصلّي عليها بباب النصر ودفنت هناك.
وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن سليمان الأذرعي الحنفي [٢] .
أخذ عن ابن الرّضي، والبدر المقدسي، وتفقه حنفيا ثم بعد اللّنك. انتقل إلى مذهب الشافعي، وولي قضاء بعلبك وغيرها، ثم عاد حنفيا، وناب في الحكم، ودرّس وأفتى، وكان يقرئ «البخاري» جيدا، ويكتب على الفتوى كتابة حسنة بخط مليح، وتوجه إلى مصر في آخر عمره، فعند وصوله طعن فمات غريبا شهيدا في جمادى الآخرة.
وفيها السلطان الصالح محمد ططر [٣] .
خلع في خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين، وأقام عند السلطان الملك الأشرف مكرّما إلى أن طعن ومات في سابع عشري جمادي الآخرة.
стр. 4520
وفيها الحافظ شمس الدّين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، المعروف بابن الجزري [١] الشافعي، مقرئ الممالك الإسلامية.
ولد بدمشق ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتفقه بها، ولهج بطلب الحديث والقراآت وبرّز فيهما، وعمر للقراء مدرسة سمّاها دار القرآن، وأقرأ الناس، وعيّن لقضاء الشام مرة ولم يتم ذلك لعارض، وقدم القاهرة مرارا، وكان شكلا حسنا، مثريا، فصيحا بليغا، وكان باشر عند قطلبك استادار ايتمش، فاتفق أنه نقم عليه شيئا فتهدده، ففرّ منه، فنزل البحر إلى بلاد الرّوم في سنة ثمان وتسعين، فاتصل بأبي يزيد بن عثمان فعظّمه وأخذ أهل البلاد عنه علم القراآت، وأكثروا عنه، ثم كان فيمن حضر الوقعة مع ابن عثمان واللّنكية، فلما أسر ابن عثمان اتصل ابن الجزري باللّنك، فعظّمه وفوّض له قضاء شيراز فباشره مدة طويلة، وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز، وأخذ عنه أهل تلك البلاد القراآت والحديث، ثم اتفق أنه حجّ سنة اثنتين وعشرين فنهب، ففاته الحجّ، وأقام بينبع، ثم بالمدينة المنورة، ثم بمكّة إلى أن حجّ ورجع إلى العراق، ثم عاد سنة ست وعشرين، وحجّ، ودخل القاهرة سنة سبع، فعظّمه الملك الأشرف وأكرمه، وحجّ في آخرها، وأقام قليلا، ودخل اليمن تاجرا فأسمع الحديث عند صاحبها ووصله، ورجع ببضاعة كثيرة، فدخل القاهرة في سنة سبع، وأقام بها مدة إلى أن سافر على طريق الشام ثم على طريق البصرة، إلى أن وصل شيراز.
قال ابن حجر: وقد انتهت إليه رئاسة علم القراآت في الممالك، وكان قديما، صنّف «الحصن الحصين» في الأدعية، ولهج به أهل اليمن، واستكثروا منه، وسمعوه عليّ قبل أن يدخل هو إليهم، ثم دخل إليهم فأسمعهم، وحدّث بالقاهرة ب «مسند أحمد» و «مسند الشافعي» وغير ذلك. وسمع بدمشق وبمصر من ابن أميلة، وابن الشيرجي، ومحمود بن خليفة، وعماد الدّين ابن كثير، وابن أبي عمر، وخلائق وبالإسكندرية، من عبد الله بن الدّماميني، وببعلبك من أحمد بن
стр. 4521
عبد الكريم، وطلب بنفسه، وكتب الطّباق، وعني بالنّظم، وكانت عنايته بالقراءات أكثر، وذيّل «طبقات القراء» للذهبي وأجاد فيه، ونظم قصيدة في القراآت الثلاثة [١] ، وجمع «النشر في القراآت العشر» وقد سمعت بعض العلماء يتّهمه بالمجازفة في القول، وأما الحديث فما أظن ذلك به، إلا أنه كان إذا رأى للعصريين شيئا أغار عليه ونسبه لنفسه، وهذا أمر قد أكثر المتأخرون منه ولم ينفرد به، وكان يلقّب في بلاده الإمام الأعظم، ولم يكن محمود السيرة في القضاء، وأوقفني بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه «أربعون حديثا» عشاريّات فتأملتها فوجدته خرّجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره، وأخذ كلام شيخنا العراقي في «أربعينه العشاريات» .
انتهى باختصار.
وبالجملة فإنه كان عديم النّظير، طائر الصّيت. انتفع الناس بكتبه وسارت في الآفاق مسير الشمس.
وتوفي بشيراز في ربيع الأول، ودفن بمدرسته التي بناها بها، رحمه الله تعالى.
وفيها جلال الدّين نصر الله بن عبد الرحمن [٢] بن أحمد بن إسماعيل، المعروف بالشيخ نصر الله العجمي الحنفي الأنصاري البخاري الرّوياني الكجوري [٣] .
ولد بكجور إحدى قرى رويان من بلاد العجم سنة ست وستين وسبعمائة تقريبا ونسبته إلى أنس بن مالك، وتجرّد، وبرع في علم الحكمة والتصوف، وشارك في الفنون، وكتب الخطّ الفائق، ودخل القاهرة على قدم التجريد، وصحب الأمراء والأكابر، وحصل له قبول زائد، ونالته السعادة، وجمع الكتب النّفيسة، وكان يتكلّم في علم التصوف على طريقة ابن عربي، وفاق في علم الحرف وما أشبهه.
стр. 4522
قال ابن تغري بردي: وكانت له تصانيف كثيرة في عدة فنون، وصنع مرة للوالد خاتما يضعه على الثعبان فيفر منه أو يموت فأعجب به الوالد إعجابا كثيرا وأنعم عليه برزقه في برّ الجيزة نحو مائة فدان وأظنها إلى الآن وقفا على زاويته بقرب خان الخليلي، وكانت له وجاهة في الدولة، ولم يزل وافر الحرمة إلى أن.
توفي بالقاهرة ليلة الجمعة سادس رجب ودفن ببيته وأوصى أن يكون زاوية، فوقع ذلك، وفتح لها شبّاك على الطريق بالقرب من خان الخليلي.
وفيها القاضي تقي الدّين يحيى بن العلّامة شمس الدّين محمد بن يوسف الكرماني البغدادي [١] .
ولد في رجب سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وسمع من أبيه وغيره، ونشأ ببغداد، وتفقه بأبيه وغيره، وشارك في عدة علوم، وقدم القاهرة هو وأخوه في حدود الثمانمائة بشرح أبيهما على «البخاري» فابتهج الناس به، وكتبت منه نسخ عديدة، وعرف تقي الدّين هذا بالفضيلة، وتقرّب غاية التقرب من السلطان شيخ في حال إمارته وسلطنته، وكان عالما فاضلا، شرح «البخاري» و «مسلم» واختصر «الرّوض الأنف» . وله مصنّف في الطب وغير ذلك.
وتوفي بالقاهرة في الطّاعون يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة. قاله في «المنهل» .
وفيها نظام الدّين يحيى بن يوسف [٢] ، وقيل: سيف، وهو الأشهر، ابن عيسى السّيرامي الأصل والمولد المصري الدار والوفاة، الحنفي شيخ الشيوخ بمدرسة الظّاهر برقوق، وابن شيخها. [٣] قدم مع والده وإخوته في السابعة من عمره إلى القاهرة بعد موت العلاء السيرامي، ونشأ بالقاهرة تحت كنف والده، وبه تفقه، حتّى برع في الفقه، والأصلين، واللغة، والعربية، والمعاني، والبيان، والجبر، والمقابلة، والمنطق، والطب، والحكمة، والهندسة، والهيئة.
