← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

وتوفي في السادس والعشرين من رجب بعلّة السّلّ، ودفن عند أبيه بمقابر الصّوفية. وفيها مجد الدّين أبو الطاهر إسماعيل بن علي بن محمد بن داود بن شمس بن عبد الله بن رستم البيضاوي الزّمزمي [١] المؤذن بمكّة. قال ابن حجر: ولد سنة ست وستين وسبعمائة، وأجاز له صلاح الدّين بن أبي عمر، وعمر بن أميلة، وأحمد بن النجم، وابن مقبل، وآخرون. وكان يتعانى النّظم، وله نظم مقبول ومدائح نبوية من غير اشتغال بآلاته، ثم أخذ العروض عن الشيخ نجم الدّين المرجاني ومهر، وكان فاضلا، ورحل إلى القاهرة، فسمع من بعض شيوخنا، وكان قليل الشرّ، مشتغلا بنفسه وعياله، مشكور السيرة، ملازما لخدمة قبة العبّاس، وله سماع من قدماء المكّيين، وحدّث بشيء يسير سمعت من نظمه. وأخوه إبراهيم [٢] . ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وأجاز له في سنة سبع وثمانين الشّهاب بن ظهيرة وآخرون، واشتغل في عدة فنون، وأخذ عن أخيه حسين علم الفرائض والحساب فمهر فيها. انتهى كلام ابن حجر. وفيها زكي الدّين أبو بكر بن أحمد بن عبد الله بن الهليس المهجمي الأصل ثم المصري [٣] . قال ابن حجر: رفيقي ولد بعد السبعين وسبعمائة بيسير، ونشأ في حال بزّة وترفه، ثم اشتغل بالعلم بعد أن جاوز العشرين، ولازم الشيوخ، وسمع معي من عوالي شيوخي مثل ابن الشّحنة، وابن أبي المجد، وبنت الأذرعي، وغيرهم فأكثر جدا، وأجاز له عامة من أخذت عنه في الرّحلة الشامية، ورافقني في الاشتغال على

стр. 4552

الأبناسي، والبلقيني، والعراقي، وغيرهم. ثم دخل اليمن سنة ثمانمائة، فاستمر بالمهجم وبعدن، إلى أن عاد من قرب، فسكن مصر، ثم ضعف بالدّرب، واختل عقله جدا، وسئم منه جيرانه فنقلوه إلى المارستان، فأقام به نحو شهرين ومات، وصلّيت عليه ودفنته بالتربة الرّكنية بيبرس في سلخ المحرم. انتهى. وفيها الشيخ تقي الدّين أبو بكر اللّوبياني [١] الفقيه الشافعي، أحد الفضلاء الشافعية بدمشق. باشر تدريس الشّامية الجوّانية وغيرها. وتوفي في شوال. وفيها شرف الدّين وبدر الدّين حسين بن علي بن سبع المالكي البوصيري [٢] . قال ابن حجر: ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وسمع على المحبّ الخلاطي أكثر «الدارقطني» أنا الدمياطي، و «صفة التصوف» لابن طاهر، خلا من أول زهد إلى آخر الكتاب. وسمع أيضا على عزّ الدّين ابن جماعة غالب «الأدب المفرد» للبخاري، وعرض على مغلطاي شيئا من محفوظة، وأجاز له، وكان من الطلبة بالشيخونية، وحدّث. سمع منه رضوان، وابن فهد، والبقاعي، وغيرهم. وأجاز لابني محمد ومن معه. ومات في ربيع الأول. انتهى. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي، المعروف بابن زريق [٣] . ولد في رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وأسمعه عمّه الكثير من ابن المحب، وابن عوض، وابن داود، وابن الذهبي، وابن العزّ، ومن مسموعه على

стр. 4553

ابن العزّ السادس من مسند أنس من «المختارة» للضياء، والثاني والسبعين منها. وسمع على ابن داود من «أمالي» المحاملي رواية أبي عمر بن مهدي، أنا سليمان بن حمزة. وتوفي فجأة ليلة الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر. وفيها زين الدّين أبو زيد وأبو هريرة عبد الرحمن بن نجم الدّين عمر بن عبد الرحمن بن حسين بن يحيى بن عمر بن عبد المحسن القبابي [١]- نسبة إلى القباب الكبرى من قرى أشمون الرّمان بالوجه الشرقي من أعمال القاهرة [٢]- ثم المقدسي الحنبلي المسند. ولد في ثالث عشر شعبان سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وأجاز له أبو الفتح الميدومي، وجلّ شيوخ العراقي، وسمع من الشيخ تقي الدّين السّبكي، وصلاح الدّين بن أبي عمر، وابن أميلة، وصلاح الدّين العلائي، والتبّاني، وابن رافع، والخلاطي، وابن جماعة، ومغلطاي، وابن هبل، وخلائق، تجمعهم «مشيخة» خرّجها له ابن حجر سمّاها «المشيخة الباسمة» للقبابي، وفاطمة، وكان أحد الفقهاء المبجلين بالقدس الشريف، وقد أكثر عنه الرّحالة وغيرهم، وقصد لذلك، وتفرّد بأكثر مشايخه، وأخذ عنه خلق، منهم ابن حجر. وتوفي ببيت المقدس في سابع ربيع الآخر. وفيها جلال الدّين أبو المحامد عبد الواحد [٣] بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب الفوي الأصل ثم المكّي العلّامة النحوي، الشهير بالمرشدي [٤] . قال ابن حجر: ولد في جمادى الآخرة سنة ثمانين وسبعمائة بمكة، وأسمع

стр. 4554

علي الشّاوري، والأميوطي، والشّهاب بن ظهيرة، وغيرهم. ورحل إلى القاهرة فسمع بها من بعض شيوخنا، ومهر في العربية، وقرأ الأصول، والمعاني، والفقه. وكان نعم الرّجل مروءة وصيانة. ومات في يوم الجمعة رابع عشري شعبان وكثر الأسف عليه. انتهى. وفيها علاء الدّين علي بن طيبغا بن حاجي بك التّركماني العينتابي الحنفي [١] . كان فاضلا وقورا، مهر في الفنون، وقرّره السلطان الأشرف مدرسا وخطيبا بالتربة التي أنشأها بالصّحراء. وتوفي بطريق الحجاز، ودفن بالقرب من الينبع. وفيها نور الدّين علي بن محمد بن موسى بن منصور المحلّي ثم المدني [٢] . وقال ابن حجر: ولد في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وسبعمائة بالمدينة المنورة، وسمع على ابن حبيب، وابن خليل، وابن القارئ، وأبي البقاء السّبكي، وغيرهم. وأجاز له ابن أميلة، وابن الهبل، وابن أبي عمر، وحدّث باليسير، وأجاز لنا، وليس ببلاد الحجاز أسند منه يوم مات. وتوفي في ثالث شوال. وفيها نجم الدّين محمد بن عبد الله بن عبد القادر الواسطي السّكاكيني [٣] الشافعي. قرأ على العاقولي، وصدر الدّين الإسفرايني مصنّف «ينابيع الأحكام في

стр. 4555

مذاهب الأربعة الأعلام» ومهر في النظم، والقراءات، والفقه. يقال: إنه أقرأ «الحاوي» ثلاثين مرّة، وله «شرح على منهاج البيضاوي» ونظم بقية القراءات العشر، و «تكملة» للشاطبي على طريقته حتّى يغلب على سامعه أنه نظم الشّاطبي. وخمّس «البردة» و «بانت سعاد» . وتوفي بمكة في سادس عشري ربيع الآخر. وفيها تقي الدّين محمد بن بدر الدّين محمد بن سراج الدّين عمر البلقيني الشافعي [١] . ولد سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ومات أبوه وهو طفل، فربّاه جدّه، وحفظ القرآن، وصلّى بالناس وهو صغير نحو عشرة سنين، ودرّس في «المنهاج» ولازم الكمال الدّميري وغيره، وكان ذكيا، حسن النّغمة. ونشأ في إملاق، ولما ولي عمّه القضاء نبه قليلا، وولي بأخرة نيابة الحكم بمينة الأمل وغيرها من الضواحي، ودرّس بعد موت عمّه جلال الدّين بجامع طولون، وتمول بملازمة ناظر الجيوشي عبد الباسط، وحصل وظائف وإقطاعات، وصار كثير المال جدا في مدة يسيرة، وحدّث عن جدّه بشيء يسير. وتوفي بالقاهرة ليلة الثاني عشر من شوال، ودفن على أبيه وجدّه، وخلّف ولدا كبيرا وآخر صغيرا وابنتين.

