سنة ثمان وأربعين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن نجم الدّين محمد بن برهان الدّين إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن جماعة [١] الإمام العلّامة المحدّث المقدسي الشافعي.
ولد يوم الاثنين خامس عشر المحرم سنة سبعين وثمانمائة، وسمع على والده الكتب الستة وغيرها، وأجاز له البرهان بن قاضي عجلون، والتّقي الشّمنّي، والقاضي أبو العباس بن نصر الله، والتقي بن فهد، والشمس بن عمران، وأمين الدّين الأقصرائي، والشرف المناوي، والبدر بن قاضي شهبة، والجمال الباعوني وأخوه البرهان، وولي تدريس الصّلاحية ببيت المقدس سنين، ثم قطن دمشق، وحدّث بها كثيرا عن والده وغيره، وولي تدريس الشامية البرّانية سنين، ثم تدريس التقوية ونظرها، وسافر من دمشق فمات بقرية سعسع [٢] في آخر ليلة الثلاثاء خامس عشري شوال بعد أن بقي سنين مستلقيا على ظهره من زلقة حصلت له بسبب رش الماء بداخل دمشق، فانفك فخذه ولم يمكنه الصبر على علاجه لنحافة بدنه ولطف مزاجه، ثم حمل من سعسع وأعيد إلى دمشق، وغسّل بمنزله، ودفن بباب الصغير.
وفيها- تقريبا- برهان الدّين إبراهيم بن المبلط [٣] شاعر القاهرة من شعره في القهوة:
стр. 5182
يا عائبا لسواد قهوتنا التي ... فيها شفاء النّفس من أمراضها
أو ما يراها وهي في فنجانها ... يحكي سواد العين وسط بياضها
وفيها شهاب الدّين أحمد الطّيب بن شمس الدّين الطّنبذاوي البكري الصّدّيقي الشافعي [١] .
قال في «النور» : هو شيخ الإسلام الحبر الإمام، العارف بالله، القانت الأواه [٢] .
ولد بعد السبعين وثمانمائة تقريبا، وتفقه بالنّور السّمهودي، والقاضي أحمد المزجد وغيرهما.
وكان في أهل عصره بمنزلة الشمس من النجوم، وتميّز في معرفة المنطق والمفهوم، وكان شديد التصلب في الدّين والصّدع بالحقّ، لا يخاف في الله لومة لائم.
وكان يقول لتلميذه ابن زياد: أنتم نفعكم أحمد المزجد بلحظه [٣] ، ونحن بلحظه ولفظه.
وأخذ عنه خلق منهم شيخ الإسلام ابن زياد، والحافظ شهاب الدّين أحمد الخزرجي، والغريب الأكسع، وعبد الملك بن النّقيب، وعبد الرحمن البجلي، وصالح النماري، وغيرهم.
وانتهت إليه رئاسة الفتوى والتدريس، وانتفع به الخاص والعام.
ومن مصنّفاته «فتاوى» مشهورة عليها الاعتماد بزبيد، وشرح «التنبيه» في أربع مجلدات، وله «حاشية مفيدة على العباب» .
قال الشيخ صالح النماري: ومن عجيب ما سمعته منه، أنه قال: طالعت
стр. 5183
جميع «الإيضاح شرح الحاوي» للناشري في ليلة واحدة وهو مجلدان ضخمان، وعلّقت من كل باب فائدة وهذا خرق عادة.
وقال الخولاني: سمعته يقول كانت الفوائد التي كتبتها تلك الليلة ثلاثة كراريس.
وكان مفرط الذكاء، يحفظ «الإرشاد» .
ومن نظمه:
ومذ كنت ما أهديت للحبّ خاتما ... ومسكا وكافورا ولا بست عينه
ولا القلم المبري أخشى عداوة ... تكون مدى الأيام بيني وبينه
ولا أعلم لهذه الخصال أصلا من كتاب ولا سنّة. انتهى وفيها شهاب الدّين أحمد بن الشّمس محمد بن القطب محمد بن السّراج البخاري الأصل المكي الحنفي [١] .
ولد بمكة في صفر سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، واشتغل بالعلم، فقرأ على السخاوي في «سنن أبي داود» و «الشفا» ودخل القاهرة مرارا، وسمع الحديث فيها على جماعة، منهم الحافظ الديمي، والجلال السيوطي، ولبس خرقة التصوف من بعض المشايخ، وولي المناصب الجليلة كالقضاء، والإمامة، والمشيخة، وأجازه بعضهم، وقرأ الكتب الستة وغيرها، وسمع كثيرا من الفقه والحديث، مع قوة حافظة، وحسن كتابة، وناطقة.
وتوفي بجدّة ظهر يوم السبت عاشر ربيع الثاني وحمل إلى مكّة فدفن بالمعلاة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن قطب الدّين محمد الصّفوري الصّالحي [٢] الشافعي الشيخ الفاضل.
стр. 5184
كان ذكيا، ينظم الشعر الحسن، وسمع على ابن طولون في الحديث، وأضرّ قبل بلوغه، وكان يقرأ في «البخاري» في المواعيد عن ظهر قلب بعد أن أضرّ.
وتوفي يوم الاثنين سادس عشر رجب ودفن عند جدّه بتربة السّبكيين.
وفيها عماد الدّين إسماعيل بن زين الدّين عبد الرحمن بن إبراهيم الذّنّابي الصّالحي الحنبلي [١] خطيب الجامع المظفّري.
سمع على أبي بكر بن أبي عمر [٢] ، وأبي عمر بن عبد الهادي، وأبي الفتح المزّي، وقرأ على ابن طولون في العربية.
وتوفي يوم السبت تاسع عشري شعبان، ودفن بوصية منه شمالي صفة الدعاء أسفل الرّوضة.
وفيها القاضي زين الدّين عبد الرحمن بن عبد الملك بن الموصلي الدمشقي الميداني الشافعي [٣] .
درّس بالجامع الأموي، والظاهرية الجوانية، والقيمرية الكبرى، وولي نيابة القضاء بالصالحية وغيرها، ثم ترك ذلك.
وتوفي يوم السبت مستهل ربيع الأول ودفن بزاويتهم بميدان الحصا.
وفيها عزّ الدّين عبد العزيز المقدسي الحنفي [٤] الضّرير الإمام العلّامة مفتي بلاد القدس وأحد الأصلاء بها.
كان يكتب عنه الفتوى ويناول [٥] الكاتب خاتمه ليختم على السّؤال خوفا من التدليس.
стр. 5185
وتوفي بالقدس في أواسط شوال.
وفيها علاء الدّين علي بن محمد بن عثمان بن إسماعيل البابي الحلبي الحنبلي، المعروف بابن الدّغيم [١] .
قال ابن الحنبلي: ولى تدريس الحنابلة بجامع حلب، وكان هيّنا، لينا، صبورا على الأذى، مزوحا.
وتوفي يوم الجمعة ثاني عشر رمضان، ودفن بجوار مقابر الصالحين بوصيّة منه.
وفيها شرف الدّين أبو الوفاء وأبو السعادات قاسم بن خليفة بن أحمد بن محمد الحلبي الشافعي، المعروف بابن خليفة [٢] .
ولد بحلب ليلة عيد الأضحى سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ونشأ بها، وحمله والده على طلب العلم، واشترى له نفائس الكتب، فلزم كثيرا من العلماء، منهم البدر السيوفي، ومنلا عرب، والمظفّر بن علي الشّيرازي، والبرهان العمادي، وغيرهم.
وباشر في أول أمره صنعة الشهادة، وجلس بمكتب العدل خارج باب النصر، وولي إعادة العصرونية للبرهان العمادي ووظائف أخر [٣] ، واستنيب في الدولة العثمانية كثيرا في فسوخ الأنكحة، وجلس لتعاطي الأحكام الشرعية برهة من الزمان، وكان يخدم العلماء ويبذل المال في خدمتهم، وكان له تواضع، طارحا للتكلّف.
وتوفي بحلب في ذي الحجّة ودفن بمقبرة السيد علي بالهزازة، وما زال يقول في نزعه الله الله، حتى مات.
وفيها شمس الدّين محمد بن خليل بن علي بن عيسى بن أحمد بن
стр. 5186
صالح بن خميس بن محمد بن عيسى بن داود بن مسلّم الصّمادي ثم الدمشقي القادري [١] الشيخ الصّالح المعتقد المسلّك المربّي، ولي الله تعالى، العارف به، شيخ الطائفة الصّمادية بالشام.