стр. 4523
وشارك في عدة فنون، وتصدّر للإفتاء والتدريس والإشغال عدة سنين، وتفقه به جماعة من أعيان الناس وانتفعوا به في المعقول والمنقول.
وكان إماما، ديّنا، وافر الحرمة، مهابا، وقورا، معظّما في الدول، محببا للملوك، كثير الخير، حادّ الذّهب، جيد التّصور، مليح الشّكل، فصيح العبارة، بحّاثا، مناظرا، مقداما، شهما، قويا في ذات الله، كثير العبادة. توفي بالقاهرة في الطّاعون في جمادى الآخرة.
وفيها يعقوب بن إدريس بن عبد الله، الشهير بقرا يعقوب الرّومي [١] الحنفي النّكدي، نسبة إلى نكدة من بلاد ابن قرمان.
ولد سنة تسع وثمانين وسبعمائة، واشتغل في بلاده، ومهر في الأصول، والعربية، والمعاني، والبيان، وكتب على «المصابيح» شرحا، وعلى «الهداية» حواشي، ودخل البلاد الشامية، وحجّ سنة تسع عشرة، ثم رجع، وأقام بلا رندة، يدرّس ويفتي، ثم قدم القاهرة، فاجتمع بمدبّر المملكة ططر فأكرمه إكراما زائدا، ووصله بمال جزيل، فاقتنى كتبا كثيرة، ورجع إلى بلاده فأقام بلا رندة إلى أن مات في شهر ربيع الأول بها.
стр. 4524
سنة أربع وثلاثين وثمانمائة
فيها توفي مجد الدّين إسماعيل بن أبي الحسن علي بن محمد البرماوي المصري الشافعي [١] .
ولد في حدود الخمسين وسبعمائة، ودخل القاهرة قديما، وأخذ عن المشايخ، وسمع، ومهر في الفقه والفنون، وتصدى للتدريس، وخطب بجامع عمرو بمصر.
وتوفي في نصف ربيع الآخر.
وفيها شرف الدّين أبو محمد عبد الله بن القاضي شمس الدّين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرّج الرّاميني ثم الدمشقي الحنبلي [٢] الإمام، علّامة الزّمان، شيخ المسلمين.
قال ابن حجر: ولد في ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة، وتوفي أبوه وهو صغير، فحفظ القرآن، وصلّى به، وكان يحفظه إلى آخر عمره ويقوم به في التراويح في كل سنة بجامع الأفرم، وله محفوظات كثيرة، منها «المقنع» في الفقه، و «مختصر ابن الحاجب» في الأصول، و «ألفية ابن مالك» و «ألفية الجويني» في علوم الحديث، و «الانتصار» في الحديث مؤلّف جدّه جمال الدّين المرداوي.
وكان علّامة في الفقه، يستحضر غالب فروع والده، أستاذا في الأصول، بارعا في التفسير والحديث، مشاركا فيما سوى ذلك. وكان شيخ الحنابلة بالمملكة.
стр. 4525
الإسلامية، وأثنى عليه أئمة عصره كالبلقيني والدّيري، وسمع من جدّه لأمه جمال الدّين المرداوي، وابن قاضي الجبل، وغيرهما، وأفتى ودرّس، وناظر، واشتغل.
وتوفي ليلة الجمعة ثاني ذي القعدة ودفن عند والده وإخوته بالرّوضة.
وفيها وجيه الدّين [١] عبد الرحمن بن الجمال المصري [٢] .
ولد بزبيد، وتفقّه، وتزوج بنت عمّه النّجم المرجاني، وقطن مكّة، وأشغل الناس بها في الفقه، واشتهر بمعرفته.
وتوفي في سابع عشر رجب.
وفيها سراج الدّين عمر بن منصور بن عبد الله البهادري الحنفي [٣] .
أحد خلفاء الحكم بالقاهرة.
ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وكان إماما بارعا في الفقه، والنحو، واللغة. انتهت إليه الرئاسة في علم الطب، وتقدم على أقرانه في ذلك لغزير حفظه، وكثرة استحضاره، ونقول أقوال الحكماء قديما وحديثا.
وكان شيخا معتدل القامة، مصفرّ اللّون جدا، وكان مع تقدمه في علم الطبّ غير ماهر بالمداواة يفوقه أقل تلامذته لقلة مباشرته لذلك، فإنه لم يتكسب بهذه الصناعة، وناب في الحكم.
وتوفي يوم السبت ثاني عشر شوال ولم يخلّف بعده مثله.
وفيها شمس الدّين محمد بن الحسن بن محمد الحسني الحصني- ابن أخي الشيخ تقي الدّين- الشافعي [٤] .
стр. 4526
اشتغل على عمّه ولازم طريقته في العبادة والتجرّد، ودرّس بالشامية، وقام في عمارة البادرائية، وكان شديد التعصب على الحنابلة.
وتوفي في ربيع الأول.
وفيها شمس الدّين محمد بن حمزة بن محمد بن محمد الرّومي بن الفنري- بالفاء والراء المهملة، بالنسبة إلى صنعة الفنيار- الحنفي [١] .
قال السيوطي: كان عارفا بالعربية، والمعاني، والقراآت. كثير المشاركة في الفنون.
ولد في صفر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وأخذ عن العلّامة علاء الدّين الأسود شارح «المغني» والجمال محمد بن محمد بن محمد الأقصرائي ولازم الاشتغال، ورحل إلى مصر، وأخذ عن الشيخ أكمل الدّين وغيره، ثم رجع إلى الرّوم فولي قضاء برصة، وارتفع قدره عند ابن عثمان جدّا. واشتهر ذكره، وشاع فضله، وكان حسن السّمت، كثير الفضل والإفضال غير أنه لعّاب بنحلة ابن العربي وبإقراء «الفصوص» ولما دخل القاهرة لم يتظاهر بشيء من ذلك، واجتمع به فضلاء العصر، وذاكروه وباحثوه، وشهدوا له بالفضيلة، ثم رجع. وكان قد أثرى، وصنّف في الأصول كتابا. أقام في عمله ثلاثين سنة، واقرأ العضد نحو العشرين مرة، وأخذ عنه ولازمه شيخنا العلّامة [٢] محيي الدّين [٢] الكافيجي، وكان يبالغ في الثناء عليه ومات في رجب. انتهى كلام السيوطي.
وفيها محمد بن الشيخ بدر الدّين الحمصي المعروف بابن العصياني [٣] .
قال ابن حجر: اشتغل كثيرا، وكان في أول أمره جامد الذهن، ثم اتفق أنه سقط من مكان فانشق رأسه نصفين، ثم عولج فالتأم، فصار حفظة، ومهر في العلوم العقلية وغيرها، وكان يرجع إلى دين، وينكر المنكر، ويوصف بحدّة ونقص عقل.
стр. 4527
مات في صفر. انتهى.
وفيها قاضي القضاة نور الدّين أبو الثناء محمود بن أحمد بن محمد الهمداني الفيّومي الشافعي، المعروف بابن خطيب الدّهشة [١] .
أصله من الفيّوم، وولد والده بالفيّوم، وكان يعرف بابن ظهير، ثم رحل إلى حماة واستوطنها، وولي خطابة الدهشة، وولد له ابنه هذا في حدود سنة خمسين وسبعمائة، وبها نشأ، وحفظ القرآن الكريم [٢] وعدة متون [٣] ، وتفقه على جماعات من علماء حماة وغيرهم، وبرع في الفقه، والعربية، والأصول، واللغة، وغير ذلك. وأفتى ودرّس، مع الدّين المتين والورع والعفّة، واشتهر ذكره، وعظم قدره، وانتفع به عامة أهل حماة، إلى أن نوّه بذكره القاضي ناصر الدّين بن البارزي كاتب السرّ بالدّيار المصرية، عند الملك المؤيد شيخ فولّاه قضاء حماة، وحسنت سيرته، وأظهر في ولايته من العفّة والصّيانة ما هو مشهور عنه، ودام في الحكم إلى أن صرف في دولة الأشرف برسباي، فلزم داره على أجمل طريقة، وأخذ في الإقراء والأشغال.
