وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد العيني الأصل الحلبي الحنفي [١] ، عرف بابن بلال الإمام العلّامة.
ولد بحلب سنة خمس أو ست وسبعين وثمانمائة، وقرأ على المنلا قل [٢] درويش أربع سنوات في علوم شتى، وقرأ أيضا على منلا مظفّر الدّين الشّيرازي، والبرهان العرضي، والبدر السّيوفي وغيرهم، ثم لازم الإفتاء والتدريس والتأليف بجامع حلب، حتّى أسنّ، فانقطع بمنزله، وأكبّ على التصنيف في علوم متنوعة، إلا أنه كان لا يسمح بتآليفه ولم تظهر بعده.
وكان كثير الصيام والقيام، لا يمسك بيده درهما ولا دينارا.
وكان وقورا، مهيبا نيّر الشيبة، كثير التواضع، له قوة ذكاء، ومزيد حفظ، ورسوخ قدم في العربية والمعقولات، وحجّ، وجاور، ودخل القاهرة، وأصابه فالج وعوفي منه.
وتوفي بحلب، ودفن بمقابر الحجّاج، وأوصى أن يغسله شافعي وأن يلقّن في قبره.
وفيها نظام الدّين محمد بن محمد بن إبراهيم بن علي بن كوجك [٣] الحموي المولد الحنفي، ثم الحنبلي، عرف بالكوكاجي، رديف الكوجكي.
ولد في ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة، وقرأ «الكنز» على ابن رمضان الدمشقي وغيره، ثم قلّد الإمام أحمد، وولي قضاء الحنابلة بمدينة طرابلس الشام، وناب عن النّظام التّادفي الحنبلي بحلب.
وفيها محيي الدّين محمد بن محمد الحنفي [٤] أحد موالي الرّوم، المعروف بابن قطب الدّين.
стр. 5252
قرأ على الشيخ مظفّر الدّين العجمي، ثم على سيدي جلبي القوجوي، وغيرهما.
وترقّى في التداريس إلى أن ولي قضاء حلب، ثم بروسا، ثم إسلام بول [١] ، ثم قضاء العساكر الأناضولية، ثم ذهب إلى الحجّ بعد العزل، ثم رجع إلى القسطنطينية وتقاعد بمائة وخمسين عثمانيا، كل يوم.
قال في «الشقائق» : وكان عالما، فاضلا، صالحا، ورعا، محبّا للصوفية، سالكا طريقهم، واعتزل الناس، واشتغل بخويصة نفسه، له معاملة مع الله تعالى، رحمه الله تعالى.
وفيها المولى حسام الدّين يوسف القراصوي الحنفي [٢] أحد موالي الرّوم.
قرأ على علماء عصره، وخدم المولى عبد الكريم العربي [٣] ، ثم درّس بعدة مدارس، حتّى أعطي إحدى الثمان، ثم صار قاضيا بأدرنة، ثم بالقسطنطينية، ثم أعيد إلى إحدى الثمان، وعيّن له كل يوم مائة عثماني إلى أن مات.
وكان سخي النّفس، حليما، طارحا للتكلّف، منصفا من نفسه.
стр. 5253
سنة ثمان وخمسين وتسعمائة
فيها كانت وقعة الجرب- بجيم وموحدة بينهما راء ساكنة-، وقعة مشهورة باليمن حتّى صارت تاريخا عند أهل حضرموت، يقولون سنة وقعة الجرب.
وفيها توفي تقي الدّين أبو بكر بن عبد الكريم الخليصي [١] الأصل الحلبي الشافعي، المشهور بالزاهد، وهو سبط العالم، المفتي أبي بكر الخلّيصي.
كان شيخا، صالحا، منورا، زاهدا، ورعا، ذا تهجّد وبكاء، لا يراه أهل محلّته إلّا أوقات الصلوات، وفي غيرها يتردّد إلى المقابر والمزارات.
وكان كثيرا ما يقصده الزّوار يسمعون ما يقرؤوه عليهم من «رياض الصالحين» أو غيره [٢] .
وتوفي بحلب.
وفيها حسين بن أحمد بن إبراهيم الخوارزمي [٣] العابد الصّوفي.
كان شيخا معمّرا، مهيبا، ذكر أن له من الأتباع نحو مائة ألف ما بين خليفة ومريد.
وكان من أحواله إذا ذكر في المسجد الذي هو فيه مع مريديه يطول حتى يراه من كان خارج المسجد من غير منفذ من منافذه.
стр. 5254
ودخل بلاد الشام حاجّا، فحجّ ورجع إلى دمشق فأعجبته، فعمّر بها خانقاه للفقراء من ماله.
وكان متمولا جدا، حتّى عمّر عدة خوانق في بلاد عديدة، ثم عاد إلى حلب، وأراد أن يعمّر بها عمارة فمرض بها.
وتوفي في عشري [١] شعبان، ودفن بها في تابوت، ثم نقل بعد أربعة أشهر إلى دمشق ولم يتغير أصلا ودفن بها. قاله في «الكواكب» .
وفيها باقشير عبد الله بن محمد الشافعي اليمني الحضرمي [٢] الفقيه ابن الفقيه.
قال في «النور» : أخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ أبو بكر العيدروس، والشيخ عبد الرحمن بن علي باعلوى، والشيخ عبد الله بن الحاج، وكان من الأئمة المحقّقين، والعلماء العاملين، والفقهاء البارعين. له تصانيف مفيدة، وحيد زمانه علما وعملا وزهدا وورعا، جمع بين معالم الشريعة وسلوك الطريقة وعلوم الحقيقة.
ومن تصانيفه كتاب «قلائد الخرائد وفرائد الفوائد» في الفقه مجلد ضخم نافع جدا، و «القول الموجز المبين» وكتاب «السعادة والخير في مناقب السادة بني قشير» و «رسالة في الفرج» .
وله كرامات وأحوال.
وتوفي في شعبان ببلده قسم من أرض حضرموت، وقبره بها معروف يزار.
وفيها تاج الدّين عبد الوهاب بن شرف الدّين يونس بن عبد الوهاب العيثاوي الشافعي [٣] الإمام العلّامة، أخو الشيخ شهاب الدّين لأبيه.
ولد ليلة الأربعاء ثالث عشري رمضان سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وقرأ
стр. 5255
على والده، وحصل له بركة أشياخه، منهم الشيخ تقي الدّين البلاطنسي، وابن أبي اللطف المقدسي، وأجازاه، وأجازه بالمكاتبة مفتي بعلبك البهاء بن الفصي، واجتمع بالجمال الديروطي وأجازه، وقرأ على آخرين، وسافر إلى حلب، فحضر دروس التاج العرضي، واجتمع بقاضي قضاة العساكر المولى سنان بن حسام الدّين فعظّمه وأثنى عليه، ونشأ من صغره في طاعة الله تعالى، متأدبا، متواضعا، سليم الفطرة، منور الطلعة.
أقرأ ودرّس في الفقه، والنحو، والتفسير، والحديث، وانتفع به الطلبة، وولي تدريسا بالأموي وبمدرسة أبي عمر [١] ، وبالظاهرية.
وأمّ وخطب نيابة عن أبيه بالجامع الجديد خارج باب الفراديس.
وكان يودّ أن يموت قبل أبيه، فبلّغه الله أمنيته.
وتوفي نهار الأربعاء خامس عشري رجب عن سبع وثلاثين سنة وشهر وثمانية وعشرين يوما [٢] وخرجت روحه قائلا: الله الله الله [٣] لا إله إلا الله.
وفيها المولى محب الدّين، ويقال محبّ الله التّبريزي [٤] الشافعي الصّوفي المشهور، نزيل دمشق.