كان من أولياء الله تعالى، تظهر منه في حال الذكر أمور خارقة للعادة، وكانت عمامته وشدّه من صوف أحمر، وله مجالسة حسنة وللناس فيه اعتقاد، خصوصا أعيان الأروام، وسافر إلى الرّوم، واجتمع بالسلطان سليم فاعتقده اعتقادا زائدا، وأعطاه قرية كتيبة رأس الماء، ثم استقرّ الأمر على أن عيّن له قرية كناكر تابع وادي العجم، وغلالها إلى الآن تستوفيه الصمادية بعضه لزاوية الشيخ محمد المذكور بمحلّة الشاغور، وبعضه لذريّته.
واشتهر أمره وأمر آبائه من قبل بدق الطبول عند هيمان الذّاكرين واشتداد الذكر، واستفتي فيه ابن قاضي عجلون، والشمس بن حامد، والبدر الغزّي فأفتوا بإباحته قياسا على طبل الحجيج وطبل الحرب.
قال في «الكواكب» : وبالجملة إن مجالسهم مهيبة عليها الوقار والأنس، تخشع القلوب لسماع طبولهم وإنشادهم، خالون عن التصنّع، واشتهرت عن بعض آباء صاحب الترجمة قصة عجيبة هي أن جماعة الصمادية كانوا يضربون الطبول قديما بين يدي الشيخ في حلقتهم يوم الجمعة بعد الصلاة، فأمر بعض الحكّام بمنعهم من ذلك، فأخرج الطبل إلى خارج الجامع فدخل الطبل محمولا يضرب عليه، ولا يرون له حاملا، ولا عليه ضاربا، واستمر في هواء الجامع من باب البريد حتى انصدم ببعض عواميد الجامع مما يلي باب جيرون.
وتوفي المترجم يوم الجمعة خامس عشري جمادي الأولى، ودفن بإيوان زاويته، وخلّف ثمانية عشر ولدا ذكورا وإناثا، ودنيا عريضة. انتهى ملخصا وفيها القاضي شمس الدّين محمد بن رجب البهنسي الحنفي [٢] والد الشيخ نجم الدّين البهنسي مفتي الحنفية بدمشق.
стр. 5187
قال ابن طولون: كان نقيب الحكم، ثم فوض إليه قاضي قضاة الحنفية زين الدّين بن يونس نيابة القضاء.
وتوفي يوم الأربعاء عشري رجب.
وفيها القاضي كمال الدّين محمد بن قاضي القضاة قطب الدّين محمد بن محمد الخيضري الدمشقي الشافعي [١] .
ولي القضاء بميدان الحصا وغيره في أيام قاضي دمشق ابن إسرافيل، وكان عنده حشمة وفضيلة، وكان أحد المدرّسين بالجامع الأموي إلّا أنه كان يستعمل الأفيون. وكان في الغالب مستغرقا، وربما حدث له ذلك وهو ماش في الطريق، فدخل يوم السبت مستهل ربيع الثاني إلى ميضأة العنبرانية بالقرب من الجامع الأموي لقضاء الحاجة وأغلق عليه الباب، فكأنه سرد على عادته فسقط على رأسه في الخلا، فلما أحسوا به أخرجوه فخرجت روحه في الحال، فحمل إلى بيته فغسّل وكفّن، وصلّي عليه بالأموي، ودفن بمقبرة باب الصغير. قاله في «الكواكب» .
стр. 5188
سنة تسع وأربعين وتسعمائة
فيها توفي قاضي القضاة شهاب الدّين أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتّوحي الحنبلي، المعروف بابن النّجار [١] الإمام العلّامة، شيخ الإسلام.
ولد سنة اثنتين وستين وثمانمائة، ومشايخه تزيد على مائة وثلاثين شيخا وشيخة.
وكان عالما، عاملا، متواضعا، طارحا للتكلّف سمع منه ابن الحنبلي حين قدم حلب مع السلطان سليم سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة «المسلسل بالأولية» وقرأ عليه في الصّرف، وأجاز له، ثم أجاز له بالقاهرة إجازة ثانية بجميع ما تجوز له وعنه روايته بشرطه كما ذكره في «تاريخه» .
وقال في «الكواكب» : ذكر والد شيخنا أنه لما دخل دمشق صحبة الغوري هو وقاضي القضاة [كمال الدّين الطّويل الشافعي، وقاضي القضاة] [٢] عبد البرّ بن الشحنة الحنفي، وقاضي القضاة المالكي، هرع إليهم جماعة للأخذ عنهم لعلو أسانيدهم، وكان ذلك في أوائل جمادي الأولى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة.
وذكر الشعراوي: أن صاحب الترجمة لم يل القضاء إلّا بعد إكراه الغوري له المرة بعد الأخرى، ثم ترك القضاء في الدولة العثمانية وأقبل على العبادة، وأكبّ
стр. 5189
على الاشتغال في العلم حتّى كأنه لم يشتغل بعلم قطّ، مع أنه انتهت إليه الرئاسة في تحقيق نقول مذهبه وفي علوم، السّنّة في الحديث، والطب، والمعقولات، وكان في أول عمره ينكر على الصوفية، ثم لما اجتمع بسيدي على الخوّاص وغيره أذعن لهم، واعتقدهم، وصار بعد ذلك يتأسف على عدم اجتماعه بالقوم في أول عمره، ثم فتح عليه في الطريق وصار له كشف عظيم قبل [١] موته.
وتوفي بمصر. انتهى وفيها بدر الدّين حسن بن علي الطّبراني [٢]- من بلدة عند بركة طبرية- الشافعي المقرئ، نزيل دمشق.
حفظ القرآن العظيم بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، ثم تلاه بعدة روايات على الشيخ علاء الدّين القيمري، واشتغل بالنحو على ابن طولون، وتسبّب بقراءة الأطفال في مكتب عزّ الدّين غربي المدرسة المذكورة، وصلّى عدة ممن [٣] أقرأه بالقرآن، وكان أحد شقّيه بطّالا، لا يمشي إلّا بعكاز.
وتوفي ليلة الأحد ليلة عيد الفطر.
وفيها عرفة القيرواني المغربي [٤] المالكي، العارف بالله تعالى، شيخ سيدي علي بن ميمون، وسيدي أحمد بن البيطار.
من كراماته ما حكاه سيدي محمد بن الشيخ علوان في كتابه «تحفة الحبيب» أن سلطان المغرب كان قد حبسه بنقل واش كاذب، فوضعه في السجن، وقيّده بالحديد، فكان الشيخ عرفة إذا حضر وقت من أوقات الصلوات أشار إلى القيود فتساقط، فيقوم ويصلي، فقال له بعض من كان معه في السجن: إذا كان مثل هذا المقام لك عند الله فلأي شيء ترضى ببقائك في السجن، فقال: لا يكون خروجي
стр. 5190
إلّا في وقت معلوم لم يحضر إلى الآن، واستمر على حاله حتّى رأى سلطان المغرب رسول الله ﷺ فقال له: «عجّل بإطلاق عرفة من السّجن مكرّما، وإيّاك من التّقصير، تكن مغضوبا عليك فإنّه من أولياء الله تعالى» [١] فلما أصبح أطلقه مكرّما مبجّلا، رحمه الله تعالى.
وفيها علاء الدّين علي بن حسن بن أبي مشعل الجراعي ثم الدمشقي [٢] الشافعي، المشهور بالقيمري لكونه كان يسكن بمحلّة القيمرية تجاه القيمرية الكبرى.
كان إماما، مقرئا، علّامة. قرأ في علم القراآت على الشمس بن الملّاح، وفيه وفي العربية على الجمال البويضي، وتفقّه بالتّقي القاري، وأجازه بالتدريس والإفتاء، وأمّ للشافعية بالأموي.
توفي شهيدا بعلّة البطن يوم السبت حادي عشري جمادى الأولى، ودفن بوصية منه في باب الصغير إلى جانب أخ له في الله صالح.
وفيها قاضي علي بن عبد اللطيف بن قطب بن عبد الله بن محمد بن محمد بن أحمد الحسيني القزويني الشافعي، المعروف بقاضي علي [٣] .
كان من بيت علم وقضاء، وولي قضاء قزوين، ثم تركه، وكتب على الفتوى، ثم دخل بلاد الشام، وحجّ، وأخذ الحديث عن التّقي القاري وغيره، ثم عاد إلى بلاده، فدخل حلب، فاستجازه ابن الحنبلي فأجاز له.
وتوفي ببلاده في هذه السنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن شعبان بن أبي بكر بن خلف بن موسى
стр. 5191
الضّيروطي المصري الشافعي، المشهور بابن عروس [١] الإمام العلّامة.
ولد سنة سبعين وثمانمائة بسندبون تجاه ضيروط، وأخذ العلم عن الشّهاب بن شقير المغربي التّونسي، وعن النور المحلّي، وأجاز له تدريس العلوم المتعارفة لتضلعه منها، وصحب سيدي الشيخ أبا العون المغربي ودعا له، وقرأ «ثلاثيات البخاري» على أمة الخالق بنت العقبي بحقّ إجازتها من عائشة بنت عبد الهادي، عن الحجّار.
