← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

بالمعروف، نهاء عن المنكر، وكان يتردد إلى الحكّام وغيرهم لقضاء حوائج الناس، وسافر إلى الرّوم مرتين. انتهى. وكان إماما، عالما، عاملا، زاهدا، وليا من أولياء الله تعالى، له كرامات كثيرة شهيرة. توفي بصالحية دمشق يوم الجمعة بعد الصلاة عاشر جمادى الأولى، وصلّى عليه بجامع الحنابلة قاضي قضاة دمشق حسين جلبي ابن قرا، ونائب الشام حسن باشا ابن الوزير محمد باشا، ودفن من الغد بمنزله بسفح قاسيون. وفيها الشيخ مسعود بن عبد الله المغربي [١] المعتقد العارف بالله تعالى. قال في «الكواكب» : صحب بدمشق الشيخ شهاب الدّين الأخ، وكان يجلس عنده في درسه عن يمينه فيقول له الأخ: يا سيدي مسعود احفظ لي قلبي [٢] ، فإن جدّي الشيخ رضي الدّين كان يجلس إلى جانبه سيدي علي بن ميمون في درسه، فيقول له: يا سيدي على امسك لي قلبي، ولما دخل سيدي مسعود دمشق كان يقتات من كسب يمينه، فكان يضرب الأبواب المغربية جدرانا لبساتين دمشق، فكان يبقى ما يعمله خمسين سنة أو أكثر لا يتهدم من إتقانه لها، وأخبرت أنه عرض له جندي والشيخ في لباس الشغل، فقال له: خذ هذه الجرّة واحملها- وكان بها خمر- فحملها الشيخ معه، فلما وضعها له وجدها الجندي دبسا فجاء إلى الشيخ واعتذر إليه وتاب على يديه. وكان لأهل دمشق فيه كبير اعتقاد، يتبرّكون به ويقبّلون يديه، وكان الشيخ يحيى العمادي يزوره. قال النجم الغزّي: ولقد دعا لي ومسح على رأسي، وأنا أجد بركة دعائه الآن. وتوفي- ﵀ يوم الخميس رابع عشري شهر رمضان، ودفن بالزاوية.

стр. 5392

سنة ست وثمانين وتسعمائة فيها توفي المولى أحمد بن محمد المشتهر بنشاجي زاده [١] . قال في «ذيل الشقائق» : ولد بمدينة قسطنطينية سنة أربع وثلاثين وتسعمائة، وقرأ على علماء عصره، كالمولى شيخ زاده شارح «البيضاوي» والمولى عبد الكريم زاده، والمولى برويز. وصار ملازما من المولى سنان، وتنقّل في المدارس، ثم اتفق أن مات عدة من أولاده، فترك تصاريف الدّنيا، وأعرض عن المدارس، واختار الانزواء، ثم رجع، وصار مدرّسا بإحدى المدارس الثمان، ثم قلّد قضاء مكة، ثم مصر، ثم المدينة المنوّرة، وقبل توجهه إليها تغيّر عليه خاطر السلطان، فعزله وأمره بالخروج عن البلدة فخرج متوجها إلى الحجّ فلما حجّ وعاد توفي بقرب دمشق، فحمل إليها ودفن فيها. وكان- رحمه الله تعالى- طويل الباع في العلوم العربية، مائلا إلى الصّلاح، متصلا بأسباب الفلاح، مكبّا على الاشتغال والإشغال، بدأ بإعراب القرآن العظيم مقتفيا أثر السّفاقسي [٢] والسّمين [٣] وصل بها إلى سورة الأعراف، وشرح الحزب

стр. 5393

المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب الذي أوله: اللهم يا من ولع لسان الصبح، وعلّق حواشي على مواضع من «تفسير البيضاوي» و «الهداية» و «شرح المواقف» و «المفتاح» . وله رسائل كثيرة بقيت في المسودات. ومن شعره: بفضل الله إنّا لا نبالي ... وإن كان العدوّ رمى بجهله وليس يضرّنا الحسّاد شيئا ... فسوء المكر ملتحق بأهله وفيها جمال الدّين محمد طاهر الهندي، المقلب بملك المحدّثين [١] . قال في «النور» : ولد سنة ثلاث عشرة وتسعمائة، وحفظ القرآن قبل أن يبلغ الحنث، وجدّ في طلب العلم نحو خمس عشرة سنة، وبرع في فنون عديدة، حتى لم يعلم أن أحدا من علماء كجرات بلغ مبلغه في الحديث، وورث عن [٢] أبيه مالا جزيلا فأنفقه على طلبة العلم. وكان يرسل إلى معلّمي الصّبيان ويقول: أيّما صبيّ حسن ذكاؤه فأرسله إليّ، فيرسل إليه جماعة، فيقول: لكل واحد كيف حالك، فإن كان غنيا أمره بطلب العلم، وإن كان فقيرا يقول له: تعلّم ولا تهتم من جهة معاشك، ثم يتعهّده بجميع ما يحتاج إليه. وكان هذا دأبه، حتى صار منهم جماعة كثيرة علماء [٣] في فنون كثيرة. ولما حجّ أخذ عن أبي الحسن البكري، وابن حجر الهيتمي، والشيخ على