رحل من بلاده إلى بلاد الشام، وحجّ منها، وجاور، ثم عاد إليها، ومكث بالتكية السّليمية بسفح قاسيون لمزيد شغفه بالشيخ محيي الدّين بن عربي، واعتقاده، وكثرة تعلقه بكلامه، وحلّه، وتشديد النكير على من ينكر عليه، وصار يقرأ عليه بها جماعة في التفسير وغيره.
وكان يجمع إلى تفسير الآية تأويلها على طريقة القوم، ويورد على تأويلها ما يحضره من كلام المسنوي.
وتوفي بدمشق. قاله في «الكواكب» .
стр. 5256
وفيها أبو الفتح محمد بن صالح الكيلاني الشافعي [١] الإمام العلّامة، خطيب المدينة المنورة وإمامها.
قدم دمشق وحلب، واجتمع بعلمائها، وشهدوا له بالفضل والتقدم.
وتوفي بالمدينة المنورة.
وفيها قطب الدّين محمد بن عبد الرحمن الصّفّوري ثم الصّالحي [٢] الشافعي، الإمام الفاضل.
قال الشيخ يونس العيثاوي: أخذ عن والده، والجلال السّيوطي، وغيرهما.
وكان له وعظ حسن، وخطبة بليغة، وهو من بيت علم وصلاح ودين.
توفي تاسع عشر ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون.
وفيها السيد جمال الدّين يوسف بن عبد الله الحسني الأرميوني الشافعي [٣] الإمام العلّامة، تلميذ الجلال السيوطي وغيره، وأخذ عنه العلّامة منلا علي الشهرزوري نزيل دمشق وغيره.
стр. 5257
سنة تسع وخمسين وتسعمائة
فيها كان ترميم عمارة البيت الشريف- زاده الله تعظيما- وأرّخ ذلك الشيخ عبد العزيز الزّمزمي فقال:
وقد أتى تاريخ ترميمه ... (رمّم بيت الله سلطاننا) [١]
وفيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف بن قاضي القضاة زين الدّين عبد الرحمن الحلبي الحنفي، الشهير بابن الحنبلي [٢] وهو والد الشيخ شمس الدّين بن الحنبلي المؤرّخ المشهور، وسبط قاضي القضاة أثير الدّين بن الشّحنة.
قال ولده في «درّ الحبب» : ولد بحلب سنة سبع وسبعين وثمانمائة، واشتغل بها في الصرف، والنحو، والعروض، والمنطق، على العلاء بن الدمشقي المجاور بجامع المهمندار، وعلى الفخر عثمان الكردي، والزّين بن فخر النساء، وغيرهم، وجوّد الخطّ على الشيخ أحمد [بن] أخي الفخر المذكور، وألمّ بوضع الأوفاق العديدة، وتعلق بأذيال القواعد الرّملية والفوائد الجفرية، وأجازه البرهان الرّهاوي رواية الحديث المسلسل بالأولية، بعد أن سمعه منه بشرطه، وجميع ما تجوز له وعنه روايته، ثم ذكر أنه استجيز له باستدعاء والده جماعة كثيرون من المصريين، كالمحب بن الشّحنة، والقاضي زكريا، وغيرهما، وأنه سمع على البرهان بن أبي شريف ما اختصره من رسالة القشيري، وأنه لبس الخرقة القادرية من الشيخ
стр. 5258
عبد الرزاق الكيلاني الحموي. قال: ثم لبستها أنا من يده، وذكر عنه أنه رأى في المنام شخصا باديا نصفه الأعلى من ضريح وهو يقول له: إذا وقعت في شدّة فقل: يا خضير يا خضير.
وأنه كان إذا حزبه أمر قال ذلك ففرّج عنه.
وذكر من تأليفه كتابه المسمى «ثمرات البستان وزهرات الأغصان» و «السلسل الرائق المنتخب من الفائق» وكتابا انتخبه من «آداب الرئاسة» سمّاه «مصابيح أرباب الرئاسة ومفاتيح أبواب الكياسة» وغير ذلك، وأنه توفي ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة.
وفيها زين الدّين زكريا المصري [١] العلّامة الشافعي، حفيد شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري.
أخذ العلم عن جدّه المذكور، والبرهان بن أبي شريف، والشيخ عبد الحقّ، والكمال الطويل، ولبس خرقة التصوف من جدّه، ومن سيدي علي المرصفي، وغيرهما.
وكان جدّه يحبه محبّة عظيمة.
وكان ذكيا، فطنا، خاشعا، أفتى، ودرّس.
قال الشعراوي: سافرت معه إلى مكّة سنة سبع وأربعين وهو قاضي المحمل، فكان يقضي بالنهار ولا يملّ من الطوال بالليل، كثير الصّدقة والافتقاد لفقراء الركب.
وتوفي في شوال بالقاهرة، ودفن خارج باب النصر تجاه مقام السيدة زينب.
وفيها عثمان بن عمر الشيخ المعمّر الحلبي الشافعي، المعروف بابن شيء لله [٢] .
стр. 5259
حفظ القرآن العظيم، وتفقّه على الفخري عثمان الكردي، والبرهاني فقيه اليشبكية، وحجّ، وانتفع به الطلبة.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن حسن الدمشقي [١] المعروف بابن الشيخ حسن.
كان من أهل الفضل والعلم والصلاح، وكان خطيبا بجامع الأفرم، وأخذ عن جماعة، منهم البدر الغزّي، حضر دروسه بالشامية وغيرها كثيرا.
وفيها نجم الدّين محمد بن محمد بن عبيد [٢] الشيخ الفاضل الصّالح الواعظ، ابن الشيخ الصّالح المقرئ المجيد الضرير، إمام مسجد الباشورة.
توفي يوم الجمعة بعد العصر سادس عشري القعدة.
وفيها قاضي القضاة نظام الدّين أبو المكارم يحيى بن يوسف بن عبد الرحمن الحلبي التّادفي الحنبلي القادري [٣] سبط الأثير بن الشّحنة، وهو عمّ ابن الحنبلي شقيق والده.
ولد سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، وتفقه على أبيه [٤] وبعض المصريين، وأجاز له باستدعاء من أبيه [٤] وأخيه جماعة من المصريين، منهم المحبّ بن الشّحنة، والقاضي زكريا، والبرهان القلقشندي، والدّيمي، والخيضري، وغيرهم، وقرأ بمصر على المحبّ بن الشّحنة، والجمال بن شاهين سبط بن حجر جميع مجلس البطاقة سنة سبع وثمانين، ثم لما عاد والده إلى حلب متوليا قضاء الحنابلة ناب عنه فيه وسنّه دون العشرين، فلما توفي والده أوائل سنة تسعمائة استقلّ بالقضاء بعده، وبقي إلى أن انصرمت دولة الجراكسة، وكان آخر قاض حنبلي بها بحلب، ثم ذهب بعد ذلك إلى دمشق، وبقي بها مدة، ثم استوطن مصر. وولي
стр. 5260
بها نيابة قضاء الحنابلة بالصالحية النجمية وغيرها، وحجّ منها وجاور، ثم عاد إلى حكمه.
وكان لطيف المعاشرة، حسن الملتقى، حلو العبارة، جميل المذاكرة، يتلو القرآن العظيم بصوت حسن ونغمة طيبة، وتوفي بالقاهرة، رحمه الله تعالى.
стр. 5261
سنة ستين وتسعمائة
فيها وقع عمارة ميزاب الرّحمة من البيت الشريف، وقال في ذلك أبو بكر اليتيم المكّي مؤرخا:
يا أيّها المولى الجليل ومن له ال ... مجد الأثيل الفائق المرّيخا
ميزاب بيت الله جدّد فاقتبس ... نا (رحمة من ربّك) [١] التّاريخا
وفيها توفي الأمير برهان الدّين إبراهيم بن والي بن نصر خجا بن حسين الذكرى المقدسي الفقيه الحنفي [٢] .
