← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال اللّيث: رأيت أبا الزّناد وخلفه ثلاثمائة تابع، من طالب علم، وفقه، وشعر، وصنوف، ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة [١] . قال أبو حنيفة: كان أبو الزّناد أفقه من ربيعة. وفيها عبد الله بن أبي نجيح المكّيّ المفسّر صاحب مجاهد. كان مولى لبني مخزوم، ويكنى أبا يسار. وكان يقول بالقدر. قال الذّهبيّ في «المغني» [٢] : عبد الله بن أبي نجيح المكّيّ المفسّر ثقة. قال القطّان: لم يسمع التفسير كله من مجاهد، بل كله عن القاسم بن أبي بزّة، وقد كره الجوزجانيّ فيمن رمي بالقدر، هو، وزكريّا بن إسحاق، وعبد الحميد بن جعفر، وإبراهيم بن نافع، وابن إسحاق، وعمر بن أبي زائدة، وشبل بن عبّاد، وابن أبي ذئب، وسيف بن سليمان. انتهى. وفيها محمّد بن جحادة الكوفيّ. يروي عن أنس، وطائفة. توفي في رمضان. وهمّام بن منبّه اليماني صاحب أبي هريرة. وكان من أبناء المائة. قال أحمد: كان يغزو، فجالس أبا هريرة. وكان يشتري الكتب لأخيه وهب. وفيها واصل بن عطاء المعتزليّ المتكلّم، كان ألثغ يبدل الراء غينا، وكان يخلص كلامه بحيث لا تسمع منه الرّاء، حتّى يظن خواص جلسائه أنه غير ألثغ، حتّى يقال: إنه دفعت إليه رقعة مضمونها: أمر أمير الأمراء الكرام أن

стр. 527

يحفر بئر على قارعة الطريق فيشرب منه الصّادر والوارد، فقرأ على الفور: حكم حاكم الحكام الفخام أن ينبش جب على جادة الممشى، فيسقى منه الصّادي والغادي، فغيّر كل لفظ برديفه، وهذا من عجيب الاقتدار. وقد أشارت الشعراء إلى عدم [١] تكلمه بالرّاء، من ذلك قول بعضهم: نعم تجنّب، لا، يوم العطاء كما ... تجنّب ابن عطاء لفظة الرّاء ولما قالت الخوارج بتكفير أهل الكبائر، وقالت أهل السّنّة بفسقهم، قال واصل بن عطاء: لا مؤمنون ولا كفار، فطرده الحسن عن مجلسه، وصار له شيعة. قال السيد الشريف في «التعريفات» : الواصليّة: أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء، قالوا بنفي القدرة عن الله تعالى وتقدس، وبإسناد القدرة إلى العباد. انتهى.

стр. 528

سنة اثنتين وثلاثين ومائة فيها ابتداء دولة العباسيين، وبويع أبو العبّاس السّفّاح عبد الله بن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بالكوفة، وجهّز عمه عبد الله بن علي لمحاربة مروان ابن محمّد الجعدي، فزحف مروان إليه في مائة ألف، إلى أن نزل بالزّاب [١] دون الموصل، فالتقوا في جمادى الآخرة، فانكسر مروان، واستولى عبد الله بن علي على الجزيرة، وطلب الشام، وهرب مروان إلى مصر، فأتبعهم [٢] أيضا، فأدركهم بفلسطين، فأوقع بهم بضعا وثمانين رجلا، ثم عبر مروان النيل طالبا الحبشة، فلحقه صالح بن علي عمّ السّفّاح، فأدركه بقرية من قرى الفيّوم من أرض مصر يقال لها بوصير [٣] فوافاه صائما وقد قدّم له الفطور، فسمع الصائح، فخرج وسيفه مصلت، فجعل يضرب بسيفه ويتمثل بقول الحجّاج بن حكيم: متقلّدين صفائحا هنديّة ... يتركن من ضربوا كأن لم يولد

стр. 529

وإذا دعوتهم [١] ليوم كريهة ... وافوك بين مكبّر وموحّد فقصدته الخيول من كل جانب، وقتلوه، وكان أهله وبناته في كنيسة هناك، فأقبل خادمه بالسيف مصلتا يريد الدخول عليهم، فأخذ وسئل عن مراده، فقال: إن مروان أمرني إذا تيقّنت موته أن أضرب رقاب نسائه وبناته، فأرادوا قتله، فقال: إن قتلتموني لتفقدن ميراث رسول الله- ﷺ قالوا: فدلنا على ذلك إن كنت صادقا، فخرج بهم إلى رمل هناك، فكشفوه فإذا فيه القضيب، والبرد، والقعب [٢] والمصحف [٣] فأخذوه، وكان الذي تولى قتله عامر بن إسماعيل الخراساني، وهو صاحب مقدمة صالح، ولما قتله دخل بيته، وركب سريره، ودعا بعشائه، وجعل رأس مروان في حجر ابنته، وأقبل يوبّخها، فقالت له: يا عامر، إن دهرا أنزل مروان عن فراشه وأقعدك عليه حتّى تعشيت عشاءه، لقد أبلغ في موعظتك، وعمل في إيقاظك وتنبيهك إن عقلت وفكرت، ثم قالت: وا أبتاه، وا أمير المؤمنيناه، فأخذ عامرا الرّعب من كلامها، وبلغ ذلك أبا العبّاس السّفّاح، فكتب إلى عامر يوبّخه ويقول: أما في أدب الله ما يخرجك عن عشاء مروان والجلوس على مهاده. وقتل مروان وله تسع وخمسون سنة، وقيل: سبع وستون، وإمارته خمس سنين وتسعة أشهر وأيام. وقتل معه أخ لعمر بن عبد العزيز، كان أحد الفرسان، وكان مروان بطلا، شجاعا، ظالما، أبيض، ضخم الهامة، ربعة، أشهل العين، كثّ اللحية، أسرع إليه الشيب، ذكره المنصور مرّة فقال: لله درّه ما كان أحزمه، وأسوسه، وأعفّه عن الفيء. قاله في «العبر» [٤] .