стр. 4556

سنة تسع وثلاثين وثمانمائة فيها وقع ببرصا طاعون عظيم واستمر أربعة أشهر [١] . وفيها وقع الوباء ببلاد كرمان وفشا الطّاعون بهراة، حتّى قيل: إن عدّة من مات بهراة ثمانمائة ألف. وكذلك فشا الوباء في بلاد اليمن جميعها وفي بلاد البربر والحبشة [٢] . وفيها توفي أمير زاه إبراهيم بن شاه رخ [٣] صاحب شيراز. وكان قد ملك البصرة وكان فاضلا حسن الخط جدا توفي في رمضان. وفيها أحمد بن شاه رخ [٤] ملك الشرق. مات في شعبان بعد أن رجع من بلاد الجزيرة، ثم فرار الرّوم، فحزن عليه أبوه، واتفق أنه مات له في هذه السنة ثلاثة أولاد كانوا ملوك الشرق بشيراز، وكرمان، وهذا كان أشدهم [٥] ويقال له: أحمد جوكي. قاله ابن حجر. وفيها همّام الدّين أحمد بن عبد العزيز السّبكي [٦] ثم الشّيرازي [٧] .

стр. 4557

قال ابن حجر: قرأ على الشّريف الجرجاني «المصباح في شرح المفتاح» . وقدم مكة فنزل في رباط، فاتفق أنه كان يقرئ في بيته فسقط بهم البيت إلى طبقة سفلى فلم يصب أحدا منهم شيء، وخرجوا يمشون، فلما برزوا سقط السقف الذي كان فوقهم. وكان حسن التقرير، قليل التكلف، مع لطف العبارة، وكثرة الورع، عارفا بالسلوك على طريق [١] كبار الصوفية. وكان يحذّر من مقالة ابن عربي وينفّر عنها. مات في خامس عشري شهر رمضان. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن محمد بن محمد الزّاهدي [٢] الحفّار [٣] المعمّر العابد خادم ضريح الشيخ رسلان بدمشق. ولد سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وأسمع من زينب بنت الكمال وغيرها، وقرأ الناس عليه بإجازتها. وتوفي في تاسع جمادى الأولى وله مائة سنة وسنتان. وفيها الأمير حسين بن أمير المسلمين أبي فارس الحفصي [٤] . قال ابن حجر: الإمام العلّامة المفتي الأمير ابن الأمير. كان أخوه لما مات في العام الماضي استقرّ ولده في المملكة أي مملكة المغرب، ثم أراد الحسين هذا الثورة، فظفر به وقتله، وقتل أخوين له، وعظمت المصيبة بقتل الحسين، فإنه كان فاضلا، مناظرا، ذكيا، ﵀.

стр. 4558

وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الفخر محمد بن علي المصري ثم الدمشقي [١] . تفقه قليلا، وأسمعه أبوه الكثير من مشايخ عصره، فسمع على الكمال بن حبيب «سنن ابن ماجة» وعلى ابن المحبّ «جزء العالي» أنا الحجّار و «عشرة الحداد» أنا إبراهيم بن صالح وعلي الصّلاح بن أبي عمر مسند عائشة من «مسند أحمد» . وتوفي في جمادى الآخرة. وفيها ركن الدّين عبد الرحمن بن علي بن محمد الحلبي الحنفي [٢] . الشريف، المعروف بالدّخان. اشتغل بدمشق، فمهر في المذهب، وناب في الحكم مدة، ثم ولي القضاء استقلالا بعد موت ابن الكشك. وتوفي ليلة الأحد سابع المحرّم. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العدناني الشهير بالبرشكي [٣] المحدّث الرّحال الفاضل. أخذ ببلاده عن جماعة، ورحل إلى المشرق سنة ست عشرة، فحجّ، وحمل عنه المشايخ، وأجاز له البرهان الشامي، وكان حسن الأخلاق، لطيف المجالسة، كريم الطّباع، رحمه الله تعالى. قاله ابن حجر. وفيها عبد الملك بن علي بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الباقي بن عبد الله بن أبي المنا البابي [٤] نزيل حلب الشافعي الضّرير النحوي، المعروف بالشيخ عبيد. ولد في حدود سنة ست وستين وسبعمائة، واشتغل على شرف الدّين

стр. 4559

الأنصاري، وشمس الدّين النابلسي، وغيرهما. وتقدم فيهما، وأخذ عنه جمع جمّ. وناب في الإمامة والخطابة بالجامع إلى أن مات في جمادى الآخرة، وكانت جنازته حافلة جدا. وفيها ولي الدّين عبد الولي بن محمد بن الحسن الخولاني اليمني الشافعي [١] . ولد بقرب تعز، ولازم بها الإمام رضي الدّين بن الخيّاط، والإمام جمال الدّين محمد بن عمر العوادي، وغيرهما. ولازم الشيخ مجد الدّين الفيروزآبادي [٢] . وأخذ عنه النحو واللغة، وجاور معه بمكة والطائف، ومهر إلى أن صار مفتي تعز مع ابن الخيّاط. وتوفي بالطّاعون. وفيها الحافظ جمال الدّين محمد بن الإمام رضي الدّين أبي بكر بن محمد بن الخيّاط اليمني الشافعي [٣] حافظ البلاد اليمنية. قال ابن حجر: تفقه بأبيه وغيره حتى مهر، ولازم الشيخ نفيس الدّين العلوي في الحديث، فما مضى إلّا اليسير، حتى فاق عليه، حتى كان لا يجاريه في شيء، وتخرّج بالشيخ تقي الدّين الفاسي، وأخذ عن القاضي مجد الدّين الشيرازي- أي صاحب «القاموس» - واغتبط به حتّى كان يكاتبه فيقول إلى اللّيث ابن اللّيث والماء ابن الغيث. ودرّس جمال الدّين بتعز وأفتى، وانتهت إليه رئاسة العلم بالحديث هناك، وأخذ عن الشيخ شمس الدّين الجزري لما دخل اليمن بأخرة. ومات بالطاعون في هذه السنة. انتهى.

стр. 4560

وفيها تاج الدّين أبو الفتح محمد بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن علي بن الشّرابيشي الشافعي [١] . طلب الفقه، وسمع من ابن خليل، وأكثر عنه، وسمع الكثير من أصحاب أصحاب السّبط وهذه الطبقة، ولازم ابن الملقّن، والعراقي. قال ابن حجر: وسمع معي كثيرا، وأجاز لي في استدعاء أولادي غير مرّة، وتصدى للإسماع، وأكثر عنه الطلبة من بعد سنة ثلاث وثمانمائة إلى أن مات. وكان يعلّق الفوائد التي يسمعها في مجالس المشايخ والأئمة، حتّى حصّل من ذلك جملة كبيرة، ثم تسلّط عليه بعض أهله يسرقون المجلدات مفرقات من عدة كتب قد أتقنها وحرّرها فيبيعونها تفاريق، والتي لم تجلد يبيعونها كراريس، وتغيّر عقله بأخرة. وتوفي يوم الأحد تاسع عشر جمادى الآخرة عن بضع وثمانين سنة. وفيها المنتصر أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي فارس [٢] صاحب تونس. لم يتهنّ في أيام ملكه لطول مرضه وكثرة الفتن. وتوفي في حادي عشري صفر. واستقرّ بعده شقيقه عثمان ففتك في أقاربه وغيرهم بالقتل والأسر، وخرج عليه عمّه أبو الحسن صاحب بجاية. وفيها محيي الدّين أبو زكريا يحيى بن أحمد بن حسن العبّابي- نسبة إلى عبّاب بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة جدّ- الشافعي المصري [٣] . ولد في آخر سنة ستين وسبعمائة، وقدم القاهرة فاشتغل بها، وحفظ «التنبيه» و «الألفية» و «مختصر ابن الحاجب» وحضر دروس البلقيني، وابن الملقّن،

