سنة ثمان وسبعين وتسعمائة
فيها كان ميلاد صاحب «النّور السافر في أعيان القرن العاشر» في عشية يوم الخميس لعشرين خلت من شهر ربيع الأول كما قاله في «نوره» [١] .
وفيها توفي المولى أحمد بن عبد الله، المعروف بفوري أفندي [٢] مفتي الحنفية بدمشق الشام.
قال في «الكواكب» : كان من العلماء البارعين والفضلاء المحقّقين، ولي تدريس السليمانية بدمشق والإفتاء بها، وعمل درسا عاما استدعى له العلماء، وكتب إلى شيخ الإسلام الوالد يستدعيه إليه وكان الشيخ مريضا مدة طويلة، فكتب يعتذر إليه:
حضوري عند مولاي مناي [٣] ... ولكنّ الضّرورة لا تساعد
لضعف ليس يمكنني ركوب ... ولا مشي يقارب أو يباعد
وأشهر علّتي لا شكّ عشر ... تعذّر أن أرى فيهنّ قاعد
وأحسن حالتي ذا الحين مشي ... يكون به المعاون والمساعد
ولولا ذاك مولانا قعدنا ... لسمع دروسك العليا مقاعد
بقيت مدى الزّمان فريد عصر ... إلى أعلى المراتب أنت صاعد
وكانت وفاة المفتي يوم الثلاثاء ختام شوال ودفن بتربة باب الصغير بالقلندرية، رحمه الله تعالى.
стр. 5357
وفيها رحمة الله بن قاضي عبد الله السّندي الحنفي [١] نزيل مكّة.
قال في «الكواكب» : كان عالما [٢] فاضلا، له رسالة سمّاها «غاية التحقيق ونهاية التدقيق» في مسائل ابتلي بها أهل الحرمين الشريفين. انتهى وفيها الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الله، المعروف بالزّغبي [٣] الشيخ الصّالح المجذوب.
قال في «الكواكب» : كان سمينا طويل اللحية، له شيبة بيضاء، وكان له ذوق ونكت ولطائف على لسان القوم وإشارات الصوفية.
وكان قد صحب في طريق الله جماعة، منهم الشيخ عمر العقيبي.
وحدثني بعض إخواننا الصّالحين قال: كنت مرة مع الزّغبي بقرية برزة بالمقام، فسألته بماذا أعطي ما أعطي، قال: فقال لي: ما لك بهذا السؤال، فقلت: لا بد أن تخبرني، فقال: يا ولدي ما نلت هذه الرّتبة حتّى سحت في البرّية أربع عشرة سنة.
وحكى لي أنه في بدء أمره وحال تجرّده وقف على جبل الرّبوة المعروف بالمنشار، فوثب منه إلى جبل المزّة وأنا أنظر.
وكان الزّغبي يحبّ أن يشرب الماء عن الرّماد ويصفه لكل من شكا إليه مرضا أي مرض كان، وكان يقول هو الصفوة.
وكان منزله بمحلّة القيمرية، ومرّ يوما على دكان جزار بمحلّة القيمرية فوجد الشيخ شهاب الدّين الطّيبي واقفا على الجّزار، فقال الزّغبي للجزّار: يا معلّم توصّ من هذا الشيخ، فإنه يتصرّف في الألوف [٤] من الناس ويطاوعونه ولا يتجرأ أحد على مخالفته، إن طأطأ رأسه طأطؤوا معه، وإن رفع رأسه رفعوا معه.
стр. 5358
قال: وسأله بعض الناس عن أسفار زوجته فقال: وَالْقَواعِدُ من النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ٢٤: ٦٠ الآية [النّور: ٦٠] .
وكانت وفاة زوجته قبله في سنة سبع وسبعين بقرية حرستا، ودفنت هناك، ولما توفيت قال: تقدمتنا الحجّة واتسعنا لحزنها ولو تقدمناها ما وسعت حزننا.
ومرّ قبل موته بنحو سنة بالمكان الذي هو مدفون فيه الآن، فقال لا إله إلّا الله إن لنا هنا حبسة [١] طويلة، فلما توفي دفن هناك قريبا من الشيخ أبي بكر بن قوام، وقبره مشهور يزار، وعليه قبّة حسنة، وقيل: إن يوم موته وافق فتح قبرس [٢] . انتهى باختصار.
стр. 5359
سنة تسع وسبعين وتسعمائة
فيها توفي الفقيه بأفضل حسين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الشافعي الحضرمي [١] .
قال في «النور» : كان من أكمل المشايخ العارفين الجامعين بين علوم الشريعة وسلوك الطريقة وشهود الحقيقة، صاحب أحوال سنيّة، ومقامات عليّة، وفراسات صادقة، وكرامات خارقة، وله في التصوف رسالة سمّاها «الفصول الفتحية والنفثات الروحية فيما يوجب الجمعية» و «عدم البراح من جانب [٢] الحق والفناء والبقاء به بالكّلية والجزئية» .
وتوفي بتريم ﵀ ورضي عنه.
وفيها الشيخ رمضان [٣] ، المعروف ببهشتي [٤] كان من قصبة ديزه، فخرج منها لطلب العلم، واتصل بمجالس الأعلام، فقرأ على المولى محمد الشهير بمرحبا ثم اتصل بخدمة المولى سعد الله، ثم حبّبت إليه العزلة والقناعة، ورغب عن قبول المناصب، واختار خطابة جامع أحمد باشا في قصبة جورلي، وأكبّ على الاشتغال والأشغال، وانتفع به الطلبة وهرعوا إليه، وكتب في أثناء دروسه حاشية لطيفة على «حواشي الخيالي» وعلى «شرح المسعود الرومي في آداب البحث» وحواشي على بعض المواضع من «شرح المفتاح» للشريف.
стр. 5360
وكان عالما، فاضلا، مدقّقا لطيف الطبع، حسن الصّحبة، حلو المحاورة، ينظم الشعر التركي أبلغ نظام، فاتسم فيه ببهشتي على عادتهم.
وتوفي في القصبة المزبورة.
وفيها المولى خواجه عطاء الله [١] معلّم السلطان سليم خان بن السلطان سليمان خان.
قال في «ذيل الشقائق» : نشأ بقصبة بركي من ولاية آيدين صارفا لرائج عمره في إحراز العلوم والمعارف، بحيث لا يلويه عن تحصيلها عائق ولا صارف، وقرأ على ابن كمال باشا، والمولى أبي السعود المفتي، وسعد الله محشّي «تفسير البيضاوي» وهو قاض بقسطنطينية، ثم صار ملازما بطريق الإعادة من إسرافيل زاده، ثم تنقّل في المدارس، ثم عيّن لتعليم السلطان سليم خان وهو يومئذ أمير بلواء مغنيسا، ولما وصلت السلطنة إلى مخدومه علت كلمته، وارتفعت مرتبته [٢] ، واستقام أمره، واشتعل جمره، فبالغ في إكرامه، وأفرط في إعظامه، وكان يدعوه إلى داره العامرة فيجتمع به، ثم قدّم صغار طلبته على المشايخ الكبار وقلّدهم المناصب الجليلة في الأزمنة القليلة، فضجّ الناس عليه بالدعاء.
وكان عالما، فاضلا، ورعا، ديّنا، قوي الطبع، صحيح الفكر، إلّا أن فيه التعصب الزائد، وكتب رسالة تشتمل على خمسة فنون، الحديث، والفقه، والمعاني، والكلام، والحكمة.
وتوفي في أوائل صفر بقسطنطينية وصلّى عليه المولى أبو السعود المفتي.
وفيها المولى علي [٣] .
قال في «الكواكب» : «ابن إسرافيل» . وقال في «العقد المنظوم» : «ابن محمد» الشهير بقنالي زاده.
стр. 5361
ولد سنة ثمان عشرة وتسعمائة في قصبة أسيارية من لواء حميد، وكان أبوه من قضاة بعض القصبات، ثم اشتغل المترجم بالعلوم، فقرأ على المولى محيي الدّين المشتهر بالمعلول، والمولى سنان الدّين محشّي «تفسير البيضاوي» والمولى محيي الدّين المشتهر بمرحبا ثم صار معيدا لدرس المولى صالح الأسود، وعلى جوي زادة ولازمه وصار ملازما من المولى محيي الدّين الفناري، ثم عمل رسالة حقّق فيها بحث نفس الأمر وعرضها على أبي السعود أفندي، وهو يومئذ قاضي روم إيلي، فقلّده المدرسة الحسامية بأدرنة بعشرين، ثم تنقّل في المدارس إلى أن قلّد قضاء دمشق، ثم القاهرة، ثم بروسه، ثم أدرنة، ثم قسطنطينية، ثم قضاء عسكر أناضولي.