стр. 530

وسار أولاد مروان وشيعتهم على شاطئ النيل إلى أن دخلوا أرض النّوبة، فأخرجهم ملكها، ثم ساروا حتّى توسطوا أرض البجاء [١] ميممين [٢] ناصع [٣] من ساحل بحر القلزم [٤] ولهم حروب مع من مرّوا به. وهلك عبيد الله بن مروان في غده قتلا وعطشا، وخرج أخوه عبد الله فيمن بقي إلى ساحل المندب [٥] بناصع وأرض البجاء [٦] وقطعوا البحر إلى جدّة، فظفر به وأودع السّجن إلى أيام الرّشيد وهلك. وروي أن عبد الله هذا حدّث أبا جعفر المنصور بما جرى له مع ملك النّوبة، وملخص القصة على ما ذكره صاحب «العقد الفريد» [٧] : ذكر سليمان بن جعفر قال: كنت واقفا على رأس المنصور ليلة وعنده جماعة فتذاكروا [٨] زوال ملك بني أميّة، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين في حبسك عبد الله بن مروان بن محمّد، وقد كانت له قصة عجيبة مع ملك النّوبة، فابعث إليه فاسأله عنها، فقال المنصور: يا مسيّب عليّ به، فأخرج وهو مقيّد بقيد ثقيل، وغلّ ثقيل، فمثل بين يديه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له المنصور: يا عبد الله، إن ردّ السّلام أمن ولم تسمح لك نفسي بذلك بعد، ولكن اقعد، فجاؤوه بوسادة فقعد عليها، فقال

стр. 531

له: بلغني أنه كانت لك قصة عجيبة مع ملك النّوبة فما هي؟ قال: يا أمير المؤمنين والذي أكرمك بالخلافة ما أقدر على النّفس من ثقل الحديد، ولقد صدئ قيدي من رشاش البول، وأصب عليه الماء في أوقات الصلوات، فقال المنصور: يا مسيّب أطلق عنه حديده، فلما أطلقه قال: يا أمير المؤمنين لما قصد عبد الله بن علي عمّ أمير المؤمنين إلينا، كنت أنا المطلوب أكثر من الجماعة كلّهم، لأني كنت ولي عهد أبي من بعده، فدخلت إلى خزانة لنا فاستخرجت منها عشرة آلاف دينار، ثم دعوت عشرة من الغلمان، وحمّلت كل واحد على دابة ودفعت إليه ألف دينار، وأوقرت خمسة أبغل ما نحتاجه، وشددت على وسطي جوهرا له قيمة مع شيء من الذّهب، وخرجت هاربا إلى بلد النّوبة، فسرت فيها ثلاثا، فوقعت على مدينة خراب، فأمرت الغلمان فكسحوا [١] منها ما كان قذرا، ثم فرشوا بعض تلك الفرش، ودعوت غلاما لي كنت أثق به وبعقله، فقلت: انطلق إلى الملك وأقرئه عني السّلام، وخذ لي الأمان، وابتع لي ميرة [٢] قال: فمضى وأبطأ عني حتّى سؤت ظنا، ثم أقبل ومعه رجل آخر، فلما دخل قعد بين يديّ وقال لي: الملك يقرأ عليك السّلام ويقول لك: من أنت؟ وما جاء بك إلى بلادي؟ أمحارب لي؟ أم راغب إليّ؟ أم مستجير بي؟ فقلت: ترد على الملك السّلام وتقول له: أمّا محارب لك فمعاذ الله، وأما راغب في دينك فما كنت لأبغي بديني بدلا، وأما مستجير بك فلعمري. قال: فذهب ثم رجع إليّ وقال: الملك يقرأ عليك السّلام ويقول لك: أنا صائر إليك غدا، فلا تحدثن في نفسك حدثا، ولا تتخذ شيئا من ميرة فإنها تأتيك وما تحتاج إليه، فأقبلت الميرة، فأمرت غلماني يفرشون تلك الفرش، وأمرت بفرش نصب له ولي مثله، وأقبلت من

стр. 532

غد أرقب مجيئه، فبينا أنا كذلك إذ أقبل غلماني وقالوا: إن الملك قد أقبل، فقمت بين شرفتين من شرف القصر أنظر إليه، فإذا رجل قد لبس بردتين، اتّزر بواحدة [١] وارتدى بالأخرى، حاف راجل، وإذا عشرة معهم الحراب، ثلاثة يقدمونه، وسبعة خلفه، وإذا الرّجل لا يعبأ به، فاستصغرت أمره، وهان عليّ لما رأيته في تلك الحال، فلما قرب من الدّار إذا أنا بسواد عظيم، فقلت: ما هذا؟ قيل: الخيل، وإذا بها تزيد على عشرة آلاف عنان، فكانت موافاة الخيل إلى الدّار وقت دخوله، فدخل إليّ وقال لترجمانه: أين الرّجل؟ فلما نظر إليّ وثبت إليه، فأعظم ذلك، وأخذ بيدي فقبّلها ووضعها على صدره، وجعل يدفع البساط برجله، فظننت أن ذلك شيئا يجهلونه أن يطأوا على مثله، حتّى انتهى الفرش، فقلت لترجمانه: سبحان الله لم لا يقعد على الموضع الذي وطئ له؟ فقال: قل له: إني ملك وحقّ على كل ملك أن يكون متواضعا لعظمة الله سبحانه إذ رفعه، ثم أقبل ينكت [٢] بإصبعه في الأرض طويلا، ثم رفع رأسه فقال لي: كيف سلبت نعمتكم وزال عنكم هذا الملك وأخذ منكم وأنتم أقرب إلى نبيكم من النّاس جميعا؟ فقلت: جاء من هو أقرب قرابة إلى نبينا- ﷺ فسلبنا، وطردنا، وقاتلنا، فخرجت إليك مستجيرا بالله ثم بك. قال: فلم كنتم تشربون الخمر وهو محرّم عليكم في كتابكم؟ فقلت: فعل ذلك عبيد وأتباع وأعاجم دخلوا في ملكنا بغير رأينا. قال: فلم كنتم تركبون على دوابكم بمراكب الذّهب، والفضة، والدّيباج، وقد حرّم عليكم ذلك؟ قلت: عبيد وأتباع وأعاجم دخلوا مملكتنا ففعلوا.

