وأخرج له من حواليها شيئا، ثم عرض له بحيث يستغني عن القضاء، ثم قدم حلب في حدود سنة ثلاث وخمسين والسلطان سليمان بها، واجتمع به ابن الحنبلي وغيره من الأعيان.
قال ابن الحنبلي: وكنت قد اجتمعت به في المدينة عائدا من الحجّ وتبركت به. انتهى
стр. 5287
سنة أربع وستين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن علي المزجاجي الحنفي [١] الإمام العلّامة.
قال في «النور» : ولد سنة سبع وتسعين وثمانمائة، وحفظ القرآن، وسمع الحديث على جماعة، منهم الشيخ عبد الرحمن [بن] الدّيبع، وكتب له الإجازة والأسانيد بخطّه، وتفقه بجماعة من الحنفية، وقرأ [٢] في كتب الرقائق، وسمع على الشيخين الوليين الكاملين المحقّقين يحيى بن الصّديق النّور وبه تخرّج وانتفع، والشيخ أبي الضّياء وجيه الدّين العلوي، ولبس الخرقة من والده، ثم ألبسه مرة أخرى أخوه لأمه الشيخ إسماعيل المزجاجي، وأذن له في إلباسها.
وكان إماما، علّامة، محقّقا، عارفا، مدقّقا، بحرا من بحار الحقيقة والشريعة، مرشدا، مسلكا، بلغ من كل فضل الأمل، له اليد الطولى في كتب القوم، وتخرّج به جماعة، منهم ولده العلّامة المجتهد الحافظ شيخنا ومولانا أبو الحسن شمس الدّين علي، والشريف حاتم بن أحمد الأهدل، وخلائق لا تحصى.
وبالجملة، فقد كان فريد دهره، ونادرة عصره، ونسيج وحده، ولازم أبده [٣] علما وعملا وإفادة وسيادة، وله كلام في الحقائق يشهد له بذلك.
стр. 5288
وكان علماء وقته يجلّونه غاية الإجلال، ويشهدون له بالتقدم على الأمثال.
وتوفي في جمادى الأولى بقرية الظاهر التي أنشأها جدّه الشيخ الصّديق بن عبد الله المزجاجي الصّوفي. انتهى وفيها القاضي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي البصروي الحنفي [١]- خلاف أبيه وجدّه، فإنهما شافعيان- العالم ابن العالم ابن العالم.
قرأ على والده، والبدر الغزّي وغيرهما، وولي قضاء قارة [٢] ، ثم الصّلت، وعجلون.
وتوفي في هذه السنة وتاريخ وفاته (قاضي أحمد) [٣] .
وفيها عبد الرحمن بن رمضان القصّار [٤] والده.
اشتغل في العلم على ابن الحنبلي، والجمال بن حسن ليه.
وكان صالحا، ديّنا، عفيفا، طارح التكلف، قانعا بأجرة أزرار كان يصنعها.
وكان له ذوق صوفي ومشرب صفي، حجّ وجاور ومرض، ثم شفي، وعاد إلى حلب ومات بها في شعبان. قاله في «الكواكب» .
وفيها عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد بن موسى المغربي المكناسي المالكي [٥] الإمام العالم الأديب، شيخ القراء بالمدينة المنورة.
كان فاضلا، علّامة، مفنّنا، شاعرا، صالحا، دمث الأخلاق، كثير التواضع،
стр. 5289
له عدة منظومات في علوم شتّى، منها «منهج الوصول ومهيع السالك للأصول» في أصول الدّين، و «نظم جواهر السيوطي في علم التفسير» و «درر الأصول في أصول الفقه» و «نتائج الأنظار ونخبة الأفكار» في الجدل، و «نظم العقود في المعاني والبيان» و «تحفة الأحباب» في الصّرف، و «غنية الإعراب» في النحو، و «نزهة الألباب في الحساب» و «الدّر في المنطق» .
وقدم دمشق بعد أن زار بيت المقدس من جهة المدينة في سنة إحدى وخمسين، وأنشد:
قالوا دمشق جنّة زخرفت ... من كل ما تهوى نفوس البشر
أما ترى الأنهار من تحتها ... تجري فقلت مجاوبا: بل سقر
لأنها حفّت بما يشتهى [١] ... فهي إذا نار كما في الخبر
ودخل حلب، واستجاز بها الشمس السّفيري، والموفق بن أبي ذرّ.
ومن شعره أيضا:
ذوو المناصب إمّا أن يكون لهم ... نصب وإلّا فهم فيها ذوو نصب
فلا تعرّج عليها ما بقيت وكن ... بالله محتسبا في تركها تصب
لا سيما منصب القاضي فإنك إن ... تزغ عن الحقّ فيه كنت ذا عطب
فإن قضى الله يوما بالقضاء أخي ... عليك فاعدل ولكن لا إلى الذّهب
وتوفي بالمدينة المنورة، رحمه الله تعالى.
وفيها محيي الدّين عبد القادر بن حسن العجماوي الشافعي [٢] العالم الفاضل.
أخذ عن علماء عصره، وبرع، ومهر، وأخذ عنه جماعات، منهم شيخ
стр. 5290
الإسلام بدر الدّين محمد بن حسن البيلوني، وأجازه في خامس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وستين.
وتوفي في هذه السنة ظنّا.
وفيها محبّ الدّين محمد بن عبد الجليل بن أبي الخير محمد، المعروف بابن الزّرخوني المصري الأصل الدمشقي الشافعي [١] الإمام العلّامة الأستاذ ابن الأستاذ القواس.
قال في «الكواكب» : ولد سنة خمس وتسعين وثمانمائة، وطلب العلم على كبر، وحصّل عدة فنون، وكان من أخصاء الشيخ الوالد ومحبيه، وكان ينوب عنه في إمامة الجامع الأموي.
قال الوالد: ولزمني كثيرا، وقرأ عليّ ما لا يحصى كثرة. انتهى وفيها محمد بن عمر بن سوار الدمشقي العاتكي الشافعي [٢] العبد الصّالح الورع، والد الشيخ عبد القادر بن سوار شيخ المحيا بدمشق.
أخذ الطريق عن الشيخ عبد الهادي الصفّوري.
وكان صوّاما، قواما، ينسج القطن، ويأكل من كسب يمينه، وما فضل من كسبه تصدّق به، وتعاهد الأرامل واليتامى.
قال في «الكواكب» : وأخبرني بعض جماعته قال: كان ربما سقى الشاش العشرة أذرع بكرة النهار ونسجه فيفرغ من نسجه وقت الغداء من ذلك اليوم، فيمد له في الزمان. انتهى
стр. 5291
سنة خمس وستين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن عثمان بن محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن محمد العمودي اليمني الشافعي [١] الإمام العلّامة الفقيه ابن الفقيه.
قال في «النور» : ولد بزبيد سنة خمس عشرة وتسعمائة تقريبا، واشتغل في العلوم، وبرع، وكان من كبار أهل العلم والفتيا والتدريس، مع الورع التّام، والزّهد العظيم، والإقبال على الطاعة، وكثرة العبادة، والسلوك على نهج السّلف الصّالح، ولزوم الخمول، وترك ما لا يعني، والإحسان الدائم إلى الفقراء والمحتاجين والطلبة.
وكان يعرف اسم الله الأعظم، وينفق من الغيب، وتعظّمه الأكابر.
من محفوظاته «الإرشاد» في الفقه.
وكانت تأتيه الفتاوى من البلاد البعيدة فيجيب عنها.
وتوفي يوم السبت حادي عشر المحرم بتعز، وبنيت على قبره قبّة عظيمة.
انتهى.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن ناصر الأعزازي الأصل الشافعي [٢] إمام الثانية بجامع المهمندار.
стр. 5292
تفقه على البرهان العمادي كأبيه، وأشغل بعض الطلبة. قاله في «الكواكب» وفيها القاضي شهاب الدّين أحمد بن العلاوي [١] .