стр. 5394

المتّقي الهندي، وجار الله بن فهد، والشيخ عبد الله العيدروس، وغيرهم. وكان عالما، عاملا، متضلعا، متبحّرا. ورعا. وله مصنّفات، منها: «مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار» . وكان يقوم على طائفتي الرافضة والمهدوية ويناظرهم ويريد إرجاعهم إلى الحقّ، وقهرهم في مجالس، وأظهر فضائحهم، وقال بكفرهم، فسعوا عليه، واحتالوا حتّى قتلوه في سادس شوال. وفيها شمس الدّين، وقيل نجم الدّين، محمد بن محمد بن رجب البهنسي [١] الأصل الدمشقي المولد والمنشأ والوفاة، الحنفي الإمام العلّامة، شيخ الإسلام. ولد في صفر سنة سبع وعشرين وتسعمائة، وأخذ عن ابن فهد المكّي وغيره، وتفقه بالقطب بن سلطان وبه تخرّج لأنه كان يكتب عنه على الفتوى، لأن القطب كان ضريرا، ثم أفتى استقلالا من سنة خمسين، واشتغل في بقية العلوم على الشيخ أبي الفتح المالكي، والشيخ محمد الأيجي نزيل الصالحية، وتخرّج به غالب حنفية دمشق، منهم الشيخ عماد الدّين المتوفى قبله، ورأس في دمشق. وكان إماما، بارعا، وولي خطابة الجامع الأموي، ودرّس بالأموي والسيبائية، ثم بالمقدّمية، ثم بالقصّاعية، ومات عنها وعلوفته في التدريس بها ثمانون عثمانيا. وحجّ مرتين، وألّف شرحا على كتاب «منتهى الإرادات» لم يكمله. وكان من أفراد الدّهر وأعاجيب العصر. وتوفي بعد ظهر يوم الأربعاء رابع أو خامس جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب الصغير، وأرخ موته بعض الشعراء فقال: لمّا لدار التّقى مفتي الأنام مضى ... فالعين تبكي دما من خشية الله

стр. 5395

لفقد مولى خطيب الشّام سيّدنا ... من لم يزل قائما في نصرة الله وفاته قد أتت فيما أؤرّخه ... (البهنسيّ عليه رحمة الله) [١] وفيها عماد الدّين محمد بن محمد البقاعي الأصل ثم الدمشقي الحنفي [٢] الإمام الأوحد العلّامة. قال في «الكواكب» : مولده في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، وقرأ في النحو، والعروض، والتجويد، على الشّهاب الطّيبي المقرئ، والمعقولات على أبي الفتح المالكي، والشيخ علاء الدّين بن عماد الدّين رفيقا عليهما للشيخ إسماعيل النابلسي، والشمس بن المنقار، والأسد، والشيخ محمد الصّالحي، وغيرهم. وقرأ في الفقه على النّجم البهنسي وغيره، وبرع في العربية وغيرها، وتصدّر للتدريس بالجامع الأموي، ودرّس بالريحانية، والجوهرية، والخاتونية، والناصرية، ومات عنها، وقصده للقراءة عليه الفضلاء وتردّد إليه النّواب وغيرهم. وكان حسن الأخلاق، ودودا. وكان في ابتداء أمره فقيرا، ثم حصّل دنيا، ونال وجاهة وثروة، ولم يتزوج حتّى بلغ نحو أربعين سنة. وكان حسن الشّكل، لطيف الذّات، جميل المعاشرة، خفيف الرّوح، عنده عقل وشرف نفس. وكان يدرّس في التفسير وغيره، وانتفعت به الطلبة، منهم إبراهيم بن محمد بن مسعود بن محبّ الدّين، والشيخ تاج الدّين القطّان، والشيخ حسن البوريني، وغيرهم. ومن شعره معمّى في عمر: ولم أنس إذ زارني منيتي ... عشيّة عنّا الرّقيب احتبس فمن فرحتي رحت أتلو الضّحى ... وحاسدنا مرّ يتلو عبس وله معمّى في عليّ: قد زارني من أحبّ ليلا ... بطلعة البدر والكمال

стр. 5396

وبتّ منه بطيب عيش ... أوله بالهنا وفالي وله في القهوة: هذه القهوة الحلال أتتكم ... تتهادى والطّيب يعبق منها سوّدوها على الحرام بحلّ ... وأماطوا غوائل الغول عنها وتوفي ليلة الاثنين ثاني عشر شعبان، ودفن بمقبرة باب توما جوار الشيخ أرسلان. انتهى ملخصا. وفيها المولى يوسف المشتهر بالمولى سنان [١] . قال في «العقد المنظوم» : ولد بقصبة صونا، وجدّ في الطلب، ورحل فيه، وتحمّل المتاعب، وأخذ عن أفاضل عصره، منهم المولى محيي الدّين الفناري، والمولى علاء الدّين الجمّالي، وصار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم تنقّل في المدارس، ثم صار مفتشا ببغداد، ثم عزل، وقبل وصوله إلى قسطنطينية بشّر بقضاء دمشق، ثم نقل إلى قضاء أدرنة، ثم إلى قضاء قسطنطينية، وقبل الوصول إليها بشّر بقضاء العساكر في ولاية أناضولي، وجلس للدرس العام بحضرة الأعيان. وكان رحمه الله تعالى جميل الصّورة من جلّة وأعيان أفاضل الرّوم شهد بفضله الخاص والعام، واعترفوا برسوخ قدمه في الفنون. ومن تصانيفه «حاشية على تفسير البيضاوي» أظهر فيها اليد البيضاء، و «الحجّة الزهراء» وشرح لكتاب «الكراهية» وكتاب «الوصايا من الهداية» . وامتحن في آخر أمره بأن أشاع عنه بعض الحسدة ما هو بريء منه، فعزل من قضاء العسكر وأمر بالتفتيش عليه مع شريكه المولى مصلح الدّين، الشهير ببستان، فلما ظهرت براءة ذمّته عيّنت له وظيفة أمثاله، وقلّد تدريس دار الحديث التي بناها السلطان سليمان، ثم استعفى منها لهرمه. وتوفي في صفر وقد أناف على التسعين.