ومن تصانيفه: «مختصر القوت» للأذرعي في أربع مجلدات، سمّاه «لباب القوت» و «تكملة شرح منهاج النووي» في الفقه للسبكي في ثلاث عشرة مجلدة، وكتاب «التّحفة في المبهمات» وكتاب «تحرير الحاشية في شرح الكافية» لابن مالك في النحو ثلاث مجلدات، وكتاب «تهذيب المطالع» في اللغة الواردة في «الصحيحين» و «الموطأ» ست مجلدات، واختصره في جزءين، وسمّاه «التقريب» و «منظومة» في صناعة الكتابة نحو تسعين بيتا وشرحها، وكتاب «اليواقيت المضية في المواقيت الشرعية» وغير ذلك.
ومن شعره:
غصن النّقا لا تحكه ... فما له في ذا شبه
стр. 4528
فرامه قلت: اتّئد ... ما أنت إلّا حطبه
ومنه:
وصل حبيبي خبر ... لأنه قد رفعه
بنصب قلبي غرضا ... إذ صار مفعولا معه
وتوفي بحماة يوم الخميس سابع شوال. قيل: لما احتضر تبسم ثم قال:
لمثل هذا فليعمل العاملون
.
стр. 4529
سنة خمس وثلاثين وثمانمائة
فيها خرب الشرق من بغداد إلى تبريز من فرط الغلاء وعمومه، حتّى أكلوا الكلاب والميتة [١] .
وفيها أجريت عيون مكة حتى دخلتها وامتلأت برك باب المعلى ومرت على الصفا وسوق الليل وعم النفع بها [٢] .
وفيها- كما قال ابن حجر [٣]- ثارت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق، وتعصب الشيخ علاء الدّين البخاري نزيل دمشق على الحنابلة، وبالغ في الحطّ على ابن تيميّة [٤] وصرّح بتكفيره، فتعصب جماعة من الدماشقة لابن تيميّة [٤] .
وصنّف صاحبنا الحافظ شمس الدّين بن ناصر الدّين جزءا في فضل ابن تيميّة [٥] وسرد أسماء من أثنى عليه وعظّمه من أهل عصره فمن بعدهم على حروف المعجم، مبينا لكلامهم، وأرسله إلى القاهرة، فكتب عليه غالب المصريين التصويب، وخالفوا علاء الدّين البخاري في إطلاق القول بتكفيره وتكفير من أطلق
стр. 4530
عليه أنه شيخ الإسلام، وخرج مرسوم السلطان إلى أن كل أحد لا يعترض على مذهب غيره، ومن أظهر شيئا مجمعا عليه سمع منه، وسكن الأمر. انتهى.
وفيها توفي الشيخ شهاب الدّين أحمد بن إسماعيل الإبشيطي [١] .
قال ابن حجر: تفقه قليلا، ولزم قريبه الشيخ صدر الدّين الإبشيطي، وأدّب جماعة من أولاد الأكابر، ولهج بالسيرة النبوية، فكتب منها كثيرا، إلى أن شرع في جمع كتاب حافل في ذلك، وكتب منه نحوا من ثلاثين سفرا تحتوي على «سيرة ابن إسحاق» وما وضع عليها من كلام السّهيلي وغيره، وعلى ما احتوت عليه «المغازي» للواقدي، وضم إلى ذلك ما في السيرة للعماد بن كثير، وغير ذلك، وعنى بضبط الألفاظ الواقعة فيها، ومات في سلخ شوال، وقد جاوز السبعين.
انتهى.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن أبي بكر بن علي، المعروف ببوّاب الكاملية الحنبلي [٢] .
قال العليميّ في «طبقاته» : الشيخ الإمام العالم القدوة، عنى بالحديث كثيرا، وسمع، وكان يتغالى في حبّ الشيخ تقي الدّين [٣] ، ويأخذ بأقواله وأفعاله، وكتب بخطّه «تاريخ ابن كثير» وزاد فيه أشياء حسنة، وكان يؤم في مسجد ناصر الدّين تجاه المدرسة التي أنشأها [٤] نور الدّين الشهيد، وكان قليل الاجتماع بالناس وعنده عبادة وتقشف وتقلل من الدّنيا. وكان شافعيا ثم انتقل إلى عند جماعة الحنابلة وأخذ بمذهبهم.
وتوفي يوم السبت تاسع عشر صفر وقد قارب الثمانين ودفن بسفح قاسيون.
стр. 4531
وفيها شهاب الدّين أحمد بن تقي الدّين عبد الرحمن بن العلّامة جمال الدّين بن هشام المصري النّحوي [١] .
اشتغل كثيرا بمصر، وأخذ عن الشيخ عزّ الدّين ابن جماعة وغيره، وفاق في العربية وغيرها، وكان يجيد لعب الشطرنج، وانصلح بأخرة.
قال البرهان البقاعي: كان شريف النّفس لم يتدنس بشيء من وظائف الفقهاء، وكان ثاقب الذّهن، نافذ الفكر، فاق جميع أقرانه في هذا الشأن، مع صرف غالب زمانه في لعب الشطرنج. انتهى.
سكن دمشق فمات بها في رابع جمادى الآخرة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله الكلوتاتي الحنفي [٢] .
قال في «المنهل الصّافي» : المسند المعمّر المحدّث.
ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة، واعتنى بالحديث، وسمع الكثير، وقرأ من سنة تسع وسبعين بنفسه على المشايخ فأكثر، حتى قرأ «صحيح البخاري» نحوا من خمسين مرة، ودأب وحصّل، وأفاد الطلبة، وحدّث سنين بالقاهرة إلى أن توفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة. انتهى.
وفيها حسين بن علاء الدولة بن أحمد بن أويس [٣] ، وآخر ملوك العراق من ذرية أويس.
كان اللّنك أسره وأخاه حسنا وحملهما إلى سمرقند ثم أطلقا فساحا في الأرض فقيرين مجرّدين، فأما حسن فاتصل بالناصر فرج، وصار في خدمته، ومات عنده قديما، وأما حسين هذا فتنقّل في البلاد إلى أن دخل العراق فوجد شاه محمد بن شاه ولد بن أحمد بن أويس، وكان أبوه صاحب البصرة فمات فملك ولده
стр. 4532
شاه محمد، فصادفه حسين قد حضره الموت فعهد إليه بالمملكة، فاستولى على البصرة وواسط وغيرها، ثم حاربه أصبهان شاه بن قرا يوسف، فانتهى حسين إلى شاه رخ بن اللّنك فتقوى بالانتماء إليه، وملك الموصل وإربل، وتكريت، وكانت مع قرا يوسف فقوي أصبهان شاه واستنقذ البلاد، وكان يخرّب كل بلد ويحرقه، إلى أن حاصر حسينا بالحلّة منذ سبعة أشهر، ثم ظفر به بعد أن أعطاه الأمان، فقتله خنقا.
وفيها زين الدّين خالد بن قاسم العاجلي ثم الحلبي الحنبلي [١] .
ولد في رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، ولازم القاضي شرف الدّين بن فيّاض، وولده أحمد، وأخذ عن شمس الدّين بن اليّونانيّة [٢] وأحبّ مقالة ابن تيميّة، وكان من رؤوس القائمين مع أحمد بن البرهان على الظّاهر، وهو آخر من مات منهم، وتنزّل بالآثار النبوية، وكان قد غلب عليه حبّ المطالب، فمات ولم يظفر بطائل، ونزله المؤيد بمدرسته في الحنابلة.
