← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وله من التآليف «منسك لطيف» . وتوفي يوم عرفة طلوع الفجر وهو يتلو القرآن. وفيها بدر الدّين حسن، الشهير بابن الينابيعي الحلبي [١] الشافعي المقرئ. قال ابن الحنبلي: كان عالما، فاضلا، تلميذا للبدر السيوفي وغيره، وأدرك الشيخ جاكير صاحب الزاوية المشهورة بسرمين، وأخذ عنه القراآت، وكان من العارفين بها. وتوفي في هذه السنة وقد قارب المائة وقوته محفوظة. وفيها- تقريبا- السيد عفيف الدّين حسين بن عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن يحيى بن أحمد بن محمد بن نصر بن عبد الرزّاق بن القطب الكبير سيدي عبد القادر الكيلاني الحلبي ثم الحموي [٢] الشافعي، سبط النّظام التادفي الحنبلي. ولد بحلب سنة ست وعشرين وتسعمائة، ثم قطن حماة، وقرأ في الفقه، وسمع الحديث على الشّهاب البازلي، وسافر إلى دمشق، فتلقاه الفقراء والمشايخ وبعض الأعيان، ولبس منه الخرقة جماعة، وحصل له القبول من عيسى باشا نائب دمشق، وصار له حلقة في الجامع الأموي بعد صلاة الجمعة، ثم عاد إلى حماة، فودّعه الناس في يوم مشهود، ثم سافر إلى الرّوم، فطلبه السلطان سليمان، فدخل عليه، فأمره بالجلوس وأمر له بعشرين عثمانيا في زوائد عمارة والده بدمشق فأبى، ثم قبل بعد التصميم عليه، ثم عاد فدخل حلب سنة اثنتين وخمسين. وتوفي بحماة.

стр. 5217

وفيها سعد الدّين سعد بن علي بن الدّبل- بالدال المهملة ثم الموحدة من تحت- الأنصاري الحلبي ثم الدمشقي الحنفي [١] . قال ابن طولون: هو مدرّس الماردانية بالجسر الأبيض بسفح قاسيون. اشتغل، وحصّل، وبرع، وتفقه، وولي القضاء بحلب نيابة، ثم قدم دمشق، ونزل بالخانقاه السّميساطية، ونظم الشعر بالعربي، والتركي، والفارسي، ونظم قصيدة في قاضي دمشق السيد عربية ملمعة باللسانين وشكره عليها. وتوفي يوم السبت سلخ صفر سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، وجد مرميا على باب الخانقاة المذكورة تحت روشن خلوته بها وإبهاماه مربوطان وهو مخنوق، ولم يعلم له غريم، ودفن بتربة باب الفراديس، ولعله في عشر السبعين. انتهى وفيها- ظنا- المولى سنان چلبي [٢] أحد الموالي الرّومية الحنفي الإمام العلّامة. ترقى في التداريس، ثم أعطي قضاء دمشق، فدخلها في صفر سنة تسع وأربعين وتسعمائة، وحكم فيها نحو ثلاث سنين وحمدت سيرته في قضائها. وفيها عبد الوهاب بن أبي بكر اللّيموني الغزّي الأصل الحلبي [٣] المولد الشافعي الصّوفي الهمداني الخرقة. أحد أكابر حفّاظ القرآن العظيم بحلب، لبس الخرقة، وتلقّن الذّكر من الشيخ يونس بن إدريس، وألمّ ب «الشاطبية» وأقرأ فيها، وأمّ بجامع حلب. وتوفي في رمضان. وفيها الشيخ علي البحيري [٤] . قال المناوي في «طبقاته» : هو ذو العلم الكثير، والزهد الجمّ الغفير،

стр. 5218

والخوف الذي ليس له في عصره نظير، لا يكاد يغيب شيء من أحوال القيامة عنه، وكثيرا ما يقول نسأل الله السلامة، ومنذ نشأ لم يضع له زمان ولا وضع جنبه على الأرض، مدى الأزمان، ولا ظفر الفراغ منه بأمان. وقال الشعراوي: صحبته نحو عشرين سنة، وكان جامعا بين الشريعة والحقيقة، أخذ علم الظّاهر عن جمع، منهم ابن الأقطع. وكان أكثر إقامته بالرّيف، يدور البلاد فيعلّم الناس دينهم ويرشدهم. وكان يفتي في الوقائع التي لا نقل فيها بأجوبة حسنة فيعجب منها علماء مصر. وكان يهضم نفسه، وإذا زاره عالم أو فقير يبكي ويقول: يزورك مثل فلان يا فضيحتك بين يدي الله. وإذا سئل الدعاء يقول: كلّنا نستغفر الله ثم يدعو. وكان يلام على كثرة الدعاء فيقول: وهل خلقت النار إلا لمثلي. وحكى عنه مناقب كثيرة. وتوفي في شوال ودفن بزاوية سيدي محمد المنير خارج الخانقاة السّرياقوسية. وفيها زين الدّين عمر بن نصر الله [١] الشيخ، العالم، الزاهد، العارف بالله تعالى، الصالحي الدمشقي الحنفي. وكان من أهل العلم، والصّلاح، طارحا للتّكلّف، يلبس العباءة، قانعا باليسير، يرجع إليه في مذهبه. وكان القطب بن سلطان يستعين به في تأليف ألّفه في فقه الحنفية. وتوفي مقهورا لما رآه من ظهور المنكرات وحدوث المحرّمات وضرب اليسق على الأحكام.

стр. 5219

وكانت وفاته في سادس رجب ودفن بسفح قاسيون بالصالحية. وفيها السيد قطب الدّين أبو الخير عيسى بن محمد بن عبيد الله بن محمد الشريف [١] العلّامة المحقّق المدقّق الحسني الحسيني الأيجي الشافعي الصّوفي، المعروف بالصّفوي، نسبة إلى جدّه لأمّه السيد صفي الدّين والد الشيخ معين الدّين الأيجي الشافعي، اصحب «التفسير» . ولد سنة تسعمائة، واشتغل في النحو والصرف على أبيه، وتفقّه به، وأخذ عنه «الرسالة» الصغرى والكبرى للسيد الشريف في المنطق، ثم لازم الشيخ أبا الفضل الكازواني، صاحب «الحاشية على تفسير البيضاوي» و «الشرح على إرشاد القاضي شهاب الدّين الهندي» بكجرات من بلاد الهند، فقرأ عليه «المختصر» و «المطول» وغيرهما، وأجاز له ثم فارقه، وسمع بالهند أيضا على أبي الفضل الأستراباذي أشياء بقراءة غيره، ورحل إلى دلّي [٢] ، وحضر مجالس علمائها وبحث معهم فظهر فضله، وأكرمه السلطان إبراهيم بن إسكندرشاه، وأدرك الجلال الدّواني وأجاز له، ثم حجّ وجاور بمكة سنين، وزار قبر النّبي ﷺ . وصحب بالمدينة الشيخ الزّاهد أحمد بن موسى الشّيشني المجاور بها، وأرخى له العذبة، وأذن له في ذلك، ثم دخل بلاد الشام في حدود سنة تسع وثلاثين، وأخذ عنه جماعة من أهل دمشق وحلب، ودرّس بدمشق في «شرح الكافية للرضي» وكان يعتمد على كلام الشيخ جمال الدّين بن مالك ما لا يعتمد على كلام ابن هشام. وزار بدمشق قبور الصالحين، وزار بيت المقدس، وسافر إلى الرّوم مرتين، وأنعم عليه السلطان سليمان بخمسين عثمانيا في خزينة مصر، ثم رجع إلى حلب فقدمها الشيخ محمد الأيجي للقائه، وعادا جميعا إلى دمشق، وأخذ عنه بحلب ابن الحنبلي ولبس منه الخرقة، وتلقّن الذّكر، ثم دخل مصر واستوطنها.