وكان- رحمه الله تعالى- إماما، عالما، بليغا، واسع المعرفة، كثير الافتنان، جاريا في مجاري المعارف بغير عنان اخترع الكثير من المعاني وولّد وقلّد جيد الزمان من منثوره ومنظومه ما قلّد فمن نظمه:
أرى من صدغك المعوجّ دالا ... ولكن نقطة من مسك خالك
فصارت [١] داله بالنقط ذالا ... فها أنا هالك من أجل ذلك
ومنه:
لهيب [نار] [٢] الهوى من أين جاء إلى ... أحشاك حتى رأينا القلب وهّاجا
وما دروا أنّه من سحر مقلته ... ألفى سبيلا إلى قلبي ومنهاجا
ومنه:
أنفق فإن الله كافل عبده ... فالرّزق في اليوم الجديد جديد
المال يكثر كلّما أنفقته ... كالبئر ينزح ماؤها [٣] فيزيد
ومن نثره قوله في رسالة قلمية: مدّ باعه في العلوم، وقده قيد شبر [٤] ، حبر
стр. 5362
باهر [١] ، إذا رأيت آثاره تقول: [ما] أحسن بهذا الحبر [٢] ، قادر على تحرير العلوم وتحبيره، يتكلم ويدر على الكافور عبيرا، فيا حسن تعبيره إذا شكّل رفع الإشكال، وإذا قيّد أطلق العقول من العقال، طورا يجلس على الدست مثل الكرام الصيد وطورا يبيت على [كهف] المحبرة [٣] ، باسطا ذراعيه بالوصيد، [كأنه] يتنزه في مراتع الطّرب، ويتبختر في غلايل القصب [٤] إذا شطّ داره نشط [٥] عنه مزاره، فهو يبكي كالغمام وينوح كالحمام [٦] يذكّر [٧] لداته وأترابه، ويحنّ إلى أول أرض مسّ جلده ترابه [٨] على منبر [٩] الأنامل، خطيب مصقع ألف، تراه تارة في الدولة وطورا على الإصبع، يقوم في خدمة الناس، وإذا قلت له أجر يقول على الرأس يتعيش بكسب يمينه ويقتات من عرق جبينه، لفظوا باسمه فصيحا وهو محرّف، أرادوا أن يصحّفوه فلم يصحّف، ميزاب عين الحكمة عنه، نابعة مقياس بمصر العلم، يعتبرون أصابعه أخرس ولكن لسانه قارئ يتكلم بعد ما قطع رأسه، وهو حكمة الباري، مدّاح لكنه لا يفارقه الهجا ستر [١٠] طرة صبح تحت أذيال الدّجى.
وله رسالة سيفية طنّانة وأشعار فارسية وغيرها.
وكان أعجوبة من الأعاجيب.
وتوفي- ﵀ شهيدا في سابع عشر رمضان بمدينة أدرنة، وذلك أنه سافر مع السلطان إلى أدرنة، وكان مبتلى بعرق النساء، فاشتد ألمه بالحركة وشدة
стр. 5363
البرد، فعالجه بعض المتطببة ودهنه بدهن فيه بعض السموم، ثم أعقبه بالطّلاء بدهن النّفط، فوصل السم إلى باطنه فكان سبب موته.
[١] وفي حدودها [٢] الإمام العلّامة تقي الدّين [محمد بن] أحمد بن شهاب الدّين الفتّوجي [٣] صاحب «المنتهى» [٤] .
قال الشعراوي في «ذيله على طبقاته» : ومنهم سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلّامة الشيخ تقي الدّين، ولد شيخنا شيخ الإسلام الشيخ شهاب الدّين الشهير بابن النّجار، صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه ما يشينه في دينه بل نشأ في عفّة، وصيانة، ودين، وعلم، وأدب، وديانة.
أخذ العلم عن والده شيخ الإسلام المذكور وعن جماعة من أرباب المذاهب المخالفة، وتبحّر في العلوم، حتّى انتهت إليه الرئاسة في مذهبه، وأجمع الناس أنه إذا انتقل إلى رحمة الله تعالى مات بذلك فقه الإمام أحمد من مصر، وسمعت القول مرارا من شيخنا الشيخ شهاب الدّين الرّملي وما سمعته قطّ يستغيب أحدا من أقرانه ولا غيرهم، ولا حسد أحدا على شيء من أمور الدنيا، ولا تزاحم عليها، وولي القضاء بسؤال جميع أهل مصر، فأشار عليه بعض العلماء، بالولاية، وقال:
يتعين عليك كذلك، فأجاب مصلحة للمسلمين.
وما رأيت أحدا أحلى منطقا منه، ولا أكثر أدبا مع جليسه، حتى يود أنه لا يفارقه ليلا ولا نهارا.
وبالجملة فأوصافه الجميلة تجلّ عن تصنيفي، فأسأل الله أن يزيده من فضله علما وعملا وورعا إلى أن يلقاه، وهو عنه راض، آمين اللهم آمين، انتهى [١] .
стр. 5364
وفيها يعقوب أفندي الكرماني الحنفي [١] الإمام العالم الزّاهد الناسك.
ولد ببلدة شيخلو، وكان أبوه من الأجناد العثمانية، ورغب هو في العلم وأهله، فجد واجتهد، وأخذ عن علماء عصره، ثم رأى صورة المحشر في المنام وشاهد فيه شدائد الساعة وأهوال القيامة [٢] ، فلما استيقظ سلك طريق الصوفية، واختار [٣] سلوك منهج الخلوتية، فأخذ ذلك عن مصلح الدّين المشتهر بمركز أنف، وصار خليفة من خلفائه إلى أن فوض إليه مشيخة زاوية مصطفى باشا بقسطنطينية فسلك بها أحسن الطرق، مع العلم، والدّين، والوعظ، والتذكير، والتفسير، وانتفع به الناس إلى أن توفي في ذي القعدة.
стр. 5365
سنة ثمانين وتسعمائة
فيها كما قال في «النور» [١] أخذ السلطان أكبر بن همايون كجرات، وهو من ذرّية تيمورلنك بينه وبينه أربعة آباء، وكان عظيم الشأن، ورزق السّعد، وطالت أيامه، واتسع ملكه جدا، وكان عادلا إلا أنه كان [٢] يميل إلى الكفرة، ويستصوب أقوالهم، ويستحسن أفعالهم.
وتوفي في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وألف، وكانت مدة سلطنته خمسين سنة، وتولى بعده ولده سليم شاه. انتهى وفيها توفي الشيخ بالي الخلوتي، المعروف بسكران [٣] .
قال في «العقد المنظوم» : نشأ في طلب العلم وتحصيل الفضائل، حتى صار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ودرّس في عدة مدارس، ثم رأى مناما كان سببا لتركه ذلك وإقباله على طريق التصوف.
وتلقّن الذّكر، وسلك الطريق، وفوضت إليه زاوية داخل قسطنطينية، فاشتغل بالإرشاد والإفادة وتربية المريدين.
وكان عالما، فاضلا، عابدا، صالحا معرضا عن أبناء الدّنيا غير مكترث بالأغنياء لم يدخل قط إلى باب أمير ولا صاحب منصب، غاية في [الحبّ و] الميل إلى الخيل، الجياد ويرسل بعضها إلى الغزو، صاحب جذبة عظيمة.
стр. 5366
وله في تعبير الرؤيا ما يدهش.
وتوفي في ذي القعدة ودفن بقسطنطينية.
وفيها زينب بنت محمد بن محمد بن أحمد الغزّي الشافعية [١] .
قال في «الكواكب» : كانت من أفاضل النساء، من أهل العلم والدّين والصّلاح.