ومات في ثالث ذي الحجة. قاله ابن حجر.
وفيها قطب الدّين وجمال الدّين عبد الله بن نور الدّين محمد بن قطب الدّين عبد الله بن حسن بن يوسف بن عبد الحميد بن أبي الغيث البهنسي [٣] .
ولد في رجب سنة خمس وخمسين وسبعمائة، واشتغل، وسمع الحديث، وقال الشعر. وكان موسرا، لكنه أكثر التّقتير على نفسه جدا، وأصيب في عقله بأخرة وأكمل الثمانين سنة.
ومن شعره:
إذا الخلّ قد ناجاك بالهجر فاصطبر ... وسامح له واغفر بنصح وداره
стр. 4533
فإن عاد فأقله ثمّ لا تذكر اسمه ... وحوّل طريق القصد عن باب داره
وتوفي في شهر رمضان.
وفيها القاضي زين الدّين عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن هاشم التّفهني [١]- بفتح المثناة الفوقية، وكسر الفاء وسكون الهاء، ونون، نسبة إلى تفهن [٢] قرية بمصر- الحنفي.
ولد سنة بضع وستين وسبعمائة، ومات أبوه وهو صغير، فانتقل إلى القاهرة وهو شاب، وتنزل في مكتب اليتامى بمدرسة صرغتمش، ثم ترقّى إلى أن صار عريفا، وتنزل في الطلبة هناك، ولازم الاشتغال، ودار على الشيوخ، فمهر في الفقه والعربية، وجاد خطّه، وشهر اسمه، وخالط الأتراك، وصحب بدر الدّين محمود الكلستاني كاتب السرّ، فاشتهر ذكره، وناب في الحكم، وولي تدريس الصّرغتمشية، وولّاه المؤيد شيخ قضاء الحنفية في سنة اثنتين وعشرين فباشره مباشرة حسنة، وكان حسن العشرة، كثير العصبيّة لأصحابه، عارفا بأمور الدّنيا، على أنه يقع منه في بعض الأمور لجاج شديد يعاب به، ولا يستطيع بتركه، وصرف عن القضاء سنة تسع وعشرين بالعيني، ثم أعيد في سنة ثلاث وثلاثين، ثم صرف قبل موته في جمادى الآخرة، وتوفي ليلة الأحد تاسع شوال، ويقال: إن أمّ ولده دسّت عليه سمّا لأنه لما توفيت زوجته ظنّت أمّ ولده أنها تنفرد به، فتزوج امرأة، وأخرج أم ولده فحصل [٣] لها غيرة، والعلم عند الله.
وفيها زين الدّين عمر بن أبي بكر بن عيسى بن عبد الحميد المغربي الأصل البصروي [٤] .
стр. 4534
قدم دمشق، فاشتغل بالفقه، والعربية، والقراآت وفاق في النحو، وشغل الناس وهو بزي أهل البرّ، وكان قانعا باليسير، حسن العقيدة، موصوفا بالخير والدّين، سليم الباطن، فارغا من الرئاسة.
توفي في رابع جمادى الآخرة.
وفيها شرف الدّين عيسى بن محمد بن عيسى الأقفهسي الشّافعي [١] أحد نوّاب الحكم تفقه بالجمال الإسنوي، ولازم البلقيني، وأذن له بالتدريس، قيل والفتوى، وناب في الحكم عن البرهان بن جماعة. وغيره مدة طويلة.
ومات في جمادى الآخرة وقد جاوز الثمانين.
وفيها جمال الدّين محمد بن سعد الدّين [٢] ملك الحبشة للمسلمين.
وليّ بعد فقد أخيه منصور في سنة ثمان وعشرين، وكان شجاعا بطلا مديما للجهاد، وأسلم على يديه خلائق من الحبشة، قتله بنو عمه في جمادى الآخرة، واستقرّ بعده أخوه شهاب الدّين أحمد.
وفيها الحافظ تاج الدّين محمد بن ناصر الدّين محمد بن محمد بن محمد بن مسلم بن علي بن أبي الجود الكركي ابن الغرابيلي [٣] ، سبط العماد الكركي.
قال ابن حجر: ولد سنة ست وتسعين بالقاهرة، حيث كان جدّه لأمّه حاكما، ونقله أبوه إلى الكرك حيث عمل إمرتها ثم تحوّل به إلى القدس سنة سبع عشرة، فاشتغل، وحفظ عدة مختصرات، ك- «الكافية» لابن الحاجب، و «المختصر» الأصلي، و «الإلمام» و «الألفية» في الحديث، ولازم الشيخ عمر البلخي فبحث عليه في العضد، والمعاني، والمنطق، وتخرّج أيضا بنظام الدّين قاضي العسكر، وبابن الديري الكبير، ومهر في الفنون إلّا الشعر، ثم أقبل على الحديث بكليته،
стр. 4535
فسمع الكثير، وعرف العالي والنازل، وقيّد الوفيات وغيرها من الفنون، وشرع في شرح على «الإلمام» ونظر في التواريخ والعلل، وسمع الكثير ببلده، ورحل إلى الشام والقاهرة فلازمني، وكان الأكابر يتمنون رؤيته والاجتماع به لما يبلغهم من جميل أوصافه فيمتنع، انتهى باختصار.
وألّف مجلدا لطيفا في الحمام يرحل إليه.
وتوفي بالقاهرة في جمادى الآخرة.
стр. 4536
سنة ست وثلاثين وثمانمائة
في ثامن عشري شوالها كسفت الشّمس كسوفا عظيما من بعد العصر إلى قرب المغرب، وصلّوا الكسوف، وظنّوا أنها غربت كاسفة فانجلت قبيل الغروب انجلاء تاما [١] .
وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن حجّاج الأبناسي الشّافعي [٢] .
قال البرهان البقاعي: كان علّامة وقته، ومحقّق زمانه، ملازما لابن الحجر، ومعظّما له، ونفعه كثير، وكان إماما، عالما بالمعقولات، فقيها، نحويا، مفوها، جريئا في قوله، شهم النّفس، حديد الذّهن، فحل المناظرة، ثابتا عند المضايق.
وتوفي بالمغس في زاوية شيخه وسميه البرهان الأبناسي، ودفن بباب الشّعرية بمكان هناك كأنه زاوية. انتهى.
وفيها الملك الأشرف أحمد بن العادل سليمان الأيوبي [٣] صاحب حصن كيفا.
قال ابن حجر: كان دينا فاضلا، له شعر حسن، وقفت على «ديوانه» وهو يشتمل على نوائح في أبيه وغزل وزهديات، وغير ذلك، وكان جوادا محبا في العلماء، خرج في عسكره لملاقاة السلطان على حصار آمد، فاتفق أنه نزل لصلاة الصبح فوقع به فريق من التركمان فأوقعوا به على غرّة فقتل، ووصل بقية أصحابه
стр. 4537
وولده خليل، فقرّر ولده في مملكة أبيه، ولقّب بالصّالح.
وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمود بن محمد، المعروف بابن خازوق الحنبلي [١] قاضي القضاة.
قال العليمي: ولي قضاء حلب ثم عزل عنها، فولي قضاء طرابلس، ثم أعيد إلى قضاء حلب، وتوفي بها في آخر السنة.
وفيها زين الدّين أبو بكر الأنبابي الشافعي [٢] أحد نوّاب الحكم.
كان كثير الاشتغال، وأخذ عن الشيخ علاء الدّين الأقفهسي، وابن العماد، والبلقيني، وغيرهم، وكان خيّرا.
مات في شعبان.