قال في «الكواكب» : كان يعرف الفرائض والحساب، وكان يتولى القضاء في برّ الشام، فقتل في بعض القرى، وهو والد يوسف الشاعر. انتهى وفيها المولى نور الدّين حمزة الكرماني الرّومي الحنفي الصوفي [٢] .
طلب العلم، ثم رغب في التصوف، وخدم العارف بالله تعالى سنبل سنان، ثم العارف بالله تعالى محمد بن بهاء الدّين، وصار له عنده القبول التام.
وكان خيّرا، ديّنا، قوّالا بالحقّ، مواظبا على آداب الشريعة، مراعيا لحقوق الإخوان.
توفي بالقسطنطينية، رحمه الله تعالى.
وفيها عبد الصّمد بن الصّالح المرشد محيي الدّين محمد العكّاري الحنفي [٣] نزيل دمشق، الإمام العلّامة.
قال الشيخ يونس العيثاوي: كان رجلا، صالحا، وانتهت إليه الفتيا في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، وحصل له محنة من نائب دمشق سنان الطواشي، والقاضي السيد المعروف بشصلي أمير.
قال: وحصل الإنكار عليه بسكنه في المدرسة العادلية المقابلة للظّاهرية.
وكان له تدريس مدرسة القصّاعية، وحصل له ثروة.
وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان في الجامع الأموي.
стр. 5293
وكان والده يربّي الفقراء على طريقة حسنة.
وتوفي عبد الصّمد يوم الاثنين ثامن رجب.
وفيها كريم الدّين عبد الكريم بن إبراهيم بن مفلح الحنبلي [١] الشيخ الفاضل.
كان كاتبا في المحكمة الكبري بدمشق، ومات فجأة، فإنه بيّض أربعة أوراق مساطير، ثم خرج، فبينما هو في الطريق سقط لوجهه وحمل إلى منزله، فلما وضع مات، ودفن بالقلندرية بباب الصغير، وصبر والده واحتسب.
وفيها عبد الملك بن عبد الرحمن بن رمضان بن حسن الحلبي الشافعي [٢] ، المعروف بابن القصّاب.
قال ابن الحنبلي: تفقه على والده، وجلس [٣] بعده لشكاية الخواطر على حسب حاله، وحدّث على كرسي جامع دمرداش. انتهى وفيها محمد بن سويدان الحلبي الصّوفي [٤] .
قال في «الكواكب» : كان شيخا، صالحا، منوّرا همذاني الخرقة، أدرك السيد عبد الله التّستري الهمذاني، وتلقّن منه الذكر، وذكر في حلقته كوالده الشيخ سويدان.
وتوفي عن نحو مائة سنة، رحمه الله تعالى. انتهى وفيها أبو الفتح محمد بن فتيان المقدسي الشافعي [٥] الإمام العلّامة.
كان إمام الصخرة بالمسجد الأقصى أربعين سنة.
وتوفي في ربيع الآخر، رحمه الله تعالى.
стр. 5294
وفيها أبو البقاء محمد البقاعي الحنفي [١] ، خطيب الجامع الأموي بدمشق، وكان خادم سيدي الشيخ أرسلان.
ميلاده يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة، سنة تسعين وثمانمائة.
وتوفي فجأة ليلة الخميس عاشر ذي القعدة. كذا بخطّ ابن صاحب «العنوان» .
стр. 5295
سنة ست وستين وتسعمائة
فيها توفي- تقريبا- برهان الدّين إبراهيم بن بخشي [١]- بالموحدة- ابن إبراهيم الحنفي، المشهور بدادة خليفة [٢] مفتي حلب، قيل: كان في الأصل دباغا، فمنّ الله تعالى عليه بطلب العلم، حتّى صار من موالي الرّوم، وهو أول من درّس بمدرسة خضر باشا بحلب، وأول من أفتى بها من الأروام.
قال ابن الحنبلي: صحبناه، فإذا هو مفنّن ذو حفظ مفرط، ترجمه عبد الباقي العربي وهو قاضيها لأنه انفرد في المملكة الرّومية بذلك، مع غلبة الرطوبة على أهلها، واستيلاء النسيان عليهم بواسطتها.
قال: وذكر هو عن نفسه أنه كان بحيث لو توجّه إلى حفظ «التلويح» في شهر لحفظه إلّا أنه كان واظب على صوم داود ﵇ ثمان سنوات، فاختلف دماغه، فقلّ حفظه، ولم يزل في حلب على جدّ في المطالعة وديانة في الفتوى، حتى ولي منصب الإفتاء بأزنيق [٣] من بلاد الرّوم.
وكان يقول: لو أعطيت بقدر هذا البيت ياقوتا ما حلت عن الشرع شبرا.
وألّف رسالة في «تحريم اللّواط» وأخرى في «أقسام أموال بيت المال وأحكامها ومصارفها» وثالثة في «تحريم الحشيش والبنج» . انتهى
стр. 5296
وفيها شهاب الدّين أحمد بن القاضي برهان الدّين إبراهيم الأخنائي الشافعي [١] أحد أصلاء دمشق.
كان قليل المخالطة، ملازما للأموي.
توفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول ودفن عند والده بالقرب من جامع جرّاح.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن عبد الأول القزويني، المشهور في دياره بالسعيدي [٢] الإمام العلّامة المفنّن المحقّق.
سئل عن مولده فأخبر أنه ولد سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، وأن له نسبا إلى سعيد بن زيد الأنصاري أحد العشرة [٣] رضي الله تعالى عنهم [٣] . وذكر أنه ختم القرآن وهو ابن ست سنين وأربعة أشهر وأربعة أيام، وأنه أخذ الفرائض عن أبيه، وأفتى فيها صغيرا سنة إحدى وتسعمائة.
وله مؤلفات، منها: «شرح ايساغوجي» ألّفه ببلاده، ثم دخل بلاد العرب، واستوطن دمشق، وحجّ منها، ثم سافر إلى حلب فأكرم مثواه دفتردارها إسكندر بيك، ثم سافر معه، وجمعه بالسلطان سليمان، وأعطي بالقسطنطينية تدريسا جليلا، وسافر مع السلطان إلى قتال الأعاجم، وعاد معه، وألّف هناك كتبا، منها: «حاشية على شرح فرائض السّراجي» للسيد، ناقش فيها ابن كمال باشا، ثم عاد إلى دمشق سنة أربع وستين، واشترى بيت ابن الفرفور، وعمره عمارة عظيمة، وجعل فيها حمّاما وبيوتا كثيرة، بالسقوف الحسنة، والأرائك العظيمة، وغرس أشجارا، ومات وأرباب الصنائع يشتغلون عنده في أنواع العمائر.
وتوفي ليلة الأحد رابع عشر شعبان، ودفن بباب الصغير بالقلندرية. قاله في «الكواكب»
стр. 5297
وفيها بدر الدّين حسن بن يحيى بن المزلق الدمشقي الشافعي [١] العالم الواعظ.
قال الشيخ يونس العيثاوي: كان من أهل العلم والدّيانة، ولي تدريس الأتابكية بالصالحية، وتفقّه على الشيخ تقي الدّين القاري أي، وعلى الشيخ يونس العيثاوي، وأخذ عن القاضي زكريا، والتّقوي بن قاضي عجلون، والبدر الغزّي.
وتوفي يوم الأربعاء سادس عشري صفر، ودفن بتربة أهله خارج باب الجابية بدمشق في المحلّة المحروقة تجاه تربة باب الصغير، وخلّف كتبا كثيرة، اشتراها جدّ الشيخ إسماعيل النابلسي.
وفيها حسين چلبي [٢] متولي تكية السلطان سليم خان بالصالحية بدمشق.
قال في «الكواكب» : شنق هو وسنان القرماني يوم الخميس رابع عشر شوال، صلبا معا بدار السعادة، وشاشاهما وعمامتاهما على رؤوسهما، وهما ذوا شيبتين نيرتين، رحمهما الله تعالى. انتهى وفيها سنان القرماني [٣] نزيل دمشق.
