← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

والده العلي القدر سعد الملّة والدّين أسعد الصّدّيقي، المجاز له من قبل مشايخه الفهام، لا سيما أستاذه علّامة العالم مسلم الفضل بين جماهير الأمم، الغني عن التعريف على الإطلاق، المشتهر بلقبه الشريف في أكناف الآفاق، زين الملّة والدّين علي المحقق الجرجاني، وأستاذي الماجد الخطير النّقاب المحدّث النحرير، ذو القدر الأتم والفخر الأتم أبو الفضائل سيدي محمد بن محمد، المجاز له من قبل أستاذه الفاضل وشيخه الكامل، ذو النسب السّامي والفضل العصامي، المولى الشهير بحسن جلبي، محشّي «شرح المواقف» و «التلويح» و «المطول» المجاز له من جهة شيخه الأجل وأستاذه الشامخ المحل وحيد عصره وأوانه، وفريد دهره وزمانه، علاء المجد والدّين، المشهور بالمولى على الطوسي، صاحب كتاب «الذخر» وغيره، والله سبحانه أسأل مكبا على وجه الذل والمهانة ساجدا على جبهة الضراعة والاستكانة أن يفيض عليهم سجال عفوه وغفرانه، وشآبيب رحمته ورضوانه، ويهدينا سبل الهدى ومناهج الرشاد، ويقينا مصارع السوء يوم التناد، إنه رؤوف بالعباد. كتبه العبد الفقير إلى الله سبحانه [١] ، الراجي من جنابه عفوه وغفرانه، أبو السعود الفقير، عفى عنه. وتوفي شيخ زاده في هذه السنة. انتهى وفيها بدر الدّين حسين بن السيد كمال الدّين محمد بن السيد عزّ الدّين حمزة بن السيد شهاب الدّين أحمد بن علي بن محمد السيد الشريف الحسيني الشافعي الدمشقي [٢] . ولد سنة ست وعشرين وتسعمائة، وأخذ عن والده وغيره، وكان مدرّسا في الشامية الجوانية والجامع الأموي، وفيه انحصر نسب هذا البيت من الذكور، وكانت وفاته بعد صلاة الجمعة سابع عشر [٣] ذي القعدة، ودفن بتربة والده بالقرب من سيدي بلال الحبشي.

стр. 5322

وفيها السيد وجيه الدّين عبد الرحمن بن حسين بن الصّدّيق الأهدل اليمني الشافعي [١] . قال في «النور» : ولد سنة إحدى وتسعين وثمانمائة بمدينة زبيد، ونشأ بها، وقرأ القرآن، وصحب جماعة من المشايخ، ونصّبه الشيخ المعروف بابن إسماعيل الجبرتي شيخا وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وظهرت عليه آثار بركة المشايخ الصالحين، وفتح عليه فتوح العارفين، حتى لحق من قبله، وساد أهله، وتضاءلت عليه [٢] المشايخ الأكابر، وشهدت له بالتقدم على الأوائل والأواخر، فأصبح فريد دهره ووحيد عصره، منقطع النّظير، متصلا بجدّه بالأثير، كثرت أتباعه وأصحابه من المشايخ والعلماء والقضاة والأمراء والوزراء والأغنياء والفقراء. وكان كثير الإنفاق، ميسرة عليه الأرزاق، ما قصده سائل فخاب، ولا أمه وافد إلا ورجع بزلفى وحسن مآب، وهو مع ذلك على قدم التوكل والفتح الرّباني، وكان مشاركا في كثير من العلوم، وجمع كتبا كثيرة في فنون شتّى. وكان إذا خرج من بيته تزدحم عليه الناس تلتمس بركته. ومن كراماته أنه جاءه مريض قد عظم بطنه [٣] من الاستسقاء فقرب إليه طعاما وأمره أن يأكله جميعه ففعل ما أمره فزال عنه ذلك المرض في الحال [٤] . وكراماته لا تنحصر. وتوفي بزبيد في جمادى الأولى وقبره بها مشهور مزور، وعليه قبة حسنة. انتهى. وفيها علاء الدّين علي بن إسماعيل بن موسى بن علي بن حسن بن

стр. 5323

محمد الدمشقي الشافعي [١] الشهير بابن عماد الدّين، وبابن الوس- بكسر الواو وتشديد السين المهملة- الإمام العلّامة. كان أبوه سمسارا في القماش بسوق جقمق، وولد صاحب الترجمة ليلة السبت خامس عشري رجب سنة سبع عشرة وتسعمائة، ولازم في الفقه الشيخ تقي الدّين القاري وغيره، وأخذ الحديث عن جماعات، منهم الشّهاب الحمصي ثم الدمشقي، والبرهان البقاعي، وأخذ العربية عن الشمس ابن طولون، والكمال ابن شقير، والأصول عن المولى أمير جان التبريزي حين قدم دمشق، والكلام والحكمة عن منلا حبيب الله الأصفهاني، والعربية أيضا والتفسير عن الشيخ مغوش المغربي، وأخذ عن خلائق، وحجّ، وقرأ على قاضي مكّة ابن أبي كثير، وولي نيابة القضاء بمحكمة الميدان، ثم نيابة الباب مدة طويلة، وأقامه بعض قضاة القضاة مقامه، وسافر إلى الرّوم، فعجب علماء الرّوم من فطانته وفضيلته، مع قصر قامته وصغر جثّته، وسموه كجك [٢] علاء الدّين، وكانوا يضربون المثل به، وأعطي ثم تدريس دار الحديث الأشرفية بثلاثين عثمانيا. قال ابن طولون: وهو درس متجدد لم يكن بالدار المذكورة سوى مشيخة الحديث، ثم أعرض عن نيابة القضاء، وأقبل على التدريس، وغلبت عليه المعقولات، وعمل حواشي على «شرح الألفية» لابن المصنّف. وكان يقرئ، ويدرّس، ويفتي. وكان يحفظ القرآن العظيم ويكثر تلاوته، وانتفع به كثيرون، منهم الشيخ إسماعيل النابلسي، والشيخ عماد الدّين، والشمس بن المنقار، والمنلا أسد، وغيرهم. ومن شعره: لولا ثلاث هنّ لي بغية ... ما كنت أرضى أنني أذكر عزّ رفيع وتقى زائد ... والعلم عني في الملا ينشر

стр. 5324

ومنه: قل لأبي الفتح إذا جئته ... قول عجول غير مستأن أدرك بني البرش على برشهم ... قد منعوا من قهوة البن وتوفي بدمشق بعد ظهر يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر، وحضر جنازته قنالي زاده. وفيها غرس الدّين جلبي بن إبراهيم بن أحمد الحنفي [١] الإمام العلّامة. نشأ بمدينة حلب، وطلب العلم، وجد واجتهد، فبلغ ما قصد، وقرأ بحلب على الشيخ حسن السيوفي، ثم ارتحل ماشيا إلى دمشق، وأخذ فيها الطب عن ابن المكي، وانتقل إلى القاهرة ماشيا أيضا، فاشتغل بها على ابن عبد الغفّار، أخذ عنه الحكميات والرياضيات والعلوم العقلية، وأخذ علوم الدّين عن القاضي زكريا، وفاق أقرانه، وسار بذكره الركبان، ورفع منزلته الملك الغوري، ولما وقع بينه وبين سلطان الرّوم حضر الوقعة مع الجراكسة، إلى أن استولى السلطان سليم على الدّيار المصرية، وتم الأمر جيء بابن الغوري، وصاحب الترجمة أسيرين فعفا عنهما، وصحبهما إلى قسطنطينية فاستوطنها المترجم، وشرع في إشاعة معارفه، حتّى اشتغل عليه كثير من ساداتها. وكان رأسا في جميع العلوم خصوصا الرياضيات، صاحب فنون غريبة. وكان مشهورا بالبخل في التعليم، ولم يقبل مدة عمره وظيفة. وكان يلبس لباسا خشنا وعمامة صغيرة، ويقنع بالنّزر من القوت، ويكتسب بالتطبب. ومن مصنفاته «التذكرة في علم الحساب» و «متن» و «شرح» في الفرائض، و «حاشية على فلكيات شرح المواقف» و «حاشية على الجامي» إلى آخر