وفيها قاضي القضاة شهاب الدّين أحمد بن قاضي القضاة محيي الدّين [محمود] ، المعروف بابن الكشك الدمشقي الحنفي [٣] ، قاضي قضاة دمشق ورئيسها من بيت علم ورئاسة وعراقة.
ولد بدمشق، ونشأ بها، وطلب العلم، وتفقه، وولي قضاءها مرارا، وجمع في بعض الأحيان بين قضائها ونظر جيشها، وقدم القاهرة غير مرّة، وكانت له ثروة وإفضال.
وتوفي بدمشق ليلة الخميس سابع ربيع الأول.
وفيها بدر الدّين حسن بن شرف الدّين أبي بكر بن أحمد القدسي المشهور بابن بقيرة- بالتصغير وإمالة الراء- الحنفي [٤] .
اشتغل قديما من سنة ثمانين وهلم جرا بالقدس، ثم بالشام، ثم بالقاهرة،
стр. 4538
وكان مفوّها، عارفا بالعربية وغيرها. وولي مشيخة الشيخونية.
وتوفي يوم الخميس ثالث ربيع الآخر، وقد قارب السبعين.
وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن محمد القزويني الشافعي، المعروف بالحلّالي [١]- بمهملة ولام مشددة- من أهل جزيرة ابن عمر، وهو ابن أخت العالم نظام الدّين عالم بغداد.
ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة، وأخذ عن أبيه وغيره، وبرع في الفقه، والقراءات، والتفسير، وحجّ، وقدم حلب لزيارة القدس فزاره، ثم رجع إلى حلب، وهو في سنّ الكهولة، فظهرت فضائله، ودخل القاهرة في سنة أربع وثلاثين، وأخذوا عنه، ثم رجع، فلما وصل إلى بلده مات بعد أربعة أشهر.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الرحيم بن محمد المنهاجي الشافعي، المعروف بسبط ابن اللّبان [٢] .
ولد بعد السبعين وسبعمائة، واشتغل قديما، فأخذ عن العزّ ابن جماعة، وشمس الدّين بن القطّان، ومشايخ العصر.
قال ابن حجر: قرأ على ابن القطّان البخاري بحضوري، وقرأ عليّ ترجمة البخاري يوم الختم، وتعانى نظم الشعر فمهر فيه، ومهر في الفقه والأصول، وعمل المواعيد، وشغل الناس [٣] ولزم بأخرة جامع عمرو بن العاص يقرأ فيه الحديث والمواعيد، ويشغل الناس [٣] ، وكان واسع المعرفة بالفنون، حجّ في هذه السنة من البحر فسلم ودخل مكّة في شهر رجب فجاور إلى زمن إقامة الحجّ، فحجّ وقضى نسكه، ورمى جمرة العقبة، ثم رجع فمات بمنى قبل أن يطوف طواف الإفاضة.
стр. 4539
وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الحقّ بن إسماعيل السّبتي المالكي [١] .
قال ابن حجر: ولد سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، وأخذ عن الحاج أبي القاسم بن أبي حجّة ببلده، ووصل إلى غرناطة، وتفرّد بالأدب، وقدم القاهرة سنة اثنتين وثلاثين، فحجّ، وحضر عندي في الإملاء وأوقفي على شرح البردة له وله آداب وفضائل مات في صفر انتهى.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن موسى الدمشقي الشافعي، المعروف بابن قديدار [٢] .
ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة تقريبا، وقرأ القرآن في صغره، وحفظ «المنهاج» و «العمدة» و «الألفية» وتلا بالسبع على جماعة، منهم ابن اللّبان، وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي وغيره، وأقبل على العبادة، واشتهر من بعد سنة تسعين حتّى إن اللّنك لما طرق الشام أرسل من حماه وحمى من معه، وكان السلطان شيخ يعظّمه، وكان سهل العريكة، لين الجانب، متواضعا جدّا، محبا في العلماء والمحدّثين، يتردد إلى بيروت للمرابطة، وله بها زاوية فيها سلاح كثير، وكلمته نافذة عند الفرنج، ويكتب إليهم بسبب المسلمين فيقبلون ما يكتب به، وحصل له في آخر عمره ضعف في بدنه، وثقل سمع.
وتوفي ليلة عيد الفطر.
стр. 4540
سنة سبع وثلاثين وثمانمائة
فيها أحصي من بالإسكندرية من الحاكة فكان فيها ثمانمائة نول، وكان ذلك وقع آخر القرن الثامن، فكانت أربعة عشر ألف نول، ومن ذلك أن كتّاب الجيش أحصوا قرى مصر قبليها وبحريها فكانت ألفين ومائة وسبعين قرية بعد أن كانت في أوائل دولة الفاطميين عشرة آلاف قرية [١] .
وفيها هبّت بدمياط رياح عاصفة فتقصف نخيل كثير، وتلفت أشجار الموز وقصب السكر من الصّقيع، وانهدمت عدة دور، وفزع الناس من شدّة الريح، حتّى خرجوا إلى ظاهر البلد، وسقطت صاعقة فأحرقت شيئا كثيرا، ثم نزل المطر فدام طويلا [٢] .
وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الأولى وقع بمكة سيل عظيم ارتفع في المسجد الحرام أربعة أذرع، وتهدّمت منه دور كثيرة، ومات تحت الردم جماعة [٣] .
وفيها توفي إبراهيم بن داود بن محمد بن أبي بكر العبّاسي [٤] ، ولد أمير المؤمنين المعتضد بن المتوكل العبّاسي الشافعي.
كان رجلا حسنا كبير الرئاسة، قرأ القرآن، وحفظ «المنهاج» واشتغل كثيرا
стр. 4541
وخلف أباه لمّا سافر خلافة حسنة شكر عليها، ومات بمرض السّلّ في ليلة الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول بالقاهرة، ولم يكمل الثلاثين، ولم يبق لأبيه ولا له ذكر، وذكر أنه تمام عشرين ولدا ذكرا.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمود بن أحمد بن إسماعيل الدمشقي الحنفي، المعروف بابن الكشك [١] .
قال ابن حجر: انتهت إليه رئاسة أهل الشام في زمانه، وكان شهما، قوي النّفس، يستحضر الكثير من الأحكام، ولي قضاء الحنفية استقلالا مدة، ثم أضيف إليه نظر الجيش في الدولة المؤيدية وبعدها، ثم صرف [٢] عنهما معا، ثم أعيد لقضاء الشام، وكان بينه وبين نجم الدّين ابن حجي معاداة، فكان كل منهما يبالغ في الآخر لكن كان ابن الكشك أجود من ابن [٣] حجي، سامحهما الله تعالى.
وتوفي ابن الكشك بالشام في صفر عن بضع وخمسين سنة.
وفيها تقي الدّين أبو بكر بن علي بن حجّة الحموي الأديب البارع الحنفي [٤] شاعر الشام، المعروف بابن حجّة.
ولد بحماة سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وبها نشأ، وحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم، وعانى عمل الحرير يعقد الأزرار [٥] وينظم الأزجال، ثم مال إلى الأدب، ونثر ونظم، ثم سافر إلى دمشق، ومدح أعيانها، واتصل بخدمة نائبها الأمير شيخ المحمودي، ثم قدم صحبته إلى القاهرة، فلما تسلطن قرية وأدناه وجعله من ندمائه وخواصه، وصار شاعره، وله فيه عدة مدائح، وعظم في الدولة،
стр. 4542
وصارت له ثروة وحشمة، وسئل الحافظ ابن حجر من شاعر العصر؟ فقال: الشيخ تقي الدّين بن حجّة. انتهى.