قال في «الكواكب» : هو والد أحمد جلبي ناظر أوقاف الحرمين الآن بدمشق.
ولي نظارة البيمارستان، ثم نظارة الجامع الأموي، وانتقد عليه أنه باع بسط الجامع وحصره، وأنه خرّب مدرسة المالكية التي بقرب البيمارستان النوري وتعرف بالصّمصامية، وحصل به الضّرر بمدرسة النورية، فشنق بسبب هذه الأمور هو وحسين چلبي. انتهى ملخصا وفيها كريم الدّين عبد الكريم بن الشيخ الإمام قطب الدّين محمد بن عبادة الصالحي الحنبلي [٤] الأصيل العريق الفاضل.
стр. 5298
قال في «الكواكب» : توفي في أواخر ذي القعدة عن بنتين ولم يعقّب ذكرا، وانقرضت به ذكور بني عبادة، ولهم جهات وأوقاف كثيرة. انتهى وفيها فاطمة بنت عبد القادر بن محمد بن عثمان، الشهيرة ببنت قريمزان [١] الشيخة الفاضلة الصالحة الحنفية الحلبية، شيخة الخانقين العادلية والدجاجية معا.
كان لها خطّ جيد، ونسخت كتبا كثيرة، وكان لها عبارة فصيحة وتعفّف وتقشف وملازمة للصلاة، حتّى في حال المرض.
ولدت في رابع محرم سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، ثم تزوجها الشيخ كمال الدّين محمد بن مير جمال الدّين بن قلي درويش الأردبيلي الشافعي نزيل المدرسة الرواحية بحلب، الذي قيل: إن جدّه أول من شرح «المصباح» .
قالت وعن زوجي هذا أخذت العلم، وكان يقول: ملّكني الله تعالى ستة وثلاثين علما.
وتوفيت في هذه السنة وأوصت أن تدفن معها سجادتها.
قال ابن الحنبلي: وقد ظفرت بشهود جنازتها وحملها فيمن حمل، رحمها الله تعالى.
وفيها ناصر الدّين محمد بن سالم الطّبلاوي الشافعي [٢] الإمام العلّامة أحد العلماء الأفراد بمصر.
أجاز العلّامة محمد البيلوني كتابة في مستهل جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة. قال: فيها تلقيت العلم عن أجلّة من المشايخ، منهم قاضي القضاة زكريا، وحافظو عصرهم الفخر بن عثمان الدّيمي، والسيوطي، والبرهان القلقشندي بسندهم المعروف، وبالإجازة العالية مشافهة عن الشيخ شهاب الدّين
стр. 5299
البيجوري شارح «جامع المختصرات» نزيل الثغر المحروس بدمياط بالإجازة العالية، عن شيخ القراء والمحدّثين محمد بن الجزري.
وقال الشعراوي: صحبته نحو خمسين سنة، فما رأيت في أقرانه أكثر عبادة لله تعالى منه، لا تكاد تراه إلّا في عبادة، وانتهت إليه الرئاسة في سائر العلوم بعد موت أقرانه، وكان مشهورا في مصر بكثرة رؤية رسول الله ﵌، وأقبل عليه الخلائق إقبالا كثيرا بسبب ذلك، فأشار عليه بعض الأولياء بإخفاء ذلك فأخفاه. قال: وليس في مصر الآن أحد يقرئ في سائر العلوم الشرعية وآلاتها إلّا هو، حفظا. وقد عدّوا ذلك من جملة إمامته، فإنه من المتبحرين في التفسير، والقراآت، والفقه، والنحو، والحديث، والأصول، والمعاني، والبيان، والحساب، والمنطق، والكلام، والتصوف، وما رأيت أحدا في مصر أحفظ لمنقولات هذه العلوم منه، وجمع على «البهجة» شرحين جمع فيهما ما في «شرح البهجة» لشيخ الإسلام وزاد عليها ما في «شرح الروض» وغيره.
وولي تدريس الخشابية وهي من أجلّ تدريس في مصر، وشهد له الخلائق بأنه أعلم من جميع أقرانه، وأكثرهم تواضعا، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم نفسا، لا يكاد أحد يغضبه.
وتوفي بمصر عاشر جمادى الآخرة، ودفن في حوش الإمام الشافعي ﵁، وعمّر نحو مائة سنة.
وفيها شمس الدّين محمد الجعيدي الدمشقي الشافعي [١] رئيس دمشق في عمل الموالد.
كان من محاسن دمشق التي انفردت بها. قاله في «الكواكب» وفيها يونس بن يوسف الطّبيب [٢] رئيس الأطباء بدمشق، الشيخ الفاضل، وهو والد الشيخ شرف الدّين الخطيب.
стр. 5300
قال الشيخ يونس العيثاوي: كان ذكيا، فطنا، انتهت إليه رئاسة الطب بدمشق، وأقبلت عليه الدنيا. انتهى وأخذ عنه الطبّ ولده الشيخ شرف الدّين، والشيخ محمد الحجازي.
وتوفي يوم الاثنين رابع عشر شعبان أو خامس عشره
.
стр. 5301
سنة سبع ستين وتسعمائة
فيها- تقريبا- توفي أحمد بن محمود بن عبد الله الحنفي [١] أحد موالي الرّوم، المعروف بابن حامد، الإمام العلّامة. تنقّل في المدارس إلى أن ولي قضاء حلب، وأثنى على فضله ابن الحنبلي.
وله مؤلفات، منها: «شرح المفتاح» للسيد الجرجاني، وحاشية على كتاب «الهداية» في الفقه.
وفيها وجيه الدّين عبد الرحمن بن الشيخ عمر بن الشيخ أحمد بن عثمان بن محمد العمودي [٢] الشافعي.
أخذ عن الحافظ شهاب الدّين بن حجر الهيتميّ، والشيخ أبي الحسن البكري، وغيرهما.
وتفقّه، وبرع، وكان إماما، وليا، قدوة، حجّة من الأولياء الصالحين والمشايخ العارفين، كثير العبادة والاجتهاد، عظيم الورع والزّهد والمثابرة على الأعمال الصّالحة، مع الاشتغال بالعلوم النافعة، والتواضع الزائد، والاستقامة العظيمة.
قال الشيخ عبد القادر الفاكهي فيه، حين ذكر أنه أخذ عن ابن حجر: أخذ عنه أخذ رواية، أخذ شيخ عن شيخ كما قيل في أخذ أحمد عن الشافعي، وأن جل الشيخ- يعني ابن حجر-.
стр. 5302
ومن تصانيفه «حاشية على الإرشاد» وكان أراد محوها فمنعه ابن حجر من ذلك، ومنها: «النور المذرور» ولم يتزوج مدة عمره.
قال الفاكهي: ومناقبه أفردتها برسالة.
وجاور بمكة المشرفة سنين، ومات بها يوم الجمعة تاسع عشري رجب.
وفيها- تقريبا- مصلح الدّين محمد بن صلاح بن جلال الملتويّ الأنصاري السّعدي العبادي الشافعي [١] المشهور بمنلا مصلح الدّين اللاريّ، تلميذ أمير [٢] غياث الدّين بن أمير صدر الدّين محمد الشيرازي.
قال ابن الحنبلي: قدم حلب سنة أربع وستين في تجارة، فأسفر عن علوم شتّى وتأليفات متنوعة، منها: «شرح الشمائل» و «شرح الأربعين النووية» و «شرح الإرشاد» في الفقه، و «شرح السراجية» وحاشية على بعض «البيضاوي» ، وحاشية على مواضع من «المطوّل» وأخرى على مواضع من «المواقف» وأخرى على «شرح الكافية» للجامي انتصر فيه لمحشّيه عبد الغفور اللّاري على محشّيه منلا عصام البخاري، وهي كثيرة الفوائد والزوائد، وغير ذلك.