стр. 5325

المرفوعات، و «حاشية على شرح النّفيسي للموجز في الطب» و «شرح جزءين من تفسير القاضي البيضاوي» وكتاب في علم الزايرجة، و «شرح القصيدة الميمية» للمفتي أبي السعود، وأتي به إليه فعانقه، وأكرمه غاية الإكرام، ولما نظر إلى ما كتبه استحسنه وأعطاه جائزة سنية. وفيها المولى محمد بن المفتي أبي السعود [١] . ربّي في حجر والده، وأخذ عنه العلوم، حتى برع فيها، واستدل بطيب الأصل على طيب الثمر، ثم أخذ عن المولى محيي الدّين الفناري، ثم تنقّل في المدارس، إلى أن قلّد قضاء دمشق، فحسنت سيرته، ثم قضاء حلب، ثم بعد مضي سنة انتقل إلى رحمة الله تعالى في حياة أبيه وما أناف [٢] عمره على أربعين سنة. وفيها رضي الدّين أو عبد الله محمد بن إبراهيم بن يوسف بن عبد الرحمن، المعروف بابن الحنبلي الحنفي الحلبي [٣] الإمام العلّامة المؤرّخ. أخذ عن الخناجري، والبرهان الحلبي، وعن أبيه وآخرين، وقد استوفى مشايخه في «تاريخه» [٤] وحجّ سنة أربع وخمسين وتسعمائة، ودخل دمشق، وانتفع به جماعة من الأفاضل بدمشق، كشيخ الإسلام محمود البيلوني، والشمس بن المنقار، وأخذ عنه جماعات، منهم العلّامة أحمد بن المنلا، والقاضي محبّ الدّين. وكان إماما، بارعا، مفنّنا، مسندا، مصنّفا، وله مؤلفات في عدة فنون، منها «حاشية على شرح تصريف العزّي» للتفتازاني، و «شرح على النزهة في الحساب»

стр. 5326

و «الكنز المظهر في حلّ المضمر» و «مخايل الملاحة في مسائل المساحة» و «شرح المقلتين في مساحة القلّتين» و «كنز من حاجي وعمّى في الأحاجي والمعمّى» و «درّ الحبب في تاريخ حلب» . ونظم الشعر فمنه قوله مضمنا: بالله إن نشوات شمطاء الهوى ... نشأت فكن للناس أعظم ناس متغزّلا في هالك بجماله ... بل فاتك بقوامه المياس واشرب مدامة حب حب وجهه ... كاس ودع نشوات خمر الطّاس وإذا شربت [١] من المدام وشربها ... فاجعل حديثك كلّه في الكاس وله: يا من لمضطرم الأوا ... م حديثه المروي ري أروي شمائلك العظا ... م لرفقة حضروا لدي عليّ أنال شفاعة ... تسدى لدى العقبى إلى وإذا شفعت لذنبه ... ولأنت لم تنعت بلي حاشا شمائلك اللطي ... فة أن ترى عونا علي وتوفي يوم الأربعاء [٢] ثالث عشر [٢] جمادى الأولى، ودفن بمقابر الصالحين بالقرب من قبر الشيخ الزاهد محمد الخاتوني بين قبريهما نحو عشرة أذرع. وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن أبي اللطف الحصكفي الأصل المقدسي الشافعي [٣] الإمام العلّامة، عالم بلاد القدس الشريف، وابن عالمها، وأخذ الخطباء بالمسجد الأقصى.

стр. 5327

كان كأبيه وجدّه علّامة، فهّامة، جليل القدر، رفيع المحلّ، شامل البرّ للخاصة والعامة، كثير السّخاء، وافر الحرمة، ديّنا، صالحا، ماهرا في الفقه وغيره. تفقه على والده، ورحل إلى مصر، فأخذ عن علمائها، كالقاضي زكريا، والنّور المحلّي، ودخل دمشق بعد موت عمّه الشيخ أبي الفضل لاستيفاء ميراثه، فخطب بالجامع الأموي يوم الجمعة حادي عشري ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وتسعمائة. وتوفي ببيت المقدس في رجب.

стр. 5328

سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة فيها توفي العلّامة عبد الله بن أحمد الفاكهي المكّي الشافعي النحوي [١] قال في «النور» : أمه أم ولد حبشية وولد سنة تسع وتسعين وثمانمائة وكان من كبار العلماء، مشاركا في جميع العلوم، وله مصنّفات مفيدة، منها «شرح الأجرومية» و «شرح على متممتها» [٢] للحطّاب أجاد فيها [٣] كل الإجادة، وشرح على «قطر ابن هشام» [٤] في غاية الحسن، وصنّفه عام ستة عشر وتسعمائة، وعمره حينئذ ثمان عشرة سنة [٥] . ولما سار إلى مصر وجد جماعة يقرؤونه وقد أشكل عليهم محلّ منه، فأجاب عن الإشكال، فلم يثقوا بالجواب لعدم علمهم بأنه مصنّفه حتّى أخبرهم أنه هو الشارح، واستشهد على ذلك من كان هناك من المكّيين و «شرح الملحة» واستنبط حدودا للنحو في نحو كراسة ثم شرحها أيضا في كراريس ولم يسبق إلى مثل ذلك. وبالجملة فإنه لم يكن له نظير في زمانه في علم النحو، فإنه كان فيه آية من آيات الله تعالى. انتهى ملخصا وفيها عبد الله بن عمر بن عبد الله بن أحمد مخرمة اليمني الشافعي [٦] .

стр. 5329

أخذ عن والده وعمّه العلّامة الطّيب، والقاضي عبد الله باسرومي، وكان يقول: إني استفدت من هذا الولد أكثر مما استفاد مني، وجدّ واجتهد، حتى برع، وانتصب للتدريس والفتوى، وصار عمدة يرجع إلى فتواه، وانتهت إليه رئاسة العلم والفتوى في جميع جهات اليمن، وقصد بالفتاوى من الجهات النازحة والأقاليم البعيدة، وأخذ عنه الأعلام، منهم محمد بن عبد الرحيم باجابر، وأبحاثه في كتبه وأجوبته تدلّ على قوة فطنته وغزارة مادته، وكانت تغلب عليه الحرارة حتّى على طلبته، وكان فيه على ما قيل بأو [١] مفرط، والكمال لله. وكان ناثرا، ناظما، فصيحا، مفوها. ومن تصانيفه كتاب ينكّت فيه على «شرح المنهاج» للهيتمي في مجلدين، و «فتاوى» في مجلد ضخم، و «المصباح لشرح [٢] العدة والسلاح» و «شرح الرحبية» و «ذيل على طبقات الشافعية» للإسنوي، ورسالتان في الفلك والميقات، ورسالة في الربع المجيب، وغير ذلك. ومن شعره: قلت: سلام الله من مغرم ... ما إن سلا عنكم فقالوا سلا فقلت هل ترضون لي وقفة ... قالوا فما تطلب قلت الكلا ومنه: الواو من صدغه في العطف يطمعني ... والسّيف من لحظه يومي إلى العطب فحينما حرت قام الهجر ينشدني ... السّيف أصدق أنباء من الكتب [٣] ومنه: قالت: أراك من الذكا في غاية ... جلّت عن الإسهاب والإطناب

стр. 5330

فعلام تبدي في الأمور تغابيا ... فأجبت: سيّد قومه المتغابي وتوفي بعدن ليلة الاثنين لعشر مضت من رجب عن خمس وستين سنة. وفيها السّيّد الشريف عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان العبّاسي البيروتي ثم الدمشقي الصوفي [١] . قال في «الكواكب» : جاور بمكة نحو عشرين سنة، وكان يعتمر كل يوم مرة أو مرتين مع كبر سنه، وربما اعتمر في اليوم والليلة خمس مرات، قيل: كان يطوف في اليوم والليلة مائة أسبوع [٢] ولم يزل على [٢] الصوم والعبادة إلى أن توفي بمكّة ودفن بالمعلاة. وفيها شمس الدّين محمد الطّبلني- بضم الطاء المهملة والباء الموحدة وإسكان اللام، ثم نون نسبة إلى طبلنة قرية من قرى تونس- المغربي المالكي [٣] الإمام العلّامة، تلميذ الشيخ مغوش. برع في العربية والمنطق، وشرح «مقامات الحريري» ، وحشّى «توضيح ابن هشام» . وتوفي بطرابلس خامس عشر صفر. وفيها المولى مصلح الدّين بن المولى محيي الدّين، المشتهر بابن المعمار الحنفي [٤] الإمام العلّامة. قال في «ذيل الشقائق» : توفي أبوه قاضيا بحلب، فوجه هو همته إلى العلوم، وقرأ على المولى محيي الدّين، الشهير بالمعلول، والشيخ محمد جوي زاده، ثم صار ملازما من المولى خير الدّين معلم السلطان سليمان، ثم تنقّل في