стр. 4561

والأبناسي، وغيرهم، واشتغل في علم الحديث على العراقي، ولازم العزّ بن جماعة في قراءة «المختصر» ومحبّ الدّين بن هشام في العربية، وطاف على الشيوخ، ثم ارتحل إلى دمشق وهو فاضل، فلازم الزّهري، وأثنى على فضائله، حتى قال: ما قدم علينا من طلبة مصر مثله، وأذن له، وتكلّم على الناس بالجامع، وسكن بعد الفتنة بيت روحا فأقام بها، ودخل إلى مصر مع الشاميين، ثم عاد فلازم عمل الميعاد، واجتمع عليه العامة، وانتفعوا به، وقرأ «صحيح البخاري» عند نوروز، ثم ناب في الحكم عن ابن حجي سنة إحدى عشرة وثمانمائة، واستمرّ في ذلك. قال ابن حجر: ولم يكن في أحكامه محمودا، وكان في بصره ضعف فتزايد إلى أن أضرّ وهو مستمر على الحكم، وكان يؤخذ بيده فيعلّم بالقلم، وكان فصيحا، ذكيا، جيد الذهن، مشاركا في عدة فنون، مفتيا. وأقبل في أخرة على إقراء الفقه والتدريس، وسمع عليّ شيئا. وتوفي في ثامن عشر صفر. انتهى باختصار. وفيها الشيخ أبو الطّاهر بن عبد الله المرّاكشي المالكي [١] قال ابن حجر: الشيخ المغربي نزيل مكة. كان قرأ على عبد العزيز الحلماوي قاضي مرّاكش وغيره، وكان خيّرا ديّنا، صالحا. توفي بمكة في شوال.

стр. 4562

سنة أربعين وثمانمائة فيها توفي إبراهيم بن عبد الكريم الكردي الحلبي [١] . قال ابن حجر: دخل بلاد العجم، وأخذ عن الشريف الجرجاني وغيره، وأقام بمكة، وكان حسن الخلق، كثير البشر بالطلبة، انتفعوا به كثيرا في عدة فنون وجلّها المعاني والبيان، وكان يقرّرها تقريرا واضحا. مات في آخر المحرم. انتهى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان بن عمر البوصيري الشافعي [٢] . ولد في المحرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وسكن القاهرة، ولازم العراقي على كبر فسمع منه الكثير، ولام ابن حجر فكتب عنه «لسان الميزان» و «النكت على الكاشف» والكثير من التصانيف، ثم أكب على نسخ الكتب الحديثية، وكان كثير السكون والعبادة والتّلاوة، مع حدّة الخلق، وجمع أشياء، منها «زوائد سنن ابن ماجة» على الكتب «الأصول الستة» [٣] وعمل «زوائد المسانيد العشرة» [٤]

стр. 4563

و «زوائد السنن الكبير للبيهقي» [١] وكتاب «تحفة الحبيب للحبيب بالزوائد في الترغيب والترهيب» [٢] لم يبيضه ولم يزل مكبّا على الاشتغال والنسخ إلى أن توفي ليلة ثامن عشري المحرم بالقاهرة. وفيها شهاب الدّين أحمد بن صلاح بن محمد بن محمد بن عثمان بن علي بن السّمسار الشافعي، المعروف بابن المحمّرة ويعرف أبوه بابن البحلاق [٣] . ولد في صفر سنة سبع وستين وسبعمائة، وحفظ القرآن وهو صغير، و «العمدة» و «المنهاج» . وسمع من عبد الله بن علي الباجي، وتقي الدّين بن حاتم، ونحوهما. وأكثر عن البرهان الشامي، وابن أبي المجد، وناب في الحكم، وباشر عدة مدارس. قال ابن قاضي شهبة في «طبقاته» ناب في القضاء مدة ودخل في قضايا كبار وفصلها. وولي بعض البلاد فحصّل منها مالا، وصار يتجر بعد أن كان مقلّا يتكسّب من شهادة المخبز بالخانقاه الصّلاحية. ولما ولي قضاء الشام سار سيرة مرضية بحسب الوقت، ولم يعدم من يفتري عليه، إلّا أنه كان متساهلا بحيث لا يتجنب عن القضايا الباطلة، وكان لا يتولى الحكم بنفسه ولا يفصل شيئا، ولا ينكر على ما يصدر من نوّابه، مع اطلاعه على حالهم. انتهى. وقال ابن حجر: استمرّ بالقاهرة إلى أن شعرت مشيخة الصّلاحية بصرف الشيخ عزّ الدّين القدسي عنها، فسار إليها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين فباشرها إلى أن مات في شهر ربيع الآخر. انتهى.

стр. 4564

وفيها ستّ العيش أمّ عبد الله وأم الفضل عائشة بنت القاضي علاء الدّين علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكاتبة الفاضلة الصّالحة الكنانية العسقلانية الأصل ثم المصرية الحنبلية، سبطة القلانسي [١] . ولدت سنة إحدى وستين وسبعمائة، وحضرت على جدّها فتح الدّين القلانسي أكثر «العلامات» وغيرها، وسمعت من العزّ ابن جماعة، والقاضي موفق الدّين الحنبلي، وناصر الدّين الحراوي. ولها إجازة من محبّ الدّين الخلاطي وجماعة من الشاميين والمصريين، وأكثر عنها الطلبة آخرا، وكانت خيّرة تكتب خطا جيدا، وهي والدة القاضي عزّ الدّين ابن قاضي المسلمين برهان الدّين إبراهيم بن نصر الله الحنبلي. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن عبد الله المروزي الأصل، نزيل القاهرة، المعروف بابن الخرّاط [٢] الأديب الشاعر موقّع الدّست. ولد بحماة في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وقدم مع والده إلى حلب فنشأ بها، واشتغل على والده وغيره في الفقه وغيره، ثم تولّع بالأدب، واشتهر، وأكثر من مدح أكابر أهل حلب، ومدح جكم بقصائد طنّانة فأجازه، واختصّ به ونادمه، ثم بعد إقامته بمصر مدح ملوكها ورؤساءها. وقدم أخوه شمس الدّين إلى القاهرة صحبة ابن البارزي، فسعى له في كتابة السرّ بطرابلس فوليها، ثم قدم الديار المصرية فقطنها، وقرّر في كتابة الإنشاء، وكانت بيده وظائف كثيرة. وولي قضاء الباب [٣] بعد والده، فاستمر معه إلى أن مات، واعتراه في آخر عمره انحراف بعد أن كان في غاية اللطافة والكياسة. وتوفي ليلة الثلاثاء مستهلّ المحرم.

стр. 4565

وفيها تاج الدّين عبد الرحمن بن عمر بن محمود بن محمد الشافعي الحلبي، المعروف بابن الكركي [١] . ولد بحلب سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وسمع من جماعات، وولي قضاء حلب مدة، ثم نزل عن ذلك، واستمرّت بيده جهات قليلة يتبلغ منها. قال ابن حجر: سكن القاهرة مدة، وناب عني في الحكم، وحجّ، وتوجه، فلقيته بحلب لما توجهت إليها، وأجاز لأولادي. وتوفي في ثاني عشري شهر رمضان. وفيها شمس الدّين محمد بن إسماعيل بن أحمد بن الضبيّ الشافعي [٢] . قال ابن حجر: كان خطيبا بجامع يونس بالقرب من قنطرة السّباع، وكان ديّنا، خيّرا، مقبلا على شأنه، لازمني نحو الثلاثين سنة [٣] ، وكتب أكثر تصانيفي، منها «أطراف المسند» ، وما كمل من «شرح البخاري» [٤] وهو أحد عشر سفرا، و «المشتبه» [٥] و «لسان الميزان» و «الأمالي» وهي في قدر أربع مجلدات، و «تخريج الرافعي» . وكتب لنفسه من تصانيف غيري. واشتغل بالعربية، ولم تكن له همّة في غير الكتابة. وكان متقلّلا من الدنيا، قانعا باليسير، صابرا. توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر [٦] رمضان. وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن أحمد المناوي الأصل الجوهري الشافعي، المعروف بابن الرّيفي [٧] .