стр. 533

قال: فلم كنتم أنتم إذا خرجتم إلى صيدكم تقحّمتم على القرى وكلّفتم أهلها ما لا طاقة لهم به بالضرب الموجع، ثم لا يقنعكم ذلك حتّى تمشوا في زروعهم فتفسدوها في طلب درّاج [١] قيمته نصف درهم، أو عصفور قيمته لا شيء، والفساد محرّم عليكم في دينكم؟ فقلت: عبيد وأتباع. قال: لا، ولكنكم استحللتم ما حرّم الله وفعلتم ما نهاكم عنه، وأحببتم الظلم وكرهتم العدل، فسلبكم الله- العزّ وألبسكم الذّلّ، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أتخوّف عليكم أن تنزل النقمة بك إذ كنت من الظلمة فتشملني معك، فإنّ النقمة إذا نزلت عمّت، والبلية إذا حلّت شملت، فاخرج عني بعد ثلاثة أيام من أرضي، فإني إن وجدتك بعدها أخذت جميع ما معك وقتلتك وقتلت جميع من معك، ثم وثب وخرج، فأقمت ثلاثا وخرجت إلى مصر، فأخذني وإليك وبعث بي إليك، وها أنا الآن بين يديك والموت أحبّ إليّ من الحياة. فهمّ المنصور بإطلاقه، فقال له إسماعيل بن عليّ: في عنقي بيعة له، قال: فماذا ترى؟ قال: يترك في دار من دورنا ونجري عليه ما يليق به، ففعل ذلك به. انتهى. قال ابن الأهدل: وهرب عبد الرّحمن بن معاوية بن هاشم بن عبد الملك وكثيرون من بني أميّة إلى المغرب، واستولى على بلاد الأندلس ومخاليفها [٢] وورثها بنوه بطنا بعد بطن، واستأمن سليمان بن هشام وابناه في نحو ثمانين رجلا من بني أميّة، فأمّنهم السّفّاح حتّى قدم عليه السديف بن

стр. 534

ميمون [١] مولى زين العابدين، فأنشده: ظهر الحقّ واستبان مضيّا ... إذ رأينا الخليفة المهديّا إلى قوله: قد أتتك الوفود من عبد شمس ... مستكينين قد أجادوا المطيّا فاردد العذر وامض بالسّيف حتّى ... لا تدع فوق ظهرها أمويّا وأنشده أيضا: علام وفيم تترك عبد شمس ... لها في كلّ راعية ثغاء [٢] أمير المؤمنين أبح دماهم ... فإن تفعل فعادتك المضاء وأنشده أيضا: أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل [٣] من بني العبّاس إلى قوله: فلهم أظهر المودّة منهم ... وبهم منكم كحدّ المواسي

стр. 535

فلما سمع السّفّاح ذلك أمر بقتل جميعهم، وأجاز السديف [١] بألف دينار، ثم قال المنصور: كأني بك يا سديف [١] قد قدمت المدينة فقلت لعبد الله بن الحسن: يا ابن رسول الله، إنما نداهن بني العبّاس لأجل عطاياهم، نقوّم بها أودنا، وأقسم بالله لئن فعلت لأقتلنك، ففعل السديف [١] ذلك، وانتهى خبره إليه، فلما تمكن منه ضربه حتّى مات. انتهى ما قاله ابن الأهدل. وقال في «العبر» [٢] : لما استولى عبد الله بن عليّ على الجزيرة وطلب الشام، فهرب مروان إلى مصر وخذل وانقضت أيّامه. نزل عبد الله على دمشق فحاصرها وبها ابن عمّ مروان الوليد بن معاوية بن مروان، فأخذت بالسيف. وقتل بها من الأمويين عدّة آلاف. منهم أميرها الوليد، وسليمان بن هشام بن عبد الملك، وسليمان بن يزيد بن عبد الملك، وزرعة بن إبراهيم. قال في «المغني» [٣] : زرعة بن إبراهيم، عن عطاء. قال أبو حاتم الرّازي: ليس بالقوي. انتهى. وفيها- أي سنة اثنتين وثلاثين ومائة- توفي عبد الله بن طاووس بن كيسان اليمانيّ النحويّ. روى عن أبيه وغيره. قال معمر: كان من أعلم النّاس بالعربيّة وأحسنهم خلقا، وما رأيت ابن فقيه مثله. ودخل مع مالك على المنصور فقال: حدّثني عن أبيك. قال: حدّثني

стр. 536

أبي أن أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل عليه الجور في حكمه، فأمسك المنصور. قال مالك: فضممت ثيابي خوفا أن يصيبني دمه. ثم قال له: ناولني الدواة، فلم يفعل، فقال: لم لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية. قال: قوما عني. قال: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف فضله. وفيها بالمدينة [١] إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاريّ الفقيه. كان مالك لا يقدّم عليه أحدا لنبله عنده. وإبراهيم بن ميسرة الطائفيّ صاحب أنس. قال ابن عيينة: أخبرنا إبراهيم بن ميسرة، من لم تر عيناك والله مثله. وفيها قتل خالد بن سلمة بن العاص المخزوميّ الكوفيّ. وكان قد هرب إلى واسط مع يزيد بن عمر بن هبيرة، فقتله بنو العبّاس. وفيها توفي سالم الأفطس الحرّانيّ الفقيه مولى بني أميّة. روى عن سعيد بن جبير، وجماعة. قتله عبد الله بن عليّ. قال في «المغني» [٢] سالم الأفطس، هو ابن عجلان، تابعيّ مشهور، وثّقه بعضهم، وخرّج له البخاريّ. قال الفسويّ: مرجئ معاند. وقال ابن حبّان: يتفرد بالمعضلات. انتهى. وممن قتل في هذه السنة عمر بن أبي سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهري.