قال: ولما دخل حلب دخلها في ملبس دنيء وهو يستفسر عن أحوال علمائها، ثم لبس المعتاد، وطاف بها ومعه بعض العبيد والخدم في أموال التجارة ولكن من غير تعاظم في نفسه ولا تكثّر في حدّ ذاته لما كان عنده من مشرب الصّوفية، واشتغل عليه بعض الطلبة واستفتاه بعض الناس هل اجتماع الدفّ والشبّابة في السماع مباح أم لا، فأجاب أن كلا منهما مباح، فاجتماعهما مباح أيضا، واستند إلى قول الغزّالي في «الإحياء» أن أفراد المباحات ومجموعها على السواء إلّا إذا تضمن المجموع محذورا لا يتضمنه الآحاد. قال: وقد وقع المنع من قبل أهل زماننا، وأفتى جدي بالجواز وصحّح فتواه أكابر العلماء من معاصريه ببلاد فارس، ثم نقل فتوى جدّه بطولها، ونقل قول البلقيني في تحريم النووي [٣] الشبّابة
стр. 5303
لا يثبت تحريمها إلّا بدليل معتبر، ولم يقم النووي دليلا على ذلك، ثم نقل تصحيح الجلال الدّواني لفتوى جدّه، ثم كلام الدّواني في «شرح الهياكل» حيث قال: الإنسان يستعد بالحركات العبادية الوضعية الشرعية للشوارق القدسية، بل المحقّقون من أهل التجريد قد يشاهدون في أنفسهم طربا قدسيا مزعجا، فيتحركون بالرّقص والتّصفيق والدوران، ويستعدون بتلك الحركة لشروق أنوار أخر، إلى أن ينقص ذلك الحال عليهم بسبب من الأسباب كما يدل عليه تجارب السالكين، وذلك سرّ السماع وأصل الباعث للمتألهين على وضعه، حتى قال بعض أعيان هذه الطائفة: إنه قد ينفتح لهم في الأربعينيات.
قال ابن الحنبلي: وكان مصلح الدّين قد حكم قبل هذا النقل بإباحة الرّقص أيضا بشرط عدم التثني والتكسر في كلام مطول. قال: ثم إن مصلح الدّين رحل في تلك السنة إلى مكّة، فحجّ وجاور، ثم رجع من مكة إلى حلب فقطن بها، واستفتي، ثم توجه إلى الباب الشريف ومعه عرض من قاضي مكّة عتيق الوزير الأعظم، فخلع عليه خلعة ذات وجهين، وأهدى إليه مالا، وأعطاه من جوالي مصر أربعين درهما في كل يوم، فظهر لها مستحقون، فلم يتصرف بها، ثم عاد إلى حلب، ثم رحل منها إلى آمد. انتهى وفيها- ظنا- زين الدّين منصور بن عبد الرحمن الحريري الدمشقي الشافعي [١] الشهير بخطيب السّقيفة، الإمام العلّامة.
كان خطيبا بجامع السقيفة خارج باب توما سنين كثيرة، وكان خادم ضريح الشيخ أرسلان مدة طويلة، وكانت له يد طولى في علوم كالتفسير والعربية، وكان صوفيّ المشرب، رسلاني الطريقة. أخذ عن جماعة، منهم: البدر الغزي، وله أرجوزة في حفظ الصحة، ورسالة سمّاها ب «رسالة النصيحة في الطريقة الصحيحة» .
стр. 5304
قال ابن الحنبلي: تعانى الأدب، ونظم ونثر، وألّف مقامه حسنة غزلة سمّاها «لوعة الشاكي ودمعة الباكي» وشاع ذكره بحلّ «الزايرجة للسبتي» واتصل بسبب ذلك بالسلطان أبي يزيد خان، فأكرم مثواه، وبلّغه مناه، ثم عاد إلى وطنه ومأواه، ثم رحل [١] إلى حلب سنة خمس وستين، ثم ذكر كلاما يقتضي الطعن فيه.
ومن شعره:
يا صاحبيّ اهجرا الدّجى الوسنا ... لتخبرا في الورى عن بهجة وسنا
خذا [٢] من الشّرع ميزانا [٣] لفعلكما ... ولا تميلا إلى مستقبح وزنا
ومنه مقتبسا:
عاذلي ظنّ قبيحا ... مذ رأى عشقي ينم
ظنّ بي ما هو فيه ... إن بعض الظنّ إثم [٤]
وله:
ظنّ بالناس جميلا ... واتبع الخيرات تسمو
واجتنب ظنّا قبيحا ... إن بعض الظنّ إثم [٤]
وله:
إن عزت الصّهباء يا سيدي ... وكان في الحضرة عذب اللّمى
جعلت سكري ماء ريق له ... لا واخذ الله السّكارى بما
стр. 5305
سنة ثمان وستين وتسعمائة
فيها كما قال في «النور» [١] : جاء جنكز خان إلى سرت، وأحرق دورها، وخرّبها، وسبى أهلها، واستأثر، وقتل صاحبها خداوند خان، قتل يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة بجلنجان، وكان خداوند هذا أميرا، كبيرا، جليلا، رفيع المنزلة، حسن الأخلاق، جميل الصورة، طيّب السيرة، جوادا، سخيا محببا إلى الناس، محبّا لأهل الخير، مجمعا لأهل العلم، حسن العقيدة في الأولياء، عريق الرئاسة.
وكانت سرت في زمنه مأوى للأفاضل، ورثاه أبو السعادات الفاكهي بقصيدة طنّانة مطلعها:
الدّهر في يقظة والسّهو للبشر ... والموت يبدو ببطش البدو والحضر
والسّأم أصعب كأس أنت ذائقه ... قبل التّدثّر للأجساد بالحفر
انتهى.
وفيها توفي القطب العارف بالله تعالى أحمد بن الشيخ حسين بن الشيخ عبد الله العيدروس [٢] .
قال في «النور» : كان من سادات مشايخ الطريقة المكاشفين بأنوار الحقيقة، جمع له بين كمال الخلق والخلق، وبسط المعرفة، وصحّة النّيّة، وصدق المعاملة، ومناقبه كثيرة وأحواله شهيرة.
стр. 5306
وتوفي في سابع جمادى الأولى بتريم، ورثاه والدي بمرثية عظيمة مطلعها:
تقضي فتمضي حكمها الأقدار ... والصّفو تحدث بعده الأكدار
انتهى.
وفيها المولى عصام الدّين أبو الخير أحمد بن مصلح الدّين، المشتهر بطاش كبري زاده [١] صاحب «الشقائق النعمانية» .
قال في «ذيل الشقائق» المذكورة المسمى ب «العقد المنظوم في ذكر أفاضل الرّوم» : كان من العلماء الأعيان، توفي وهو مدرّس بإحدى المدارس الثمان بعد ما كان قاضيا بحلب، وأخذ عن أبيه الحديث والتفسير، ثم قرأ على المولى سيدي محمد القوجوي، وصار ملازما له [٢] ، ثم على المولى محمد الشهير بميرم جلبي، وكمّل عنده العلوم الرياضية، وقرأ على غير هؤلاء، ودرّس بعدة مدارس، ثم قلّد قضاء قسطنطينية، فأجرى الأحكام الدينية إلى أن رمد رمدا شديدا، انتهى إلى أن عميت كريمتاه، فكان مصداق ما جاء في الأثر «إذا جاء القضاء عمي البصر» [٣] فاستعفى عن المنصب، واشتغل بتبييض بعض تآليفه، وكان بحرا، زاخرا، منصفا، مصنّفا، راضيا بالحقّ، عاريا عن المكابرة والعناد، وإذا أحسّ من أحد مكابرة أمسك عن التكلم.
وحكي عنه أنه أمسك لسان نفسه وقال: إن هذا فعل ما فعل من التقصير والزّلل، وصدر عنه ما صدر من الحق والغلط، غير أنه ما تكلم في طلب المناصب الدنيوية قطّ.
