← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

قال في «المنهل» : الشيخ الإمام العلّامة. كان إماما بارعا في الفقه، والأصول، والفرائض، والنحو، والتصريف، وتصدّر للتدريس عدة سنين، وخطب مدة، مع سلوك ونسك وعبادة وصلاح، وكان للناس فيه اعتقاد حسن، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء ثامن عشري ذي الحجّة. انتهى. وفيها قاضي القضاة محبّ الدّين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي ثم المصري [١] الحنبلي، شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، المعروف بابن نصر الله شيخ المذهب، ومفتي الديار المصرية. ولد ببغداد في ضحوة يوم السبت سابع عشر رجب سنة خمس وستين وسبعمائة، وسمع بها من والده الشيخ نصر الله، ومن نجم الدّين أبي بكر بن قاسم، ونور الدّين علي بن أحمد المقرئ. وعنى بالحديث، ثم قدم القاهرة مع والده، وأخذ عن مشايخ، منهم سراج الدّين البلقيني، وزين الدّين العراقي، وابن الملقّن. وأخذ عن الشيخ زين الدّين بن رجب بالشام، وسمع بحلب من الشّهاب بن المرحّل. وولي تدريس الظّاهرية البرقوقية وغيرها. وناب في الحكم عن ابن المغلي، وناظر وأفتى، وانتفع به الناس. وكان متضلعا بالعلوم الشرعية، من تفسير، وحديث، وفقه، وأصول. قال برهان الدّين ابن مفلح في «طبقاته» : وهو من أجل مشايخنا، وانتهت إليه مشيخة الحنابلة بعد موت مستخلفه [٢] قاضي القضاة [٢] علاء الدّين ابن مغلي. وله عمل كثير في «شرح مسلم» . وله «حواشي على المحرّر» حسنة، وعلى «الفروع» ، وكتابة على الفتوى نهاية. وأفتى [٣] بصحة الخلع حيلة، وعدم وقوع الطلاق بفعل المحلوف عليه في

стр. 4587

زمن البينونة. ويأتي نظير ذلك في ترجمة نور الدّين الشيشيني. ومن فوائده أن من اشترى حصة مبلغها النصف مثلا من بناء على أرض محتكرة، فليس لشريكه طلب الشفعة في البناء المبيع دون الأرض. ومنها قوله: كثيرا ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة، والحكم بالصّحة أخرى، وقد اختلف كلام المتأخرين في الفرق بينهما وعدمه، ولم أجد لأحد من أصحابنا كلاما منقولا في ذلك، والذي نقوله بعد الاستعصام بالله تعالى وسؤاله التوفيق: إن الحكم بالصّحة لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعا، فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عينا واعترف المدّعي عليه بذلك، لم يجز للحاكم الحكم بصحة البيع بمجرد ذلك، حتّى يدعي المدّعى أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك، فأما لو اعترف له البائع بذلك لم يكف [١] في جواز الحكم بالصّحة لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملك العين المبيعة وقت البيع، ولا يثبت ذلك بمجرّد دعواه، فلا بد من بيّنة تشهد بملكه وحيازته حال البيع، حتّى يسوغ للحاكم الحكم بالصّحة. وأما الحكم بالموجب- بفتح الجيم- فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبيّنة أو علم القاضي أو غيرهما، هذا هو معنى الموجب، ولا معنى للموجب غير ذلك. [٢] انتهى ملخصا، وله غير ذلك [٢] . وكان لا ينظر بإحدى عينيه مع حسن شكله وأبهته، واستقلّ بقضاء مصر مددا. وأجازه الشمس الكرماني بإجازة عظيمة، ووصفه بالفضيلة مع صغر السنّ، وتمثل فيه بقول الشاعر: إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا وتوفي بالقاهرة صبيحة يوم الأربعاء النصف من جمادى الآخرة عن ثمان وسبعين سنة وعشرة أشهر إلّا يومين، واستقرّ ولده يوسف بعده في تدريس المنصورية والأشرفية.

стр. 4588

وفيها قاضي القضاة موفق الدّين علي بن أبي بكر اليمني الشافعي، الشهير بالنّاشري [١] . كان عالم مدينة تعز باليمن، وقاضيها ومفتيها، وبها توفي في خامس عشري صفر عن تسعين سنة. وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن عثمان بن عمر بن صالح الدمشقي الشافعي، الشهير بابن الصّيرفي [٢] . ولد بدمشق سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وبها نشأ، وطلب العلم، وسمع الحديث على أبي الحسن علي بن أبي المجد، والزّين عمر البالسي، وفاطمة بنت المنجّى، والكمال بن النّحاس، وغيرهم وحفظ عدة متون في مذهبه، وتفقه على الشّرف الغزّي، والشّهاب الملكاوي، وبرع في الفقه، والأصول، والعربية، والحديث، وقدم القاهرة سنة ثلاث وثمانمائة، فأخذ عن السّراج البلقيني، والحافظ الزّين العراقي، وقرأ الأصول على العزّ بن جماعة، ثم عاد إلى دمشق، واشتهر في آخر عمره، وتصدّر بجامع بني أميّة، وأفتى ودرّس بالشّامية البرّانيّة، وبدار الحديث الأشرفية، وصنّف عدة تصانيف، منها كتاب «الوصول إلى ما في الرافعي من الأصول» مجلد. وكتاب «نتائج الفكر في ترتيب مسائل المنهاج على المختصر» في أربع مجلدات. وكتاب «ذهب الفقيه السّاري في ترتيب مسائل المنهاج على أبواب البخاري» وهو كبير جدا. وكتاب «خطب» في مجلد. وكتاب «زاد السائرين في فقه الصّالحين» وهو شرح ل «التنبيه» ، وناب في الحكم في أواخر عمره. وكان ديّنا، سليم الصّدر، متواضعا، متقشفا في ملبسه، ملازما للاشتغال والإشغال إلى أن توفي بدمشق ليلة الاثنين حادي عشر رمضان ودفن بمقابر الصّوفية.

стр. 4589

وفيها برهان الدّين إبراهيم بن البحلاق البعلي الحنبلي [١] ، شيخ الحنابلة ومدرّسهم ومفتيهم بمدينة بعلبك. له سماع كثير للحديث. وتوفي ببعلبك في أواسط شوال. وفيها قاضي القضاة شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي بن إسماعيل الحنبلي، المعروف بابن الرّسّام [٢] . ولد تقريبا سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وولي قضاء حماة، ثم قضاء حلب، وقدم الشام والقاهرة مرارا، وأسمع «الصحيح» من شمس الدّين بن اليّونانية. وسمع من العراقي، وأجاز له جماعة، منهم ابن المحبّ، وابن رجب. وكان يعمل المواعيد، وله كتاب في الوعظ على نمط كتاب شيخه ابن رجب المعروف ب «لطائف المعارف» [٣] . وتوفي في شوال. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الحنبلي، المعروف بأبي شعر [٤] ، الشيخ الإمام العلّامة القدوة الحافظ. نشأ على خير ودين، واشتغل على الشيخ علاء الدّين بن اللّحام، وأذن له بالإفتاء شمس الدّين القباقبي، وحضر زين الدّين ابن رجب، وعني بالحديث وعلومه، وكان استاذا في التفسير، وله مشاركة جيدة في الفقه، والأصلين، والنحو، وكان متبحّرا في كلام الشيخ تقي الدّين ابن تيميّة، إلى أن وقع له كائنة مع بعض الناس، فلزم بيته بصالحية دمشق، وعكف عليه جماعة كثيرة وانتفعوا به، وكانت هيئته تذكّر بالسّلف الصّالح.