стр. 4566

قال ابن حجر: حصلت له ثرورة من قبل بعض حواشي الناصر من النساء، وأكثر من القراءة [١] على الشيخ برهان الدّين البيجوري، فقرأ عليه «الروضة» وفي «الرافعي الكبير» وفي «الرافعي الصغير» ، وغير ذلك ولازم [٢] دروس الولي العراقي، وكان كثير التّلاوة والإحسان للطلبة. توفي يوم الخميس خامس شوال وكانت جنازته مشهودة. وفيها مجد الدّين أبو الطّاهر محمد بن محمد بن علي بن إدريس بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن العلوي- نسبة إلى بني علي بن بلي بن وائل- التّعزي الشافعي [٣] . ولد في أول شوال سنة ست وثمانمائة، وقرأ القرآن، وحصّل طرفا من العربية، ونظم الشعر، وأحبّ طلب الحديث، فأخذ عن الجمال ابن الخيّاط بتعز، وحضر عند الفيروزآبادي، وأجاز له، وحجّ سنة تسع وثلاثين، فسمع بمكّة، ثم قدم القاهرة فأكثر على ابن حجر السماع ليلا ونهارا، وكتب بخطّه كثيرا، ثم بغته الموت فتوعك أياما. وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة. وفيها شمس الدّين محمد المغربي الأندلسي النحوي [٤] . قال ابن حجر: ولي قضاء حماة. وأقام بها مدة، ثم توجه إلى الرّوم فأقام بها، وأقبل الناس عليه، وكان شعلة نار في الذكاء، كثير الاستحضار، عارفا بعدة علوم خصوصا العربية، وقد قرأ في علوم الحديث عليّ، وكان حسن الفهم. مات في شعبان ببرصا من بلاد الرّوم.

стр. 4567

وفيها شرف الدّين موسى بن أحمد بن موسى بن عبد الله بن سليمان السّبكي الشافعي [١] . ولد سنة اثنتين [٢] وستين [٢] وسبعمائة تقريبا في شبك العبيد، وكان متصديا لشغل الطلبة بالفقه جميع نهاره، وأقام على ذلك نحو عشرين سنة، ولم يخلّف بعده نظيره في ذلك. وتوفي بمرض السّلّ يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة. وفيها شهاب الدّين أبو الخير نعمة الله بن الشيخ شرف الدّين محمد بن عبد الرحيم البكري الجرهي- بكسر الجيم وفتح الراء الخفيفة [٣]-. ولد بشيراز سنة خمس عشرة وثمانمائة، وسمع الكثير، وحبّب إليه الطلب. قال ابن حجر: سمع من أبيه وجماعة بمكة، ثم قدم القاهرة فأكثر عنّي، وعن الشيوخ، وفهم، وحصّل كثيرا من تصانيفي، ومهر فيها، وكتب الخطّ الحسن، وعرف العربية. ثم بلغه أن أباه مات في العام الماضي فتوجه في البحر فوصل إلى البلاد، ورجع هو وأخوه قاصدين مكة فغرق نعمة الله في نهر الحسا في رجب أو شعبان ظنا، ونجاه أخوه، فلما وصل إلى اليمن ركب البحر إلى جدّة، فاتفق وقوع الحريق بها، فاحترق مع من احترق، لكنه عاش وفقد رجليه معا، فإنهما احترقتا [٤] ، والله أعلم.

стр. 4568

سنة إحدى وأربعين وثمانمائة فيها وقع الطّاعون في نصف الشتاء في البلاد الشامية فكثر [١] بحماة وحمص وحلب [٢] ثم تحول إلى دمشق في [٣] أواخر الشتاء، ثم اتصل بالبلاد المصرية [٤] . وفيها توفي الحافظ برهان الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خليل الشيخ الإمام الحافظ الحلبي، المعروف بالقوف [٥] سبط ابن العجمي [٦] . قال في «المنهل الصّافي» : مولده في ثاني عشري رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وبها نشأ، وطلب العلم، وقرأ الحديث على الشيخ كمال الدّين عمر بن العجمي، و [المحدّث] شرف الدّين [الحسين بن عمر] بن حبيب، والظّهير ابن العجمي، وخلق. وقرأ النحو على الشيخين أبي جعفر، وأبي عبد الله الأندلسيين، وغيرهما. واشتغل في الفقه، والقراآت، والتصريف، والبديع، والتصوف. ورحل فسمع بحماة، ودمشق، والقاهرة من الحافظ ابن المحبّ، وصلاح الدّين بن أبي عمر، والحافظ زين الدّين العراقي، والحافظ سراج الدّين بن الملقّن، وغيرهم. وسمع بالإسكندرية، والقدس، وغزّة، وسمع منه جماعة كثيرون، منهم ابن

стр. 4569

حجر، وابن ناصر الدّين حافظ دمشق، وغيرهما. ورحلت إليه الطلبة. وكان إماما، حافظا، بارعا مفيدا. سمع الكثير، وألّف التآليف المفيدة الحسنة، وكتب على «صحيح البخاري» وعلى «سيرة ابن سيّد الناس» وعلى كتاب «الشفا» للقاضي عياض. وصنّف «نهاية السول في رواية الستة الأصول» و «شرح سنن ابن ماجة» وذيّل على كتاب «الميزان» للذهبي. وتوفي بحلب ضحى يوم الاثنين السادس والعشرين من شوال. انتهى. وفيها [١] شهاب الدّين [١] أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن المادح المعروف بالقرداح [٢] الواعظ. ولد سنة ثمانين وسبعمائة. قال ابن حجر: كان [٣] قد انتهت إليه رئاسة الفنّ، ولم يكن في مصر والشام من يدانيه. وكان طيّب النّغمة، عازفا بالموسيقا، يجيد الأعمال ويتقنها، ولا ينشد غالبا إلّا معربا، ومهر في علم الميقات، وكان ينظم نظما وسطا. سمعت منه ومدحني مرارا، وكان يعمل الألحان وينقل كثيرا منها إلى ما ينظمه، فإذا اشتهر وكثر استعمل غيره، وهو أحد مفاخير الدّيار المصرية، ولم يخلّف بعده مثله. وخلّف كتبا كثيرة تزيد على ألف مجلّد، وخلّف مالا جزيلا خفي غالبه على ورثته. انتهى. وفيها الملك الأشرف برسباي بن عبد الله أبو النصر الدّقماقي الظّاهر الجاركسي [٤] سلطان الدّيار المصرية، والبلاد الشامية، والأقطار الحجازية، الثاني والثلاثون من ملوك التّرك، والثامن من ملوك الجراكسة.

стр. 4570

أخذ من بلاد الجركس، وأبيع بالقرم. ثم اشتراه بعض التجار وقدم به إلى الجهة الشامية، فلما وصل إلى مدينة ملطية اشتراه نائبها الأمير دقماق المحمدي، ثم أرسله إلى الملك الظّاهر برقوق في جملة تقدمة هائلة، ثم أعتقه برقوق، وتنقلت به الأيام إلى أن صار ساقيا في دولة الناصر فرج، ثم انحرف إلى جهة الأميرين شيخ، ونوروز، وصار معهما إلى أن قتل الناصر، وقدم صحبة الأمير شيخ إلى الديار المصرية، وصار من جملة الأمراء بها، ولا زال يترقّى إلى أن صار أمير مائة مقدم ألف، ثم ولي نيابة طرابلس سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ثم عزل وقبض عليه وحبس بالمرقب ثم أفرج عنه، وصار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق، ثم عاد إلى الدّيار المصرية صحبة الملك الظّاهر ططر سنة أربع وعشرين، ثم تنقلت به الأحوال، إلى أن بويع بالسلطنة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، فساس الملك أحسن سياسة، ونالته السعادة، وفتحت في أيامه عدة فتوحات، منها ماغوصة قبرص، ثم بقية جزيرة قبرص، وأسر ملكها جينوس، ولم يقتل من المسلمين إلّا القليل، ثم عرض عليه جينوس ومن معه من الأسرى وهو يرفل في قيوده على برسباي، فذرفت عيناه، وأعلن بالحمد والشكر، ورتّب له ما يكفيه، ثم أطلقه وأعاده بعد أن ضرب عليه الجزية واستمرت، وكان برسباي ملكا، جليلا، مهابا، عارفا، سيوسا، متواضعا، حسن الخلق، شهما، شجاعا، ذا شيبة نيّرة، وهيئة حسنة، متجملا في حركاته، حريصا على ناموس الملك، لا يتعاطى شيئا من المسكرات، محبا لجمع المال، مكثرا من المماليك، شرها في جمع الخيول والجمال وغيرها. وكانت أيامه في غاية الحسن، مرض في أوائل شعبان وتطاول به المرض، ولما قوي عليه المرض وسط طبيبه العفيف الأسلمي رئيس الأطباء، وزين الدّين خضر في يوم السبت رابع شوال. ولما قدم العفيف للتوسيط [١] استسلم وثبت حتّى صار قطعتين، وقدم خضر فراع، وجزع جزعا شديدا، ودافع عن نفسه، وصاح وبكى، فتكاثروا عليه، ووسطوه توسيطا معذبا لتلوّيه واضطرابه فساءت القالة في السلطان، وقوي مرضه من حينئذ، وابتلي بالصّرع المهول، إلى