стр. 5220

وله مؤلفات، منها «شرح مختصر على الكافية» و «شرح الغرّة» في المنطق للسيد الشريف، و «شرح الفوائد الضيائية» في المعاني والبيان. قال ابن الحنبلي: وهو مما لم يكمله، و «مختصر النهاية» لابن الأثير في نحو نصف حجمها، و «تفسير من سورة عم إلى آخر القرآن» وكان من أعاجيب الزمان، رحمه الله تعالى. وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشهير بابن طولون الدمشقي الصّالحي [١] الحنفي الإمام العلّامة المسند المؤرّخ. ولد بصالحية دمشق بالسهم الأعلى قرب مدرسة الحاجبية سنة ثمانين وثمانمائة تقريبا، وسمع وقرأ على جماعة، منهم القاضي ناصر الدّين بن زريق، والسّراج بن الصّيرفي، والجمال ابن المبرّد، والشيخ أبو الفتح المزّي، وابن النّعيمي في آخرين، وتفقّه بعمّه الجمال ابن طولون وغيره، وأخذ عن السيوطي إجازة مكاتبة في جماعة من المصريين وآخرين من أهل الحجاز. وكان ماهرا في النحو، علّامة في الفقه، مشهورا بالحديث، وولي تدريس الحنفية بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر، وإمامة السّليمية بالصالحية، وقصده الطلبة في النحو، ورغب الناس في السماع منه، وكانت أوقاته معمورة بالتدريس، والإفادة، والتأليف، وكتب بخطّه كثيرا من الكتب، وعلّق ستين جزءا، سمّاها بالتعليقات، كل جزء منها يشتمل على مؤلفات كثيرة، أكثرها من جمعه، ومنها كثير من تأليفات شيخه السيوطي. وكان واسع الباع في غالب العلوم المشهورة، حتى في التعبير والطب،

стр. 5221

وأخذ عنه جماعة من الأعيان وبرعوا في حياته، كالشهاب الطّيبي شيخ الوعّاظ والمحدّثين، والعلاء بن عماد الدّين، والنجم البهنسي خطيب دمشق، ومن آخرهم الشيخ إسماعيل النابلسي مفتي الشافعية، والزين بن سلطان مفتي الحنفية، والشّهاب العيثاوي [١] مفتي الشافعية، والشّهاب [١] بن أبي الوفا مفتي الحنابلة، والقاضي أكمل بن مفلح، وغيرهم. ومن شعره: ارحم محبّك يا رشا ... ترحم من الله العلي فحديث دمعي من جفا ... ك مسلسل بالأوّل ومنه: ميلوا عن الدّنيا ولذّاتها ... فإنّها ليست بمحموده واتّبعوا الحقّ كما ينبغي ... فإنها الأنفاس معدودة فأطيب المأكول من نحلة ... وأفخر الملبوس من دوده وتوفي يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى ودفن بتربتهم عند عمّه القاضي جمال الدّين بالسفح قبلي الكهف والخوارزمية، ولم يعقّب أحدا. وفيها محيي الدّين محمد الحنفي الرّومي، المعروف بإمام خانة [٢] لكونه إمام قلندرخانة. كان بارعا في العلم أصولا وفروعا، وعربية وتفسيرا، ثم تصوّف، فصحب الشيخ حبيب القرماني، والشيخ ابن أبي الوفاء، والسيد أحمد البخاري، ثم صار إمام وخطيب جامع قلندرخان، وانقطع إلى الله تعالى، ولازم بيته، وكان مباركا، صحيح العقيدة، محافظا على حدود الشريعة. قال في «الشقائق» : وكان شيخا هرما، سألته عن سنّة فقال: مائة أو أقلّ منها

стр. 5222

بسنتين [١] ، وعاش بعد ذلك مقدار ثمان سنين، رحمه الله تعالى. وفي حدودها شمس الدّين محمد القهستاني الحنفي [٢] المفتي ببخارى، وهو من شركاء المولى عصام الدّين. وكان إماما، عالما، زاهدا، فقيها، متبحرا، جامعا، يقال: إنه ما نسي قطّ ما طرق به سمعه [٣] ، وله شرح لطيف على «الوقاية» ألّفه برسم الملك البطل الشجاع العالم العامل المستنصر السلطان [٤] ابن السلطان [٤] أبي المغازي عبيد الله خان السّيبكي. وقهستان: قصبة من قصبات خراسان [٥] .

стр. 5223

سنة أربع وخمسين وتسعمائة فيها توفي القاضي برهان الدّين إبراهيم بن أحمد الأخنائي الشافعي الدمشقي [١] الإمام العلّامة. كان من العلماء والرؤساء، ماسكا زمام الفقهاء، أحد قضاة العدل، يلبس أحمد الثياب وأفخرها، ويركب حسان الخيل. اشتغل أولا على القاضي برهان الدّين بن المعتمد، ورافق تقي الدّين القاري عليه وعلى غيره في الاشتغال، وأخذ عن الكمال بن حمزة، وكانت له ديانة، ومهابة، ووقار. وتوفي ليلة الأربعاء سابع رجب، ودفن بتربته المعمورة قرب جامع جرّاح [٢] . وفيها برهان الدّين إبراهيم بن العلّامة زين الدّين حسن بن عبد الرحمن بن محمد الحلبي الشافعي، الشهير بابن العمادي [٣] الشيخ الإمام [٤] شيخ الإسلام [٤] . ولد بحلب بعد الثمانين وثمانمائة، ونشأ بها، وأخذ العلوم عن جماعة من أهلها، وممن ورد إليها منهم والده، والشمس البازلي، والشيخ أبو بكر الحبيشي،

стр. 5224

ومظفّر الدّين الشّيرازي نزيل حلب، وقرأ «المطوّل» وبعض العضد على البدر بن السيوفي، والفقه وغيره عن المحيوي عبد القادر الأبّار وغيرهم. وجدّ واجتهد، حتى فضل في فنون، ودرّس وأفتى ووعظ، مع الدّيانة، والسكون، ولين الجانب، وحسن الخلق. وحجّ من طريق القاهرة، وأخذ عن جماعة من أهلها، كالقاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف والنّور المحلّي، والشّهاب القسطلاني، وقرأ عليه «شرحه على البخاري» و «المواهب اللّدنية» وغيرهما، وأخذ بمكّة عن العزّ بن فهد، وابن عمّه الخطيب، وغيرهما، ولقى بها من مشايخ القاهرة عبد الحق السّنباطي، وعبد الرحيم بن صدقة، وأخذ عنهما، وأخذ بغزّة عن شيخها الشّهاب بن شعبان، ثم أكب على إفادة الوافدين إليه في العربية، والقراآت، والفقه وأصوله، والحديث وعلومه، والتفسير، وغير ذلك، وكان لا يردّ أحدا من الطلبة، وإن كان بليدا، وأفتى، وكان لا يأخذ على الفتوى شيئا، وانتهت إليه رئاسة الشافعية بحلب. وتوفي يوم الجمعة في رجب، ودفن وراء المقام الإبراهيمي خارج باب المقام. وفيها جار الله بن عبد العزيز بن عمر بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي [١] المكّي الشافعي الإمام العلّامة المسند المؤرّخ. ولد ليلة السبت العشرين من رجب سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، بمكّة، ونشأ بها في كنف أبويه، فحفظ القرآن العظيم وكتبا، منها «الأربعين النواوية» و «المنهاج الفقهي» وسمع من السّخاوي، والمحبّ الطّبري، وأجاز له جماعة، كعبد الغني البساطي وغيره، ولازم والده في القراءة والسماع، وتوجه معه للمدينة وجاورا بها سنة تسع وتسعمائة، وسمع بها من لفظ والده تجاه الحجرة الشريفة

стр. 5225

الكتب الستة، و «الشفا» لعياض، وغيرها، وعلى السيد السّمهودي بعضها، وتاريخه «الوفا» و «فتاواه» وألبسه خرقة التصوف، ولما عاد إلى مكّة أكثر على والده من قراءة الكتب الكبار والأجزاء الصغار، وانتفع بإرشاده، وخرّج الأسانيد والمشيخات لجماعة من مشايخه وغيرهم، واستوفى ما عند مشايخ بلده من السّماع [١] ، ورحل إلى مصر، والشام، وبيت المقدس، وحلب، واليمن، وأخذ بها وبغيرها من البلدان عن نحو السبعين من المسندين، وأجازه خلق كثيرون جمعهم في مجمع حافل، ولازم الشيخ عبد الحق السّنباطي، وخرّج له «مشيخة» اغتبط بها، وكذا المحبّ النّويري وغيرهما، من الأكابر، وبرع في العلوم العقلية، والشرعية، ودخل بلاد الرّوم، ورزق الأولاد، وحدّث بالحرمين وغيرهما. وتوفي ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادى الآخرة. وفيها- ظنّا- المولى داود بن كمال أحد موالي الرّوم [٢] . قال في «الشقائق» : كان عالما، فاضلا، ذكيا مدقّقا، له يد طولى في العلوم، كريم الطبع، مراعيا للحقوق، قوّالا بالحقّ، لا يخاف في الله لومة [٣] لائم. اشتغل في طلب العلم حتّى توصّل إلى خدمة المولى الفاضل ابن الحاج حسن، ثم انتقل إلى خدمة المولى ابن المؤيد، ثم ولي التداريس، ثم صار قاضيا بمدينة بروسا مرّتين، ثم اختار التقاعد، فعيّن له كل يوم مائة درهم عثماني، ولم يشتغل بالتّصنيف، ومات على ذلك. وفيها شاهين بن عبد الله الجركسي [٤] العابد الزاهد، بل الشيخ العارف بالله تعالى، الدّال عليه والمرشد إليه.