قال ابن الحنبلي: قدم حلب سنة ست وأربعين واردا من بغداد لتيمار كان له بها، وكان لطيف المذاكرة، حسن المحاضرة، اشتغل بالعربية وغيرها، وتعاطى الأدب، وله منظومة في النحو سمّاها «البرهانية» وقرض عليها سيدي محمد بن الشيخ علوان وغيره، ووضع رسالة في الصّيد وما يتعلق بالخيل برسم وزير السلطنة السليمانية وقدمها إليه بالرّوم.
ومن شعره:
قال الفؤاد مقالات يوبّخني ... لما رآني على طول من الأمل
أن ليس تنفع أقوال تقرّرها ... ما لم تكن عاملا بالفعل يا ابن ولي
عاد إلى وطنه من غير الطريق المعتاد ففقد في الطريق في هذه السنة.
стр. 5262
وفيها إبراهيم بن يوسف بن سوار الكردي البياني الخاتوني ثم الحلبي الشافعي [١] .
قال ابن الحنبلي: فقيه، صوفيّ، سليم الصدر، معمر، اجتمع بالسيد علي بن ميمون بعد أن رآه في المنام، فألبسه ثوبا أبيض. قال: وكان مغرما بالكيميا.
توفي بحلب ودفن خارج باب قنسرين.
وفيها تقي الدّين أبو بكر بن شيخ الإسلام شمس الدّين محمد بن أبي اللطف المقدسي [٢] الشافعي الإمام العلّامة.
أخذ عن والده وغيره، وحضر هو وأخوه الشيخ عمر إلى دمشق، فقرأ على البدر الغزّي جميع «شرح جمع الجوامع» للمحلّي، ثم برع صاحب الترجمة في فنون من العلم، خصوصا الأصول، حتى كان يعرف بالشيخ أبي بكر الأصولي.
وسكن دمشق آخرا، وتزوج بها، وتوفي بها في هذه السنة تقريبا.
وفيها زين الدّين رجب بن علي بن الحاج أحمد بن محمود اليعفوري الحموي الشافعي، الشهير بالعزازي [٣] الإمام العلّامة.
قال في «الكواكب» : وهو جدّ صاحبنا العلّامة تاج الدّين القطّان النحوي الشافعي لأبيه.
أخذ عن البازلي الكردي الحموي، وبمصر عن العلّامة عبد الحقّ السنباطي، وتفقه به وبالشمس النّشيلي، والشّهاب الرّملي، وغيرهم، ثم دخل دمشق، فقرأ على شيخ الإسلام الوالد، واعتنى بجمع المهم من فتاواه، فجمع منها ثلاث مجلدات، ثم عاد إلى بلده حماة مستقرا، مفتيا، مدرّسا.
وكان مخلصا في محبة الوالد ومصافاته، ووصفه شيخ الإسلام الوالد بالفضل والصّلاح.
стр. 5263
وفي «تاريخ ابن الحنبلي» أنه مرّ بحلب سنة إحدى وخمسين متوجها إلى إسلام بول [١] لعزله عن عصرونية حماة، وأنه أنشده للبهاء الفصي البعلي الشافعي:
إن صار [٢] عبدك حيث شئت تواضعا ... لجلال قدرك ما تعدّى الواجبا
فلئن تأخّر كان خلفك خادما ... ولئن تقدّم كان دونك حاجبا
ثم توجه إليها [٣] مرة أخرى، فتوفي بالقسطنطينية في المحرم، ودفن بالقرب من ضريح أبي أيوب الأنصاري، ﵁.
وفيها عبد القادر السّبكي المصري المجذوب [٤] .
قال في «الكواكب» : كان مجذوبا، ثم أفاق في آخر عمره، وصار يصلّي ويقرأ كل يوم ختمة، مع بقاء أحواله من الكشف. ورؤي وهو راكب حمارته يسوقها على الماء أيام وفاء النيل.
وكان يخدم الأرامل ويشتري لهم الحوائج، ويضع كل ما يشتريه في إناء واحد من زيت، وشيرج، وعسل، وربّ، وغير ذلك، ثم يعطي كل واحدة حاجتها من غير اختلاط.
وكان تارة يلبس زي الجند، وتارة زي الريافة، وتارة زي الفقراء، وكان يعطب من ينكر عليه.
مات في جمادى الآخرة انتهى.
وفيها الشريف الفاضل جمال الدّين محمد بن علي بن علوي خرد باعلوى [٥] صاحب كتاب «غرر البهاء» . قاله في «النور» .
стр. 5264
وفيها الأمير نجم الدّين محمد بن محمد القرشي الدمشقي [١] .
كان فاضلا، يقرأ القرآن، ويبكي عند التّلاوة، وكان بينه وبين الشيخ علاء الدّين بن عماد الدّين الشافعي مودّة ومحبّة.
مات في هذه السنة أو التي بعدها.
ومات بعده ولده الأمير شمس الدّين محمد [٢] بتسعة أشهر، وهو والد محمد جلبي القرمشي، رحمهم الله تعالى.
وفيها- تقريبا- نجم الدّين محمد الماتاني الحنبلي الإمام العالم الفقيه المحدّث الصّالحي [٣] .
أخذ الحديث عن الشيخ أبي الفتح المزّي وغيره، وتفقه بفقهاء الشاميين، وكان ينسخ بخطّه كثيرا، وكتب نسخا كثيرة من «الإقناع» .
وفيها شرف الدّين أبو النّجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجّاوي المقدسي ثم الصّالحي الحنبلي [٤] الإمام العلّامة، مفتي الحنابلة بدمشق، وشيخ الإسلام بها.
كان إماما، بارعا، أصوليا، فقيها، محدّثا، ورعا، من تأليفه كتاب «الإقناع» جرّد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد، لم يؤلّف أحد مؤلّفا مثله في تحرير النقول وكثرة المسائل، ومنها «شرح المفردات» و «شرح منظومة الآداب» لابن مفلح، وزاد «المستقنع في اختصار المقنع» و «حاشية على الفروع» وغير ذلك.
وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الأول ودفن بأسفل الروضة تجاه قبر المنقح من جهة الغرب يفصل بينهما الطريق.
стр. 5265
وفيها محيي الدّين يحيى الذاكر الشيخ الصالح [١] .
قال في «الكواكب» : هو أحد أصحاب الشيخ تاج الدّين الذاكر الذين أذن لهم في افتتاح الذكر.
كان معتزلا عن الناس، ذاكرا، خاشعا، عابدا، صائما أقبل عليه أمراء الدولة إقبالا عظيما، ثم تظاهر بمحبّة الدنيا والتجارة فيها طلبا للسّتر، حتى اعتقد فيه غالب أهل الدنيا أنه يحب الدّنيا مثلهم.
قال الشعراوي: قال لي مرات: ما بقي الآن لظهور الفقر فائدة بأحوال القوم. قال: وقد عوضني الله تعالى بدل ذلك مجالسته سبحانه في حال تلاوتي كلامه، ومجالسة نبيه ﵌ في حال قراءتي لحديثه، فلا تكاد تراه إلّا وهو يقرأ القرآن والحديث.
