ليقتلنه، أو ليقتلنّ دونه، وهم عبد الله بن شهاب، وأبي بن خلف، وابن قمئة [١] ، وعتبة بن أبي وقّاص.
وكان يزيد بن عبد الملك استقضى الزّهري، ولما مات دفن بماله [٢] على قارعة الطريق ليمرّ مارّ فيدعو له، والموضع الذي دفن فيه آخر أعمال [٣] الحجّاز، وأول عمل فلسطين، وبه ضيعته [٤] .
وأخوه الزّهريّ عبد الله بن مسلم، كان أسنّ [٥] من الزّهري، ويكنى أبا محمّد، وقد لقي ابن عمر وروى عنه وعن غيره، ومات قبل الزّهريّ.
انتهى ملخصا.
стр. 492
سنة خمس وعشرين ومائة
فيها توفي أبو سعد [١] سعيد بن أبي سعيد المقبريّ [٢] المحدّث المكثر عن أبي هريرة. وروى عن سعد بن أبي وقّاص.
قال ابن سعد: ثقة لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين.
قال الذهبيّ في «العبر» [٣] : قلت: ما سمع منه ثقة في اختلاطه. انتهى.
وفيها مات- في ربيع الآخر- الخليفة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموي، وكانت خلافته عشرين سنة، إلّا أشهرا [٤] وكانت داره عند الخوّاصين بدمشق، فعمل منها السلطان نور الدّين مدرسة، وكان ذا رأي وحزم وحلم، وجمع للمال [٥] عاش أربعا وخمسين سنة، وكان أبيض سمينا، أحول سديدا، حسن الكلام، شكس الأخلاق، شديد الجمع للمال، قليل البذل.
وكان حازما متيقظا لا يغيب عنه شيء من أمر ملكه.
قال المسعودي [٦] : كان هشام أحول فظا غليظا يجمع الأموال، ويعمر
стр. 493
الأرض، ويستجيد الخيل، وأقام الحلبة، فاجتمع له فيها من خيله وخيل غيره أربعة آلاف فرس، ولم يعرف ذلك في جاهلية ولا إسلام لأحد من الناس، وقد ذكرت الشعراء ما اجتمع له من الخيل، واستجاد الكساء والفرش وعدد الحرب ولأمتها، واصطنع الرّجال وقوّى الثّغور [١] واتخذ القنيّ والبرك بمكّة، وغير ذلك من الآثار [٢] التي أتى عليها داود بن علي في صدر الدّولة العبّاسية.
وفي أيامه عمل الخزّ [٣] فسلك الناس جميعا في أيامه مذهبه، ومنعوا ما في أيديهم فقلّ الإفضال، وانقطع الرّفد، ولم ير زمان أصعب من زمانه.
وكان زيد بن عليّ يدخل على هشام، فدخل عليه يوما بالرّصافة [٤] فلما مثل بين يديه، لم ير موضعا يجلس فيه، فجلس حيث انتهى به مجلسه.
فقال له: يا أمير المؤمنين، ليس أحد يكبر عن تقوى الله. فقال له هشام:
أسكت لا أم لك، أنت الذي تنازعك نفسك في الخلافة، وأنت ابن أمة، فقال: يا أمير المؤمنين إن لك جوابا، إن أحببت أجبتك به، وإن أحببت أمسكت عنك، قال: لا بل أجب. قال: إن الأمهات لا يقعدن بالرّجال عن الغايات، وقد كانت أمّ إسماعيل أمة لأمّ إسحاق- صلى الله عليهما وسلم- فلم يمنعه ذلك أن ابتعثه الله نبيا [٥] ، وجعله للعرب أبا، وأخرج من صلبه خير البشر محمدا- ﷺ أفتقول لي كذا وأنا ابن فاطمة، وابن عليّ؟ وقام وهو يقول:
стр. 494
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الجوى [١] ... تنكثه [٢] أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
إن يحدث الله له دولة ... يترك آثار العدا كالرّماد
وعرض هشام يوم الجند بحمص، فمرّ به رجل من أهل حمص وهو على فرس نفور، فقال له هشام: ما حملك على أن تربط [٣] فرسا نفورا؟
فقال الحمصيّ لا والرّحمن الرّحيم يا أمير المؤمنين، ما هو بنفور، وإنما أبصر حولك فظن أنه عين غزوان [٤] البيطار فنفر، فقال له هشام: تنحّ، فعليك وعلى فرسك لعنة الله، وكان غزوان [٤] نصرانيا ببلاد حمص، كأنه هشام في حوله وكشفته.
وبينما هشام ذات يوم جالسا [خاليا] [٥] وعنده الأبرش الكلبيّ، إذ طلعت وصيفة لهشام عليها حلّة، فقال للأبرش: مازحها، فقال لها الأبرش: هبي لي حلّتك، فقالت: لأنت أطمع من أشعب، فقال [لها] هشام: ومن أشعب؟
فقالت: كان مضحكا بالمدينة، وحدثته [٦] ببعض أحاديثه، فضحك هشام وقال: اكتبوا إلى إبراهيم بن هشام- وكان عامله على المدينة- في حمله إلينا، فلما ختم الكتاب، أطرق هشام طويلا. ثم قال: يا أبرش، هشام يكتب إلى بلد رسول الله- ﷺ ليحمل إليه [منه] مضحك؟ لاها الله، ثم تمثل:
стр. 495
إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
وأوقف الكتاب.
ودخل هشام بستانا له ومعه ندماؤه، فطافوا به وفيه من كل الثمار، فجعلوا يأكلون ويقولون: بارك الله لأمير المؤمنين، فقال: وكيف يبارك لي فيه وأنتم تأكلون؟!، ثم قال: ادع قيّمه، فدعا به، فقال له: اقلع شجره واغرس فيه زيتونا حتّى لا يأكل أحد منه شيئا.
وكان أخوه مسلمة مازحه قبل أن يلي الأمر، فقال له: يا هشام أتؤمّل الخلافة وأنت جبان بخيل! قال: أي والله العليم الحليم [١] .
وذكر الهيثم بن عديّ، والمدائني وغيرهما، أن السّوّاس من بني أميّة ثلاثة: معاوية، وعبد الملك، وبهشام ختمت أبواب السياسة وحسن السّير [٢] وأن المنصور كان في أكثر أموره، وتدبيره، وسياسته، متبعا لهشام في أفعاله، لكثرة ما يستحسنه من أخبار هشام وسيره. انتهى ملخصا.