مولدها في القعدة سنة عشر وتسعمائة، وقرأت على والدها وعلى أخيها شقيقها الشيخ الوالد كثيرا، وكتبت له كتبا بخطّها، ومدحته بقصيدة تقول فيها:
إنما العالم الذي ... جمع العلم واكتمل
قام فيه بحقّه ... يتبع العلم بالعمل
سهر اللّيل كلّه ... بنشاط بلا كسل
فهو في الله دأبه ... أبد الدّهر لم يزل
حاز علما بخشية ... وبدنياه ما اشتغل
حاسديه تعجّبوا ... ليس ذا الفضل بالحيل
ذاك مولاه خصّه ... بكمال من الأزل
من يرم مشبها له ... في الورى عقله اختبل
أو بلوغا لفضله ... فله قطّ ما وصل
فهو شيخي وسيّدي ... وبه النّفع قد حصل
وشعرها في المواعظ وغيرها في غاية الرّقة والمتانة، اتصلت بمنلا كمال، وبعده بالقاضي شهاب الدّين البصروي. انتهى وفيها شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي الغزّي الأزهري الشافعي [٢] الإمام العلّامة المعمّر.
стр. 5367
أخذ عن القاضي زكريا وغيره.
وكان إماما، محدّثا، مسندا، جليل القدر، وافر العلم، رحمه الله تعالى.
وفيها المولى مصلح الدّين، المشتهر بمعلّم زاده الحنفي [١] ، ينتهي نسبه إلى السلطان إبراهيم بن أدهم [٢] ﵁ [٢] .
قرأ على سعد الله بن عيسى بن أمير خان، وتنقّل في المدارس إلى أن ولي قضاء حلب، ثم قضاء برسه، ثم قضاء العسكر الأناضولي، ثم الرّوم إيلي، ودام فيه خمس سنين.
وكان بينه وبين عطاء الله معلّم السلطان مصاهرة واتصال، فلذا حصلت له الحظوة وعظم الشوكة، ولما مات عطاء الله اغتنم أعداؤه الفرصة، وسعوا به حتّى عزل.
وكان عالما، فاضلا، محقّقا، كاملا، مجيدا للكتابات على الفتاوى، لين الجانب مجبولا على الكرم وحسن المعاشرة، غير أن فيه طمعا زائدا وحرصا وافرا.
وتوفي في ربيع الأول وقد أناف على سبعين سنة، ومات وهو متوض وصلّى ركعتين، وأخذ سبحته بيده واضطجع، فخرجت روحه، ودفن بفناء مسجده الذي بناه في مدينة برسه.
стр. 5368
سنة إحدى وثمانين وتسعمائة
وفيها- وقيل سنة تسع وسبعين وهو الصحيح- توفي الشيخ شهاب الدّين أحمد الطيّبي الشافعي [١] الإمام العلّامة.
أخذ عن الكمال بن حمزة وغيره من علماء عصره، وأجازوه، وعني بالحديث والقراآت، فصار ممن يشار إليه فيهما بالبنان.
وكان إماما بجامع بني أمية، علّامة، محدثا، فاضلا، عديم النظير.
ومن شعره عاقدا لما أخرجه أبو المظفّر ابن السّمعاني عن الجنيد ﵀ إنما تطلب الدّنيا لثلاثة أشياء: الغنى، والعزّ، والرّاحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قلّ سعيه فيها استراح، ومن قنع فيها استغنى:
لثلاث يطلب الدّنيا الفتى ... للغني والعزّ أو أن يستريح
عزّه في الزّهد والقنع غنى ... وقليل السّعي فيها مستريح
وبالجملة فكان أحد مشايخ دمشق وعلمائها وصدورها، رحمه الله تعالى.
وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد الفارضي القاهري الحنبلي [٢] الشاعر المشهور الإمام العلّامة.
قال في «الكواكب» : أخذ عن جماعة من علماء مصر، واجتمع بشيخ
стр. 5369
الإسلام الوالد حين كان بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين، وكان بدينا سمينا، فقال الوالد يداعبه:
الفارضيّ الحنبليّ الرّضي ... في النحو والشعر عديم المثيل
قيل ومع ذا فهو ذو خفّة ... فقلت كلا بل رزين ثقيل
واستشهد الشيخ شمس الدّين العلقمي [١] بكلامه في «شرح الجامع الصغير» فمن ذلك قوله في معنى ما رواه الدّينوري في «المجالسة» والسّلفي في بعض تخاريجه، عن سفيان الثوري قال: «أوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التّنين خير من أن ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر» :
إدخالك اليد في التّنّين تدخلها ... لمرفق منك مستعد فيقضمها
خير من المرء يرجى في الغنى وله ... خصاصة سبقت قد كان يسنمها
ومن بدائع شعره:
إذا ما رأيت الله للكلّ فاعلا ... رأيت جميع الكائنات ملاحا
وإن لا ترى إلا مضاهي صنعه ... حجبت فصيّرت المساء صباحا
ومن محاسنه أيضا أنه صلّى شخص إلى جانبه ذات يوم فخفّف جدا، فنهاه فقال: أنا حنفيّ، فقال الفارضي:
معاشر النّاس جمعا حسبما رسمت ... أهل الهدى والحجا من كل من نبها
ما حرّم العلم النّعمان في سند ... يوما طمأنينة أصلا ولا كرها
وكونها عنده ليست بواجبة ... لا يوجب التّرك فيما قرّر الفقها
فيا مصرّا على تفويتها أبدا ... عد وانتبه رحم الله الذي انتبها
انتهى ملخصا.
وأخذ عن الفارضي كثير من الأجلاء، منهم العلّامة شمس الدّين محمد
стр. 5370
المقدسي العلمي، مدرّس القصّاعية بدمشق، وأنشد له، وذكر أن القاضي البيضاوي خطّأ من أدغم الراء في اللام ونسبه إلى أبي عمرو:
أنكر بعض الورى على من ... تدغم في اللام عنه راء
ولا نخطّي أبا شعيب ... والله يغفر لمن يشاء
وله:
ألا خذ حكمة مني ... وخلّ القيل والقالا
فساد الدّين والدّنيا ... قبول الحاكم المالا
وقال يرثي الشيخ مغوش التونسي لما مات بمصر:
تقضّى التونسيّ فقلت بيتا ... يروّح كل ذي شجن ويؤنس
أتوحشنا وتؤنس بطن لحد ... ولكن مثل ما أوحشت تونس
وفيها- تقريبا أيضا- قال في «الكواكب» ما لفظه: محمد بن عبد الله بن علي الشيخ العلّامة الشّنشوري المصري الشافعي [١] .
مولده- تقريبا- سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وأخذ عن الجلال السيوطي، والقاضي زكريا، [٢] والدّيمي، والقلقشندي [٢] ، والسّعد الذهبيّ، والكمال الطّويل، والنور المحلّي، وله مؤلفات في الفرائض وغيرها، وأجاز ابن كسباي في ربيع الثاني سنة ثمانين وتسعمائة. انتهى بحروفه وقال ولده الشيخ عبد الله [٣] شارح «الترتيب» [٤] في إجازة ذكر فيها مشايخه:
стр. 5371
ومن مشايخي الشيخ العلّامة والدي الشيخ بهاء الدّين محمد بن الشيخ الصّالح عبد الله بن الشيخ المسلّك نور الدّين علي الشّنشوري الشافعي.
وتوفي والدي سابع عشر الحجّة الحرام سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، وله من العمر تسع وتسعون سنة. انتهى ومن خطّه نقلت.
وفيها المولى علي بن عبد العزيز، المشتهر بأم ولد زاده [١] .
قال في «العقد المنظوم» : صار ملازما من المولى محيي الدّين الفناري، وتنقّل في المدارس، وقاسى فقرأ شديدا أيام طلبه، إلى أن ولي قضاء حلب فلم يكمل سنة حتى توفي.
وكان عالما، أديبا، وفاضلا لبيبا، مبرّزا على أقرانه، حائزا قصبات السبق في ميادين العلوم، وله رسائل أنيقة وألفاظ رشيقة.
ومن شعره القصيدة الميمية الطنّانة التي أولها:
أبا لصّدّ تحلو عشرة وتدام ... وفي القلب من نار الغرام ضرام
شربت بذكر العامريّة قهوة ... فسكري إلى يوم القيام مدام
وهي طويلة انتهى ملخصا.