стр. 5397

سنة سبع وثمانين وتسعمائة فيها- كما قال في «النّور» [١]- مات السلطان حيدرة بن حنش صاحب أحور [٢] . وفيها درويش باشا بن رستم باشا الرّومي [٣] هو ابن أخت محمد باشا [٤] الوزير. تولى إيالة دمشق، وعمّر بها الجامع خارج باب الجابية لصيق المغيربية، وعمّر الحمّام داخل المدينة بالقرب من الجامع الأموي، ويعرف الآن بحمّام القيشاني، وعمّر القيسارية، والسوق، والقهوة، ووقف ذلك فيما وقفه على جامعه، وشرط تدريسه للشيخ إسماعيل النابلسي، وكان خصيصا به، وعمّر الجسر على نهر بردى عند عين القصّارين بالمرجة [٥] ومات ببلاده قرمان، وحمل تابوته إلى دمشق فدفن بها. وفيها نور الدّين علي بن صبر اليافعي الشافعي [٦] . قاله في «النور» كان فقيها، صالحا، قانتا، ذا كرامات. انتهى

стр. 5398

وفيها عمر بن عبد الله بن عمر باعلوى الهندوان [١] . قال في «النور» : اشتهر بذلك لقوة كانت في بدنه ودينه تشبيها بالحديد الهندوان. وكان وليا، صالحا، شريفا. ومن كراماته أنه أخبر أخي السيد عبد الله عن شيء يقع من شخص بعينه فكان كما قال بعد موته بيسير [٢] . وتوفي بتريم. وفيها محمد بن أحمد بن عبد الله، المعروف بماميّة الرّومي [٣] الشاعر المشهور. أصله من الرّوم، وقدم دمشق في حال صغره، فلما التحى صار ينكجريا [٤] بخمسة عثمانية، وحجّ في زمرة الينكجرية سنة ستين وتسعمائة، وكان في تلك الحال يميل إلى الأدب، ونظم الشعر، ثم عزل عن الينكجرية، وصحب الشيخ أبا الفتح المالكي وعليه تخرّج بالأدب. قال في «الكواكب» : وقرأ على الشيخ شهاب الدّين الأخ في «الجرومية» وكان قبل قراءته في النحو جمع لنفسه «ديوانا» كله ملحون، فلما ألمّ بالنحو أصلح ما أمكن إصلاحه وأعرض عن الباقي. وتولى آخرا [٥] الترجمة بمحكمة الصالحية، ثم بالكبرى، وعزل منها ثم أعيد إليها في [٦] زمن جوي زاده، ثم عزل، ثم ولى ترجمة القسمة فأثرى.

стр. 5399

وكان إليه المنتهى بالزّجل، والموّال، والموشحات، وقال فيه أستاذه أبو الفتح: ظهرت لماميّة الأديب فضيلة ... في الشّعر قد رجحت بكلّ علوم لا تعجبوا من حسن رونق نظمه ... هذا إمام الشّعر ابن الرّومي وجمع لنفسه «ديوانا» وجعل تاريخ جمعه قوله: وَأْتُوا الْبُيُوتَ من أَبْوابِها ٢: ١٨٩ [البقرة: ١٨٩] ، وذلك سنة إحدى وسبعين وتسعمائة. وله التواريخ التي لا نظير لها، كقوله في تاريخ عرس: هنّئتم بعرسكم ... والسّعد قد خوّلكم وقد أتى تأريخه [١] ... نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ٢: ٢٢٣ [٢] ولقد أحسن في قوله: قل لقوم ضلّوا عن الرّشد لمّا ... أظهروا منهم اعتقادا خبيثا كيف تنبي عن القديم عقول ... لا يكادون يفقهون حديثا وتوفي في ذي الحجّة من هذه السنة أو في محرّم التي بعدها، ودفن بباب الفراديس بالقرب من قبري: ابن مليك، وأبي الفتح المالكي. وفيها محمد باشا الوزير [٣] وزير السلطان سليمان ثم السلطان سليم ثم السلطان مراد وقف الطاحون خارج باب الفراديس وغيرها على المقرئة وتوفي شهيدا بالقسطنطينية.

стр. 5400

سنة ثمان وثمانين وتسعمائة فيها توفى المولى شمس الدّين أحمد المشتهر بقاضي زاده [١] . قال في «العقد المنظوم» : قرأ على علماء عصره، منهم جوي زاده، وسعدي جلبي، وصار ملازما من المولى القادري، وتنقّل في المدارس، ثم قلّد قضاء حلب، فأقام به [٢] عدة سنين، ثم تولى قضاء قسطنطينية بعد تعب شديد، ثم صار قاضيا بعساكر روم إيلي، فبعد سبعة أشهر اختلّ أمره وتراجع سعره ففرّ طائر عزّه، وطار قبل أن يقضي الأوطار بسبب وحشة كانت بينه وبين المولى عطاء الله معلّم السلطان سليم خان، فتقاعد بوظيفة مثله، ثم لما جلس السلطان مراد خان على سرير السلطنة أعاده إلى قضاء العسكر بالولاية المزبورة، فلما سمع عنه من الفضيلة الباهرة والصلابة الدينية الظّاهرة، فاستمر مدة ثم قلّد الفتوى بدار السلطنة السّنية، فاستمر فيها إلى أن دخل في خبر كان، وأبلى ديباجة حياته الجديدان [٣] . وكان- رحمه الله تعالى- من أساتذة العلوم والجهابذة القروم [٤] ، طالما جال في ميدان الفضائل وبرز، وأحرز من قصبات السّبق في مضمار المعارف ما أحرز، أفحم من عارضه بشقاشقه الهادرة، وأرغم من عاناه بحقائقه النادرة، كثير الاعتناء بدرسه، دائم الاشتغال في يومه وأمسه، رفيع القدر، شديد البأس، عزيز النّفس، يهابه الناس.