стр. 4590

وله كشف سريع [١] ، وصبر في حقّ الله تعالى. توفي في ثامن عشري شوال ودفن بالرّوضة قريبا من الشيخ موفق الدّين. وتوفي قبله ولده برهان الدّين إبراهيم [٢] في الطّاعون سنة إحدى وأربعين. وكان شابا، حسنا، دينا، فاضلا، تأسف الناس عليه. وفيها نور الدّين أبو الحسن علي بن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن صالح التّلواني الشّافعي [٣] . أصله من المغرب، وسكن والده بجروان قرية بالمنوفية بالوجه البحري من أعمال القاهرة، فولد له بها الشيخ نور الدّين هذا بعد سنة ستين وسبعمائة فنشأ بها، وحفظ القرآن العزيز [٤] ، ثم سكن تلوانة [٥] بالمنوفية أيضا فعرف بالتلواني، ثم قدم القاهرة، وطلب العلم، وأكبّ على الاشتغال، ولازم السّراج البلقيني وغيره، وأجازه البلقيني بالفتوى والتدريس، وتصدر لهما، وانتفع به جماعة، وحضر دروسه غالب علماء العصر، وتولى عدة وظائف دينية وتداريس عديدة، منها تدريس قبّة الشافعي، إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث عشري ذي القعدة وقد أناف على الثمانين وحواسه سليمة. وفيها شمس الدّين محمد بن عمّار بن محمد المالكي [٦] الإمام العالم العلّامة. ولد في حدود الستين وسبعمائة، واشتغل قديما، ولقي المشايخ، وسمع من كثيرين، وقرأ بنفسه. قال ابن حجر: وسمع معي بالقاهرة، والإسكندرية، وكان صاحب فنون،

стр. 4591

وقد جمع مجاميع كثيرة، وشرح «العمدة» وكتب على «التسهيل» واختصر كثيرا من الكتب المطولة، وسكن بمصر بجوار جامع عمرو بن العاص، وانتفع به المصريون، وسكن تربة الشيخ أبي عبد الله الجبرتي بالقرافة مدة، وكان حسن المحاضرة محبا في الصالحين حسن المعتقد. وتوفي ليلة السبت رابع عشري ذي الحجة وقد أكمل ستا وثمانين سنة. انتهى.

стр. 4592

سنة خمس وأربعين وثمانمائة فيها توفي تقي الدّين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصّمد المقريزي [١] الحنفي البعلي الأصل المصري [٢] المولد والدار والوفاة الإمام العالم البارع، عمدة المؤرّخين، وعين المحدّثين. ولد بعد سنة ستين وسبعمائة، ونشأ بالقاهرة، وتفقه على مذهب الحنفية، وهو مذهب جدّه العلّامة شمس الدّين محمد بن الصّايغ، ثم تحول شافعيا بعد مدة طويلة [٣] ، وسمع الكثير من البرهان النشاوري، والبرهان الآمدي، والسّراج البلقيني، والزّين العراقي. وسمع بمكّة من ابن سكّر وغيره، وله إجازة من الشيخ شهاب الدّين الأذرعي، والجمال الإسنوي، وغيرهما. وكان علما من الأعلام، ضابطا مؤرّخا، مفنّنا، محدّثا، معظّما في الدولة [٤] ، ولي حسبة القاهرة غير مرّة وعرض عليه قضاء دمشق فأبى، وكتب الكثير بخطّه، وانتقى، وحصّل الفوائد، واشتهر ذكره في حياته وبعد موته في التاريخ وغيره، حتى صار يضرب به المثل، وكان منقطعا في داره ملازما للخلوة والعبادة، قلّ أن يتردد لأحد إلا لضرورة، إلا أنه كان كثير التعصب على السادة الحنفية وغيرهم لميله إلى مذهب الظاهر.

стр. 4593

قال ابن تغري بردي: قرأت عليه كثيرا من مصنفاته، وكان يرجع إلى قولي فيما أذكره له من الصواب، وأجاز لي جميع ما تجوز له وعنه روايته. ومن مصنّفاته «إمتاع الأسماع فيما للنّبي ﷺ من الحفدة والمتاع» في ست مجلدات، وكتاب «الخبر عن البشر» ذكر في القبائل لأجل نسب النّبيّ ﷺ في أربع مجلدات، وعمل له مقدمة في مجلد، وله كتاب «السلوك في معرفة دول الملوك» في عدة مجلدات يشتمل على ذكر الحوادث إلى يوم موته. ذيّلت عليه في حياته من سنة أربعين وثمانمائة [١] وسميته «حوادث الدّهور في مدى الأيام والشهور» ولم ألتزم فيه ترتيبه، وله كتاب «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة» [٢] ذكر فيه من مات بعد مولده إلى يوم وفاته، وكتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» في عدة مجلدات [٣] وهو في غاية الحسن. وكتاب «مجمع الفرائد ومنبع الفوائد» كمل منه نحو الثمانين مجلدا كالتذكرة، وله غير ذلك. وتوفي يوم الخميس سادس عشر [٤] شهر رمضان بالقاهرة ودفن بمقبرة الصّوفية خارج باب النصر. انتهى. وفيها أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داود بن المتوكل على الله [٥] . كانت خلافته ثمانية وعشرين سنة وشهرين وتوفي يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول وقد قارب التسعين واستقر بعده شقيقه المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بعهد منه.

стр. 4594

وفيها جمال الدّين عبد الله بن محمد بن الجلال نائب الحكم الزّيتوني، الشافعي [١] . قال ابن حجر: أخذ عن شيخنا برهان الدّين الأبناسي وغيره، واشتغل كثيرا، وتقدم، ومهر، ونظم الشعر المقبول الجيد، وأفاد، وناب في الحكم، وتصدّر، وكان قليل الشرّ، كثير السّكون والكلام. وتوفي في يوم الخميس سادس عشر رجب وأظنه قارب السبعين. وفيها جمال الدّين عبد الله بن محمد بن الدّماميني- نسبة إلى دمامين قرية بالصّعيد [٢]- الإسكندراني [٣] قاضي الإسكندرية. وليها أكثر من ثلاثين سنة، وكان قليل البضاعة في العلم، لكنه كثير البذل، ضخم الرئاسة، سخي النّفس، أفنى مالا كثيرا في قيام صورته في المنصب، ودفع من يعارضه وركبه الدّين، ثم توفي يوم الأحد ثاني عشر ذو القعدة عن نحو خمس وستين سنة. وفيها زين الدّين أبو ذرّ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الزّركشي المصري [٤] الحنبلي المسند العلّامة بن الإمام العلّامة شمس الدّين أبي عبد الله المتقدم ذكره. ولد في سابع عشر رجب سنة خمسين وسبعمائة، وسمع الكثير، وانفرد في آخر عمره بسماع «مسلم» من البياني بسنده فإنه آخر من روى عنه بالسماع، وكان خيّرا فاضلا، ناب في الحكم بمصر مدة طويلة، واستقرّ في تدريس الأشرفية المستجدة بالقاهرة في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وروى عنه خلق من