стр. 5372
سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة
فيها عمر درويش باشا الوزير جامعا بدمشق المحروسة [١] فجعل له ماميّة [٢] تاريخا فقال:
في دولة السّلطان بالعدل مراد ... من قام بالفرض وأحيا السّنّه
درويش باشا قد أقام معبدا ... وكم له أجر به ومنه
بناه خير جامع تاريخه ... (لله فاسجد واقترب بجنّه) [٣]
وفيها توفي السلطان الأعظم سليم بن سليمان [٤] .
قال في «الأعلام» مولده الشريف سنة تسع وعشرين وتسعمائة، وجلوسه على تخت ملكه الشريف بالقسطنطينية العظمى في يوم الاثنين لتسع مضين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وتسعمائة، ومدة سلطنته الشريفة تسع سنين، وسنّه حين تسلطن ست وأربعون سنة، وعمره كلّه ثلاث وخمسون سنة.
وكان سلطانا، كريما، رؤوفا بالرّعية، رحيما، عفوّا عن الجرائم، حليما، محبّا للعلماء والصلحاء، محسنا إلى المشايخ والفقراء، طالما طافت بكفّيه الآمال واعتمرت، وصدع بأوامره الليالي والأيام فائتمرت. كم أظهرت لسواد الكفرة يد
стр. 5373
صارمه البيضاء آية للناظرين، وكم جهّز جيوشا للجهاد في سبيل الله فقطع دابر القوم الكافرين، فمن أكبر غزواته فتح جزيرة قبرس بسيف الجهاد، ومنها فتح تونس المغرب، وحلق الواد [١] ، ومنها فتح ممالك اليمن واسترجاعها من العصاة البغاة أهل الإلحاد.
ومن خيراته تضعيف صدقة الحبّ على أهل الحرمين والأمر ببناء المسجد الحرام.
وتوفي لسبع مضين من شهر رمضان، ودفن بقرب أيا صوفيا، وتولى بعده ولده السلطان مراد، ولماميّة الرّوم في تاريخ جلوسه:
بالبخت فوق التّخت أصبح جالسا ... ملك به رحم الإله عباده
وبه سرير الملك سرّ فأرّخوا ... حاز الزّمان من السّرور مراده
وفيها إلياس القرماني الطّبيب الحنفي [٢] .
قال في «العقد المنظوم» : ولد بولاية قرمان [٣] ، ثم خرج من بلاده لطلب العلم بعد ما بلغ الحنث، وتنقّل في البلدان، حتّى وصل إلى خدمة الحكيم إسحاق، وحصل عنده بعض العلوم، سيما الطب، وفتح حانوتا في بعض الأسواق، وتكسّب بالطب وبيع المعاجين والأشربة، ثم فرغ عن الحانوت، وشمّر عن ساق الاجتهاد، وبعد ما ظهر فيه الشّيب وتقيد بأخي زاده، وحصّل عليه كثيرا من العلوم، هذا مع العائلة [٤] والاحتياج، إلى أن برع وفاق أقرانه، وكان من
стр. 5374
العلماء العاملين، مع كمال الورع والتصلّب في الدّين، آية في الزّهد والتّقوى، متبحّرا في الفنون الشرعية والنقلية، مشاركا في العلوم العقلية. وكان يفسّر القرآن العظيم وينتفع به الناس، إلى أن توفي شهيدا في ذي القعدة، وذلك أنه طبّب فرهاد باشا الوزير [١] من سلس البول، فمات في أيام قلائل بالزّحير [٢] فاتّهم بقتله، فترصّد له جماعته ساعة، حتّى خرج من داره، فضربوه بالسكاكين حتّى قتلوه، فغضب السلطان لذلك، وصلب بعضهم، ونفى الباقين.
وفيها الشيخ عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المكّي الشافعي [٣] .
قال في «النور» : ولد في ربيع الأول عام عشرين وتسعمائة.
وكان إماما، عالما، وله تصانيف كثيرة، لا تحصى، منها شرحان على «البداية» للغزالي، ورأيت منها جملة عديدة في فنون شتّى، ولعمري أنه كان يشبه الجلال السيوطي في كثرتها، بحيث إنه يكتب على كل مسألة رسالة، مع أن عبارته ما هي بذاك ﵀.
وتوفي بمكّة. انتهى وفيها سراج الدّين عمر بن عبد الوهاب النّاشري اليمني الشافعي [٤] .
قال في «النور» : ولد بمدينة زبيد.
وكان إماما، علّامة. وكان سئل عما يعتاده أهل زبيد من العيد الذي في أول خميس من رجب هل له أصل وهل هو سنّة أم لا، فأجاب بهذه الأبيات [٥] :
وسائل سال عن قوم وعادتهم ... عيد الخميس الذي في مبتدا رجب
стр. 5375
[أسنّة هو أو لا؟ أوضحوه لنا ... وما لتمييز هذا اليوم من سبب؟
فقلت ذا مبدأ الإسلام في يمن ... عيد الخميس الذي في مبتدا رجب]
أتى معاذ بأمر الله فيه لنا ... بالاتّباع إلى منهاج خير نبي
فصار ذلك عيدا عندنا فلذا ... نخصّه لمزيد الحبّ بالقرب
ولا نقول بتخصيص الصّيام له ... ولا صلاة ولا شيء من القرب
نعم لنا فيه تخصيص المحبّة إذ ... كان النّجاة لنا فيه من العطب
فصار إقباله فيه القبول على ... قوابل القابلين الكل عن أرب
ثم الصّلاة مع التّسليم لا برحا ... على محمد خير العجم والعرب
والآل والصّحب ثم التّابعين لهم ... ما انهلّ مزن على الأشجار والكثب
وفيها القاضي عيسى الهندي [١] العلّامة المفنّن.
قال في «النور» : كان من أعيان العلماء المشهورين، وواحد المشايخ المدرّسين، وله تصانيف نافعة، رحمه الله تعالى.
وتوفي بأحمدآباد. انتهى.
وفيها ناصر الدّين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عيسى بن شرف، المعروف بابن أبي الجود، وبابن أبي الحيل قديما، وبابن الكشك الشلّاح أبوه [٢] .
قال في «الكواكب» : قال الوالد قرأ عليّ من «الترمذي» إلى كتاب الصلاة، والبردة، والمنفرجة، وسمع قصيدتي القافية والخائية، مرثيتي شيخ الإسلام.
[وقصيدتي التائية المثلثة، في مجدّدي دين الأمة، وبعض كتابي الدرّ النضيد،] وغير ذلك وأجزته، مولده سنة تسع عشرة وتسعمائة. انتهى.
وأخبرنا الشيخ أبو اليسر القوّاس أنه كان له ذكاء مفرط، وعرض له أكل الأفيون، وهو لبن الخشخاش، وغلب عليه فكتبت إليه العمّة خالة أبي اليسر المذكور السيدة زينب بنت الشيخ رضي الدّين تنصحه:
стр. 5376
يا ناصر الدّين يا بن الكشك يا ذا الجود ... اسمع أقول لك نصيحة تطرب الجلمود
بسك تعاني اللبن فهمك هو المفقود ... يصير بالك وما لك والذّكا مفقود
وكان المذكور رئيس الكتبة بمحكمة القسمة ومامية ترجمانها، وكان يصير بينهما لطائف ووقائع.
وتوفي يوم السبت رابع عشر الحجّة ودفن بباب الفراديس. انتهى ملخصا.
وفيها المولى أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي [١] الإمام العلّامة.