стр. 537

وفيها توفي أبو عبد الله صفوان بن سليم المدنيّ الفقيه القدوة. روى عن ابن عمر، وجابر، وعدّة. قال أحمد بن حنبل: ثقة من خيار عباد الله، يستنزل بذكره القطر. وفيها عبد الله بن عثمان بن خثيم [١] المكيّ. روى عن أبي الطّفيل وعدّة. قال في «المغني» [٢] : وثقه ابن معين مرّة، ومرّة قال: ليس بالقويّ [٣] . انتهى. وفيها أبو عتّاب منصور بن المعتمر السّلميّ الكوفيّ الحافظ، أحد الأعلام، أخذ عن أبي وائل وكبار التابعين. وقال: ما كتبت حديثا قطّ. وكان أحفظ أهل الكوفة، صام أربعين سنة وقامها، وعمي من البكاء، وأكره على القضاء- أي قضاء الكوفة- وقضى شهرين، وتوفي بالمدينة. قال في «العبر» [٤] : يقال فيه يسير تشيّع. انتهى. وفيها قتل بجامع دمشق، في أخذها، يونس بن ميسرة [٥] بن حلبس المقرئ الأعمى وله مائة وعشرون سنة. روى عن معاوية والكبار، وكان موصوفا بالفضل والزّهد، كبير القدر.

стр. 538

وقتل بنهر أبي فطرس [١] من الأردن، الأمير محمّد بن عبد الملك بن مروان الأموي، وله رواية عن أبيه. وفي ذي القعدة قتل الأمير أبو خالد يزيد بن عمر [٢] بن هبيرة الفزاريّ، أمير العراقين لمروان، وله خمس وأربعون سنة، وهو آخر من جمع له العراقان، وكان شهما، طويلا، شجاعا، خطيبا، مفوّها، جوادا، مفرط الأكل، ولما تواقع هو وبنو العبّاس هرب إلى واسط، فحاصروه بها وثبت معه معن بن زائدة الشّيباني، وكان أبو جعفر المنصور أخو السّفّاح يعيّره فيقول: ابن هبيرة يخندق على نفسه كالنساء، فأرسل إليه ابن هبيرة أن ابرز إليّ، فقال المنصور: خنزير قال لأسد: ابرز إليّ، فقال الأسد: ما أنت بكفء لي. قال الخنزير: لأعرّفنّ السباع أنك جبنت. فقال الأسد: احتمال ذلك أيسر من تلطّخ براثني بدمك. ثم أمّنه المنصور وغدر به. وقال: لا يعزّ ملك وأنت فيه. وكان رزق ابن هبيرة في كل سنة ستمائة ألف. وكان يأكل في يومه خمس أكلات عظام، وقتل وهو ساجد. وفيها كانت وقعة المسناة، فقتل الأمير قحطبة بن شبيب الطائي المروزيّ، أحد دعاة بني العبّاس، وتأمّر على الجيش في الحال ولده. وفيها قتل سليمان بن كثير الخزاعيّ المروزيّ الأمير، أحد نقباء بني العبّاس، قتله أبو مسلم الخراسانيّ. وفي ذي الحجّة قتل بمصر عبيد الله بن أبي جعفر الليثيّ مولاهم

стр. 539

المصريّ الفقيه، أحد العلماء والزّهّاد. ولد سنة ستين. قال محمد بن سعد: كان ثقة بقيّة في زمانه [١] . قال ابن ناصر الدّين: من حكم كلامه: إذا حدّث المرء فأعجبه الحديث فليمسك وإذا كان ساكتا [٢] فأعجبه السكوت فليتحدث. انتهى.

стр. 540

سنة ثلاث وثلاثين ومائة فيها نازل طاغية الرّوم أليون بن قسطنطين ملطية [١] وألح [٢] عليهم بالقتال حتّى سلّموها بالأمان، فهدم المدينة والجامع، ووجّه مع المسلمين عسكرا حتّى يبلّغوهم مأمنهم [٣] . وفيها بعث أبو مسلم الخراساني مرارا الضبّي [٤] ، فقتل الوزير أبا سلمة [٥] الخلّال حفص بن سليمان السّبيعيّ مولاهم الكوفي وزير آل محمّد، وفيه قيل: هذا البيت. إنّ الوزير وزير آل محمّد ... أودى فمن يشناك [٦] كان وزيرا

стр. 541

وفيها توفي أيّوب بن موسى بن الأشدق عمرو بن سعيد [١] الأمويّ المكيّ الفقيه. روى عن عطاء ومكحول. قال في «المغني» [٢] : عن بعض التابعين مجهول [٣] . انتهى. وقد خرّج له أبو داود. ومات بمكّة الأمير داود بن علي بن عبد الله بن عبّاس. وكان فصيحا مفوّها، ولي إمرة المدينة. وروى [عن] [٤] جماعة أحاديث، قاله في «العبر» [٥] . وفيها، وقيل: في سنة خمس سعيد بن أبي هلال اللّيثيّ مولاهم المصريّ. يروي عن التابعين. وعمّار الدّهنيّ-[نسبة إلى] دهن بن معاوية من بجيلة- أبو معاوية الكوفيّ. روى عن أبي الطّفيل، وعدّة. وعيّاش بن عبّاس [٦] القتبانيّ المصريّ. روى عن التابعين. ومغيرة بن مقسم الضبّيّ، مولاهم الكوفيّ الفقيه الأعمى أحد الأئمة. روى عن أبي وائل وطبقته.