стр. 4595

الأعيان، منهم القاضي عزّ الدّين الكناني الآتي ذكره، وقاضي القضاة سعد الدّين الدّيري الحنفي، وكمال الدين بن أبي شريف الشّافعي، وخلق من العلماء، وغيرهم. وتوفي بالقاهرة في أحد الجمادين. وفيها زين الدّين [١] أبو محمد [١] وأبو الفرج عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن سليمان بن داود بن سليمان بن قريج- بقاف وجيم مصغرا- ابن الطحّان [٢] الحنبلي الصّالحي المسند. ولد في خامس عشر محرم سنة ثمان وستين وسبعمائة على الصحيح، واعتنى به أبوه، فأسمعه على صلاح الدّين بن أبي عمر، وعلي بن أميلة جامع «الترمذي» و «السنن» لأبي داود، و «مشيخة» الفخر بن البخاري، و «عمل اليوم والليلة» [٣] لابن السّني، وعلى زينب بنت قاسم ما في المشيخة من «جزء الأنصاري» و «صحيح مسلم» وغيرهم. وقرأ بنفسه على ابن المحبّ، وسمع على أبي الهول علي بن عمر الجزري كتاب «الذّكر» لابن أبي الدنيا. وقرأ على أحمد بن العماد، وأبي بكر بن العزّ، ومحمد بن الرّشيد، وغيرهم. وأكثر من الرواية والمشايخ، بحيث صار من كبار المسندين المشار إليهم. وأخذ عنه خلق كثير، وقدم مصر فأسمع «سنن أبي داود» وقطعة كبيرة من «المسند» . وتوفي بقلعة الجبل يوم الاثنين سابع عشري صفر. وفيها عبد المؤمن ابن المشرقي الشافعي [٤] . قال البرهان البقاعي: نزيل القدس الشريف. مات يوم الجمعة يوم عرفة بالقدس، وكان يوما مشهودا. وكان فاضلا، وله يد طولى في الوعظ، وله صوت

стр. 4596

عال بحيث إنه إذا وعظ في باب حطّة سمعه من تحت الزّيتون. انتهى. وفيها علاء الدّين علي بن إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي الحنبلي [١] الشيخ الإمام المسند المحدّث. ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وبكّر به أبوه إلى السماع، فأسمعه كثيرا، وعمّر، وصار إليه المنتهى في علو الإسناد في الدنيا. ورحل إليه الحافظ شمس الدّين بن ناصر الدّين الدمشقي بجماعة من أهل الشام للسماع عليه ببعلبك. وتوفي يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة. قاله العليمي. وفيها شمس الدّين محمد بن عمر بن عبد الله بن محمد بن غازي الدّنجاوي الشافعي [٢] الإمام البارع المفنّن الأديب. ولد بثغر دمياط سنة اثنتين وثمانمائة تقريبا، واشتغل في الفقه والعربية، فبرع فيهما، وتعانى الأدب، فمهر، وقرّره شرف الدّين يحيى ابن العطّار في خزانة الكتب بالمؤيدية. وكان خفيف ذات اليد، توعك يسيرا فرأى في توعكه أنه يؤم بناس كثيرة، وأنه قرأ سورة نوح، ووصل إلى قوله تعالى: إِنَّ أَجَلَ الله إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ٧١: ٤ [نوح: ٤] فاستيقظ وجلا فقصّ المنام على بعض أصحابه. وقال: هذا دليل أنني أموت في هذا الضعف. وكان كما قال. وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء حادي عشري ذي القعدة وصلّى عليه بالأزهر الشّمس القاياتي. وفيها ضياء الدّين محمد بن محمد بن محمد [٣] بن محمد [٣] بن

стр. 4597

عبد الرزاق بن عيسى بن عبد المنعم بن عمران بن حجّاج الأنصاري السّفطي [١] . قال ابن حجر: هو ابن شيخنا ناصر الدّين شيخ الآثار النبوية على شاطئ النيل. كان خيّرا، فاضلا، مشهورا بالخير والدّيانة، وولي المشيخة بعد أبيه، فأقام فيها نيّفا وثلاثين سنة. وتوفي في شوال. وفيها شمس الدّين محمد بن محمود بن محمد البالسي ثم القاهري [٢] . ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة، وسمع الكثير من ابن الملقّن، وصاهره على ابنته، وسمع من غيره أيضا. واستجاز له ابن الملقّن من مسندي الشام، منهم عمر بن أميلة، وأحمد بن السّيف، وصلاح الدّين بن أبي عمر، وأحمد بن المهندس، وآخرون. وحدّث في أواخر عمره، وكان حسن الخطّ، أحد رؤساء القاهرة. ناب في الحكم في عدة بلاد. تمرّض مدة ومات صحيح السّمع والبصر والأسنان.

стр. 4598

سنة ست وأربعين وثمانمائة فيها توفي زين الدّين عبادة- بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة- ابن علي بن صالح بن عبد المنعم بن سراج بن نجم بن فضل الله [١] بن فهد بن عمرو الأنصاري الخزرجي المالكي النحوي [٢] . قال السيوطي: مشهور باسمه. ولد في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وسبعمائة، ومهر في الفقه والعربية، وسمع الحديث من التّنوخي، والحلاوي، وغيرهما. وصار رأس المالكية، وعيّن للقضاء بعد موت الدمياطي فامتنع، وولي تدريس الأشرفية، والشيخونية، والظّاهرية، وانقطع في آخر عمره إلى الله تعالى، وأعرض عن الاجتماع بالناس، وامتنع من الإفتاء، وانتفع به جماعة، وسمع منه صاحبنا النّجم بن فهد وغيره. وتوفي في رمضان، وقيل: شوال. انتهى. وفيها جمال الدّين عبد الله السّنباطي [٣] الشافعي الواعظ. قال ابن حجر: لازم مجلس الشيخ سراج الدّين البلقيني، يقرأ عليه من كلامه، وكلام غيره، وكان يتكلّم على الناس بالجامع الأزهر من نحو سبعين سنة،

стр. 4599

ومع ذلك يشتغل بالعلم ويستحضر في الفقه، وقد ناب في الحكم عن القاضي جلال الدّين وغيره. وتوفي في رمضان بعد مرض طويل. وفيها قاضي الأقاليم عزّ الدّين أبو البركات عبد العزيز بن الإمام العلّامة علاء الدّين أبي الحسن علي بن العزّ بن عبد العزيز بن عبد المحمود البغدادي مولدا ثم المقدسي [١] الحنبلي الشيخ الإمام العالم المفسّر. ولد ببغداد في [٢] سنة سبعين وسبعمائة، واشتغل بها. ثم قدم دمشق فأخذ الفقه عن ابن اللحّام، وعرض عليه «الخرقي» واعتنى بالوعظ، وعلم الحديث، ودرّس وأفتى، وله مصنّفات، منها «مختصر المغني» و «شرح الشاطبية» . وصنّف في المعاني والبيان، وجمع كتابا سمّاه «القمر المنير في أحاديث البشير النذير» وولي قضاء بيت المقدس بعد فتنة اللّنك في سنة أربع وثمانمائة، وهو أول حنبلي ولي القدس، وطالت مدته، وجرى له فصول [٣] ثم ولي المؤيدية بالقاهرة، ثم ولي قضاء الدّيار المصرية في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين [٣] ثم ولي قضاء دمشق في دفعات يكون مجموعها ثمان سنين. وكان يسمّى بقاضي الأقاليم لأنه ولي قضاء بغداد، والعراق، وبيت المقدس، ومصر، والشام. وكان فقيها، ديّنا، متقشفا، عديم التكلّف في ملبسه ومركبه، له معرفة تامّة. ولما ولي قضاء مصر صار يمشي لحاجته في الأسواق ويردف عبده على بغلته، وأشياء من هذا النّسق. وكانت جميع ولايته من غير سعي. وتوفي بدمشق ليلة الأحد مستهل ذي القعدة، ودفن عند قبر والده بمقابر باب كيسان إلى جانب الطريق. قاله العليمي.

стр. 4600

وفيها القاضي جمال الدّين محمد بن عمر بن علي الطّنبذي، المعروف بابن عرب الشافعي [١] . ولد بعد الخمسين وسبعمائة بيسير، واشتغل، وحفظ «التنبيه» ووقّع على القضاة في العشرين من عمره. شهد على أبي البقاء السّبكي سنة ثلاث وسبعين فأداها بعد نيف وسبعين سنة، وولي حسبة القاهرة، ووكالة بيت المال غير مرة، وناب في الحكم، وجرت له خطوب، وانقطع بأخرة في منزله، مع صحة عقله وقوة جسده، وكان أكثر إقامته ببستان له بجزيرة الفيل، سقط من مكان فانكسرت ساقه فحمل في محفّة من جزيرة الفيل إلى القاهرة فأقام نحو أربعة أشهر، ثم توفي ليلة الخميس الثامن من شهر رمضان. وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن محمد بن محمد البدرشي [٢] ثم القاهري الشافعي [٣] . كان إماما عالما. توفي في شوال عن نحو ستين سنة.