قال في «العقد المنظوم» : ولد سنة ثمان وتسعين وثمانمائة بقرية قريبة من قسطنطينية، وقرأ على والده كثيرا من جملة ما قرأه عليه «حاشية التجريد» للشريف الجرجاني بتمامها، و «شرح المفتاح» للشريف أيضا قرأه عليه مرتين، و «شرح المواقف» له أيضا، وصار ملازما من المولى سعدي جلبي، وتنقّل في المدارس، ثم قلّد قضاء برسه، ثم قضاء قسطنطينية، ثم قضاء العسكر في ولاية روم إيلي، ودام عليه مدة ثمان سنين، ثم لما توفي المولى سعد الله بن عيسى بن أمير خان تولى مكانه الفتيا، فقام بأعبائها أتمّ قيام، وذلك سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، واستمر على ذلك إلى أن مات، وسارت أجوبته في جميع العلوم وجميع الآفاق مسير النّجوم، وجعلت رشحات أقلامه تميمة نحر لكونها يتيمة بحر يا له من بحر [٢] ، وكان من الذين قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها وغاربها، وضربت له نوبة الامتياز في مشارق الأرض ومغاربها، تفرّد في ميدان فضله فلم يجاره أحد، وانقطع عن
стр. 5377
القرين والمماثل في كل بلد، وحصل له من المجد والإقبال والشّرف والأفضال ما لا يمكن شرحه بالمقال، وقد عاقه الدرس والفتوى والاشتغال بما هو أهم وأقوى عن التفرغ للتصنيف، سوى أنه اختلس فرصا وصرفها إلى التفسير الشريف، وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأذهان ولم تقرع بمثله الآذان، وسماه ب «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» [١] ولما وصل منه إلى آخر سورة ص ورد التقاضي من طرف السلطان سليمان خان، فبيّض الموجود وأرسله إليه، وبعد ذلك تيسّر له الختام، وأنعم عليه السلطان بما لم يدخل تحت الحصر، وله «حاشية على العناية» من أول كتاب البيع، وبعض حواش على بعض «الكشّاف» جمعها حال إقرائه له.
وكان طويل القامة، خفيف العارضين، غير متكلّف في الطعام واللباس، وغير أن فيه نوع اكتراث بمداراة الناس والميل الزائد لأرباب الرئاسة، فكان ذا مهابة عظيمة، واسع التقرير، سائغ التحرير، يلفظ الدّرر من كلمه، وينثر الجوهر من حكمه، بحرا زاخرا، وطودا باذخا.
وله شعر كثير مطبوع، منه قصيدته الميمية الطويلة التي أولها [٢] :
أبعد سليمى مطلب ومرام ... وغير هواها لوعة وغرام
وفوق حماها ملجأ ومثابة ... ودون ذراها موقف ومقام
وهيهات أن تثنى إلى غير بابها ... عنان المطايا أو يشدّ حزام
وهي طويلة انتهى ملخصا.
وينسب إليه البيتان اللذان أجيب بهما بيتا العجم وهما:
نحن أناس قد غدا دأبنا ... حبّ عليّ بن أبي طالب
يعيبنا النّاس على حبّه ... فلعنة الله على العائب
стр. 5378
فأجاب المولى أبو السعود بقوله:
ما عيبكم هذا ولكنّه ... بغض الذي لقّب بالصّاحب
وقولكم فيه وفي بنته ... فلعنة الله على الكاذب
وتوفي بقسطنطينية مفتيا في أوائل جمادى الأولى، وصلّى عليه المولى سنان محشّي «تفسير البيضاوي» ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري ﵁.
стр. 5379
سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة
فيها توفي شمس الدّين أحمد السرائي الحنفي [١] الإمام العالم.
ولد بمدينة سراي ونشأ بها، وطلب العلم، وأكثر من الشيوخ، حتّى صار ملازما من محيي الدّين عرب زادة، ومعيدا له، وصار معلّما للوزير محمود الشهير بزال، فارتفع قدره، وعظم شأنه، ثم تنقّلت به الأحوال، وتقلب في المدارس.
وكان عارفا، عالما، حسن السّمت، مرضي السيرة، صاحب ذهن سليم وطبع مستقيم، معرضا عن البطالة، مكبا على الاشتغال، حسن النثر والنظم باللسان العربي، وله رسالتان سيفية وقلمية في غاية البلاغة.
وتوفي في رجب.
وفيها المولى محمد بن عبد العزيز، المشتهر بمعيدزاده [٢] .
قال في «ذيل الشقائق» : مولده بمرعش سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، واشتغل على علماء بلده، ثم جاء إلى قسطنطينية، فقرأ على معمار زاده، ثم على المولى سنان، وصار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس إلى أن توفي، ولم يجلس بمجلس القضاء.
وكان عالما، محقّقا، مدقّقا، صاحب يد طولى في العلوم الأدبية، وقدم
стр. 5380
راسخة في فنون العربية، مع المشاركة التّامة في سائر العلوم المتداولة. وله تعليقات على بعض المواضع من التفسير، والفروع، وغيرهما.
ومن شعره:
لقد جار الزّمان على بنيه ... عليهم ضاق بالرّحب البقاع
ترى الأشعار في الأسعار أغلى ... وعلم الشّرع أكسد ما يباع
فقد صارت جوائزهم عقودا ... وغايتها خماس أو رباع
وكم من شاعر أمسى عزيزا ... لقد أضحى له أمر مطاع
وذي فضل ينادي في البوادي [١] ... أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا [٢]
توفي ببيت المقدس لما توجه قاضيا لها قبل أن يباشر الحكم في ذي القعدة انتهى.
وذكر في «الكواكب» أنه كان مفتيا بدمشق ومدرّسا بالسّليمانية بها.
وفيها محمود بن أحمد المشتهر بابن برزان [٣] .
ولد بقصبة أسكليب، ونشأ على طلب العلم والفضائل، وأخذ عن أعيان الأفاضل، حتى صار ملازما من المولى أبي السعود وتنقّل في المدارس، وأذن له في الإفتاء فلم تطل مدته.
وكان عارفا، كاملا، مطلعا على دقائق العربية، له باع في العلوم الأدبية، عالما بالفقه والكلام.
وتوفي بقسطنطينية في شوال.
وفيها المولى محمود بن حسن السامون الحنفي [٤] الإمام العلّامة.
стр. 5381
قرأ على علماء عصره، ومهر، وصار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، وتنقّل في المدارس إلى أن ولي قضاء حلب، ثم دمشق، ثم مكّة، ثم تقاعد بوظيفة مثله.
وكان عالما، صالحا، مشتغلا بنفسه، جيد الحفظ، كثير العلوم، محمود السيرة في قضائه.
وتوفي في ذي القعدة.
وفيها الشيخ محيي الدّين الإسكليبي الحنفي [١] .
ولد بقصبة تسمى إسكليب، ونشأ في طلب العلم، ودار البلاد العجمية، والرّومية، والعربية في طلبه، واجتمع بكثير من الأعيان، وتلقى عن جلّة من علماء الزمان، إلى أن برع في العلوم، وتضلع من المنطوق والمفهوم، ثم سلك طريق السادة الصوفية، وتسلّك بالشيخ إبراهيم القيصري، إلى أن صار كما قال فيه محيي الدّين المشتهر بحكيم جلبي من الرّجال الكاملين، مملوءا من المعارف الآلهية من فرقه إلى قدمه، وروحه المطهرة متصرّفة الآن في هذه الأقطار [٢] وإن أرباب السّلوك وطلبة المعارف الإلهيّة مستفيدون من معارفه.
وتوفي- رحمه الله تعالى- بإسكليب.
وفيها مصلح الدّين مصطفى بن الشيخ علاء الدّين المشتهر بجراح زاده الحنفي [٣] .
ولد بمدينة أدرنة في صفر سنة إحدى وتسعمائة، ونشأ بها طالبا للعلوم والمعارف، وقرأ كتاب «المفتاح» بإتقان وتحقيق على المولى لطف الله بن شجاع، ثم هبّت عليه نسمات الزّهد، فتلقى طريق القوم من سادات زمانه، وتحمّل مشاق العبادات، والمجاهدات، حتّى صار بحرا من بحار الحقيقة، وكهفا منيفا لأرباب
стр. 5382
الطريقة، متخليا عن الأخلاق الناسوتية، متحليا بمفاخر الحلل اللاهوتية، منجمعا عن الناس، معرضا عن تكلّفاتهم، راغبا عن بدعهم وعن خرافاتهم، لا يطرق أبواب الأمراء، ولا يطرف مجالس الأغنياء، وله كشوفات عجيبة وإشرافات على الخواطر غريبة.
وتوفي بأدرنة في المحرّم ودفن بقرب زاوية الشيخ شجاع.
стр. 5383
سنة أربع وثمانين وتسعمائة
فيها توفي المولى رمضان المعروف بناظر زاده الرومي الحنفي [١] الإمام العلّامة.
قال في «العقد المنظوم» : ولد بقصبة صوفية من بلاد الرّوم، ونشأ في طلب العلم والأدب، وأخذ عن المولى عبد الباقي، والمولى برويز، وصار ملازما من قطب الدّين زاده، وحفظ «الكنز» ، وقلّد المدارس، ثم قلّد قضاء الشام، ثم مصر، ثم بروسه ثم أدرنة، وقبل أن يصل إليها قلّد قضاء قسطنطينية.