ومن نوادره ما روي أنه تمادى في الصيد فوقع على غلام، فأمره ببعض الأمر، فأبى الغلام، وأغلظ له في القول، وقال له: لا قرّب الله دارك، ولا حيّا مزارك، في قصة طويلة، فيها أنه أمر بقتله وقرّب له نطع الدّم، فأنشأ الغلام يقول:
نبّئت أنّ الباز علّق مرّة ... عصفور برّ ساقه المقدور
فتكلّم العصفور في أظفاره ... والباز منهمك عليه يطير
ما في ما يغني لبطنك شبعة ... ولئن أكلت فإنّني لحقير
стр. 496
فتعجّب الباز المدلّ بنفسه ... عجبا وأفلت ذلك العصفور [١]
فضحك هشام، وقال: يا غلام احش فاه درّا وجوهرا.
وفيها توفي أشعث بن أبي الشّعثاء [٢] المحاربيّ [٣] الكوفي.
وآدم بن عليّ الشيبانيّ الكوفي الذي روى عن ابن عمر.
وأبو [بشر] جعفر بن أبي وحشيّة، وإياس [٤] ، صاحب سعيد بن جبير.
وقد روى عن عبّاد بن شرحبيل الصحابي.
وأبو عبد الله محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس الهاشمي، والد المنصور، والسّفّاح، وله ستون سنة، وكان جميلا، وسيما، مهيبا، نبيلا، وكان دعاة العباسيين يكاتبونه ويلقّبونه بالإمام.
وسبب انتقال الأمر إلى العباسيين [٥] ، أن الشيعة كانت تقصد إمامة محمّد بن الحنفيّة بعد أخيه الحسين، ونقلوها بعده إلى ولده أبي هاشم، فلما حضرت أبا هاشم الوفاة ولا عقب له، أوصى إلى محمّد بن علي المذكور،
стр. 497
ودفع إليه كتبه، وصرف الشيعة إليه، ولما حضرته الوفاة، أوصى إلى ولده إبراهيم المعروف بالإمام، فلما حبسه مروان بن محمّد آخر ملوك الأمويين، وعرف أنه مقتول، أوصى إلى السّفّاح- وهو أول خلفاء العباسيين- وشرح القصة يطول، وسنورد تمامه في ترجمة السّفّاح [١] إن شاء الله تعالى.
وفيها، وقيل: في سنة أربع، زيد بن أبي أنيسة الجزريّ الرّهاويّ الحافظ، أحد علماء الجزيرة [٢] ، وله أربعون سنة. روى عن جماعة من التابعين.
قال الذّهبيّ في «المغني» [٣] : هو ثقة، نبيل.
قال أحمد: في حديثه بعض النكارة [٤] .
وفيها، أو بعدها، زياد بن علاقة الثّعلبيّ الكوفي. روى عن طائفة. وكان معمّرا، أدرك ابن مسعود، وسمع من جرير بن عبد الله.
وفيها صالح مولى التوءمة المدنيّ، وقد هرم، وخرّف. لقي أبا هريرة وجماعة.
стр. 498
سنة ست وعشرين ومائة
فيها في جمادى الآخرة مقتل الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بحصن البحراء [١] بقرب تدمر. وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر. وكان من أجمل النّاس، وأقواهم وأجودهم نظما، ولكنه كان فاسقا متهتكا، زعم أخوه سليمان أنه راوده عن نفسه. فقاموا عليه لذلك مع ابن عمه يزيد بن الوليد الملقّب بالنّاقص، لكونه نقص الجند أعطياتهم.
وبويع يزيد النّاقص، فمات في العشر من ذي الحجّة من السنة عن ست وثلاثين سنة.
وبويع بعده أخوه إبراهيم بن الوليد، وكان في يزيد زهد وعدل، وخير، لكنه قدريّ.
قال الشّافعيّ: ولي يزيد بن الوليد، فدعا النّاس إلى القدر وحملهم عليه، وسيأتي الكلام عليه بقية قريبا إن شاء تعالى. قاله في «العبر» [٢] .
وقال المسعوديّ في «مروج الذهب» [٣] : ظهر في أيام الوليد بن يزيد،
стр. 499
يحيى بن زيد بن علي [بن الحسين بن علي] [١] بن أبي طالب بالجوزجان من بلاد خراسان، منكرا للظلم وما عمّ النّاس من الجور، فسيّر إليه نصر بن سيّار، سلم [٢] بن أحوز المازني، فقتل يحيى في المعركة بسهم أصابه في صدغه بقرية يقال لها: أرعونة، ودفن هنالك، وقبره مشهور [مزور] [٣] إلى هذه الغاية، وليحيى وقائع كثيرة، ولما قتل، ولىّ أصحابه يومئذ، واحتزّوا رأسه، فحمل إلى الوليد، وصلب جسده بالجوزجان، فلم يزل مصلوبا إلى أن خرج أبو مسلم صاحب الدّولة [العبّاسية] [٤] فقتل سلم [٥] بن أحوز، وأنزل جثة يحيى، فصلى عليها ودفنت هنالك، وأظهر أهل خراسان النّياحة على يحيى بن زيد سبعة أيام في سائر عمائرها [٦] في حال أمنهم على أنفسهم من سلطان بني أميّة، ولم يولد في تلك السنة مولود بخراسان إلّا وسمّي يحيى أو زيد، لما داخل [٧] أهل خراسان من الجزع والحزن عليه [٨] .
وكان ظهور يحيى في آخر سنة خمس وعشرين، وقيل: في [أول] [٩] سنة ست وعشرين ومائة، وكان يحيى يوم قتل يكثر من التمثل بقول الخنساء:
نهين النّفوس وهون النّفو ... س يوم الكريهة أوفى لها [١٠]
стр. 500
وكان الوليد بن يزيد صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء، وهو أول من حمل المغنّين إليه من البلدان، وجالس الملهين، وأظهر الشّرب والملاهي والعزف.
وفي أيامه كان ابن سريج المغنّي، ومعبد، والغريض [١] وابن عائشة، وابن محرز، وطويس، ودحمان، المغنّين، وغلبت شهوة الغناء في أيامه على الخاص والعام، واتخذ القيان، وكان متهتكا، ماجنا، خليعا، وطرب الوليد لليلتين خلتا من ملكه وأرق فأنشأ يقول:
طال ليلي وبتّ أسقى السّلافه ... وأتاني نعيّ من بالرّصافه
فأتاني [٢] ببردة وقضيب ... وأتاني بخاتم الخلافة [٣]
ومن مجونه قوله عند وفاة هشام، وقد أتاه البشير بذلك، وسلّم عليه بالخلافة.