стр. 5331

المدارس إلى أن قلّد قضاء برسا، ثم قضاء أدرنة، ثم قضاء قسطنطينية، ثم قضاء المدينة المنورة. وكان عالما، عاملا، قليل الكبر، كثير الانشراح، محبّا للمفاكهة والمزاح، وقد علّق حواشي على «حاشية حسن جلبي على التلويح» و «حواش على الدّرر والغرر» ولم تتم، ولما انفصل عن المدينة المنورة وعاد وبلغ [١] مصر أدركته منيته في شوال. انتهى

стр. 5332

سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة فيها توفي تاج الدّين إبراهيم بن عبد الله الحميدي الحنفي [١] . قال في «العقد المنظوم» : اشتغل بالعلوم، وأفنى عنفوان شبابه في ذلك، وتلقى من الأفاضل كالمولى صاروكرز [٢] ، وصار منه ملازما، ثم تنقل في المدارس، وكتب حاشية على صدر الشريعة ردّ فيها على المولى ابن كمال باشا في مواضع كثيرة، ثم كتب رسالة وجمع فيها من مواضع ردّه عليه ستة عشر موضعا. وقال في أول ديباجتها: اعلموا معاشر طلاب اليقين، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين، إن المختصر الذي سوّده الحبر الفاضل والبحر الكامل، الشهير بابن كما باشا، ﵀، وسمّاه بالإصلاح والإيضاح مع خروجه عن سنن [٣] الفلاح والصّلاح باشتماله على تصرفات فاسدة واعتراضات غير واردة، من السهو والزّلل، والخبط والخلل، لإتيانه بما لا ينبغي وتحرزه عما ينبغي، مشتمل على كثير من المسائل المخالفة للشرع، بحيث لا يخفى بعد التنبه [٤] للأصل والفرع، ولا ينبغي الانقياد لحقيقتها للمبتدي ولا العلم بها للمنتهي، لوجود خلافها صريحا في الكتب المعتبرات من المطوّلات والمختصرات، ثم كتب منها نسختين دفع إحداهما إلى الوزير محمد باشا الصّوفي وكان ينتسب إليه، والثانية إلى الوزير الكبير رستم باشا، فلما أخذها طلب قراءتها، فلما وصل إلى تشنيعه على المولى

стр. 5333

المزبور تغيّر غاية التغيّر بسبب أنه كان قرأ على المولى المزبور، وكان ذلك سببا لخموله ثم تنبه له الدهر، فولي المدارس إلى أن صار مفتيا بأماسية. وكان بحر المعارف، ولجّة العلوم، بارعا في العلوم العقلية والنقلية، خصوصا الفقه، قانعا باليسير، سخيا، وأخذ عنه الأجلاء، وكثر الازدحام عليه، وكتب حاشية على بعض المواضع من «شرح المفتاح» للسيد يردّ فيها على المولى ابن كمال باشا في المواضع التي يدّعي التفرّد فيها، وله عدة رسائل على مواضع من «شرح التجريد» للشريف، وله «شرح لمتن [١] المراح» . وتوفي في أول الربيعين. انتهى وفيها أحمد بن علوي بن محمد بن علي بن جحدب [٢] بن عبد الرحمن [٢] ابن محمد بن عبد الله بن علوي بن باعلوى اليمني الزاهد. قال في «النور» : كان يعدّ في حكم رجال الرسالة لشدة ورعه وتقشفه واستقامته وحسن طريقته، وله في الزهد والتّقلل من الدنيا حكايات لعلها لا توجد في تراجم كبار الأولياء، ولم يتقدموه إلّا بالسبق في الزمان. ومن كراماته أنه لما حجّ رؤي يشرب من ماء البحر، فقيل له في ذلك، فقال: أليس كل أحد يشربه، فأخذ بعضهم ما بقي في الإناء فشربه، فإذا هو حلو، وكفّ بصره في آخر عمره، وحصل عليه قبل انتقاله بأربعة أيام جذبة من جذبات الحقّ اندهش بها [٣] عقله، وتحيّر لبّه، وانغمر بها سرّه، وأخذ عن نفسه، فكان يقوم إلى الصلاة بطريق العادة وهو مأخوذ عن حسّه، وربما صلى إلى غير القبلة. وتوفي ببلده تريم يوم الثلاثاء ثامن عشر شهر رمضان. وفيها شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن

стр. 5334

حجر- نسبة على ما قبل إلى جدّ من أجداده كان ملازما للصمت فشبّه بالحجر- الهيتمي السّعدي الأنصاري الشافعي [١] الإمام العلّامة البحر الزاخر. ولد في رجب سنة تسع وتسعمائة في محلّة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر المنسوب إليها، ومات أبوه وهو صغير، فكفله الإمامان الكاملان شمس الدّين بن أبي الحمائل، وشمس الدّين الشّنّاوي، ثم إن الشمس [٢] الشّنّاوي نقله من محلّة أبي الهيتم إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فقرأ هناك في مبادئ العلوم، ثم نقله في سنة أربع وعشرين إلى جامع الأزهر، فأخذ عن علماء مصر، وكان قد حفظ القرآن العظيم في صغره. وممن أخذ عنه شيخ الإسلام القاضي زكريا، والشيخ عبد الحق السنباطي، والشمس المشهدي، والشمس السّمهودي، والأمين الغمري، والشّهاب الرّملي، والطبلاوي، وأبو الحسن البكري، والشمس اللقاني الضيروطي، والشّهاب بن النّجار الحنبلي، والشّهاب بن الصائغ في آخرين. وأذن له بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين، وبرع في علوم كثيرة من التفسير، والحديث، والكلام، والفقه أصولا وفروعا، والفرائض، والحساب، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والتصوف. ومن محفوظاته «المنهاج الفرعي» ومقروءاته لا يمكن حصرها، وأما إجازات المشايخ له فكثيرة جدا استوعبها في «معجم مشايخه» وقدم إلى مكة في آخر سنة ثلاث وثلاثين، فحجّ وجاور بها، ثم عاد إلى مصر، ثم حجّ بعياله في آخر سنة سبع وثلاثين، ثم حجّ سنة أربعين، وجاور من ذلك الوقت بمكة، وأقام بها يدرّس ويفتي ويؤلّف.

стр. 5335

ومن مؤلفاته «شرح المشكاة» و «شرح المنهاج» وشرحان على «الإرشاد» و «شرح الهمزية البوصيرية» و «شرح الأربعين النواوية» و «الصواعق المحرقة» و «كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع» و «الزواجر عن اقتراف الكبائر» و «نصيحة الملوك» و «شرح [مختصر] الفقيه» [١] عبد الله بأفضل الحاج المسمى «المنهج القويم في مسائل التعليم» و «الأحكام في قواطع الإسلام» و «شرح العباب» المسمى ب «الإيعاب» ، و «تحذير الثقات عن أكل الكفتة والقات» وشرح قطعة صالحة من «ألفية ابن مالك» و «شرح مختصر أبي الحسن البكري» في الفقه، و «شرح مختصر الروض» و «مناقب أبي حنيفة» وغير ذلك. وأخذ عنه من لا يحصى كثرة، وازدحم الناس على الأخذ عنه وافتخروا بالانتساب إليه. وممن أخذ عنه مشافهة شيخ مشايخنا البرهان بن الأحدب. وبالجملة فقد كان شيخ الإسلام خاتمة العلماء الأعلام، بحرا لا تكدره الدّلاء، إمام الحرمين كما أجمع عليه الملأ، كوكبا سيّارا في منهاج سماء الساري، يهتدي به المهتدون تحقيقا لقوله تعالى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ١٦: ١٦ [النحل: ١٦] واحد العصر، وثاني القطر، وثالث الشمس والبدر، أقسمت المشكلات ألا تتضح إلّا لديه وأكدت المعضلات أليتها أن لا تنجلي إلا عليه، لا سيما وفي الحجاز عليها قد حجر، ولا عجب فإنه المسمى بابن حجر. وتوفي- رحمه الله تعالى- بمكّة في رجب، ودفن بالمعلاة في تربة الطّبريين. وفيها المولى صالح بن جلال الحنفي [٢] . قال في «العقد المنظوم» : كان أبوه من كبار [٣] ، قضاة القصبات، ونشأ هو مشغولا بالعلم وأربابه، واهتم بالتحصيل، وقرأ على الأجلاء، وصار ملازما من