стр. 542

قال شعبة: كان أحفظ من حمّاد بن أبي سليمان. وقال مغيرة: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته. وقال أحمد بن حنبل: كان ذكيا، حافظا، صاحب سنّة. وفيها، أو في التي قبلها، توفي سيّد أهل دمشق يحيى بن يحيى بن قيس الغسّانيّ، ولي قضاء الموصل لعمر بن عبد العزيز، وأخذ عن أبي إدريس الخولاني وغيره، وكان ثقة، إماما، ولا رواية له في الكتب الستة [١] .

стр. 543

سنة أربع وثلاثين ومائة فيها تحول الخليفة السّفّاح عن الكوفة فنزل [١] الأنبار. وفيها توفي بالبصرة أبو هارون العبديّ [٢] صاحب أبي سعيد الخدريّ، أحد الضعفاء. قال حمّاد بن زيد: هو كذّاب [٣] . والفقيه يزيد بن يزيد بن جابر الأزديّ الدّمشقيّ. روى عن مكحول وطائفة. قال أبو داود: أجازه الوليد مرّة بخمسين ألف دينار. وذكر للقضاء فإذا هو أكبر من القضاء. قاله في «العبر» [٤] . وعن ابن عيينة قال: لا أعلم مكحولا خلّف بالشام مثل يزيد بن يزيد الإمام. وقال في «المغني» [٥] : يزيد بن يزيد بن جابر، صدوق مشهور، لينه ابن قانع. انتهى.

стр. 544

وفيها توجه من العراق موسى بن كعب إلى حرب [١] منصور بن جمهور الكلبيّ الدّمشقيّ حتّى أتى السّند [٢] فالتقى منصورا في اثنى عشر ألفا، فهزم منصور ومات في البريّة عطشا، وكان قدريّا.

стр. 545

سنة خمس وثلاثين ومائة فيها توفي أبو العلاء [برد] [١] بن سنان الدّمشقيّ نزيل [٢] البصرة. روى عن واثلة فمن بعده. قال في «المغني» [٣] : هو شامي لا يعرف. انتهى. وداود بن الحصين المدنيّ مولى بني أميّة. روى عن عكرمة، وجماعة. قال في «المغني» [٤] : داود بن الحصين أبو سليمان المدنيّ، عن عكرمة، صدوق يغرب، ووثقه غير واحد، كابن معين. وقال ابن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. وقال أبو حاتم الرّازيّ: لولا أنّ مالكا روى عنه لنزل حديثه. وقال سفيان بن عيينة: كنا نتّقي حديثه. وقال أبو زرعة: ليّن [٥] .

стр. 546

قلت [١] : ورمي أيضا بالقدر [٢] . انتهى. وفيها على الأصح أبو عقيل زهرة بن معبد التيميّ بالاسكندريّة عن سنّ عالية. قال الدّارميّ: زعموا أنه كان من الأبدال [٣] . روى عن ابن عمر، وابن الزّبير [٤] . وفيها على الأصح عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ، شيخ مالك والسّفيانين. روى عن أنس، وجماعة. وكان كثير العلم. وفيها عطاء الخراسانيّ نزيل بيت المقدس، وهو كثير الإرسال عن الصّحابة. وإنما سمع من [٥] ابن بريدة، والتابعين. وولد سنة خمسين، وكان يقول: أوثق عمل [٦] في نفسي نشر العلم. وقال ابن جابر: كنا نغزو معه، فكان [٧] يحيي الليل صلاة إلّا نومة السّحر، وكان يعظنا، ويحثّنا على التهجّد. وفيها رابعة بنت إسماعيل البصريّة العدويّة، شهيرة الفضل، وقيل:

стр. 547

توفيت سنة خمس وثمانين ومائة ولا يصح اجتماع السّريّ [١] بها، فإنه عاش حتّى نيّف على [٢] الخمسين ومائتين. وروي أن سفيان الثّوري قال بحضرتها: وا حزناه. قالت: لا تكذب، وقل: وا قلّة حزناه. وسمعته يقول: اللهم إني أسألك رضاك، فقالت: تسأل رضا من لست عنه براض. ورآها بعض إخوانها في المنام، فقالت: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمّرة [٣] بمناديل من نور. وقبرها على رأس جبل يسمى الطّور بظاهر بيت المقدس. وقيل: ذلك قبر رابعة أخرى غير العدويّة. وقيل لها في منام: ما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب [٤] ؟ قالت: سبقتنا إلى الدرجات العلا. قيل: ولم ذلك؟ قالت: لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدّنيا وأمست [٥] .

стр. 548

سنة ست وثلاثين ومائة فيها توفي أشعث بن سوّار الكنديّ الأفرق النّجار بالكوفة، لقي الشّعبيّ وغيره [١] . قال في «المغني» [٢] : أشعث بن سوّار الكوفيّ الأفرق التوابيتيّ النجّار، مولى ثقيف. روى عن الشّعبيّ وغيره، وهو من الضعفاء الذين روى لهم مسلم متابعة، ضعفه أحمد، وابن معين، والدّارقطنيّ. وقد وثقه بعضهم. وقال الثّوريّ: هو أثبت من مجالد. انتهى. وجعفر بن ربيعة الكنديّ المصريّ، له عن أبي سلمة، والأعرج، وطائفة. وحصين بن عبد الرّحمن السّلميّ الكوفيّ الحافظ، عن ثلاث وتسعين سنة، لقي جابر بن سمرة، والكبار. قال في «المغني» [٣] : حصين بن عبد الرّحمن الحارثي الكوفي، مقلّ، ما علمت أن [٤] أحدا وهاه. انتهى.