إني سمعت خليلي ... نحو الرّصافة رنّه
أقبلت أسحب ذيلي ... أقول ما حالهنّه
إذا بنات هشام ... يندبن والدهنّه
يدعون ويلا وعولا ... والويل حلّ بهنّه
أنا المخنّث حقّا ... إن لم أنيكهنّه [٤]
стр. 501
ومن مليح قوله في الشّراب:
وصفراء في الكأس كالزّعفران ... سباها لنا التّجر من عسقلان
تريك القذاة وعرض الإناء ... وستر لها دون مسّ البنان
لها حبب كلّما صفّقت ... تراها كلمعة برق يماني
ومن مجونه أيضا على شرابه قوله لساقيه:
اسقني يا يزيد بالقرقارة [١] ... قد طربنا وحنّت الزّمّارة [٢]
اسقني اسقني فإنّ ذنوبي ... قد أحاطت فما لها كفّاره
والوليد يدعى خليع بني مروان، وقرأ ذات يوم وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ [٣] عَنِيدٍ من وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى من ماءٍ صَدِيدٍ ١٤: ١٥- ١٦ [إبراهيم: ١٥- ١٦] ، فدعا بالمصحف فنصبه غرضا [٤] [للنشّاب] [٥] وأقبل يرميه وهو يقول:
أتوعد كلّ جبّار عنيد ... فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر ... فقل يا ربّ خرّقني الوليد [٦]
وذكر محمّد بن يزيد المبرد أن الوليد ألحد في شعر له ذكر فيه النبيّ- ﷺ ومن ذلك الشعر:
تلعّب بالخلافة هاشميّ ... بلا وحي أتاه ولا كتاب
فقل لله يمنعني طعامي ... وقل لله يمنعني شرابي
стр. 502
فلم يمهل بعد قوله هذا إلّا أياما حتّى قتل. انتهى ما ذكره في «المروج» ملخصا.
وأمّ الوليد بنت أخي الحجّاج بن يوسف الثّقفيّة، ويكنى أبا العبّاس.
وقصمه الله وهو ابن سبع وثلاثين سنة. وقيل: اثنتان وأربعون سنة، ودفن بدمشق بين باب الجابية وباب الصغير.
وفيها توفي جبلة بن سحيم الكوفي. روى عن ابن عمر، ومعاوية.
وفي المحرم هلك خالد بن عبد الله القسريّ الدّمشقيّ الأمير تحت العذاب، وله ستون سنة، وكان جوادا ممدّحا، خطيبا، مفوّها، خطب بواسط يوم أضحى، وكان ممن حضره الجعد بن درهم، فقال خالد في خطبته:
الحمد لله الذي اتخذ إبراهيم خليلا، وموسى كليما، فقال الجعد- وهو بجانب المنبر- لم يتخذ الله إبراهيم خليلا، ولا موسى كليما، ولكن من وراء وراء، فلما أكمل خالد خطبته قال: يا أيها النّاس ضحّوا قبل الله ضحاياكم، فإني مضحّ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولا موسى كليما. في كلام طويل. ثم نزل فذبحه في أسفل المنبر. فلله ما أعظمها وأقبلها من أضحية.
والجعد هذا من أوّل من نفى الصّفات، وعنه انتشرت مقالة الجهميّة، إذ ممن حذا حذوه في ذلك الجهم بن صفوان، عاملهما الله تعالى بعدله.
قال الذّهبيّ في «المغني» [١] : الجعد بن درهم ضالّ مضلّ، زعم أن الله تعالى لم يتخذ إبراهيم خليلا، تعالى الله عمّا يقول الجعد علوا كبيرا.
انتهى.
стр. 503
وقال فيه [١] أيضا: خالد بن عبد الله القسري، عن أبيه، عن جده، صدوق، لكنه ناصبيّ جلد. انتهى.
وقال ابن معين عن خالد هذا: كان رجل سوء يقع في علي- ﵁ ولي العراق لهشام. انتهى.
وقال ابن الأهدل في «تاريخه» عن خالد: كان أمير العراق لهشام، وكان أحد الأجواد، كتب إليه هشام: بلغني أن رجلا قال لك: إن الله كريم، وأنت كريم جواد، وأنت جواد، حتّى عدّ عشر خصال، والله لئن لم تخرج من هذا لأستحلنّ دمك، فكتب إليه خالد: إنما قال لي: إن الله كريم يحب الكريم، فأنا أحبك لحب الله إياك.
ولكن أشد من هذا مقام ابن شقيّ [٢] البجلي بحضرة أمير المؤمنين قائلا: خليفتك أحبّ إليك أم رسولك، فقال: بل خليفتي، فقال: أنت خليفة الله ومحمد ورسوله، والله لقتل رجل من بجيلة أهون من كفر أمير المؤمنين.
فكتب هشام إلى عامله على اليمن يوسف ابن عم الحجّاج يقول:
اشفني من ابن النصرانية، فسار يوسف من حينه، واستعمل ولده الصّلت مكانه، ووصل العراق في سبعة عشر يوما، فوقع على خالد بالحيرة منزل النّعمان بن المنذر على فرسخ من الكوفة، فعذّبه أشد تعذيب، وجعل عليه كل يوم مالا معلوما، إن لم يؤدّه ضاعف عذابه، ومدحه أبو الشغب [٣] العبسي في السجن بقوله:
لعمري لقد عمّرتم السّجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
стр. 504
ألا إنّ خير النّاس حيّا وميّتا ... أسير ثقيف عندهم في السّلاسل
لقد كان نهّاضا لكلّ ملمّة ... ويعطي اللهى غمرا [١] كثير النّوافل
وقد كان يبني [٢] المكرمات لقومه ... ويعطي العطا في كلّ حقّ وباطل [٣]
فأنفذ إليه عطاء ذلك اليوم، فاعتذر عن قبولها، فأقسم عليه ليأخذنها.
وكان خالد فيما قيل، من ذرّيّة شقّ الكاهن، وشقّ ابن خالة سطيح، وكانا من أعاجيب الزّمان، كان سطيح جسدا ملقى بلا جوارح، ووجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان لا يقدر يجلس إلّا إذا غضب، فإنه ينتفخ فيجلس، قيل: وكان يطوى مثل الأديم، وينقل من مكان إلى مكان.
وكان شقّ نصف إنسان له يد ورجل، وولدا في يوم واحد، وهو اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة [٤] الحميرية زوجة عمرو بن مزيقياء بن عامر بن ماء السماء، وحين ولدا تفلت في أفواههما، وماتت من ساعتها ودفنت بالجحفة.
انتهى ما أورده ابن الأهدل.
وفيها توفي درّاج بن سمعان أبو السّمح المصري القّاص، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال السّيّوطيّ في «حسن المحاضرة» [٥] : يقال: اسمه عبد الرّحمن، ودرّاج لقب.
стр. 505
روى عن عبد الله بن الحارث بن جزء. وعنه اللّيث [١] . انتهى.
وفيها، وقيل: سنة ثمان، سعيد بن مسروق والد سفيان، الثّوريّ.
