كان عزبا لم يتزوج قطّ، وإذا قدم عليه المضيف يعلّق القدر ويطبخ له.
كان حلو المنطق، مهيب النظر، كثير الصيام والقيام، بت عنده الليالي فما كنت أراه ينام في الليل إلّا قليلا.
كان إذا مات أحد من طلبة العلم وخلّف أولادا قاصرين وله وظائف يذهب إلى القاضي ويتقرر فيها ويباشرها ويعطي معلومها [١] للأيتام حتّى يصلحوا للمباشرة.
كان لا يقبل من مال الولاة وأعوانهم شيئا، ولا يأكل من طعامهم، وذكر لي شخص من الذين يحضرون قراءة سيرته في جامع الغمري أن أسأله في اختصار «السيرة» وترك ألفاظ غريبها، وأن يحكي السير على وجهها كما فعل ابن سيّد الناس، فرأيته بين القصرين وأخبرته الخبر، فقال: قد شرعت في اختصارها من مدة كذا، فرأيت ذلك هو الوقت الذي سألني فيه ذلك الرجل.
وكانت عمامته نحو سبعة أذرع على عرقية، لم يزل غاضا طرفه سواء كان ماشيا أو جالسا، ﵀.
وأخلاقه الحسنة كثيرة مشهورة بين أصحابه ورفقائه. انتهى كلام الشعراوي.
وقال سيدي أحمد العجمي المتولي سنة ست وثمانين وألف: أنه توفي يوم الاثنين رابع عشر شعبان- أي من هذه السنة- وله من المؤلفات «عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان» [٢] «الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز» «مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك» النّكت عليها اقتضبه من نكت شيخه السيوطي عليها،
стр. 5147
وعلى «الشذور» و «الكافية والشافية» و «التحفة» وزاد عليه يسيرا، و «الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة» ومختصره المسمى ب «الآيات البينات في معراج سيد أهل الأرض والسموات» ، «رفع القدر ومجمع الفتوة في شرح الصدر» و «خاتم النبوة» «كشف اللّبس في رد الشمس» «شرح الجرومية» ، «الفتح الرحماني شرح أبيات الجرجاني» الموضوعة في الكلام، «وجوب فتح أن وكسرها وجواز الأمرين» «إتحاف الراغب الواعي في ترجمة أبي عمرو الأوزاعي» «النّكت المهمات في الكلام على الأبناء والبنين والبنات» «تفصيل الاستفادة في بيان كلمتي الشهادة» «إتحاف الأريب بخلاصة الأعاريب» «الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس» «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» «عين الإصابة في معرفة الصحابة» انتهى.
وفيها المولى محيي الدّين محمد القرماني [١] الحنفي [٢] أحد الموالي الرّومية.
قرأ على علماء العجم، ثم دخل الرّوم، فقرأ على المولى يعقوب بن سيدي على شارح «الشرعة» [٣] ، وصار معيدا لدرسه، ثم درّس ببعض المدارس، ثم أعطي مدرسة أزنيق ومات عنها.
وكان مشتغلا بالعلم ليلا ونهارا، علّامة في التفسير، والأصول، والعربية، له تعليقات على «الكشّاف» و «القاضي» و «التلويح» و «الهداية» و «شرح رسالة إثبات الواجب الوجود» للدواني، وله «حواش على شرح الوقاية» لصدر الشريعة وكتاب في المحاضرات سماه «جالب السرور» .
стр. 5148
وفيها جمال الدّين يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد الأنصاري السّعدي العبادي الحلبي الحنفي [١] .
كان فرضيا، حيسوبا، فقيها، ولي نيابة القضاء في الدولتين، ومات فقيرا بأنطاكية.
стр. 5149
سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة
في ثالث رمضانها قتل السلطان بهادر بن السلطان مظفّر [١] صاحب كجرات من بلاد الهند، قتل في بندر الديو، وجاء تاريخ قتله قتل سلطاننا بهادر.
وفيها توفي شهاب الدّين أبو النّجيب أحمد بن أبي بكر الحبيشي الحلبي [٢] .
قال ابن الحنبلي: وبموته انقرض الذكور من بيت الحبيشي.
وفيها السيد الحاضري المغربي المالكي [٣] نزيل دمشق بالتربة الأشرفية شمالي الكلّاسة جوار الجامع الأموي.
تزوج بابنة القاضي كمال الدّين الباقعي الشافعي، ثم سافر من دمشق إلى الروم، وحصل له إقبال زائد من السلطان، والوزير إياس باشا، وأعطي دنيا ووظائف، منها إمامة المالكية بالجامع، ثم عاد فمات بحلب.
وفيها عفيف الدّين عبد الله بن أحمد سرومي الشّحري اليمني الفقيه الشافعي [٤] .
ولد بالشحر، ونشأ بها، وقرأ القرآن، ثم ارتحل إلى زبيد لطلب العلم، فأخذ عن إمامها الفقيه كمال الدّين موسى بن الزين، والعلّامة جمال الدّين
стр. 5150
القماط، وغيرهما، ثم رجع إلى بلده الشحر، فأخذ عن عالمها عفيف الدّين المعروف بالحاج ولازمه، ثم سعى له في وظيفة القضاء بها، فاستمر قاضيا بها إلى أن عزم على الحجّ.
وكان- ﵀ يحب الطلبة ويؤهلهم، ويحب الإفادة والاستفادة، لطيفا، قريب الجناب، سليم الباطن، قوي الصبر على الطاعة والأوراد النبوية، كثير التعظيم للأكابر من العلماء والصالحين، واعتنى ب «حاشية على الروضة» لكن عدمت، وذلك أن أحد أولاده دخل بها الهند فعدمت هناك.
وتوفي بمكة المشرّفة في ذي القعدة قبل أن يحجّ ودفن [١] بالمعلاة.
وفيها عبد الغني العجلوني الأربدي الجمحي [٢]- بضم الجيم، وإسكان الميم، وبالحاء المهملة، نسبة إلى قرية جمحى، كقربى من قرى إربد-.
قال في «الكواكب» : كان من أولياء الله تعالى، حسن الطريقة، صحيح العقيدة، ضابطا للشريعة، كافّا للسانه، تردّد إلى دمشق مرارا، وكان سيدي محمد بن عراق يجلّه ويعظّمه.
وكان قانعا زاهدا، متواضعا ملاحظا للإخلاص، ليس له دعوى، حافظا لجوارحه ولسانه، مقبلا على شأنه مات ببلده جمحى. انتهى ملخصا وفيها شمس الدّين محمد بن ولي الدّين الحنفي الحلبي [٣] المقرئ المجود، الشهير بأبيه.
كان من تلاميذ العلّامة شمس الدّين بن أمير حاج الحلبي الحنفي، ومن مريدي الشيخ عبد الكريم الحافي.
وكان له خط حسن، وهيئة مقبولة، وسكينة وصلاح.
стр. 5151
وكان يؤدّب الأطفال داخل باب قنسرين، وله في كل سنة وصيّة، وفي سنة موته أوصى مرتين.
ومات مسموما، رحمه الله تعالى.
وفيها صدر الدّين محمد بن الناسخ [١] الإمام العلّامة، شيخ مدينة طرابلس الشام.
توفي بها، رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين محمد الأويسي البعلي الحنفي [٢] خليفة الشيخ أويس، وكان أجلّ خلفائه، يعرف التصوف معرفة جيدة، وله مشاركة في غيره.
توفي ببعلبك، ﵀.
وفيها القاضي جمال الدّين يوسف بن يونس بن يوسف بن المنقار الحلبي الأصل الدمشقي الصالحي [٣] .
قطن بصالحية دمشق، وولي قضاء صفد، ثم خرت برت، ولم يذهب إليها، وولي نظر الماردانية والعزّية [٤] بالشرف الأعلى، وأثبت أنه من ذريّة واقفيها، ثم لما توفي نازع ولديه في العزّية يحيى بن كريم الدّين، وأثبت أنه من ذريّة واقفيها، وقد ذكر الطّرسوسي في «أنفع الوسائل» أن ذريّة محمد الواقف قد انقرضت.