قال: وأخبرني أن النبيّ ﵌ أذن له- يعني في المنام [٢]- أن يربّي المريدين، ويلّقن الذكر. انتهى
стр. 5266
سنة إحدى وستين وتسعمائة
قال في «النور» [١] في ليلة ثلاثة عشر من ربيعها الأول قتل السلطان محمود شاه بن لطيف شاه صاحب كجرات شهيدا، وسببه أن بعض خدمه سوّلت له نفسه قتله، فدبّر الحيلة، وواطأ بعض الوزراء والحرس، فقيل: دسّ له سمّا في شرابه أو في [٢] حلواه، فشكا السلطان عقب تناوله حرارة عظيمة اشتعلت بباطنه، فاستغاث، فقيل: بل له سكرا نباتا، ودسّ له سمّا ليعجّل موته قبل أن يشعر به، وقيل: بل طلب السلطان الطبيب، فبادر ذلك الشقيّ وذبح السلطان والطبيب، ولم يشعر أحد، ثم أرسل رسل السلطان المعتادين إلى وزرائه وطلبوهم على لسان السلطان، فقدم كلّ على انفراده من غير شعور له بشيء، فكل من دخل من الوزراء قتلوه، فلما كثر القتل وقع الإحساس ببعض ما جرى. انتهى وفيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشّمّاع الحلبي الشافعي، الشهير بابن الطّويل [٣] العالم الزاهد.
قرأ في سنة سبع عشرة وتسعمائة على الحافظ عبد العزيز بن فهد المكّي شيئا من كتب الحديث، وسمع عليه غالب «البخاري» وأجاز له، وألبسه خرقة التصوف.
وكان شيخا، صالحا، حسن السمت، يميل إلى كلام القوم، وكتب الوعظ، وكان يأكل الخبز اليابس منقوعا بالماء، وإذا حصل له مأكل نفيس آثر به الفقراء،
стр. 5267
وترك أكل قوت حلب قدر ست عشر سنة لما بلغه من بيع ثمرها قبل بدو صلاحه.
وفيها السيد أحمد بن أبي نمي [١] صاحب مكة.
قال في «النور» : وهو الذي داس بساط سلطان الرّوم سليمان ولم يدس غيره من سلاطين مكة، وشوكته استقوت في حياة أبيه، وحكاياته مشهورة. انتهى وفيها السلطان بايزيد بن سليمان العثماني [٢] .
قتله شاه طهمان بأمر أبيه السلطان سليمان.
وفيها برهان نظام شاه [٣] سلطان الدّكن.
وفيها سليم شاه بن شير شاه [٤] .
قال في «النور» : فهؤلاء خمسة سلاطين، أي محمود شاه، وابن أبي نمي، وهؤلاء الثلاثة اتفق موتهم في هذه السنة، فقال بعضهم مؤرّخا لذلك زوال خسروان [٥] . انتهى وفيها بشر المصري الحنفي [٦] الإمام العلّامة الصّالح.
أخذ العلم عن البرهان، والنّور الطرابلسيين، وعن شيخ الإسلام عبد البرّ بن الشّحنة، وأجازه بالإفتاء والتدريس، فدرّس وأفتى، وانتفع به خلائق، وغلب عليه، في آخره محبّة الخفاء والخمول، وعدم التردّد إلى الناس، وناب في القضاء مدة، ثم ترك ذلك، وأقبل على العبادة، وكان يديم الصّيام والقيام، رحمه الله تعالى.
وفيها حسن الدنجاوي [٧] .
стр. 5268
ذكره الشعراوي وأشار إلى أنه كان من أصحاب النوبة والتصرف بمصر.
وتوفي في جمادى الأولى.
وفيها- تقريبا- سليمان الخضيريّ المصري الشافعي [١] الشيخ الصالح الفاضل العارف بالله تعالى.
أخذ العلم عن الجلال السيوطي، والقطب الأوجاقي، وأخذ الطريق عن الشّهاب المرحومي، وأذن له أن يربّي المريدين ويلقّنهم الذّكر، فتلمذ له خلائق لا يحصون.
وكان زاهدا، ديّنا، لا ينتقص أحدا من أقرانه، ويقول: لا يتعرض لنقائص الناس إلّا كل ناقص.
قال الشعراوي: أدركت الأشياخ وهم يضربون به وبجماعته المثل في الاجتهاد في العبادات.
وصحب بعد موت شيخه مشايخ لا يحصون، كسيدي محمد بن عنان، وسيدي علي المرصفي، وسيدي محمد المنزلاوي، وغيرهم، وكانوا يحبّونه، وغلب عليه في آخر عمره الخفاء لعلو مقامه.
وكان له مكاشفات وكرامات.
قال الشعراوي: أخبرني في سنة تسع وخمسين وتسعمائة، أن عمره مائة سنة وثمان سنين. انتهى وفيها زين الدّين عبد الرحمن الأجهوري [٢] المالكي الشيخ الإمام العلّامة، الزاهد الخاشع، مفتي المسلمين.
تلا على الشّهاب القسطلاني للأربعة عشر، وحضر عليه قراءة كتابه «المواهب اللدنية» وأخذ الفقه وغيره عن شمس الدّين اللقاني، وعن أخيه ناصر
стр. 5269
الدّين، وغيرهما، وأجازوه بالإفتاء والتدريس فأفتى ودرّس، وصنّف كتبا نافعة، منها «شرح مختصر الشيخ خليل» وسارت الرّكبان. بمصنّفاته، حتّى إلى المغرب والتّكرور، وكان الشيخ ناصر الدّين اللقاني إذا جاءته الفتيا يرسلها إليه من شدة إتقانه وحفظه للنقول.
وكان كريم النّفس، قليل الكلام واللغو، حافظا لجوارحه، كثير التّلاوة والتهجد.
قال الشعراوي: لما مرض دخلت إليه فوجدته لا يقدر يبلع الماء من غصة الموت، فدخل عليه شخص بسؤال، فقال: أجلسوني. قال: فأجلسناه وأسندناه، فكتب على السؤال ولم يغب له ذهن مع شدة المرض، وقال: لعل ذلك آخر سؤال نكتب عليه، فمات تلك الليلة ودفن بالقرافة.
وكان كلما مرّ على موضع قبره يقول: أأنا أحب هذه البقعة، فدفن بها، وقبره ظاهر يزار.
وفيها علي البرلسي المجذوب المصري [١] .
قال في «الكواكب» : كان نحيف البدن، يكاد يحمله الطفل. وكان يتردّد بين مدينة قليوب ومصر، لا بد له كل يوم من الدخول إلى قليوب ورجوعه إلى مصر.
وكان من أصحاب الخطوة، وكثيرا ما يمر عليه صاحب البغلة الناهضة وهو نائم تحت الجيزة [٢] بقليوب فيدخل مصر فيجده ماشيا أمامه وكان كثيرا ما يغلقون عليه الباب فيجدونه خارج الدار. قالوا [٣] : وما رؤي قط في معدية، إنما يرونه في ذلك البرّ وهذا البرّ، وربما رأوه في البرلس، وفي دسوق، وفي طندتا، وفي مصر في ساعة واحدة، وهذه صفة الأبدال. وأما رؤيته بعرفة كل سنة فكثير.
توفي في ربيع الأول، ودفن في زاويته المرتفعة داخل باب الشعرية.
стр. 5270
وفيها شمس الدّين محمد بن سيف [١] الحلبي ثم القسطنطيني الشافعي [٢] الإمام العلّامة إمام عمارة محمود باشا.
أخذ عن البدر السيوفي وغيره من علماء حلب، ثم توطن القسطنطينية حتّى مات.
وكان حسن السّمت والملبس.
وكان يعظ المواعظ الحسنة، وله حظوة تامة عند أكابر الدولة.
وذكر ابن الحنبلي أن أباه كان جمّالا.
стр. 5271
سنة اثنتين وستين وتسعمائة
فيها توفي قاضي قضاة الشافعية بمكّة المشرّفة برهان الدّين إبراهيم بن ظهيرة [١] .
ميلاده سنة خمس عشرة وتسعمائة، وتوفي في هذه السنة كذا بخطّ ابن صاحب «العنوان» .
وفيها توفي [٢] أبو الفتح السّبستري ثم التّبريزي الشافعي [٣] نزيل دمشق، الإمام العلّامة المحقّق المدقّق الفهّامة.