стр. 5226

كان من مماليك السلطان قايتباي، وكان مقرّبا عنده، فسأل السلطان أن يعتقه ويخليه لعبادة ربّه ففعل، وساح إلى بلاد العجم وغيرها، وأخذ الطريق عن سيدي أحمد بن عقبة اليمني المدفون بحوش السلطان برقوق، فلما مات صحب نحو ستين شيخا ولما دخل العجم أخذ عن سيدي عمر روشني بتبريز، ثم رجع إلى مصر، وأقام بالمحل الذي دفن فيه من جبل المقطّم، وبنى له فيه معبدا. وكان لا ينزل إلى مصر إلّا لضرورة شديدة، ثم انقطع لا ينزل من الجبل سبعا وأربعين سنة، واشتهر بالصّلاح في الدولتين، وكان أمراء مصر وقضاتها وأكابرها يزورونه [١] ويتبركون به، وكان يغتسل لكل صلاة. ومن كراماته أنه قام للوضوء بالليل فلم يجد ماء فبينما هو واقف وإذا بشخص طائر في الهواء وفي عنقه قربة ماء فأفرغها في الخابية ثم رجع طائرا نحو النيل. وتوفي في شوال ودفن بزاويته في الجبل، وبني السلطان عليه قبّة، ووقف على مكانه أوقافا. وفيها السيد عبد الرحمن بن حسين الرّومي الحسيني الحنفي [٢] أحد الموالي الرّومية. ولد سنة أربع وستين وثمانمائة، وقرأ في شبابه على المولى محيي السّاموني، والمولى على الفناري، وغيرهما، ثم صار مدرّسا بمدرسة جند بك بمدينة بروسا. وكان بارعا في العلوم العقلية، مشاركا في غيرها من العلوم، محقّقا، مدقّقا، زاهدا، ورعا، راضيا من العيش بالقليل، ثم غلب عليه الانقطاع إلى الله والتوجه إلى الحقّ وترك التدريس، فعيّن له كل يوم خمسة عشر عثمانيا فقنع بها، ولم يقبل الزيادة عليها، وانقطع بمدينة بروسا، وحكى عن نفسه أنه مرض في مدينة أدرنة وهو ساكن في بيت وحده وليس عنده أحد، فكان في كل ليلة ينشقّ له

стр. 5227

الجدار ويخرج منه رجل يمرّضه ثم يذهب، فلما برئ من المرض قال له الرجل: لا أجيء إليك بعد هذا. وتوفي بمدينة بروسا. وفيها محيي الدّين محمد إلياس الحنفي [١] أحد الموالي الرّومية، الشهير بجوي زاده، المولى العالم العلّامة. قرأ على علماء عصره، ووصل إلى خدمة سعدي جلبي وبالي الأسود، وصار معيدا لدرسه، ثم تنقّل في المدارس حتى أعطي إحدى الثمان، ثم صار قاضيا بمصر، وعاد منها، وقد أعطي قضاء العساكر الأناضولية، ثم صار مفتيا بالقسطنطينية، ثم تقاعد عن [٢] الفتيا، وعيّن له كل يوم مائتا عثماني، وكان سبب عزله عن الفتوى انحراف الملك عليه بسبب إنكاره على الشيخ محيي الدّين [بن] العربي، ثم صار بعد التقاعد مدرّسا بإحدى الثمان، ثم قاضيا بالعساكر الروم إيلية [٣] ، وكان مرضي السيرة، محمود الطريقة، طارحا للتكلّف، متواضعا، مقبلا على الاشتغال بالعلم، مواظبا على الطاعات، مثابرا على العبادات، قوّالا بالحقّ، لا يخاف في الله لومة لائم، حافظا للقرآن العظيم، له يد طولى في الفقه، والتفسير، والأصول، ومشاركة في سائر العلوم، سيفا من سيوف الحقّ [٤] قاطعا، فاصلا بين الحقّ [٤] والباطل، حسنة من حسنات الأيام وله «تعليقات» ولكنها لم تشتهر. مرض رحمه الله تعالى بعد صلاة العشاء فلم يمض نصف الليل حتّى مات. وفيها المولى محمد بن عبد الأول التّبريزي [٥] أحد موالي الرّوم الحنفي. رأى الجلال الدّواني وهو صغير، وقرأ على والده قاضي حنفية مدينة تبريز،

стр. 5228

ودخل في حياة والده الرّوم فعرضه المولى ابن المؤيد على السلطان أبي يزيد لسابقة بينه وبين والده فأعطاه مدرسة، ثم تدريس إحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ثم بإحدى الثمان، وعزل ثم أعطي إحداهن ثانيا، ثم أضرّت عيناه، فأعطي تقاعدا بثمانين درهما. وكان فاضلا، زاهدا، صحيح العقيدة، له «حاشية على شرح هداية الحكمة» لمولانا زاده. وفيها شمس الدّين محمد بن علي بن عطية الحموي الشافعي [١] الإمام العلّامة الأوحد، المحقّق الفهّامة، شيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام، العارف بالله ابن العارف بالله. أخذ العلوم الظّاهرة والباطنة عن أبيه، وعن كثير من الواردين إليه، ولقّنه والده الذكر، وألبسه الخرقة، وكان قد ابتلي في صغره بسوء الفهم والحفظ، حتى ناهز الاحتلام، وفهمه في إدبار، فبينما هو ليلة من الليالي عند السّحر، إذا هو بوالده قد أخذته حالة، فأخذ في إنشاد شيء من كلام القوم، فلما سرّي عنه، خرج من بيته، وأخذ في الوضوء في إناء واسع من نحاس، فلما فرغ والده من وضوئه أخذ الشيخ شمس الدّين ماء وضوء والده وشربه فوجد بركته وتيسر عليه الفهم والحفظ من يومئذ، ولم يتوقف عليه بعد ذلك شيء من المطالب القلبية كما ذكر ذلك صاحب الترجمة في رسالته التي ألّفها في علم الحقيقة، وأكملها في سنة ثلاث وأربعين، وسمّاها «تحفة الحبيب» ، وكان يعظ بحماة بعد والده ويدرّس في العلوم الشرعية والعقلية، وتشتكي [٢] إليه الخواطر فيجيب عنها. وكان في وعظه وفصاحته وبلاغته آية. وحجّ هو وأخوه أبو الوفا سنة ثمان وثلاثين، وعمل مجلسه بعد عوده في مجلس القصب خارج دمشق، وهرعت أهل دمشق إليه.

стр. 5229

قال ابن الحنبلي [١] : ومما من الله به على صاحب الترجمة سرعة الإنشاء بحيث لو أخذ في وضوء صلاة الجمعة، وطلب منه أن يخطب لعمل على البديهة في سرّه خطبة عجيبة [غريبة] ، وخطب بها حالا، ولم يتوقف على رسمها ورقمها [٢] مآلا. قال: وكان دمث الأخلاق، جمالي المشرب، عنده طرف جذبة [٣] . وبالجملة فقد كان من خيار الأخيار [٤] ، وآثاره من بديع الآثار [٥] ، ولله درّه فيما أنشدنيه من شعره: تنفّس قلب الصّب في كلّ ساعة ... لأكؤس همّ ذا الزّمان أدارها إلى الله أشكو أنّ كل قبيلة ... من الناس قد أفنى الحمام خيارها وتوفي بمدينة حماة في أوائل رمضان، رحمه الله تعالى. وفيها المولى شمس الدّين محمد بن العلّامة على الفناري الحنفي [٦] أحد الموالي الرّومية. قرأ على والده في شبابه، وبعد وفاته على المولى خطيب زاده، والمولى أفضل الدّين، وترقّى في المدارس حتى صار مفتيا أعظم، واشتغل بإقراء التفسير والتّصنيف، وألّف عدة رسائل، وحواش على «شرح المفتاح» للسيد، وغير ذلك. وكان آية في الفتوى، باهرا فيها، وله احتياط في المعاملة مع الناس، متحرزا عن حقوق العباد، محبّا للفقراء والصلحاء، لا تأخذه في الله لومة لائم. توفي بالقسطنطينية، ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري ﵁.