стр. 549

وربيعة بن أبي عبد الرّحمن فرّوخ الفقيه، أبو عثمان المدنيّ، عالم المدينة، ويقال له: ربيعة الرّأي. قيل له ذلك، لأنه كان يتقوى بالرأي. سمع أنسا وابن المسيّب. وكانت له حلقة للفتوى، وأخذ عنه مالك، وغيره، وأدرك جماعة من الصحابة. مات بالهاشميّة [١] مدينة بناها السّفّاح بالأنبار، ويوم مات قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه. وكان أقدمه السّفّاح للقضاء، وكان يكثر الكلام، ويقول: الساكت بين النائم والأخرس. وتكلم يوما وعنده أعرابيّ فقال: ما العيّ [٢] فقال: الذي. أنت فيه منذ اليوم. وهو من الثقات كما قال ابن ناصر الدّين. وفيها زيد بن أسلم العدويّ مولاهم الفقيه العابد، لقي ابن عمر، وجماعة، وكانت له حلقة للفتوى والعلم بالمدينة. قال أبو حازم الأعرج: لقد رأيتنا في حلقة زيد بن أسلم أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا. ونقل البخاريّ: أنّ زين العابدين بن عليّ بن الحسين كان يجلس إلى زيد بن أسلم. وقال ابن ناصر الدّين: زيد بن أسلم القرشيّ العدويّ العمريّ مولاهم المدنيّ أبو عبد الله، وقيل: أبو أسامة الإمام الفقيه العلّامة. روى عن ابن

стр. 550

عمر، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وأضرابهم، وله تفسير للقرآن [١] يرويه عنه ابنه عبد الرّحمن. انتهى. وفيها العلاء بن الحارث الحضرميّ الفقيه الشاميّ صاحب مكحول. روى عن عبد الله بن بسر، وطائفة. وكان مفتيا جليلا. قاله في «العبر» [٢] . وقال في «المغني» [٣] : العلاء بن الحارث الدّمشقيّ الفقيه صاحب مكحول. قال أبو داود: ثقة تغيّر عقله. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقيل: كان يرى القدر. انتهى. وفيها عطاء بن السائب بن مالك الثقفيّ الكوفيّ الصالح. روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وطائفة. قال أحمد بن حنبل: هو ثقة رجل صالح، كان يختم كلّ ليلة، من سمع منه قديما كان صحيحا. قاله في «العبر» [٤] . قال في «المغني» [٥] : عطاء بن السائب، تابعي مشهور، حسن الحديث. ساء حفظه بآخرة.

стр. 551

قال أبو حاتم: سمع منه حمّاد بن زيد قبل أن يتغير. وقال أحمد: ثقة رجل صالح. وقال أيضا: من سمع منه قديما فهو صحيح. وقال غيره: ليس بالقويّ. وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه. انتهى. وفيها يحيى بن إسحاق الحضرميّ، سمع أنسا وجماعة. قال ابن سعد: له أحاديث. وكان صاحب قرآن وعربيّة. انتهى [١] . وفي ذي الحجّة مات السّفّاح أبو العبّاس عبد الله بن محمّد بن علي بن عبد الله بن عبّاس الهاشميّ بالأنبار، عن اثنتين وثلاثين سنة. وهو أول خلفاء بني العبّاس، وكان طويلا أبيض [٢] جميلا حسن اللّحية، مات بالجدريّ. وكانت دولته دون الخمس سنين. وفي أيامه تفرّقت الكلمة، وخرج عن طاعته الناحية الغربيّة [٣] إلى بلاد السّودان وإقليم الأندلس، وتغلب على هذه الممالك خوارج [وجماعة] [٤] . وأمه ريطة من بني الحارث بن كعب من كهلان [٥] ، وكان بنو أميّة قد منعوهم من زواج الحارثيات لأنهم قيل لهم: يزول ملكهم على يد ابن الحارثية، فلما كان زمن عمر بن عبد العزيز، استأذنه والد السّفّاح، فقال له:

стр. 552

تزوج من شئت، وبويع له وهو ابن أربع وعشرين، أو ثمان وعشرين، وكان بينه وبين أبيه في السن أربع عشرة سنة، وسمّي السّفّاح لأنه سفح دماء بني أميّة، وكان يحتمل من عبد الله بن الحسين المثنى مواجهته له بما يكره، ويعطيه العطاء الجزيل، وقال له أخوه المنصور يوما في عبد الله بن الحسين وابنه محمّد: إن هؤلاء شنئونا [١] فآنسهم بالإحسان، فإن استوحشوا، فالشر يصلح ما عجز عنه الخير، ولا تدع محمدا يسرح [٢] في أعنّة العقوق، فقال له السّفّاح: من شدّد نفّر، ومن لان تألّف، والتغافل من سجايا الكرام. ودخل على السّفّاح أبو نخيلة [٣] فسلم عليه، وانتسب له، وقال: عبدك يا أمير المؤمنين وشاعرك، أفتأذن لي في إنشادك؟ فقال له: ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بن مروان؟:

стр. 553

أمسلم إني يا بن كلّ خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض شكرتك إنّ الشّكر حبل من التّقى [١] ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضي [٢] وأحييت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض [٣] قال: فأنا يا أمير المؤمنين الذي أقول: لما رأينا [٤] استمسكت يداكا ... كنّا أناسا نرهب الأملاكا ونركب الأعجاز والأوراكا ... من كلّ شيء ما خلا الإشراكا فكلّ ما قد قلت في سواكا ... زور وقد كفّر هذا ذاكا إنا انتظرنا قبلها أباكا ... ثمّ انتظرنا بعدها أخاكا [٥] ثمّ انتظرنا لها إياكا [٦] ... فكنت أنت للرّجاء ذاكا [٧] فرضي عنه ووصله وأجازه.