انتفع به الطلبة، وهرعوا إليه، ورغبوا فيما عنده.
وكان ذا علم جزل، وأخلاق حسنة، وآداب جميلة.
أخذ عنه النجم البهنسي، والشيخ إسماعيل النابلسي، والشيخ عماد الدّين، والشمس المنقاري، والمنلا أسد، والقاضي عبد الرحمن بن الفرفور، وغيرهم.
وكان له خلوة في السميساطية، يدرّس العلوم فيها.
وتوفي بالصالحية شهيدا بالطّاعون في هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون.
وفيها حامد بن محمود [٤] نزيل مكّة المشرّفة، الإمام الهمام العلّامة.
стр. 5272
قال في «النور» : كان إليه النهاية في العلم والعبادة، ورثاه الشيخ عبد العزيز الزمزمي بقصيدة طنّانة مطلعها:
أيّها الغافل الغبي تنبّه ... إن بالنّوم يقظة النّاس أشبه
ومنها:
قد مضى حامد حميدا فما لي ... بعده في الحياة والعيش رغبه
صاحبي من قريب خمسين عاما ... ما تراءيت في محياه غضبه
ومنها:
من جميع العلوم حاز فنونا ... فتسامى بها لأرفع رتبه
وهي طويلة جيدة. انتهى وفيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أصفهان الكردي الشافعي [١] المنسوب إلى بزين- بالموحدة والتصغير قبيلة من الأكراد-.
قرأ في الصّرف وغيره على أبيه الفقيه المحرّر عبد الرحمن، والنحو على مولانا حسين العمادي المقيم بسمرقند، والمنطق على منلا نصير الأستراباذي، والكلام على منلا على الكردي الحوزي- بحاء مهملة وواو ساكنة وزاي-.
ومن سنة تسع وأربعين لزم ابن الحنبلي في علم البلاغة.
قال ابن الحنبلي: وكان فاضلا، ذكيا، كتب بخطّه «تفسير منلا عبد الرحمن الجامي» وطالعه.
وتوفي ببلد القصير مطعونا في هذه السنة.
وفيها عبد الرؤوف اليعمري المصري الأزهري [٢] أحد شعراء مصر.
стр. 5273
قال في «الكواكب» : قدم حلب هو وصاحبه الشيخ نور الدّين العسيلي، ونزلا [١] بالمدرسة الشرفية.
وكان حسن الشعر، لطيف الطّباع.
مات بالقاهرة. انتهى وفيها شرف الدّين عبد القادر بن محمد بن محمد [٢] بن قاضي سراسيق الصّهيوني [٢] ثم [٢] الطرابلسي [٢] ثم [٢] الدمشقي الشافعي [٣] الإمام العلّامة.
قال في «الكواكب» : أخذ عن شيخ الإسلام الوالد. قرأ عليه في «البهجة» جانبا صالحا، وفي «صحيح مسلم» وفي «الأذكار» وغير ذلك. وولي إعادة الشامية البرّانية بدمشق، وقدم حلب في حياة الشّهاب الهندي، فقرأ عليه في «شرح الشمسية» للقطب، وسمع عليه في غيره، ثم عاد إلى طرابلس، فدرّس بجامع العطّار، وانتفع به الطلبة.
وكان الثناء عليه جميلا في الدّيانة وحسن الخلق، إلّا أنه كان ينكر على ابن العربي.
وتوفي بطرابلس. انتهى ملخصا وفيها شرف الدّين أبو حمزة عبد النافع بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الدمشقي الأصل الحجازي الحنبلي ثم الحنفي [٤] القاضي الفاضل المفنّن، أحد أولاد القطب الكبير سيدي محمد بن عراق.
ولد بمجدل مغوش سنة عشرين وتسعمائة.
وكان فاضلا، لبيبا، أديبا، حسن المحاضرة، مأنوس المعاشرة، دخل بلاد الشام مرات، وتولى قضاء زبيد باليمن، وله مؤلّف سمّاه «بيان ما تحصّل في جواب
стр. 5274
أي المسجدين أفضل» أهو القائم بالعبادة المعمور، أم الداثر العادي المهجور.
وله شعر حسن منه:
إن الغرام حديثه لي سنّة ... مذ صحّ أني فيه غير مدافع
يا حائزا لمنافعي ومملكا ... رقّي تهنّ برقّ عبد النّافع
ومنه:
ورشيق مليح قدّ وصوره ... قال: إن القلوب لي مأموره
رام كشفا لما حوته ضلوعي ... قلت: بالله خلّها مستوره
ومنه:
يا ربّ أثقلني ذنب أقارفه ... فهل سبيل إلى الإقلاع عن سببه
وأنت تعلمه فاغفره لي كرما ... وخذ بناصيتي عن سوء مكتسبه
توفي بمكة المشرّفة، رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين أبو اليسر محمد بن محمد بن حسن بن البيلوني الحلبي [١] المقرئ الخير.
سمع على ابن النّاسخ كأخيه بقراءة أبيه ولا أجاز له، ولازم شيخ القراء المحيوي عبد القادر الحموي، ثم الشيخ تقي الدّين الأرمنازي، وكانت له معرفة جيدة بالطب.
وكان صالحا، متواضعا، أثوابه إلى أنصاف ساقيه كأبيه، وربما حمل طبق العجين على عاتقه مع جلالته.
توفي مطعونا ودفن عنده والده.
وفيها شمس الدّين أبو الطيب محمد بن محمد بن علي الحسّاني [٢] ،
стр. 5275
الغماري الأصل المدني المولد والمنشأ والوفاة، المالكي، عرف بابن الأزهري.
كان كثير الفضائل، حسن المحاضرة، صوفي المشرب، له ميل إلى كتب ابن العربي من غير غلو، وله نثر ونظم، منه أرجوزة سمّاها «لوامع تنوير المقام في جوامع تفسير المنام» .
دخل بلاد الشام قاصدا الرّوم، فدخل دمشق وحلب، واجتمع فيها بابن الحنبلي، فأخذ كل منهما عن الآخر، وأجاز كل منهما الآخر.
وتوفي بالمدينة المنورة.
وفيها نصر الله بن محمد العجمي الخلخالي الشافعي [١] الفقيه ابن الفقيه.
درّس بالعصرونية بحلب، وكان ذكيا، فاضلا، صالحا، متواضعا، ساكنا، ملازما على الصلوات في الجماعة، حسن العبارة باللسان العربي.
توفي مطعونا في هذه السنة، ﵀.
وفيها السلطان همايون بن بابور [٢] .
وكان سبب موته سقوطه من سقف، فقال مؤرخ وفاته بالفارسي: همايون بادشاه از بام افتاد. قاله في «النور» .
стр. 5276
سنة ثلاث وستين وتسعمائة
فيها توفي أحمد بن حسين بن حسن بن محمد، المعروف بابن سعد الدّين الشامي القبيباتي الجبائي [١] الصّالح القدوة، العارف بالله تعالى، شيخ بني سعد الدّين بدمشق.
قال في «الكواكب» : كان له أوقات يقيم فيها الذكر والسّماع، ويكتب النشر والحجب على طريقة أهله المعروفة، وكان له الكشف التام والكرامات الكثيرة، وكان له سخاء وقرى للواردين على عادتهم.
وتوفي يوم الجمعة من شهر شعبان، ودفن بتربة الشيخ تقي الحصني خارج باب الله وخلفه في المشيخة أخوه الشيخ سعد الدّين.
وفيها- تقريبا- شهاب الدّين أحمد بن حسين بن حسن بن عمري البيري الأصل الحلبي الشافعي [٢] العلّامة الصّوفي.