стр. 5230

وفيها شمس الدّين محمد بن يعقوب الصّفدي [١] الشافعي، الشيخ الإمام شيخ الإسلام، عالم صفد ومفتيها، سبط ابن حامد. قرأ، وحصّل في بلده وغيرها، ورحل إلى دمشق للطلب، فقرأ على الكمال بن حمزة، والكمال العيثاوي، وغيرهما، ورحل إلى مصر، فأخذ عن أكابر علمائها. وكان كثير الرحلة إلى دمشق، شديد المحبّة لأهلها، عالما، عاملا، ذا مهابة، وجلالة، وكلمة نافذة. توفي في أواخر ذي الحجّة بصفد. وفيها شرف الدّين يحيى بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد العقيلي الحلبي الحنفي، المعروف بابن أبي جرادة [٢]- نسبة إلى أبي جرادة، حامل لواء أمير المؤمنين علي ﵁ يوم النّهروان، وكان اسم أبي جرادة عامرا- كان صاحب الترجمة حسن الشكل، نيّر الشّيبة، كثير الرفاهية، ولي عدة مناصب بحلب. مولده سنة إحدى وسبعين وثمانمائة ووفاته في هذه السنة.

стр. 5231

سنة خمس وخمسين وتسعمائة فيها توفي بدر الدّين حسن بن قاضي القضاة جلال الدّين عمر بن محمد الحلبي الشافعي، المعروف بابن النّصيبي [١] . ولد سنة سبع وتسعمائة، واشتغل بالعلم مدة على العلاء الموصلي، والبرهان اليشبكي، وغيرهما، ثم رحل لأجل المعيشة إلى الرّوم، فصار يكتب القصص التي ترفع للسلطان بالتركية على أحسن وجه، ثم تقرّب إلى نيشانجي الباب العالي، فقرّبه، وأحبّه، وتولى بهيبته نظر الأوقاف بحلب، ونظر الحرمين، والبيمارستان الأرغوني، ثم وشي به إلى عيسى باشا لما دخل حلب مفتشا على ما بها من المظالم، وقيل له: إنّ عليه ما ينوف على عشر كرات، فاختفى منه مدة، وشدّد عيسى باشا في طلبه، فتمثل بين يديه ملقيا سلاحه، ثم عاد من عنده سليما، وتولى نظر الأمور السلطانية بحلب بعد وفاة عيسى باشا، فهابه الأمراء والكتّاب، حتى تولى إسكندر بيك دفتر دارية حلب، فأظهر عليه أموالا كثيرة بمعونة أهل الديوان وأخذها منه، حتى لم يبق معه ولا الدرهم الفرد. وتوفي مسموما، ودفن بمقبرة سيدي على الهروي خارج باب المقام بحلب. وفيها- تقريبا- المولى شعثل أمير الحنفي [٢] أحد الموالي الرّومية العلّامة.

стр. 5232

كان مدرّسا بإحدى الثمان، ثم ولي قضاء دمشق، فدخلها في ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين، واستمر قاضيا بها نحو سنتين، وحمدت سيرته، وكانت له صلابة في أحكامه وحرمة وافرة، رحمه الله تعالى. وفيها المولى صالح جلبي بن جلال الدّين الأماسي [١] الجلدي- بفتحتين نسبة إلى جلد من أعمال أماسية- الحنفي أحد الموالي الرّومية العلّامة. ترقى في التدريس إلى إحدى الثمان، ثم أعطي قضاء حلب، فدخلها يوم الخميس ثالث شوال سنة إحدى وخمسين، ثم عزل منها في ثاني عشري ذي القعدة، ثم ولي قضاء دمشق، فدخلها في رجب سنة أربع وخمسين، وباشر الأحكام بها نحو سنة. وكان محمود السيرة، ذا تواضع وأخلاق حسنة. قال ابن الحنبلي: وكان ممن منع شرب القهوة بحلب على الوجه المحرم من الدور المراعى في شرب الخمر وغيره، وكنت عنده يوم منع ذلك، فسأل أيشربونها [٢] بالدور، فقلت نعم، والدور كما شاع باطل. وأنشدته من نظمي: وقهوة البنّ أضحى ... بها الحمى غير عاطل لكنّهم شربوها ... بالدّور والدّور باطل وفيها أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الكيزواني، الحموي [٣] الصّوفي المسلّك المربّي، العارف بالله تعالى، منسوب إلى كازوا، فقياس النسبة الكازواني، لكن اشتهر بالكيزواني. وكان يقول: أنا الكي زواني.

стр. 5233

ولد- تقريبا- في عاشر رجب سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وتوجّه صحبة الشيخ علوان الحموي إلى بروسا من بلاد الرّوم، وأقام في صحبته عند سيدي علي بن ميمون، وانتفع به، وتهذّب بأخلاقه، ودخل حلب، وجلس في مجلس التسليك، فاجتمع عليه خلق كثير، ودخل دمشق، ونزل بالصالحية، وكان له اطلاع على الخواطر، عابدا، قانتا. قال ابن الحنبلي: وتوفي بين مكّة والطائف- أي في هذه السنة- وحمل إلى مكّة فدفن بها. وأورد له الشعراوي في «الطبقات الكبرى» : القصد رمز فكن ذكيا ... والرّسم سرّ [١] على الأشاير فلا تقف مع حروف رسم ... كلّ المظاهر لها ستاير وفيها شمس الدّين محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن إدريس العجلوني الدّيموني الشافعي [٢] قاضي عجلون. قال في «الكواكب» : كان من أخص جماعة شيخ الإسلام الوالد وتلاميذه، قسّم عليه «المنهاج» و «التنبيه» و «المنهج» وغير ذلك، وسمع عليه جانبا من «صحيح البخاري» بقراءة الشيخ برهان الدّين البقاعي، وقرأ عليه شيئا كثيرا، وقال عنه: إنه من الفضلاء المتمكنين، ذو يد طولى في القراآت، والفقه، ومشاركة حسنة في الحديث، والأصول، والنحو، وغير ذلك. وكتب له إجازة مطوّلة أذن له فيها بالإفتاء والتدريس. انتهى وفيها أقضى القضاة أبو اليمن محمد بن القاضي محبّ الدّين محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن قاضي عجلون الشافعي [٣] الإمام العالم.

стр. 5234

قال في «الكواكب» : كان من العلماء الكمّل والصلحاء الكبار، له في اليوم والليلة ختمات لكتاب الله تعالى، لا يفتر عن القراءة في ممشاه وقعوده، نيّر الوجه، حسن الشكل، ولي القضاء مدة يسيرة، نيابة عن ابن عمّه قاضي القضاة نجم الدّين بن قاضي عجلون، وكان يباشر عنه الخطابة بالجامع الأموي، وكان يلبس الثياب الحسنة، وفي آخر عمره طرح التكلّف، ولبس الثياب الخشنة، واستوى عنده كلاهما. وتوفي بعد العشاء [١] ليلة الخميس سابع عشر جمادى الآخرة، ودفن بباب الصغير بمقبرة أهله قريبا من قبر [٢] عمه شيخ الإسلام تقي الدّين. وفيها مروان المجذوب [٣] . كان في أول أمره قاطع الطريق ببلاد الشرقية من مصر، وكان مشهورا بالفروسية، ثم لما جذب كان يدور في أسواق دمشق وتظهر عليه للناس كرامات وخوارق، وكان إذا خطر لأحد ممن يصادفه معصية أو عمل بمعصية يصكّه حتى يدع خاطره، وربما منعه بعضهم فشلّت يده. وتوفي بمصر ودفن بجانب النّبهاويّ [٤] خارج باب الفتوح. وفيها السيد الشريف ولي بن الحسين العجمي الشّرواني الشافعي، المعروف بوالده [٥] . حجّ من بلاده، وعاد فدخل دمشق وحلب سنة تسع وعشرين وتسعمائة، وقرأ بحلب «صحيح البخاري» على البرهان العمادي تاما، وقرأ عليه بها جماعة منهم ابن الحنبلي.

стр. 5235

قال: قرأت عليه في «متن الجغميني» في الهيئة [١] ، وانتفعت به، وهو أول إشغالي [٢] بهذا الفنّ، ثم رحل إلى بلاده، وحدّث بها. واشتهر بالمحدّث، وكان يعرف البيان معرفة حسنة، وتوفي ببلاده.

стр. 5236

سنة ست وخمسين وتسعمائة فيها توفي المولى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي الحنفي [١] الإمام العلّامة. قال في «الشقائق» : كان من مدينة حلب، وقرأ هناك على علماء عصره، ثم ارتحل إلى مصر، وقرأ على علمائها في الحديث، والتفسير، والأصول، والفروع، ثم أتى [٢] بلاد الرّوم، وقطن بقسطنطينية، وصار إماما ببعض الجوامع، ثم صار إماما وخطيبا بجامع السلطان محمد، ومدرّسا بدار القرّاء التي بناها سعدي چلبي المفتي. قال: وكان إماما، عالما بالعلوم العربية، والتفسير، والحديث، وعلوم القراآت، وله يد طولى في الفقه والأصول، وكانت مسائل الفروع نصب عينه [٣] . وكان ملازما لبيته، مشتغلا بالعلم، لا يرى إلّا في بيته أو المسجد، ولم يسمع أحد منه أنه ذكر أحدا بسوء، ولم يلتذ بشيء من الدنيا إلّا بالعلم، والعبادة، والتصنيف، والكتابة. وقال ابن الحنبلي: كان سعدي جلبي مفتي الدّيار الرّومية يعوّل عليه في مشكلات الفتاوي، إلا أنه كان منتقدا على ابن العربي، كثير الحطّ عليه.