وولي المذكور نظر البيمارستان القيمري وغيره، ثم أثبت أنه منسوب إلى الخلفاء العباسيين. قاله في «الكواكب»
стр. 5152
سنة أربع وأربعين وتسعمائة
فيها توفي المولى أبو اللّيث الرّومي الحنفي [١] أحد موالي الرّوم.
خدم المولى الشهير بضميري، وبه اشتهر، وصار معيدا لدرسه، ثم صار مدرّسا بمدرسة الوزير محمود باشا بالقسطنطينية، ثم بأبي أيوب، ثم بإحدى الثمان، ثم صار قاضيا بحلب.
قال ابن الحنبلي: إنه كان علائي الأصل، نسبة إلى العلائية قصبة قريب أذنة. قال: وكان له إليّ [٢] إحسان برقم بعض العروض في بعض المناصب الحلبية حتى نظمت له ما نظمت وأنا بمجلسه، وقد دفع إليّ عرضا، وكان على وفق المراد فقلت:
أتمحل أرض أو يشيب بناتها ... وأنت لأرض يا أخا الغيث كالغوث [٣]
محال وما من همّة قسوريّة ... تفوت أخا عدم وأنت أبو اللّيث
ثم ولي قضاء دمشق ودخلها يوم الخميس تاسع شعبان سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ثم توفي بها يوم الأربعاء حادي عشر رمضان من السنة المذكورة ودفن بباب الصغير.
стр. 5153
وفيها المولى إسحاق بن إبراهيم الإسكوبي، وقيل البروصاوي [١] ، أحد موالي الرّوم.
طلب العلم، وأخذ عن جماعة، وخدم المولى بالي الأسود، ثم صار مدرّسا بمدرسة إبراهيم باشا بأدرنة، ثم بمدرسة إسكوب إلى أن درّس بإحدى الثمان، ثم أعطي قضاء دمشق، فدخلها في ثامن ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين، ولما دخلها قال: لا يدخل عليّ أحد إلى ثلاثة أيام لأستريح، فإني شيخ كبير مسفور، ثم برز للناس، واجتمعوا به، وحكم بينهم فشكر في أحكامه، واشتهرت عفّته واستقامته.
وتوفي ليلة الاثنين خامس عشري ربيع الثاني بدمشق ودفن بباب الصغير.
وفيها- كما قال في «النّور» - توفي جدّي الشريف عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس [٢] .
ولد سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وكان من كبار الأولياء. صحب عمّه الشيخ الكبير فخر الدّين أبا بكر بن عبد الله العيدروس صاحب عدن، واختص به، وكذا صحب عمّه الشيخ حسين، وأباه الشيخ شيخ، وغيرهما من الأكابر، وأخذ عنهم، وتخرّج بهم إلى أن بلغ المرتبة التي تعقد عليها الخناصر.
وكان له جاه عظيم في قطر اليمن، وقبول كثير عند الخاص والعام، خصوصا في ثغر عدن، ولبس منه الخرقة جماعة، منهم ابن حجر المكّي [٣] .
وكان حسن الأخلاق، كثير الإنفاق، شريف النّفس والأوصاف، نقيب السادة الأشراف، وافر العقل، ظاهر الفضل، غني النّفس، قانعا بالكفاف، وضيء الوجه، أخضر اللون، طويل القامة، كثير المناقب، عظيم المواهب، ليس له في زمانه نظير، ذا كرامات ظاهرة كثيرة.
توفي ليلة الأربعاء رابع عشر شعبان بتريم [٤] ودفن بها. انتهى.
стр. 5154
وفيها الحافظ وجيه الدّين أبو محمد عبد الرحمن بن علي الدّيبع الشيباني العبدري الزّبيدي الشافعي [١] .
قال- ﵀ في آخر كتابه «بغية المستفيد بأخبار زبيد» : كان مولدي بمدينة زبيد المحروسة في يوم الخميس الرابع من المحرم الحرام سنة ست وستين وثمانمائة في منزل والدي منها، وغاب والدي عن مدينة زبيد في آخر السنة التي ولدت فيها ولم تره عيني قطّ، ونشأت في حجر جدّي لأمّي العلّامة الصّالح العارف بالله تعالى شرف الدّين أبي المعروف إسماعيل بن محمد بن مبارز الشافعي، وانتفعت بدعائه لي، وهو الذي ربّاني جزاه الله عنّي بالإحسان وقابله بالرّحمة والرّضوان.
وقال في «النور» : هو الإمام، الحافظ، الحجّة، المتقن، شيخ الإسلام، علّامة الأنام، الجهبذ، الإمام، مسند الدّنيا، أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين، خاتمة المحقّقين، ملحق الأواخر بالأوائل، أخذ عمّن لا يحصى، وأخذ عنه الأكابر، كالعلّامة ابن زياد، والسيد الحافظ الطّاهر بن حسين الأهدل، والشيخ أحمد بن علي المزجاجي، وغيرهم.
وأجاز لمن أدرك حياته أن يروي عنه، فقال:
أجزت لمدركي وقتي وعصري ... رواية ما تجوز روايتي له
من المقروء والمسموع طرّا ... وما ألّفت من كتب قليله
ومالي من مجاز من شيوخي ... من الكتب القصيرة والطّويله
وأرجو الله يختم لي بخير ... ويرحمني برحمته الجزيلة
وكان ثقة، صالحا، حافظا للأخبار والآثار، متواضعا، انتهت إليه رئاسة الرحلة في علم الحديث، وقصده الطلبة من نواحي الأرض.
ومن مصنّفاته «تيسير الوصول إلى جامع الأصول» في مجلدين [٢] ،
стр. 5155
و «مصباح المشكاة» و «شرح دعاء ابن أبي حربة» و «غاية المطلوب وأعظم المنّة فيما يغفر الله به الذنوب ويوجب به الجنّة» و «بغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد» وكتاب «قرة العيون في أخبار اليمن الميمون» .
وله «مولد شريف نبوي» وكتاب «المعراج» ، إلى غير ذلك [١] .
ومن شعره قوله في «صحيح» البخاري ومسلم [٢] :
تنازع قوم في البخاري ومسلم ... لديّ وقالوا: أيّ ذين يقدّم
فقلت لقد فاق البخاري صنعة ... كما فاق في حسن الصّياغة مسلم
ومنه فيهما [٣] :
قالوا لمسلم سبق ... قلت البخاريّ جلّى
قالوا تكرّر فيه ... قلت المكرّر أحلى
ولم يزل على الإفادة، وملازمة بيته ومسجده لتدريس الحديث والعبادة، واشتغاله بخويصته عما لا يعنيه، إلى أن توفي ضحى يوم الجمعة السادس والعشرين من رجب.
стр. 5156
وفيها المولى عبد الرحيم بن علي بن المؤيد، المشهور بحاجي جلبي الرّومي القسطنطيني [١] الحنفي، عرف بابن المؤيد الفاضل العلّامة، أحد الموالي الأصلاء.
قال في «الشقائق» : كان أولا من طلبة العلم الشريف، وقرأ على المولى الفاضل سنان باشا، وعلى المولى خواجه زاده، وكان مقبولا عندهما، ثم سلك مسلك التصوف، واتصل بالشيخ العارف بالله محيي الدّين الإسكليبي، ونال عنده غاية متمناه، وحصل له شأن عظيم، وجلس للإرشاد في زاوية شيخه الشيخ مصلح الدّين السّيروزي [٢] ، وربّي كثيرا من المريدين.
قال: وبالجملة فقد كان جامعا بين الفضيلتين العلم والعمل، وكان فضله وذكاؤه في الغاية، لا سيما في العلوم العقلية وأقسام العلوم الحكمية، وقد ظهرت له كرامات.