стр. 4601

سنة سبع وأربعين وثمانمائة فيها توفي زين الدّين أبو بكر بن إسحاق بن خالد الكختاوي المعروف بالشيخ باكير النحوي [١] . قال السيوطي: ولد في حدود السبعين وسبعمائة، وكان إماما عالما بارعا متفننا في علوم، وتفرّد بالمعاني والبيان، وفي لسانه لكنة، مع سكون، وعقل زائد، وحسن شكل، وشيبة منوّرة، وجلالة عند الخاص والعام. ولي قضاء حلب فحمدت سيرته، وأفتى ودرّس بها، واستدعاه الملك الأشرف برسباي إلى مصر، وولاه مشيخة الشيخونية بحكم وفاة البدر القدسي، وانتفع به جماعة. وممن أخذ عنه والدي- رحمه الله تعالى-. مات ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى. انتهى. وفيها نور الدّين علي بن أحمد بن خليل بن ناصر بن علي بن طيء المشهور قديما بابن السقطي، وأخيرا بابن بصّال الإسكندراني الأصل [٢] . ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. قال ابن حجر: واشتغل كثيرا في عدة فنون، ولم يكن بالماهر وكان يتعانى توقيع الإنشاء، وسمع من سراج الدّين بن الملقّن وغيره، وكتب بخطّه كثيرا من

стр. 4602

تصانيف ابن الملقّن. وحدّث باليسير، ولازم مجالس الإملاء عندي نحوا من عشرين سنة. وتوفي آخر يوم الأربعاء ثالث عشري رجب [١] . انتهى. وفيها ناصر الدّين [٢] أبو المعالي محمد بن السلطان الظّاهر جقمق [٣] . ولد في رجب سنة ست عشرة وثمانمائة، وقرأ القرآن، واشتغل بالعلم، وحفظ كتبا، ومهر في مدة يسيرة، ولازم الشيخ سعد الدّين بن الدّيري قبل أن يلي القضاء، وأخذ عن الكافيجي وغيره، وكان محبا في العلم والعلماء، وولي الإمرة بعد سلطنة أبيه بقليل، وجلس رأس الميسرة، وأصابه مرض السّلّ، ثم بعده توفي ليلة السبت الثاني عشر من ذي الحجّة بعلّة البطن في القاهرة. وفيها جمال الدّين يوسف بن محمد بن أحمد بن المجبّر التّزمنتي [٤]- بكسر المثناة الفوقية، وسكون الزاي، والنون، وفتح الميم، وآخره فوقية، نسبة إلى تزمنت [٥] قرية من عمل البهنسا-. ولد سنة سبعين وسبعمائة. قال ابن حجر: كان فاضلا. اشتغل ودار على الشيوخ، ودرّس في أماكن، وناب في الحكم عن علم الدّين البلقيني. وكان صديقه. وتوفي ليلة الجمعة خامس عشر رجب. انتهى. أي واختلط قبل موته، والله تعالى أعلم.

стр. 4603

سنة ثمان وأربعين وثمانمائة فيها كان بالقاهرة الطّاعون العظيم بحيث كان يخرج في اليوم الواحد ما يزيد على الألف [١] . وفيها توجه الشيخ شمس الدّين محمد بن أحمد الفرياني- بضم الفاء، وكسر الراء المشددة، نسبة إلى فرّيانة قرية قرب سفاقس- المغربي إلى جبال حميدة بالأرض المقدسة، وهي جبال شاهقة صعبة المرتقى ليس لها مسلك يسع أكثر من واحد وبأعلى جبل منها سهلة بها مزدرع وعيون ماء وكروم، وأقوام في غاية المنعة والقوة، من التجأ إليهم أمن ولو حاربه السلطان فمن دونه، فنزل الفرّياني عندهم، وادعى أنه المهدي، وقيل: ادعى أنه القحطاني، وراج أمره هناك، وكان قدم القاهرة وأكثر التّردد إلى المقريزي وواظب الجولان في قرى الرّيف الأدنى بعمل المواعيد ويذكّر الناس، وكان يستحضر كثيرا من التواريخ والأخبار الماضية، ويدّعى معرفة الحديث النّبوي ورجاله، وتحوّل عن مذهب مالك، وادعى أنه يقلّد الشافعي، وولي قضاء نابلس إلى أن ظهر منه ما ظهر [٢] . وفيها شهاب الدّين أحمد بن محمد بن إبراهيم الفيشي [٣]- بالفاء والشين المعجمة بينهما تحتية مثناة- الحنّائي- بكسر المهملة وتشديد النون مع المد [٤]- النحوي المالكي.

стр. 4604

ولد في شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة. قال ابن حجر: سمع من جماعة قبلنا، وسمع معنا من شيوخنا، وقرأ بنفسه، وطلب، وولي نيابة الحكم، ودرّس في أماكن. وكان من الصّوفية البيبرسية. وكان وقورا، ساكنا، قليل الكلام، كثير الفضل، انتفع، به جماعة في العربية وغيرها. وقال السيوطي: ألّف في النحو، وسمع منه صاحبنا ابن فهد. وتوفي ليلة ثامن عشر جمادى الأولى. وفيها زين الدّين عبد الرحيم بن علي الحموي الواعظ، المعروف بابن الآدمي [١] . قال ابن حجر: تعانى عمل المواعيد فبرع فيها، واشتهر، وأثرى، وقدم القاهرة بعد اللّنكية فاستوطنها إلى أن مات. وولي في غضون ذلك خطابة المسجد الأقصى ثم صرف، واستمرّ في عمل المواعيد والكلام في المجالس المعدة لذلك، واشتهر اسمه، وطار صيته، وكان غالب لا يقرأ إلّا من كتاب، مع نغمة طيبة وأداء صحيح. وكان يقرأ «صحيح البخاري» في شهر رمضان في عدة أماكن إلى أن مات فجأة في الثاني من ذي القعدة بعد أن عمل يوم موته الميعاد في موضعين وقد جاوز الثمانين، وترك أولادا أحدهم شيخ يقرب من الستين. وفيها زين الدّين عبد الخلاق بن أحمد بن الفرزان [٢] الحنبلي الشيخ الإمام توفي بنابلس في هذه السنة. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن عمر بن كميل المنصوري الشافعي، الشهير بابن كميل [٣] . قال ابن حجر: اشتغل كثيرا، وحفظ «الحاوي» ونظم الشعر ففاق الأقران. عرفته سنة أربع وعشرين، حججنا جميعا، وكنا نجتمع في السير ونتذاكر في

стр. 4605

الفنون. وكان يتناوب نيابة الحكم بالمنصورة هو وبن عمّه شمس الدّين محمد بن خلف بن كميل، ويتعاهد السفر للقاهرة في كل سنة مرّة أو مرتين، وله مدائح نبوية مفلقة، وقصائد في جماعة من الأعيان ثم استقلّ بقضاء المنصورة، وضم إليه سلمون، ثم زدته مينة بني سلسيل فباشر ذلك كله، وكان مشكور السيرة، ونشأ له ولد اسمه أحمد فنبغ واغتبط به. مات [١] أي في ذي القعدة [١] شمس الدّين فجأة وذلك أنه توجه إلى سلمون فنزل في المسجد وله فيه خلوة فوقها طبقة وللطبقة سطح مجاور المئذنة فاتفق هبوب ريح عاصف في تلك الليلة واشتد في آخرها، وفي أول النهار، فصلّى الصبح، ودخل خلوته فقصف الرّيح نصف المئذنة فوقع على سطح الطبقة، فنزل به إلى سطح الخلوة فنزل الجميع على الخلوة وشمس الدّين لم يشعر بذلك حتّى نزل الجميع عليه. وجاء الخبر إلى ولده، فتوجه من المنصورة مسرعا فنبش عنه، فوجد الخشب مصلبا عليه، ولم يخدش شيء من جسمه، بل تبين أنه مات غمّا لعجزه عن التخلص. وفيها الخواجا الكبير الشّمس محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد الحلبي، ثم الدمشقي، ويعرف بابن المزلق [٢] . كان ذا ثروة كبيرة ومآثر حسنة بالشام وغيرها.