ولد سنة سبع وتسعين وثمانمائة، ولقّنه الذكر وهو صغير الشيخ علاء الدّين الأنطاكي الخلوتي سنة ست وتسعمائة، وألبسه الخرقة والتاج الأدهميين الشيخ عبد الله الأدهمي، وكان عنده وسوسة زائدة في الطهارة، ولا يلبس الملبس الحسن.
قال في «الكواكب» : ذكره شيخ الإسلام الوالد في «فهرست تلاميذه» وأثنى عليه كثيرا، وذكر أنه اجتمع به في رحلته من حلب إلى دمشق، وقرأ عليه مدة في
стр. 5277
الفقه، والنحو، والأصول، والحديث شيئا كثيرا، وكتب له إجازة حافلة بما قرأه، وبالإذن بالإفتاء والتدريس. انتهى ملخصا وفيها شهاب الدّين أحمد بن الشيخ مركز [١] الإمام العالم العامل.
قرأ في العربية، والتفسير، والحديث، على والده، واشتغل بالوعظ والتذكير، فانتفع الناس به، وله رسائل في بعض المسائل. قاله في «الكواكب» .
وفيها صدر الدّين إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن سيف الدّين بن عربشاه [٢] الشافعي، ولد منلا عصام البخاري، المشهور ب «الحواشي على شرح الكافية» للجامي.
قدم حلب سنة ثمان وأربعين، وقرأ شيئا من «البخاري» على شيخ الشيوخ الموفق بن أبي بكر، وأجاز له، وظهر له فضل حسن.
وتوفي بين الحرمين الشريفين وهو ذاهب من المدينة إلى مكّة.
وفيها أقضى القضاة سعد الدّين الأنصاري ابن القاضي علاء الدّين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد الأنطاكي الحلبي الدمشقي [٣] .
قال ابن طولون: لازم شيخنا العلاء المرحّل في قراءة «قطر الندى» و «الوافية» و «عروض الأندلسي» وغير ذلك، واشتغل على الجلال النّصيبي وغيره، وعني بالأدب، وتولّع ب «مقامات الحريري» فحفظ غالبها، وخطّ الخط الحسن، وأخذ في صنعة الشهادة، وناب في القضاء بأنطاكية فلم يشك منه أحد، وتزّوج، ثم ترك التزوج، مع الدّيانة والصّيانة.
ومن شعره:
نظري إلى الأعيان قد أعياني ... وتطلّبي الأدوان قد أدواني
من كل إنسان إذا عاينته ... لم تلق إلّا صورة الإنسان
انتهى.
стр. 5278
وكان فاضلا، ناظما، ناثرا، يعرف باللسان التركي والفارسي.
وكان ساكنا في خلوة بالسميساطية، فأصبح مخنوقا ملقى على باب الخانقاة المذكورة يوم السبت ختام صفر، ودفن بباب الفراديس.
وفيها بدر الدّين أبو الفتح عبد الرحيم بن أحمد السيد الشريف العبّاسي الشافعي القاهري ثم الإسلامبولي [١] .
ولد في سحر يوم السبت رابع عشري شهر رمضان سنة سبع وستين وثمانمائة بالقاهرة، وأخذ العلم بها عن علمائها، فأول مشايخه الشمس النشائي، وأخذ عن محيي الدّين الكافيجي، وأمين الدين الأقصرائي، والمحب بن الشّحنة، والشرف [٢] بن عيد، والبرهان اللقاني، والسّراج العبادي، والشمس الجوجري، والجلال البكري، والشمس بن قاسم، والفخر الدّيمي، والبرهان بن ظهيرة، والمحب بن الغرس [٣] البصروي.
وسمع «صحيح البخاري» على المسندين: العزّ الصحراوي، وعبد الحميد الحرستاني بالأزهر، وقرأه على البدر بن نبهان، ثم لازم آخرا الرّضي الغزّي.
قال في «الشقائق» : كانت له يد طولى، وسند عال في علم الحديث، ومعرفة تامة بالتواريخ والمحاضرات والقصائد الفرائد.
وكان له إنشاء بليغ، ونظم حسن، وخط مليح.
وبالجملة كان من مفردات العالم، صاحب خلق عظيم، وبشاشة، ووجه بسّام، لطيف المحاورة، عجيب النادرة، متواضعا، متخشعا، أديبا، لبيبا، يبجّل الصغير ويوقّر الكبير، كريم الطبع، سخي النفس، مباركا، مقبولا. انتهى باختصار
стр. 5279
وأتى إلى القسطنطينية في زمن السلطان با يزيد ومعه شرح له على «البخاري» أهداه إلى السلطان، فأعطاه بايزيد جائزة سنية ومدرسته التي بناها بالقسطنطينية ليقرئ فيها الحديث فلم يرض، ورغب في الذهاب إلى الوطن، ثم لما انقرضت دولة الغوري أتى القسطنطينية وأقام بها، وعيّن له كل يوم خمسون عثمانيا على وجه التقاعد.
ومن مؤلفاته «شرح البخاري» شرحه في القاهرة، وآخر مبسوط ألّفه بالرّوم، والظاهر أنه لم يتم، وشرح على «مقامات الحريري» حافل جدا، وقطعة على «الإرشاد» في فقه الشافعي، وشرح على «الخزرجية» في علم العروض، وشرح على «شواهد التلخيص» واختصره في مختصر لطيف جدا.
ومن شعره:
إن رمت أن تسبر طبع امرئ ... فاعتبر الأقوال ثم الفعال
فإن تجدها حسنت مخبرا ... من حسن الوجه فذاك الكمال
ومنه:
حال المقلّ ناطق ... عمّا خفي من عيبه
فإن رأيت عاريا ... فلا تسل عن ثوبه
ومنه:
يا من بنى داره لدنيا ... عاد بها الربح منه خسرا
لسان أقوالها ينادي ... عمّرت دارا لهدم أخرى
ومنه:
دع الهوى واعزم على ... فعل التّقى ولا تبل
فآفة الرأي الهوى ... وآفة العجز الكسل
ومنه:
أرعشني الدّهر أي رعش ... والدّهر ذو قوة وبطش
стр. 5280
قد كنت أمشي ولست أعيا ... والآن أعيا ولست أمشي
وتوفي- رحمه الله تعالى- في هذه السنة.
وفيها- تقريبا- عزّ الدّين عبد العزيز بن علي بن عبد العزيز المكّي الزّمزمي الشافعي [١] الإمام العالم المفنّن.
ولد سنة تسعمائة، ودخل بلاد الشام مارا بها إلى الرّوم سنة اثنتين وخمسين، وله مؤلفان سمّى أحدهما ب «الفتح المبين» والثاني ب «فيض الجود على حديث شيّبتني هود» .
ومن شعره وفيه تورية من ثلاثة أوجه:
وقال الغواني ما بقي فيه فضلة ... لشيء وفي ساقيه لم يبق من مخّ
وفي ظلّ دوح [٢] المرخ مرخى غصونه ... فحيث انثنى أعرضن عن ذلك المرخي
قال في «الكواكب» : هو والد شيخنا شيخ الإسلام شمس الدّين محمد الزّمزمي.
أخذت عنه، واستجزت منه لنفسي ولولدي البدري والسعودي في سنة سبع وألف.
وتوفي سنة تسع وألف.
أخذ عن والده المذكور، وعن العلّامة شهاب الدّين بن حجر المكّي.
انتهى وفيها محيي الدّين عبد القادر بن أحمد القصيري [٣] البكراوي شهرة الشافعي [٤] .
стр. 5281
تفقه بالسيد كمال الدّين بن حمزة، والبرهان العمادي الحلبي، وأخذ عن غيرهما أيضا.
وكان علّامة، عارفا بالفقه والفرائض والأصول، ولي مشيخة خانقاه أمّ الملك الصّالح بحلب، ودرّس بالفردوس، وولي تدريس الجامع الكبير بها.