وقال في «الكواكب» : ذكره والده، فقال: استفدت منه واستفاد مني، وأخذت عنه وأخذ عني، واستجزته لولدي أحمد ولمن سيحدّث لي من الأولاد، ويوجد على مذهب من يرى ذلك.
ومما أخذ عني كثيرا من مؤلفاتي، وأن كتابة «خلّاق عليم» [٣] ينفع لدفع الطاعون، فإنه مجرّب كما رواه لنا الأئمة الواعون.
ومما أفادني أن الإنسان إذا قال «ربّنا» خمس مرات ودعا استجيب له، واحتج بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ من ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ١٤: ٣٧ إلى قوله: رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ١٤: ٤٠- ٤١ [إبراهيم: ٣٧- ٤١] . قال فاستحضرت في الحال دليلا آخر ببركته، وهو قوله تعالى: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ ٣: ١٩١ إلى قوله: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ٣: ١٩٤ الآية وهي [آل عمران: ١٩١- ١٩٤]
стр. 5157
وهي تمام الخمس ثم أعقبها بقوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ٣: ١٩٥ [آل عمران: ١٩٥] فسرّ بذلك. انتهى ويؤيد هذا ما ورد [١] عن جعفر الصّادق: «من حزبه أمر فقال خمس مرّات:
ربّنا، أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ٣: ١٩١، الآيات» [٢] . انتهى ملخصا وفيها عبد الواحد المغربي المالكي [٣] نزيل دمشق، الشيخ الصالح.
قرأ على ابن طولون عدة مقدمات في النحو، ثم «الألفية» [٤] وشرحها لابن المصنّف [٥] . وسمع عليه في الحديث كثيرا، وبرع في فقه المالكية، تخرّج فيه على أبي الفتح المالكي، ودرّس بالجامع الأموي حسبة، وكان يقرئ الأطفال بالكلّاسة، ثم بالأمينية.
وتوفي في البيمارستان النّوري يوم الاثنين ثاني عشري صفر.
وفيها عبد الواسع [ابن خضر] [٦] المولى الفاضل [٧] العلّامة الحنفي الديمتوقي المولد، أحد موالي الرّوم.
كان والده من الأمراء، واشتغل هو بالعلم، وقرأ على المولى شجاع الدّين الرّومي، ثم على المولى لطفي التوقاتي وغيرهما، ثم ارتحل إلى بلاد العجم،
стр. 5158
ووصل إلى هراة، من بلاد خراسان، وقرأ هناك على العلّامة حفيد السعد التّفتازاني «حواشي شرح العضد» للسيد الشريف، ثم عاد إلى الرّوم في أواخر دولة السلطان سليم، فأنعم عليه بمدرسة علي بك بأدرنة إلى أن وصل إلى إحدى الثمان، ثم ولّاه قضاء بروسا، ثم ولّاه السلطان سليمان قضاء القسطنطينية، وبعد يومين جعله قاضيا بالعسكر الأناضولي، ثم عيّن له كل يوم مائة عثماني بطريق التقاعد، ثم صرف جميع ما في يده في وجوه الخيرات، وبنى مكتبين ومدرسة، ووقف جميع كتبه على العلماء بأدرنة، وكان عنده جارية، فأعتقها وزوّجها من رجل صالح، ثم ارتحل إلى مكة المشرّفة، وانفرد بها عن الأهل والمال والولد، واشتغل بالعبادة إلى أن توفي.
وفيها فخر الدّين أبو النّور عثمان بن شمس الآمدي ثم الدمشقي [١] الحنفي الإمام العلّامة المفنّن الخطيب.
ولي خطابة السليمية بصالحية دمشق، ومشيخة الجقمقية بالقرب من جامع الأموي، ودرّس بالجامع المذكور، وكان ساكنا يجيد تدريس المعقولات، وله يد طولى في علم النّغمة، وله كتابة حسنة، وحوى كتبا نفيسة.
وتوفي يوم الاثنين ثاني عشري ربيع الأول وهو في حدود السبعين، ودفن في طرف تربة باب الفراديس الشمالي.
وفيها نور الدّين علي الشّوني [٢] الشافعي الصّالح المجمع على جلالته وصلاحه، أول من عمل طريقة المحيا بالصّلاة على النّبي ﷺ بمصر.
ولد بشوني- قرية بناحية طندتا من غربية مصر- ونشأ في الصلاة على النّبي ﷺ وهو صغير ببلده، ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فأقام فيه مجلس الصلاة على النّبي ﷺ ليلة الجمعة ويومها، فكان يجلس في جماعة من
стр. 5159
العشاء إلى الصبح، ثم من صلاة الصبح إلى أن يخرج إلى صلاة الجمعة، ثم من صلاة الجمعة إلى العصر، ثم من صلاة العصر إلى المغرب، فأقام على ذلك عشرين سنة، ثم خرج يودّع رجلا من أصحابه في المركب أيام النيل كان مسافرا إلى مصر، ففات المركب بهم، وما رضي الريس يرجع بالشيخ، فدخل مصر فأقام بالتربة البرقوقية بالصحراء، وكان يتردد إلى الأزهر للصلاة على النّبي ﷺ ، فاجتمع عليه خلق كثير، منهم الشيخ عبد الوهاب الشعراوي لازمه نحو خمس سنين، ثم أذن له أن يقيم الصلاة في جامع الغمري ففعل، وكان الشيخ عبد القادر بن سوار يتردد إلى مصر في التجارة والطلب، فلازم الشّوني، ورجع إلى دمشق بهذه الطريقة، ثم اصطلح على تسمية هذه الطريقة بالمحيا، وانتشرت طريقة الشّوني ببركته في الآفاق.
وتوفي بالقاهرة ودفن بزاوية مريده الشيخ عبد الوهاب الشعراوي.
وفيها مبارك بن عبد الله الحبشي الدمشقي القابوني [١] الشيخ الصّالح المربي.
قال ابن المبرد في «رياضه» : الشيخ مبارك ظهر في سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وصار له مريدون، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر من إراقة الخمور وغيرها، بعد ما أبطل ذلك، وقام على الأتراك، وقاموا عليه.
وقال ابن طولون: قرأ الشيخ مبارك في «غاية الاختصار» على التّقي بن قاضي عجلون، وبنى له زاوية بالقرب من القابون التحتاني، وأقام هو وجماعته بها، وكان يتردّد إليه شيخ الإسلام المذكور، وكان هو وجماعته يترصّدون الطريق على نقلة الخمر فيقطون ظروفها ويريقونها، فبلغ الحكّام ذلك، فقبض النائب على بعض جماعة الشيخ وحبسهم في سجن باب البريد، فنزل الشيخ مبارك ليشفع فيهم فحبس معهم، فأرسل ابن قاضي عجلون يشفع فيه فأطلق، ثم هجم بقية جماعة الشيخ مبارك على السجن وكسروا بابه وأخرجوا من فيه من رفاقهم، فبلغ النائب فأرسل جماعة من مماليكه فقتلوا منهم نحو سبعين نفسا عند باب البريد، وقرب الجامع الأموي، ثم ترك الشيخ مبارك ذلك ولازم حضور الزوايا كزاوية
стр. 5160
الشيخ أبي بكر بن داود بالسفح ووقت سيدي سعد بن عبادة بالمنيحة، وكان شديد السواد، عظيم الخلقة، له همّة عظيمة، وقوة بأس، وشدة، وله معرفة تامة بالنغمة، والصيد، والسباحة، يغوص في تيار الماء ويخرج وبين أصابع يديه ورجليه السمك، وحجّ ومعه جماعة من أصحابه، فلما دخلوا مكّة فرغت نفقتهم، فقال لبعض أصحابه: خذ بيدي إلى السوق واقبض ثمني واصرفه على بقية الجماعة، ففعل ذلك، واشتراه بعض تجار العجم، ثم أعتقه.