стр. 5237

ومن مؤلّفاته «شرح على [١] منية المصلي» و «ملتقى الأبحر» [٢] ونعم التأليف هو، ومات في هذه السنة. وفيها إسماعيل الكردي الشافعي [٣] نزيل دمشق الإمام العلّامة. قال في «الكواكب» : قال والد شيخنا كان من أهل العلم، والعمل، والصلاح، والورع، والمجاهدة، والتوكل، صحبني، ثم حجّ وجاور بمكة، وتزوّج بامرأة من العمادية، وعاد وهي معه ورزق منها ولدا صالحا، سمّاه سليمان [وعلّمه القرآن] ، ثم رجع إلى بلاده، وتزوج امرأة أخرى من الأكراد، وعاد إلى دمشق بزوجتيه، ورزق من الأخرى أولادا، وسكن بهما في بيت من بيوت الشامية الجوانية، وصار يتردّد إليه الطلبة يشتغلون عليه في المعقولات، مع تردّده إليّ. قال: وقرأ عليّ بعض «المنهاج» قراءة تحقيق وتدقيق. وتوفي ليلة السبت خامس جمادى الأولى بالطّاعون بعد أن صلّى المغرب والعشاء جماعة، ودفن بمقرة باب الصغير. ومن علامة صلاحه أنه استخرج من قبره المحفور له حجر عليه يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ٩: ٢١ [التوبة: ٢١] . وفيها جهانكير بن السلطان سليمان بن سليم [شاة] [٤] . كان بحلب مع والده في هذه السنة فتوفي بها، وصلّى عليه أبوه في مشهد عظيم، وحمل إلى الفردوس [٥] ، ثمّ شقّ بطنه، وصبّر، وحمل إلى الرّوم.

стр. 5238

وفيها محيي الدّين عبد القادر بن لطف الله بن الحسن بن محمد بن سليمان بن أحمد الحموي ثم الحلبي السّعدي العبّادي الشافعي [١] المقرئ ابن المقرئ ابن المقرئ، ويعرف بابن المحوجب، أحد أكابر حفّاظ القرآن العظيم، ورئيس قراءته بالجماعة بحلب. ولد سنة تسع وستين [٢] وثمانمائة، وقرأ القرآن العظيم بحماة برواية أبي عمرو سبع مرات على عالمها ومحدّثها ومقرئها عبد الرحمن البرواني قاضي الحنابلة بها، ثم قطن حلب فأقرأ بها مماليك نائب قلعتها، ثم انحصرت فيه رئاسة القرّاء بها، وكان البدر السيوفي يحبّ قراءته، ويميل إليه، ويعظّمه، حتى تلا عليه الفاتحة برواية أبي عمرو، واستجازه مع جلالته لما علم له من السّند العالي [٣] . قال ابن الحنبلي: وكان مبتلى بعلم جابر [٤] مشغوفا بالتزوج، حتى [إنه] تزوج أكثر من ثلاثين امرأة. وفيها المولى عبد الكريم [٥] الملقّب بمفتي شيخ الرّومي الحنفي، مفتي التخت السلطاني، الإمام العلّامة، العارف بالله تعالى. ولد بمدينة كرماسي، وحفظ القرآن العظيم، واشتغل على علماء عصره، ووصل إلى خدمة المولى بالي الأسود، ثم سلك طريقة التصوف، وصحب العارف إمام زاده، ثم جلس بأياصوفيا بقسطنطينية مشتغلا بالإرشاد والفقه، حتى أتقن مسائله، وعيّن له السلطان سليمان كل يوم مائة عثماني ونصّبه مفتيا فأفتى، وظهرت مهارته في الفقه، وملك كتبا كثيرة، وكان يطالع فيها غالب أوقاته، وكان يعظ الناس، ولكلامه تأثير في القلوب، وله في كل سنة خلوة أربعين يوما يحفر له سربا كالقبر ويصلي فيه ولا يخرج للناس، وتحكى عنه كرامات كثيرة.

стр. 5239

وكان معطّل الحواس جملة من شدة الرياضة، وكان مع ذلك حلو المحاضرة، حافظا لنوادر الأخبار وعجائب المسائل، كريم الأخلاق، متواضعا، حجّ في سنة ثلاثين وتسعمائة، ورجع على الطريق المصري، ودخل دمشق، فنزل ببيت الكاتب بمئذنة الشحم، وتردد إليه الأفاضل، ورفعت إليه أسئلة فكتب عليها كتابة عجيبة. وتوفي مفتيا بالقسطنطينية. وفيها علي العيّاشي [١] . قال المناوي في «طبقاته» : هو المعروف بالتعبد، المشهور بالتزهّد، أجلّ أصحاب الشيخ أبي العبّاس الغمري والشيخ إبراهيم المتبولي. مكث نحو سبعين سنة لا يضع جنبه إلى الأرض إلّا عن غلبة، ويصوم يوما ويفطر يوما، ولم يمسّ بيده دينارا ولا درهما، ولا يغسل عمامته إلّا من العيد إلى العيد. وكان إذا ذكر ينطق قلبه مع لسانه فلا يقول السامع إلّا أنهما اثنان يذكران. قال الشعراوي: أول اجتماعي به رأيته يذكر ليلا فاعتقدت أنهما اثنان، فقرّبت منه فوجدته واحدا، وكان كثيرا ما يرى إبليس فيضربه، فيقول له: لست أخاف من العصا إنما أخاف من النّور الذي في القلب. مات بالمنزلة. انتهى وفيها- تقريبا- علي الإثميديّ المصريّ المالكيّ [٢] الإمام العالم الصّالح المحدّث. أخذ الطريق عن سيدي محمد بن عنان، واختصر كثيرا من مؤلفات الشيخ جلال الدّين السيوطي، ومؤلّفاته حسنة. وكان يعظ الناس في المساجد، مقبلا على الله تعالى، حتى توفي ويده تتحرك بالسّبحة ولسانه مشغول بذكر الله تعالى.

стр. 5240

وفيها- ظنا- المولى محيي الدّين محمد بن حسام [١] أحد الموالي الرّومية الحنفي، المعروف بقراجلبي. ترقّى في التداريس، ثم صار قاضيا بدمشق، فدخلها في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وتسعمائة، ولم تطل مدة ولايته بها. وفيها المولى محيي الدّين محمد بن المولى علاء الدّين علي الجمالي الحنفي [٢] أحد موالي الرّوم. قرأ على جدّه لأمه حسام الدّين زاده، ثم على والده، ثم على سويد زاده، ثم درّس بمدرسة الوزير مراد باشا بالقسطنطينية، ثم بإحدى الثمان، ثم تقاعد، وعيّن له كل يوم مائة درهم. وكان مشتغلا بنفسه، حسن السّمت والسيرة، محبا للمشايخ والصّلحاء، له معرفة تامة بالفقه والأصول. وفيها شمس الدّين محمد بن الشيخ زين الدّين عمر بن ولي الله الشيخ شهاب الدّين السّفيري الحلبي الشافعي [٣] الإمام العلّامة. ولد بحلب سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ولازم العلاء الموصلي، والبدر السّيوفي في فنون شتّى، وقرأ على الكمال بن أبي شريف في «حاشيته على شرح العقائد النسفية» و «رسالة العذبة» له، وقدم مع أخيه الشيخ إبراهيم بن أبي شريف إلى دمشق، فأجاز له ولبعض الدمشقيين، ثم إلى حلب، فقرأ عليه بها: «مختصر الرسالة القشيرية» ، وقرأ على البازلي، وأبي الفضل الدمشقي، والشيخ محمد الدّاديخي، وغيرهم أنواع العلوم، ودرّس بالجامع الكبير بحلب، والعصرونية، والسفاحية، وسافر إلى القاهرة، واجتمع بها بالقاضي زكريا وصلى عليه لما مات، واجتمع بآخرين، كالنور البحيري، والشّهاب الأنطاكي. وتوفي بحلب في هذه السنة.