وتوفي وهو يذكر اسم الله تعالى ذكرا متواليا، ودفن بمقابر الصّالحين بحلب.
وفيها سعد الدّين علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق [١] ولد سيدي محمد الفقيه المقرئ الشامي الحجازي الشافعي.
ولد كما ذكره والده في السفينة العراقية سنة سبع وتسعمائة بساحل بيروت، وحفظ القرآن العظيم وهو ابن خمس سنين في سنتين، ولازم والده في قراءة ختمة كل جمعة ست سنين، فعادت بركة الله تعالى عليه، وحفظ كتبا عديدة في فنون شتّى، وأخذ القراآت عن تلميذ أبيه الشيخ أحمد بن عبد الوهاب خطيب قرية مجدل معوش، وعن غيره، وكان ذا قدم راسخة في الفقه، والحديث، والقراآت، ومشاركة جيدة في غيرها، وله اشتغال في الفرائض، والحساب، والميقات، وقوة في نظم الأشعار الفائقة، واقتدار على نقد الشعر.
وكان ذا سكينة ووقار، لكنه أصم صمما فاحشا.
وولي خطابة المسجد النبوي، ودخل دمشق وحلب في رحلته إلى الروم.
قال ابن طولون: وعرض له الصّمم في البلاد الرّومية.
قال: وذكر لي أنه عمل شرحا على «صحيح مسلم» كصنيع القسطلاني على «صحيح البخاري» وشرع في شرح على «العباب» [٢] في فقه الشافعية.
قال وسافر من دمشق في عوده من الرّوم لزيارة بيت المقدس يوم الخميس
стр. 5282
ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين، ثم انصرف إلى مصر، وذكر أنه في مدة إقامته بدمشق كان يزور قبر ابن العربي ويبيت عنده، وأنه أشهر شرب القهوة بدمشق، فكثرت من يومئذ حوانيتها.
قال: ومن العجب [١] أن والده كان ينكرها، وخرّب بيتها بمكة.
وتوفي المترجم بالمدينة المنورة وهو خطيبها وإمامها.
وفيها قاضي القضاة شمس الدّين محمد بن عبد الأول السيد الشريف الحسيني الجعفري التّبريزي الشافعي [٢] ثم الحنفي، صدر تبريز، وأحد الموالي الرّومية، المعروف بشصلي أمير.
اشتغل على والده، وعلى منلا محمد البرلسي الشافعي، وغيرهما، ودرّس في حياة أبيه الدرس العام سنة ست عشرة، ثم دخل الرّوم، وترقّى في مدارسها، إلى أن وصل إلى إحدى الثمان، ثم ولي قضاء حلب في أواخر سنة تسع وأربعين، ثم قضاء دمشق، فدخلها في ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين، ووافق القطب بن سلطان، والشيخ يونس العيثاوي في القول بتحريم القهوة، ونادى بإبطالها، ثم عرض بإبطالها إلى السلطان سليمان، فورد أمره بإبطالها في شوال سنة ثلاث وخمسين، وأشهر النداء بذلك.
وكان عالما، فصيحا، حسن الخط.
قال ابن الحنبلي: وكان له ذؤابتان يخضبهما ولحيته بالسواد.
وذكر ابن طولون: أنه كان محمود السيرة، له حرمة زائدة.
وتوفي بالقسطنطينية.
وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقمي الشافعي [٣] الإمام العلّامة.
стр. 5283
ولد خامس عشر صفر سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وأخذ عن جماعة، منهم البدر الغزّي، والشّهاب الرّملي، وغيرهما، وأجيز بالتدريس والإفتاء، وكان أحد المدرّسين بجامع الأزهر، وله حاشية حافلة على «الجامع الصغير» للحافظ السيوطي، وكتاب سمّاه «ملتقى البحرين» [١] .
وكان متضلعا من العلوم العقلية والنقلية، قوّالا بالحقّ، ناهيا عن المنكر، له توجه عظيم في قضاء حوائج إخوانه، وعمر عدة جوامع في بلاد الرّيف، رحمه الله تعالى.
وفيها محمد بن عبد القادر [٢] أحد الموالي الرّومية.
أخذ عن جماعة منهم المولي محيي الدّين الفناري، وابن كمال باشا، والمولى حسام جلبي، والمولى نور الدّين، ثم خدم خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقل في المدارس حتى أعطى إحدى الثمان، ثم ولي قضاء مصر، ثم قضاء العساكر الأناضولية، ثم تقاعد بمائة عثماني لاختلال عرض له برجله منعه من مباشرة المناصب، ثم ضم له في تقاعده خمسون درهما.
وكان عارفا بالعلوم العقلية والنقلية، وله ثروة بنى دارا للقراء بالقسطنطينية، ودارا للتعليم في قرية قوملة [٣] ، رحمه الله تعالى.
وفيها شمس الدّين محمد بن محمود الطّنّيخي المصري [٤] الشافعي الإمام العلّامة المجمع على جلالته، إمام جامع الغمري.
стр. 5284
أخذ عن الشيخ ناصر الدّين اللّقاني، والشّهاب الرّملي، والشمس الدواخلي، وأجازوه بالإفتاء والتدريس، وكان كريم النّفس، حافظا للسانه، مقبلا على شأنه، زاهدا، خاشعا، سريع الدمعة، لم يزاحم قطّ على شيء من وظائف الدنيا، رحمه الله تعالى.
وفيها المولى محمد بن محمود المغلوي الوفائي الحنفي [١] أحد الموالي الرّومية، المعروف بابن الشيخ محمود.
خدم المولى سيدي القرماني، وصار معيدا لدرسه، وتنقّل في المدارس، ثم اختار القضاء، فولي عدة من البلاد، ثم عاد إلى التدريس، حتّى صار مدرّسا بإحدى الثمان، ثم أعطي قضاء القسطنطينية، ثم تقاعد بمائة عثماني إلى أن مات.
وكان عارفا بالعلوم الشرعية والعربية، له إنشاء بالتركية، والعربية، والفارسية، يكتب أنواع الخطّ، وله تعليقات على بعض الكتب.
وكان له أدب ووقار، ولا يذكر أحدا إلّا بخير، رحمه الله تعالى.
وفيها قاضي القضاة جلال الدّين أبو البركات محمد بن يحيى بن يوسف الرّبعي التّادفي الحلبي الحنبلي ثم الحنفي [٢] .
ولد في عاشر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وثمانمائة، وأخذ عن أحمد بن عمر البارزي، وأجاز له، وعن الشمس السّفيري، والشمس بن الدّهن المقرئ بحلب، والشهابي بن النّجار الحنبلي بالقاهرة، وغيرهم، وبرع، ونظم، ونثر، وولي نيابة قضاء الحنابلة بحلب عن أبيه، وعمره ست عشرة سنة إلى آخر الدولة الجركسية، ثم لم يزل يتولى المناصب السّنية في الدولتين بحلب وحماة ودمشق، فإنه تولى بها نظر الجامع الأموي عن والده، ثم ضم إليه نظر الحرمين الشريفين، ثم سافر إلى القاهرة، فناب للحنابلة بمحكمة الصالحية النجمية، ثم بباب
стр. 5285
الشعرية، ثم ولي نظر وقف الأشراف بالقاهرة، ثم استقلّ بقضاء رشيد، ثم تولى قضاء المنزلة مرتين، ثم ولي قضاء حوران من أعمال دمشق، ثم عزل عنه سنة تسع وأربعين، فذهب إلى حماة، وألّف بها «قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر» وضمّنه أخبار رجال أثنوا عليه وجماعة ممن لهم انتساب إليه من القاطنين بحماة وغيرهم.