стр. 4606

سنة تسع وأربعين وثمانمائة فيها في ليلة الجمعة ثامن المحرم سقطت بالقاهرة المنارة التي بالمدرسة الفخرية في سويقة الصاحب التي أنشئت بعد الستمائة بقليل وهلك في الروم جماعة كثيرة [١] . وفيها توفي شهاب الدّين أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الذّهبي، المعروف بابن ناظر الصحابية الحنبلي [٢] ، المسند المعدل الضابط. ولد سنة ست وستين [٣] وسبعمائة. قال ابن حجر: وسمع على محمد بن الرّشيد، وعبد الرحمن المقدسي «جزء أبي الجهم» أنا الحجّار. وسمع على والده شيخنا، وعلى ابن المهندس الحنفي جميع رسالة الحسن البصري إلى عبد الرحمن الرفادي يرغبه في المقام بمكّة، وعلى العماد الخليل قالا: أنا الحجّار، وسمع على الشّهاب أحمد بن العزّ. وذكر لي شيخنا الإمام المحدّث الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن ناصر الدّين- ﵀ غير مرّة أنه قال: ذكر لي والده [٤]- يعني

стр. 4607

زين الدّين بن ناظر الصاحبة- أنه قال: ما فرحت بشيء أعظم من أني أحضرت ولدي هذا يعني أحمد المذكور جميع «مسند الإمام أحمد» على البدر أحمد بن محمد بن محمود بن الزقاق بن الجوخي، أنا زينب بنت مكّي، أنا حنبل. قال شيخنا ابن ناصر الدّين: وكان شيخنا زين الدّين بن ناظر الصّاحبة من الثقات. قدم القاهرة فحدّث بها بالمسند وغيره، ثم رجع إلى بلده فمات في هذه السنة. انتهى كلام ابن حجر. وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عمر النّحريري، المعروف بالسعودي الشافعي [١] . ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة، وحفظ القرآن، و «التنبيه» وغير ذلك، وطلب العلم، وجلس مؤدّبا للأولاد مدة، ثم قدم القاهرة في حدود التسعين فأجلس مع الشهود، ولازم البلقيني الكبير وخدمه، وصار يجمع له أجرة أملاكه، وهو مع ذلك يؤدّب الأولاد، وخرج من تحت يده جماعة فضلاء، وكان كثير المذاكرة، وحجّ فأخذ عن جماعة هناك، ودخل بيت المقدس فسمع من شهاب الدّين بن الحافظ صلاح الدّين العلائي. ومن ابن خاله شمس الدّين القلقشندي، وغيرهما. ومرض مرضا شديدا في حدود سنة ثلاثين، فلما عوفي منه عمي وتنوعت عليه في آخر عمره الأمراض، حتى ثقل سمعه جدا، وأقعد، ولسانه لا يفتر عن التّلاوة إلى أن توفي فجأة في العشر الأخير من شهر رمضان. وفيها شمس الدّين محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد الونائي- بفتح الواو والنون نسبة إلى ونا قرية بصعيد مصر- القرافي [٢] الشافعي. ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، واشتغل بالعلم، وأخذ عن الشيخ شمس الدّين البرماوي وطبقته، واشتهر بالفضل، وتزوّج إلى الشيخ نور الدّين

стр. 4608

التلواني، وصحب جماعة من الأعيان، ونزل في المدارس طالب ثم تدريسا، وولي تدريس الشيخونية، ثم ولي قضاء الشام مرتين، ثم رجع بعد أن استعفي من القضاء فأعفي، وذلك سنة سبع وأربعين فسعى في تدريس الصّلاحية بجوار الشافعي فباشرها سنة ونيّفا، ثم ضعف نحو الشهرتين إلى أن توفي في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر. وفيها شمس الدّين محمد بن خليل بن أبي بكر الحلبي الأصل الغزّي القدسي [١] . كان مقرئا، بارعا، صاحب فضائل، وله «بديعية» عارض بها الصّفي الحلّي. وتوفي في رجب وقد جاوز السبعين. وفيها القاضي شمس الدّين محمد بن قاضي القضاة زين الدّين عبد الرحمن بن علي التّفهني الحنفي [٢] . ولد قبيل القرن، واشتغل كثيرا، ومهر، وكان صحيح الذّهن، حسن المحفوظ، كثير الأدب والتواضع، عارفا بأمور دنياه، مالكا لزمام أمره، ولي في حياة والده قضاء العسكر وإفتاء دار العدل، وتدريس الحديث بالشيخونية. وولي بعد وفاة والده تدريس الفقه بها، ومشيخة البهائية الرّسلانية، وتدريس الفانبيهية بالرّميلة، وحصلت له محن من جهة تغري بردي الدّويدار مع اعترافه بإحسان والده له، ومرض مرضا طويلا إلى أن مات في ثامن شهر رمضان. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أحمد الواسطي الأصل ثم الغمري ثم المحلّي الشافعي، المعروف بالغمري [٣] .

стр. 4609

ولد سنة ست وثمانين وسبعمائة بمينة غمر، ونشأ بها فحفظ القرآن، و «التنبيه» ثم قدم القاهرة فأقام بالجامع الأزهر للاشتغال مدة، وأخذ الفقه عن شيوخ الجامع، وعن المارديني في الميقات، وتدرّب بغيره في الشهادة، وتكسّب بها قليلا. وكان في غاية التقلل، حتّى كان يقع له أنه يطوي أسبوعا كاملا، ويتقوت بقشر الفول، وقشر البطيخ، ونحو ذلك. وتكسب ببلده وببلبيس بالعطر حرفة أبيه. وكان يطلب منه الشيء فيبذله لطالبه مجانا، فيجيء والده فيسأله ما بعت فيقول: كذا وكذا بلاش، فيحمده ويدعو له. ثم أعرض عن جميع ذلك ولازم التجرد والتعبد، واعتزل دهرا طويلا بعد ما تفقه، وصحب غير واحد من سادات الصّوفية، حتى فتح له، وأذن له في التربية والإرشاد، وتصدى لذلك بكثير من النواحي، وقطن المحلّة الكبرى، ووسع المدرسة الشمسية، وأحكم بناءها. ثم عمر بالقاهرة بخط سوق أمير الجيوش جامعا كانت الخطة مفتقرة إليه جدا. واشتهر صيته، وكثر أتباعه، وذكرت له أحوال وخوارق، وجدّد عدة مواضع بكثير من الأماكن، يعجز عنها السلطان وقصد للزيارة والتبرك من جميع الأقطار، كل جميع ذلك مع الزّهد والتحذير من البدع والحوادث والإعراض عن أبناء الدنيا وأرباب المناصب. وحجّ مرارا، وجاور، وزار بيت المقدس. ومن تصانيفه كتاب «النّصرة في أحكام الفطرة» و «محاسن الخصال في بيان وجوه الحلال» و «العنوان في تحريم معاشرة الشباب والنسوان» و «المحكم المضبوط في تحريم عمل قوم لوط» و «الانتصار لطريق الأخيار» و «الرياض المزهرة في أسباب المغفرة» و «قواعد الصوفية» و «الحكم المشروط في بيان الشروط» جمع فيه شروط أبواب الفقه ومنح المنة في التلبس بالسنة في أربع مجلدات والوصية الجامعة والمناسك. ومن كراماته أنه دخل عليه أحمد النحّال فوجد له سبع أعين فغشي عليه فلما أفاق قال له الشيخ إذا كمل الرجل صار له سبع أعين على عدد أقاليم الدنيا [١] . ومنها أنه كان يقعد في الهواء متربعا أخبر القاضي زكريا أنه رآه كذلك.