стр. 5241

وفيها عفيف الدّين أبو اليمن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن فضل بن عميرة الغزّي [١] الأصل الحلبي المولد والدار والوفاة، الحنفي، العالم. أخذ بحلب عن الشمسين ابن هلال، وابن بلال، وله شيوخ آخرون بها وبغيرها، واجتمع بالشيخ أبي العون الغزّي، وكان يدرّس ويفتي بحلب، وكفّ بصره فكان يأمر بالكتابة على الفتوى، وأمر آخرا أن يكتب في نسبه الأنصاري لما بلغه أنه من ذرّية خبّاب بن المنذر بن الجموح الخزرجي، وكان من العلماء العاملين. وفيها حميد الدّين محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن خليل الحاضري الأصل الحلبي ثم القاهري الحنفي [٢] . جاور بمكّة المشرّفة، وقرأ بها الفقه، ثم أخذ بحلب عن الشّهاب الأنطاكي ثم دخل القاهرة فاستنابه بالمنزلة القاضي جلال الدّين التّادفي، فأحبه أهلها، واستوطن بها، وتزوّج من نسائها، وولد له بنون، وكان فقيها، فاضلا، حسن الشكل والهيئة، ساكنا، محتشما. وتوفي بالمنزلة. وفيها قاضي القضاة كمال الدّين أبو اللطف محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الرّبعي الحلبي التّادفي الشافعي [٣] . قال في «الكواكب» : ذكره شيخ الإسلام الوالد في «الرحلة» فقال في وصفه: الشيخ الأوحد، والأصيلي الأمجد، ذو النسب الذي طارت مناقب نزاهته كل مطار، وانتظمت أسلاك أصالته، في أجياد الأسطار، وسرت سمات فضيلته مسار [٤] نسيمات باسمات الأزهار، إلى أن قال: تصطفيه الرّتب العلية السّنية، وتستأنس به الخطط الشرعية السّنيّة، فطورا مقدما في أندية الأمراء والأعيان، وتارة

стр. 5242

صدرا في قضاة العدل والإحسان، القضائي الكمالي التّادفي، قاضي حلب ثم مكّة. كان صحبني من حلب إلى البلاد الرّومية، فأسفر عن أعذب أخلاق وأكرم أعراق وأحسن طوية، وولد- كما قال ابن أخيه ابن الحنبلي- سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتفقه على الفخري عثمان الكردي، والجلال النّصيبي، وغيرهما، وأجاز له باستدعاء والده المحبّ بن الشّحنة، وولده الأثير محمد، والسّري عبد البرّ بن الشّحنة الحنفيون، والقاضي زكريا، والجمال القلقشندي، والقطب الخيضري، والفخر الديمي في آخرين، ولبس الخرقة القادرية من الشيخ عبد الرزاق الحموي الشافعي الكيلاني، ثم ترك مخالطة الناس، ولفّ المئزر، وأقدم على خشونة اللباس، وأخذ في مخالطة الفقراء والصوفية، فلما بلغ السلطان الغوري ذلك أرسل له توقيعا بأن يكون شيخ الشيوخ بحلب، ثم ولي قضاء الشافعية بطرابلس وبحلب، وفوض إليه الجمال القلقشندي قضاء القضاة بالممالك الإسلامية، ونيابة الحكم بالدّيار المصرية ومضافاتها، مضافا إلى قضاء حلب بسؤاله، ثم ولي في الدولة العثمانية تدريس العصرونية والحاجبية، ونظر أوقاف الشافعية بحلب، وولّاه خير بك كافل الدّيار المصرية قضاء الشافعية بمكّة، وجدّة، وسائر أعمالهما، ونظر الحرمين، وكان أول قاض ولي ذلك من غير أهل مكّة في الدولة العثمانية، وبقي في دولة القضاء حتى مات خير بك. خرج بعد مدة من مكّة معزولا سنة إحدى وثلاثين. وكان إماما، عالما، كاملا، شاعرا. ومن شعره: لولا رجائي أنّ الشّمل يجتمع ... ما كان لي في حياتي بعدكم طمع يا جيرة قطّعوا رسلي وما رحموا ... قلبا تقطّع وجدا عند ما قطعوا أوّاه وأطول شوقي للأولى [١] سكنوا ... في الصرّح يا ليت شعري ما الذي صنعوا

стр. 5243

لا عشت إن كنت يوما بعد بعدكم ... أمّلت أني بطيب العيش أنتفع هم أطلقوا أدمعي [١] والنّار في كبدي ... كذاك نومي وصبري في الهوى منعوا دع يفعلوا ما أرادوا في عبيدهم ... لا واخذ الله أحبابي بما صنعوا وتوفي- رحمه الله تعالى- في أواسط [ذي] الحجّة. وفيها كمال الدّين محمد البقاعي ثم الدمشقي الشافعي [٢] الإمام الفاضل. كان يحب الإصلاح بين الأخصام، والتودّد إلى الناس، ويتردّد إلى المتصوفة. توفي فجأة بعد خروجه من الحمّام في نهار الأربعاء ثاني ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب [٣] الفراديس. وفيها محبّ الدّين أبو السعود محمود بن رضي الدّين محمد بن عبد العزيز بن عمر بن أحمد الحلبي الشافعي [٤] ، الموقّع والده بديوان الإنشاء في الدولة الجركسية. ولد بالقاهرة سنة اثنتين وتسعمائة، وحفظ بها كتبا، وجوّد الخطّ بها، وعرض بها في سنة خمس عشرة مواضع من «ألفية ابن مالك» و «الشاطبية» و «المنهاج الفقهي» على الشّهاب الشّيشيني الحنبلي [٥] ، والبرهان بن أبي شريف، وغيرهما، وأجازوا له، وأجازه القاضي زكريا، وكان شهما، حسن الملبس والعمامة. توفي بحلب في ذي الحجّة.

стр. 5244

سنة سبع وخمسين وتسعمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن علي، المعروف بابن البيكار المقدسي الأصل ثم الدمشقي [١] نزيل حلب، العلّامة البصير المقرئ المجوّد. ولد بقرية القابون من غوطة دمشق سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، وقرأ القرآن بدمشق بالرّوايات على جماعات، ثم رحل إلى مصر سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، فقرأ على الشمس السّمديسي، وأبي النجا النّحاس، والنّور السّمهودي. قال ابن الحنبلي: ومما يحكى عنه أنه كان كثيرا ما يمرض فيرى، رسول الله ﷺ ، في المنام، فيشفى من مرضه. وكان مجتهدا [٢] في أن لا ينام إلّا على طهارة، وتوفي بحلب. وفيها القاضي باعلوى أحمد شريف بن علي بن علوي خرد الشافعي اليمني [٣] الشريف العلّامة. قال في «النور» : ولد يوم الجمعة تاسع ذي الحجّة سنة أربع أو خمس وتسعمائة، واشتغل بالفقه على جماعة، منهم العلّامة عبد الله بن عبد الرحمن بأفضل صاحب المختصر المشهور، والعلّامة محمد الأصفع، وغيرهما، وجدّ

стр. 5245

واجتهد، حتّى برع، وأشير إليه بالرئاسة والفتوى، وذكره أخوه المعلّم في «طبقات فقهاء آل باعلوى» قال: وولي قضاء وادي ابن راشد، وهو مشتمل على مدن متعددة من أرض حضرموت، أشهرها تريم، لم يعارضه معارض، ولم ينقض عليه ناقض، ولم يل أحد من آل باعلوى القضاء غيره، ﵀ وبلغني أنه لم يكن من القضاة الورعين، سامحه الله وإيّانا. وفي «تاريخ سنبل» إنه وأخاه عبد الله شريف ولدا توأمين في بطن، وعزل من القضاء، فقال: أنا لا أعزل وإن عزلني السلطان، بسبب أنه ليس في الجهة من هو أعلم مني. وهذا الذي ذكره أحمد شريف لا أدري أهو وجه ضعيف له في المسألة أو أراد به التنكيت والمطايبة وإن سيادته ثابتة قاضيا كان أو غير ذلك، كقول بعضهم: إن الأمير هو الذي ... يضحى [١] أميرا يوم عزله إن زال سلطان الولا ... ية لم يزل سلطان فضله وما أحسن قوله: إن أردت أن لا تعزل فلا تتولّ. انتهى وفيها أحمد الشّيبيني [٢] المصري [٣] . كان مجذوبا غارقا لا يصحو إلّا وقت الوضوء والصلاة، وإذا صلّى أذن للصلاة ورفع صوته، وكان إذا رأى مجذوبا لم يصلّ، يقول: هذا قليل الدّين، ووقع من المنارة العالية التي في مدينة منوف إلى الأرض فلم ينكسر من أعضائه شيء، ونزل واقفا ومشى مسرعا على الأرض. وفيها- تقريبا- المولى شمس الدّين أحمد المشهور بورق چلبي [٤] ، أحد الموالي الرّومية.