стр. 5401

ومن تصانيفه: «شرح الهداية» من أول كتاب الوكالة إلى آخر الكتاب، و «حاشية على شرح المفتاح» للسيد الشريف، من أوله إلى آخر الفنّ الثاني، و «حاشية على أوائل صدر الشريعة» و «حاشية [على] التجريد» في بحث الماهية، ورسائل أخرى. وكان أيام قضائه بالعسكر ثانيا سببا لسنن جميلة منها تقديم قضاء العسكر على غير الوزراء وأمير الأمراء، وكانوا قبل ذلك، يتقدم عليهم كل [١] من كان أمير الأمراء في الممالك. وبالجملة فإنه كان- ﵀ عين الأعيان، وقدوة الزّمان، وفارس الميدان، غير أن فيه من التهوّر المفرط، والحدّة، ما زاد على المعتاد، ستره الله بفضله يوم التناد. وتوفي بآخر الرّبيعين بقسطنطينية [٢] ، ودفن قريبا من جامع السلطان محمد.

стр. 5402

سنة تسع وثمانين وتسعمائة فيها توفي- ظنا- داود بن عمر الأنطاكيّ [١] الطّيب الأكمه، العالم العلّامة. قال الطالوي في «السانحات» : داود بن عمر الأنطاكي نزيل القاهرة المعزّيّة، والمميّز على من له [٢] فيها المزيّة، المتوحّد بأنواع الفضائل، والمتفرّد بمعرفة علوم الأوائل [٣] ، سيما علم الأبدان، المقدّم على علم الأديان، فإنه بلغ فيه الغاية التي لا تدرك. وأما معرفته لأقسام النبض فآية له باهرة، وكرامة على صدق دعواه ظاهرة. ولقد سألته عن مسقط رأسه ومشعل [٤] نبراسه، فأخبرني أنه ولد بأنطاكية بهذا العارض، قال: وقد بلغت سيّارة النجوم وأنا لا أستطيع أن أقوم لعارض، ريح تحكم في الأعصاب. وكان والدي رئيس قرية حبيب النجار، واتخذ قرب مزار

стр. 5403

سيدي حبيب رباطا للواردين، وبنى فيه حجرات للمجاورين، ورتّب لها في كل يوم من الطعام ما يحمله إليه بعض الخدام، وكنت أحمل إلى الرّباط فأقيم فيه سحابة يومي، وإذا برجل من أفاضل العجم يدعى محمد شريف، نزل بالرّباط، فلما رآني سأل عني فأخبر، فاصطنع لي دهنا مسّدني به في حرّ الشمس، ولفّني في لفافة من فرقي إلى قدمي، حتى كدت أموت، وتكرّر منه ذلك الفعل مرارا، من غير فاصل، فقمت على قدمي، ثم أقرأني في المنطق، والرياضي، والطبيعي، ثم أفادني اللغة اليونانية، وقال: إني لا أعلم الآن على وجه الأرض من يعرفها غيري، فأخذتها عنه، وأنا الآن فيها بحمد الله هو إذ ذاك، ثم سار [١] . فسرت إلى جبل عاملة، ثم إلى دمشق، واجتمعت ببعض علمائها، كأبي الفتح المغربي، والبدر الغزّي، والعلاء العمادي، ثم دخلت مصر وها أنا فيها إلى الآن. قال وكان فيه دعابة وحسن سجايا، وكرم نجار [٢] ، وخوف من المعاد، وخشية من الله. كان يقوم الليل إلّا قليلا، ويتبتّل إلى ربّه [٣] تبتيلا. وكان إذا سئل عن شيء من العلوم الحكمية، والطبيعية، والرياضية، أملى ما يدهش العقل بحيث يجيب على السؤال الواحد بنحو الكرّاسة. ومن مصنّفاته «التذكرة» [٤] جمع فيها الطب والحكمة، ثم اختصرها في مجلدة، وشرح «قصيدة النفس» لابن سينا شرحا حافلا نفيسا، وقرئ عليه. قال: وأجازني إجازة طنّانة، ثم أوردها في «السّانحات» فراجعه. وفيها المولى أحمد المشتهر بمظلوم ملك [٥] .

стр. 5404

قال في «ذيل الشقائق» : اشتغل بالعلوم، وصار من ملازمي المولى جعفر، وتنقّل في المدارس، ثم قلّد قضاء بيت المقدس، ثم المدينة المنورة، ثم مكّة المشرّفة. وكان- رحمه الله تعالى- عالما، فصيحا، حازما، جيد العقيدة، صاحب أخلاق حميدة ووقار واتّعاظ. وتوفي بقسطنطينية [١] . انتهى وفيها المولى خضر بك ابن القاضي عبد الكريم [٢] . ولد بقسطنطينية المحمية، ونشأ في خدمة الفضل وذويه، وقرأ على علماء عصره، حتى صار ملازما من المولى أحمد المشتهر بمعلّم زاده، ودرّس بعدة مدارس، إلى أن قلّد المدرسة المشهورة بمناستر بمحروسة بروسة. وتوفي مدرّسا بها، وكان من الغائصين في لجج بحار العلوم على درر دقائق الفهوم، مكبّا على الاشتغال، غير أنه لا يخلو عن القيل والقال، مطلق اللسان في السّلف، ومزدريا بشأن الخلف، مع غاية الإعجاب بنفسه، عفا الله عنه بلطفه في رمسه. قاله في «العقد المنظوم» . وفيها باكثير عبد المعطي بن الشيخ حسن بن الشيخ عبد الله المكّي الحضرمي الشافعي [٣] الإمام العلّامة [٤] المحدّث المعمّر. قال في «النور» : ولد بمكّة في رجب سنة خمس وتسعمائة، ونشأ بها، ولقي جماعة من العلماء، منهم الشيخ زكريا الأنصاري، سمع عليه «صحيح البخاري» بقراءة والده، فهو يرويه عنه سماعا كما في اصطلاح أهل الحديث، وأخذ عن