стр. 5336

المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس والمناصب، إلى أن ولي قضاء حلب، ثم قضاء دمشق، ثم قضاء مصر، ثم كفّ فتقاعد بمدرسة أبي أيوب الأنصاري بمائة درهم. وكان مشاركا في أكثر العلوم، له منها حظّ وافر، زكي النفس، كثير السخاء، محسنا متفضلا، كتب حواشي على «شرح المواقف» وعلى «شرح الوقاية» لصدر الشريعة، وعلى «شرح المفتاح» للشريف الجرجاني، وجمع «لطائف علماء الروم ونوادرهم» . وله «ديوان شعر» و «ديوان إنشاء» كلاهما بالتركي. انتهى وفيها الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراوي الشافعي [١] . قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في «طبقاته» : هو شيخنا الإمام العالم [٢] العامل العابد الزاهد الفقيه المحدّث الأصولي الصوفي المربّي المسلّك، من ذريّة محمد بن الحنفيّة. ولد ببلده ونشأ بها، ومات أبواه [٣] وهو طفل، ومع ذلك ظهرت فيه علامة النجابة ومخايل الرئاسة والولاية، فحفظ القرآن و «أبا شجاع» [٤] و «الأجرومية» وهو ابن نحو سبع أو ثمان، ثم انتقل إلى مصر سنة إحدى عشرة وتسعمائة وهو مراهق، فقطن بجامع الغمري، وجدّ واجتهد، فحفظ عدة متون، منها «المنهاج» و «الألفية» و «التوضيح» و «التلخيص» [٥] و «الشاطبية» و «قواعد ابن هشام» بل حفظ «الروض إلى القضاء» وذلك من كراماته. وعرض ما حفظ على علماء عصره، ثم شرع في القراءة، فأخذ عن الشيخ

стр. 5337

أمين الدّين إمام جامع الغمري، قرأ عليه ما لا يحصى كثرة، منها الكتب الستة، وقرأ على الشمس الدواخلي، والنّور المحلّي، والنّور الجارحي، ومنلا على العجمي، وعلى القسطلاني، والأشموني، والقاضي زكريا، والشّهاب الرّملي ما لا يحصى أيضا. وحبّب إليه الحديث، فلزم الاشتغال به، والأخذ عن أهله، ومع ذلك لم يكن عنده جمود المحدّثين، ولا لدونة النقلة، بل هو فقيه النظر صوفي الخبر، له دربة بأقوال السّلف ومذاهب الخلف، وكان ينهى عن الحطّ على الفلاسفة وتنقيصهم، وينفّر ممن يذمهم، ويقول هؤلاء عقلاء، ثم أقبل على الاشتغال بالطريق، فجاهد نفسه مدة، وقطع العلائق الدنيوية، ومكث سنين لا يضطجع على الأرض ليلا ولا نهارا، بل اتخذ له حبلا بسقف خلوته يجعله في عنقه ليلا حتى لا يسقط، وكان يطوي الأيام المتوالية، ويديم الصوم، ويفطر على أوقية من الخبز، ويجمع الخروق من الكيمان فيجعلها مرقعة يستتر بها، وكانت عمامته من شراميط الكيمان وقصاصة الجلود، واستمر كذلك حتى قويت روحانيته، فصار يطير من صحن الجامع الغمري إلى سطحه، وكان يفتتح مجلس الذكر عقب العشاء فلا يختمه إلّا عند الفجر، ثم أخذ عن مشايخ الطريق، فصحب الخواص، والمرصفي، والشناوي فتسلّك بهم، ثم تصدى للتصنيف، فألّف كتبا، منها «مختصر الفتوحات» و «سنن البيهقي الكبرى» و «مختصر تذكرة القرطبي» و «الميزان» و «البحر المورود في المواثيق والعهود» و «كشف الغمّة عن جميع الأمة» و «المنهج المبين في أدلة المجتهدين» و «البدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير» و «مشارق الأنوار القدسية في العهود المحمدية» و «لواقح الأنوار واليواقيت» و «الجواهر في عقائد الأكابر» و «الجوهر المصون في علوم الكتاب المكنون» و «طبقات ثلاث» و «مفحم الأكباد في مواد الاجتهاد» و «لوائح الخذلان على من لم يعمل بالقرآن» و «حدّ الحسام على من أوجب العمل بالإلهام» و «البرق [١] الخاطف لبصر من عمل بالهواتف» و «رسالة الأنوار» في آداب

стр. 5338

العبودية، و «كشف الرّان عن أسئلة الجان» و «فرائد القلائد في علم العقائد» و «الجواهر والدّرر» و «الكبريت الأحمر في علوم الكشف الأكبر» و «الاقتباس في القياس» و «فتاوى الخواص» و «العهود ثلاثة» وغير ذلك. وحسده طوائف، فدسوا عليه كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة، ومسائل تخالف الإجماع، وأقاموا عليه القيامة، وشنّعوا وسبّوا، ورموه بكل عظيمة فخذلهم الله وأظهره عليهم. وكان مواظبا على السّنّة، مبالغا في الورع، مؤثرا ذوي الفاقة على نفسه حتى بملبوسه، متحملا للأذى، موزعا أوقاته على العبادة ما بين تصنيف وتسليك وإفادة، واجتمع بزاويته من العميان وغيرهم نحو مائة، فكان يقوم بهم نفقّه وكسوة. وكان عظيم الهيبة، وافر الجاه والحرمة، تأتي إلى بابه الأمراء. وكان يسمع لزاويته دويّ كدوي النحل ليلا ونهارا. وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على المصطفى ﷺ ، ولم يزل مقيما على ذلك، معظما في صدور الصدور، إلى أن نقله الله تعالى إلى دار كرامته. ومن كلامه: دوروا مع الشرع كيف كان لامع الكشف، فإنه قد يخطئ وقال: ينبغي إكثار مطالعة كتب الفقه عكس ما عليه المتصوفة الذين لاحت لهم بارقة من الطريق فمنعوا مطالعته وقالوا: إنه حجاب جهلا منهم. وقال: كل إنسان لا يعذّب في النار إلّا من الجزء الناري الذي هو أحد أركان بدنه [١] . وقال: ذهب بعض أهل الكشف إلى أن جميع الحيوان لهم تكليف إلهي برسول منهم في ذواتهم لا يشعر به إلّا من كشف عن بصره، فإن لله الحجّة على خلقه، فلا يعذّب أحدا إلا جزاء، فلا إشكال في إيلام الدواب. وقال: الجبر آخر ما تنتهي إليه المعاذير، وذلك سبب مآل أهل الرحمة إلى الرحمة.

стр. 5339

وتوفي- ﵀ في هذه السنة، ودفن بجانب زاويته بين السورين. وقام بالزاوية بعده ولده الشيخ عبد الرحمن لكنه أقبل على جمع المال ثم توفي في سنة إحدى عشرة بعد الألف. انتهى ملخصا وفيها المولى كمال الدّين، المعروف بدده خليفة الحنفي [١] الإمام العلّامة. قال في «ذيل الشقائق» : كان من أولاد الأتراك، ومن أصحاب البضائع، وعالج صنعة الدباغة سنين حتى أناف عمره على العشرين، مقيما ببلدة أماسية على ذلك، فاتفق أن صنع لمفت من علماء العصر وليمة ببلده، فذهب متطفلا، فلما باشروا أمر الطعام طلبوا من يجمع لهم الحطب، فرأوا صاحب الترجمة قائما بزي الدّباغين، فأشار المفتي إلى صاحب الترجمة، وقال: ليذهب هذا الجاهل، فعلم حينئذ وخامة الجهل، وتأثر تأثيرا عظيما من الإزدراء به، ثم تضرّع إلى الله تعالى وطلب منه الخلاص من ربقة الجهل، وباع حانوته، واشترى مصحفا، وذهب إلى باب المفتي، وبدأ في القراءة، وقام في الخدمة، حتّى ختم القرآن العظيم، وتوجهت همّته إلى طلب العلم، فأكب على الاشتغال، حتّى صار معيدا للمولى سنان الدّين، المشتهر باقلق [٢] ، ثم تولى عدة مدارس، ثم عيّن مفتيا ببعض الجهات، ثم تقاعد. وكان عالما فاضلا، آية في الحفظ والإحاطة، له اليد الطولى في الفقه والتفسير، وكتب «حاشية على شرح تصريف العزي» للتفتازاني، وبسط فيه الكلام، وله منظومة في الفقه وعدة رسائل في فنون عديدة. انتهى ملخصا وفيها المولى محيي الدّين الشهير بابن الإمام [٣] . نشأ طالبا للعلم، مكبّا عليه، وقرأ على جماعات، منهم المولى كمال

стр. 5340

وغيره، ثم تنقّل في الوظائف إلى أن قلّد قضاء حلب بلا رغبة منه في ذلك ولا طلب، فباشره قدر سنتين، ولم يتلفّظ بلفظ حكمت، ثم صار مفتيا بأماسية. وكان من العلماء العاملين، والفضلاء الكاملين، يحقّق كلام القدماء، ويدقّق النظر في مقالات الفضلاء، وقد علّق على أكثر الكتب المتداولة حواشي إلا أنه لم يتيسر له جمعها وتبييضها. وتوفي في أول الرّبيعين.