стр. 5246

ترقى في التداريس إلى مدرسة أبي أيوب الأنصاري. وكان فاضلا مفيدا، صالحا، طيّب الأخلاق، وانتفع به كثير من الناس. وفيها- ظنا- الشيخ الإمام العالم أحمد الأنقروي الرّومي ثم الحلبي [١] . اشتغل في شبابه بالعلم، ثم رغب في التصوف، وانتسب إلى الخلوتية، وكان في أول أمره يدور البلاد ويعظ الناس، ثم توطن في بلده في شيخوخته وأقبل على الوعظ إلى أن توفي. وفيها شهاب الدّين أحمد البرلسي المصري [٢] الشافعي، الملقّب بعميرة، الإمام العلّامة المحقّق. أخذ العلم عن الشيخ عبد الحق السّنباطي، والبرهان بن أبي شريف، والنّور المحلّى. وكان عالما، زاهدا، ورعا، حسن الأخلاق، يدرّس ويفتي، وانتهت إليه الرئاسة في تحقيق المذهب. وفيها شهاب الدّين أحمد الرّملي المنوفي المصري الأنصاري [٣] الشافعي الإمام العلّامة النّاقد الجهبذ، شيخ الإسلام والمسلمين. أخذ عن القاضي زكريا، ولازمه، وانتفع به، وكان يجلّه، وأذن له بالإفتاء والتدريس، وأن يصلح في كتبه في حياته وبعد مماته، ولم يأذن لأحد سواه في ذلك، وأصلح عدة مواضع في «شرح البهجة» و «شرح الروض» في حياة شيخ الإسلام، وكتب شرحا عظيما على «صفوة الزبد» في الفقه، وله مؤلفات أخر [٤] ، وجمع الشيخ شمس الدّين الخطيب الشّربيني فتاويه فصارت مجلدا، وأخذ عنه ولده سيدي محمد، والخطيب الشربيني، والشّهاب الغزّي، وغيرهم.

стр. 5247

وانتهت إليه الرئاسة في العلوم الشرعية بمصر حتى صارت علماء الشافعية كلهم تلامذته إلّا النّادر، وجاءت إليه الأسئلة من سائر الأقطار، ووقف الناس عند قوله. وكان جميع علماء مصر وصالحيهم حتّى المجاذيب يعظّمونه. وكان يخدم نفسه ولا يمكّن أحدا أن يشتري له حاجة إلى أن كبر سنة وعجز. وتوفي يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة، وصلّوا عليه في الأزهر. قال الشعراوي: وما رأيت في عمري جنازة أعظم من جنازته، ودفن بتربته قريبا من جامع الميدان، وأظلمت مصر وقراها بعد موته. وفيها إسماعيل [١] الشيخ الصّالح العابد الورع، إمام جامع الجوزة، خارج باب الفراديس بدمشق. قال في «الكواكب» : قال والد شيخنا: كان له مكاشفات وحالات مع الله تعالى، وكان لا نظير له في الملازمة للخيرات. توفي في أوائل [ذي] الحجّة، ودفن بمقبرة باب الفراديس. وفيها حسام الدّين جلبي الفراصوي [٢] أحد موالي الروم. قرأ على العلماء، وخدم المولى عبد الكريم بن المولى علاء الدّين العربي، وتنقّل في المدارس، حتى درّس بإحدى الثماني، ثم صار قاضيا بأدرنة، ثم بالقسطنطينية، ثم أعطي إحدى الثماني أيضا، وعيّن له كل يوم مائة عثماني إلى أن توفي. وكان سخي النّفس، حليما، صبورا على الشدائد، طارحا للتكلّف [٣] . منصفا من نفسه، رحمه الله تعالى.

стр. 5248

وفيها شمس بن عمر بن آق شمس الدّين البرسوي الحنفي [١] خواجة السلطان سليم، المشهور بشمسي جلبي [٢] . دخل حلب، واجتمع به ابن الحنبلي، وأثنى عليه بالفضل والعلم، ثم دخل دمشق قاصدا للحجّ الشريف فمات في طريق الحجّ قبله عند المعظّم [٣] . وفيها عبد الله بن منلا صدر الدّين بن منلا كالي الهندي الحنفي [٤] . اشتغل بحلب في كبره بالعلم، واعتنى بالقراءات، فجمع للسبعة وللعشرة، وأخذ بها عن إبراهيم اليشبكي، وإبراهيم الصّيرفي، وابن قيما، ثم رجع إلى القاهرة، فأخذ عن الناصر الطّبلاوي وغيره، ثم رجع إلى حلب، ولزم الطلبة في القراآت، وحجّ في هذه السنة، فتوفي وهو راجع في الطريق. وفيها أقضى القضاة محيي الدّين عبد القادر بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عمر بن علي بن عبيد الفريابي المدني [٥] المالكي. ناب عن أبيه في قضاء المدينة. وكان فقيها، فاضلا، لطيفا، ماجنا. توفي بالمدينة المنوّرة. وفيها القاضي محيي الدّين عبد القادر بن عمر بن إبراهيم بن مفلح الرّاميني الأصل الدمشقي الحنبلي [٦] أخو القاضي برهان الدّين بن مفلح.

стр. 5249

ناب في القضاء ببر الشام، ثم بالمؤيدية، وقناة العوني، والميدان، والصالحية، وطالت إقامته بها نحو خمس وثلاثين سنة، وكانت له معرفة تامة بأحوال القضاء. وتوفي بدمشق، ودفن بمقبرة الفراديس. وفيها الكمال [١] التّبريزيّ العجميّ [٢] الشيخ العالم الصّالح المحقّق، العارف بالله تعالى، الصوفي، نزيل دمشق. كان يأكل الطيب، ويلبس الحسن، ولا يخالط إلّا من يخدمه، وله باع في العلوم، وغلب عليه التصوف. وتوفي بسكنة العزيزية شمالي الكلاسة في سادس عشر ربيع الآخر ودفن بباب الفراديس. وفيها حافظ الدّين محمد بن أحمد بن عادل باشا الحنفي [٣] أحد الموالي الرّومية، الشهير بالمولى حافظ، أصله من ولاية بردعة في حدود العجم. قرأ في صباه على مولانا مزيد بتبريز، وحصّل عنده، وبرع عليه، واشتهرت فضائله، وبعد صيته. ولما وقعت في العجم فتنة إسماعيل بن أردبيل، ارتحل إلى الرّوم، وخدم عبد الرحمن بن المؤيد، وبحث معه، وعظم اعتقاده فيه، وربّاه عند السلطان أبي يزيد، فأعطاه تدريسا بأنقرة، فأكب على الاشتغال هناك. وكان حسن الخطّ، سريع الكتابة، كتب الكثير، ودرّس هناك «شرح المفتاح» للسيد، وكتب عليه حواشي، ثم رحل إلى القسطنطينية وعرض ما حشّاه

стр. 5250

على ابن المؤيد فابتهج به، ثم صار مدرّسا بمدرسة علي باشا بالقسطنطينية، وكتب بها حواشي على مواضع من شرح المواقف للسيد، ثم صار مدرّسا بمدينة أزنيق، وكتب هناك راسلة في الهيولي عظيمة الشأن، ثم أعطي إحدى الثماني، وكتب بها شرحا على «التجريد» ثم درّس بأياصوفيا. وألّف كتابا سمّاه «مدينة العلم» ثم تقاعد، وعيّن له كل يوم سبعون عثمانيا، وأكب على الاشتغال والإشغال ليلا ونهارا، لا يفتر، وأتقن العلوم العقلية، ومهر في الأدبية، ورسخ في التفسير. وألّف رسائل كثيرة، منها «نقطة العلم» ومنها «السبعة السّيارة» . وكان له أدب ووقار، رحمه الله تعالى. وفيها شمس الدّين أبو اللطف محمد بن خليل القلعي الدمشقي الشافعي [١] إمام جامع الجوزة بالقرب من قناة العوني. كان فاضلا، صالحا، زاهدا، ورعا كوالده، متعفّفا، يعتزل الناس، ويخدم نفسه، سالكا طريق السّلف، مؤثرا لخشونة العيش، يلبس العباءة، له زاوية يقيم بها الوقت يذكر الله على طريقة حسنة. وكانت له خطبة بليغة نافعة وموعظة من القلوب واقعة. وتوفي يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى. وفيها شمس الدّين محمد بن عمر البقاعي الشافعي المذوخي [٢]- بمعجمتين، نسبة لقرية مذوخا بالضم من عمل البقاع-. حفظ القرآن العظيم، واشتغل بالعلم، وحصّل، وفضل، وكره الأكل من الأوقاف، فرجع إلى بلدته المذكورة، وتعاطي الزراعة، فأثرى وتموّل، ورحل إلى مصر، فاشتغل بها قليلا، ثم رجع إلى بلده فأمّ بها. وخطب وصار يدعو أهلها إلى طاعة الله تعالى إلى أن توفي بها ليلة الجمعة خامس المحرم.