стр. 5307
ومن مصنّفاته «المعالم في الكلام» و «حاشية على حاشية التجريد» للشريف الجرجاني من أول الكتاب إلى مباحث الماهية، جمع فيه مقالات المولى القوشي، والجلال الدّواني، ومير صدر الدّين، وخطيب زاده، وشرح القسم الثالث من «المفتاح» وكتاب «الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية» وقد جمعه بعد عماه، وهو أول من تصدى له. وكتاب ذكر فيه أنواع العلوم وضروبها وموضوعاتها وما اشتهر من المصنّفات في كل فنّ مع نبذ من تواريخ مصنّفيها [١] وهو كتاب نفيس غزير الفوائد، وجمع كتابا في التاريخ كبيرا واختصره، وله غير ذلك، وابتلى بمرض الباسور وبه توفي سنة ثمان وستين وتسعمائة. انتهى ما ذكره صاحب «ذيل الشقائق» باختصار.
وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد بن حسين بن علي بن أبي بكر بن علي الأسدي الحلبي الحنفي، المشهور بابن درم ونصف [٢] الإمام العلّامة.
ولد في محرم سنة ست وثلاثين وتسعمائة، وحفظ القرآن العظيم، وتخرّج بعمّه أخي أبيه لأمه الشيخ عبد الله الأطعاني في معرفة الخطّ والقراءة، ثم لازم ابن الحنبلي أكثر من عشرين سنة في عدة فنون، كالعربية، والمنطق، وآداب البحث، والحكمة، والكلام، والأصول، والفرائض، والحديث، والتفسير، وأجازه إجازة حافلة في سنة سبع وستين.
وحجّ وجاور سنة، فأخذ فيها عن السيد قطب الدّين الصّفوي «المطول» وعاد إلى حلب، فلازم منلا أحمد القزويني في الكلام والتفسير، وتولى مدرسة الشهابية تجاه جامع الناصري بحلب، وطالع كتب القوم وتواريخ الناس، ونظم الشعر.
ومن شعره مقتبسا:
يا غزالا قد دهاني ... لم يكن لي منه [٣] علم
لا تظنن ظنّ سوء ... إنّ بعض الظنّ إثم
стр. 5308
وفيها القاضي أبو الجود محمد بن محمد بن محمد الأعزازي [١] .
قال في «الكواكب» : كتب بخطّه لنفسه ولغيره من الكتب المبسوطة ما يكاد يخرج عن طوق البشر، من ذلك خمس نسخ من «القاموس» وعدة نسخ من «الأنوار» وعدة نسخ من «شرح البهجة» و «شرح الروض» [٢] وكتب «البخاري» وشرحه لابن حجر [٢] في كتب أخرى لا تحصى كثرة.
وكتب نحو خمسين مصحفا. كل ذلك مع اشتغاله بالقضاء، ووقف نسخة من «البخاري» على طلبة اعزاز قبل وفاته. انتهى وفيها المولى محمود الإيديني [٣] المعروف بخواجه قيني [٤] .
قال في «العقد المنظوم» : كان أبوه من كبار قضاة القصبات، ثم طلب ابنه هذا العلم، وأكبّ حتّى صار ملازما، وتزوج المولى خير الدّين معلم السلطان بأخته، فعلت به كلمته، وارتفعت مرتبته، فقلّد مدارس عدة، ثم قلّد قضاء حلب، ثم قضاء مكة مرتين.
وكان حسن الخلق، بشوشا، حليما، لا يتأذى منه أحد، أدركته منيته بقصبة إسكدار. انتهى وفيها المولى يحيى بن نور الدّين الشهير بكوسج الأمين الحنفي [٥] .
كان أبوه من الأمناء العثمانية، متوليا على الخراجات الخاصة، فاختار صاحب الترجمة طريق العلم على طريق آبائه، فاشتغل على أفاضل زمانه، حتى صار معيدا لدرس علاء الدّين الجمالي، وتميّز في خدمته، حتى زوّجه بابنته، ودرّس بعدة مدارس، ثم قلّد قضاء بغداد.
стр. 5309
وكان من أفاضل الرّوم، صاحب يد طولى في الحديث والتفسير والوعظ، بحيث لما بنى السلطان سليمان مدرسته بقسطنطينية وجعلها دار حديث أعطاها له لاشتهاره بعلم الحديث، وعيّن له كل يوم مائة درهم، ثم اتفق أنه اتهم [١] ببيع الإعادة والملازمة، وأخذ الرشى على إعطاء الحجرات، فغضب عليه السلطان وعزله، فاغتم لذلك غما شديدا، فلم يمض إلّا القليل حتّى توفي.
وكان لذيذ الصحبة، حلو المحاورة، خاليا عن الكبر والخيلاء، مختلطا بالمساكين والفقراء، إلا أن فيه خصلة سميه يحيى بن أكتم. قاله في «ذيل الشقائق» .
стр. 5310
سنة تسع وستين وتسعمائة
فيها توفي القاضي برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن مفلح الرّاميني الحنبلي [١] الإمام العلّامة.
ولد في رابع عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعمائة، وقرأ على والده وغيره، ودأب وحصّل، وباشر القضاء.
وتوفي ليلة الاثنين ثالث أو رابع عشري شعبان.
وفيها شهاب الدّين أحمد بن علي بن ياسين الدّجاني الشافعي [٢] الإمام العالم العامل العارف بالله تعالى، أحد أصحاب سيدي علي بن ميمون، وصاحب سيدي محمد بن عراق.
كان يحفظ القرآن العظيم، و «منهاج النووي» .
قال تلميذه يوسف الدّجاني الإربدي: كان الشيخ أحمد الدّجاني لا يعرف النحو، فبينما هو في خلوته بالأقصى إذ كوشف بروحانية النّبيّ ﵌، فقال له: «يا أحمد تعلّم النحو» . قال: فقلت له: يا رسول الله علّمني، فألقى عليّ شيئا من أصول العربية ثم انصرف. قال: فلما ولّى لحقته إلى باب الخلوة، فقلت الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، وضممت اللام من رسول، فعاد إليّ وقال في: «أما
стр. 5311
علّمتك النحو أن لا تلحن، قل: يا رسول الله بفتح اللام» قال فاشتغلت بالنحو، ففتح عليّ فيه.
دخل إلى [١] دمشق في أوائل سنة إحدى وخمسين وتسعمائة بسبب قضاء حوائج للناس عند نائب الشام، وكاتب الولايات، وخطب بجامع دمشق يوم الجمعة منتصف رجب وشكره الناس على خطبته، وزار الشيخ محيي الدّين بن عربي، وأقام الذكر عنده، وكان صالحا، قانتا، عابدا، خاشعا.
وتوفي ببيت المقدس في جمادى الأولى.
وفيها شاه علي جلبي ابن المرحوم قاسم بك [٢] .
قال في «العقد المنظوم» : كان أبوه من الغلمان الذين يخدمون في دار السعادة العامرة في عهد السلطان محمد خان، ولما خرج منها صار متوليا لبعض العماير، ونشأ ابنه صاحب الترجمة في حجر أبيه، وسار نحو تحصيل العلوم الظاهرة وأسباب الفوز في الآخرة، فقرأ على عبد الرحمن بن علي بن المؤيد، حتّى حصّل طرفا صالحا، ثم تفرّغ للعبادة، وصحب رجال الطريقة، منهم الشيخ محمود النقشبندي، والشيخ جمال الدّين الخلوتي، ثم وزّع أوقاته بين العلم والعبادة والإفادة.
وكان عالما، عاملا، مثابرا على الطّاعة إلى أن توفي عن خمس وستين سنة.
انتهى.
وفيها مصلح الدّين بن شعبان المعروف بسروري الحنفي [٣] الإمام العلّامة.
ولد بقصبة كليبولي، وكان أبوه تاجرا صاحب يسار، فبذل له مالا عظيما
стр. 5312
لطلب العلم، ودار به على الأعلام، فأخذ عن المولى القادري، وطاش كبري زاده، وغيرهما، وبرع، وأحرز فضائل جمّة، وقال الشعر اللطيف، فلقّب بسروري.