стр. 4610

وتوفي يوم الثلاثاء آخر يوم من شعبان بالمحلّة الكبرى، ودفن في جامعه. وفيها شمس الدّين محمد بن أمين الدّين محمد بن أحمد المنهاجي [١] الشافعي وأبوه سبط الشيخ شمس الدّين بن اللبّان. ولد سنة سبعين وسبعمائة، وحفظ القرآن، و «التنبيه» وولي حسبة مصر، وكان مثريا، وناب في الحكم مرارا، ولا زال ينخفض ويرتفع إلى أن مات.

стр. 4611

سنة خمسين وثمانمائة فيها تم تاريخ ابن حجر «إنباء الغمر» . وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن رضوان الحلبي الشافعي. قال ابن حجر: كان ممن اشتغل بالفقه ومهر وتميّز ونزل في المدارس بحلب، وولي بعض التداريس، وناب في الحكم، ثم صحب ولد السلطان الظّاهر جقمق لما أقام مع والده بحلب فاختص به، ثم قدم عليه القاهرة فلازمه حتّى صار إماما له. وكان ممن مرّضه في ضعفه الذي مات فيه، وقرّرت له بجاهه وظائف، وندبه السلطان في الرسيلة إلى حلب في بعض المهمات، فلما مات ولد السلطان رقّت حاله واستعيد منه التدريس الذي كان استقرّ فيه بحلب، ثم توجه إلى الحجّ في العام الماضي فسقط عن الجمل فانكسر منه شيء، ثم تداوى، فلما رجع سقط مرّة أخرى فدخل القاهرة مع الركب، وهو سالم إلى أن مات، وكان ينسب إلى شيء يستقبح ذكره، والله أعلم بسريرته. انتهى. وفيها تقريبا برهان الدّين إبراهيم بن عبد الخالق السّيليّ [١] الحنبلي [٢] شيخ الحنابلة بنابلس. قال العليمي: كان من أهل العلم، ويقصده الناس للكتابة على الفتوى وعبارته حسنة جدا لكن خطّه في غاية الضعف. وتوفي بمكة المشرّفة ودفن باب المعلاة.

стр. 4612

وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن يوسف المرداوي [١] الحنبلي الإمام الحافظ المفنّن العلّامة، أحد مشايخ المذهب. أخذ الفقه عن الشيخ علاء الدّين بن اللحّام [وكان من أهل العلم والدّين] باشر القضاء بمردا مدة طويلة، وكان يقصد بالفتاوى من كل إقليم. ومن تلامذته الأعيان شمس الدّين العليمي وغيره، وعرض عليه قضاء حلب فامتنع، واختار قضاء مردا، وكان يكتب على الفتاوى بخط حسن وعبارة [٢] جيدة تدل على تبحره وسعة علمه. وكان إماما في النحو يحفظ «محرّر» الحنابلة و «محرّر» الشافعية. وإذا سئل عن [٣] مسألة أجاب عنها على مذهبه ومذهب غيره. وتوفي بمردا في صفر وقد جاوز السبعين. وفيها شهاب الدّين أحمد بن رجب بن طيبغا، الشهير بابن المجدي الشافعي [٤] الفرضي العلّامة. ولد بالقاهرة سنة سبع وستين وسبعمائة، ونشأ بها، ولازم علماء عصره، وجدّ في الطلب إلى أن برع في الفقه، والفرائض، والحساب، والعربية، وشارك في علوم كثيرة غيرها، كالهندسة، والميقات، وفاق فيها أهل عصره، وانفرد بها، وما زال مستمرا، على الاشتغال والإشغال، وصنّف تصانيف كثيرة مشهورة، منها «شرح الجعبرية» في الفرائض، إلى أن توفي ليلة السبت حادي عشر ذي القعدة. وفيها الشمس الدّين محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياتي- بالقاف وبعد الألف الأولى ياء تحتية، وبعد الثانية مثناة فوقية، نسبة إلى قايات بلد

стр. 4613

قرب الفيّوم- ثم القاهري الشافعي [١] قاضي القضاة ومحقّق الوقت، وعلّامة الآفاق. ولد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا [٢] ، وحضر دروس السّراج البلقيني، وأخذ عن البدر الطّنبذي، والعزّ بن جماعة، والعلاء البخاري، وغيرهم. وبرع في الفقه والعربية والأصلين والمعاني، وسمع الحديث، وحدّث باليسير. وولي تدريس البرقوقية، والأشرفية، والشافعي، والشيخونية، وقضاء الشافعية بمصر فباشره بنزاهة وعفّة. وأقرأ زمانا، وانتفع به خلق، وشرح «المنهاج» . توفي ليلة الاثنين ثامن عشري المحرم بالقاهرة، رحمه الله تعالى.

стр. 4614

سنة إحدى وخمسين وثمانمائة في أثناء شوّالها وقعت صاعقة هائلة ببيت المقدس. وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد الخجنديّ [١] المدني العالم، وقد جاوز السبعين. وفيها الشيخ تقي الدّين أبو بكر بن شهاب الدّين أحمد بن محمد بن قاضي شهبة الشافعي [٢] صاحب «طبقات الشافعية» . كان إماما، علّامة، تفقه بوالده وغيره، وسمع من أكابر أهل عصره، وأفتى ودرّس وجمع وصنّف. من مصنّفاته «شرح المنهاج» و «لباب التهذيب» و «الذيل على تاريخ ابن كثير» [٣] و «المنتقى من تاريخ الإسكندرية» للنّويري، و «المنتقى من الأنساب»

стр. 4615

لابن السمعاني، و «المنتقى من نخبة الدّهر في عجائب البرّ والبحر» و «المنتقى من تاريخ ابن عساكر» [١] وغير ذلك. وتوفي بدمشق فجأة يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة. وفيها القآن معين الدّين شاه رخ بن تيمور لنك صاحب سمرقند وبخارى وغيرهما [٢] . وفيها القاضي عزّ الدّين عبد الرحيم بن القاضي ناصر الدّين [محمد بن عبد الرحيم] علي بن الحسين [٣] الحنفي [٤] الإمام المسند المعمّر، المحدّث الرّحلة المؤرّخ، المعروف بابن الفرات. ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة، وسمع بها من والده، والحسين بن عبد الرحمن بن سباع التّكريتي [٥] ، وغيرهما وأجاز له العزّ بن جماعة، والصّلاح الصّفدي، وابن قاضي الجبل، وغيرهم. تجمعهم «مشيخة» تخريج الإمام المحدّث سراج الدّين عمر بن فهد. وحدّث سنين، وتفرّد بأشياء عوال، وسمع منه الأعيان والفضلاء، وصار رحلة زمانه. قال ابن تغري بردي: وأجاز لي بجميع مسموعاته ومروياته، وكانت له معرفة تامة بالفقه والأحكام، وناب في الحكم بالقاهرة سنين إلى أن توفي بها في أواخر ذي الحجّة. وفيها ركن الدّين عمر بن قديد الحنفي النّحوي [٦] .