وكان ذكيا، متواضعا، طارحا للتكلّف، يصل إلى المدارك الدقيقة بفهم ثاقب، وكان يحفظ كتبا كثيرة يسردها عن ظهر قلب، حتى كأنها لم تغب عنه، وجمع الله له بين الحفظ والفهم.
وكان مدرّسا بمقام الإمام الشافعي بمصر، فأخذه عنه رجل أعجمي، فرحل إلى الرّوم واستردّه مضموما إليه تدريس الخشابية بمصر المشروطة لأعلم علماء الشافعية، ودخل في رحلته إلى الرّوم دمشق وحلب، وأخذ عنه بهما جماعة من أهلهما، منهم ابن الحنبلي، وأجازه بسائر مروياته، ثم دخل دمشق ثانيا في العود واجتمع بأعيان علمائها، وأضافوه، وأكرموه، وشهدوا له بالفضل الباهر.
وتوفي بالقاهرة ليلة الجمعة سابع عشري شوال.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن الصّهيوني الشافعي [٢] الإمام العلّامة، خطيب جامع الأطروش بطرابلس.
توفي بها [٣] في ذي القعدة.
وفيها هداية الله بن بار علي التّبريزي الأصل القسطنطيني الحنفي [٤] ، أحد موالي الرّوم.
стр. 5192
كان فصيحا، مقتدرا على التعبير بالعربية، يغلب عليه علم الكلام، ويميل إلى اقتناء الكتب النّفيسة.
وكان عارفا بالأصلين، والفقه، مشاركا في غيرهما. قرأ على المولى بير أحمد، والمولى محيي الدّين الفناري، وابن كمال باشا، وغيرهم. ثم تنقّل في المدارس إلى أن أعطي قضاء مكّة، فقدم حلب ودمشق ذاهبا إليها سنة ست وأربعين، ثم رحل من مكة إلى مصر، وترك القضاء لعلّة ألمت به بعينيه، وأخذ في علاجها بمصر فلم يبرأ، فبقي بها إلى أن مات.
وفيها- تقريبا- شرف الدّين يحيى الرّهاوي المصري الحنفي [١] الإمام العلّامة.
كان نازلا بدمشق، وسافر مع الشيخ الضّيروطي إلى مصر سنة اثنتين وأربعين، وتوفي بها.
وفيها جمال الدّين يوسف بن يحيى الجركسي الحنفي، ابن الأمير محيي الدّين بن الأمير أزبك الفاضل [٢] .
قرأ شرحي الشيخ خالد على «الجرومية» و «القواعد» على ابن طولون، ثم أخذ في حلّ «الألفية» عليه، وكتب له «إجازة» وحلّ «الكنز» على القطب بن سلطان، ثم عرض له السفر إلى مصر لأجل استحقاقه في وقف جدّه، فتوفي بها غريقا، ودفن بتربة جدّه المنسوبة [٣] إليه الأزبكية [خارج مصر] .
стр. 5193
سنة خمسين وتسعمائة
فيها توفي المولى أحمد بن المولى حمزة الرّومي الحنفي، المعروف بعرب چلبي [١] العالم الفاضل.
اشتغل، وحصّل، وخدم ابن أفضل زاده، ثم رحل إلى مصر في دولة السلطان بايزيد، وقرأ على علمائها في الكتب الستة، والتفسير، والفقه، والأصول، والهندسة، والهيئة، وقرأ «المطول» بتمامه، وأجازوه، ودرّس بمصر، وأقرأ «المطول» و «المفصّل» ثم عاد إلى بلاد الرّوم فبنى له الوزير قاسم باشا مدرسة بالقرب من مدرسة أبي أيوب الأنصاري، ودرّس بها مدة عمره.
وكان أكثر اشتغاله [٢] بالفقه، و «تفسير البيضاوي» .
وكان عالما، عابدا، صحيح العقيدة، حسن السّمت، انتفع به كثير من الناس، رحمه الله تعالى.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن حمزة القلعي الحلبي [٣] الحنفي ثم الشافعي، المشهور بابن قيما.
اعتنى بالقراءات، وتزوج بابنة الشيخ نور الدّين البكري الشافعي خطيب المقام، فانتقل إلى مذهبه، فصار شافعيا بعد أن كان حنفيا هو وأبوه، وقرأ عليه
стр. 5194
بحلب، وأخذ أيضا بالقاهرة عن النّشّار المقري صاحب التآليف المشهورة.
وتوفي بحلب في أوائل ذي الحجّة.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الحقّ بن محمد السّنباطي المصري الشافعي [١] الواعظ بالجامع الأزهر، الإمام العالم العلّامة.
أخذ عن والده وغيره، وكان معه بمكّة في مجاورته بها سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، ووعظ بالمسجد الحرام في حياة أبيه، وفتح عليه في الوعظ حينئذ، وهو الذي تقدّم للصلاة على والده حين توفي بمكة.
قال الشعراوي: لم نر أحدا من الوعّاظ أقبل عليه الخلائق مثله.
وكان إذا نزل عن الكرسي يقتتل الناس عليه.
قال: وكان مفنّنا في العلوم الشرعية، وله الباع الطويل في الخلاف ومذاهب المجتهدين.
وكان من رؤوس أهل السّنّة والجماعة، واشتهر في أقطار الأرض كالشام، والحجاز، واليمن، والرّوم، وصاروا يضربون به المثل، وأذعن له علماء مصر الخاص منهم والعام، وولي تدريس الخشابية بمصر بعد الضّيروطي، وهي مشروطة لأعلم علماء الشافعية كالشامية، البرانية بدمشق، وكان يقول بتحريم قهوة البن، ثم انعقد الآن الإجماع على حلّها في ذاتها.
وتوفي في أواخر صفر.
قال الشعراوي: ولما مات أظلمت مصر لموته، وانهدم ركن عظيم من الدّين، ومات رأيت في عمري كلّه أكثر خلقا من جنازته إلّا جنازة الشّهاب الرّملي.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الله بن عبد القادر البغدادي الأصل الصّالحي الحنفي، الشهير بابن الحصري [٢] .
стр. 5195
قال ابن طولون: هو أخونا وابن شيخنا، العلّامة جمال الدّين، حفظ القرآن و «المختار» وغيرهما، وسمع الحديث على شيخنا ابن عبد الهادي، وأخيه الشّهاب أحمد، وولده [١] ، واشتغل، وحصّل، وألّف، ثم سلك طريق السّلف الصّالح، وحضر كثيرا عندي.
وتوفي ليلة الأحد خامس عشر رجب عن نحو خمس وستين سنة، ودفن عند والده- أي بسفح قاسيون- لصيق تربة العمّ من جهة الشرق. انتهى وفيها المولى إسحاق الرّومي [٢] أحد موالي الرّوم الطبيب.
كان نصرانيا طبيبا، وكان يعرف علم الحكمة معرفة تامة، وقرأ على المولى لطفي التّوقاتي المنطق، والعلوم الحكمية، وباحث معه فيها، ثم انجرّ كلامهم إلى العلوم الإسلامية، وقرّر عنده حقيقة الإسلام فاعترف وأسلم، ثم ترك الطّب، واشتغل بتصانيف الإمام حجّة الإسلام الغزّالي، والإمام فخر الدّين الرازي، وداوم على العمل بالكتاب والسّنّة، وصنّف شرحا على «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة، ﵁.
وفيها الشيخ شيخ بن إسماعيل بن إبراهيم بن الشيخ عبد الرحمن السّقاف اليمني [٣] السيد الجليل، صاحب الكرامات الخارقة والآيات الصادقة.
كان من كبار مشايخ اليمن، حكي عنه أنه قيل له هاهنا رجل تحصل له حالة عظيمة عند السماع، فقال: ليس الرجل الذي يحتاج إلى محرك يحركه، إنما الرجل الذي لا يغيب عنه الشهود حتى في حالة الجماع فضلا عن غيره.
توفي بالشّحر [٤] ودفن بها.
стр. 5196
وفيها عبد الرحمن المناوي المصري [١] ، الشيخ، الصّالح، العالم، العابد، الورع، أحد تلامذة سيدي محمد الشّناوي.
كان- ﵁ جميل الأخلاق، كريم النّفس، حمّالا للأذى، صبّارا على البلاء، كثير الحياء، لا يكاد يرفع بصره إلى السماء، ولا إلى جليسه.
أقام في طنتدا، ثم انتقل إلى الجامع الأزهر، فأقام به مدة، وانتفع به خلائق، ثم رجع إلى بلده المناوات، ومات بها.