стр. 4571

أن توفي قبيل عصر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجّة عن نيّف وستين سنة. وتسلطن بعده ولده العزيز يوسف بعهد منه، وكانت مدة سلطنته ست عشرة سنة وثمانية شهور وخمسة أيام، وهو الذي أنشأ المدرسة الأشرفية في القاهرة بين القصرين وغيرها من الآثار الجميلة. وفيها قاضي القضاة شهاب الدّين أحمد بن أقضى القضاة ناصر الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن حمزة، الشيخ الإمام العالم المحدّث الحنبلي، الشهير بابن زريق [١] . قرأ القرآن، واشتغل، فقرأ «الخرقي» . وأخذ الفقه عن جماعة، منهم الشيخ شرف الدّين بن مفلح. قرأ عليه قطعة كبيرة من «فروع» والده، ويقال: إنه كان يحفظ ثلث «الفروع» والشيخ شمس الدّين بن القباقبي [٢] ، وأذن له في الإفتاء، وكان له ذهن جيد ومحاضرة حسنة، وناب في الحكم، ثم ترك، وأقبل على عمل الميعاد بالجامع المظفّري، وقرأ «صحيح البخاري» فيه، مع تقشف وديانة، إلى أن لحق بالله تعالى في الطّاعون، ودفن بالرّوضة قريبا من الشيخ موفق الدّين، وتأسف الناس على فقده. وفيها أحمد بن يحيى الشّاوي اليمني الصّوفي [٣] . قال المناوي في «طبقاته» : كان كبير القدر، سريا، رفيع الذّكر، سنّيّا، صاحب أحوال وكرامات، منها أنه قصده جمع من الزّيدية ممن لا يثبت الكرامات وقصدوا امتحانه، وكان عنده جبّ فيه ماء، فجعل يغرف منه تارة لبنا وتارة سمنا وأخرى عسلا، وغير ذلك بحسب ما اقترحوا عليه. ودخل على القاضي عثمان بن محمد النّاشري وقد أرجف بموته ثم خرج وعاد إليه وقال لأهله: قد استمهلت له ثلاث سنين، فأقام القاضي بعدها ثلاث

стр. 4572

سنين لا تزيد ولا تنقص. وكان يحصل له وجد عظيم عند السّماع فيتكلم بغرائب من العلوم والمعارف والحقائق. انتهى. وفيها القاضي تاج الدّين أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الطرابلسي الحنفي [١] . سمع على ابن منّاع الدمشقي بعض الأجزاء الحديثية بسماعه من عيسى المطعم. وسمع على البرهان الشامي وغيره، وحدّث قليلا، وناب في الحكم عن أخيه أمين الدّين [٢] وغيره، وولي إفتاء دار العدل، وكان يصمم في الأحكام ولا يتساهل كغيره، وأقعد في أواخر عمره، وحصلت له رعشة، ثم فلج فحجب، وأقام على ذلك إلى أن مات ليلة الثاني والعشرين من المحرّم. وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن مصلح الدّين موسى بن إبراهيم الرّومي الحنفي، الشيخ الإمام العلّامة [٣] . ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة، وكان فقيها، بارعا، مفنّنا [٤] في علوم شتّى. تخرّج بالشريف الجرجاني، والسعد التّفتازاني وحضر أبحاثهما بحضرة تيمور وغيره، فكان يحفظ تلك الأسئلة والأجوبة المفحمة ويتقنها، وقدم مصر مرّات، ونالته الحرمة الوافرة من الملك الأشرف برسباي، وولّاه مشيخة الصّوفية بمدرسته التي أنشأها وتدريسها فباشرها مدة ثم تركها وتوجه إلى الحجّ. وكان دأبه الانتقال من بلد إلى بلد. وكان متضلعا من العلوم، عالما، مفنّنا، محقّقا، عارفا بالجدل، بارعا في علوم كثيرة، إلا أنه يستخف بكثير من علماء مصر. وانضم إليه طلبتها لما قدم آخرا، وأخذ في الأشغال [٥] فلم تطل مدته. وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان.

стр. 4573

وفيها علاء الدّين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري العجمي [١] الحنفي [٢] العلّامة، علّامة الوقت. قال ابن حجر: ولد سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببلاد العجم [٢] ، ونشأ ببخارى فتفقه بأبيه وعمّه العلاء عبد الرحمن، وأخذ الأدبيات والعقليات عن السعد التفتازاني وغيره، ورحل إلى الأقطار، واجتهد في الأخذ عن العلماء، حتّى برع في المعقول والمنقول، والمفهوم والمنطوق، واللغة والعربية، وصار إمام عصره. وتوجه إلى الهند فاستوطنه مدة، وعظم أمره عند ملوكه إلى الغاية لما شاهدوه من غزير علمه وزهده وورعه، ثم قدم مكّة فأقام بها، ودخل مصر فاستوطنها، وتصدر للإقراء بها، فأخذ عنه غالب من أدركناه من كل مذهب وانتفعوا به، علما، وجاها، ومالا. ونال عظمة بالقاهرة، مع عدم تردد إلى أحد من أعيانها، حتّى ولا السلطان، والكلّ يحضر إليه. وكان ملازما، للإشغال، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، والقيام بذات الله تعالى، مع ضعف كان يعتريه. وآل أمره إلى أن توجه إلى الشام فسار إليها بعد أن سأله السلطان الإقامة بمصر مرارا فلم يقبل. وسار إليها فأقام بها إلى أن مات [٣] في خامس شهر رمضان، ولم يخلّف بعده مثله في العلم، والزّهد، والورع، وإقماع أهل الظلم والجور.

стр. 4574

سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة فيها خلعوا الملك العزيز بن برسباي بعد أن كان له في السلطنة ثلاثة أشهر وأقيم الملك الظاهر أبو سعيد جقمق [١] . وفيها توفي إبراهيم ابن حجي الحنبلي الكفل حارسي [٢] الشيخ الإمام العلّامة برهان الدّين. قاله العليمي في «طبقاته» . وفيها شهاب الدّين أحمد بن تقي الدّين محمد بن أحمد الدّميري المالكي المعروف بابن تقي [٣] ، وكانت أمه أخت القاضي تاج الدّين بهرام، فكان ينتسب إليها ولا ينتسب لأبيه، ويكتب بخطه في الفتاوى وغيرها أحمد بن أخت بهرام. قال ابن حجر: كان فاضلا، مستحضرا للفقه والأصول والعربية والمعاني والبيان وغيرها، فصيحا، عارفا بالشروط والأحكام، جيد الخطّ، قوي الفهم، لكنه كان زري الهيئة، مع ما ينسب إليه من كثرة المال، وقد عيّن للقضاء مرارا فلم يتفق. وكان في صباه آية في سرعة الحفظ، بحيث يحفظ الورقة من «مختصر ابن الحاجب» من مرتين أو ثلاث. وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول ولم يكمل الستين، وخلّف ذكرين وأنثى.