стр. 4616

قال السيوطي: كان علّامة بارعا فاضلا عالما بالأصول، والنحو، والتصريف [١] وغيرها. لازم الشيخ عزّ الدّين ابن جماعة، وأخذ عنه عدة فنون، وتصدّر للإقراء، وتخرّج به جماعة، وله «حواش» و «تعاليق» و «فوائد» . وكان منقطعا عن أبناء الدّنيا، طارحا للتكلّف، متقشفا في ملبسه. انتهى.

стр. 4617

سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة فيها توفي شيخ الإسلام علم الأعلام أمير المؤمنين في الحديث حافظ العصر شهاب الدّين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد، الشهير بابن حجر [١] ، نسبة إلى آل [٢] حجر- قوم تسكن الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس- الكناني العسقلاني الأصل المصري المولد، والمنشأ، والدار، والوفاة، الشافعي. ولد في ثاني عشري شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ومات والده وهو حدث السنّ فكفله بعض أوصياء والده [٣] إلى أن كبر، وحفظ القرآن العظيم، وتعانى المتجر، وتولع بالنظم، وقال الشعر الكثير المليح إلى الغاية، ثم حبّب الله إليه طلب الحديث، فأقبل عليه، وسمع الكثير بمصر وغيرها، ورحل، وانتقى، وحصّل.

стр. 4618

وسمع بالقاهرة: من السّراج البلقيني، والحافظين ابن الملقّن والعراقي، وأخذ عنهم الفقه أيضا. ومن البرهان الأبناسي، ونور الدّين الهيثمي، وآخرين. وبسرياقوس [١] : من صدر الدّين الإبشيطي. وبغزّة: من أحمد بن محمد الخليلي. وبالرّملة: من أحمد بن محمد الأيكي. وبالخليل: من صالح بن خليل بن سالم. وببيت المقدس: من شمس الدّين القلقشندي، وبدر الدّين بن مكّي، ومحمد المنبجي، ومحمد بن عمر بن موسى. وبدمشق: من بدر الدّين بن قوام البالسي، وفاطمة بنت المنجّى التّنوخية، وفاطمة بنت عبد الهادي، وعائشة بنت عبد الهادي، وغيرهم. وبمنى: من زين الدّين أبي بكر بن الحسين. ورحل إلى اليمن بعد أن جاور بمكة، وأقبل على الاشتغال والإشغال والتصنيف، وبرع في الفقه والعربية، وصار حافظ الإسلام. قال بعضهم: كان شاعرا، طبعا، محدّثا صناعة، فقيها تكلّفا، انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم ومعرفة العالي والنّازل، وعلل الأحاديث، وغير ذلك. وصار هو المعوّل عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار، وقدوة الأمّة، وعلّامة العلماء، وحجة الأعلام، ومحيي السّنّة. وانتفع به الطلبة، وحضر دروسه وقرأ عليه غالب علماء مصر، ورحل الناس إليه من الأقطار، وأملى بخانقاه بيبرس نحوا من عشرين سنة ثم انتقل لما عزل عن منصب القضاء بالشّمس القاياتي إلى دار الحديث الكاملية بين القصرين، واستمرّ على ذلك. وناب في الحكم عن جماعة، ثم ولاه الملك الأشرف برسباي قضاء القضاة الشافعية بالدّيار المصرية عن

стр. 4619

علم الدّين البلقيني بحكم عزله، وذلك في سابع عشري محرم سنة سبع وعشرين، ثم لا زال يباشر القضاء ويصرف مرارا كثيرة إلى أن عزل نفسه سنة مات في خامس عشري جمادى الآخرة، وانقطع في بيته ملازما للاشغال والتصنيف. ومن مصنّفاته: «تغليق التعليق» [١] وصل في تعليقات البخاري، وهو أول تصانيفه، وهو كتاب نفيس وشرح «البخاري» في نيف وعشرين مجلدا سمّاه «فتح الباري» وصنّف له مقدمة في مجلد ضخم [٢] . [٣] وكتاب «فوائد الاحتفال في بيان أحوال الرجال المذكورين في البخاري زيادة على «تهذيب الكمال» في مجلد ضخم [٣] . وكتاب «تجريد التفسير من صحيح البخاري على ترتيب السور» [٤] وكتاب «تقريب الغريب وإتحاف المهرة بأطراف العشرة» في ثمان مجلدات، ثم أفرد منه «أطراف مسند الإمام أحمد» وسمّاه «أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي» في مجلدين [٥] و «أطراف الصحيحين» و «أطراف المختارة» للضياء مجلد ضخم، و «تهذيب تهذيب الكمال» للحافظ المزّي في ست مجلدات، ومختصرة «تقريب التهذيب» مجلد ضخم [٦] وكتاب «تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة» أصحاب المذاهب [٧] و «الإصابة في تمييز الصحابة» خمس مجلدات. و «لسان الميزان وتحرير الميزان» و «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه» مجلد ضخم، و «طبقات الحفّاظ» في مجلدين. و «الدر الكامنة في المائة الثامنة» و «إنباء الغمر بأنباء العمر» و «قضاة مصر» مجلد ضخم، و «الكافي الشاف في تحرير أحاديث الكشّاف» مجلد، و «الاستدراك عليه» مجلد آخر.

стр. 4620

و «التمييز في تخريج أحاديث الوجيز» مجلدين، و «الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية» و «الإعجاب ببيان الأسباب» مجلد ضخم، و «الأحكام لبيان ما في القرآن من الإبهام» و «الزّهر المطوّل في بيان الحديث المعدل» و «شفاء الغلل في بيان العلل» و «تقريب النهج بترتيب الدرج» و «الأفنان في رواية القرآن» و «المقترب في بيان المضطرب» و «التعريج على التدريج» و «نزهة القلوب في معرفة المبدل من المقلوب» و «مزيد النفع بما رجح فيه الوقف على الرفع» و «بيان الفصل بما رجّح فيه الإرسال على الوصل» و «تقويم السناد بمدرج الإسناد» و «الإيناس بمناقب العباس» و «توالي التأسيس بمعاني ابن إدريس» و «المرجة الغيثية عن الترجمة اللّيثية» و «الاستدراك على الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء» مجلد [١] و «تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب الأصلي» مجلدين، و «تحفة الظّراف بأوهام الأطراف» [٢] مجلد، و «المطالب العالية من رواية المسانيد الثمانية» [٣] و «التعريف الأوحد بأوهام من جمع رجال المسند» [٤] و «تعريف أولي التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس» وكتاب «الإعلام بمن ولي مصر في الإسلام» و «تعريف الفئة بمن عاش مائة من هذه الأئمة» و «القصد الأحمد فيمن كنيته أبو الفضل واسمه أحمد» و «إقامة الدلائل على معرفة الأوائل» والخصال المكفّرة للذنوب المقدّمة والمؤخرة» و «الشمس المنيرة في معرفة الكبيرة» و «الإتقان في فضائل القرآن» مجلد، و «الأنوار بخصائص المختار» و «الآيات النّيّرات للخوارق المعجزات» و «النبأ الأنبه في بناء الكعبة» و «القول المسدّد في