وفيها زين الدّين عبد اللطيف بن علم الدّين سليمان بن أبي كثير المكّي [٢] الإمام العلّامة.
قدم دمشق وأقام بها مدة، وقرأ «الشفا» على الشمس بن طولون الصّالحي في مجلسين في رجب، سنة ثمان وثلاثين، ثم سافر إلى السلطان سليمان حين كان ببغداد، فولّاه قضاء مكّة عن البرهان بن ظهيرة، وأضيف إليه قضاء جدّه، ونظر الحرم الشريف، ثم رجع إلى دمشق، وتوجه إلى مكّة مع الحاج هو والشيخ أبو الفتح المالكي، وتوفي بها.
وكان له شعر حسن منه الموشح المشهور في القهوة الذي مطلعه:
قهوة البن مرهم الحزن ... وشفا الأنفس
فهي تكسو شقائق الحسن ... من لها يحتسي
وقد عارضه الشيخ أبو الفتح المالكي المغربي بموشح على وزنه وقافيته.
وفيها عبد اللطيف بن عبد المؤمن بن أبي الحسن الخراساني الجامي الأحمدي [٣] الهمداني الطريقة، العارف بالله تعالى.
стр. 5197
خرج من بلاده يريد الحجّ في جمّ غفير من مريديه، فدخل القسطنطينية في دولة السلطان سليمان، فأكرم مثواه هو وأركان دولته، وتلقّن السلطان منه الذّكر، ثم دخل حلب وقرأ بها الأوراد الفتحية على وجه خشعت له القلوب وذرفت منه العيون.
قال ابن الحنبلي: وسألته عن وجه قوله في نسبته الأحمدي، فقال: هي نسبة إلى جدّي مير أحمد أحد شيوخ جام في وقته. قال: ونسبي متصل بجابر بن عبد الله البجلي.
قال: واستخبرته عن شيخه في الطريق فقال: هو حاجي محمد الجوشاني.
قال وسألته تلقين الذكر فلقّنني إيّاه. وكتب لي دستور العمل، ولكن بالفارسية، ثم حجّ، وتوجه إلى بلاده، وتوفي ببخارى.
قال ابن الحنبلي: وكان محدّثا، مفسّرا، مستحضرا للأخبار، معدودا من أرباب الأحوال، والصواب أنه توفي سنة ثلاث وستين [١] .
وفيها عبد اللطيف الخراساني الحنفي [٢] العالم العلّامة.
دخل دمشق سنة تسع وثلاثين حاجّا، فنزل بالصالحية، وظهر علمه وعمله خصوصا في التفسير.
وفيها عيسى باشا بن إبراهيم الرّومي [٣] الحنفي أمير أمراء دمشق.
كان له أولا اشتغال بالعلم، وصار مدرّسا بعدة مدارس، حتى اتصل إلى إحدى الثمان، ثم صار موقّعا بالديوان السّلطاني، ثم ولي الإمارة في بعض البلاد، ثم إمارة حلب فأحسن فيها السيرة، ثم إمارة دمشق وعزل منها ثم أعيد إليها ورسخ فيها.
стр. 5198
وكان عالما بعدة من العلوم، ولم يترك المطالعة أيام الإمارة.
وكان له حسن أدب ولطف معاشرة، إلّا أنه كان إذا اشتد غضبه خمش يديه فيدميها وهو لا يدري، وأبطل كثيرا من الظّلامات، وعاش أهل القرى أيام ولايته عيشة طيبة.
وكان مكرما لأهل العلم ومشايخ الصوفية، ولبس الخرقة القادرية من الشيخ حسن الكيلاني لما قدم دمشق.
[وتوفي بدمشق] [١] في يوم الأحد تاسع صفر، وأوصى أن يلقّن فلقّته الشيخ أبو الفتح المالكي، وأوصى أن يسحب على الأرض قبل الدفن إلى قبره تعزيرا لنفسه، فحمل سريره إلى الصالحية، فلما قرّب من قبره سحب على الأرض قليلا تنفيذا لوصيته، ودفن في حوش الشيخ محيي الدّين [بن] العربي عند شبّاكه الشرقي بوصيّة منه.
وفيها قطب الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر بن سلطان الدمشقي الصّالحي الحنفي [٢] شيخ الإسلام، مفتي بلاد الشام، الإمام العلّامة.
ولد ليلة ثاني عشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وأخذ عن القاضي عبد البرّ بن الشّحنة وغيره، وكان بيده تدريس القصّاعية المختصة بالحنفية، وتدريس الظاهرية التي هي مسكنه، والنظر عليها.
وكان له تدريس في الجامع الأموي، وغير ذلك من المناصب العليّة.
وولي القضاء بمصر في زمن الغوري نيابة عن شيخه ابن الشّحنة، وكفّ بصره من بعد مع بقاء جمال عينيه، بحيث يظن أنهما بصيرتان.
وكان حسن الوجه والذات، جليل المقدار، مهيبا، معظّما، نافذ الكلمة عند الدولة، يردون إليه الأمراء في الفتوى، ماسك زمام الفقهاء، وكان يملي من يكتب
стр. 5199
الجواب على الأسئلة التي ترفع إليه، واتخذ ختما منقوشا يختم به على الفتوى خوفا من التلبيس عليه.
وكان يقول بتحريم القهوة.
وصنّف مؤلفا في الفقه، ورسالة في تحريم الأفيون و «البرق اللامع في المنع من البركة في الجامع» وغير ذلك.
وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشري ذي القعدة ودفن داخل تربة القلندرية من باب الصغير في بيت مسقف معدّ للعلماء والصلحاء من الموتى.
وفيها نجم الدّين محمد بن أحمد بن عمر البابي الحلبي الشافعي، المعروف في مدينة الباب بابن صليلة، وفي حلب بالنّجم الإمام [١] لأنه كان إماما لخير بك الأشرفي كافل حلب، الإمام الفقيه الأصولي الخطيب ابن الخطيب.
كانت له قراءة حسنة وصوت جهوري.
وتوفي في أواخر [ذي] الحجة.
وفيها المولى محيي الدّين محمد بن عبد الله، أحد موالي الرّوم الحنفي، الشهير بمحمد بيك [٢] .
كان من مماليك السلطان أبي يزيد، ورغب في العلم، وترك طريق الإمارة، وقرأ على جماعة، منهم المولى مظفّر الدّين العجمي، والمولى محيي الدّين الفناري، وغيرهما. ثم خدم ابن كمال باشا، وصار معيدا لدرسه، ثم تنقّل في المدارس، ثم اختل دماغه، ثم برئ، فسافر إلى مصر في البحر، فأسرته النصارى، فاشتراه بعض أصدقائه منهم، ثم عاد إلى قسطنطينية، فأعطاه السلطان سليمان سلطانية بروسا، ثم مدرسة أبي يزيد خان بأدرنة، ثم قضاء دمشق، فدخلها حادي عشر صفر سنة ست وأربعين، وعزل عنها في صفر سنة تسع وأربعين، فعاد
стр. 5200
إلى الرّوم، واختل مزاجه غاية الاختلال، وأعطي في أثناء المرض قضاء مصر فسافر إليها في أيام الشتاء، فأدركته المنية في الطريق.
وكان محبّا للعلم وأهله وللصوفية، وله مهارة في العلوم العقلية ومعرفة بالعلوم الرياضية، وله تعليقات على بعض الكتب.
وتوفي في بلدة كوتاهية.
وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن حسن [١] بن محمد [١] الرّعيني [٢] الأندلسي الأصل الطرابلسي المولد المالكي، نزيل مكّة، ويعرف هناك كسلفه بالحطّاب، ويتميّز عن شقيق له أكبر منه اسمه محمد أيضا بالرّعيني، وذلك بالحطّاب، ويعرف في مكّة بالطرابلسي.
ولد في صفر سنة إحدى وستين وثمانمائة بطرابلس، ونشأ بها، فحفظ القرآن و «الرائية» و «الجزرية» وتفقه فيها يسيرا على محمد القابسي، وعلى أخيه، ثم تحوّل مع أبويه وأخيه وجماعتهم إلى مكة سنة سبع وسبعين، فحجّوا ورجعوا، وقد توفي بعضهم، فأقاموا بها سنين، ومات كل من أبويه في أسبوع واحد في ذي الحجّة سنة إحدى وثمانين بالطّاعون، واستمر هو وأخوه بها إلى أن عادا لمكّة في موسم سنة أربع وثمانين، فحجّا، ثم جاورا بالمدينة النبوية التي تليها، وعاد الأخ بعد حجّه منها إلى بلاده وهو إلى المدينة، وقرأ على الشمس العوفي في العربية، وعلى السّراج معمر في الفقه وغيره، وعاد لمكة فلازم الشيخ موسى الحاجبي، وقرأ فيها القراآت على موسى المراكشي، وصاهر ابن حزم على ابنته، وسمع من الحافظ السخاوي، كل ذلك مع الفاقة والعفّة، ونعم الرجل كان.