стр. 5341

سنة أربع وسبعين وتسعمائة فيها توفي المولى تاج الدّين إبراهيم المناوي الحنفي [١] . قال في «العقد المنظوم» : قرأ على علماء زمانه، حتى اتصل بابن كمال باشا، فتقيّد به، وصار ملازما منه، وحصّل، وبرع، ودرّس بعدة من المدارس، إلى أن وصل إلى إحدى المدارس [٢] الثمان، وتولى مدرسة السلطان سليمان بدمشق والإفتاء بها. وكان عالما، ديّنا، فقيها، لين الجانب، صحيح العقيدة، حميد [٣] الأخلاق. وتوفي بدمشق. انتهى وفيها- أو في التي بعدها جزم بالأول في «النّور السافر» وبالثاني في «الأعلام» - السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان [٤] الحادي عشر من ملوك بني عثمان. قال في «الأعلام» : كان سلطانا سعيدا ملكا، أيده الله لنصر الإسلام تأييدا. ولي السلطنة بعد وفاة أبيه السلطان سليم خان في سنة ست وعشرين

стр. 5342

وتسعمائة، وجلس على تخت السلطنة وما دمي أنف أحد ولا أريق في ذلك محجمة من دم، ومولده الشريف سنة تسعمائة، واستمر في السلطنة تسعا وأربعين سنة، وهو سلطان غاز في سبيل الله، مجاهد لنصرة دين الله، مرغم أنوف عداه بلسان سيفه وسنان قناه. كان مؤيدا في حروبه ومغازيه، مسددا في آرائه ومعازيه، مسعودا في معانيه ومغانيه، مشهودا في مواقعه [١] ومراميه، أيّان سلك ملك، وأنى توجّه فتح وفتك، وأين سافر سفر وسفك، وصلت سراياه إلى أقصى الشرق والغرب، وافتتح البلدان الشاسعة الواسعة بالقهر والحرب، وأخذ الكفّار والملاحدة بقوة الطعان والضرب، وكان مجدد دين هذه الأمة المحمدية في القرن العاشر، مع الفضل الباهر، والعلم الزاهر، والأدب الغض الذي يقصر عن شأوه كل أديب وشاعر، إن نظم نضد [٢] عقود الجواهر، أو نثر آثر منثور [٣] الأزاهر، أو نطق قلّد الأعناق نفائس الدّر الفاخر، له ديوان فائق بالتركي، وآخر عديم النظير بالفارسي، تتداولهما بلغاء الزمان وتعجز أن تنسج على منواله فضلاء الدوران. وكان رؤوفا، شفوقا، صادقا، صدوقا، إذا قال صدق، وإذا قيل له صدّق، لا يعرف الغلّ والخداع، ويتحاشى عن سوء الطباع، ولا يعرف المكر والنّفاق، ولا يألف مساوئ الأخلاق، بل هو صافي الفؤاد، صادق الاعتقاد، منّور الباطن، كامل الإيمان، سليم القلب، خالص الجنان: وما تناهيت في بثي محاسنه ... إلّا وأكثر مما قلت ما أدع وأطال في ترجمته وترجمة أولاده، وذكر غزواته، فذكر له أربع عشرة غزوة انتصر وفتح في جميعها، وذكر كثيرا من مآثره، فمن ذلك الصّدقة الرّومية التي هي الآن مادة حياة أهل الحرمين الشريفين، فإنه أضاف إليها من خزائنه الخاصة مبلغا كبيرا، ومنها صدقات الجوالي وهي جمع جالية، ومعناه ما يؤخذ من أهل الذّمة في

стр. 5343

مقابلة استمرارهم في بلاد الإسلام تحت الذّمة وعدم جلائهم عنها، وهي من أحلّ الأموال ولأجل حلّها جعلت وظائف للعلماء والصلحاء والمتقاعدين من الكبراء. ومنها إجراء العيون، ومن أعظمها إجراء عين عرفات إلى مكّة المشرّفة. ومنها بمكّة المدارس الأربعة السليمانية. ومنها تكيته ومدرسته العظيمة الشأن الكائنة بمرجة دمشق [١] إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة. انتهى ملخصا، ومن أراد البسط الزائد فليراجع «الأعلام» .

стр. 5344

سنة خمس وسبعين وتسعمائة قال في «النور» [١] : فيها غرق مركب بالهند [في خوركنباته] فكان فيه عشرة من السادة آل بالعلوي فكانوا من جملة من غرق وحصلت لهم الشهادة [بسبب ذلك] . وفيها توفي أبو الضّياء عبد الرحمن بن عبد الكريم بن إبراهيم بن علي ابن زياد الغيثي المقصري [٢]- نسبة إلى المقاصرة بطن من بطون عك بن عدنان- الزّبيدي مولدا ومنشأ ووفاة، الشافعي مذهبا الأشعري معتقدا الحكمي [٣] خرقة، اليافعي تصوفا، وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى: أنا شافعيّ في الفروع ويافع ... ي في التّصوف أشعريّ المعتقد وبذا أدين الله ألقاه به ... أرجو به الرّضوان في الدّنيا وغد ولد في رجب سنة تسعمائة، وحفظ القرآن و «الإرشاد» وأخذ عن محمد بن موسى الضّجاعي، وأحمد المزجد، وتلميذه الطنبذاوي وبه تخرّج وانتفع، وأذن له في التدريس والإفتاء، فدرّس وأفتى في حياته، وأخذ التفسير والحديث والسير عن الحافظ وجيه الدّين بن الدّيبع وغيره، والفرائض عن الغريب الحنفي والأصول عن جمال الدّين يحيى قتيب [٤] ، والعربية عن محمد مفضّل اللحّاني، وجدّ واجتهد، حتّى صار عينا من أعيان الزمان، يشار إليه بالبنان، وقصدته الفتاوى من شاسع

стр. 5345

البلاد، وضربت إليه آباط الإبل من كل ناد، وعقدت عليه الخناصر، وتلمذت له الأكابر، وحجّ وزار القبر الشريف، فاجتمع بفضلاء الحرمين، ودرّس فيهما، واشتغل بالإفتاء من وفاة شيخه أبي العباس الطنبذاوي، وذلك سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، وكان من الفقر على جانب عظيم، بحيث كان- كما أخبر عن نفسه- يصبح وليس عنده قوت يومه، حتى اتفق أن زوجته وضعت وليس عنده شيء، حتى عجز عن المصباح، وباتوا كذلك. وفي سنة أربع وستين نزل في عينيه ماء فكفّ بصره، فاحتسب ورضي، وقال: مرحبا بموهبة الله وجاءه قداح فقال له أنا أصلح بصرك، وقال بعض أهل الثروة وأنا أنفق عليك وعلى عيالك مدة ذلك فامتنع، وقال: شيء ألبسنيه الله لا أتسبب في إبطاله. ومع ذلك كان على عادته من التدريس والإفتاء والتصنيف. ومن مصنّفاته «إثبات سنّة [١] رفع اليدين عند الإحرام، والركوع، والاعتدال، والقيام من الركعتين» وكتاب «فتح المبين في أحكام تبرع المدين» و «المقالة الناصة على صحة ما في الفتح والذيل والخلاصة وهذه الكتب الثلاثة» صنّفها بسبب ما وقع بينه وبين ابن حجر في عدم بطلان تبرع المدين، وله كتاب «النخبة في الأخوة والصحبة» و «الأدلة الواضحة في الجهر بالبسملة وأنها من الفاتحة» وهو كتاب مشتمل على مناقب الأئمة الأربعة، و «التقليد وأحكام رخص الشريعة» وله كتاب «إقامة البرهان على كميّة التراويح في رمضان» و «كشف الغمّة عن حكم المقبوض عما في الذمة وكون الملك فيه موقوفا عند الأئمة» و «مزيل العناء في أحكام الغناء» و «سمط اللآل في كتب الأعمال» و «كشف النّقاب عن أحكام المحراب» وله غير ذلك مما لا يعدّ كثرة. وتوفي بزبيد ليلة الأحد حادي عشر رجب. قاله في «النور» وفيها عزّ الدّين أبو نصر عبد السلام بن شيخ الإسلام وجيه الدّين عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد اليمني الشافعي [٢] .