стр. 4575

وفيها علم الدّين أحمد بن القاضي تاج الدّين محمد بن القاضي علم الدّين محمد بن القاضي كمال الدّين محمد بن القاضي برهان الدّين محمد الأخنائي المالكي [١] أحد نوّاب الحكم بالقاهرة. قال في «المنهل» : كان فقيها، فاضلا، مستحضرا لفروع مذهبه، من بيت علم ورئاسة وفضل. ناب في الحكم عدة سنين، وكان مشكور السيرة في أحكامه، وله ثروة وحشمة. مات بعد مرض طويل بالقاهرة في يوم الأربعاء خامس عشري شهر رمضان. وفيها الملك الظّاهر هزبر الدّين [٢] عبد الله، وقيل يحيى بن إسماعيل بن علي بن داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول [٣] ، صاحب اليمن بن الأشرف. ملك اليمن في رجب سنة ثلاثين وثمانمائة، وضعفت مملكته، وخربت ممالك اليمن في أيامه لقلة محصوله بها من استيلاء العربان على أعمالها، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الخميس سلخ رجب. وملك بعده ابنه الملك الأشرف إسماعيل وله نحو العشرين سنة فساءت سيرته. وفيها [٤] نور الدّين [٤] علي بن عبد الرحمن بن محمد الشلقامي الشافعي [٥] . قال ابن حجر: ولد في الطاعون الكبير سنة تسع وأربعين وسبعمائة، أو في

стр. 4576

حدودها، وهو أسنّ من بقي من الفقهاء الشافعية. حضر دروس الجمال الإسنائي، وكان من أعيان الشهود، وله فضيلة ونظم. مات راجعا من الحجّ بالقرب من السّويس. وفيها موفق الدّين علي بن محمد بن قحر- بضم القاف، وسكون المهملة بعدها راء- الشافعي الزّبيدي [١] . قال في «المنهل» : الإمام العالم [٢] المفنّن، عالم زبيد ومفتيها. ولد سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وانتهت إليه رئاسة العلم والفتوى بزبيد إلى أن توفي بها في ثاني شوال. انتهى. وفيها حافظ دمشق شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي الشهير بابن ناصر الدّين الشافعي، وقيل الحنبلي [٣] . ولد في أواسط محرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق، وبها نشأ، وحفظ القرآن العزيز وعدة متون، وسمع الحديث في صغره من الحافظ أبي بكر بن المحبّ، وتلا بالروايات على ابن البانياسي، ثم أكب على طلب الحديث، ولازم الشيوخ، وكتب الطباق. وسمع من خلق، منهم بدر الدّين بن قوام، ومحمد بن عوض، والعزّ الأبناسي، وابن غشم المرداوي، والصّدر المناوي، ونجم الدّين بن العز، وبرهان الدّين بن عبد الهادي، وأبو هريرة بن الذّهبي، وخلائق يطول ذكرهم.

стр. 4577

وأخبر السخاوي أنه قرأ على ابن حجر، وابن حجر قرأ عليه، ومهر في الحديث، وكتب، وخرّج، وعرف العالي والنازل، وخرّج لنفسه ولغيره، وصار حافظ الشام بلا منازع، وأخذ العربية عن البانياسي وغيره، والفقه عن ابن خطيب الدهشة، والسّراج البلقيني. وأجاز له من القاهرة الحافظ الزّين العراقي، والسّراج بن الملقّن، وغيرهما. واشتهر اسمه، وبعد صيته، وألّف التآليف الجليلة، منها «توضيح مشتبه الذهبي» [١] في ثلاث مجلدات كبار، وجرّد منه كتاب «الإعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام» [٢] و «بديعة البيان عن موت الأعيان» [٣] ، نظما وشرحها في مجلد سمّاه «التبيان» [٤] وقصيدة في أنواع علوم الحديث، سمّاها «عقود الدّرر في علوم الأثر» وشرحها شرحين مطول ومختصر. وكتاب «السّرّاق من الضعفاء» و «كشف القناع عن حال من افترى الصّحبة والأتباع» و «إتحاف السّالك برواية الموطأ عن مالك» و «جامع الآثار في مولد المختار» ثلاثة أسفار كبار، و «مورد الصادي في مولد الهادي» واختصر منه «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» . وله مصنّفات في المعراج، وكذا في الوفاة النبوية. و «افتتاح القاري لصحيح البخاري» و «تحفة الأخباري بترجمة البخاري» و «منهاج السّلامة في ميزان القيامة» و «التنقيح لحديث التسبيح» و «جزء في فضل يوم عرفة» و «جزء في فضل يوم عاشوراء» [٥] و «برد الأكباد عن موت الأولاد» و «نفحات الأخيار في مسلسلات الأخبار»

стр. 4578

و «الأربعون المتباينة الأسانيد والمتون» و «مسند تميم الدّاري وترجمته» و «عرف العنبر في وصف المنبر» و «الروض الندي في الحوض المحمدي» . مجلد ذكر فيه طرق حديث الحوض من ثمانين طريقا. و «ربع الفرع في شرح حديث أم زرع» و «رفع الدّسيسة بوضع الهريسة» و «جزء» فيه أحاديث ستة عن حفاظ ستة في معان ستة من مشايخ الأئمة الستة بين مخرّجها وبين روايتها ستة. و «نيل الأمنية بذكر [١] الخيل النبوية» و «الإملاء الأنفسي في ترجمة عسعسي» و «إعلام الرّواة بأحكام حديث القضاة» و «الأعلام الواضحة في أحكام المصافحة» و «إطفاء حرقة الحوبة بإلباس خرقة التوبة» و «مختصر في مناسك الحج» وعدة مصنّفات أخر. وتوفي بدمشق في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الآخر ودفن بمقبرة باب الفراديس. وفيها تاج الدّين عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي [٢] . قال العليمي: الشيخ الإمام [٣] العالم القاضي. كان من أهل الفضل، وهو من بيت علم ورئاسة، وكان يكتب على الفتوى عبارة حسنة تدلّ على فضله، وصنّف «مناسك الحجّ» وهو حسن، وله رواية في الحديث وخطه [٤] حسن. ولي قضاء الحنابلة بنابلس وباشر مدة طويلة، وتوفي بها. وتوفي ولده زين الدّين جعفر في سنة أربع وأربعين. وولده الثاني القاضي زين الدّين عمر في سنة ست وأربعين وثمانمائة. وفيها قاضي القضاة شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن

стр. 4579

عثمان بن نعيم بن محمد بن حسن بن غنّام البساطي المالكي النحوي [١] . قال السيوطي: ولد في جمادى الأولى سنة ستين وسبعمائة ببساط، وانتقل إلى مصر، واشتغل بها كثيرا في عدة فنون، وكان نابغة الطلبة في شبيبته، واشتهر أمره، وبعد صيته، وبرع في فنون المعقول، والعربية، والمعاني، والبيان، والأصلين. وصنّف فيها وفي الفقه، وعاش دهرا في بؤس بحيث إنه كان ينام على قشر القصب، ثم تحرّك له الحظ فولي تدريس المالكية بمدرسة جمال الدّين الاستادار، ثم مشيخة تربة الملك الناصر، ثم تدريس البرقوقية، وتدريس الشيخونية. وناب في الحكم عن ابن عمّه. ثم تولى القضاء بالديار المصرية سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة فأقام فيه عشرين سنة متوليا لم يعزل منه، وكان سمع الحديث من التّقي البغدادي وغيره، ولم يعتن به. ومن تصانيفه «المغني» في الفقه، و «شفاء الغليل في مختصر الشيخ خليل» و «شرح ابن الحاجب الفرعي» و «حاشية على المطوّل» و «حاشية على شرح المطالع» للقطب. و «حاشية على المواقف» للعضد. و «نكت على الطوالع» للبيضاوي، و «مقدمة» في أصول الدّين. وأخذ عنه جماعة من أئمة العصر، منهم شيخنا الإمام الشّمنّي، وقاضي القضاة محيى الدّين المالكي قاضي مكّة. وحدّثنا عنه غير واحد. ومات بالقولنج ثاني عشر شهر رمضان وأمطرت السماء بعد دفنه مطرا غزيرا أي وكانت وفاته بالقاهرة. وفيها جمال الدّين محمد بن سعيد بن كبّن- بفتح الكاف وشدة الموحدة بعدها نون- اليمني [٢] قاضي عدن.

стр. 4580

كان فاضلا مشاركا في علوم كثيرة، ولي القضاء بعد نحوا من أربعين سنة تخللتها، ولاية القاضي عيسى اليافعي مددا مفرقة. وتوفي بعدن وأسف الناس عليه لما كان فيه من المداراة، وخفض الجناح ولين الجانب والإصلاح بين الخصوم وقد قارب الثمانين. وفيها شرف الدّين أبو النّون يونس بن حسين بن علي بن محمد بن زكريا الزبيري [١] بن الجزّار الألواحي، نزيل القاهرة الشافعي [٢] . ولد بالقاهرة سنة خمس وستين وسبعمائة، وسمع من عبد الرحمن بن القارئ، وناصر الدّين الطبردار وغيرهما، وحدّث بالكثير، وعرض «العمدة» على الجمال الإسنوي، ولازم السّراج البلقيني. قال ابن حجر: وجمع لنفسه مجاميع مفيدة، لكنه كان عريا من العربية فيقع له اللحن الفاحش. وكان كثير الابتهال والتوجه، ولا يعدم في طول عمره عاميا يتسلط عليه وخصوصا ممن يجاوره، وسمع منه خلق. وتوفي ليلة الخميس رابع عشر ذي الحجّة.