قال جار الله ابن فهد: وقد فتح الله عليه في آخر عمره وصار من المعتقدين في العلم والدّين، وظهر له ثلاثة من الأولاد هم الجمال محمد، وزيني بركات، والشّهاب أحمد، وزوجهم في حياته، ورأى أولادهم، مع نجابتهم، وصار أكثرهم من المفتين والمدرّسين بحرم الله الأمين، وانقطع بمنزله عدة سنين، وهو يدرّس
стр. 5201
فيه، ورتّب له مرتّب في الجوالي، واعتقده الناس في الآفاق، وقصد بالفتوحات والودائع، وناله الضّرر من الدولة بسببها وهو متقنع متعفّف مجتهد في عمارة الأوقاف التي تحت نظره، وكذلك ولده الأكبر، وتحمّل لذلك كثيرا من الديون، وقاسى شدّة في مرضه حتى.
توفي ليلة السبت ثاني عشر صفر عن تسعين سنة.
وفيها شمس الدّين محمد بن عبدو الشيخ الصّالح الزاهد المعمّر الخاتوني [١] الأردبيلي [٢] الخرقة الحنفي.
ولد بسرة الفرات في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثمانمائة وحملته أمه إلى الشيخ محمد الكواكبي الحلبي، فأمر خليفته الشيخ سليمان العيني أن يربيه، ولم يزل يتعاطى الذكر والفكر، حتى فتح عليه، وكان يتردّد إليه الزوّار فلا يرى نفسه إلا ذليلا، ولا يطلب أحد منه الدّعاء إلا سبقه إلى طلبه منه.
وكان زاهدا، متعففا عما في أيدي الناس، وعن أموال عظيمة، كانت تدفعها إليه الحكام، وكان يؤثر العزلة، وشاع عنه أنه كان ينفق من الغيب، وكانت مكاشفاته ظاهرة، وكان كثيرا يقول لست بشيخ ولا خليفة.
وتوفي بحلب في أواخر شوال.
وفيها المولى محيي الدّين محمد بن مصطفى القوجوي [٣] الحنفي الإمام العلّامة.
اشتغل، وحصّل، ثم خدم المولى ابن فضل الدّين، ثم درّس بمدرسة خواجه خير الدّين بالقسطنطينية، ثم آثر العزلة، فترك التدريس، وتقاعد بخمسة عشر عثمانيا، وكان يستكثرها على نفسه، ويقول: يكفيني منها عشرة، ولازم بيته، وأقبل على العلم والعبادة.
стр. 5202
وكان متواضعا يحبّ أهل الصلاح، [وكان يشتري حوائجه من السوق بنفسه مع رغبة الناس في خدمته فلا يرضى إلّا بقضائها بنفسه تواضعا وهضما للنفس] [١] وكان يروي التفسير في مسجده، فيجتمع إليه أهل البلد يسمعون كلامه، ويتبرّكون بأنفاسه، وانتفع به كثيرون، وكان يقول: إذا شككت في آية من القرآن أتوجه إلى الله تعالى فيتسع صدري، حتى يصير قدر الدنيا ويطلع فيه قمران لا أدري هما أي شيء، ثم يظهر نور فيكون دليلا إلى اللوح المحفوظ، فاستخرج منه معنى الآية.
وممن أخذ عنه صاحب «الشقائق» قال: وهو من جلّة من افتخرت به، وما اخترت منصب القضاء إلّا بوصية منه، وله «حواش على البيضاوي» جامعة لما تفرّق من الفوائد في كتب التفسير سهلة قريبة، وشرح على الوقاية في الفقه، و «شرح الفرائض السراجية» و «شرح المفتاح للسكاكي» و «شرح البردة» .
وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد بن يوسف الحريري الأنطاكي ثم الحلبي [٢] ، الحنفي، عرف بابن الحمصاني.
ولد بأنطاكية سنة تسعين وثمانمائة، وجوّد القرآن على الشيخ محمد الداديخي وغيره، وقرأ «الجزرية» على البدر السّيوفي، وغيره و «السراجية» على الزين بن فخر النساء، وسمع عليه صدر الشريعة، وقرأ على الشيخ عبد الحق السّنباطي كتاب «الحكم» لابن عطاء الله، وأجاز له إسماعيل الشّرواني، وابن فخر النّساء، وحجّ أربع مرات، منها ثنتان في المجاورة، وزار بيت المقدس، ودخل القاهرة وغيرها، وطاف البلاد، واجتمع بمشاهير العلماء، والصوفية، ثم قطن بعد أسفاره العديدة المديدة بحلب، وصحب بها ابن الحنبلي، ثم توفي بالرّملة.
وفيها المولى محمد، المعروف بشيخي چلبى [٣] أحد موالي الرّوم.
كان فاضلا، ذكيا، متواضعا، محبا لأهل الخير، خدم المولى محيي الدّين
стр. 5203
الفناري، ثم المولى بالي الأسود، ثم درّس بمدرسة مولانا خسرو، ثم بمدرسة ابن ولي الدّين، ثم بمدرسة بيري باشا، ثم بأبي أيوب ثم بإحدى الثمان، ومات على ذلك.
وفي حدودها المولى محمد، وقيل: مصطفى، الشهير بمرحبا [١] أحد الموالي الرّومية.
كان يعرف بابن بيري محمد چلبي، وكان محقّقا مدقّقا، محبا للفقراء.
قرأ على المولى ركن الدّين بن زيرك، والمولى أمير جلبي، ثم خدم المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس، حتى درّس بإحدى الثمان، ثم صار قاضيا بدمشق، فدخلها في رابع عشري محرم سنة خمس وأربعين، وعزل عنها في عشري ذي القعدة من السنة المذكورة، وأعطى قضاء بروسا، ومات وهو قاض بها.
وفيها السيد الشريف محمود العجمي الشافعي [٢] العلّامة مدرّس الأتابكية بصالحية دمشق.
وكان مقيما بالبادرائية داخل دمشق، وكان مقصدا للطلبة ينتفعون به، وكانت له يد طولى في المعقولات.
وتوفي يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر، ودفن بباب الصغير.
стр. 5204
سنة إحدى وخمسين وتسعمائة
فيها توفي الشيخ شهاب الدّين أحمد بن محمد بن داود المنزلاوي الشافعي [١] ، الشيخ الصّالح الزّاهد الورع.
كان محدّثا، فقيها، صوفيا، كريما، يخدم الفقراء بنفسه- كما كان والده- ويقري الضيوف، وتظهر عليه خوارق في ذلك، فربما يجعل الماء والأرز في القدر، فيجعل الله فيه الدسم من لبن وغيره، حتى يقول الضيف: ما ذقت ألذّ منه، وربما ملأ الإبريق من البئر شيرجا أو عسلا.
وكانت له هيبة عند الحكّام، وكان قائما بشعار السّنّة في بلاد المنزلة ودمياط، بحيث لا يقدر أحد أن يتظاهر فيهما بمعصية أو ترك صلاة.
توفي بالمنزلة عن نيّف وثمانين سنة، ودفن عند والده.
وفيها- تقريبا- شهاب الدّين أحمد بن العلّامة سراج الدّين عمر البارزي الحموي الشافعي [٢] المعمّر الإمام الفاضل.
وفيها أمير شريف العجمي المكّي [٣] العلّامة في الطبّ.
قدم دمشق سنة تسع وأربعين وتسعمائة، متوجها إلى الرّوم.
стр. 5205
قال ابن طولون: وبلغني أنه شرح «رسالة الوجود» للسيد الشريف، وشرح «الفصوص» [١] للمحيي الدين العربي. انتهى.
وفيها بدر الدّين حسن بن إسكندر بن حسن بن يوسف بن حسن النّصيبي الحلبي، ثم المصري [٢] الضّرير الشافعي، المعروف بالشيخ حسن.
ولد سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وكان عالما بارعا في الفقه، والقراآت، والنحو، والتجويد.
قال الشعراوي: شيخي وقدوتي إلى الله تعالى، العلّامة الورع الزّاهد.
كان عالما، عاملا، حافظا لمتون الكتب الشرعية وآلاتها على ظهر قلب، حافظا للسانه، ملازما لشأنه، مواظبا على الطهارة الظّاهرة والباطنة، غزير الدمعة، لا يسمع آية أو حديثا أو شيئا من أحوال الساعة وأهوال يوم القيامة إلّا بكى، حتى أرحمه من شدة البكاء.