وعمرو بن دينار، أبو محمّد، الجحميّ مولاهم اليمنيّ الصنعانيّ الأبناويّ [٢] بمكّة، عن ثمانين سنة.
قال عبد الله بن أبي نجيح: ما رأيت أحدا قطّ أفقه منه.
وقال شعبة: ما رأيت في الحديث أثبت منه.
قال في «العبر» [٣] : سمع ابن عبّاس، وجابرا، وطائفة. انتهى.
وقال طاووس لابنه: إذا قدمت مكّة فجالس عمرو بن دينار، فإن أذنيه قمع العلم.
والقمع بكسر القاف وفتح الميم: إناء واسع الأعلى ضيق الأسفل، يصب فيه الدّهن إلى قارورة أو نحوها.
وقال ابن قتيبة [٤] : هو مولى ابن باذان من فرس اليمن. انتهى.
وفيها توفي عبد الرّحمن بن القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصّدّيق التيميّ المدنيّ الفقيه، كان إماما، ورعا، كثير العلم.
وفيها على الصحيح سليمان بن حبيب المحاربي، قاضي دمشق. روى عن معاوية وجماعة.
قال أبو داود: ولي قضاء دمشق أربعين سنة.
стр. 506
وعبد الله بن هبيرة السّبئيّ [١] المصريّ وله ست وثمانون سنة.
وعبيد الله بن أبي يزيد المكي، صاحب ابن عبّاس.
ويحيى بن جابر الطائيّ، قاضي حمص.
قال ابن الأهدل: وفي ذي الحجّة منها مات يزيد بن الوليد بن عبد الملك وقد بلغ من السن أربعين سنة، وولايته خمسة أشهر، وله عقب كثير، وفي جدّاته من أمه كسراويتين وقيصرية، وفي ذلك يقول مفتخرا:
أنا ابن كسرى وأنا ابن خاقان ... وقيصر جدّي وجدّي مروان
ومن خطبته يوم قتل الوليد: أيّها النّاس والله ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا على الدّنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، إني لظلوم لها، ولكني خرجت غضبا [٢] لله ولدينه، لمّا ظهر الجبار العنيد، المستحل لكل حرمة، الراكب لكل بدعة، الكافر بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب وكفؤي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني، حتّى أراح الله منه العباد، وطهّر منه البلاد، بحوله وقوته، لا بحولي ولا قوتي. انتهى.
стр. 507
سنة سبع وعشرين ومائة
لما بلغ مروان بن محمّد بن مروان وفاة يزيد النّاقص، سار من إرمينية في جيوشه [١] يطلب الأمر لنفسه، فجهز إبراهيم الخليفة أخويه بشرا، ومسرورا في جيش كبير، فهزم جيشهما، وأسرهما، ثم حاربه سليمان بن هشام بن عبد الملك، فانهزم أيضا، فخرج إبراهيم للقائه، وكان مروان نزل بمرج دمشق، وبذل إبراهيم الأموال والخزائن، فخذله أصحابه، فخلع نفسه، وبايع هو والنّاس مروان.
وفي هذه الفتنة قتل يوسف بن عمر الثقفيّ في السّجن بدمشق، وكان سجنه يزيد بن الوليد مع الحكم وعثمان ابني الوليد بن يزيد اللّذين يقال لهما: الجملان، فلما ولي إبراهيم بن الوليد، وغلبه مروان، خافت جماعة إبراهيم أن يدخل مروان دمشق فيخرجهما مع يوسف، فندبوا لقتلهم يزيد بن خالد بن عبد الله القسريّ، فقتلهم، وأدرك الثأر بأبيه، فجعل في رجلي يوسف حبلا وجرّره الولدان في الشوارع، ففعل يزيد بن خالد مثل ذلك في ذلك الموضع، نعوذ بالله من سخطه.
وقتل أيضا عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك.
стр. 508
وفيها توفي عبد الله بن دينار، مولى ابن عمر بالمدينة.
قال ابن ناصر الدّين: كان ثبتا، ثقة، متقنا.
والسيد الكبير الولي الشهير أبو يحيى مالك بن دينار البصريّ الزّاهد المشهور، كان مولى لبني أسامة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، وكان يكتب المصاحف بالأجرة، أقام أربعين سنة لا يأكل من ثمار البصرة، ولا يأكل إلّا من عمل يده، ووقع حريق بها فخرج متّزرا بباريّة [١] ، وبيده مصحف، وقال: فاز المخفّون. وقيل له: ألا تستسقي لنا؟ فقال: أنتم تنتظرون الغيث، وأنا أنتظر الحجارة.
وقال له رجل: إن امرأتي حبلى منذ أربع سنين، وأصبحت اليوم في كرب عظيم، فادع الله لها، فقال: اللهم إن كان في بطنها جارية فأبدلها غلاما، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب، فجاء الرّجل على رقبته غلام، وقد استوت أسنانه وما قطع سراره.
وفيها توفي عمير بن هانئ العنسيّ- بالنون- الدّارانيّ [٢] . روى عن معاوية في «الصحيحين» وعن أبي هريرة في «السنن» .
قال له عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر: أراك لا تفتر عن الذّكر، فكم تسبّح كل يوم؟ قال: مائة ألف تسبيحة، إلّا أن تخطئ الأصابع.
قلت: هذا صريح منه بأنه كان يعدّ التسبيح بأصابعه، ولكن أورد أبو بكر بن داود في «التحفة» أنّ أبا الدّرداء كان يسبّح كل يوم مائة ألف تسبيحة أيضا، ثم قال ما معناه: وهذا دليل أنه كان يستعمل السّبحة، إذ يبعد ويتعذّر أن يضبط مثل هذا العدد بغيرها، وجعله من جملة الأدلة على السّبحة، بعد
стр. 509
أن ذكر أيضا أن أبا هريرة كان يسبّح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة. وسلسل إليه حديثا بالسبحة [١] ، والله أعلم.
وفيها قاضي المدينة سعد بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ المدني.
قال شعبة: كان يصوم الدّهر، ويختم كل يوم [٢] .
وعبد الكريم بن مالك الجزريّ الحرّانيّ [٣] الحافظ كهلا.
قال في «المغني» [٤] : ثقة مشهور توقّف فيه ابن حبّان.
وفيها وهب بن كيسان المدنيّ المؤدّب عن سنّ عالية.
وفيها، أو في سنة تسع، إسماعيل السّديّ الكوفيّ المفسر المشهور [٥] .
وفيها، وقيل: سنة ثمان، توفي أبو إسحاق عمرو [٦] بن عبد الله السّبيعي الكوفي شيخ الكوفة وعالمها، له نحو المائة. رأى عليا، وغزا الرّوم زمن معاوية.