قال ابن طولون: والشيخ مبارك هو الذي أحدث اللهجة في الذكر. قال:
وحقيقتها أنهم يذكرون إلى أن يقتصروا من الجلالة على الهمزة والهاء، لكنهم يبدّلون الهاء حاء مهملة، فيقولون اح اح.
وتوفي يوم الخميس مستهل ربيع الأول ودفن بتربة القابون التحتاني.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد القادر بن أبي بكر بن الشّحّام العمري [١] الحلبي [٢] الموقت الفقيه.
سمع الحديث المسلسل بالأولية على المحدّث عبد العزيز بن فهد المكّي، وكان ديّنا، خيّرا، رئيسا بجامع حلب.
قال ابن الحنبلي: قرأت عليه في الميقات.
سافر إلى دمشق فمرض بها، وتوفي بيمارستانها.
وفيها شمس الدّين محمد الظني [٣] الشافعي العالم المعتقد.
كان يؤدّب الأطفال، وفي آخر عمره استمرّ مؤدّبا لهم بالقيمرية الجوانية، وأعطي مشيخة القرّاء بالشامية البرّانية وباشرها أشهرا، ثم مات عنها يوم الخميس رابع المحرم.
стр. 5161
وفي حدودها الشيخ تقي الدّين أبو بكر الأبياري المصري [١] الصوفي.
كان فقيها، زاهدا، عابدا، يعرف الفقه، والأصول، والحديث، والقراآت، والنحو، والهيئة.
وكان يقرئ الأطفال احتسابا، ولم يتناول على التعليم شيئا، وما قرأ عليه أحد إلّا انتفع.
وكان موردا للفقراء ببلده أبيار [٢] ، لا ينقطع عنه الضيف، ومع ذلك لا راتب له ولا معلوم، بل ينفق من حيث لا يحتسب.
وأخذ الطريق عن الشيخ محمد الشناوي، وأذن له في تربية المريدين فلم يفعل احتقارا لنفسه، رحمه الله تعالى.
стр. 5162
سنة خمس وأربعين وتسعمائة
فيها توفي الشيخ تقي الدّين أبو بكر بن محمد بن يوسف القاري ثم الدمشقي [١] الشافعي، الشيخ الإمام العالم العلّامة المحقّق المدقّق الفهّامة، شيخ الإسلام.
أخذ عن البرهان بن أبي شريف، والقاضي زكريا، وغيرهما من علماء مصر. وبالشام عن الحافظ برهان الدّين النّاجي وغيره، وتفقه بالتّقّي بن قاضي عجلون، وابن أخته السيد كمال الدّين بن حمزة، والتّقي البلاطنسي.
وولي إمامة المقصورة بالأموي شريكا للقاضي شهاب الدّين الرّملي، وولي نظر الحرمين وغيره، وتدريس الشامية البرانية آخرا مدة يسيرة، واخترمته المنية، ولزم المشهد الشرقي بالجامع الأموي بعد شيخه ابن قاضي عجلون، وردت المشكلات إليه، وعكف الطلبة عليه.
وممن أخذ عنه الشّهاب الطّيبي، والعلاء بن عماد الدّين، وتزوّج بنت مفتي الحنفية قطب الدّين بن سلطان، ورزق منها ابنا مات بعده بمدة يسيرة.
وكان محقّقا، مدقّقا، واقفا مع المنقول، عالما بالنحو، والقراآت، والفقه، والأصول. نظم أرجوزة لطيفة في عقيدة أهل السّنّة. وله شعر حسن.
وتوفي ليلة الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول ودفن بمقبرة باب الصغير.
وفيها- تقريبا- المنلا أبو بكر العلوي الحنفي [٢]- نسبة إلى محمد بن الحنفية ﵁ الحنفي المذهب، المعروف بشيخ زاده.
стр. 5163
كان من كبار الفضلاء الأذكياء، مع ماله من المال والرزق والكتب النفيسة.
وكان صالحا، متواضعا، لا يحب التّصنع من نفسه ولا من غيره.
وكان جليل القدر بسمرقند بواسطة أن خالته كانت زوجا لملكها.
ودخل حلب سنة ثلاث وثلاثين، ورافق ابن الحنبلي في صدر الشريعة على الشّهاب الأنطاكي، ثم سافر إلى مكة وجاور بها سنين، ثم عاد إلى حلب، ثم سافر منها إلى بلده وهي في الهند، وقطن بها إلى أن مات.
وفيها أبو العبّاس الحريثي المصري [١] الشافعي [٢] نشأ في العبادة والاشتغال بالعلم، وقرأ القرآن بالسبع، ثم خدم سيدي محمد بن عنان. وأخذ عنه الطريق وزوّجه بابنته، وقرّبه أكثر من جميع أصحابه، ثم صحب بعده سيدي علي المرصفي، وأذن له أن يتصدى للإرشاد ولم يرشد حتّى سمع الهواتف تأمره بذلك، فدعا إلى طريق الله تعالى، ولقّن نحو عشرة آلاف مريد. ولما حضرته الوفاة قال:
خرجنا من الدنيا ولم يصحّ معنا صاحب في الطريق. وبنى له زاوية بمصر وعدة مساجد بدمياط والمحلّة وغيرهما.
قال الشعراوي: ووقع له كرامات كثيرة، منها أنه جلس عندي بعد المغرب في رمضان، فقرأ قبل أذان العشاء خمس ختمات، وطوى أربعين يوما، وكان كثير التحمّل لهموم الخلق، حتى صار كأنه شنّ بال، وكان مع ذلك لا يعد نفسه من أهل الطريق.
وتوفي بثغر دمياط، ودفن بزاوية الشيخ شمس الدّين الدمياطي، وقبره بها [٣] ظاهر يزار.
وفيها المولى نور الدّين حمزة، الشهير بأوج باشا الحنفي [٤] أحد موالي الرّوم.
стр. 5164
اشتغل، وخدم المولى معرّف زاده، ثم درّس بمدرسة مغنيسا، ثم بمدرسة أزنيق، ثم بمدرسة أبي [١] أيوب، ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثمان، ثم بمدرسة السلطان بايزيد بأماسية، ونصّب مفتيا بها، وعيّن له كل يوم سبعون عثمانيا بالتقاعد، ومات بها.
وكان حريصا على جمع المال، يتقلل في معاشه، ويلبس الثياب الدنية [٢] ، ولا يركب دابة حتى جمع أموالا عظيمة، وبنى في آخر عمره مسجدا بالقسطنطينية قريبا من داره، وبنى بها حجرا لطلبة العلم ووقف عليها أوقافا كثيرة.
قال له الوزير إبراهيم باشا يوما: إني سمعت بأنك [٣] تحب المال فكيف صرفته في الأوقاف. قال: هو أيضا من غاية محبتي في المال، حيث لم أرض أن أخلّفه في الدنيا فأريد أن يذهب معي إلى الآخرة [٤] . قاله في «الكواكب» .
وفيها سليمان الصّواف [٥] الشيخ الصّالح، العارف بالله تعالى، والد الشيخ أحمد بن سليمان.
قال في «الكواكب» : كان قادريا، لحق سيدي علي بن ميمون، وأخذ عن شيخ الإسلام الجدّ، وعدّه شيخ الإسلام الوالد ممن تلمذ لوالده من أولياء الله تعالى، وأخبرني ولده الشيخ أحمد أن ابن طولون كان يتردد إلى والده ويعتقده، وأنه توفي في هذه السنة. انتهى ملخصا وفيها- تقريبا- محيي الدّين عبد القادر بن أحمد بن الجبرتي الدمشقي [٦] الشافعي الفاضل.
أخذ عن جماعة منهم البدر الغزّي، قرأ عليه «شرح جمع الجوامع» قراءة
стр. 5165
تحقيق وتدقيق، وشهد له أنه كان من أهل الفضل والذكاء والصّلاح.
وفيها علاء الدّين على التّميمي الشافعي [١] الشيخ العلّامة، عالم بلاد الخليل، أخو القاضي محمود التّميمي، نزيل دمشق.