стр. 5346

ولد سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة، ونشأ في حجر والده، وتغذى بدّر علومه وفوائده، وقرّت به عينه، وتفقه بوالده كثيرا، ورأس على الأكابر صغيرا، ودرّس وأفتى في حياة أبيه، وصنّف مصنّفات لا يستغني عنها فقيه، وكتب معاصر وأبيه على فتاويه، وانفرد بعد والده بالإفتاء، مع زحمة البلد بأثمة شتّى. وكان من الولاية والعلم على جانب عظيم. ومن مصنّفاته «شرح على مولد السيد حسين بن الأهدل» و «شرح لوداع ابن الجوزي» مات عنهما مسودتين، و «تشنيف الأسماع بحكم الحركة في الذكر والسماع» و «القول النافع القويم لمن كان ذا قلب سليم» و «التحرير الواضح الأكمل في حكم الماء المطلق والمستعمل» و «المطالع الشمسية» . وبالجملة فإنه كان مفتي الأنام، وعلّامة الأعلام. توفي في ثاني عشر شوال. قاله في «النور» أيضا وفيها علي المتقي بن حسام الدّين الهندي ثم المكّي [١] . كان من العلماء العاملين وعباد الله الصالحين، على جانب عظيم من الورع والتّقوى والاجتهاد في العبادة، ورفض السّوى، وله مصنّفات عديدة [٢] وكرامات كثيرة. وتوفي بمكّة المشرّفة بعد مجاورته بها مدة طويلة.

стр. 5347

وفيها الشيخ محمد بن خليل بن قيصر القبيباتي الحنبلي الصّوفي [١] الفاضل الصّالح المعتقد. توفي في هذه السنة وقد جاوز المائة، رحمه الله تعالى. وفيها المولى محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم، الشهير بعبد الكريم زاده الحنفي [٢] الإمام العلّامة. قال في «العقد المنظوم» : كان جدّه عبد الكريم قاضيا بالعسكر في دولة السلطان محمد خان، وولي أبوه عبد الوهاب الدفتر دارية في عهد السلطان سليم خان، ونشأ هو غائصا في بحار العلوم ولجج المعارف، طالبا لدرر الفضائل واللطائف، واشتغل على إسرافيل زادة، وجوي زادة، وابن كمال باشا، والمولى أبي السعود، وغيرهم، وتبحّر وتمهّر، وفاق أقرانه، وطار صيته في الآفاق، وجمع أشتات العلوم، وتنقّل في المدارس على عادة أمثاله، إلى أن صار طودا من المعارف نحوا وعربية وأدبا وفقها، وغير ذلك، حلو المفاكهة، طيب المعاشرة. وكان من عادته أن لا يكتب بالقلم الذي يكتب به اسم الله تعالى، ولا ينام ولا يضطجع في بيت كتبه تعظيما للعلم. ومن تصانيفه عدة «مقامات» على منوال الحريري، و «حاشية على تفسير البيضاوي» من أوله إلى سورة طه، و «حواش على حاشية المولى جلال الدّين الدواني للتجريد» وكتب أشياء أخر إلا أنها لم تظهر بعد موته.

стр. 5348

وكان ينظم بعدة لغات نظما جيدا منه: كفاني كفاف النّفس ما أنا قاصد ... إلى دولة فيها الأنام خصام فهل هي إلا نحو طيف لناعس ... وهل هي إلا ما يراه نيام فيا عجبا للمرء يعقد قلبه ... على شهوات ضرهنّ [١] لزام ولله صعلوك قنوع بحظّه ... وما معه عند اللئام لوام قناعته أغنته عن كلّ حاجة ... فذاك أمير والزمان غلام وتوفي في سابع عشري رمضان. وفيها القاضي أبو الفتح محمد بن محمد بن عبد السلام بن أحمد الرّبعي التونسي الخروبي [٢] لإقامته بإقليم الخروب بدمشق [٣] ، نزيل دمشق المالكي الإمام العلّامة المفنّن. قال في «الكواكب» : ولد ليلة الاثنين غرّة شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعمائة، ودخل دمشق قديما وهو شاب، فكان يتردّد إلى ضريح الشيخ محيي الدّين بن عربي، وأخذ عن شيخ الإسلام الوالد. وكان فقيها أصوليا، يفتي الناس على مذهبه وفتاويه مقبولة، وله حرمة ووجاهة. وكان علّامة في النحو، والصّرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والعروض، والمنطق، وأكثر العلوم العقلية والنقلية. وكان له الباع الطويل في الأدب ونقد الشعر، وشعره في غاية الحسن إلّا أنه كان متكيفا، يأكل البرش والأفيون، لا يكاد يصحو منه، وربما قرأ الناس عليه في

стр. 5349

علوم شتّى وهو يسرد، فإذا فرغ القارئ من قراءته المقالة فتح عينيه وقرر العبارة أحسن تقرير. وكان على مذهب الشعراء من التظاهر بمحبّة الأشكال والصور الحسنة، حتى رمي واتّهم. وكان هجاء يتفق له النكات في هجائه وفي شعره، ولو على نفسه. وكان يقع في حقّ العلماء والأكابر وإذا وصله من أحدهم نوال مدحه وأثنى عليه، وكانوا يخافون من لسانه. وولي نيابة القضاء بالمحكمة الكبرى زمانا طويلا، مع الوظائف الدينية، وحمل عنه الناس العلم وانتفعوا به، وأنبل من تخرّج به في الشعر والعربية العلّامة [١] درويش ابن طالو مفتي الحنفية بدمشق. انتهى ملخصا ومن شعره مؤرخا عمارة الحمام الذي بناه مصطفى باشا تحت قلعة دمشق: لما كملت عمارة الحمّام ... وازداد به حسن دمشق الشّام قالت طربا وأرخت منشدة ... (حمّامك أصل راحة الأجسام) [٢] ومنه مواليا موجها بأسماء الكواكب السبعة: كم صدغ عقرب على مريخ خدّك دب ... وقوس حاجبك دايم مشتريه الصّب وكم أسد شمس حسنك يا قمر قد حب ... والعاذل الثور في زهرة جمالك سب وتوفي قاضيا في غرّة شوال ودفن بمقبرة باب الفراديس، وكانت له جنازة مشهودة حمل بها مصطفى باشا الوزير وهو إذ ذاك متولي الشام، ورثاه بعض أدباء عصره مؤرّخا وفاته فقال: مذ عالم الدّنيا قضى نحبه ... منتقلا نحو جوار الإله قد أغلق [٣] الفضل له بابه ... مؤرّخا [٤] مات أبو الفتح آه

стр. 5350

سنة ست وسبعين وتسعمائة فيها توفي عبد العزيز الزّمزمي المكّي [١] الإمام العلّامة. قال في «النور» : ولد سنة تسعمائة، وكان من علماء مكّة وفضلائها وأكابرها ورؤسائها، وله النظم البديع الرائق، منه قوله في قصيدته المسماة ب «الفتح المبين في مدح سيد المرسلين» : فاز بالرّفع مقلق لك وشا ... كيف ترقى وأفحم الشّعراء وبخفض الجنان جوزي منشي ... ذكر الملتقى جزاء وفاء جئت من بعد ذا وذاك أخيرا ... فلهذا نظمي على الفتح جاء وكان له جاريتان إحداهما اسمها غزال، والأخرى دام السّرور، فاتفق أنه باعهما ثم ندم على ذلك، فقال: بجاريتيّ كنت قرير عين ... وأفق مسرّتي بهما منير فنفّر صرف أيّامي غزالي ... فلا دامت ولا دام السّرور وله غير ذلك مما لا يحصى. وكان من أجلاء عصره، رحمه الله تعالى. انتهى وفيها مصلح الدّين، المشتهر بداود زاده الحنفي [٢] الإمام العلّامة. قال في «العقد المنظوم» : قرأ على أفاضل عصره، منهم محيي الدّين قطب الدّين زاده الحنفي [٣] ، وصار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس، إلى أن قلّد قضاء المدينة المنورة.