стр. 510
قال في «المعارف» [١] : وهو من بطن من همدان يقال لهم: السّبيع قال شريك: ولد أبو إسحاق السّبيعي في سلطان عثمان لثلاث سنين بقين منه، ومات سنة سبع وعشرين ومائة وله خمس وتسعون سنة.
حدثنا [٢] عبد الرّحمن، عن عمه، عن إسرائيل عن أبي إسحاق قال:
رفعني أبي حتّى رأيت علي بن أبي طالب يخطب [على المنبر] [٣] أبيض الرأس واللحية. انتهى.
وقال عنه ابن ناصر الدّين: كان أحد أئمة الإسلام والحفاظ المكثرين.
وروى عن زيد بن أرقم. انتهى.
стр. 511
سنة ثمان وعشرين ومائة
فيها ظهر الضّحّاك بن قيس الخارجيّ، وقتل متولي البصرة، والموصل، واستولى عليها، وكثرت جموعه، وأغار على البلاد، وخافه مروان، فسار إليه بنفسه، فالتقى الجيشان بنصيبين [١] وكان أشار على الضّحّاك أمراؤه أن يتقهقر، فقال: مالي في دنياكم من حاجة، وقد جعلت لله عليّ إن رأيت هذا [٢] الطاغية أن أحمل عليه حتّى يحكم الله بيننا، وعليّ دين سبعة دراهم، معي منها ثلاثة دراهم، فثارت الحرب إلى آخر النهار، وانهزم مروان وملك مخيّمه، وثبت أمير الميمنة في نحو ثلاث آلاف، فأحاطوا بذلك الخارجي، فقتلوه في نحو ستة آلاف من الفريقين، وقام بأمر الخوارج شيبان، فتحيّز بهم، وخندق [٣] ، وخندقوا على أنفسهم، وجاء مروان فنازلهم، وقاتلهم عشرة أشهر، كل يوم يكسرونه، وكانت فتنة هائلة تشبه فتنة ابن الأشعث مع الحجّاج، ثم رحل شيبان نحو شهرزور [٤] ثم إلى كرمان، ثم كرّ إلى البحرين، فقتل هناك.
стр. 512
وفيها خروج بسطام بن اللّيث بأذربيجان، ثم قدم نصيبين في نيّف وأربعين رجلا، فنهض لحربه عسكر الموصل، فبيّتهم، وأصاب منهم ثم عاث [١] بنصيبين، ثم قتل.
وفيها ولي العراقين يزيد بن عمر [٢] بن هبيرة.
وعزل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وقبض عليه ابن هبيرة من واسط، وبعث به إلى مروان مع ابن له، فلم يزالا في حبسه حتّى ماتا.
وفيها توفي بكر بن سوادة الجذاميّ [٣] المصريّ، مفتي مصر، وقد روى عن عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد.
وجابر بن يزيد الجعفي، من كبار المحدّثين بالكوفة.
روى عن أبي الطّفيل، ومجاهد. وثقه وكيع وغيره، وضعفه آخرون.
وأبو قبيل المعافريّ [٤] المصريّ حييّ [٥] بن هانئ سمع عقبة، وعبيد الله بن عمرو.
وعاصم بن أبي النّجود الكوفيّ الأسديّ مولاهم، أحد القراء السبعة [٦]
стр. 513
كان حجّة في القرآن [١] صدوقا في الحديث، قرأ على أبي عبد الرّحمن السّلمي وغيره.
وأبو عمران الجوني البصري، عبد الملك بن حبيب عن سنّ عالية.
سمع جندب بن عبد الله وجماعة.
وفيها على الأصح أبو حصين الأسديّ، عثمان بن عاصم سيّد بني أسد بالكوفة، كان ثبتا، خيّرا، فاضلا، عثمانيّا، لقي جابر بن سمرة وطائفة.
وأبو الزّبير المكيّ، محمّد بن مسلم، أحد العقلاء والعلماء، لقي عائشة والكبار.
قال ابن ناصر الدّين: نقم عليه التدليس، ومع ذلك فهو إمام حافظ، واسع العلم، رئيس. انتهى.
وأبو جمرة [٢] الضّبعيّ، نصر بن عمران، صاحب ابن عبّاس.
стр. 514
وفيها فقيه مصر وشيخها ومفتيها، أبو رجاء، يزيد بن أبي حبيب الأزدي مولاهم، لقي عبد الله بن الحارث بن جزء وطائفة.
قال اللّيث: هو عالمنا وسيدنا.
وفيها أبو التيّاح البصريّ، صاحب أنس، واسمه يزيد بن حميد.
قال أبو إياس: ما بالبصرة أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله من أبي التيّاح.
وقال أحمد: هو ثبت ثقة.
وفيها يحيى بن يعمر النحويّ البصريّ، لقي ابن عمر، وابن عبّاس، وغيرهما، وأخذ النحو عن أبي الأسود [الدّؤلي] وكان يفضّل أهل البيت من غير تنقّص لغيرهم [١] .
قال له: الحجّاج: تزعم أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله- ﷺ ! لتخرجن من ذلك أو لألقينّ الأكثر منك شعرا، فقال: قال الله تعالى: وَمن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ ٦: ٨٤ الآية وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى ٦: ٨٥ الآية [الأنعام: ٨٤] . وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن والحسين ومحمد- ﷺ فقال له الحجّاج: ما أراك إلّا قد خرجت والله لقد قرأتها وما علمت بها قطّ.
ثم قال له الحجّاج: أين ولدت؟ قال بالبصرة. قال: وأين نشأت؟
قال: بخراسان. قال فمن أين هذه العربية؟ قال: رزق.
ثم كتب الحجّاج إلى قتيبة بن مسلم: أن اجعل يحيى بن يعمر على قضائك [٢] .
стр. 515
سنة تسع وعشرين ومائة
في رمضان منها كان ظهور أبي مسلم الخراساني صاحب الدّعوة بمرو.
وفيها توفي عالم المغرب وعابدها خالد بن أبي عمران التّجيبيّ التونسيّ، قاضي إفريقية. روى عن عروة وطبقته.
وسالم المدني أبو النضر، وحديثه عن عبد الله بن أبي أوفى إجازة [١] في «الصحيحين» .
وفيها، وقيل: في سنة إحدى وثلاثين، عليّ بن زيد بن جدعان القرشيّ التيميّ البصريّ الضرير، كان أحد أوعية العلم.
قال في «العبر» [٢] : كان أحد علماء الشيعة، وكان كثير الرّواية، ليس بالقويّ. انتهى.
وفيها على الصحيح يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل، وقيل: اسم أبيه يسار، وقيل: نشيط، وقيل: دينار، الطّائي مولاهم، كان أحد العلماء الأعلام الأثبات.