قال: وكان كريم النّفس، جميل المعاشرة، أمّارا بالمعروف، لا يداهن أحدا في دين الله تعالى، وهو أكثر أشياخي [٣] نفعا لي، قرأت عليه القرآن، و «المنهاج» و «الألفية» و «الشاطبية» و «التوضيح» و «جمع الجوامع» و «تلخيص المفتاح» و «قواعد الإعراب» .
وتوفي بمصر ودفن خارج باب النصر. انتهى ملخصا وفيها المولى عبد العزيز بن زين العابدين الحنفي [٤] أحد موالي الرّوم، الشهير بابن أم ولد شهرة جدّه لأمّه.
стр. 5206
اشتغل بالعلم، وحصّل، واتصل بخدمة المولى ابن المؤيد، ودرّس بمدرسة داود باشا بالقسطنطينية، ثم بدار الحديث بأدرنة، ثم ولي قضاء حلب، ثم صار مفتيا ومدرّسا بأماسية، ثم ترك المناصب، وتقاعد، فعيّن له كل يوم سبعون عثمانيا.
وكان عالما، كاملا، شاعرا، لطيفا.
ومن شعره ما كتبه على وثيقة وهو قاض بمغنيسا:
هذه حجّة مبانيها [١] ... أسست بالوثاق تأسيسا
صحّ عندي جميع فحواها ... لن ترى في السطور تلبيسا
ثم عبد العزيز وقّعها ... قاضيا في ديار مغنيسا
قال ابن الحنبلي: كان فاضلا، فصيحا، حسن الخط، لطيف الشعر باللسان العربي، بديع المحاضرة، جميل المذاكرة. انتهى وتوفي بالقسطنطينية.
وفيها الشيخ زين الدّين عمر العقيبي [٢] العارف بالله تعالى، المربي المسلك الحموي الأصل، ثم العقيبي الدمشقي، المعروف بالإسكاف.
كان في بدايته إسكافا يصنع النّعال الحمر، ثم صاحب الشيخ علوان الحموي، وبقي على حرفته، غير أنه كان ملازما للذّكر أو الصّمت، ثم غلبت عليه الأحوال، فترك الحرفة، وأقبل على المجاهدات، ولزم خدمة أستاذه الشيخ علوان، حتى أمره أن يذهب إلى دمشق ويرشد الناس.
وكان كثير المجاهدات، شديد التّقشف، ورعا.
وكان أمّيّا، لكن ببركة صدقه فتح الله عليه في الكلام في طريق القوم والتكلم على الخواطر التي يشكوها إليه الفقراء.
стр. 5207
وكان مدة إقامته بدمشق، يسافر لزيارة شيخه في كل سنة مرة، يقيم بحماة ثلاثة أيام ويرجع.
قال الشيخ إبراهيم بن الأحدب: وأخذت عنه الطريق، وانتفعت به، وانتفع به كثير من الناس. انتهى وكان يعامل أصحابه ومريديه، بالمجاهدات الشاقة على النّفوس، وكان ربما أمر بعضهم بالركوب على بعير، ويعلّق في عنقه بعض الأمتعة، ويأمر آخر أن يقود به البعير وهما يجهران بذكر الله تعالى، كما هو المشهور من طريقته، وله أحوال خارقة.
ومن جملة مريديه وملازميه الشيخ محمد الزّغبي المجذوب المعتقد، وكان للشيخ عمر ولدان، وكان عيسى باشا كافل دمشق من جملة معتقديه، وأخذ عنه الطريق.
وتوفي الشيخ عمر في هذه السنة، ودفن بزاويته بمحلّة العقيبة، وظهر في الشمس تغيّر وظلمة شبه الكسوف يوم موته.
وفيها أقضى القضاة محبّ الدّين محمد بن قاضي القضاة سري الدّين عبد البرّ بن محمد بن الشّحنة المصري [١] المولد والمنشأ الحنفي.
كان أسمر، من سرية أبيه المسماة غزال، واشتغل بالعلم على أبيه وغيره، وولي نيابة الحكم عنده [٢] ثم نيابة الحكم عنه [٢] ، ثم قدم إلى [٣] حلب عند انقضاء الدولة الجركسية، بعد أن حجّ وجاور.
وكان مقداما، محتشما، حسن الملبس، لطيف العمامة، حسن المطارحة، لطيف الممازحة، رقيق الطبع، سريع الشّعر مع حسنه ورقته في الجملة.
стр. 5208
ومن شعره في مليح اسمه إبراهيم:
يا حبيبي صل معنّي ... ذاب وجدا وغراما
وارحمن صبّا كساه ... غزل عينيك سقاما
ورماه عن قسيّ ال ... حاجب اللّحظ سهاما
أنحلته رقّة الخص ... ر نحولا حيث هاما
لا يرى إلّا خيالا ... إن تقل [١] فيه نظاما
لم يذق من يوم غبتم ... عنه لا أكلا ولا ما
أطلقت عيناه نهرا ... طلّقت منه المناما
أوقدت حشو [٢] حشاه ... نار خدّيك ضراما
عجبا للنّار فيه ... وبه حزت المقاما
إنّ بعد الوصل عادت ... بك بردا وسلاما
وتوفي بحلب ليلة الأحد تاسع شعبان قبيل الفجر، ودفن بتربة موسى الحاجب خارج باب المقام.
وفيها قاضي القضاة، عفيف الدّين محمد بن علي بن عمر بن علي بن جنغل- بضم الجيم، والغين المعجمة، بينهما نون ساكنة- الحلبي المالكي [٣] آخر قضاة المالكية بحلب، وابن قضاتها.
ولد يوم الأربعاء تاسع عشري شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتفقه بالشيخ علي المكناسي [٤] المغربي المالكي، وولي القضاء من قبل السلطان
стр. 5209
الأشرف قايتباي تاسع عشري شوال سنة سبع وتسعين وهو ابن نيف وعشرين سنة، ثم انكفّ عن المناصب في الدولة العثمانية، ولزم بيته آخرا في رفاهية وطيب عيش، والمسلمون سالمون من يده ولسانه، ولم يكن يخرج من بيته إلّا لصلاة الجمعة والعيدين، وربما شهد بعض الجنائز.
وتوفي في [١] نهار الأربعاء ثاني شوال.
وفي حدودها عصام الدّين إبراهيم بن محمد بن عرب شاه [٢] من ذرّيّة أبي إسحاق الإسفراييني- وإسفرايين [٣] قرية من قرى خراسان.
كان أبوه قاضيا بها وجدّه في أيام أولاد تيمور- وهو من بيت علم، ونشأ هو طالبا للعلم [٤] ، فحصّل وبرع، وفاق أقرانه، وصار مشارا إليه بالبنان.
وكان بحرا في العلوم، له التصانيف الحسنة النافعة في كل فنّ، خرج في أواخر عمره من بخارى إلى سمرقند لزيارة الشيخ العارف خواجه عبيد الله النّقشبندي، فمرض بها مدة اثنين وعشرين يوما، ثم قضى نحبه عن اثنتين وسبعين سنة. وكان آخر ما تلفظ به: الله.
وازدحم الناس للصلاة عليه ودفن بسمرقند قرب الشيخ المذكور.
وفيها جمال الدّين أبو مخرمة محمد بن عمر باقضام الفروعي الشافعي [٥] يجتمع مع الفقيه عبد الله بن أحمد مخرمه في الأب السادس.
ولد ببلدة الهجرين من اليمن ونشأ بها، ثم ارتحل إلى عدن لطلب العلم، فأخذ عن إماميها الفقيه عبد الله بن أحمد مخرمه، والفقيه محمد بن أحمد فضل، ثم ارتحل إلى زبيد وأخذ عن علمائها، ثم رجع إلى عدن ولازم الإمام عبد الله بن
стр. 5210
أحمد مخرمه وولده العلّامة شهاب الدّين أحمد، وانتفع بهما، وتخرّج عليهما.
ولما وصل العلّامة محمد بن الحسين القمّاط قاضيا على عدن، ثم بعده العلّامة أحمد بن عمر المزجد قاضيا أيضا، لازم كلّا منهما، ولم يزل مجتهدا حتى فاق أقرانه في الفقه، وصار في عدن هو المشار إليه، والعلم المعوّل عليه، واحتاج الناس إلى علمه، وقصدوه بالفتوى من النواحي البعيدة، لكنه قد كان [١] يتساهل في الفتاوى ويترك المراجعة، لا سيما في أواخر عمره، فاختلفت أجوبته وتناقضت فتاويه، وكان ذلك مما عيب عليه، ثم كان السلطان عامر بن داود- وهو آخر ملوك بني طاهر بعدن- استماله في آخر عمره وأحسن إليه لأغراض فاسدة عزم عليها، فكان إذا عزم على أمر فاسد يتعلق بالشرع أرسل إليه من يشاوره في كتب سؤال في القضية، فيجيبه إلى ذلك، ويكتب على سؤالاتهم أجوبة توافق أغراضهم، فيتوصلون بها إلى مفاسد لا تحصى، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وتوفي ببلدة الهجرين، سامحه الله تعالى.