стр. 5405

جماعة، وقرأ على بعض شيوخه كتاب «الشفا» في مجلس واحد من صلاة الصبح إلى الظهر [١] . وكان عالما، مفنّنا، لطيف المحاورة، فكها، له ملح ونوادر، أديبا شاعرا، مصقعا. ومن شعره: قلت إذ أقبل الرّبيع ووافى ... ورده الغض ليت ذاك نصيبي فخدود الملاح تعزى إليه ... وشذاه أربي على كلّ طيب ومنه: الورد سلطان الزّهو ... ر وما سواه الحاشية فللونه المحمرّ ين ... سب حسن خدّ الغانية وإذا تضوّع نشره ... يهدي إليك الغالية ومنه: وميمات الدّواة تعدّ سبعا ... وسبعا عدّهنّ بلا خفاء مداد ثم محبرة مقصّ ... ومرملة ومصمغة الغراء ومكشطة ومقلمة مقطّ ... ومصقلة مموّهة لماء ومحراك ومسطرة مسن ... وممسحة لختم وانتهاء ومنه في القهوة: أهلا بصافي قهوة كالإثمد ... جليت فزينت بالخمار الأسود لمّا أديرت في كؤوس لجينها ... بيمين ساق كالقضيب الأملد يحكي بياض إنائها وسوادها ... طرفا كحيلا لا بكحل المرود ودخل الهند بأخرة، وأقام بها إلى أن مات بأحمد أباد ليلة الثلاثاء لثلاث بقين من ذي الحجّة.

стр. 5406

وفيها السيّد علاء الدّين علي بن محمد بن حمزة [١] الفقيه الشافعي المسند، قاضي القضاة الشافعية بدمشق، ونقيب الأشراف بها. ولد يوم الخميس سادس ربيع الأول سنة ثمان وتسعمائة، وأخذ عن والده وغيره، وسمع على والده «المشيخة» التي خرّجها لنفسه بقراءة الشيخ شرف الدّين موسى الحجّاوي الحنبلي في مجلسين آخرهما يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة بمنزل والده شمالي المدرسة البادرائية، وأجازه أن يرويها عنه، وجميع ما يجوز له وعنه روايته، وقد تسلسل له فيها من المسلسلات قبل ذلك. وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ زين الدّين الشهير بابن صارم الدّين الصّيداوي الشافعي، وروى عنه المسلسل بالقضاة. وتوفي يوم الأحد سابع عشري القعدة الحرام، رحمه الله تعالى. وفيها قطب شاه [٢] سلطان كلكندة. قال في «النور» : كان عادلا، كريما إلا أنه كان غاليا في التّشيّع. وفيها- تقريبا- ولي الدّين محمد بن علي بن سالم الشّبشيري القاهري [٣] الشافعي العالم الفاضل المعمّر. قال في «الكواكب» : أخذ عن السخاوي، والديمي، والسيوطي، والقاضي زكريا، وآخرين. وتوفي في حدود التسعين وتسعمائة، رحمه الله تعالى، انتهى. وفي حدودها شمس الدّين محمد الصّفري القدسي [٤] الشافعي الإمام العالم الواعظ بالجامع الأزهر.

стр. 5407

أخذ عن علماء عصره، ودأب، وحصّل، ووعظ، وأفاد، رحمه الله تعالى. وفيها المولى محمد المعروف بصار كرز [أو غلي] زاده [١] نسبة إلى جدّه من قبل أبيه، الحنفي الرّومي. قال في «العقد المنظوم» : نشأ في مجالس الأفاضل الأكارم، ومحافل الأماثل الأعاظم، مغترفا من حياض معارفهم، ومتأنّقا في رياض لطائفهم، إلى أن صار ملازما من المولى أبي السعود، وتنقّل في المدارس إلى أن قلّد قضاء المدينة المنوّرة، فتبرّم من ذلك، فبدّل بقضاء حلب فلم يبارك له في عمره، بل في مدة تقرب من سنتين توفي. وكان- رحمه الله تعالى- عالما، عاملا، فاضلا، كاملا، حليما، سليما، لطيف الطبع، وقورا، صبورا، مهتما بدرسه، مشتغلا بنفسه، وله «تعليقة» على كتاب الصوم من «الهداية» و «حواش على المفتاح» من القانون الأول إلى آخر بحث الاستعارة، و «حواش على الهيئات من شرح المواقف» وله رسالة بليغة في وصف العلم مطلعها: لك الحمديا من أنطق [٢] النّون والقلم ... فأوصافه [٣] جلّت عن النّقص والعدم وأضحك من طرس ثغورا [٤] بصنعه ... وأبكى به عين اليراع من السّقم صلاة وتسليم على الرّوضة التي ... تعطّر من أنفاسها المسك والشّمم وبقيتها سجع في غاية البلاغة. انتهى

стр. 5408

سنة تسعين وتسعمائة فيها توفي القاضي الشريف حسين المكّي المالكي [١] ، الملقب بالكرم لفرط كرمه. قيل كان سماطه في الأعياد ألف صحن صيني. قال في «النور» : كان من أعيان مكّة وفضلائها وأجوادها ورؤسائها لم يخلّف مثله، ولبعض فضلاء مكّة هذا التخميس على البيتين المشهورين جعله رثاء فيه: لهفي على بدر الوجود وسعده ... ومغيبه تحت الثّرى في لحده مات الحسين المالكيّ بمجده ... يا دهر بع رتب العلا من بعده بيع الهوان ربحت أم لم تربح ... وافعل مرادك يا زمان كما ترى وارفع من الغوغا وحطّ ذوي الذرى ... لا تعتذر لذوي النّهى عمّا جرى قدّم وأخّر من أردت من الورى ... مات الذي قد كنت منه تستحي ومن شعره هو وقد أهدى إليه القطب الحنفي سمكا: يا أيّها القطب الذي ... بوجوده دار الفلك لو لم تكن بحر النّدى ... ما جاءنا منك السّمك وولي قضاء المدينة المنورة مدة طويلة، مع حسن السيرة. وتوفي في تاسع صفر.