стр. 4581

سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة فيها توفي برهان [الدّين] إبراهيم بن فلاح النابلسي [١] الحنبلي. كان من العلماء العاملين. توفي بصالحية دمشق. وفيها تقي الدّين عبد اللطيف بن القاضي بدر الدّين محمد بن الأمانة [٢] . قال ابن حجر: درّس في الحديث بالمنصورية، وفي الفقه بالمدرسة الهكارية مكان أبيه أياما. ومات وهو شاب في يوم الأحد ثامن عشري ذي القعدة، وكان مشكور السيرة على صغر سنة. انتهى. وفيها القاضي علاء الدّين علي بن محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عمر بن إسماعيل بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علي بن هبة الله بن ناجية الطائي الشافعي الحلبي [٣] قاضي حلب وفقيهها، المعروف بابن خطيب الناصرية. ولد سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وسمع من أحمد بن عبد العزيز بن

стр. 4582

المرحّل، وهو أقدم شيخ له، ومن عمر بن أيدغمش خاتمة أصحاب إبراهيم بن خليل. وكان إماما عالما، مفنّنا، شديد الحبّ للقضاء، حتى بلغ من غيرته عليه أنه أوصى بأن يسعى به لابن بنته أثير الدّين بن الشّحنة في قضاء الشافعية بحلب، مع أنه حنفي المذهب. توفي يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة بحلب ولم يخلّف بها [١] بعده مثله ولا قريبا منه. وفيها جمال الدّين محمد بن عبد الله الكازروني المدني [٢] الشيخ الإمام العالم. انتهت إليه رئاسة العلم بالمدينة النبوية. وولي قضاءها وخطابتها، ثم صرف، ودخل القاهرة مرارا ولم يخلّف بعده من يقارنه بالمدينة المنورة. وفيها شمس الدّين محمد بن يحيى بن علي بن محمد بن أبي بكر المصري الصالحي- نسبة إلى قرية يقال لها مينة أم صالح بناحية مليج الغربية وإلى حارة الصالحية بالبرقية داخل القاهرة- الشافعي المذهب [٣] . ولد قبل الستين وسبعمائة، وعني بالقراءات فأتقن السبع على جماعة، ورحل إلى دمشق، واشتغل بالفقه، وتولى تدريس الفقه البرقوقية عن الشيخ أوحد بحكم نزوله له عنه بمبلغ كبير من الذهب، واتصل بالأمير قطلوبغا الكركي فقرّره إماما بالقصر، وناب بجاهه في الحكم أحيانا، وأم قطلوبغا المذكور. ثم ولي مشيخة القراءات بالمدرسة المؤيدية لما فتحت وما تزوج. وكان مولعا بالمطالب، ينفق ما يتحصل له فيها، مع التقتير على نفسه، وكفّ بصره في أواخر عمره، واختل ذهنه، عفا الله عنه. قاله ابن حجر.

стр. 4583

وفيها صلاح الدّين خليل بن أحمد الأديب المعروف بابن الغرس [١] المصري [٢] الشاعر المشهور. قال في «المنهل الصّافي» : كان أديبا ذكيا فاضلا، يلبس لبس أولاد الأتراك، واشتغل في ابتداء أمره بفقه الحنفية، ثم غلب عليه الأدب، [ونظّم القريض] حتّى صار معدودا من الشعراء المجيدين. وكان ضخما جسيما إلّا أنه كان لطيفا، حاذقا، حلو المحاضرة، حسن البديهة. ومن شعره: عجوزة حدباء عاينتها ... تبسّمت. قلت: استري فاكي سبحان من بدّل ذاك البها ... بقبح أشداق [٣] وأحناك ومنه أيضا: خليليّ ابسطا لي الأنس إنّي ... فقير، متّ في حبّ الغواني وإن تجدا مداما أو قيانا ... خذاني للمدامة والقيان توفي في شعبان وقد نيّف على الخمسين.

стр. 4584

سنة أربع وأربعين وثمانمائة فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير بن صالح الشافعي، المعروف بالعجيمي [١] قاضي المحلة. قال في «المنهل» : كان فقيها عالما فاضلا، ولي نيابة الحكم بالمحلّة وغيرها عدة سنين، وكثر ماله من ذلك، وكانت له وجاهة، واستمرّ على ذلك إلى أن توفي يوم الثلاثاء رابع عشري جمادى الأولى عن أكثر من ثمانين سنة. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن حسين بن أرسلان المقدسي [٢] الشافعي الصّوفي الشيخ الإمام العالم الصالح القدوة. ولد برملة فلسطين سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ثم رحل لأخذ العلوم، فسمع الحديث على جماعة كثيرة، وبرع في الفقه، حتّى أجازه قاضي القضاة الباعوني بالإفتاء، وتصدى للإقراء وما قرأ عليه أحد إلّا انتفع، وكان يكني جماعته بكنى كأبي طاهر، وأبي المواهب فلا يتخلف أثرها، ولزم الإفتاء والتدريس مدة، ثم ترك ذلك، وسلك طريق الصّوفية القويم، وجدّ واجتهد، حتّى صار منارا يهتدي به السّالكون، وشعارا يقتدي به الناسكون، وغرست محبته في قلوب الناس فأثمر له ذلك الغراس. ومن تصانيفه النافعة: «شرح سنن أبي داود» و «البخاري» وعلّق على «الشفا» وشرح «مختصر ابن الحاجب» و «جمع الجوامع» و «منهاج البيضاوي» وشرح «أرجوزته الزبد» في كبير وصغير، و «تصحيح الحاوي» و «مختصر الروضة» و «المنهاج» و «أدب القاضي» للغزّي و «الأذكار» و «حياة الحيوان» ونظم في علم

стр. 4585

القراآت، وأعرب «الألفية» و «شرح الملحة» وعمل «طبقات الشافعية» ونظم من علوم القرآن ستين نوعا. ومن نظمه في المواضع التي لا يجب فيها ردّ السلام: ردّ السّلام واجب إلّا على ... من في صلاة أو بأكل شغلا أو شرب او قراءة أو أدعية ... أو ذكر او خطبة أو تلبية أو في قضاء حاجة الإنسان ... أو في إمامة أو الأذان أو سلّم الطّفل أو السّكران ... أو شابّة يخشى بها افتتان أو فاسق أو ناعس أو نائم ... أو حالة الجماع أو محاكم أو كان في الحمّام أو مجنونا ... هي اثنتان بعدها عشرونا قال المناوي في «طبقات الأولياء» : وله كرامات لا تكاد تحصى، منها أنه شفع عند طوغان كاشف الرّملة فلم يقبل شفاعته. وقال: طولتم علينا يا ابن رسلان، إن كان له سرّ فليرم هذه النّخلة لنخلة بقربه فما تم كلامه إلّا وهبّت ريح عاصفة فألقتها فبادر الشيخ معتذرا، ومنها أنه لما أتمّ كتاب «الزّبد» أتى به إلى البحر وثقّله بحجر، وألقاه في قعره، وقال: اللهم إن كان خالصا لك فأظهره وإلا فأذهبه، فصعد من قعر البحر حتّى صار على وجه الماء ولم يذهب منه حرف [١] . ومنها أنه سمع عند إنزاله القبر يقول: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ٢٣: ٢٩ [المؤمنون: ٢٩] . وكان صائما قائما، قلّما يضطجع بالليل. وتوفي بالقدس يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان عن إحدى وسبعين سنة، وارتجت الدّنيا لموته، ولم يخلّف بعده بتلك الدّيار مثله. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن صالح المحلّي الشافعي [٢] .