стр. 5211
سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة
وفيها توفي المولى بير أحمد بن حمزة، الشهير بابن بليس الحنفي [١] الفاضل.
اشتغل بالعلم، وحصّل، ودرّس ببعض المدارس، ثم بمدرسة إسكوب، ثم وصل إلى إحدى الثمان، ثم صار قاضيا بمصر، ثم أعطي تقاعدا عنها بمائة عثماني، ومات على ذلك، وخلّف دنيا طائلة، وكتبا نفيسة.
وفيها علاء الدّين أبو الحسن علي بن جلال الدّين محمد البكري الصّدّيقي [٢] الشافعي، الشيخ الإمام المحدّث، نادرة الزّمان وأعجوبة الدهر، الصوفي الأستاذ.
أخذ الفقه والعلوم عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، وغيرهما.
وأخذ التصوف عن الشيخ رضي الدّين الغزّي العامري، والشيخ عبد القادر الدشطوطي.
قال الشّعراوي: أخذ العلم عن جماعة من مشايخ الإسلام والتصوف عن الشيخ رضي الدّين الغزّي، وتبحر في علوم الشريعة، من فقه، وتفسير، وحديث، وغير ذلك.
وكان إذا تكلم في علم منها، كأنه بحر زاخر، لا يكاد السّامع يحصل من كلامه على شيء ينقله منه لوسعه إلّا أن يكتبه.
стр. 5212
قال: وأخبرني من لفظه، ونحن بالمطاف أنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق.
وقال: إنما أكتم ذلك عن الأقران خوفا من الفتنة بسبب ذلك، كما وقع للجلال السيوطي.
قال: وكانت مدة اشتغاله على الأشياخ نحو سنتين، ثم جاء الفتح من الله، فاشتغل بالتأليف. انتهى ومن مؤلفاته «شرح المنهاج» و «شرح الروض» و «شرح العباب» للمزجد، و «حاشية على شرح المحلّى» .
قال الشعراوي: وهو أول من حجّ من علماء مصر في محفّة، ثم تبعه الناس.
قال: وحججت معه مرة فما رأيت أوسع خلقا ولا أكثر صدقة في السرّ والعلانية منه.
وكان لا يعطي أحدا شيئا نهارا إلّا نادرا، وأكثر صدقته ليلية.
وكان له الإقبال العظيم من الخاص والعام.
وشاع ذكره في أقطار الأرض مع صغر سنّة.
وكان له كرامات كثيرة، وخوارق، وكشوفات، وترجمه الناس بالقطبية العظمى، ويدلّ على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي.
قال: رأيت الشيخ أبا الحسن البكري، وقد تطور، فكان كعبة مكان الكعبة، ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص.
قال: وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد، وأطلعني مرة على «تائية» عملها نحو خمسة آلاف بيت، أوائل دخوله في طريق القوم، ثم إنه غسلها وقال:
إن أهل زماننا لا يحتملون سماعها لقلّة صدقهم في طلب الطريق. انتهى ومن شعره «التائية المشهورة» التي أولها:
بوجودكم تتجمّل الأوقات ... وبجودكم تتنزّل الأقوات
وهي طويلة مشهورة.
стр. 5213
وتوفي- رحمه الله تعالى- بالقاهرة ودفن بجوار الإمام الشافعي ﵄.
وفيها- تقريبا- المولى محيي الدّين محمد بن بهاء الدّين بن لطف الله [١] الصّوفي الحنفي الإمام العلّامة المحقّق المعمّر المنّور، أحد الموالي الرّومية، الشهير ببهاء الدّين زاده.
قرأ على المولى مصلح الدّين القسطلاني، ثم على المعرّف معلّم السلطان أبي يزيد، ثم مال إلى التصوف، فخدم العارف محيي الدّين الإسكليبي، وأجازه ب «الإرشاد» وجلس مدة في وطنه بالي كسرى، ثم عاد إلى القسطنطينية، وجلس في زاوية شيخه المذكور بعد موت المولى عبد الرحيم بن المؤيد.
وكان عالما بالعلوم الشرعية والفرعية، ماهرا في العلوم العقلية، عارفا بالتفسير والحديث والعربية، زاهدا، ورعا، ملازما لحدود الشريعة، مراعيا لآداب الطريقة، جامعا بين علوم الشرع ومعارف الحقيقة، أمّارا بالمعروف، لا تأخذه في الله لومة لائم.
ومن تصانيفه: «شرح الأسماء الحسنى» و «تفسير القرآن العظيم» و «شرح الفقه الأكبر» للإمام الأعظم، جمع فيه بين طريق الكلام وطريق التصوف، وله في التصوف رسائل كثيرة، وحجّ في سنة إحدى وخمسين، فدخل بلاد الشام.
وتوفي ببلدة قيصرية، ودفن بها عند قبر الشيخ إبراهيم القيصري، وهو شيخ شيخه.
وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن القلوجي الدمشقي [٢] الشافعي الواعظ المقرئ، أخو الشيخ أحمد القلوجي الآتي وأسنّ منه، إلا أنه توفي شابا.
أخذ عن البدر الغزّي، والتّقي القاري، والسعد الذّهبي، وغيرهم، ومكث في القاهرة سنين في الاشتغال، ثم قدم دمشق يوم السبت ثاني عشري رمضان سنة
стр. 5214
تسع وثلاثين وتسعمائة، ثم شرع يعظ تحت قبّة النّسر بالأموي عقب صلاة الجمعة، وابتدأ يوم عيد الفطر، وتكلّم على أول الأعراف [١] .
وكان شابا، ذكيا، واعظا، يفتي ويدرّس في الشامية البرانية، وأمّ بمقصورة الأموي، شريكا للشّهاب الطّيبي.
وكان عارفا بالقراءات.
وتوفي بدمشق ليلة السبت سادس عشر رمضان، ودفن بباب الصغير، وتأسف الناس عليه.
стр. 5215
سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة
فيها توفي الشيخ شهاب الدّين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد الأنطاكي الحلبي الحنفي، المعروف بابن حمارة [١] الإمام العلّامة الورع.
ولد بأنطاكية سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، ونشأ بها، وحفظ القرآن العظيم، وتخرّج في صنعة التوقيع بجدّة.
وأخذ النحو، والصرف، عن الشيخ علاء الدّين العداسي الأنطاكي، والمنطق، والكلام، والأصول عن منلا محيي الدّين بن عرب الأنطاكي الحنفي، ثم قدم حلب، ولازم فيها البدر السيوفي، واشتغل في القراآت على الشيخ محمد الداديخي، وتعاطى صنعة الشهادة، ثم صار مدرسّا في توسعة جامع الضروري بحلب، وحجّ، وأجاز له بمكّة المحدّث عبد العزيز بن الحافظ نجم الدّين بن فهد، وبالقاهرة القاضي زكريا، والشيخ شهاب الدّين القسطلاني.
ولم يزل مكبّا على التدريس، والتحديث، والتكلم على الأحاديث النبوية بالعربي والتركي بالجامع المذكور.
وعرض عليه تدريس السلطانية بحلب فأعرض عنه، وولي خطابة الجامع المذكور، والحلاوية، والإفتاء بحلب، ثم حجّ ثانيا، فتحرك عليه وجع النقرس وهو بدمشق، وكان يعتريه أحيانا، واستمر به حتى دخل المدينة فخفّ عنه.
قال ابن الحنبلي: وكان له الخطّ الحسن والتحشية اللطيفة على حواشي الكتب، ولم تكن له خبرة بأساليب أهل الدنيا، مع الصّلاح الزائد.
стр. 5216
وله من التآليف «منسك لطيف» .
وتوفي يوم عرفة طلوع الفجر وهو يتلو القرآن.
وفيها بدر الدّين حسن، الشهير بابن الينابيعي الحلبي [١] الشافعي المقرئ.
قال ابن الحنبلي: كان عالما، فاضلا، تلميذا للبدر السيوفي وغيره، وأدرك الشيخ جاكير صاحب الزاوية المشهورة بسرمين، وأخذ عنه القراآت، وكان من العارفين بها.
وتوفي في هذه السنة وقد قارب المائة وقوته محفوظة.
وفيها- تقريبا- السيد عفيف الدّين حسين بن عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن يحيى بن أحمد بن محمد بن نصر بن عبد الرزّاق بن القطب الكبير سيدي عبد القادر الكيلاني الحلبي ثم الحموي [٢] الشافعي، سبط النّظام التادفي الحنبلي.