стр. 5251

وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد العيني الأصل الحلبي الحنفي [١] ، عرف بابن بلال الإمام العلّامة. ولد بحلب سنة خمس أو ست وسبعين وثمانمائة، وقرأ على المنلا قل [٢] درويش أربع سنوات في علوم شتى، وقرأ أيضا على منلا مظفّر الدّين الشّيرازي، والبرهان العرضي، والبدر السّيوفي وغيرهم، ثم لازم الإفتاء والتدريس والتأليف بجامع حلب، حتّى أسنّ، فانقطع بمنزله، وأكبّ على التصنيف في علوم متنوعة، إلا أنه كان لا يسمح بتآليفه ولم تظهر بعده. وكان كثير الصيام والقيام، لا يمسك بيده درهما ولا دينارا. وكان وقورا، مهيبا نيّر الشيبة، كثير التواضع، له قوة ذكاء، ومزيد حفظ، ورسوخ قدم في العربية والمعقولات، وحجّ، وجاور، ودخل القاهرة، وأصابه فالج وعوفي منه. وتوفي بحلب، ودفن بمقابر الحجّاج، وأوصى أن يغسله شافعي وأن يلقّن في قبره. وفيها نظام الدّين محمد بن محمد بن إبراهيم بن علي بن كوجك [٣] الحموي المولد الحنفي، ثم الحنبلي، عرف بالكوكاجي، رديف الكوجكي. ولد في ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وقرأ «الكنز» على ابن رمضان الدمشقي وغيره، ثم قلّد الإمام أحمد، وولي قضاء الحنابلة بمدينة طرابلس الشام، وناب عن النّظام التّادفي الحنبلي بحلب. وفيها محيي الدّين محمد بن محمد الحنفي [٤] أحد موالي الرّوم، المعروف بابن قطب الدّين.

стр. 5252

قرأ على الشيخ مظفّر الدّين العجمي، ثم على سيدي جلبي القوجوي، وغيرهما. وترقّى في التداريس إلى أن ولي قضاء حلب، ثم بروسا، ثم إسلام بول [١] ، ثم قضاء العساكر الأناضولية، ثم ذهب إلى الحجّ بعد العزل، ثم رجع إلى القسطنطينية وتقاعد بمائة وخمسين عثمانيا، كل يوم. قال في «الشقائق» : وكان عالما، فاضلا، صالحا، ورعا، محبّا للصوفية، سالكا طريقهم، واعتزل الناس، واشتغل بخويصة نفسه، له معاملة مع الله تعالى، رحمه الله تعالى. وفيها المولى حسام الدّين يوسف القراصوي الحنفي [٢] أحد موالي الرّوم. قرأ على علماء عصره، وخدم المولى عبد الكريم العربي [٣] ، ثم درّس بعدة مدارس، حتّى أعطي إحدى الثمان، ثم صار قاضيا بأدرنة، ثم بالقسطنطينية، ثم أعيد إلى إحدى الثمان، وعيّن له كل يوم مائة عثماني إلى أن مات. وكان سخي النّفس، حليما، طارحا للتكلّف، منصفا من نفسه.

стр. 5253

سنة ثمان وخمسين وتسعمائة فيها كانت وقعة الجرب- بجيم وموحدة بينهما راء ساكنة-، وقعة مشهورة باليمن حتّى صارت تاريخا عند أهل حضرموت، يقولون سنة وقعة الجرب. وفيها توفي تقي الدّين أبو بكر بن عبد الكريم الخليصي [١] الأصل الحلبي الشافعي، المشهور بالزاهد، وهو سبط العالم، المفتي أبي بكر الخلّيصي. كان شيخا، صالحا، منورا، زاهدا، ورعا، ذا تهجّد وبكاء، لا يراه أهل محلّته إلّا أوقات الصلوات، وفي غيرها يتردّد إلى المقابر والمزارات. وكان كثيرا ما يقصده الزّوار يسمعون ما يقرؤوه عليهم من «رياض الصالحين» أو غيره [٢] . وتوفي بحلب. وفيها حسين بن أحمد بن إبراهيم الخوارزمي [٣] العابد الصّوفي. كان شيخا معمّرا، مهيبا، ذكر أن له من الأتباع نحو مائة ألف ما بين خليفة ومريد. وكان من أحواله إذا ذكر في المسجد الذي هو فيه مع مريديه يطول حتى يراه من كان خارج المسجد من غير منفذ من منافذه.

стр. 5254

ودخل بلاد الشام حاجّا، فحجّ ورجع إلى دمشق فأعجبته، فعمّر بها خانقاه للفقراء من ماله. وكان متمولا جدا، حتّى عمّر عدة خوانق في بلاد عديدة، ثم عاد إلى حلب، وأراد أن يعمّر بها عمارة فمرض بها. وتوفي في عشري [١] شعبان، ودفن بها في تابوت، ثم نقل بعد أربعة أشهر إلى دمشق ولم يتغير أصلا ودفن بها. قاله في «الكواكب» . وفيها باقشير عبد الله بن محمد الشافعي اليمني الحضرمي [٢] الفقيه ابن الفقيه. قال في «النور» : أخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ أبو بكر العيدروس، والشيخ عبد الرحمن بن علي باعلوى، والشيخ عبد الله بن الحاج، وكان من الأئمة المحقّقين، والعلماء العاملين، والفقهاء البارعين. له تصانيف مفيدة، وحيد زمانه علما وعملا وزهدا وورعا، جمع بين معالم الشريعة وسلوك الطريقة وعلوم الحقيقة. ومن تصانيفه كتاب «قلائد الخرائد وفرائد الفوائد» في الفقه مجلد ضخم نافع جدا، و «القول الموجز المبين» وكتاب «السعادة والخير في مناقب السادة بني قشير» و «رسالة في الفرج» . وله كرامات وأحوال. وتوفي في شعبان ببلده قسم من أرض حضرموت، وقبره بها معروف يزار. وفيها تاج الدّين عبد الوهاب بن شرف الدّين يونس بن عبد الوهاب العيثاوي الشافعي [٣] الإمام العلّامة، أخو الشيخ شهاب الدّين لأبيه. ولد ليلة الأربعاء ثالث عشري رمضان سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وقرأ

стр. 5255

على والده، وحصل له بركة أشياخه، منهم الشيخ تقي الدّين البلاطنسي، وابن أبي اللطف المقدسي، وأجازاه، وأجازه بالمكاتبة مفتي بعلبك البهاء بن الفصي، واجتمع بالجمال الديروطي وأجازه، وقرأ على آخرين، وسافر إلى حلب، فحضر دروس التاج العرضي، واجتمع بقاضي قضاة العساكر المولى سنان بن حسام الدّين فعظّمه وأثنى عليه، ونشأ من صغره في طاعة الله تعالى، متأدبا، متواضعا، سليم الفطرة، منور الطلعة. أقرأ ودرّس في الفقه، والنحو، والتفسير، والحديث، وانتفع به الطلبة، وولي تدريسا بالأموي وبمدرسة أبي عمر [١] ، وبالظاهرية. وأمّ وخطب نيابة عن أبيه بالجامع الجديد خارج باب الفراديس. وكان يودّ أن يموت قبل أبيه، فبلّغه الله أمنيته. وتوفي نهار الأربعاء خامس عشري رجب عن سبع وثلاثين سنة وشهر وثمانية وعشرين يوما [٢] وخرجت روحه قائلا: الله الله الله [٣] لا إله إلا الله. وفيها المولى محب الدّين، ويقال محبّ الله التّبريزي [٤] الشافعي الصّوفي المشهور، نزيل دمشق. رحل من بلاده إلى بلاد الشام، وحجّ منها، وجاور، ثم عاد إليها، ومكث بالتكية السّليمية بسفح قاسيون لمزيد شغفه بالشيخ محيي الدّين بن عربي، واعتقاده، وكثرة تعلقه بكلامه، وحلّه، وتشديد النكير على من ينكر عليه، وصار يقرأ عليه بها جماعة في التفسير وغيره. وكان يجمع إلى تفسير الآية تأويلها على طريقة القوم، ويورد على تأويلها ما يحضره من كلام المسنوي. وتوفي بدمشق. قاله في «الكواكب» .
следующие страницы →