وكان ممن حاز قصب السّبق في مضمار الفضائل، وشهد بوفور علمه وغزارة فضله الأفاضل، علما مستقيما، عفيفا، نزها، جميل الصورة، حسن السيرة، متواضعا. ومع هذا الفضل الباهر والتقدم الظاهر لم ير له تأليف لغاية احترازه عن النسبة إلى الخطأ.
وتوفي بقسطنطينية فجأة في أواسط شعبان.
وفيها زين العباد القيصري الحنفي [٢] .
ولد ببلدة قيصرية [٣] واشتغل على الشيخ شمس الدّين مدرّس البكتوتية ببلدة مرعش، ثم رحل إلى القسطنطينية، وقرأ على علمائها، حتى وصل إلى خدمة
стр. 5384
سعدي چلبي محشّي «البيضاوي» ، ثم بعد موته بجوي زاده، وصار ملازما منه، وتنقّل في المدارس حتّى وصل إلى مدرسة با يزيد خان بأماسية بثمانين، وأقام بها على الإفتاء والدرس إلى الموت.
وكان واسع العلم، كثير المحفوظ، قليل الاعتناء بزخارف الدنيا، مكبا على الاشتغال والإشغال.
وكان له أخ يسمى عبد الفتاح [١] .
كان فاضلا، كاملا، تنقّل في مدارس عديدة إلى أن نقل إلى مدرسة السلطان سليمان خان بدمشق فباشرها مع الإفتاء بها واستمر فيها إلى أن توفي في هذه السنة أيضا.
وفيها سعيد سلطاني الحبشي الحنفي [٢] .
قال في «النور» : كان عالما، فاضلا، صالحا، دينا، فقيها، مشاركا في كثير من العلوم، يحفظ القرآن العظيم، كثير العبادة، يختم في رمضان خمس ختمات في الصلاة.
وكان أمراء الجيوش يحترمونه ويجلّونه، وجعلوا له معلوما يوازي خمسة عشر ألف دينار.
وكان محسنا لأهل العلم، ولما حجّ قرأ على ابن حجر الهيتمي.
وكان له رغبة في تحصيل الكتب، وابتنى بأحمد أباد مسجدا حسنا إلّا أنه كان فيه كبر، والكمال لله.
وتوفي بأحمد أباد يوم الاثنين ثالث شوال، ودفن بمسجده، ثم دفن إلى جنبه شيخنا الشيخ عبد المعطى باكثير. انتهى
стр. 5385
وفيها عبد الله بن سعد الدّين المدني السّندي [١] .
قال في «النور» أيضا: كان من كبار العلماء البارعين، وأعيان الأئمة المتبحّرين، وله جملة مصنّفات، منها «حاشية» على «العوارف» للسّهروردي.
وتوفي بمكة في ذي الحجّة. انتهى وفيها شمس الدّين محمد بن شمس الدّين محمد بن الشيخ علوان الحموي الشافعي [٢] .
أخذ عن أبيه وغيره وتفقه وكان إماما كاملا وتوفي بحماة.
وفيها بدر الدّين أبو البركات محمد بن القاضي رضي الدّين محمد بن محمد بن عبد الله بن بدر بن عثمان بن جابر الغزّي العامري القرشي الشافعي [٣] الإمام العلّامة شيخ الإسلام بحر العلوم.
قال ولده النجم في «الكواكب» : ولد في وقت العشاء ليلة الاثنين رابع عشر ذي القعدة سنة أربع وتسعمائة، وحمله والده إلى الشيخ أبي الفتح المزّي الصّوفي فألبسه خرقة التصوف، ولقّنه الذّكر، وأجاز له بكل ما تجوز له وعنه روايته، وهو دون السنتين، وأحسن والده تربيته، وهو أول من فتق لسانه بذكر الله تعالى، ثم قرأ القرآن العظيم على عدة مشايخ، منهم البدر السّنهوري [٤] بروايات العشرة، ثم لزم في الفقه والعربية والمنطق والده الشيخ رضي الدّين. وقرأ في الفقه أيضا على تقي الدّين بن قاضي عجلون. وكان معجبا به يلقّبه شيخ الإسلام، وأكثر انتفاعه بعد والده عليه، وسمع عليه في الحديث، ثم أخذ الحديث والتصوف عن البدر ابن الشويخ المقدسي، ثم رحل مع والده إلى القاهرة، فأخذ عن مشايخ الإسلام بها، القاضي زكريا، وأكثر انتفاعه في مصر به، والبرهان بن أبي شريف، والبرهان القلقشنديّ، والقسطلاني، وغيرهم، وبقي في الاشتغال بمصر مع والده نحو
стр. 5386
خمس سنوات، واستجاز له والده قبل ذلك من الحافظ جلال الدّين السيوطي.
وبرع، ودرّس، وأفتى، وألّف، وشيوخه أحياء، فقرّت أعينهم به وجمعه بجماعة من أولياء مصر وغيرها، والتمس له منهم الدّعاء كالشيخ عبد القادر الدّشطوطي، وسيدي محمد المنير الخانكي.
ثم تصدر بعد عوده مع والده من القاهرة في سنة إحدى وعشرين للتدريس والإفادة، واجتمعت عليه الطلبة وهو ابن سبع عشرة سنة، واستمر على ذلك إلى الممات، مشتغلا بالعلم تدريسا وتصنيفا وإفتاء ليلا ونهارا، مع الاشتغال بالعبادة وقيام الليل وملازمة الأوراد.
وتولى الوظائف الدينية كمشيخة القراء بالجامع الأموي، وإمامة المقصورة، ودرّس بالعادلية، ثم بالفارسية، ثم الشامية البرّانيّة، ثم المقدّميّة، ثم التّقويّة، ثم جمع له بينهما وبين الشامية الجوانية، ومات عنهما، وانتفع به الناس طبقة بعد طبقة، ورحلوا إليه من الآفاق، ولزم العزلة عن الناس في أواسط عمره، لا يأتي قاضيا، ولا حاكما، ولا كبيرا، بل هم يقصدون منزله الكريم للعلم والتّبرّك.
وطلب الدعاء، وإذا قصده قاضي قضاة البلد أو نائبها لا يجتمع به إلا بعد الاستئذان عليه والمراجعة في الأذن، وقصده نائب الشام مصطفى باشا فلم يجتمع به إلّا بعد مرات. وكذا درويش باشا نائب الشام. وقال له: يا سيدي ما تسمع عني؟ قال: الظلم.
وكان لا يأخذ على الفتوى شيئا، بل سدّ باب الهديّة مطلقا فلم يقبل إلّا من أخصائه وأقاربه، ويكافئ أضعافا. وكان يحبّ الصوفية ويكرمهم، وأخذ عنه العلم من لا يحصى كثرة.
وأما تصانيفه فبلغت مائة وبضعة عشر مصنّفا، من أشهرها التفاسير الثلاثة المشهورة «المنثور» و «المنظومان» وأشهرها «المنظوم الكبير» في مائة ألف بيت وثمانين ألف بيت وحاشيتان على «شرح المنهاج» للمحلّي، وشرحان على «المنهاج» كبير وصغير، وكتاب «فتح المغلق في تصحيح ما في الروضة من الخلاف المطلق» و «التّنقيب على ابن النّقيب» و «البرهان الناهض في نيّة استباحة
стр. 5387
الوطء للحائض» و «شرح خاتمة البهجة» و «الدر النّضيد في أدب المفيد والمستفيد» و «التذكرة الفقهية» وشرحان على «الرّحبية» وثلاثة شروح على «الألفية» في النحو منظومان ومنثور، و «شرح الصدور بشرح الشذور» وشرح على «التّوضيح» لابن هشام، و «شرح شواهد التلخيص» و «أسباب النّجاح في آداب النّكاح» وكتاب «فصل الخطّاب في وصل الأحباب» و «منظومة في خصائص النّبي ﷺ » و «منظومة في خصائص يوم الجمعة وشرحها» و «منظومة في موافقات سيدنا عمر للقرآن العظيم وشرحها» و «العقد الجامع في شرح الدّرر اللوامع» نظم «جمع الجوامع» ، وغير ذلك.