стр. 516
قال: أيوب السختياني: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير.
وقال في «العبر» [١] : هو أحد الأعلام في الحديث، له حديث في «صحيح مسلم» عن أبي أمامة، وآخر في «سنن النسائي» عن أنس، فيقال:
لم يلقهما، والله أعلم [٢] . انتهى.
وفيها قارئ المدينة الزّاهد العابد أبو جعفر يزيد بن القعقاع، عن بضع وثمانين سنة.
أخذ عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وقرأ عليه نافع، وإلياس [٣] وله ذكر في «سنن أبي داود» ، وكان من أفضل أهل زمانه، رؤي بعد موته على ظهر الكعبة وهو يخبر أنه من الشهداء الكرام.
стр. 517
سنة ثلاثين ومائة
فيها كانت فتنة الإباضية، وهم المنسوبون إلى عبد الله بن إباض [١] قالوا:
مخالفونا من أهل القبلة كفار، ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وكفّروا عليا وأكثر الصحابة، وكان داعيتهم في هذه الفتنة عبد الله بن يحيى الجنديّ الكنديّ الحضرميّ، طالب الحق، وكانت لهم وقعة بقديد [٢] مع عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فقتل عبد العزيز، ومن معه من أهل المدينة، فكانوا سبعمائة، أكثرهم من قريش، منهم مخرمة بن سليمان الوالبي، روى عن عبد الله بن جعفر وجماعة، وبعدها سارت الخوارج إلى وادي القرى، ولقيهم عبد الملك السّعدي، فقتلهم، ولحق رئيسهم إلى مكّة فقتله أيضا، ثم سار إلى تبالة وراء مكّة بست مراحل، فقتل داعيتهم الكندي.
وفيها توفي بالبصرة شعيب بن الحبحاب صاحب أنس.
وأبو الحويرث [٣] عبد الرّحمن بن معاوية الأنصاريّ المدنيّ.
стр. 518
وعبد العزيز بن رفيع المكيّ ثم الكوفي عن نيّف وتسعين سنة. روى عن ابن عبّاس وجماعة.
وشيبة بن نصاح بن سرجس [١] بن يعقوب، مولى أمّ سلمة، ولا يعلم أحد روى عن نصاح إلّا ابنه شيبة، وكان شيبة إمام أهل المدينة في القراءات في دهره، قرأ على أبي هريرة، وابن عبّاس.
وقال: قالون [٢] : كان نافع أكثر اتّباعا لشيبة من أبي جعفر [٣] .
وعبد العزيز بن صهيب البصريّ الأعمى.
وكعب بن علقمة التنوخيّ المصريّ. روى عن أبي تميم الجيشاني وطائفة.
وفيها، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، السيد الجليل، كبير الذّكر، محمد بن المنكدر التيميّ المدني.
قال ابن ناصر الدّين: هو محمّد بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزّى [٤] بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرّة أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر القرشيّ التيميّ أخو أبي بكر، وعمر [٥] . سمع أبا هريرة، وابن عبّاس، وجابرا، وأنسا، وابن المسيّب، وعدة أخر، وهو من أضراب
стр. 519
عطاء بن أبي رباح، لكن تأخرت وفاته عن تلك الطبقة. انتهى.
قيل له: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمنين.
وقيل له: أيّ الدّنيا أحبّ إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان.
وكان يحج وعليه دين. فقيل له: أتحج وعليك دين؟ فقال: هو أقضى للدّين.
وكان إذا حجّ خرج بنسائه وصبيانه كلّهم، فقيل له في ذلك، فقال:
أعرضهم على الله.
قال مالك: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة آتي ابن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأبغض نفسي أياما، وكان من أزهد النّاس وأعبدهم، وكان له أخوان فقيهان عابدان، أبو بكر ابن المنكدر، وعمر بن المنكدر.
وسمع محمد عائشة، وأبا هريرة، وكان بيته مأوى الصالحين ومجتمع العابدين.
وفيها توفي أبو وجزة [١] السعديّ المدنيّ يزيد بن عبيد، الذي روى عن عمير بن أبي سلمة.
ويزيد الرّشك [٢] بالبصرة. روى عن مطرّف بن الشّخّير، وجماعة.
وفيها توفي يزيد بن رومان المدني. روى عن عروة، وجماعة، وقيل:
إنه قرأ على ابن عبّاس، وهو من شيوخ نافع في القراءة.
стр. 520
وقاضي دمشق يزيد بن عبد الرّحمن بن أبي مليك الهمدانيّ الفقيه.
أخذ عن واثلة بن الأسقع، وجماعة [١]
стр. 521
سنة إحدى وثلاثين ومائة
فيها استولى أبو مسلم صاحب الدعوة على ممالك خراسان، وهزم الجيوش، وأقبلت سعادة [١] بني العبّاس، وولّت الدّنيا عن بني أميّة، وكان ابتداء دعوته بمرو، وذلك أن أبا مسلم واسمه عبد الرّحمن بن مسلم قام بالدعوة الهاشمية، وابتداء أمره أن أباه مسلما رأى أنه خرج من إحليله [٢] نار وارتفعت في السماء، ووقعت في ناحية المشرق، فقصها على مولاه عيسى بن معقل العجلي، فقال له: يولد لك غلام يكون له شأن، فمات أبوه، ووضعته أمه، ونشأ عند عيسى بن معقل، ثم حبس عيسى وأخوه إدريس جدّ أبي دلف العجلي [٣] الذي يمدح في بقايا عليهم من الخراج، فكان أبو مسلم يختلف إليهما، فوافق عندهم يوما جماعة من نقباء الإمام محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس يدعون إلى بيعته سرا، فمال إليهم أبو مسلم، وسار معهم حتّى قدموا على الإمام محمّد بن عليّ بمكّة، فشكر فعلهم، وأشار إلى
стр. 522
أبي مسلم [١] وقال له: أنت ممن يتحرك في دولتنا، ومات الإمام عقب [٢] ذلك، وقد أوصى إلى ابنه إبراهيم، فقدمت الدّعاة على إبراهيم ومعهم أبو مسلم وهو غلام حزوّر [٣] فسلّموا أبا مسلم إليه، فكان يخدمه حضرا وسفرا، ثم أرسله إلى خراسان فشهر الدّعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكان يدعو إلى رجل من بني هاشم غير معين، ثم أظهر الدّعوة إلى إبراهيم [٤] بن محمّد، وكان إبراهيم بحرّان فقبض عليه مروان وجعل رأسه بجراب نورة [٥] وشدّ عليه، فمات غما، وهرب أخوه عبد الله السّفّاح، فتوارى بالكوفة حتّى أتته جيوش أبي مسلم من خراسان بعد وقعاته العظيمة بأمراء الأمويين، فبايعوه وسموه المهدي الوارث للإمامة.