стр. 5409

وفيها قطب الدّين محمد بن علاء الدّين أحمد بن محمد بن قاضي خان بن بهاء الدّين بن يعقوب بن حسن بن علي النّهرواني الهندي ثم المكّي الحنفي [١] الإمام العلّامة. ولد سنة سبع عشرة وتسعمائة، وأخذ عن والده، والشيخ عبد الحقّ السنباطي، وهو أجلّ من أخذ عنه من المحدّثين، والشيخ محمد التونسي، والشيخ ناصر اللقاني، والشيخ أحمد بن يونس بن الشّلبي، وغيرهم. وذكره ابن الحنبلي في «تاريخه» إلا أنه سمّى والده عليا [٢] والصحيح الأول، وأثنى عليه ثناء حسنا. قال ومن مؤلفاته «طبقات الحنفية» احترقت في جملة كتبه. وقال النجم الغزّي: وقفت له على «تاريخ» كتبه لمكّة المشرّفة. وكان بارعا مفنّنا في الفقه، والتفسير، والعربية، ونظم الشعر، وشعره في غاية الرّقة، منه الزائية المشهورة، وهي: أقبل كالغصن حين يهتز ... في حلل دون لطفها الخز مهفهف القدّ ذو محيّا ... بعارض الخدّ قد تطرز دار بخدّيه واو صدغ ... والصّاد من لحظه تلوّز الخمر والجمر في [٣] لماه ... وخدّه ظاهر وملغز يشكو له الخصر جور ردف ... أثقله حمله وأعجز طلبت منه شفاء سقمي ... فقال لحظي لذاك أعوز قد غفر الله ذنب دهر ... لمثل هذا المليح أبرز حزّ فؤادي بسيف لحظ ... أوّاه لو دام ذلك الحز

стр. 5410

أفديه من أغيد مليح ... بالحسن في عصره تميّز كان نديمي فمذ رآني ... أسيره في الهوى تعزّز يا قطب لا تسل عن هواه ... وأثبت وكن في هواه [١] مركز وقال في «النور» : ومن شعره: الدّن لي والكأس والقرقف ... وللفقيه الكتب والمصحف إن كان ما تعجبه قسمتي ... فليقتسمها مثل ما يعرف [٢] لا تنكروا حالي ولا حاله ... كلّ بما [٣] ينفعه أعرف لكنه ينكر أذواقنا ... وما له ذوق ولا ينصف كم يزدري الرّاح وشرّابها ... أخشى على هذا الفتى يقصف دعني وحالي يا فقيه الورى ... فأنت عن إدراكه تكسف هيهات أن يدرك طعم الهوى ... من لم يكن في ذوقه يلطف للعشق سرّ لم يزل غامضا ... لغير أهل الحبّ لا يكشف فيا نديمي اشرب على رغمه ... ودعه في إنكاره يرشف واحبسه في باب الطّهارات من ... كتابه لعله ينظف وبي غزال طاب مرعاه في ... كناس قلبي وهو لا يألف بدر كمال لا يرى حسنه ... نقصا ولا محقا ولا يكسف في خدّه أنبت ماء الحيا ... وردا بغير اللحظ لا يقطف عارضه لام وفي صدغه ... واو ولكن آه لو يعطف عزيز مصر الحسن لو كان في ... زمانه هام به يوسف ومنه معمّى في عليّ: بلّغ حبيبي بعض ما ... ألقاه إن أبصرته أمّا عذولي قل له ... دع عنك ما أضمرته

стр. 5411

ومنه معمّى في أحمد: لنا إن دارت الكأس العقار ... بأطراف الرّماح دم مدار ومنه إفاداته أن لفظ ابن خلّكان ضبط على صورة الفعلين «خلّ» أمر من التخلية و «كان» الناقصة. قال: وسببه أنه كان يكثر قول كان والدي كذا، كان جدّي كذا، كان فلان كذا، فقيل له (خلّ كان) فغلبت عليه. انتهى. وتوفي- رحمه الله تعالى- بمكّة المشرّفة. وفيها الشريف أبو نمي محمد بن بركات [١] صاحب مكّة. قال في «النور» : ولبعض فضلاء مكة في تاريخ وفاته: يا من به طبنا وطاب الوجود ... قد كنت بدرا في سماء السّعود ما صرت في التّرب ولكنما ... أسكنك الله جنان الخلود ولد سنة عشر وتسعمائة. وتوفي يوم عاشوراء. انتهى وفيها المولى محمد بن نور الله المشتهر بأخي زاده [٢] نسبة إلى جدّه من قبل أمه المولى أخي يوسف التّوقاتي، محشّي «صدر الشريعة» . قال في «العقد المنظوم» : نشأ صاحب الترجمة في طلب العلم والسيادة، وأخذ عن جلّة من [٣] المشايخ، منهم عرب چلبي، والمولى عبد الباقي، ثم صار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم قلّد المدارس، إلى أن قلّد قضاء حلب، ثم برسة، ثم أدرنة، ثم صار قاضيا بالعساكر في ولاية أناضولي، ثم تقاعد بوظيفة مثله، ثم قلّد تدريس دار الحديث السليمانية، فدام على الدرس والإفادة، ونشر العلوم والمعارف إلى الوفاة.