стр. 5351

ويحكى أنه لما دخل الحرم أعتق مماليكه واجتهد في أداء مناسك الحجّ. وكان صاحب يد في العلوم، سهل القياد، صحيح الاعتقاد، سمحا، جوادا، إلا أن فيه خصلة ابن حزم الذي قيل فيه: لسان ابن حزم وسيف الحجّاج شقيقان [١] ، وعلّق حواشي في أثناء دروسه على بعض المواضع من «شرح المفتاح» للشريف الجرجاني. وتوفي بعد أن تمّم أعمال حجّه بمكّة المشرّفة، ودفن بالبقيع. انتهى وفيها القاضي كمال الدّين محمد بن القاضي شهاب الدّين أحمد بن يوسف بن أبي بكر الزّبيدي [٢] الصّفدي ثم الدمشقي الحنفي، الشهير بابن الحمراوي [٣] . قال في «الكواكب» : قال والدي: حضر كثيرا من دروسي، وذكر أن مولده سنة تسع وتسعمائة، وتولى وظائف متعددة، كنظر النظّار، ونظر الجامع الأموي، والحرمين الشرفين. وكان الحرب بينه وبين السيد تاج الدّين وولده محمود [٤] قائمة، وكان هو المؤيد عليهما. وكان من رؤساء دمشق وأعيانها المعدودين، جوادا، له في كل يوم أول النهار وآخره مائدة توضع بألوان الأطعمة المفتخرة، وكان ذا مهابة وحشمة ووجاهة، لا تردّ شفاعته في قليل ولا كثير، وكان ينفع الناس بجاهه ويكرم القادمين إلى دمشق من أعيان أهل البلاد، ويتردد إليه الفضلاء والأعيان. وكان باب الخضر [٥] الذي يمر منه إلى الطواقية ضيقا فوسّعه من ماله. وللشعراء فيه مدائغ طنّانة. وتوفي نهار الاثنين رابع عشر ربيع الأول ودفن بباب الصغير.

стр. 5352

سنة سبع وسبعين وتسعمائة فيها كما قال في «النور» [١] : توفي السلطان بدر بن السلطان عبد الله بن السلطان جعفر الكثيري سلطان حضرموت. ولد سنة اثنتين وتسعمائة، وولي السلطنة وهو شاب، وطالت مدته، وحسنت سيرته، وكان جميل الأخلاق، جوادا، وافر العقل، جميل الصورة، كان كاسمه بدرا منيرا مقداما، هزبرا محظوظا جدا، بحيث لا يقصد بابا مغلقا إلّا انفتح، ولا يقدم [٢] على أمر مهم [٣] إلا اتضح. وتوفي في آخر شعبان بعد أن قبض عليه ولده السلطان عبد الله وحجر عليه حتى مات، وتولى بعده. وفيها زين الدّين عبد الرحمن بن محمد بن عبد السّلام بن أحمد البتروني ثم الطرابلسي ثم الحلبي الشافعي ثم الحنفي [٤] الإمام العلّامة الصّوفي، واعظ حلب ووالد مفتيها الشيخ أبي الجود. قرأ على الشيخ علوان الحموي وغيره من علماء عصره، وجدّ واجتهد، فبلغ ما قصد، ونظم «تصريف الزّنجاني» في أرجوزة، وشرح «الجزرية» وكتب على «تائية ابن حبيب» تعليقة استمد فيها من شرح شيخه الشيخ علوان.

стр. 5353

وفيها محيي الدّين يحيى بن عبد القادر بن محمد النّعيمي الشافعي [١] الفقيه المحدّث الإمام العلّامة. ولد سنة اثنتين وتسعمائة، وأخذ عن والده وغيره، وعني بالحديث أتمّ عناية، وبرع في الفقه وغيره، وأخذ عنه الشيخ شمس الدّين الميداني وغيره، وكان من محاسن الدّنيا، رحمه الله تعالى. وفيها شمس الدّين محمد بن عبد الوهاب الأبّار الدمشقي العاتكي الشافعي الخطيب التبريزي [٢] الشيخ الإمام العالم الصّالح. كان من العلماء العاملين، والورثة الكاملين، والجلّة المتعبدين، رحمه الله تعالى. وفيها شمس الدّين محمد بن محمد الشّربيني القاهري الشافعي [٣] الخطيب الإمام العلّامة. قال في «الكواكب» : أخذ عن الشيخ أحمد البرلسي الملقّب عميرة، والنّور المحلّي، والنّور الطهواني، والشمس محمد بن عبد الرحمن بن خليل النشلي [٤] الكردي، والبدر المشهدي، والشّهاب الرّملي، والشيخ ناصر الدّين الطّبلاوي، وغيرهم، وأجازوه بالإفتاء والتدريس، فدرّس وأفتى في حياة أشياخه، وانتفع به خلائق لا يحصون، وأجمع أهل مصر على صلاحه، ووصفوه بالعلم والعمل، والزهد والورع، وكثرة النّسك والعبادة. وشرح كتاب «المنهاج» و «التنبيه» شرحين عظيمين، جمع فيهما تحريرات أشياخه بعد القاضي زكريا، وأقبل الناس على قراءتهما وكتابتهما في حياته، وله على «الغاية» شرح مطول حافل.

стр. 5354

وكان من عادته أن يعتكف من أول رمضان فلا يخرج من الجامع إلّا بعد صلاة العيد. وكان إذا حجّ لا يركب إلّا بعد تعب شديد، وإذا خرج من بركة الحاج لم يزل يعلّم الناس المناسك وآداب السّفر ويحثّهم على الصّلاة، ويعلّمهم كيف القصر والجمع. وكان يكثر من تلاوة القرآن في الطريق وغيره، وإذا كان بمكّة أكثر من الطواف، ومع ذلك، فكان يصوم بمكّة والسفر أكثر أيامه، ويؤثر على نفسه، وكان يؤثر الخمول ولا يكترث بأشغال الدنيا. وبالجملة كان آية من آيات الله تعالى، وحجّة من حججه على خلقه. وتوفي بعد عصر يوم الخميس ثاني شعبان سنة سبع وسبعين وتسعمائة، وهي سنة ميلادي. انتهى ملخصا وفيها شمس الدّين محمد بن مسلّم- بتشديد اللام المفتوحة- المغربي التونسي الحصيني- نسبة إلى حصين مصغّرا طائفة من عرب المغرب- المالكي ثم الحنفي [١] نزيل حلب. كان إماما، عالما، صالحا. توفي بحلب في هذه السنة. وفيها المولى مصلح الدّين المشتهر بمعلّم السلطان جهانكير [٢] . قال في «ذيل الشقائق» : طلب العلوم، وشمّر عن ساق الاجتهاد، وأخذ عن جوي زادة، والمولى عبد الواسع، وصار ملازما منه، ثم [٣] تنقلت به الأحوال إلى أن صار معلّم السلطان جهانكير بن سليمان خان، واستمر على تعليمه إلى أن توفي، فلم تطل مدة المترجم أيضا.

стр. 5355

وكان عالما، عاملا، ورعا، ديّنا، سريع الفهم، قوي الذهن، حسن الأخلاق. وتوفي في المحرم. انتهى وفيها المولى مصلح الدّين الشهير ببستان الحنفي [١] . قال في «العقد المنظوم» : ولد بقصبة تيرة [٢] سنة أربع وتسعمائة، وطلب العلم، ورحل في الطلب، وأخذ عن علماء عصره، كالمولى محيي الدّين الفناري، والمولى شجاع، وابن كمال باشا، وتخرّج به وصار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس وقضاء القصبات، إلى أن قلّد قضاء برسة، ثم قضاء أدرنة، ثم قضاء قسطنطينية، ثم قضاء عسكر أناضول، ثم بعد عشرة أيام قضاء روم إيلي لموت جوي زاده، فاستقرّ فيه خمس سنين، ثم عزل، وعيّن له مائة وخمسون درهما كل يوم. وكان من أكابر العلماء وفحول الفضلاء إذا باحث أقام للإعجاز برهانا وأصمت ألبابا وأذهانا، وكان المشاهير من كبار التفاسير مركوزة في صحيفة خاطره، وأما العلوم العقلية فإليه فيها المنتهى. وكتب «حاشية على تفسير البيضاوي لسورة الأنعام» ثم سلك مسلك الزّهد والصلاح. وكان يحفظ القرآن العظيم ويختمه في صلاته كل أسبوع. وتوفي في العشر الأخير من شهر رمضان، ودفن بقرب زاوية السيد البخاري خارج قسطنطينية.