стр. 554

وكان أبو العبّاس إذا حضر طعامه أبسط النّاس وجها [١] ، فكان إبراهيم بن مخرمة الكنديّ إذا أراد أن يسأله حاجة أخّرها إلى أن يحضر طعامه، ثم يسأله، فقال له يوما: يا إبراهيم، ما دعاك إلى أن تشغلني عن طعامي بحوائجك؟ قال: يدعوني إلى ذلك التماس النّجح لمن [٢] أسال له، فقال له أبو العبّاس: إنك لحقيق بالسؤدد لحسن هذه الفطنة. وكان إذا تعادى رجلان من أصحاب السّفّاح وبطانته لم يسمع من أحدهما في الآخر شيئا ولم يقبله وإن كان القائل عنده عدلا في شهادته، وإذا اصطلح الرّجلان لم يقبل شهادة واحد منهما لصاحبه ولا عليه، ويقول: إن الضغينة القديمة تولّد العداوة المحضة، وتحمل على إظهار المسالمة وتحتها الأفعى التي إذا استمكنت [٣] لم تبق. وكان في أول أيامه يظهر لندمائه، ثم احتجب عنهم، وذلك لسنة خلت من ملكه، وكان قعوده من وراء الستارة، وإذا غنّاه أحد صوتا يطرب من وراء الستارة ويصيح بالمطرب له من المغنّين: أحسنت والله، أعد هذا الصوت [٤] . وكان لا ينصرف عنه أحد من ندمائه ولا مطربيه إلّا بصلة من مال أو كسوة، ويقول: لا يكون سرورنا معجّلا، ومكافأة من سرّنا وأطربنا مؤجّلا، وقد سبقه إلى هذا الفعل بهرام جور من ملوك الفرس. وقد حضر أبو بكر الهذلي ذات يوم والسّفّاح مقبل عليه يحدّثه بحديث

стр. 555

لأنوشروان [١] في بعض حروبه بالمشرق مع بعض الملوك، فعصفت ريح شديدة، فأذرت ترابا وقطعا من الآجرّ من أعلى السطح إلى المجلس، فجزع من حضر المجلس لوقوعها [٢] وارتاع لها، والهذليّ شاخص نحو أبي العبّاس لم يتغير كما تغير غيره، فقال له السّفّاح: لله أنت يا أبا بكر، لم أر كاليوم، أما راعك ما راعنا، ولا أحسست بما ورد علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة [٣] أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال. وإن الله- إذا أفرد [٤] بكرامة أحد وأحب أن يبقي [٥] له ذكرها جعل تلك الكرامة على لسان نبيه أو خليفته، وهذه كرامة خصصت بها فمال إليها ذهني، وشغل بها قلبي [٦] فلو انقلبت [٧] الخضراء على الغبراء ما أحسست بها ولا وجمت [٨] لها إلّا بما يلزمني في نفسي [٩] لأمير المؤمنين أعزّه الله. فقال السّفّاح: لئن بقيت لك لأرفعنّ منك ضبعا [١٠] لا تطيف به السّباع ولا تنحطّ عليه العقبان [١١] .

стр. 556

ومما ذكر من أخباره واستفاض من أسماره [١] ما ذكره البهلول بن العبّاس، عن الهيثم بن عدي الطّهماني، عن يزيد الرّقاشي، قال: كان السّفّاح تعجبه [٢] مسامرة الرّجال، وإني سمرت عنده ذات ليلة، فقال: يا يزيد، أخبرني بأظرف حديث سمعته، قلت: يا أمير المؤمنين، وإن كان في بني هاشم؟ قال: ذلك أعجب إليّ، قلت: يا أمير المؤمنين، نزل رجل من تنوخ بحيّ من بني عامر بن صعصعة، فجعل لا يحطّ شيئا من متاعه إلّا تمثل بهذا البيت: لعمرك ما تبلى سرابيل عامر [٣] ... من اللّؤم ما دامت عليها جلودها [٤] فخرجت إليه جارية [من الحي] [٥] فحادثته وآنسته، وساءلته حتّى أنس بها، ثم قالت: ممن أنت متّعت بك. فقال: رجل من [بني] تميم [٦] . قالت: أتعرف الذي يقول: تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... يكرّ على جمعي [٧] تميم لولّت [ذبحنا فسمّينا فتمّ ذبيحنا ... وما ذبحت يوما تميم فسمّت]

стр. 557

أرى اللّيل يجلوه النّهار ولا أرى ... عظام المخازي عن تميم تجلّت [١] فقال: لا والله ما أنا من تميم. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من عجل [٢] . قالت: أتعرف الذي يقول: أرى النّاس يعطون الجزيل وإنّما ... عطاء بني عجل ثلاث وأربع إذا مات عجليّ بأرض فإنّما ... يشقّ له منها ذراع وإصبع فقال: لا والله ما أنا من عجل [٣] . قالت: فممن [٤] أنت؟ قال: رجل من بني يشكر. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا يشكريّ مسّ ثوبك ثوبه ... فلا تذكرنّ الله حتّى تطهّرا قال: لا والله ما أنا من يشكر. قالت: فممن [٥] أنت؟ قال: رجل من عبد القيس.

стр. 558

قالت: أتعرف الذي يقول: رأيت عبد القيس لاقت ذلّا ... إذا أصابوا بصلا وخلّا ومالحا معتّقا قد صلّا ... باتوا يسلّون الفساء [١] سلّا سلّ النّبيط القصب المبتلّا قال: لا والله ما أنا من عبد القيس. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من باهلة. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا ازدحم الكرام على المعالي ... تنحّى الباهليّ عن الزّحام ولو كان الخليفة باهليّا ... لقصّر عن مناوأة الكرام وعرض الباهليّ ولو توقّى ... عليه مثل منديل الطعام قال: لا والله وما أنا من باهلة. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من بني فزارة. قالت: أتعرف الذي يقول: لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار لا تأمننّ فزاريّا على حمر ... بعد الذي ابتلّ [٢] أير العير في النّار قال: لا والله ما أنا من فزارة. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من ثقيف.