وكان أبو مسلم معظّما يلقاه أبو ليلى القاضي فيقبّل يده، فنهي أبو ليلى، فقال: قبّل أبو عبيدة يد عمر، فقيل: شبّهته بعمر، قال: تشبّهوني بأبي عبيدة.
ومن جوده أنّه حجّ في ركبه، فأقسم أن لا يوقد غير ناره، وقام بمؤونتهم حتّى قدم مكّة، ووقف بمكّة خمسمائة وصيف يسقون النّاس في المسعى.
وآخر أمره أنه لما ولي أبو جعفر المنصور بعد أخيه السّفّاح، صدرت من أبي مسلم قضايا غيّرت قلبه عليه، ومن ذلك أنه كتب إليه كتابا فبدأ بنفسه، وخطب إليه عمته آسية، وقد كان في ابتداء دولة المنصور قام عليه
стр. 523
ابن أخيه ابن السّفّاح عبد الله، فجهّز إليه أبو جعفر أبا مسلم فهزمه وقبض خزانته وما معه، فكتب إليه أبو جعفر المنصور: احتفظ بما في يديك ولا تضيّعه، فشق ذلك على أبي مسلم وعزم على خلع المنصور، ثم إن المنصور استعطفه ومناه وحفظها له، وقال: لمسلم بن قتيبة الباهليّ: ما ترى في أبي مسلم؟ فقال: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا ٢١: ٢٢ [الأنبياء: ٢٢] . فقال:
حسبك لأذن واعية.
قيل: وقد كان قيل لأبي مسلم، أو رؤي له في الملاحم أنه يميت دولة ويحيي دولة، ويقتل بأرض الرّوم، وكان المنصور برومية، التي بناها الإسكندر ذو القرنين بمدائن كسرى [١] لما طاف الأرض، ولم يجد المنصور برومية منزلا سوى المدائن، فنزلها وبنى فيها رومية، وقدم أبو مسلم من حجّه على المنصور برومية، ولم يخطر بباله أنها مقتله، بل ذهب ذهنه إلى بلاد الرّوم، فدسّ المنصور جماعة خلف سريره وقال لهم: إذا دخل وعاتبته وضربت يدا على يد فأظهروا له واضربوا عنقه، ففعلوا، وأنشد حين رآه طريحا:
زعمت أنّ الكيل لا ينقضي [٢] ... فاستوف بالكيل أبا مجرم
اشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمرّ في الحلق من العلقم
واختلف في نسب أبي مسلم، فقيل: من العرب، وقيل: من العجم، وقيل: من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة [٣] :
أبا مجرم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتّى يغيّرها العبد
стр. 524
أفي دولة المنصور حاولت غدرة ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد
أبا مسلم خوّفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد الورد
وكان يدعي هو أنه ابن سليط بن علي بن عبد الله بن عبّاس.
وقال الكتبيّ في «غرر الخصائص» : قتل أبو مسلم ستمائة ألف.
انتهى.
وكان قتل المنصور له في سنة سبع وثلاثين ومائة.
وفي سنة إحدى وثلاثين مات الزّاهد المشهور فرقد السّبخيّ البصريّ.
حدّث عن أنس وجماعة، وفيه ضعف.
قال الذهبيّ في «المغني» [١] : فرقد السّبخي أبو يعقوب. [قال البخاريّ:
في حديثه مناكير. وقال يحيى القطّان: ما تعجبني الرّواية عنه عن سعيد بن جبير] [٢] . وثقه يحيى بن معين، وقال أحمد: ليس بالقوي. انتهى.
ومنصور بن زاذان البصري، زاهد البصرة وشيخها. روى عن أنس، وجماعة، وكان يصلي من بكرة إلى العصر، ثم يسبّح إلى المغرب.
وفيها قتل أبو مسلم الخراسانيّ إبراهيم بن ميمون الصائغ ظلما. روى عن عطاء ونافع.
وفيها توفي بالبصرة إسحاق بن سويد التميمي. روى عن ابن عمر، وجماعة.
وإسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر الدّمشقيّ، مؤدّب أولاد عبد الملك بن مروان، وكان زاهدا، عابدا، روى عن أنس، وطائفة.
стр. 525
وفيها فقيه أهل البصرة أيوب السّختياني، أحد الأعلام، كان من صغار التابعين.
قال شعبة: كان سيّد الفقهاء.
وقال ابن عيينة: لم ألق مثله.
وقال حمّاد بن زيد: كان أفضل من جالسته وأشدّه اتباعا للسّنّة.
وقال ابن المديني: له نحو ثمانمائة حديث.
وقال ابن ناصر الدّين: هو أيوب بن أبي تميمة كيسان أبو بكر السّختيانيّ البصريّ، كان سيّد العلماء وعلم الحفّاظ، ثبتا في الأيقاظ [١] . انتهى.
وفيها الزّبير بن عديّ، قاضي الرّيّ. يروي عن أنس وجماعة.
وسميّ مولى أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث المخزوميّ المدنيّ، لقي كبار التابعين.
وفيها أبو الزّناد عبد الله بن ذكوان، مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة، وكانت رملة تحت عثمان بن عفّان، وكان أبو الزّناد يكنى أبا عبد الرّحمن، فغلب عليه أبو الزّناد.
وعن الأصمعيّ عن أبي الزّناد أنه قال: أصلنا من همدان، وكان عمر ابن عبد العزيز ولّاه خراج العراق مع عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، ومات أبو الزّناد فجأة في مغتسله في شهر رمضان وهو ابن ست وستين سنة.
وكان فقيها أحد علماء المدينة، لقي عبد الله بن جعفر، وأنسا.
стр. 526
قال اللّيث: رأيت أبا الزّناد وخلفه ثلاثمائة تابع، من طالب علم، وفقه، وشعر، وصنوف، ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة [١] .
قال أبو حنيفة: كان أبو الزّناد أفقه من ربيعة.
وفيها عبد الله بن أبي نجيح المكّيّ المفسّر صاحب مجاهد. كان مولى لبني مخزوم، ويكنى أبا يسار. وكان يقول بالقدر.
قال الذّهبيّ في «المغني» [٢] : عبد الله بن أبي نجيح المكّيّ المفسّر ثقة. قال القطّان: لم يسمع التفسير كله من مجاهد، بل كله عن القاسم بن أبي بزّة، وقد كره الجوزجانيّ فيمن رمي بالقدر، هو، وزكريّا بن إسحاق، وعبد الحميد بن جعفر، وإبراهيم بن نافع، وابن إسحاق، وعمر بن أبي زائدة، وشبل بن عبّاد، وابن أبي ذئب، وسيف بن سليمان. انتهى.