توفي المترجم ببلد الخليل. قاله في «الكواكب» .
وفيها المولى سعد الدّين عيسى بن أمير خان الحنفي، المعروف بسعدي جلبي [٢] الإمام العامل العلّامة، أحد موالي الرّوم المشهورين بالعلم والدّين والرئاسة.
كان أصله من ولاية قسطموني، ثم دخل القسطنطينية مع والده، ونشأ في طلب العلم، وقرأ على علماء ذلك العصر، ووصل إلى خدمة السّاموني، ثم صار مدرّسا بمدرسة محمود باشا بالقسطنطينية، ثم سلطانية بروسا، ثم صار قاضيا بالقسطنطينية، ثم عزل وأعيد إلى إحدى الثمان، ثم صار مفتيا مدة طويلة.
قال في «الشقائق» : كان فائقا على أقرانه في تدريسه وفي قضائه، مرضي السيرة، محمود الطريقة.
وكان في إفتائه مقبول الجواب، مهتديا إلى الصواب، طاهر اللّسان لا يذكر أحدا إلّا بخير، صحيح العقيدة، مراعيا للشريعة، محافظا على الأدب، من جملة الذين صرفوا جميع أوقاتهم في الاشتغال بالعلم الشريف، وقد ملك كتبا كثيرة، واطلع على عجائب منها، وكان ينظر فيها ويحفظ فوائدها، وكان قوي الحفظ جدا، وله رسائل وتعليقات، وكتب «حواشي» مفيدة على «تفسير البيضاوي» وهي متداولة بين العلماء، وله شرح مختصر مفيد للهداية، وبنى دارا للقرّاء بقرب داره بمدينة قسطنطينية. انتهى وكان السيد عبد الرحيم العبّاسي خليلا لسعدي جلبي ولكل منهما بالآخر [٣]
стр. 5166
مزيد اختصاص، وللسيد عبد الرحيم فيه مدائح نفيسة.
وقال ابن طولون: وتوفي عند صلاة الجمعة ثاني عيد الفطر بعلّة النقرس، وأقيم مفتيا عوضه جوي زاده.
وفيها المولى آشق قاسم الحنفي [١] ، أحد الموالي الرّومية.
كان من أزنيق، واشتغل بالعلم، وخدم المولى عبد الكريم، ثم درّس بالحجرية بمدينة أدرنة، وتقاعد بثلاثين عثمانيا.
قال في «الشقائق» : كان ذكيا مقبول القول، صاحب لطائف ونوادر، متجردا عن الأهل والولد كثير الفكر، مشتغلا بذكر الله تعالى، خاشعا في صلاته، بلغ قريبا من المائة.
توفي بأذنة. انتهى وفيها جلال الدّين محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن مولانا جلال الدّين الخالدي البكشي [٢] ، ثم السّمرقندي الحنفي، المشهور بمنلا محمد شاه العجمي [٣] .
كان شيخا معمرّا، نحيف البدن، محقّقا، متفقها [٤] ، متواضعا، سخيا.
قرأ على أكابر علماء العجم، كالمنلا عبد الغفور اللّاري أحد تلامذة منلا عبد الرحيم الجامي، وقدم حلب في هذه السنة هو [٥] وولده منلا عبد الرحيم.
قال ابن الحنبلي: اجتمعت به مرارا، وانتفعت به، واستفدت منه.
стр. 5167
وتوفي بحلب ودفن بمقبرة الصّالحين.
وفيها شمس الدّين محمد بن حسّان الدمشقي الشافعي [١] أحد الفضلاء البارعين.
قال ابن طولون: كان الغالب عليه التنزه.
توفي يوم الاثنين ثالث القعدة، ودفن بباب الفراديس.
وفيها شمس الدّين محمد الداودي المصري الشافعي [٢] وقيل المالكي، الشيخ الإمام العلّامة المحدّث الحافظ.
كان شيخ أهل الحديث في عصره.
أثنى عليه المسند جار الله بن فهد، والبدر الغزّي، وغيرهما.
قال ابن طولون: وضع «ذيلا» على «طبقات الشافعية» للتاج السبكي.
وقال النجم الغزّي: جمع ترجمة شيخه الحافظ السيوطي في مجلد ضخم، ورأيت على ظهر الترجمة المذكورة بخطّ بعض فضلاء أهل [٣] مصر أن مؤلّفها توفي قبل الزوال بيسير من يوم الأربعاء ثامن عشري شوال، ودفن بتربة فيروز خارج باب النصر.
وفيها شمس الدّين محمد بن مكّية النابلسي الشافعي [٤] الإمام العلّامة.
توفي بنابلس في هذه السنة كما قاله في «الكواكب» .
وفيها المولى سنان الدّين يوسف بن المولى علاء الدّين على البكّالي الرّومي الحنفي [٥] أحد موالي الرّوم.
стр. 5168
قرأ على والده وعلى غيره، وترقى في التدريس، حتى درّس بإحدى الثمان، وتقاعد عنه بثمانين عثمانيا، وبقي على ذلك إلى أن مات.
وكان مشتغلا بالعلم، يحبّ الصوفية، وله لطف وكرم، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وله «حواش» على «شرح المواقف» للسيد، ورسائل كثيرة، رحمه الله تعالى.
стр. 5169
سنة ست وأربعين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن إبراهيم [١] بن أبي بكر الأريحاوي الأصل الحلبي الدار، الصّيرفي الشافعي [٢] .
قال في «الكواكب» : كان يحبّ خدمة العلماء بالمال واليد، وكان يجمع نفائس الكتب الحديثية والطّيبة وغيرها، ويسمح بإعارتها، وقرأ على البرهان العمادي، وابن مسلم، وغيرهما. وولي وظيفة تلقين القرآن العظيم بجامع حلب وغيرها.
قال ابن الحنبلي: وأعرض في آخره عن حرفته وقنع بالقليل، وأكبّ على خدمة العلم، ورافقنا في أخذ العلم عن الزّيني عبد الرحمن بن فخر النساء وغيره، ﵀.
وفيها- تقريبا- تقي الدّين أبو بكر بن فهد الحنفي المكّي [٣] الإمام العلّامة.
قال في «الكواكب» : قدم دمشق من مكّة صحبة الوزير الطواشي، ثم عاد إليها مع الحاج مبشّرا للسلطان أبي نمي برضا السلطان سليمان عنه. انتهى
стр. 5170
وفيها- ظنا- المولى أبو السعود الشهير بابن بدر الدّين زاده الحنفي [١] أحد موالي الرّوم.
ولد ببروسا، وتزوجت أمّه بعد أبيه بالمولى سيدي الحميدي، فقرأ عليه مبادئ العلوم، وقرأ على غيره، وخدم المولى ركن الدّين، ثم أعطي قضاء بعض البلاد، وله كتاب بالتركية سمّاه «سليم نامه» وهو مقبول عند أربابه وله «ديوان» بالتركية أيضا.
وكان فاضلا، صاحب ذكاء وفطنة، رحمه الله تعالى.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن بركات بن الكيّال الدمشقي الشافعي [٢] الفاضل خطيب الصّابونية بعد أخيه، وناظر أوقاف سيدي سعد بن عبادة ﵁.
توفي يوم الأربعاء خامس رمضان.
وفيها خليل المصري [٣] المالكي الإمام العلّامة، مفتي المالكية بالديار المصرية.
توفي بالقاهرة وتأسف الناس عليه.
وفيها عبد الحميد بن الشّرف القسطموني الرّومي [٤] الحنفي، العالم العامل الواعظ.
طلب العلم، ثم رغب في التصوف، فصحب الشيخ مصلح الدّين الطويل النقشبندي، ثم اختار بعد وفاته طريقة الوعظ، فكان يعظ الناس بالقسطنطينية، وعيّن له في كل يوم ثلاثون عثمانيا، وكانت له يد طولى في التفسير، وكان يدرّس في بيته ويفسّر القرآن بتقريرات واضحة بليغة، وعبارات رائقة فصيحة، واستفاد منه
стр. 5171
كثير من الناس، وكان فارغ الهمّ من أشغال الدنيا، مقبلا على صلاح حاله، طويل الصمت، كثير الفكر، وقورا، مهيبا، رحمه الله تعالى.