стр. 4621

الذّب عن المسند» و «بلوغ المرام بأدلة الأحكام» و «بذل الماعون في فضل [١] الطّاعون» و «المنحة فيما علّق به الشافعي القول على الصحة» و «الأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة» و «منسك الحج» و «شرح مناسك المنهاج» و «تصحيح الرّوضة» كتب منه ثلاث مجلدات، و «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» وشرحها «نزهة النظر بتوضيح نخبة الفكر» و «الانتفاع بترتيب الدارقطني على الأنواع» و «مختصر البداية والنهاية» لابن كثير [٢] ، و «تخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية» و «الأربعين المتباينة» و «شرح الأربعين النووية» و «ترجمة النووي» ، وغير ذلك. وله ديوان شعر. ومن شعره: أحببت وقّادا كنجم طالع ... أنزلته برضا الغرام فؤادي وأنا الشّهاب فلا تعاند عاذلي ... إن ملت نحو الكواكب الوقّاد وكان- رحمه الله تعالى- صبيح الوجه، للقصر أقرب، ذا لحية بيضاء، وفي الهامة نحيف الجسم، فصيح اللّسان، شجي الصوت، جيد الذكاء، عظيم الحذق، رواية للشعر وأيام من تقدمه ومن عاصره، هذا مع كثرة الصّوم، ولزوم العبادة، واقتفاء السّلف الصالح، وأوقاته مقسمة للطلبة، مع كثرة المطالعة والتأليف والتصدي للإفتاء والتصنيف. وتوفي ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجّة ودفن بالرّميلة. وكانت جنازته حافلة [٣] مشهودة [٤] . وفيها الأمير سيف الدّين أبو محمد تغري برمش بن عبد الله الجلالي

стр. 4622

المؤيدي [١] الفقيه الحنفي، نائب القلعة بالديار المصرية. قال هو: قدم بي الخواجا جلال الدّين من بلادي إلى حلب، فاشتراني جقمق بحلب ولي سبع أو ثمان سنين، وأتى بي إلى الدّيار المصرية، وقدّمني إلى أخيه الأمير [٢] جاركس القاسمي المصارع، فأقمت عنده إلى أن خرج عن طاعة الملك الناصر فرج، واستولى الناصر على مماليكه، فأخذني فيمن أخذ، وجعلني من جملة المماليك السّلطانية الكتابية بالطبقة بقلعة الجبل، إلى أن قتل الناصر، واستولى المؤيد شيخ على الدّيار المصرية [٣] اشتراني فيمن [٣] اشتراه من المماليك الناصرية، وأعتقني، وجعلني جمدارا مدة طويلة. قال صاحب «المنهل» : استمر تغري برمش إلى أول رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة فأنعم عليه بإمرة عشرة، ونيابة القلعة، فباشر ذلك بحرمة وافرة، وصار معدودا من أعيان الدولة، وقصدته الناس لقضاء حوائجهم، ثم أخذ أمره في انتقاص لسوء تدبيره، وصار يتكلّم في كل وظيفة، ويداخل السلطان فيما لا يعنيه، فتكلّم فيه من له رأس عند السلطان وهو لا يعلم، إلى أن أمر بنفيه إلى القدس في السنة التي قبل هذه، فذهب إلى القدس، وأقام به إلى أن توفي به. وكان له فضل ومعرفة بالحديث، لا سيما أسماء الرجال، فإنه كان بارعا في ذلك، وكانت له مشاركة جيدة في الفقه، والتاريخ، والأدب، محسنا لفنون الفروسية، فصيحا باللغة العربية والتركية، ومقداما، محبا لطلبة العلم وأهل الخير، متواضعا، كثير الأدب، جهوري الصّوت، أشقر، ضخما، للقصر أقرب. كثّ اللّحية، بادره الشيب. قرأ «صحيح البخاري» على القاضي محب الدّين بن نصر الله الحنبلي، و «صحيح مسلم» على الزّين الزركشي، و «السنن الصّغرى» للنسائي على الشّهاب الكلوتاتي، و «سنن ابن ماجة» على شمس الدّين محمد

стр. 4623

المصري، و «سنن أبي داود» على الحافظ ابن حجر. وقرأ ما لا يحصى على من لا يحصى. وتفقه بسراج الدّين قارئ الهداية، وبسعد الدّين الديري. وتوفي في ثالث شهر رمضان عن نيف وخمسين سنة. وفيها زين الدّين أبو النّعيم- بفتح النون المشددة- رضوان بن محمد بن يوسف بن سلامة بن البهاء بن سعيد العتبي [١] الشافعي المستملي المصري [٢] البارع، مفيد القاهرة. ولد في رجب سنة تسع وستين وسبعمائة بمينة عقبة الجيزة، ونشأ بها، ثم دخل القاهرة، واشتغل بها في عدة علوم، وتلا بالسبع على الإمام نور الدّين الدّميري المالكي سبع ختمات، ثم بالسبع، وقراءة يعقوب على الشمس الغماري، وأجاز له ثم بالثمان المذكورة على ركن الدّين الأشعري المالكي. وتفقه بالشّمس العراقي، والشمس الشّطنوفي، والشمس القليوبي، والصّدر الأمشيطي، والعزّ بن جماعة، وغيرهم. وأخذ النحو عن شمس الدّين الشّطّنوفي، والغماري، والشمس البساطي. وكتب عن الزّين العراقي مجالس كثيرة من أماليه، وسمع الحديث من التّقي بن حاتم، والبرهان الشامي، وابن الشّحنة، وخلائق. ثم حبّب إليه الحديث، فلازم السماع من أبي الطّاهر بن الكويك. فأكثر عنه، ولازم الحافظ ابن حجر، وكتب عنه الكثير، وتفقه به أيضا، وحجّ ثلاث حجّات، وجاور مرتين. وسمع بمكّة من الزّين المراغي وغيره، وخرّج لبعض الشيوخ ولنفسه «الأربعين المتباينات» وغير ذلك. وكان ديّنا، خيّرا، متواضعا، غزير المروءة، رضي الخلق، ساكنا، بشوشا، طارحا للتكلّف، سليم الباطن. توفي عصر يوم الاثنين ثالث رجب بالقاهرة.

стр. 4624

وفيها قطب الدّين محمد بن عبد القوي [١] بن محمد بن عبد القوي [١] البجائي، ثم المكّي المالكي [٢] شاعر مكة. كان إماما أديبا ماهرا. توفي في ذي الحجّة، وقد جاوز التسعين، والله أعلم.

стр. 4625

سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة فيها توفي ألوغ بك بن القآن معين الدّين شاه رخّ [١] ، صاحب هراة، ابن الطّاغية تيمور لنك، وقيل: اسمه تيمور على اسم جدّه، وقيل: محمد، صاحب سمرقند، فريد دهره ووحيد عصره في العلوم العقلية، والهيئة، والهندسة، طوسي زمانه، الحنفي المذهب. ولد في حدود تسعين وسبعمائة، ونشأ في أيام جدّه، وتزوج في أيامه أيضا. وعمل له جدّه العرس المشهور. ولما مات جدّه تيمور وآل الأمر إلى أبيه شاه رخ ولّاه سمرقند وأعمالها فحكمها نيّفا وثلاثين سنة، وعمل بها رصدا عظيما انتهى به إلى سنة وفاته، وقد جمع لهذا الرّصد علماء هذا الفنّ من سائر الأقطار، وأغدق عليهم الأموال، وأجرى [٢] لهم الرواتب الكثيرة، حتى رحل إليه علماء الهيئة والهندسة من البلاد البعيدة، وهرع إليه كل صاحب فضيلة، وهو مع هذا يتلفت إلى من يسمع به من العلماء في الأقطار ويرسل يطلب من سمع به هذا، مع علمه الغزير وفضله الجمّ واطلاعه الكبير وباعه الواسع في هذه العلوم، مع مشاركة جيدة إلى الغاية في فقه الحنفية، والأصلين، والمعاني، والبيان، والعربية، والتاريخ، وأيام الناس. قيل: إنه سأل بعض حواشيه ما تقول الناس عنّي وألحّ عليه، فقال: يقولون: إنك ما تحفظ القرآن الكريم، فدخل من وقته وحفظه في أقل من ستة أشهر حفظا متقنا. وكان أسنّ أولاد أبيه، واستمر بسمرقند إلى أن خرج عن طاعته ولده
следующие страницы →