стр. 4586

قال في «المنهل» : الشيخ الإمام العلّامة. كان إماما بارعا في الفقه، والأصول، والفرائض، والنحو، والتصريف، وتصدّر للتدريس عدة سنين، وخطب مدة، مع سلوك ونسك وعبادة وصلاح، وكان للناس فيه اعتقاد حسن، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء ثامن عشري ذي الحجّة. انتهى. وفيها قاضي القضاة محبّ الدّين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي ثم المصري [١] الحنبلي، شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، المعروف بابن نصر الله شيخ المذهب، ومفتي الديار المصرية. ولد ببغداد في ضحوة يوم السبت سابع عشر رجب سنة خمس وستين وسبعمائة، وسمع بها من والده الشيخ نصر الله، ومن نجم الدّين أبي بكر بن قاسم، ونور الدّين علي بن أحمد المقرئ. وعنى بالحديث، ثم قدم القاهرة مع والده، وأخذ عن مشايخ، منهم سراج الدّين البلقيني، وزين الدّين العراقي، وابن الملقّن. وأخذ عن الشيخ زين الدّين بن رجب بالشام، وسمع بحلب من الشّهاب بن المرحّل. وولي تدريس الظّاهرية البرقوقية وغيرها. وناب في الحكم عن ابن المغلي، وناظر وأفتى، وانتفع به الناس. وكان متضلعا بالعلوم الشرعية، من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول. قال برهان الدّين ابن مفلح في «طبقاته» : وهو من أجل مشايخنا، وانتهت إليه مشيخة الحنابلة بعد موت مستخلفه [٢] قاضي القضاة [٢] علاء الدّين ابن مغلي. وله عمل كثير في «شرح مسلم» . وله «حواشي على المحرّر» حسنة، وعلى «الفروع» ، وكتابة على الفتوى نهاية. وأفتى [٣] بصحة الخلع حيلة، وعدم وقوع الطلاق بفعل المحلوف عليه في

стр. 4587

زمن البينونة. ويأتي نظير ذلك في ترجمة نور الدّين الشيشيني. ومن فوائده أن من اشترى حصة مبلغها النصف مثلا من بناء على أرض محتكرة، فليس لشريكه طلب الشفعة في البناء المبيع دون الأرض. ومنها قوله: كثيرا ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة، والحكم بالصّحة أخرى، وقد اختلف كلام المتأخرين في الفرق بينهما وعدمه، ولم أجد لأحد من أصحابنا كلاما منقولا في ذلك، والذي نقوله بعد الاستعصام بالله تعالى وسؤاله التوفيق: إن الحكم بالصّحة لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعا، فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عينا واعترف المدّعي عليه بذلك، لم يجز للحاكم الحكم بصحة البيع بمجرد ذلك، حتّى يدعي المدّعى أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك، فأما لو اعترف له البائع بذلك لم يكف [١] في جواز الحكم بالصّحة لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملك العين المبيعة وقت البيع، ولا يثبت ذلك بمجرّد دعواه، فلا بد من بيّنة تشهد بملكه وحيازته حال البيع، حتّى يسوغ للحاكم الحكم بالصّحة. وأما الحكم بالموجب- بفتح الجيم- فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبيّنة أو علم القاضي أو غيرهما، هذا هو معنى الموجب، ولا معنى للموجب غير ذلك. [٢] انتهى ملخصا، وله غير ذلك [٢] . وكان لا ينظر بإحدى عينيه مع حسن شكله وأبهته، واستقلّ بقضاء مصر مددا. وأجازه الشمس الكرماني بإجازة عظيمة، ووصفه بالفضيلة مع صغر السنّ، وتمثل فيه بقول الشاعر: إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا وتوفي بالقاهرة صبيحة يوم الأربعاء النصف من جمادى الآخرة عن ثمان وسبعين سنة وعشرة أشهر إلّا يومين، واستقرّ ولده يوسف بعده في تدريس المنصورية والأشرفية.

стр. 4588

وفيها قاضي القضاة موفق الدّين علي بن أبي بكر اليمني الشافعي، الشهير بالنّاشري [١] . كان عالم مدينة تعز باليمن، وقاضيها ومفتيها، وبها توفي في خامس عشري صفر عن تسعين سنة. وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن عثمان بن عمر بن صالح الدمشقي الشافعي، الشهير بابن الصّيرفي [٢] . ولد بدمشق سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وبها نشأ، وطلب العلم، وسمع الحديث على أبي الحسن علي بن أبي المجد، والزّين عمر البالسي، وفاطمة بنت المنجّى، والكمال بن النّحاس، وغيرهم وحفظ عدة متون في مذهبه، وتفقه على الشّرف الغزّي، والشّهاب الملكاوي، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، والحديث، وقدم القاهرة سنة ثلاث وثمانمائة، فأخذ عن السّراج البلقيني، والحافظ الزّين العراقي، وقرأ الأصول على العزّ بن جماعة، ثم عاد إلى دمشق، واشتهر في آخر عمره، وتصدّر بجامع بني أميّة، وأفتى ودرّس بالشّامية البرّانيّة، وبدار الحديث الأشرفية، وصنّف عدة تصانيف، منها كتاب «الوصول إلى ما في الرافعي من الأصول» مجلد. وكتاب «نتائج الفكر في ترتيب مسائل المنهاج على المختصر» في أربع مجلدات. وكتاب «ذهب الفقيه السّاري في ترتيب مسائل المنهاج على أبواب البخاري» وهو كبير جدا. وكتاب «خطب» في مجلد. وكتاب «زاد السائرين في فقه الصّالحين» وهو شرح ل «التنبيه» ، وناب في الحكم في أواخر عمره. وكان ديّنا، سليم الصّدر، متواضعا، متقشفا في ملبسه، ملازما للاشتغال والإشغال إلى أن توفي بدمشق ليلة الاثنين حادي عشر رمضان ودفن بمقابر الصّوفية.

стр. 4589

وفيها برهان الدّين إبراهيم بن البحلاق البعلي الحنبلي [١] ، شيخ الحنابلة ومدرّسهم ومفتيهم بمدينة بعلبك. له سماع كثير للحديث. وتوفي ببعلبك في أواسط شوال. وفيها قاضي القضاة شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي بن إسماعيل الحنبلي، المعروف بابن الرّسّام [٢] . ولد تقريبا سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وولي قضاء حماة، ثم قضاء حلب، وقدم الشام والقاهرة مرارا، وأسمع «الصحيح» من شمس الدّين بن اليّونانية. وسمع من العراقي، وأجاز له جماعة، منهم ابن المحبّ، وابن رجب. وكان يعمل المواعيد، وله كتاب في الوعظ على نمط كتاب شيخه ابن رجب المعروف ب «لطائف المعارف» [٣] . وتوفي في شوال. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الحنبلي، المعروف بأبي شعر [٤] ، الشيخ الإمام العلّامة القدوة الحافظ. نشأ على خير ودين، واشتغل على الشيخ علاء الدّين بن اللّحام، وأذن له بالإفتاء شمس الدّين القباقبي، وحضر زين الدّين ابن رجب، وعني بالحديث وعلومه، وكان استاذا في التفسير، وله مشاركة جيدة في الفقه، والأصلين، والنحو، وكان متبحّرا في كلام الشيخ تقي الدّين ابن تيميّة، إلى أن وقع له كائنة مع بعض الناس، فلزم بيته بصالحية دمشق، وعكف عليه جماعة كثيرة وانتفعوا به، وكانت هيئته تذكّر بالسّلف الصّالح.

стр. 4590

وله كشف سريع [١] ، وصبر في حقّ الله تعالى. توفي في ثامن عشري شوال ودفن بالرّوضة قريبا من الشيخ موفق الدّين. وتوفي قبله ولده برهان الدّين إبراهيم [٢] في الطّاعون سنة إحدى وأربعين. وكان شابا، حسنا، دينا، فاضلا، تأسف الناس عليه. وفيها نور الدّين أبو الحسن علي بن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن صالح التّلواني الشّافعي [٣] . أصله من المغرب، وسكن والده بجروان قرية بالمنوفية بالوجه البحري من أعمال القاهرة، فولد له بها الشيخ نور الدّين هذا بعد سنة ستين وسبعمائة فنشأ بها، وحفظ القرآن العزيز [٤] ، ثم سكن تلوانة [٥] بالمنوفية أيضا فعرف بالتلواني، ثم قدم القاهرة، وطلب العلم، وأكبّ على الاشتغال، ولازم السّراج البلقيني وغيره، وأجازه البلقيني بالفتوى والتدريس، وتصدر لهما، وانتفع به جماعة، وحضر دروسه غالب علماء العصر، وتولى عدة وظائف دينية وتداريس عديدة، منها تدريس قبّة الشافعي، إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث عشري ذي القعدة وقد أناف على الثمانين وحواسه سليمة. وفيها شمس الدّين محمد بن عمّار بن محمد المالكي [٦] الإمام العالم العلّامة. ولد في حدود الستين وسبعمائة، واشتغل قديما، ولقي المشايخ، وسمع من كثيرين، وقرأ بنفسه. قال ابن حجر: وسمع معي بالقاهرة، والإسكندرية، وكان صاحب فنون،
следующие страницы →