وفيها- تقريبا- عبد الوهاب بن إبراهيم العرضي [١] الحلبي الشافعي [٢] مفتي الشافعية بحلب.
قال في «الكواكب» : ذكره الوالد في «رحلته» ووصفه بالشيخ الفاضل، والعالم الكامل البارع في فنون العلم وأنواع الأدب. انتهى.
وفيها زين الدّين عمر بن معروف الجبرتي، المعروف بأبيه معروف ثم الدمشقي [٣] إمام الصّابونية.
كان فاضلا، عالما، علّامة، من نوادر الزمان في الحفظ، فإنه كان يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، كلما ختم آية افتتح الآية التي قبلها.
قال ابن طولون: تردّد إليّ مرات وفي كل مرة نستفيد منه في علم التفسير غرائب.
وتوفي في أواخر شعبان، رحمه الله تعالى.
وفيها القاضي جلال الدّين محمد بن القاضي علاء الدّين بن يوسف بن علي البصروي الدمشقي [٤] الشافعي [٥] الإمام العلّامة، شيخ التبريزية بمحلّة قبر عاتكة، وخطيب الجامع الأموي.
ولد عاشر رجب سنة تسع وستين وثمانمائة، واشتغل على والده وغيره، وولي خطابة الثابتية، وتدريس الغزالية، ثم العادلية، وفوض إليه نيابة الحكم
стр. 5172
الولوي بن الفرفور، وخطب في الأموي نيابة ثم استقلالا إلى أن مات، وكان لخطبته وقع في القلوب وتذرف منها [١] العيون، وكان يقرأ «سيرة ابن هشام» في الجامع الأموي في كل عام بعد صلاة الصبح شرقي المقصورة.
وكان من أهل [٢] العلم والصّلاح، له محفوظات في الفقه وغيره وقيام في الليل، حافظا لكتاب الله تعالى، مواظبا على تلاوته، راكبا وماشيا، وفي آخر خطبة خطبها بالأموي- وكانت في ثامن ربيع الآخر من هذه السنة وكان مريضا- سقط عن المنبر مغشيا عليه.
قال ابن طولون: ولولا أن المرقي احتضنه لسقط إلى أسفل المنبر. قال:
ولم يكمل الخطبة الثانية، فصلّى الجمعة إمام الجامع يومئذ الشيخ عبد الوهاب الحنفي.
وتوفي المترجم ليلة الثلاثاء رابع عشري جمادي الأولى ودفن بمقبرة باب الصغير تجاه الشيخ نصر المقدسي.
وفيها- تقريبا- محيي الدّين محمد الإشتيتي الرّومي [٣] الصّالح.
كان عابدا، صالحا، متورّعا، يربّي المريدين بزاويته بإشتيت [في ولاية] [٤] روم إيلي، ﵀.
وفيها المولى بدر الدّين محمود أحد الموالي الرّومية الحنفي، الشهير ببدر الدّين الأصفر [٥] .
قرأ على المولى الفناري، والمولى لطفي، وغيرهما، ثم درّس بمدرسة بالي كبرى، وترقى إلى إحدى الثمان، ثم درّس بأياصوفيا، ثم تقاعد بمائة عثماني ومات على ذلك.
стр. 5173
وكان الغالب عليه العلوم العقلية، وله مشاركة في سائر العلوم، وله تعليقات لم يدوّنها، وكان يحبّ الصوفية. قاله في «الكواكب» .
وفيها شرف الدّين موسى البيت لبدي الصالحي الحنبلي [١] .
قال ابن طولون: كان يسمع معنا على الشيخ أبي الفتح المزّي، والمحدّث جمال الدّين بن المبرد، ولبس خرقة التصوف من شيخنا أبي عراقية، وقرأ عليّ «محنة الإمام أحمد» جمع ابن الجوزي، وأشياء أخرى.
وتوفي يوم الجمعة سلخ ربيع الثاني.
стр. 5174
سنة سبع وأربعين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن أبي بكر، الشهير بابن المؤيد [١] ، أحد العدول بدمشق بل عين الموقّعين بالشام.
قال في «الكواكب» : كان من أخصاء شيخ الإسلام الوالد وأعيان طلبته، مولده سنة ثمان وستين وثمانمائة، وتوفي مستهل [ذي] القعدة. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن يونس المصري الحنفي، المعروف بابن الشّلبي [٢] الإمام العالم العلّامة الأحد المحقّق المدقّق الفهّامة.
كان عالما كريم النّفس، كثير الصدقة، له اعتقاد في الصالحين والمجاذيب، ذا حياء وحلم وعفو، وكان رفيقا لمفتي دمشق القطب بن سلطان في الطلب على قاضي القضاة شرف الدّين بن الشّحنة، والبرهان الطّرابلسي ثم المصري في الفقه، وعلى الشيخ خالد الأزهري في النحو.
وتوفي بالقاهرة ودفن خارج باب النصر وله من العمر بضع وستون سنة.
وفيها الطّيب بن عفيف الدّين عبد الله بن أحمد [بن] مخرمة اليمني العدني الشافعي [٣] الإمام العلّامة المحدّث.
стр. 5175
قال في «النور» : ولد بعدن ليلة الأحد ثاني عشر ربيع الثاني سنة سبعين وثمانمائة، وأخذ عن والده، وعن الفقيه محمد بن أحمد فضل، وانتفع به كثيرا ولازمه، وكذلك أخذ عن محمد بن حسين القمّاط، وأحمد بن عمر المزجد وغيرهم، وتفنّن في العلوم، وبرع، وتصدّر للفتوى والأشغال، وكان من أصحّ الناس ذهنا، وأذكاهم قريحة، وأقربهم فهما، وأحسنهم تدريسا، حتى يذكر أنه لم ير مثله في حسن التدريس وحلّ المشكلات في الفقه، وصار في آخره عمدة الفتوى بعدن، وكان يقول: إني أقرئ أربعة عشر علما.
وولي القضاء بعدن.
ومن مؤلفاته: «شرح صحيح مسلم» و «أسماء رجال مسلم» و «تاريخ» مطول مرتّب على الطبقات والسنين [١] ابتدأ به من أول الهجرة، وكتاب في النسبة [٢] إلى البلدان [٣] مفيد جدا.
وتوفي بعدن في سادس المحرم، ودفن في قبر جدّه لأمّه القاضي العلّامة محمد بن مسعود أبي شكيل بوصية، ودفن [٤] في قبة الشيخ جوهر.
وفيها زين الدّين عبد القادر بن الشيخ شمس الدّين محمد القويضي [٥] الدمشقي الصّالحي [٦] الحنفي الطبيب الحاذق.
أخذ الطب عن الرئيس خشمش الصالحي، وكان أستاذا في الطب، يذهب
стр. 5176
إلى الفقراء في منازلهم ويعالجهم ويفاقرهم [١] ، وربما لم يأخذ شيئا، وقد يعطي الدواء من عنده أو يركّبه من كيسه.
وكان في آخره يتلو القرآن في ذهابه وإيّابه من الصالحية إلى دمشق.
وكان ساكنا بالصالحية بالقرب من الجامع الجديد.
وكان حسن المحاضرة، جميل المذاكرة، وله شعر وسط.
وتوفي ثامن عشر جمادي الأولى بالصالحية ودفن تجاه تربة السّبكيين وتأسف الناس عليه.
وفيها الشيخ علي، المعروف بالذويب [٢] ، الصالح المكاشف.
أقام بمصر نحو عشرين سنة، ثم نزل إلى الرّيف، وظهرت له كرامات وخوارق.
أخذ عن الشيخ محمد العدل الطناخي وغيره.
وكان ملاميا يلبس تارة لباس الحمّالين وتارة لباس التّراسين.