وكان فارسا في لغة فارس، وله مؤلفات عربية ورومية وفارسية، وتنقّل في المدارس، وأكبّ على الاشتغال والتصنيف. وكان بهيّ المنظر، حلو المخبر، تلوح عليه آثار الفوز والفلاح، جوادا، سمحا.
ومن مصنفاته «الحواشي الكبرى على تفسير البيضاوي» وأولها: الحمد لله الذي جعلني كشّاف القرآن، وصيّرني قاضيا بين الحقّ والبطلان. و «الحواشي الصغرى» عليه أيضا. وشرح قريبا من نصف «البخاري» و «حاشية على التلويح» و «حاشية على أوائل الهداية» وشروح لبعض المتون المختصرة، وغير ذلك.
وتوفي بمرض الهيضة عن اثنتين وسبعين سنة، ودفن عند مسجده بقصبة قاسم باشا.
وفيها أبو محمد معروف بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد اليمني [١] الشيخ الكبير القدوة، الشهير العارف بالله تعالى.
قال في «النور» : ولد بشبام [٢] في ليلة الجمعة حادي عشر شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة.
وكان كبير الشأن، ذا كرامات ظاهرة، وآيات باهرة، أفرد مناقبه بعض الفضلاء بالتصنيف.
وكان ذا جاه عظيم، وقبول عند الخاص والعام، وكان سبب خروجه من بلده إلى دوعان أنه وشي به إلى السلطان بدر الكثيري بأشياء، منها فرط اعتقاد الناس فيه، وامتثالهم أوامره ونواهية، فأمر بنفيه من البلاد بعد الإشهار بإهانته، فنودي
стр. 5313
عليه: هذا معبودكم يا أهل شبام، وجعل في عنقه حبلا، وطيف به. ومن غريب الاتفاق أن السلطان أمر بعض أمرائه أن يتولى فعل ذلك، وكان ذلك الأمير من معتقدي الشيخ المذكور فتوقف لذلك، فأرسل إليه الشيخ أن افعل ما أمرت به وأنا ضمينك على الله بالجنّة فرضي الله عنه.
وتوفي ليلة السبت خامس عشر صفر بدوعان. انتهى
стр. 5314
سنة سبعين وتسعمائة
فيها كما قال في «النور» [١] : كان في ثاني يوم من شوال السيل العظيم الهائل بحضرموت الذي لم يسمع بمثله، أخرب كثيرا من تلك الجهة، وأتلف كثيرا من النخيل، وهم يذكرونه ويؤرخون به، وهو المسمى عندهم سيل الإكليل، وقد ضمن تاريخه صاحبنا الفاضل الفقيه عبد الله بن أحمد بن فلاح الحضرمي، فقال:
سيل بوادي حضرموت أذاه عم ... في سنوء [٢] إكليل النّجوم لقد نسم
وضعوا له «تاريخ» ناسب جوره ... يلقاه من يطلبه في أحرف (ظلم) [٣]
وفيها توفي المولى أحمد أفندي بن المفتي أبي السعود [٤] .
قال في «ذيل الشقائق» : كان من الأفاضل الأماثل، ظهرت عليه النجابة من صغره، ودأب في الطلب، فاشتغل على أبيه، حتى صار معيد درسه، واشتغل أيضا على طاش كبري زاده، وبرع في عدة فنون، وتنقّل في المدارس إلى أن صار مدرّسا بإحدى الثمان، ثم صحب بعض الأراذل، فرغبه في أكل بعض المعاجين، فلما أدام أكله تغيّر مزاجه، وآل به الأمر إلى أن توفي في جمادى الأولى وما بلغ ثلاثين سنة.
стр. 5315
وفيها خليل بن أحمد بن خليل بن أحمد بن شجاع الحمصي [١] الحلبي المولد والمنشأ الشافعي، المشهور بابن النّقيب، الإمام العالم.
توفي في هذه السنة أو التي قبلها كما قاله في «الكواكب» .
وفيها الشيخ زين الدّين بن إبراهيم بن محمد بن محمد الشهير بابن نجيم الحنفي [٢] الإمام العلّامة.
قال ولده الشيخ أحمد: هو الإمام العلّامة، البحر الفهامة، وحيد دهره، وفريد عصره، كان عمدة العلماء العاملين، وقدوة الفضلاء الماهرين، وختام المحقّقين والمفتين.
أخذ عن العلّامة قاسم بن قطلوبغا، والبرهان الكركي، والأمين بن عبد العال، وغيرهم. وألّف رسائل وحوادث ووقائع في فقه الحنفية من ابتداء أمره يحتاج إليها في زماننا، وشرح «الكنز» وسماه ب «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» وصل إلى آخر كتاب الإجارة، وكتاب «الأشباه والنظائر» [٣] وكتاب «شرح المنار» في الأصول، وكتاب «لب الأصول مختصر [٤] تحرير الأصول» لابن الهمام، وكتاب [٤] «الفوائد الزّينية في فقه الحنفية» وصل فيها إلى ألف قاعدة وأكثر، و «تعليق على الهداية» و «حاشية على جامع الفصولين» وغير ذلك.
وتوفي صبيحة يوم الأربعاء من رجب. انتهى ملخصا، أي وتأخرت وفاة أخيه الشيخ عمر إلى بعد الألف.
стр. 5316
وفيها شمس الدّين أبو عبد الله عبد البرّ بن قاضي القضاة الحنابلة بدمشق زين الدّين عمر بن مفلح [١] الحنبلي.
ميلاده يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، كذا في «العنوان» .
وتوفي ثالث عشري جمادى الأولى كذا بخط ابن صاحب «العنوان» .
стр. 5317
سنة إحدى وسبعين وتسعمائة
فيها كان سيل عظيم بمكّة المشرّفة بل سيول، فدخل السّيل الحرم الشريف، وعلا على الركن اليماني ذراعا، فقال مؤرّخا لذلك الأديب صلاح الدّين القرشي:
يا سائلي تاريخ سيل طمى ... علا على الرّكن اليماني ذرا
وفيها توفي، تقريبا إن لم يكن تحديدا، برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم التّسيلي- بفتح المثناة الفوقية وبالمهملة وبعد المثناة التحتية لام- الصّالحي الشافعي [١] الإمام العالم المحدّث المسند العارف بالله تعالى.
أخذ عن الإمام محمد بن علي الحنفي الصّالحي الإمام، وسمع منه [٢] ومن غيره [٣] من الأعلام ما لا يحصى، ودأب وحصّل، وشاع ذكره، وبعد صيته بعلو الإسناد، وأخذ عنه الأعيان، منهم شيخ شيوخنا الشيخ إبراهيم بن الأحدب، وأثنى عليه بالعلم، ووصفه بالتصوف والولاية.
وبالجملة فقد كان آية من آيات الله تعالى، علما، وعملا، وزهدا، وورعا، وعلو سند، رحمه الله تعالى.
وفيها- تقريبا- شهاب الدّين أحمد بن أحمد بن حمزة الرّملي الأنصاري الشافعي [٤] ، الإمام العالم العلّامة، شيخ الإسلام، تلميذ القاضي زكريا.
стр. 5318
أخذ الفقه عنه، وعن طبقته، وكان من رفقاء البدر الغزّي، وأخذ عنه النور الزيّادي، والنور الحلبي [١] وأضرابهما، وأقرأ وأفتى، وخرّج وصنّف، ومن مصنّفاته «شرح الزبد لابن أرسلان» و «شرح منظومة البيضاوي» في النكاح، ورسالة في شروط الإمامة، و «شرح شروط الوضوء» وغير ذلك. قاله ولده. وقال: توفي في بضع وسبعين وتسعمائة.
وفيها حسين بن علي الحصكفي الشافعي [٢] الإمام العالم.