ومن شعره:
يا ربّ قد حال حالي ... والدّين أثقل ظهري
وقد تزايد ما بي ... والهمّ شتّت فكري
ولم أجد لي ملاذا ... سواك يكشف ضرّي
فلا تكلني لنفسي ... واشرح إلهي صدري
وعافني واعف عنّي ... وامنن بتيسير أمري
بباب عفوك ربّي ... أنخت أنيق فقري
فلا تردّ سؤالي ... واجبر بحقّك كسري
وتوفي بحلب.
قال ابن عمه ابن الحنبلي في «تاريخه» : ولم يعقّب ذكرا.
وفيها- تقريبا- يحيى بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن جلال الدّين الخجندي المدني الحنفي [١] قاضي الحنفية بالمدينة الشريفة وإمامهم بها بالمحراب الشريف النبوي.
كان عالما، عاملا، فاضلا، عالي الإسناد، معمّرا، ولي القضاء بغير سعي، ثم عزل عنه فلم يطلبه، ثم عزل عن الإمامة. وكان معه ربعها فصبر على لأواء المدينة، مع كثرة أولاده وعياله، ثم توجه إلى القاهرة، فعظّمه كافلها وعلماؤها،
стр. 5286
وأخرج له من حواليها شيئا، ثم عرض له بحيث يستغني عن القضاء، ثم قدم حلب في حدود سنة ثلاث وخمسين والسلطان سليمان بها، واجتمع به ابن الحنبلي وغيره من الأعيان.
قال ابن الحنبلي: وكنت قد اجتمعت به في المدينة عائدا من الحجّ وتبركت به. انتهى
стр. 5287
سنة أربع وستين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن علي المزجاجي الحنفي [١] الإمام العلّامة.
قال في «النور» : ولد سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وحفظ القرآن، وسمع الحديث على جماعة، منهم الشيخ عبد الرحمن [بن] الدّيبع، وكتب له الإجازة والأسانيد بخطّه، وتفقه بجماعة من الحنفية، وقرأ [٢] في كتب الرقائق، وسمع على الشيخين الوليين الكاملين المحقّقين يحيى بن الصّديق النّور وبه تخرّج وانتفع، والشيخ أبي الضّياء وجيه الدّين العلوي، ولبس الخرقة من والده، ثم ألبسه مرة أخرى أخوه لأمه الشيخ إسماعيل المزجاجي، وأذن له في إلباسها.
وكان إماما، علّامة، محقّقا، عارفا، مدقّقا، بحرا من بحار الحقيقة والشريعة، مرشدا، مسلكا، بلغ من كل فضل الأمل، له اليد الطولى في كتب القوم، وتخرّج به جماعة، منهم ولده العلّامة المجتهد الحافظ شيخنا ومولانا أبو الحسن شمس الدّين علي، والشريف حاتم بن أحمد الأهدل، وخلائق لا تحصى.
وبالجملة، فقد كان فريد دهره، ونادرة عصره، ونسيج وحده، ولازم أبده [٣] علما وعملا وإفادة وسيادة، وله كلام في الحقائق يشهد له بذلك.
стр. 5288
وكان علماء وقته يجلّونه غاية الإجلال، ويشهدون له بالتقدم على الأمثال.
وتوفي في جمادى الأولى بقرية الظاهر التي أنشأها جدّه الشيخ الصّديق بن عبد الله المزجاجي الصّوفي. انتهى وفيها القاضي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي البصروي الحنفي [١]- خلاف أبيه وجدّه، فإنهما شافعيان- العالم ابن العالم ابن العالم.
قرأ على والده، والبدر الغزّي وغيرهما، وولي قضاء قارة [٢] ، ثم الصّلت، وعجلون.
وتوفي في هذه السنة وتاريخ وفاته (قاضي أحمد) [٣] .
وفيها عبد الرحمن بن رمضان القصّار [٤] والده.
اشتغل في العلم على ابن الحنبلي، والجمال بن حسن ليه.
وكان صالحا، ديّنا، عفيفا، طارح التكلف، قانعا بأجرة أزرار كان يصنعها.
وكان له ذوق صوفي ومشرب صفي، حجّ وجاور ومرض، ثم شفي، وعاد إلى حلب ومات بها في شعبان. قاله في «الكواكب» .
وفيها عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد بن موسى المغربي المكناسي المالكي [٥] الإمام العالم الأديب، شيخ القراء بالمدينة المنورة.
كان فاضلا، علّامة، مفنّنا، شاعرا، صالحا، دمث الأخلاق، كثير التواضع،
стр. 5289
له عدة منظومات في علوم شتّى، منها «منهج الوصول ومهيع السالك للأصول» في أصول الدّين، و «نظم جواهر السيوطي في علم التفسير» و «درر الأصول في أصول الفقه» و «نتائج الأنظار ونخبة الأفكار» في الجدل، و «نظم العقود في المعاني والبيان» و «تحفة الأحباب» في الصّرف، و «غنية الإعراب» في النحو، و «نزهة الألباب في الحساب» و «الدّر في المنطق» .
وقدم دمشق بعد أن زار بيت المقدس من جهة المدينة في سنة إحدى وخمسين، وأنشد:
قالوا دمشق جنّة زخرفت ... من كل ما تهوى نفوس البشر
أما ترى الأنهار من تحتها ... تجري فقلت مجاوبا: بل سقر
لأنها حفّت بما يشتهى [١] ... فهي إذا نار كما في الخبر
ودخل حلب، واستجاز بها الشمس السّفيري، والموفق بن أبي ذرّ.
ومن شعره أيضا:
ذوو المناصب إمّا أن يكون لهم ... نصب وإلّا فهم فيها ذوو نصب
فلا تعرّج عليها ما بقيت وكن ... بالله محتسبا في تركها تصب
لا سيما منصب القاضي فإنك إن ... تزغ عن الحقّ فيه كنت ذا عطب
فإن قضى الله يوما بالقضاء أخي ... عليك فاعدل ولكن لا إلى الذّهب
وتوفي بالمدينة المنورة، رحمه الله تعالى.
وفيها محيي الدّين عبد القادر بن حسن العجماوي الشافعي [٢] العالم الفاضل.
أخذ عن علماء عصره، وبرع، ومهر، وأخذ عنه جماعات، منهم شيخ
стр. 5290
الإسلام بدر الدّين محمد بن حسن البيلوني، وأجازه في خامس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وستين.
وتوفي في هذه السنة ظنّا.
وفيها محبّ الدّين محمد بن عبد الجليل بن أبي الخير محمد، المعروف بابن الزّرخوني المصري الأصل الدمشقي الشافعي [١] الإمام العلّامة الأستاذ ابن الأستاذ القواس.
قال في «الكواكب» : ولد سنة خمس وتسعين وثمانمائة، وطلب العلم على كبر، وحصّل عدة فنون، وكان من أخصاء الشيخ الوالد ومحبيه، وكان ينوب عنه في إمامة الجامع الأموي.
قال الوالد: ولزمني كثيرا، وقرأ عليّ ما لا يحصى كثرة. انتهى وفيها محمد بن عمر بن سوار الدمشقي العاتكي الشافعي [٢] العبد الصّالح الورع، والد الشيخ عبد القادر بن سوار شيخ المحيا بدمشق.
أخذ الطريق عن الشيخ عبد الهادي الصفّوري.
وكان صوّاما، قواما، ينسج القطن، ويأكل من كسب يمينه، وما فضل من كسبه تصدّق به، وتعاهد الأرامل واليتامى.
قال في «الكواكب» : وأخبرني بعض جماعته قال: كان ربما سقى الشاش العشرة أذرع بكرة النهار ونسجه فيفرغ من نسجه وقت الغداء من ذلك اليوم، فيمد له في الزمان. انتهى