стр. 5412

وكان بحرا من بحار العلوم زاخرا، وطودا من أطواد الفهوم [١] باذخا، يقذف للقريب من جواهر معارفه عجائب، ويبعث للغريب من طماطم فضائله سحائب، طالما فتح بمفاتيح أنظاره الدقيقة مغالق المعضلات، وحلّ بخاطره اليقظان، وفكره العجيب الشأن عقد المشكلات عديم النظير في سرعة الانتقال، وحسن التقرير، وصاحب أدب وسكينة ومعارف رصينة، أنظر أهل زمانه وفارس ميدانه. وتوفي في آخر ذي القعدة. انتهى ملخصا وفيها الشيخ العارف بالله تعالى شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس اليمني الشافعي [٢] . قال ولده في «النور السافر في أعيان القرن العاشر» : ولد سنة تسع عشرة وتسعمائة بتريم من اليمن، [٣] وروى عن جلّة مشايخ اليمن [٣] ، وصار شيخ زمانه باتفاق عارفي وقته، ولقد ألهم الله أهله حيث سمّوه شيخا كما ألهم الله آل النّبي ﷺ حيث سمّوه محمدا. وكان علّامة وقته وشيخ الطريقة حقيقة واسما، فإن الشيخ أبا بكر باعلوى كان يقول: ما أحد من آل باعلوى أولهم وآخرهم أعطي مثله. وقال غيره: والله ما هو إلّا آية من آيات الله تعالى، وما ألّف مثل كتابه «الفوز والبشرى» . وحكى من مجاهداته أنه كان يعتمر غالبا في رمضان أربع عمرات بالليل وأربعا بالنهار، وهذا شيء من أعظم الكرامات [٤] .

стр. 5413

قال: وممن أخذ عنه العلم ابن حجر الهيتمي، والعلّامة عبد الله باقشير الحضرمي، وله من كل منهما إجازة في جماعة آخرين يكثر عددهم. ومن مصنّفاته «العقد النبوي والسر المصطفوي» و «الفوز والبشرى» وشرحان على قصيدته المسماة «تحفة المريد» و «مولدان» كبير وصغير، و «معراج» و «رسالة في العدل» و «ورد» سمّاه «الحزب النّفيس» و «نفحات الحكم على لامية العجم» وهو على لسان التصوف ولم يكمله، وديوان شعر. ومن شعره: كفاني أن أزهو بجدّ ووالد ... ولي حسب من فوق هام الفراقد ولي نسب بالمصطفى وابن بنته ... حسين عليّ زين زاكي المحامد [١] أبا وأبا من سيّد الرّسل هكذا ... إلى العيدروس المجتبى خير ما جد وراثة خير الخلق أحمد جدّنا ... ونحن به نعلو العلا في المعاقد ورثنا العلا أكرم بنا خير سادة ... شذا مجدنا يشذوا بطيب المحامد وقد أفرد ترجمته ومناقبه غير واحد بالتأليف، كالعلامة حميد بن عبد الله السّندي، وقال فيه الفاضل عبد اللطيف الدّبيري [٢] : شيخ الأنام مفيد كلّ محقّق ... بحر العلوم العارف الرّبّاني ابن العفيف أبو الشّهاب المجتبى ... قطب الزّمان العيدروس الثاني شرف السّيادة والزّهادة والتّقي ... فخر الحماة الغرّ من عدنان هو كالسّفينة من تولّاه نجا ... وسواه لم يأمن من الطّوفان دخل الهند سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، فأقام بها إلى أن توفي بأحمد أباد ليلة السبت بخمس وعشرين خلت من شهر رمضان. انتهى ما أورده ولده ملخصا.

стр. 5414

سنة إحدى وتسعين وتسعمائة فيها- تقريبا- توفي برهان الدّين إبراهيم بن المبلّط القاهري [١] شاعر القاهرة. كان فاضلا، أديبا، شاعرا. ومن شعره في القهوة: يقول عذولي قهوة البن مرّة ... وشربة حلو الماء ليس لها مثل فقلت على ما عبتها بمرارة [٢] ... قد اخترتها فاختر لنفسك ما يحلو وقال: أرى قهوة البّن في عصرنا ... على شربها النّاس قد أجمعوا وصارت لشرابها عادة ... وليست تضرّ ولا تنفع وقال: يا عائبا لسواد قهوتنا التي ... فيها شفاء النّفس من أمراضها أو ما تراها وهي في فنجانها ... تحكي سواد العين وسط بياضها وفيها نور الدّين علي بن علي السّنفي المصري ثم الدمشقي الشافعي [٣] الإمام العلّامة.

стр. 5415

قال في «الكواكب» : ولد بمصر سنة إحدى وتسعمائة، وأخذ الفقه وغيره عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، والبرهان القلقشندي، والكمال الطّويل، وغيرهم. وورد الشام وقطنها، وانتفع به الفضلاء، كالشيخ إسماعيل النابلسي، وشيخنا شيخ الإسلام أحمد العيثاوي. وولي نيابة القضاء بالكبرى، وتنزّه عن المحصول برهة ثم تناوله، وكانت وفاته بدمشق ليلة الأحد رابع شعبان. وفيها جمال الدّين محمد بن أبي بكر الأشخر- بالشين المعجمة السّاكنة، والخاء المعجمة، بعدها راء- اليمني الشافعي [١] الإمام العلّامة. قال في «النور» : ولد في اليوم الثاني والعشرين من ذي الحجّة سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وتخرّج بأبيه، وقرأ على جماعة من الجلّة، وحصل له من الجميع الإجازة، وبرع في العلوم، حتّى صار شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، الفرد الحافظ الحجّة السالك بالطالبين في أوضح المحجّة، إمام الفنون الذي اعترف بتقدّمه المفتون. وله التصانيف المفيدة والتآليف العديدة، منها «منظومة الإرشاد» و «شرح الشذور» و «منظومة» في أصول الفقه وشرحها، و «مختصر المحرّر» للسّمهودي في تعليق الطلاق، و «منظومة في أسماء الرجال» و «ألفية» في النحو، نظمها في مرض موته، وله «فتاوى» مجلد ضخم، و «شرح بهجة المحافل» واختصر «التفاحة في علم المساحة» وله غير ذلك. ومن نظمه جامعا غزوات [٢] النّبيّ ﷺ : غزوة بدر أحد فالخندق ... بني قريظة بني المصطلق وخيبر وطائف بالاتفاق ... قاتل فيها المصطفى أهل الشّقاق والخلف في بني النّضير ذكرا ... فتح حنين غاية وادي القرى