ومن شعره [١] :
إله العالمين رضاك عنّي ... وتوفيقي لما ترضى مناي
فحرماني عطائي إن ترده ... وفقري إن رضيت به غناي
ومنه:
بالحظّ والجاه لا بفضل ... في دهرنا المال يستفاد
كم من جواد بلا حمار ... وكم حمار له جواد
وكان ابتداء مرضه في ثاني شوال من هذه السنة، واستمر مريضا إلى يوم الأربعاء سادس عشري شوال المذكور، وصلّى عليه الشّهاب العيثاوي، ودفن بتربة الشيخ أرسلان، وقال ماميّة الشاعر مؤرخا لوفاته:
أبكى الجوامع والمساجد فقد من ... قد كان شمس عوارف التّمكين
وكذا المدارس أظلمت لما أتى ... تأريخه (بخفاء بدر الدّين) [٢]
وفيها نجم الدّين محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر الغيطي السّكندري ثم المصري الشافعي [٣] الإمام العلّامة المحدّث المسند، شيخ الإسلام.
ولد في أثناء العشر الأول من القرن العاشر.
стр. 5388
قال في «الكواكب» : كان رفيقا لوالدي على والده وعلى القاضي زكريا. قرأ عليه «البخاري» و «مسلم» كاملين «وسنن أبي داود» إلّا يسيرا من آخرها، وجمع عليه للسبعة، ولبس منه خرقة التصوف، وسمع على الشيخ عبد الحقّ السّنباطي «سنن ابن ماجة» كاملا، و «الموطأ» وغير ذلك. وقرأ عليه في التفسير، والقراآت، والنحو، والصرف، وأذن له بالإفتاء والتدريس، وقرأ وسمع على السيد كمال الدّين بن حمزة لما قدم مصر. وقرأ على الكمال الطويل كثيرا وأجازه بالتدريس والإفتاء، وأخذ عن الأمين بن النّجار، والبدر المشهدي كثيرا، وعن الشمس الدّلجي، وأبي الحسن البكري، وغيرهم.
قال الشعراوي: أفتى ودرّس في حياة مشايخه بإذنهم، وألقى الله محبته في قلوب الخلائق، فلا يكرهه إلّا مجرم أو منافق، وانتهت إليه الرئاسة في علم الحديث، والتفسير، والتصوف، ولم يزل أمّارا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، يواجه بذلك الأمراء والأكابر، لا يخاف في الله لومة لائم.
قال: وتولى مشيخة الصّلاحية بجوار الإمام الشافعي، ومشيخة الخانقاة السرياقوسية، وهما من أجلّ وظائف مشايخ الإسلام من غير سؤال منه، وأجمع أهل مصر على جلالته، وما رأيت أحدا من أولياء مصر إلّا يحبه ويجلّه.
وذكره القاضي محبّ الدّين الحنفي في «رحلته إلى مصر» فقال: وأما حافظ عصره، ومحدّث مصره، ووحيد دهره، الرحلة الإمام والعمدة الهمام الشيخ نجم الدّين الغيطي، فإنه محدّث هذه الدّيار على الإطلاق، جامع للكمالات الجميلة ومحاسن الأخلاق، حاز أنواع الفضائل والعلوم، واحتوى على بدائع المنثور والمنظوم، إذا تكلّم في الحديث بلفظه الجاري أقرّ كل مسلم بأنه البخاري، أجمعت على صدارته في العلم علماء البلاد، واتفقت على ترجيحه بعلو الإسناد، وقفت له على مؤلّف سمّاه «القول القويم في إقطاع تميم» . انتهى أي ومن مؤلفاته «المعراج» المتداول بأيدي الناس، يقرؤه علماء الأزهر كل سنة في رجبها
.
стр. 5389
سنة خمس وثمانين وتسعمائة
فيها كما قال في «النور» [١] طلع نجم ذو ذؤابة كهيئة الذّنب طويل جدا له شعاع، ومكث كذلك يطلع نحو شهرين. انتهى.
قلت: قال السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» [٢] ما لفظه: ذكر كوكب الذنب. قال صاحب «المرآة» : إن أهل النّجوم يذكرون أن كوكب الذنب طلع في وقت قتل قابيل هابيل، وفي وقت الطوفان، وفي وقت نار إبراهيم الخليل، وعند هلاك قوم عاد، وقوم ثمود، وقوم صالح، وعند ظهور قوم موسى وهلاك فرعون، وفي غزوة بدر، وعند قتل عثمان، وعلي، وعند قتل جماعة من الخلفاء، منهم الرّاضي، والمعتز، والمهتدي، والمقتدر.
قال [٣] : وأدنى الأحداث عند ظهور هذه الكواكب الزلازل والأهوال.
قلت: يدل لذلك ما أخرجه الحاكم في «المستدرك» وصححه من طريق ابن أبي مليكة، قال: «غدوت على ابن عبّاس، فقال: ما نمت البارحة، قلت: لم؟
قال: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدّجّال قد طرق [٤] » . انتهى ما أورده السّيوطي بحروفه.
وفيها توفي المولى حامد أفندي المفتي [٥] .
قال في «العقد المنظوم» : ولد بقونية، وطلب العلم في كبره بعد أن ذهب
стр. 5390
شبابه، لكنه أكبّ على الطلب ولازم الأفاضل، وحصل له منهم قبول زائد، منهم المولى سعدي محشّي «تفسير البيضاوي» . وصار ملازما من المولى القادري، ثم تنقّل في المدارس من سنة أربعين وتسعمائة إلى أن قلّد قضاء دمشق فلم يمكث فيه سنة حتّى نقل إلى قضاء مصر، فأقام فيها ثلاث سنين، ثم قلّد قضاء برسه، ثم قضاء قسطنطينية، ثم قضاء العسكر بولاية روم إيلي، فاستمرّ فيه تسع سنين، سالكا أحسن مسلك وكان السلطان- لكثرة اعتماده عليه وحبه له- أراد أن يوليه الوزارة العظمى [١] ، فوافق موت المرحوم المولى أبي السعود أفندي المفتي، فأقيم مقامه، وسلّم إليه المجد زمامه، فدام في الفتوى إلى أن توفي، وذلك في أوائل شعبان، ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري ﵁.
وفيها ميان عبد الصّمد الهندي [٢] الرجل الصالح.
قال في «النور» : كان من الأخيار، عالما، فاضلا، محسنا، متواضعا، وحكي أنه كان إذا لم يكن على طهارة وثمّ أحد ممن اسمه اسم نبي لم يتلفظ باسمه تعظيما واحتراما لذلك الاسم الشريف، رحمه الله تعالى. انتهى.
وفيها شمس الدّين أبو النّعمان محمد بن كريم الدّين محمد الأيجي العجمي الشافعي الصالحي [٣] نزيل صالحية دمشق، الإمام العلّامة العارف بالله تعالى.
قال في «الكواكب» : قدم دمشق وهو شاب في سنة عشرين وتسعمائة، وصحب سيدي محمد بن عراق سنين كثيرة، وتعانى عنده المجاهدات، واشتغل بالعلم قبل أن يدخل بلاد الشام، وبعده علي الشيخ الصّفوي الأيجي وغيره، وكان له يد في المعقولات، وتولى تدريس الشامية عن شيخ الإسلام الوالد، بعد ما كان بينهما من المودة والصّحبة ما لا يوصف، وانتقد على الأيجي ذلك، وعوّض الله على الوالد بأحسن منها. وكان الأيجي ملازما على الأوراد والعبادات، أمارا
стр. 5391
بالمعروف، نهاء عن المنكر، وكان يتردد إلى الحكّام وغيرهم لقضاء حوائج الناس، وسافر إلى الرّوم مرتين. انتهى.
وكان إماما، عالما، عاملا، زاهدا، وليا من أولياء الله تعالى، له كرامات كثيرة شهيرة.
توفي بصالحية دمشق يوم الجمعة بعد الصلاة عاشر جمادى الأولى، وصلّى عليه بجامع الحنابلة قاضي قضاة دمشق حسين جلبي ابن قرا، ونائب الشام حسن باشا ابن الوزير محمد باشا، ودفن من الغد بمنزله بسفح قاسيون.
وفيها الشيخ مسعود بن عبد الله المغربي [١] المعتقد العارف بالله تعالى.