ونظم «بديعيته» المشهورة [١] على طريقة شيخه الشيخ عزّ الدّين الموصلي وشرحها شرحا حافلا عديم النّظير، وجمع مجاميع أخرى [٢] مخترعة. ولما توفي الملك المؤيد تسلّط عليه جماعة من شعراء عصره، وهجوه لأنه كان ظنينا بنفسه وشعره مزريا بغيره من الشعراء، ينظر غالب [٣] شعراء عصره كأحد تلامذته، ولا زالوا به حتّى خرج من مصر، وسكن وطنه حماة، ومات بها.
ومن قولهم فيه:
زاد ابن حجّة بالإسهال من فمه ... وصار يسلح منثورا ومنظوما
وظنّ أن قد تنبّا في ترسّله ... لو صحّ ذلك قطعا كان معصوما
ومن شعره هو:
سرنا وليل شعره منسدل ... وقد غدا بنومنا مظفّرا [٤]
فقال صبح ثغره مبتسما ... عند الصّباح يحمد القوم السّرى
ومنه:
في سويداء مقلة الحبّ نادى ... جفنه وهو يقنص الأسد صيدا
لا تقولوا ما في السّويدا رجال ... فأنا اليوم من رجال السّويدا
ومنه:
أرشفني ريقه وعانقني ... وخصره يلتوي من الرّقّة [٥]
стр. 4543
فصرت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرّقّة
ومنه وقد بدا به مرضه الذي مات فيه وكان بردية وسخونة:
برديّة برّدت عظمي وطابقها ... سخونة ألّفتها قدرة الباري
فامنن بتفرقة الضّدّين من جسدي ... يا ذا المؤلّف بين الثّلج والنّار
وتوفي بحماة في خامس عشري شعبان على حالة حسنة.
وفيها شرف الدّين أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله المقرئ ابن علي بن عطية الشّاوري اليمني الشافعي [١] عالم البلاد اليمنية وإمامها ومفنّنها المعروف بابن المقرئ.
ولد سنة خمس وستين وسبعمائة بأبيات حسين وبها نشأ، وتفقه على الكاهلي وغيره، ثم انتقل إلى زبيد فأكمل تفقهه على العلّامة جمال الدّين شارح «التنبيه» وغيره، وبرع في العربية والفقه، وبرز في المنظوم والمنثور، وأقبل عليه ملوك اليمن، وولاه الأشرف صاحب اليمن تدريس المجاهدية بتعز والنّظامية بزبيد، ولما مات مجد الدّين الفيروزآبادي طمع المذكور في ولاية القضاء فلم يتم له، واستمرّ على ملازمة العلم والتصنيف والإقراء، ومن مصنّفاته «مختصر الروضة» للنووي سمّاه «الروض» و «مختصر الحاوي الصغير» وشرحه، وكتاب «عنوان الشّرف الوافي» وهو كتاب حسن لم يسبق إلى مثله يحتوي على خمسة فنون [٢] ، وفيه يقول بعضهم:
لهذا كتاب لا يصنّف مثله ... لصاحبه الجزء العظيم من الحظّ
عروض وتاريخ ونحو محقّق ... وعلم القوافي وهو فقه أولي الحفظ
فأعجب به حسنا وأعجب أنّه ... بطين من المعنى خميص من اللّفظ
стр. 4544
وله مع ذلك النّظم الرائق، والنثر الفائق، ونظم «بديعية» على نمط «بديعية العز» الموصلي وشرحها شرحا حسنا التزم في «البديعية» في كل بيت تورية مع التورية باسم النوع البديعي، وعمل مرّة ما يتفرع من الخلاف في مسألة الماء المشمس فبلغت آلافا، وشهد بفضله علماء عصره، منهم ابن حجر، وقد اجتمع به بمكّة المشرّفة، وأنشده:
مدّ الشّهاب بن علي بن حجر ... سورا على مودّتي من الغير
فسور ودي فيك قد بنيته ... من الصّفا والمروتين والحجر
فأجابه ابن حجر بقصيدة أولها:
يا أيّها القاضي الذي مراده ... يأتي على وفق القضاء والقدر
ومن شعر ابن المقرئ:
يا من لدمع ما رقي وحبيبه ... ولوجد قلب ما انقضى ولهيبه
ومتيّم قد هذّبته يد الهوى ... بصحيح وجد غير ما تهذيبه
خانته مهجته فما تمشي على ... عاداته الأولى ولا تجريبه
وحشا تعسّفه الغرام وحلّه ... قسرا وليس بكفئه وضريبه
يا هند قد أضرمت من ذكر [١] الجفا ... في القلب ما لا ينطفي وغريبه
أنا من عرفت غرامه فاستخبري ... عن حال مأخوذ الحجا وسليبه
وتوفي بزبيد يوم الأحد آخر صفر.
وفيها عبد الله بن مسعود التّونسي المالكي الشيخ الجليل، المعروف بابن القرشيّة [٢] .
قال ابن حجر: أخذ عن والده، وقرأت بخطّه أن من شيوخه شيخنا بالإجازة أبا عبد الله بن عرفة، وقاضي الجماعة أبا العبّاس أحمد بن محمد بن جعدة وأبا
стр. 4545
القاسم أحمد الغبريني، وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية، وأبا عبد الله بن مرزوق، ومنهم أبو الحسن محمد بن أبي العبّاس الأنصاري البطرني، وذكر أنه قرأ عليه القرآن. وسمع عليه كثيرا من الحديث وألبسه خرقة التصوف. انتهى باختصار.
وفيها السلطان أبو فارس عبد العزيز بن أبي العبّاس أحمد صاحب تونس [١] .
قال أبو عبد الله محمد بن عبد الحقّ السّبتي: كان لا ينام من الليل إلّا قليلا، وليس له شغل إلّا النظر في مصالح ملكه، وكان يؤذن بنفسه ويؤم بالناس في الجماعة ويكثر من الذكر، ويقرّب أهل الخير، وقد أبطل كثيرا من المفاسد بتونس، منها الصّالة وهو مكان يباع [٢] فيه الخمر للفرنج ويحصل منه في السنة شيء كثير، ولم يكن ببلاده كلها شيء من المكوس، لكنه يبالغ في أخذ الزكاة والعشر، وكان محافظا على عمارة الطّرق حتّى أمنت القوافل في أيامه في جميع بلاده، وكان يرسل الصّدقات إلى القاهرة، والحرمين، وغيرها، ولا يلبس الحرير، ولا يتختم بالذهب، ويسلّم على الناس، وكتب إليه ابن عرفة مرّة، والله لا أعلم يوما يمرّ إلّا وأنا داع لكم بخير الدّنيا والآخرة، فإنكم عماد الدّين، ونصرة المسلمين.
وتوفي وهو قاصد تلمسان.
وفيها أبو الحسن علي بن حسين بن عروة المشرقي ثم الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن زكنون [٣] .
стр. 4546
قال ابن حجر: ولد قبل الستين، وكان في ابتداء أمره جمّالا، وسمع على يحيى بن يوسف الرّحبي، ويوسف الصّيرفي، ومحمد بن محمد بن داود، وغيرهم، وكان يذكر أنه سمع من ابن المحبّ. ثم أقبل على العبادة والاشتغال، فبرع، وأقبل على «مسند أحمد» فرتّبه على الأبواب، ونقل في كل باب ما يتعلق بشرحه من كتاب «المغني» وغيره، وفرغ في مجلدات كثيرة، وكان منقطعا في مسجد يعرف بمسجد القدم خارج دمشق [١] وكان يقرئ الأطفال، ثم انقطع.
ويصلي الجمعة بالجامع الأموي، ويقرأ عليه بعد الصلاة في «الشرح» وثار بينه وبين الشافعية شرّ كبير بسبب الاعتقاد، وكان زاهدا، عابدا، قانتا، خيّرا، لا يقبل لأحد شيئا، ولا يأكل إلّا من كسب يده.
توفي في ثاني عشر جمادى الآخرة وكانت جنازته حافلة. انتهى.