стр. 5356

سنة ثمان وسبعين وتسعمائة فيها كان ميلاد صاحب «النّور السافر في أعيان القرن العاشر» في عشية يوم الخميس لعشرين خلت من شهر ربيع الأول كما قاله في «نوره» [١] . وفيها توفي المولى أحمد بن عبد الله، المعروف بفوري أفندي [٢] مفتي الحنفية بدمشق الشام. قال في «الكواكب» : كان من العلماء البارعين والفضلاء المحقّقين، ولي تدريس السليمانية بدمشق والإفتاء بها، وعمل درسا عاما استدعى له العلماء، وكتب إلى شيخ الإسلام الوالد يستدعيه إليه وكان الشيخ مريضا مدة طويلة، فكتب يعتذر إليه: حضوري عند مولاي مناي [٣] ... ولكنّ الضّرورة لا تساعد لضعف ليس يمكنني ركوب ... ولا مشي يقارب أو يباعد وأشهر علّتي لا شكّ عشر ... تعذّر أن أرى فيهنّ قاعد وأحسن حالتي ذا الحين مشي ... يكون به المعاون والمساعد ولولا ذاك مولانا قعدنا ... لسمع دروسك العليا مقاعد بقيت مدى الزّمان فريد عصر ... إلى أعلى المراتب أنت صاعد وكانت وفاة المفتي يوم الثلاثاء ختام شوال ودفن بتربة باب الصغير بالقلندرية، رحمه الله تعالى.

стр. 5357

وفيها رحمة الله بن قاضي عبد الله السّندي الحنفي [١] نزيل مكّة. قال في «الكواكب» : كان عالما [٢] فاضلا، له رسالة سمّاها «غاية التحقيق ونهاية التدقيق» في مسائل ابتلي بها أهل الحرمين الشريفين. انتهى وفيها الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الله، المعروف بالزّغبي [٣] الشيخ الصّالح المجذوب. قال في «الكواكب» : كان سمينا طويل اللحية، له شيبة بيضاء، وكان له ذوق ونكت ولطائف على لسان القوم وإشارات الصوفية. وكان قد صحب في طريق الله جماعة، منهم الشيخ عمر العقيبي. وحدثني بعض إخواننا الصّالحين قال: كنت مرة مع الزّغبي بقرية برزة بالمقام، فسألته بماذا أعطي ما أعطي، قال: فقال لي: ما لك بهذا السؤال، فقلت: لا بد أن تخبرني، فقال: يا ولدي ما نلت هذه الرّتبة حتّى سحت في البرّية أربع عشرة سنة. وحكى لي أنه في بدء أمره وحال تجرّده وقف على جبل الرّبوة المعروف بالمنشار، فوثب منه إلى جبل المزّة وأنا أنظر. وكان الزّغبي يحبّ أن يشرب الماء عن الرّماد ويصفه لكل من شكا إليه مرضا أي مرض كان، وكان يقول هو الصفوة. وكان منزله بمحلّة القيمرية، ومرّ يوما على دكان جزار بمحلّة القيمرية فوجد الشيخ شهاب الدّين الطّيبي واقفا على الجّزار، فقال الزّغبي للجزّار: يا معلّم توصّ من هذا الشيخ، فإنه يتصرّف في الألوف [٤] من الناس ويطاوعونه ولا يتجرأ أحد على مخالفته، إن طأطأ رأسه طأطؤوا معه، وإن رفع رأسه رفعوا معه.

стр. 5358

قال: وسأله بعض الناس عن أسفار زوجته فقال: وَالْقَواعِدُ من النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ٢٤: ٦٠ الآية [النّور: ٦٠] . وكانت وفاة زوجته قبله في سنة سبع وسبعين بقرية حرستا، ودفنت هناك، ولما توفيت قال: تقدمتنا الحجّة واتسعنا لحزنها ولو تقدمناها ما وسعت حزننا. ومرّ قبل موته بنحو سنة بالمكان الذي هو مدفون فيه الآن، فقال لا إله إلّا الله إن لنا هنا حبسة [١] طويلة، فلما توفي دفن هناك قريبا من الشيخ أبي بكر بن قوام، وقبره مشهور يزار، وعليه قبّة حسنة، وقيل: إن يوم موته وافق فتح قبرس [٢] . انتهى باختصار.

стр. 5359

سنة تسع وسبعين وتسعمائة فيها توفي الفقيه بأفضل حسين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الشافعي الحضرمي [١] . قال في «النور» : كان من أكمل المشايخ العارفين الجامعين بين علوم الشريعة وسلوك الطريقة وشهود الحقيقة، صاحب أحوال سنيّة، ومقامات عليّة، وفراسات صادقة، وكرامات خارقة، وله في التصوف رسالة سمّاها «الفصول الفتحية والنفثات الروحية فيما يوجب الجمعية» و «عدم البراح من جانب [٢] الحق والفناء والبقاء به بالكّلية والجزئية» . وتوفي بتريم ﵀ ورضي عنه. وفيها الشيخ رمضان [٣] ، المعروف ببهشتي [٤] كان من قصبة ديزه، فخرج منها لطلب العلم، واتصل بمجالس الأعلام، فقرأ على المولى محمد الشهير بمرحبا ثم اتصل بخدمة المولى سعد الله، ثم حبّبت إليه العزلة والقناعة، ورغب عن قبول المناصب، واختار خطابة جامع أحمد باشا في قصبة جورلي، وأكبّ على الاشتغال والأشغال، وانتفع به الطلبة وهرعوا إليه، وكتب في أثناء دروسه حاشية لطيفة على «حواشي الخيالي» وعلى «شرح المسعود الرومي في آداب البحث» وحواشي على بعض المواضع من «شرح المفتاح» للشريف.

стр. 5360

وكان عالما، فاضلا، مدقّقا لطيف الطبع، حسن الصّحبة، حلو المحاورة، ينظم الشعر التركي أبلغ نظام، فاتسم فيه ببهشتي على عادتهم. وتوفي في القصبة المزبورة. وفيها المولى خواجه عطاء الله [١] معلّم السلطان سليم خان بن السلطان سليمان خان. قال في «ذيل الشقائق» : نشأ بقصبة بركي من ولاية آيدين صارفا لرائج عمره في إحراز العلوم والمعارف، بحيث لا يلويه عن تحصيلها عائق ولا صارف، وقرأ على ابن كمال باشا، والمولى أبي السعود المفتي، وسعد الله محشّي «تفسير البيضاوي» وهو قاض بقسطنطينية، ثم صار ملازما بطريق الإعادة من إسرافيل زاده، ثم تنقّل في المدارس، ثم عيّن لتعليم السلطان سليم خان وهو يومئذ أمير بلواء مغنيسا، ولما وصلت السلطنة إلى مخدومه علت كلمته، وارتفعت مرتبته [٢] ، واستقام أمره، واشتعل جمره، فبالغ في إكرامه، وأفرط في إعظامه، وكان يدعوه إلى داره العامرة فيجتمع به، ثم قدّم صغار طلبته على المشايخ الكبار وقلّدهم المناصب الجليلة في الأزمنة القليلة، فضجّ الناس عليه بالدعاء. وكان عالما، فاضلا، ورعا، ديّنا، قوي الطبع، صحيح الفكر، إلّا أن فيه التعصب الزائد، وكتب رسالة تشتمل على خمسة فنون، الحديث، والفقه، والمعاني، والكلام، والحكمة. وتوفي في أوائل صفر بقسطنطينية وصلّى عليه المولى أبو السعود المفتي. وفيها المولى علي [٣] . قال في «الكواكب» : «ابن إسرافيل» . وقال في «العقد المنظوم» : «ابن محمد» الشهير بقنالي زاده.
следующие страницы →