قال في «الكواكب» : صحب بدمشق الشيخ شهاب الدّين الأخ، وكان يجلس عنده في درسه عن يمينه فيقول له الأخ: يا سيدي مسعود احفظ لي قلبي [٢] ، فإن جدّي الشيخ رضي الدّين كان يجلس إلى جانبه سيدي علي بن ميمون في درسه، فيقول له: يا سيدي على امسك لي قلبي، ولما دخل سيدي مسعود دمشق كان يقتات من كسب يمينه، فكان يضرب الأبواب المغربية جدرانا لبساتين دمشق، فكان يبقى ما يعمله خمسين سنة أو أكثر لا يتهدم من إتقانه لها، وأخبرت أنه عرض له جندي والشيخ في لباس الشغل، فقال له: خذ هذه الجرّة واحملها- وكان بها خمر- فحملها الشيخ معه، فلما وضعها له وجدها الجندي دبسا فجاء إلى الشيخ واعتذر إليه وتاب على يديه.
وكان لأهل دمشق فيه كبير اعتقاد، يتبرّكون به ويقبّلون يديه، وكان الشيخ يحيى العمادي يزوره.
قال النجم الغزّي: ولقد دعا لي ومسح على رأسي، وأنا أجد بركة دعائه الآن.
وتوفي- ﵀ يوم الخميس رابع عشري شهر رمضان، ودفن بالزاوية.
стр. 5392
سنة ست وثمانين وتسعمائة
فيها توفي المولى أحمد بن محمد المشتهر بنشاجي زاده [١] .
قال في «ذيل الشقائق» :
ولد بمدينة قسطنطينية سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وقرأ على علماء عصره، كالمولى شيخ زاده شارح «البيضاوي» والمولى عبد الكريم زاده، والمولى برويز.
وصار ملازما من المولى سنان، وتنقّل في المدارس، ثم اتفق أن مات عدة من أولاده، فترك تصاريف الدّنيا، وأعرض عن المدارس، واختار الانزواء، ثم رجع، وصار مدرّسا بإحدى المدارس الثمان، ثم قلّد قضاء مكة، ثم مصر، ثم المدينة المنوّرة، وقبل توجهه إليها تغيّر عليه خاطر السلطان، فعزله وأمره بالخروج عن البلدة فخرج متوجها إلى الحجّ فلما حجّ وعاد توفي بقرب دمشق، فحمل إليها ودفن فيها.
وكان- رحمه الله تعالى- طويل الباع في العلوم العربية، مائلا إلى الصّلاح، متصلا بأسباب الفلاح، مكبّا على الاشتغال والإشغال، بدأ بإعراب القرآن العظيم مقتفيا أثر السّفاقسي [٢] والسّمين [٣] وصل بها إلى سورة الأعراف، وشرح الحزب
стр. 5393
المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب الذي أوله: اللهم يا من ولع لسان الصبح، وعلّق حواشي على مواضع من «تفسير البيضاوي» و «الهداية» و «شرح المواقف» و «المفتاح» .
وله رسائل كثيرة بقيت في المسودات.
ومن شعره:
بفضل الله إنّا لا نبالي ... وإن كان العدوّ رمى بجهله
وليس يضرّنا الحسّاد شيئا ... فسوء المكر ملتحق بأهله
وفيها جمال الدّين محمد طاهر الهندي، المقلب بملك المحدّثين [١] .
قال في «النور» : ولد سنة ثلاث عشرة وتسعمائة، وحفظ القرآن قبل أن يبلغ الحنث، وجدّ في طلب العلم نحو خمس عشرة سنة، وبرع في فنون عديدة، حتى لم يعلم أن أحدا من علماء كجرات بلغ مبلغه في الحديث، وورث عن [٢] أبيه مالا جزيلا فأنفقه على طلبة العلم.
وكان يرسل إلى معلّمي الصّبيان ويقول: أيّما صبيّ حسن ذكاؤه فأرسله إليّ، فيرسل إليه جماعة، فيقول: لكل واحد كيف حالك، فإن كان غنيا أمره بطلب العلم، وإن كان فقيرا يقول له: تعلّم ولا تهتم من جهة معاشك، ثم يتعهّده بجميع ما يحتاج إليه. وكان هذا دأبه، حتى صار منهم جماعة كثيرة علماء [٣] في فنون كثيرة.
ولما حجّ أخذ عن أبي الحسن البكري، وابن حجر الهيتمي، والشيخ على
стр. 5394
المتّقي الهندي، وجار الله بن فهد، والشيخ عبد الله العيدروس، وغيرهم.
وكان عالما، عاملا، متضلعا، متبحّرا. ورعا. وله مصنّفات، منها: «مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار» .
وكان يقوم على طائفتي الرافضة والمهدوية ويناظرهم ويريد إرجاعهم إلى الحقّ، وقهرهم في مجالس، وأظهر فضائحهم، وقال بكفرهم، فسعوا عليه، واحتالوا حتّى قتلوه في سادس شوال.
وفيها شمس الدّين، وقيل نجم الدّين، محمد بن محمد بن رجب البهنسي [١] الأصل الدمشقي المولد والمنشأ والوفاة، الحنفي الإمام العلّامة، شيخ الإسلام.
ولد في صفر سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وأخذ عن ابن فهد المكّي وغيره، وتفقه بالقطب بن سلطان وبه تخرّج لأنه كان يكتب عنه على الفتوى، لأن القطب كان ضريرا، ثم أفتى استقلالا من سنة خمسين، واشتغل في بقية العلوم على الشيخ أبي الفتح المالكي، والشيخ محمد الأيجي نزيل الصالحية، وتخرّج به غالب حنفية دمشق، منهم الشيخ عماد الدّين المتوفى قبله، ورأس في دمشق.
وكان إماما، بارعا، وولي خطابة الجامع الأموي، ودرّس بالأموي والسيبائية، ثم بالمقدّمية، ثم بالقصّاعية، ومات عنها وعلوفته في التدريس بها ثمانون عثمانيا.
وحجّ مرتين، وألّف شرحا على كتاب «منتهى الإرادات» لم يكمله.
وكان من أفراد الدّهر وأعاجيب العصر.
وتوفي بعد ظهر يوم الأربعاء رابع أو خامس جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب الصغير، وأرخ موته بعض الشعراء فقال:
لمّا لدار التّقى مفتي الأنام مضى ... فالعين تبكي دما من خشية الله
стр. 5395
لفقد مولى خطيب الشّام سيّدنا ... من لم يزل قائما في نصرة الله
وفاته قد أتت فيما أؤرّخه ... (البهنسيّ عليه رحمة الله) [١]
وفيها عماد الدّين محمد بن محمد البقاعي الأصل ثم الدمشقي الحنفي [٢] الإمام الأوحد العلّامة.
قال في «الكواكب» : مولده في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، وقرأ في النحو، والعروض، والتجويد، على الشّهاب الطّيبي المقرئ، والمعقولات على أبي الفتح المالكي، والشيخ علاء الدّين بن عماد الدّين رفيقا عليهما للشيخ إسماعيل النابلسي، والشمس بن المنقار، والأسد، والشيخ محمد الصّالحي، وغيرهم.
وقرأ في الفقه على النّجم البهنسي وغيره، وبرع في العربية وغيرها، وتصدّر للتدريس بالجامع الأموي، ودرّس بالريحانية، والجوهرية، والخاتونية، والناصرية، ومات عنها، وقصده للقراءة عليه الفضلاء وتردّد إليه النّواب وغيرهم.
وكان حسن الأخلاق، ودودا. وكان في ابتداء أمره فقيرا، ثم حصّل دنيا، ونال وجاهة وثروة، ولم يتزوج حتّى بلغ نحو أربعين سنة.
وكان حسن الشّكل، لطيف الذّات، جميل المعاشرة، خفيف الرّوح، عنده عقل وشرف نفس.
وكان يدرّس في التفسير وغيره، وانتفعت به الطلبة، منهم إبراهيم بن محمد بن مسعود بن محبّ الدّين، والشيخ تاج الدّين القطّان، والشيخ حسن البوريني، وغيرهم.
ومن شعره معمّى في عمر:
ولم أنس إذ زارني منيتي ... عشيّة عنّا الرّقيب احتبس
فمن فرحتي رحت أتلو الضّحى ... وحاسدنا مرّ يتلو عبس
وله معمّى في عليّ:
قد زارني من أحبّ ليلا ... بطلعة البدر والكمال