ولما مات وجدوا في داره نحو ثمانين ألف دينار، مع أنه كان متجردا من الدنيا.
قال الشعراوي: اجتمعت به مرة واحدة عقب منام رأيته، وذلك أني سمعت قائلا يقول لي في المنام: الشيخ علي الذويب قطب الشرقية، ولم أكن أسمع به أبدا، فسألت الناس عنه فقالوا لي: هذا رجل من أولياء الله تعالى.
قال [٣] : وكان يمشي كثيرا على الماء، فإذا أبصره أحد اختفى.
وكان يرى كل سنة بعرفة، ويختفي من الناس إذا عرفوه. انتهى وفيها زين الدّين عمر التنائي [٤] المالكي، الشيخ العلّامة المصري.
стр. 5177
توفي بها في هذه السنة. قاله في «الكواكب» .
وفيها- تقريبا- سراج الدّين عمر العبادي المصري الشافعي [١] الإمام العلّامة المعلّم بالبرقوقية من الصحراء خارج القاهرة.
كان على قدم عظيم في العبادة، والزهد، والورع، والعلم، وضبط النّفس، وكانت نقول مذهب الشافعي نصب عينيه، وشرح «قواعد الزركشي» في مجلدين أخذ عن سميّه وبلديّه السّراج العبادي الكبير، وعن الشمس الجوجري، ويحيى المناوي، وغيرهم، وأجازوه، وكان مجاب الدعوة. ولما حجّ وزار رسول الله ﷺ فتحت له الحجرة الشريفة والناس نيام من غير فاتح، فدخلها وزار ثم خرج فعادت الأقفال كما كانت، رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين محمد بن أحمد بن أحمد بن الشّويكي الصّالحي الحنبلي [٢] العلّامة.
كان إماما، فقيها، أفتى مدة ثم امتنع من الإفتاء في الدولة الرّومية.
وكان إماما بالحاجبية، وكان أستاذا في الفرائض والحساب، وله يد في غير ذلك.
توفي يوم الاثنين عاشر المحرم، ودفن بالروضة إلى جانب قبر العلّامة علاء الدّين المرداوي.
وفيها المولى محيي الدّين محمد بن إدريس الحنفي، الشهير بمعلول أفندي [٣] أحد موالي الرّوم.
تنقل في المدارس والمناصب إلى أن ولي قضاء مصر، وكان سيّدا، شريفا، فاضلا.
стр. 5178
وفيها نجم الدّين محمد بن علي بن النّعيل الغزّي [١] الشافعي الإمام العالم العامل.
توفي بالقدس، رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدلجي العثماني الشافعي [٢] الإمام العلّامة.
ولد سنة ستين وثمانمائة بدلجة، وحفظ القرآن العظيم بها، ثم دخل القاهرة، فقرأ «التنبيه» وغيره على علمائها، ثم رحل إلى دمشق وأقام بها نحو ثلاثين سنة، وأخذ عن البرهان البقاعي، والحافظ برهان الدّين النّاجي، والقطب الخيضري، والقاضي ناصر الدّين بن زريق الحنبلي، والإمام المحدّث شمس الدّين السّخاوي، وسافر إلى بلاد الرّوم، واجتمع بسلطانها أبي يزيد، وحجّ من بلاد الشام، ثم عاد إلى القاهرة، وكتب شرحا على «الخزرجية» وشرحا على «الأربعين النواوية» وشرحا على «الشفا» للقاضي عياض، وشرحا على «المنفرجة» واختصر «المنهاج» و «المقاصد» وسمّاه «مقاصد المقاصد» وشرحه، وأخذ عنه جماعة، منهم النّجم الغيطي قال: سمعت عليه كثيرا وأجاز لنا.
وتوفي بالقاهرة، رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد التّونسي [٣] المالكي، الملقّب بمغوش- بمعجمتين- الإمام المحقّق المدقّق العلّامة.
اشتغل على علماء المغرب، وسمع «الصحيحين» و «الموطأ» و «الترمذي» و «الشفا» . وقرأ البعض على الإمام العلّامة أبي العباس أحمد الأندلسي، المعروف بالمشا، وسمع على غيره، وفضل في بلاده، وبرع وتميّز، وولي قضاء عسكر تونس، ثم قدم من طريق البحر إلى القسطنطينية في دولة السلطان سليمان،
стр. 5179
فعظّمه وأكرم مثواه، ورتّب له علوفة حسنة، وشاع فضله بين أكابرها، وأخذ عنه جماعة من أعيانها، حتى قاضيا العسكر إذ ذاك، ولم يزل بها معظّما مبجّلا، ينشر الفوائد وينثر الفرائد، وأملى بها أمالي على «شرح الشاطبية» للجعبري، ثم استأذن من السلطان في الرحلة إلى مصر واعتذر بعدم صبره على شتاء الرّوم وشدة بردها، فأذن له وأمر له أن يستوفي ما عين له من خزينتها، فتوجه إليها من طريق البر سنة أربع وأربعين، فدخل حلب فانتدب للقراءة عليه والأخذ عنه جماعة من أهلها، منهم ابن الحنبلي، ثم دخل طرابلس، ثم دمشق، وانتفع به أهلها، وشهدوا له بالعلم خصوصا في التفسير، والعربية، والمنطق، والكلام، والعروض، والقراآت، والمعاني، والبيان، وقرأ عليه العلاء بن عماد الدّين الشافعي في أوائل «تفسير البيضاوي» فأفاد وأجاد، حتى أذهل العقول، وقرأ عليه القاضي معروف رسالة الوجود للسيد الشريف، وبعض «شرح آداب البحث» للمسعودي، وقرأ عليه الشّهاب الطّيبي في القراآت، وأجازه إجازة حافلة، ثم سافر من دمشق في يوم الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين، وألّف تلميذه الشيخ شهاب الدّين الطّيبي مؤلفا في تاريخ سفره بالكسور العددية، سماه ب «الكسر المرشوش في تاريخ سفر الشيخ مغوش» .
وقال ابن الحنبلي في ترجمته: كان عالما، علّامة، متقنا، متفنّنا، ذا إدراك عجيب واستحضار غريب، حتى أنه كان في قوته أنه يقرئ مثل العضد المرة بعد المرة من غير مطالعة.
قال: وكان دأبه الاستلقاء على القفاء ولو حالة التدريس وعدم النهوض لمن ورد عليه من الأكابر، كل ذلك لما كان عنده من حبّ الرفاهية والراحة والانبساط والشهامة.
انتهى وكان يطالع من حفظه كلما أراد من العلوم، ولم يكن عنده كتاب ولا ورقة أصلا. وكان يحفظ «شرح التلخيص» مع حواشيه و «شرح الطوالع» و «شرح المواقف» و «شرح المطالع» كما قاله في «الشقائق» .
وبالجملة فإنه كان من أعاجيب الدنيا.
стр. 5180
وتوفي في العشر الأواخر من شعبان بالقاهرة، ودفن بجوار الإمام الشافعي، ﵁، وكتب على قبره:
ألا يا مالك العلماء يا من ... به في الأرض أثمر كل مغرس
لئن أوحشت تونس بعد بعد ... فأنت بمصر ملك الحسن تونس
وفيها شمس الدّين محمد الدّمنهوري المصري [١] المالكي الشيخ العلّامة.
توفي بمصر في أواخر ربيع الثاني.
وفيها محيي الدّين يحيى بن إبراهيم بن قاسم بن الكيّال [٢] الإمام المحدّث.
سمع على والده في «مسند الإمام أحمد» وباشر في الجامع الأموي. وكان له فيه قراءة حديث، وكان عنده حشمة، وأجازه البدر الغزّي.
وتوفي يوم الاثنين سلخ القعدة.
стр. 5181
سنة ثمان وأربعين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن نجم الدّين محمد بن برهان الدّين إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن جماعة [١] الإمام العلّامة المحدّث المقدسي الشافعي.