وفيها محمّد بن جحادة الكوفيّ. يروي عن أنس، وطائفة. توفي في رمضان.
وهمّام بن منبّه اليماني صاحب أبي هريرة. وكان من أبناء المائة.
قال أحمد: كان يغزو، فجالس أبا هريرة. وكان يشتري الكتب لأخيه وهب.
وفيها واصل بن عطاء المعتزليّ المتكلّم، كان ألثغ يبدل الراء غينا، وكان يخلص كلامه بحيث لا تسمع منه الرّاء، حتّى يظن خواص جلسائه أنه غير ألثغ، حتّى يقال: إنه دفعت إليه رقعة مضمونها: أمر أمير الأمراء الكرام أن
стр. 527
يحفر بئر على قارعة الطريق فيشرب منه الصّادر والوارد، فقرأ على الفور:
حكم حاكم الحكام الفخام أن ينبش جب على جادة الممشى، فيسقى منه الصّادي والغادي، فغيّر كل لفظ برديفه، وهذا من عجيب الاقتدار. وقد أشارت الشعراء إلى عدم [١] تكلمه بالرّاء، من ذلك قول بعضهم:
نعم تجنّب، لا، يوم العطاء كما ... تجنّب ابن عطاء لفظة الرّاء
ولما قالت الخوارج بتكفير أهل الكبائر، وقالت أهل السّنّة بفسقهم، قال واصل بن عطاء: لا مؤمنون ولا كفار، فطرده الحسن عن مجلسه، وصار له شيعة.
قال السيد الشريف في «التعريفات» : الواصليّة: أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء، قالوا بنفي القدرة عن الله تعالى وتقدس، وبإسناد القدرة إلى العباد. انتهى.
стр. 528
سنة اثنتين وثلاثين ومائة
فيها ابتداء دولة العباسيين، وبويع أبو العبّاس السّفّاح عبد الله بن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بالكوفة، وجهّز عمه عبد الله بن علي لمحاربة مروان ابن محمّد الجعدي، فزحف مروان إليه في مائة ألف، إلى أن نزل بالزّاب [١] دون الموصل، فالتقوا في جمادى الآخرة، فانكسر مروان، واستولى عبد الله بن علي على الجزيرة، وطلب الشام، وهرب مروان إلى مصر، فأتبعهم [٢] أيضا، فأدركهم بفلسطين، فأوقع بهم بضعا وثمانين رجلا، ثم عبر مروان النيل طالبا الحبشة، فلحقه صالح بن علي عمّ السّفّاح، فأدركه بقرية من قرى الفيّوم من أرض مصر يقال لها بوصير [٣] فوافاه صائما وقد قدّم له الفطور، فسمع الصائح، فخرج وسيفه مصلت، فجعل يضرب بسيفه ويتمثل بقول الحجّاج بن حكيم:
متقلّدين صفائحا هنديّة ... يتركن من ضربوا كأن لم يولد
стр. 529
وإذا دعوتهم [١] ليوم كريهة ... وافوك بين مكبّر وموحّد
فقصدته الخيول من كل جانب، وقتلوه، وكان أهله وبناته في كنيسة هناك، فأقبل خادمه بالسيف مصلتا يريد الدخول عليهم، فأخذ وسئل عن مراده، فقال: إن مروان أمرني إذا تيقّنت موته أن أضرب رقاب نسائه وبناته، فأرادوا قتله، فقال: إن قتلتموني لتفقدن ميراث رسول الله- ﷺ قالوا: فدلنا على ذلك إن كنت صادقا، فخرج بهم إلى رمل هناك، فكشفوه فإذا فيه القضيب، والبرد، والقعب [٢] والمصحف [٣] فأخذوه، وكان الذي تولى قتله عامر بن إسماعيل الخراساني، وهو صاحب مقدمة صالح، ولما قتله دخل بيته، وركب سريره، ودعا بعشائه، وجعل رأس مروان في حجر ابنته، وأقبل يوبّخها، فقالت له: يا عامر، إن دهرا أنزل مروان عن فراشه وأقعدك عليه حتّى تعشيت عشاءه، لقد أبلغ في موعظتك، وعمل في إيقاظك وتنبيهك إن عقلت وفكرت، ثم قالت: وا أبتاه، وا أمير المؤمنيناه، فأخذ عامرا الرّعب من كلامها، وبلغ ذلك أبا العبّاس السّفّاح، فكتب إلى عامر يوبّخه ويقول: أما في أدب الله ما يخرجك عن عشاء مروان والجلوس على مهاده.
وقتل مروان وله تسع وخمسون سنة، وقيل: سبع وستون، وإمارته خمس سنين وتسعة أشهر وأيام.
وقتل معه أخ لعمر بن عبد العزيز، كان أحد الفرسان، وكان مروان بطلا، شجاعا، ظالما، أبيض، ضخم الهامة، ربعة، أشهل العين، كثّ اللحية، أسرع إليه الشيب، ذكره المنصور مرّة فقال: لله درّه ما كان أحزمه، وأسوسه، وأعفّه عن الفيء. قاله في «العبر» [٤] .
стр. 530
وسار أولاد مروان وشيعتهم على شاطئ النيل إلى أن دخلوا أرض النّوبة، فأخرجهم ملكها، ثم ساروا حتّى توسطوا أرض البجاء [١] ميممين [٢] ناصع [٣] من ساحل بحر القلزم [٤] ولهم حروب مع من مرّوا به.
وهلك عبيد الله بن مروان في غده قتلا وعطشا، وخرج أخوه عبد الله فيمن بقي إلى ساحل المندب [٥] بناصع وأرض البجاء [٦] وقطعوا البحر إلى جدّة، فظفر به وأودع السّجن إلى أيام الرّشيد وهلك.
وروي أن عبد الله هذا حدّث أبا جعفر المنصور بما جرى له مع ملك النّوبة، وملخص القصة على ما ذكره صاحب «العقد الفريد» [٧] : ذكر سليمان بن جعفر قال: كنت واقفا على رأس المنصور ليلة وعنده جماعة فتذاكروا [٨] زوال ملك بني أميّة، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين في حبسك عبد الله بن مروان بن محمّد، وقد كانت له قصة عجيبة مع ملك النّوبة، فابعث إليه فاسأله عنها، فقال المنصور: يا مسيّب عليّ به، فأخرج وهو مقيّد بقيد ثقيل، وغلّ ثقيل، فمثل بين يديه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له المنصور: يا عبد الله، إن ردّ السّلام أمن ولم تسمح لك نفسي بذلك بعد، ولكن اقعد، فجاؤوه بوسادة فقعد عليها، فقال