قال في «الكواكب» : مولده سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ونظم «تصريف العزّي» وهو ابن أربع عشرة سنة، وقرّظ له عليه شيخ الإسلام الوالد. انتهى وفيها المولى عبد الباقي بن المولى علاء الدّين العربي الحلبي الحنفي [٣] اشتغل بطلب العلوم، حتى وصل إلى مجلس المفتي علاء الدّين الجمالي، وصار ملازما منه، ثم تنقّلت به الأحوال إلى أن ولي قضاء حلب، ثم قضاء مكّة، ثم قضاء بروسة، ثم قضاء القاهرة، ثم قضاء مكة ثانيا.
وكان من أعلام العلماء، صاحب يد في العلوم، وربى أكابر من أعيان الرّوم.
وكان كثير العناية بالدرس، وجمع الأماثل، صاحب اشتهار كثير، حتى قيل لم يبلغ أحمد مبلغه في الاشتهار والظهور.
وكان يلقي مدة إقامته سبعة دروس أو ثمانية، لكنه كان في غاية الحرص على حبّ الرئاسة والجاه، وقد بذل في تحصيل قضاء العسكر أموالا عظيمة، منها أنه كان بنى زمن قضائه ببرسا حمّاما عاليا على ماء جار من غرائب الدنيا يحصّل منه مال عظيم في كل سنة، فوهبه للوزير رستم باشا فلم يثمر له بثمرة.
وتوفي بحلب في الطاعون ولم يعقب. قاله في «ذيل الشقائق» .
стр. 5319
وفيها المولى عبد الرحمن بن جمال الدّين الحنفي، الشهير بشيخ زاده [١] الإمام العلّامة.
قال في «العقد المنظوم» : ولد بقصبة مرزيقون [٢] ، وطلب العلم، وخدم العلماء، كالمولى حافظ العجمي، والمولى محمد القراباغي [٣] ، وحصّل طرفا من العلم، ثم اتصل بخدمة عرب جلبي، فأخذ عنه، وأقام على قدم الإقدام، واهتم في تحصيل المعارف، فمهر في العلوم العربية، والفنون الأدبية، وتميّز في الحديث والتفسير والوعظ، ثم ولي مدرسة دار الحديث بقصبة أبي أيوب الأنصاري، وخطابة جامع قاسم باشا.
وكان حسن النغم، طيب الألحان. ومن جملة من يتغنى بالقرآن، ثم عيّن له وظائف الوعظ والتذكير في عدة جوامع، وتميّز على أقرانه.
وكان من جلّة العلماء وأكابر الفضلاء، ويكفيه من الفخر ما كتب له به أبو السعود أفندي المفتي في صورة إجازته، وهو هذا: اللهم ربّ الأرباب، مالك الرّقاب، منزل الكتاب، محقّ الحقّ وملهم الصواب، صلّ وسلم على أفضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله الأوتاد وصحبه الأقطاب، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهّاب. وبعد: فلما توسمت في رافع هاتيك الأرقام زين العلماء الأعلام الألمعي الفطن اللّبيب، واللّوذعي اللّقن الأريب، ذي الطبع الوقّاد، والذّهن القوي النقّاد، العاطف لأعنّة عزائمه إلى ابتغاء مرضاة الله تعالى من غير عاطف يثنيه، والصارف لأزمة مراده نحو تحصيل زلفاه بلا صارف يلويه، الساعي في تكميل النفس بالكمالات العلية بحسب قوتيه النظرية والعملية، سليل المشايخ الأخيار، نجل العلماء الأبرار، مولانا الشيخ عبد الرحمن بن قدوة العارفين الشيخ جمال الدّين وفقه الله تعالى لما يحبه ويرضاه، وأتاح له في أولاه وأخراه ما هو أولاه وأحراه، دلائل نبل ظاهر في الفنون، ومخائل فضل باهر في
стр. 5320
معرفة الكتاب المكنون، أجزت له في مطالعة الكتب الفاخرة واقتناص العلوم الزاخرة [١] التي ألّفها أساطين أئمة التفسير من كل وجيز وبسيط، وصنّفها سلاطين أسرة التقرير من كل شامل ومحيط، واستخراج ما في بطونها [٢] من الفوائد البارعة، واستنباط ما في تضاعيفها من الفوائد [٣] الرائعة، وسوغت له إفادتها للمقتبسين من أنوارها [الرائقة] تفسيرا وتقريرا، وإفاضتها على المغتنمين من مغانم آثارها عظة وتذكيرا، على ما نظمه بنان البيان في سمط السطور، ورقمه يراعة البراعة في طي رقها المنشور، حسبما [٤] أجاز لي شيخي ووالدي المرحوم بحر المعارف ولجة العلوم، صاحب النفس المطمئنة القدسية، محرز الملكات الإنسية، المنسلخ من النعوت الناسوتية، الفاني في أحكام الشئون اللاهوتية، العارف لأطوار خطرات النفس، الواقف على أسرار الحضرات الخمس، مالك زمام الهداية والإرشاد، حجّة الخلق على كافة العباد، محيي الحقيقة والشريعة [٥] والدّين محمد بن مصطفى العمادي، المجاز له من قبل مشايخه الكبار، لا سيما أستاذه الجليل المقدار، الجميل الآثار، الحبر السّامي والبحر الطامي، الصّنديد الفريد والنحرير المجيد، عمّ والدي علاء الملّة والدّين، المولى الشهير بعلي القوشجي، صاحب «الشرح الجديد للتجريد» وأستاذي العلّامة العظيم الشأن والفهامة الجلي العنوان الإمام الهمام السميدع القمقام، نسيج وحده ووحيد عهده، عبقري لا يوجد له مثال، أو حدي تضرب بمآثره الأمثال، المولى البارع الأمجد أبو المعالي عبد الرحمن بن علي المؤيد [٦] المجاز له من قبل أستاذه المشهور جلالة قدره فيما بين الجمهور، المعروف فضائله لدى القاصي والداني، جلال الملّة والدّين محمد بن أسعد الدواني، المجاز له من قبل أساتذته [٧] العظام، الذين من زمرتهم
стр. 5321
والده العلي القدر سعد الملّة والدّين أسعد الصّدّيقي، المجاز له من قبل مشايخه الفهام، لا سيما أستاذه علّامة العالم مسلم الفضل بين جماهير الأمم، الغني عن التعريف على الإطلاق، المشتهر بلقبه الشريف في أكناف الآفاق، زين الملّة والدّين علي المحقق الجرجاني، وأستاذي الماجد الخطير النّقاب المحدّث النحرير، ذو القدر الأتم والفخر الأتم أبو الفضائل سيدي محمد بن محمد، المجاز له من قبل أستاذه الفاضل وشيخه الكامل، ذو النسب السّامي والفضل العصامي، المولى الشهير بحسن جلبي، محشّي «شرح المواقف» و «التلويح» و «المطول» المجاز له من جهة شيخه الأجل وأستاذه الشامخ المحل وحيد عصره وأوانه، وفريد دهره وزمانه، علاء المجد والدّين، المشهور بالمولى على الطوسي، صاحب كتاب «الذخر» وغيره، والله سبحانه أسأل مكبا على وجه الذل والمهانة ساجدا على جبهة الضراعة والاستكانة أن يفيض عليهم سجال عفوه وغفرانه، وشآبيب رحمته ورضوانه، ويهدينا سبل الهدى ومناهج الرشاد، ويقينا مصارع السوء يوم التناد، إنه رؤوف بالعباد. كتبه العبد الفقير إلى الله سبحانه [١] ، الراجي من جنابه عفوه وغفرانه، أبو السعود الفقير، عفى عنه.
وتوفي شيخ زاده في هذه السنة. انتهى وفيها بدر الدّين حسين بن السيد كمال الدّين محمد بن السيد عزّ الدّين حمزة بن السيد شهاب الدّين أحمد بن علي بن محمد السيد الشريف الحسيني الشافعي الدمشقي [٢] .
ولد سنة ست وعشرين وتسعمائة، وأخذ عن والده وغيره، وكان مدرّسا في الشامية الجوانية والجامع الأموي، وفيه انحصر نسب هذا البيت من الذكور، وكانت وفاته بعد صلاة الجمعة سابع عشر [٣] ذي القعدة، ودفن بتربة والده بالقرب من سيدي بلال الحبشي.