ولد يوم الاثنين خامس عشر المحرم سنة سبعين وثمانمائة، وسمع على والده الكتب الستة وغيرها، وأجاز له البرهان بن قاضي عجلون، والتّقي الشّمنّي، والقاضي أبو العباس بن نصر الله، والتقي بن فهد، والشمس بن عمران، وأمين الدّين الأقصرائي، والشرف المناوي، والبدر بن قاضي شهبة، والجمال الباعوني وأخوه البرهان، وولي تدريس الصّلاحية ببيت المقدس سنين، ثم قطن دمشق، وحدّث بها كثيرا عن والده وغيره، وولي تدريس الشامية البرّانية سنين، ثم تدريس التقوية ونظرها، وسافر من دمشق فمات بقرية سعسع [٢] في آخر ليلة الثلاثاء خامس عشري شوال بعد أن بقي سنين مستلقيا على ظهره من زلقة حصلت له بسبب رش الماء بداخل دمشق، فانفك فخذه ولم يمكنه الصبر على علاجه لنحافة بدنه ولطف مزاجه، ثم حمل من سعسع وأعيد إلى دمشق، وغسّل بمنزله، ودفن بباب الصغير.
وفيها- تقريبا- برهان الدّين إبراهيم بن المبلط [٣] شاعر القاهرة من شعره في القهوة:
стр. 5182
يا عائبا لسواد قهوتنا التي ... فيها شفاء النّفس من أمراضها
أو ما يراها وهي في فنجانها ... يحكي سواد العين وسط بياضها
وفيها شهاب الدّين أحمد الطّيب بن شمس الدّين الطّنبذاوي البكري الصّدّيقي الشافعي [١] .
قال في «النور» : هو شيخ الإسلام الحبر الإمام، العارف بالله، القانت الأواه [٢] .
ولد بعد السبعين وثمانمائة تقريبا، وتفقه بالنّور السّمهودي، والقاضي أحمد المزجد وغيرهما.
وكان في أهل عصره بمنزلة الشمس من النجوم، وتميّز في معرفة المنطق والمفهوم، وكان شديد التصلب في الدّين والصّدع بالحقّ، لا يخاف في الله لومة لائم.
وكان يقول لتلميذه ابن زياد: أنتم نفعكم أحمد المزجد بلحظه [٣] ، ونحن بلحظه ولفظه.
وأخذ عنه خلق منهم شيخ الإسلام ابن زياد، والحافظ شهاب الدّين أحمد الخزرجي، والغريب الأكسع، وعبد الملك بن النّقيب، وعبد الرحمن البجلي، وصالح النماري، وغيرهم.
وانتهت إليه رئاسة الفتوى والتدريس، وانتفع به الخاص والعام.
ومن مصنّفاته «فتاوى» مشهورة عليها الاعتماد بزبيد، وشرح «التنبيه» في أربع مجلدات، وله «حاشية مفيدة على العباب» .
قال الشيخ صالح النماري: ومن عجيب ما سمعته منه، أنه قال: طالعت
стр. 5183
جميع «الإيضاح شرح الحاوي» للناشري في ليلة واحدة وهو مجلدان ضخمان، وعلّقت من كل باب فائدة وهذا خرق عادة.
وقال الخولاني: سمعته يقول كانت الفوائد التي كتبتها تلك الليلة ثلاثة كراريس.
وكان مفرط الذكاء، يحفظ «الإرشاد» .
ومن نظمه:
ومذ كنت ما أهديت للحبّ خاتما ... ومسكا وكافورا ولا بست عينه
ولا القلم المبري أخشى عداوة ... تكون مدى الأيام بيني وبينه
ولا أعلم لهذه الخصال أصلا من كتاب ولا سنّة. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن الشّمس محمد بن القطب محمد بن السّراج البخاري الأصل المكي الحنفي [١] .
ولد بمكة في صفر سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، واشتغل بالعلم، فقرأ على السخاوي في «سنن أبي داود» و «الشفا» ودخل القاهرة مرارا، وسمع الحديث فيها على جماعة، منهم الحافظ الديمي، والجلال السيوطي، ولبس خرقة التصوف من بعض المشايخ، وولي المناصب الجليلة كالقضاء، والإمامة، والمشيخة، وأجازه بعضهم، وقرأ الكتب الستة وغيرها، وسمع كثيرا من الفقه والحديث، مع قوة حافظة، وحسن كتابة، وناطقة.
وتوفي بجدّة ظهر يوم السبت عاشر ربيع الثاني وحمل إلى مكّة فدفن بالمعلاة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن قطب الدّين محمد الصّفوري الصّالحي [٢] الشافعي الشيخ الفاضل.
стр. 5184
كان ذكيا، ينظم الشعر الحسن، وسمع على ابن طولون في الحديث، وأضرّ قبل بلوغه، وكان يقرأ في «البخاري» في المواعيد عن ظهر قلب بعد أن أضرّ.
وتوفي يوم الاثنين سادس عشر رجب ودفن عند جدّه بتربة السّبكيين.
وفيها عماد الدّين إسماعيل بن زين الدّين عبد الرحمن بن إبراهيم الذّنّابي الصّالحي الحنبلي [١] خطيب الجامع المظفّري.
سمع على أبي بكر بن أبي عمر [٢] ، وأبي عمر بن عبد الهادي، وأبي الفتح المزّي، وقرأ على ابن طولون في العربية.
وتوفي يوم السبت تاسع عشري شعبان، ودفن بوصية منه شمالي صفة الدعاء أسفل الرّوضة.
وفيها القاضي زين الدّين عبد الرحمن بن عبد الملك بن الموصلي الدمشقي الميداني الشافعي [٣] .
درّس بالجامع الأموي، والظاهرية الجوانية، والقيمرية الكبرى، وولي نيابة القضاء بالصالحية وغيرها، ثم ترك ذلك.
وتوفي يوم السبت مستهل ربيع الأول ودفن بزاويتهم بميدان الحصا.
وفيها عزّ الدّين عبد العزيز المقدسي الحنفي [٤] الضّرير الإمام العلّامة مفتي بلاد القدس وأحد الأصلاء بها.
كان يكتب عنه الفتوى ويناول [٥] الكاتب خاتمه ليختم على السّؤال خوفا من التدليس.
стр. 5185
وتوفي بالقدس في أواسط شوال.
وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن عثمان بن إسماعيل البابي الحلبي الحنبلي، المعروف بابن الدّغيم [١] .
قال ابن الحنبلي: ولى تدريس الحنابلة بجامع حلب، وكان هيّنا، لينا، صبورا على الأذى، مزوحا.
وتوفي يوم الجمعة ثاني عشر رمضان، ودفن بجوار مقابر الصالحين بوصيّة منه.
وفيها شرف الدّين أبو الوفاء وأبو السعادات قاسم بن خليفة بن أحمد بن محمد الحلبي الشافعي، المعروف بابن خليفة [٢] .
ولد بحلب ليلة عيد الأضحى سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ونشأ بها، وحمله والده على طلب العلم، واشترى له نفائس الكتب، فلزم كثيرا من العلماء، منهم البدر السيوفي، ومنلا عرب، والمظفّر بن علي الشّيرازي، والبرهان العمادي، وغيرهم.
وباشر في أول أمره صنعة الشهادة، وجلس بمكتب العدل خارج باب النصر، وولي إعادة العصرونية للبرهان العمادي ووظائف أخر [٣] ، واستنيب في الدولة العثمانية كثيرا في فسوخ الأنكحة، وجلس لتعاطي الأحكام الشرعية برهة من الزمان، وكان يخدم العلماء ويبذل المال في خدمتهم، وكان له تواضع، طارحا للتكلّف.
وتوفي بحلب في ذي الحجّة ودفن بمقبرة السيد علي بالهزازة، وما زال يقول في نزعه الله الله، حتى مات.
وفيها شمس الدّين محمد بن خليل بن علي بن عيسى بن أحمد بن