وفيها بدر الدّين محمد بن أبي بكر بن محمد بن سلامة المارديني الحلبي الحنفي [٢] .
اشتغل ببلده مدة، ولقي أكابر المشايخ، وحفظ عدة مختصرات، ومهر في الفنون، وشغل الناس، وقدم إلى حلب مرارا فاشتغل بها، ثم درّس في أماكن، وأقام بها مدة عشرين سنة ثم رجع، ولما غلب قرا ملك على ماردين نقله إلى آمد فأقام مدة ثم أفرج عنه، فرجع إلى حلب فقطنها، ثم حصل له فالج قبل موته بنحو عشر سنين فانقطع، ثم خفّ عنه وصار يقبل الحركة، وكان حسن النّظم والمذاكرة، فقيها، فاضلا، صاحب فنون من العربية، والمعاني، والبيان.
وتوفي بحلب عن اثنتين وثمانين سنة ولم يخلّف بعده مثله.
وفيها تاج الدّين محمد بن أبي بكر بن محمد المقرئ، الشهير بابن تمريه [٣] .
стр. 4547
ولد قبل الثمانين وسبعمائة بيسير، وكان أبوه تاجرا بزّازا، فنشأ هو محبا في الاشتغال، مع حسن الصورة والصّيانة، وتعانى القراءات فمهر فيها، ولازم الشيخ فخر الدّين بالجامع الأزهر، والشيخ كمال الدّين الدّميري، وصار شيخ الإقراء بالقاهرة.
وتوفي يوم الجمعة عاشر صفر.
وفيها جمال الدّين أبو المحاسن محمد بن علي بن محمد بن أبي بكر العبدري الشّيبي الشافعي [١] قاضي مكة.
ولد في رمضان سنة تسع وسبعين وسبعمائة، وسمع على برهان الدّين بن صديق وغيره، وأجازه، الحافظ العراقي وغيره، ورحل إلى شيراز وبغداد، ونظر في التواريخ، وصنّف حوادث زمانه، و «طيب الحياة» مختصر «حياة الحيوان» مع زوائد وتعاليق على «الحاوي» . وولي قضاء مكّة وحجابة البيت.
وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشري من ربيع الآخر [٢] .
وفيها القاضي بدر الدّين أبو اليمن محمد بن العلّامة نور الدّين علي الحكريّ المصريّ الحنبلي [٣] .
ناب في الحكم بالقاهرة دهرا طويلا، وكان من أعيانهم، وأعاد ببعض المدارس، ومهر في الفقه والفنون، وكان شكلا حسنا، وكان يستشرف أن يلي قضاء الحنابلة بالدّيار المصرية ولو فسح في أجله لوصل ولكن اخترمته المنية ثالث ربيع الأول بالقاهرة في حياة شيخ المذهب قاضي القضاة محبّ الدّين أبو نصر الله.
وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن القمّاح التّونسي [٤] المالكي المحدّث بتونس.
стр. 4548
سمع من ابن عرفة وجماعة، وحجّ، فسمع من تاج الدّين بن موسى خاتمة من كان عنده حديث السّلفي بالعلوّ، بالسماع المتصل بالقاهرة من حافظ العصر الزّين العراقي، ومن مسند القاهرة برهان الدّين السّامي، ومن جماعة، وحدّث بالإجازة العامة عن البطرني الأندلسي مسند تونس وخاتمة أصحاب ابن زبير بالإجازة، وعن غيره من المشارقة، وحدّث بالكثير، وكان حسن الأخلاق، محبّا للحديث وأهله.
وتوفي بتونس في أواخر ربيع الآخر.
وفيها شمس الدّين محمد بن شفليش [١] الحلبي [٢] . قال ابن حجر: أحد الفقهاء بها. اشتغل كثيرا وفضل. سمعت من نظمه بحلب، وكتب عنّي كثيرا.
مات في جمادى الأولى. انتهى.
وفيها ناصر الدّين محمد بن الفخر المصري، المعروف بابن النّيدي [٣] .
قال ابن حجر: كان أبوه تاجرا، فنشأ هو محبا في العلم، فمهر في العربية، وصاهر شيخنا العراقي على ابنته، ثم ماتت معه، فتزوج بركة بنت الشيخ ولي الدّين أخي زوجته الأولى، وماتت في عصمته، وخلّف ولدين، وكان معروفا بكثرة المال فلم يظهر له شيء، وله بضع وستون سنة. انتهى.
وفيها جلال الدّين أبو المظفّر محمد بن فندو ملك بنجالة، ويلقب بكاس [٤] .
كان أبوه كافرا، فثار على شهاب الدّين مملوك سيف الدّين حمزة بن غياث الدّين أعظم شاه بن إسكندر شاه فغلبه على بنجاية، وأسره، وكان أبو المظفّر قد
стр. 4549
أسلم، فثار على أبيه، واستملك منه البلاد، وأقام شعار الإسلام، وجدّد ما خرّبه أبوه من المساجد، وراسل صاحب مصر بهدية واستدعي بعهد من الخليفة، وكانت هداياه متواصلة بالشيخ علاء الدّين البخاري نزيل مصر ثم دمشق، وعمر بمكة مدرسة هائلة، وكانت وفاته في ربيع الآخر.
وأقيم بعده ولد المظفّر أحمد شاه وهو ابن أربع عشرة سنة.
وفيها ناصر الدّين محمد بن عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميّة الدمشقي الحنبلي [١] .
ولد سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وكان يتعانى التجارة، وولي قضاء الإسكندرية مدة، وكان عارفا بالطب، وله دعاو في الفنون أكثر من علمه.
وتوفي بالقاهرة يوم الأحد سابع شهر رمضان.
стр. 4550
سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة
فيها كان وباء عام في بلاد المسلمين والكفّار، مات به من لا يحصى كثرة [١] .
وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن عبد الخالق بن عبد المحي بن عبد الخالق بن عبد العزيز الأسيوطي [٢] .
سمع من أبيه، ومن عبد الرحمن بن القارئ، وأجاز له، وكان يواظب التّكسّب بالشهادة في جامع ظاهر الورّاقين.
ومات في ثاني عشر ربيع الآخر.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن ناصر الدّين محمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير البلقيني [٣] الشافعي ابن أخي سراج الدّين البلقيني.
ولد سنة ست وتسعين وسبعمائة، وقرأ القرآن، وحفظ كتبا، ودرّبه أبوه في توقيع الحكم، واشتغل في القراآت والعربية، وكان حسن الصوت بالقرآن، أمّ بالمدرسة المالكية بالقرب من مشهد الحسين، ووقع في الحكم، ثم ناب في القضاء بأخرة، وخدم ابن الكوين وهو كاتب السرّ، ثم ابن مزهر فأثرى، وصارت له وجاهة، وحصّل جهات، ثم تمرض أكثر من سنة.
стр. 4551
وتوفي في السادس والعشرين من رجب بعلّة السّلّ، ودفن عند أبيه بمقابر الصّوفية.
وفيها مجد الدّين أبو الطاهر إسماعيل بن علي بن محمد بن داود بن شمس بن عبد الله بن رستم البيضاوي الزّمزمي [١] المؤذن بمكّة.
قال ابن حجر: ولد سنة ست وستين وسبعمائة، وأجاز له صلاح الدّين بن أبي عمر، وعمر بن أميلة، وأحمد بن النجم، وابن مقبل، وآخرون. وكان يتعانى النّظم، وله نظم مقبول ومدائح نبوية من غير اشتغال بآلاته، ثم أخذ العروض عن الشيخ نجم الدّين المرجاني ومهر، وكان فاضلا، ورحل إلى القاهرة، فسمع من بعض شيوخنا، وكان قليل الشرّ، مشتغلا بنفسه وعياله، مشكور السيرة، ملازما لخدمة قبة العبّاس، وله سماع من قدماء المكّيين، وحدّث بشيء يسير سمعت من نظمه.