ولد بحلب سنة ست وعشرين وتسعمائة، ثم قطن حماة، وقرأ في الفقه، وسمع الحديث على الشّهاب البازلي، وسافر إلى دمشق، فتلقاه الفقراء والمشايخ وبعض الأعيان، ولبس منه الخرقة جماعة، وحصل له القبول من عيسى باشا نائب دمشق، وصار له حلقة في الجامع الأموي بعد صلاة الجمعة، ثم عاد إلى حماة، فودّعه الناس في يوم مشهود، ثم سافر إلى الرّوم، فطلبه السلطان سليمان، فدخل عليه، فأمره بالجلوس وأمر له بعشرين عثمانيا في زوائد عمارة والده بدمشق فأبى، ثم قبل بعد التصميم عليه، ثم عاد فدخل حلب سنة اثنتين وخمسين.
وتوفي بحماة.
стр. 5217
وفيها سعد الدّين سعد بن علي بن الدّبل- بالدال المهملة ثم الموحدة من تحت- الأنصاري الحلبي ثم الدمشقي الحنفي [١] .
قال ابن طولون: هو مدرّس الماردانية بالجسر الأبيض بسفح قاسيون.
اشتغل، وحصّل، وبرع، وتفقه، وولي القضاء بحلب نيابة، ثم قدم دمشق، ونزل بالخانقاه السّميساطية، ونظم الشعر بالعربي، والتركي، والفارسي، ونظم قصيدة في قاضي دمشق السيد عربية ملمعة باللسانين وشكره عليها.
وتوفي يوم السبت سلخ صفر سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وجد مرميا على باب الخانقاة المذكورة تحت روشن خلوته بها وإبهاماه مربوطان وهو مخنوق، ولم يعلم له غريم، ودفن بتربة باب الفراديس، ولعله في عشر السبعين. انتهى وفيها- ظنا- المولى سنان چلبي [٢] أحد الموالي الرّومية الحنفي الإمام العلّامة.
ترقى في التداريس، ثم أعطي قضاء دمشق، فدخلها في صفر سنة تسع وأربعين وتسعمائة، وحكم فيها نحو ثلاث سنين وحمدت سيرته في قضائها.
وفيها عبد الوهاب بن أبي بكر اللّيموني الغزّي الأصل الحلبي [٣] المولد الشافعي الصّوفي الهمداني الخرقة.
أحد أكابر حفّاظ القرآن العظيم بحلب، لبس الخرقة، وتلقّن الذّكر من الشيخ يونس بن إدريس، وألمّ ب «الشاطبية» وأقرأ فيها، وأمّ بجامع حلب.
وتوفي في رمضان.
وفيها الشيخ علي البحيري [٤] .
قال المناوي في «طبقاته» : هو ذو العلم الكثير، والزهد الجمّ الغفير،
стр. 5218
والخوف الذي ليس له في عصره نظير، لا يكاد يغيب شيء من أحوال القيامة عنه، وكثيرا ما يقول نسأل الله السلامة، ومنذ نشأ لم يضع له زمان ولا وضع جنبه على الأرض، مدى الأزمان، ولا ظفر الفراغ منه بأمان.
وقال الشعراوي: صحبته نحو عشرين سنة، وكان جامعا بين الشريعة والحقيقة، أخذ علم الظّاهر عن جمع، منهم ابن الأقطع.
وكان أكثر إقامته بالرّيف، يدور البلاد فيعلّم الناس دينهم ويرشدهم.
وكان يفتي في الوقائع التي لا نقل فيها بأجوبة حسنة فيعجب منها علماء مصر.
وكان يهضم نفسه، وإذا زاره عالم أو فقير يبكي ويقول: يزورك مثل فلان يا فضيحتك بين يدي الله.
وإذا سئل الدعاء يقول: كلّنا نستغفر الله ثم يدعو.
وكان يلام على كثرة الدعاء فيقول: وهل خلقت النار إلا لمثلي.
وحكى عنه مناقب كثيرة.
وتوفي في شوال ودفن بزاوية سيدي محمد المنير خارج الخانقاة السّرياقوسية.
وفيها زين الدّين عمر بن نصر الله [١] الشيخ، العالم، الزاهد، العارف بالله تعالى، الصالحي الدمشقي الحنفي.
وكان من أهل العلم، والصّلاح، طارحا للتّكلّف، يلبس العباءة، قانعا باليسير، يرجع إليه في مذهبه.
وكان القطب بن سلطان يستعين به في تأليف ألّفه في فقه الحنفية.
وتوفي مقهورا لما رآه من ظهور المنكرات وحدوث المحرّمات وضرب اليسق على الأحكام.
стр. 5219
وكانت وفاته في سادس رجب ودفن بسفح قاسيون بالصالحية.
وفيها السيد قطب الدّين أبو الخير عيسى بن محمد بن عبيد الله بن محمد الشريف [١] العلّامة المحقّق المدقّق الحسني الحسيني الأيجي الشافعي الصّوفي، المعروف بالصّفوي، نسبة إلى جدّه لأمّه السيد صفي الدّين والد الشيخ معين الدّين الأيجي الشافعي، اصحب «التفسير» .
ولد سنة تسعمائة، واشتغل في النحو والصرف على أبيه، وتفقّه به، وأخذ عنه «الرسالة» الصغرى والكبرى للسيد الشريف في المنطق، ثم لازم الشيخ أبا الفضل الكازواني، صاحب «الحاشية على تفسير البيضاوي» و «الشرح على إرشاد القاضي شهاب الدّين الهندي» بكجرات من بلاد الهند، فقرأ عليه «المختصر» و «المطول» وغيرهما، وأجاز له ثم فارقه، وسمع بالهند أيضا على أبي الفضل الأستراباذي أشياء بقراءة غيره، ورحل إلى دلّي [٢] ، وحضر مجالس علمائها وبحث معهم فظهر فضله، وأكرمه السلطان إبراهيم بن إسكندرشاه، وأدرك الجلال الدّواني وأجاز له، ثم حجّ وجاور بمكة سنين، وزار قبر النّبي ﷺ .
وصحب بالمدينة الشيخ الزّاهد أحمد بن موسى الشّيشني المجاور بها، وأرخى له العذبة، وأذن له في ذلك، ثم دخل بلاد الشام في حدود سنة تسع وثلاثين، وأخذ عنه جماعة من أهل دمشق وحلب، ودرّس بدمشق في «شرح الكافية للرضي» وكان يعتمد على كلام الشيخ جمال الدّين بن مالك ما لا يعتمد على كلام ابن هشام.
وزار بدمشق قبور الصالحين، وزار بيت المقدس، وسافر إلى الرّوم مرتين، وأنعم عليه السلطان سليمان بخمسين عثمانيا في خزينة مصر، ثم رجع إلى حلب فقدمها الشيخ محمد الأيجي للقائه، وعادا جميعا إلى دمشق، وأخذ عنه بحلب ابن الحنبلي ولبس منه الخرقة، وتلقّن الذّكر، ثم دخل مصر واستوطنها.
стр. 5220
وله مؤلفات، منها «شرح مختصر على الكافية» و «شرح الغرّة» في المنطق للسيد الشريف، و «شرح الفوائد الضيائية» في المعاني والبيان.
قال ابن الحنبلي: وهو مما لم يكمله، و «مختصر النهاية» لابن الأثير في نحو نصف حجمها، و «تفسير من سورة عم إلى آخر القرآن» وكان من أعاجيب الزمان، رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشهير بابن طولون الدمشقي الصّالحي [١] الحنفي الإمام العلّامة المسند المؤرّخ.
ولد بصالحية دمشق بالسهم الأعلى قرب مدرسة الحاجبية سنة ثمانين وثمانمائة تقريبا، وسمع وقرأ على جماعة، منهم القاضي ناصر الدّين بن زريق، والسّراج بن الصّيرفي، والجمال ابن المبرّد، والشيخ أبو الفتح المزّي، وابن النّعيمي في آخرين، وتفقّه بعمّه الجمال ابن طولون وغيره، وأخذ عن السيوطي إجازة مكاتبة في جماعة من المصريين وآخرين من أهل الحجاز.
وكان ماهرا في النحو، علّامة في الفقه، مشهورا بالحديث، وولي تدريس الحنفية بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، وإمامة السّليمية بالصالحية، وقصده الطلبة في النحو، ورغب الناس في السماع منه، وكانت أوقاته معمورة بالتدريس، والإفادة، والتأليف، وكتب بخطّه كثيرا من الكتب، وعلّق ستين جزءا، سمّاها بالتعليقات، كل جزء منها يشتمل على مؤلفات كثيرة، أكثرها من جمعه، ومنها كثير من تأليفات شيخه السيوطي.
وكان واسع الباع في غالب العلوم المشهورة، حتى في التعبير والطب،