стр. 5322
وفيها السيد وجيه الدّين عبد الرحمن بن حسين بن الصّدّيق الأهدل اليمني الشافعي [١] .
قال في «النور» : ولد سنة إحدى وتسعين وثمانمائة بمدينة زبيد، ونشأ بها، وقرأ القرآن، وصحب جماعة من المشايخ، ونصّبه الشيخ المعروف بابن إسماعيل الجبرتي شيخا وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وظهرت عليه آثار بركة المشايخ الصالحين، وفتح عليه فتوح العارفين، حتى لحق من قبله، وساد أهله، وتضاءلت عليه [٢] المشايخ الأكابر، وشهدت له بالتقدم على الأوائل والأواخر، فأصبح فريد دهره ووحيد عصره، منقطع النّظير، متصلا بجدّه بالأثير، كثرت أتباعه وأصحابه من المشايخ والعلماء والقضاة والأمراء والوزراء والأغنياء والفقراء.
وكان كثير الإنفاق، ميسرة عليه الأرزاق، ما قصده سائل فخاب، ولا أمه وافد إلا ورجع بزلفى وحسن مآب، وهو مع ذلك على قدم التوكل والفتح الرّباني، وكان مشاركا في كثير من العلوم، وجمع كتبا كثيرة في فنون شتّى.
وكان إذا خرج من بيته تزدحم عليه الناس تلتمس بركته.
ومن كراماته أنه جاءه مريض قد عظم بطنه [٣] من الاستسقاء فقرب إليه طعاما وأمره أن يأكله جميعه ففعل ما أمره فزال عنه ذلك المرض في الحال [٤] .
وكراماته لا تنحصر.
وتوفي بزبيد في جمادى الأولى وقبره بها مشهور مزور، وعليه قبة حسنة.
انتهى.
وفيها علاء الدّين علي بن إسماعيل بن موسى بن علي بن حسن بن
стр. 5323
محمد الدمشقي الشافعي [١] الشهير بابن عماد الدّين، وبابن الوس- بكسر الواو وتشديد السين المهملة- الإمام العلّامة.
كان أبوه سمسارا في القماش بسوق جقمق، وولد صاحب الترجمة ليلة السبت خامس عشري رجب سنة سبع عشرة وتسعمائة، ولازم في الفقه الشيخ تقي الدّين القاري وغيره، وأخذ الحديث عن جماعات، منهم الشّهاب الحمصي ثم الدمشقي، والبرهان البقاعي، وأخذ العربية عن الشمس ابن طولون، والكمال ابن شقير، والأصول عن المولى أمير جان التبريزي حين قدم دمشق، والكلام والحكمة عن منلا حبيب الله الأصفهاني، والعربية أيضا والتفسير عن الشيخ مغوش المغربي، وأخذ عن خلائق، وحجّ، وقرأ على قاضي مكّة ابن أبي كثير، وولي نيابة القضاء بمحكمة الميدان، ثم نيابة الباب مدة طويلة، وأقامه بعض قضاة القضاة مقامه، وسافر إلى الرّوم، فعجب علماء الرّوم من فطانته وفضيلته، مع قصر قامته وصغر جثّته، وسموه كجك [٢] علاء الدّين، وكانوا يضربون المثل به، وأعطي ثم تدريس دار الحديث الأشرفية بثلاثين عثمانيا.
قال ابن طولون: وهو درس متجدد لم يكن بالدار المذكورة سوى مشيخة الحديث، ثم أعرض عن نيابة القضاء، وأقبل على التدريس، وغلبت عليه المعقولات، وعمل حواشي على «شرح الألفية» لابن المصنّف.
وكان يقرئ، ويدرّس، ويفتي.
وكان يحفظ القرآن العظيم ويكثر تلاوته، وانتفع به كثيرون، منهم الشيخ إسماعيل النابلسي، والشيخ عماد الدّين، والشمس بن المنقار، والمنلا أسد، وغيرهم.
ومن شعره:
لولا ثلاث هنّ لي بغية ... ما كنت أرضى أنني أذكر
عزّ رفيع وتقى زائد ... والعلم عني في الملا ينشر
стр. 5324
ومنه:
قل لأبي الفتح إذا جئته ... قول عجول غير مستأن
أدرك بني البرش على برشهم ... قد منعوا من قهوة البن
وتوفي بدمشق بعد ظهر يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر، وحضر جنازته قنالي زاده.
وفيها غرس الدّين جلبي بن إبراهيم بن أحمد الحنفي [١] الإمام العلّامة.
نشأ بمدينة حلب، وطلب العلم، وجد واجتهد، فبلغ ما قصد، وقرأ بحلب على الشيخ حسن السيوفي، ثم ارتحل ماشيا إلى دمشق، وأخذ فيها الطب عن ابن المكي، وانتقل إلى القاهرة ماشيا أيضا، فاشتغل بها على ابن عبد الغفّار، أخذ عنه الحكميات والرياضيات والعلوم العقلية، وأخذ علوم الدّين عن القاضي زكريا، وفاق أقرانه، وسار بذكره الركبان، ورفع منزلته الملك الغوري، ولما وقع بينه وبين سلطان الرّوم حضر الوقعة مع الجراكسة، إلى أن استولى السلطان سليم على الدّيار المصرية، وتم الأمر جيء بابن الغوري، وصاحب الترجمة أسيرين فعفا عنهما، وصحبهما إلى قسطنطينية فاستوطنها المترجم، وشرع في إشاعة معارفه، حتّى اشتغل عليه كثير من ساداتها.
وكان رأسا في جميع العلوم خصوصا الرياضيات، صاحب فنون غريبة.
وكان مشهورا بالبخل في التعليم، ولم يقبل مدة عمره وظيفة.
وكان يلبس لباسا خشنا وعمامة صغيرة، ويقنع بالنّزر من القوت، ويكتسب بالتطبب.
ومن مصنفاته «التذكرة في علم الحساب» و «متن» و «شرح» في الفرائض، و «حاشية على فلكيات شرح المواقف» و «حاشية على الجامي» إلى آخر
стр. 5325
المرفوعات، و «حاشية على شرح النّفيسي للموجز في الطب» و «شرح جزءين من تفسير القاضي البيضاوي» وكتاب في علم الزايرجة، و «شرح القصيدة الميمية» للمفتي أبي السعود، وأتي به إليه فعانقه، وأكرمه غاية الإكرام، ولما نظر إلى ما كتبه استحسنه وأعطاه جائزة سنية.
وفيها المولى محمد بن المفتي أبي السعود [١] .
ربّي في حجر والده، وأخذ عنه العلوم، حتى برع فيها، واستدل بطيب الأصل على طيب الثمر، ثم أخذ عن المولى محيي الدّين الفناري، ثم تنقّل في المدارس، إلى أن قلّد قضاء دمشق، فحسنت سيرته، ثم قضاء حلب، ثم بعد مضي سنة انتقل إلى رحمة الله تعالى في حياة أبيه وما أناف [٢] عمره على أربعين سنة.
وفيها رضي الدّين أو عبد الله محمد بن إبراهيم بن يوسف بن عبد الرحمن، المعروف بابن الحنبلي الحنفي الحلبي [٣] الإمام العلّامة المؤرّخ.
أخذ عن الخناجري، والبرهان الحلبي، وعن أبيه وآخرين، وقد استوفى مشايخه في «تاريخه» [٤] وحجّ سنة أربع وخمسين وتسعمائة، ودخل دمشق، وانتفع به جماعة من الأفاضل بدمشق، كشيخ الإسلام محمود البيلوني، والشمس بن المنقار، وأخذ عنه جماعات، منهم العلّامة أحمد بن المنلا، والقاضي محبّ الدّين.
وكان إماما، بارعا، مفنّنا، مسندا، مصنّفا، وله مؤلفات في عدة فنون، منها «حاشية على شرح تصريف العزّي» للتفتازاني، و «شرح على النزهة في الحساب»