وأخوه إبراهيم [٢] .
ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وأجاز له في سنة سبع وثمانين الشّهاب بن ظهيرة وآخرون، واشتغل في عدة فنون، وأخذ عن أخيه حسين علم الفرائض والحساب فمهر فيها. انتهى كلام ابن حجر.
وفيها زكي الدّين أبو بكر بن أحمد بن عبد الله بن الهليس المهجمي الأصل ثم المصري [٣] .
قال ابن حجر: رفيقي ولد بعد السبعين وسبعمائة بيسير، ونشأ في حال بزّة وترفه، ثم اشتغل بالعلم بعد أن جاوز العشرين، ولازم الشيوخ، وسمع معي من عوالي شيوخي مثل ابن الشّحنة، وابن أبي المجد، وبنت الأذرعي، وغيرهم فأكثر جدا، وأجاز له عامة من أخذت عنه في الرّحلة الشامية، ورافقني في الاشتغال على
стр. 4552
الأبناسي، والبلقيني، والعراقي، وغيرهم. ثم دخل اليمن سنة ثمانمائة، فاستمر بالمهجم وبعدن، إلى أن عاد من قرب، فسكن مصر، ثم ضعف بالدّرب، واختل عقله جدا، وسئم منه جيرانه فنقلوه إلى المارستان، فأقام به نحو شهرين ومات، وصلّيت عليه ودفنته بالتربة الرّكنية بيبرس في سلخ المحرم. انتهى.
وفيها الشيخ تقي الدّين أبو بكر اللّوبياني [١] الفقيه الشافعي، أحد الفضلاء الشافعية بدمشق.
باشر تدريس الشّامية الجوّانية وغيرها. وتوفي في شوال.
وفيها شرف الدّين وبدر الدّين حسين بن علي بن سبع المالكي البوصيري [٢] .
قال ابن حجر: ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وسمع على المحبّ الخلاطي أكثر «الدارقطني» أنا الدمياطي، و «صفة التصوف» لابن طاهر، خلا من أول زهد إلى آخر الكتاب. وسمع أيضا على عزّ الدّين ابن جماعة غالب «الأدب المفرد» للبخاري، وعرض على مغلطاي شيئا من محفوظة، وأجاز له، وكان من الطلبة بالشيخونية، وحدّث. سمع منه رضوان، وابن فهد، والبقاعي، وغيرهم.
وأجاز لابني محمد ومن معه.
ومات في ربيع الأول. انتهى.
وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي، المعروف بابن زريق [٣] .
ولد في رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وأسمعه عمّه الكثير من ابن المحب، وابن عوض، وابن داود، وابن الذهبي، وابن العزّ، ومن مسموعه على
стр. 4553
ابن العزّ السادس من مسند أنس من «المختارة» للضياء، والثاني والسبعين منها.
وسمع على ابن داود من «أمالي» المحاملي رواية أبي عمر بن مهدي، أنا سليمان بن حمزة.
وتوفي فجأة ليلة الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر.
وفيها زين الدّين أبو زيد وأبو هريرة عبد الرحمن بن نجم الدّين عمر بن عبد الرحمن بن حسين بن يحيى بن عمر بن عبد المحسن القبابي [١]- نسبة إلى القباب الكبرى من قرى أشمون الرّمان بالوجه الشرقي من أعمال القاهرة [٢]- ثم المقدسي الحنبلي المسند.
ولد في ثالث عشر شعبان سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وأجاز له أبو الفتح الميدومي، وجلّ شيوخ العراقي، وسمع من الشيخ تقي الدّين السّبكي، وصلاح الدّين بن أبي عمر، وابن أميلة، وصلاح الدّين العلائي، والتبّاني، وابن رافع، والخلاطي، وابن جماعة، ومغلطاي، وابن هبل، وخلائق، تجمعهم «مشيخة» خرّجها له ابن حجر سمّاها «المشيخة الباسمة» للقبابي، وفاطمة، وكان أحد الفقهاء المبجلين بالقدس الشريف، وقد أكثر عنه الرّحالة وغيرهم، وقصد لذلك، وتفرّد بأكثر مشايخه، وأخذ عنه خلق، منهم ابن حجر.
وتوفي ببيت المقدس في سابع ربيع الآخر.
وفيها جلال الدّين أبو المحامد عبد الواحد [٣] بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب الفوي الأصل ثم المكّي العلّامة النحوي، الشهير بالمرشدي [٤] .
قال ابن حجر: ولد في جمادى الآخرة سنة ثمانين وسبعمائة بمكة، وأسمع
стр. 4554
علي الشّاوري، والأميوطي، والشّهاب بن ظهيرة، وغيرهم.
ورحل إلى القاهرة فسمع بها من بعض شيوخنا، ومهر في العربية، وقرأ الأصول، والمعاني، والفقه.
وكان نعم الرّجل مروءة وصيانة.
ومات في يوم الجمعة رابع عشري شعبان وكثر الأسف عليه. انتهى.
وفيها علاء الدّين علي بن طيبغا بن حاجي بك التّركماني العينتابي الحنفي [١] .
كان فاضلا وقورا، مهر في الفنون، وقرّره السلطان الأشرف مدرسا وخطيبا بالتربة التي أنشأها بالصّحراء.
وتوفي بطريق الحجاز، ودفن بالقرب من الينبع.
وفيها نور الدّين علي بن محمد بن موسى بن منصور المحلّي ثم المدني [٢] .
وقال ابن حجر: ولد في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وسبعمائة بالمدينة المنورة، وسمع على ابن حبيب، وابن خليل، وابن القارئ، وأبي البقاء السّبكي، وغيرهم. وأجاز له ابن أميلة، وابن الهبل، وابن أبي عمر، وحدّث باليسير، وأجاز لنا، وليس ببلاد الحجاز أسند منه يوم مات.
وتوفي في ثالث شوال.
وفيها نجم الدّين محمد بن عبد الله بن عبد القادر الواسطي السّكاكيني [٣] الشافعي.
قرأ على العاقولي، وصدر الدّين الإسفرايني مصنّف «ينابيع الأحكام في
стр. 4555
مذاهب الأربعة الأعلام» ومهر في النظم، والقراءات، والفقه.
يقال: إنه أقرأ «الحاوي» ثلاثين مرّة، وله «شرح على منهاج البيضاوي» ونظم بقية القراءات العشر، و «تكملة» للشاطبي على طريقته حتّى يغلب على سامعه أنه نظم الشّاطبي. وخمّس «البردة» و «بانت سعاد» .
وتوفي بمكة في سادس عشري ربيع الآخر.
وفيها تقي الدّين محمد بن بدر الدّين محمد بن سراج الدّين عمر البلقيني الشافعي [١] .
ولد سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ومات أبوه وهو طفل، فربّاه جدّه، وحفظ القرآن، وصلّى بالناس وهو صغير نحو عشرة سنين، ودرّس في «المنهاج» ولازم الكمال الدّميري وغيره، وكان ذكيا، حسن النّغمة. ونشأ في إملاق، ولما ولي عمّه القضاء نبه قليلا، وولي بأخرة نيابة الحكم بمينة الأمل وغيرها من الضواحي، ودرّس بعد موت عمّه جلال الدّين بجامع طولون، وتمول بملازمة ناظر الجيوشي عبد الباسط، وحصل وظائف وإقطاعات، وصار كثير المال جدا في مدة يسيرة، وحدّث عن جدّه بشيء يسير.
وتوفي بالقاهرة ليلة الثاني عشر من شوال، ودفن على أبيه وجدّه، وخلّف ولدا كبيرا وآخر صغيرا وابنتين.