стр. 559

قالت: أتعرف الذي يقول: أضلّ الناسبون أبا ثقيف ... فما لهم أب إلّا الضّلال فإن نسبت أو انتسبت ثقيف ... إلى أحد فذاك هو المحال خنازير الحشوش فقتّلوها ... فإنّ دماءها لكم حلال قال: لا والله ما أنا من ثقيف. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من بني عبس. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا عبسيّة ولدت غلاما ... فبشّرها بلؤم مستفاد قال: لا والله ما أنا من عبس. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من ثعلبة. قالت: أتعرف الذي يقول: فثعلبة بن قيس شرّ قوم ... والأمهم وأغدرهم بجار قال: لا والله ما أنا من ثعلبة. قالت: ممن أنت؟. قال: أنا رجل من غنيّ. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا غنويّة ولدت غلاما ... فبشّرها بخيّاط مجيد قال: لا والله ما أنا من غنيّ.

стр. 560

قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من بني مرّة. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا مرّيّة خضبت يداها ... فزوّجها ولا تأمن زناها قال: لا والله ما أنا من بني مرّة. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من بني ضبّة. قالت: أتعرف الذي يقول: لقد زرقت عيناك يا بن مكعبر ... كما كلّ ضبّيّ من اللّؤم أزرق قال: لا والله ما أنا من بني ضبّة. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من بجيلة. قالت: أتعرف الذي يقول: سألنا عن بجيلة أين حلّت ... لنخبر أين قرّ بها القرار؟ فما تدري بجيلة حين تدعى ... أقحطان أبوها أم نزار؟ فقد وقعت بجيلة بين بين ... وقد خلعت كما خلع العذار قال: لا والله ما أنا من بجيلة. قالت: فممن أنت ويحك؟! قال: أنا رجل من الأزد.

стр. 561

قالت: أتعرف الذي يقول: إذا أزديّة ولدت غلاما ... فبشّرها بملّاح مجيد [١] قال: لا والله ما أنا من الأزد. قالت: فممن أنت ويلك؟! أما تستحي؟! قل الحقّ. قال: رجل من خزاعة. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا افتخرت خزاعة في قديم ... وجدنا فخرها شرب الخمور وباعت كعبة الرّحمن جهرا ... بزق بئس مفتخر الفجور قال: لا والله ما أنا من خزاعة. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من سليم. قالت: أتعرف الذي يقول: فما لسليم شتّت الله أمرها ... تنيك [٢] بأيديها وتعيا أيورها قال: لا والله ما أنا من سليم. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من لقيط. قال: أتعرف الذي يقول:

стр. 562

لعمرك ما البحار ولا الفيافي ... بأوسع من فقاح [١] بني لقيط لقيط شرّ من ركب المطايا ... وأنذل من يدبّ على البسيط ألا لعن الإله بني لقيط ... بقايا نسبة [٢] من قوم لوط قال: لا والله ما أنا من لقيط. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من كندة. قالت: أتعرف [٣] الذي يقول: إذا ما افتخر الكنديّ ... ذو البهجة والطّرّة فبالنّسج وبالخفّ ... وبالسّدل [٤] وبالحفرة فدع كندة للنّسج ... فأعلى فخرها عرّة قال: لا والله ما أنا من كندة. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من خثعم. قالت: أتعرف [٥] الذي يقول: وخثعم لو صفرت لها صفيرا ... لطارت في البلاد مع الجراد قال: لا والله ما أنا من خثعم.

стр. 563

قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من طيّء. قالت أتعرف [١] الذي يقول: وما طيّء إلّا نبيط تجمّعت ... فقالت طيانا [٢] كلمة فاستمرّت ولو أنّ حرقوصا يمدّ جناحه ... على جبلي طيّ إذا لاستظلّت قال: لا والله ما أنا من طيّء. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من مزينة. قالت: أتعرف الذي يقول: وهل مزينة إلّا من قبيلة ... لا يرتجى كرم منها ولا دين قال: لا والله ما أنا من مزينة. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من النّخع. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا النّخع اللّئام غدوا جميعا ... تأذّى النّاس من وفر الزّحام [٣] وما تسمو [٤] إلى مجد كريم ... وما هم في الصميم من الكرام

стр. 564

قال: لا والله ما أنا من النّخع. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من أود. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا نزلت بأود في ديارهم ... فاعلم بأنّك منهم ليس بالنّاجي لا تركننّ إلى كهل ولا حدث ... فليس في القوم إلّا كلّ عفّاج قال: لا والله ما أنا من أود. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من لخم. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا ما انتمى قوم لفخر قديمهم ... تباعد فخر الجود عن لخم اجمعا [١] قال: لا والله ما أنا من لخم. قالت: فممن أنت ويلك؟!! أما تستحي من كثرة الكذب؟. قال: أنا رجل من تنوخ، وهو الحقّ. قالت: أتعرف الذي يقول: إذا تنوخ قطعت منهلا ... في طلب الغارات والثّار آبت بخزي من إله السّما ... وشهرة في الأهل والجار قال: لا والله ما أنا من تنوخ.

стр. 565

قالت: فممن أنت ثكلتك أمّك؟! [١] . قال: أنا رجل من حمير. قالت: أتعرف الذي يقول: نبّئت حمير تهجوني فقلت لهم ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا لأنّ حمير قوم لا نصاب لهم ... كالعود بالقاع لا ماء [٢] ولا ورق لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولو يبول عليهم ثعلب غرقوا قال: لا والله ما أنا من حمير. قالت: فممن أنت؟ قال: رجل من يحابر [٣] . قالت: أتعرف الذي يقول: ولو صرّ صرّار بأرض يحابر ... لماتوا وأضحوا في التّراب رميما قال: لا والله ما أنا من يحابر. قالت: فممن أنت؟
следующие страницы →