стр. 5416

وله فيها مرتبا على سني الهجرة الشريفة: فبدر فأحد بعد هاذين خندق ... فذات رقاع والمريسيع خيبر وفتح تبوك رتّبت هذه على ... سني هجرة كلّ بذاك يخبر ومنه مما يتعلق بالبروج والمنازل: وزنوا عقربا بقوس شتاء ... غفروا للبليد لمّا أساء شرب الجدي دلو حوت ربيعا ... فله الذّبح حيث حلّ الرشاء حمل الثور جوزة نحو صيف ... شاركا للذّراع لما أشاء سرط اللّيث سنبلا بخريف ... ناثرا أنجم السّماك شراء ونظمه كثير، وعلمه غزير، ونظم كثيرا من المسائل العلمية والقواعد الفقهية ليقرب ضبطها ويسهل حفظها. وبالجملة فإنه كان آية من آيات الله تعالى خاتمة المحقّقين لم يخلّف بعده مثله، وتخرّج به جماعة من بلده وغيرها: منهم أخوه العلّامة أحمد الأشخر، وناهيك به، إذ حفظ «العباب» للمزجّد [١] ، وكان أخوه يعظّمه ويقدمه على سائر الطلبة، غير أنه بعد ذلك ظهرت فيه طبيعة السوداء، فترك الاجتماع بالناس، إلّا نادرا، ومع ذلك لما اجتمع به الفقيه أحمد بن الفقيه محمد باجابر، حصل له عنده الحظوة التامة، واختلى به أياما مدة إقامته عنده، وأملى عليه شيئا كثيرا من نظم أخيه، وبحث معه في مسائل فقهية، وتعجب الناس لذلك، فرحمهم الله تعالى جميعا.

стр. 5417

سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة فيها توفي الولي الكبير الشيخ أبو بكر بن سالم باعلوى [١] . قال في «النور» : كان من المشايخ الأفراد المقصودين بالزيارة من أقصى البلاد، وانتفع ببركته الحاضر والباد، وانغمرت بنفحات أنفاسه العباد، واشتهرت كراماته ومناقبه في الآفاق، وسارت بها الرّكبان والرّفاق، ووقّع على ولايته الإجماع والاتفاق. توفي- رحمه الله تعالى- ليلة الأحد السابع والعشرين من ذي الحجّة بعينات- بكسر المهملة، وسكون المثناة التحتية، وقبل الألف نون، وبعدها مثناة فوقية- من قرى حضرموت على نصف مرحلة من تريم. وفيها شهاب الدّين [٢] أحمد الشيخ بدر الدّين العبّاسي المصري الشافعي [٣] . ولد بمصر. سنة ثلاث وتسعمائة، وأخذ عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، والنّور المحلّي، وكمال الدّين الطّويل، ونور الدّين المليجي- بالجيم- وأبي العبّاس الطّنبذاوي البكري. بزبيد، وحفظ «المنهاج الفقهي» و «الشاطبية» و «العمدة» في الحديث للحافظ عبد الغني المقدسي، و «الأربعين النواوية» و «الأجرومية» و «مختصر أبي شجاع» .

стр. 5418

وكان عالما، عاملا، علّامة، شديد الورع، قليل الاختلاط بالناس، متمسكا بالكتاب والسّنّة، وطريقة السّلف الصّالح، له اليد الطولى في علم الحرف والفلك والميقات، وله الشعر الرائق فمنه: كان البخاريّ حافظا ومحدّثا ... جمع الصّحيح مكمّل التّحرير ميلاده صدق ومدّة عمره ... فيها حميد وانقضى في نور ولما وقف على هذه الأبيات التي نظم فيها بعضهم ما لكل فصل من المنازل على اصطلاح أهل اليمن وهي: شرط البطين ثريّا دبر هقعقها ... وهنة الذّرع فصل الصّيف قد كملا فنثرة الطّرف جبهة [١] الزّبرة انصرفت ... عوى سماك فدا فصل الخريف خلا غفر زبانا تكلّل قلب شولتها ... نعائم [٢] بلدة فصل الشتا كملا واذبح بلاعا سعودا واخب فرعهما [٣] ... في بطن حوت، فذا فصل الرّبيع تلا استحسنها وقال: إنه أجاد فيها غير أنه اعتمد في ذلك على حساب المتقدمين في المنازل حيث بدأ بالشرطين، وعلى حساب المتأخرين، يبدءون بالفرع المؤخر. وتوفي بالهند بأحمدآباد ليلة الجمعة رابع صفر ودفن بها بتربة العرب بالقرب من تلميذه وصاحبه الشيخ عبد الرحيم العمودي، وكانا في حياتهما روحين في جسد. وفيها القاضي زين الدّين عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الفرفور الحنفي [٤] . كان إماما، فاضلا، شاعرا، بارعا.

стр. 5419

ومن شعره: اترك الدّنيا لناس زعموا ... أنّ فيها مرهم القلب الجريح ذاك ظنّ منهم بل غلط ... آه منها ما عليها مستريح وأهدى سفينة لبعض أصحابه وكتب معها: سفينة وافتك يا سيدي ... مشحونة بالنّظّم والنّثر قد ملئت بالدّر أرجاؤها ... من أجل ذا جاءت إلى البحر وفيها أبو السعادات محمد بن أحمد بن علي الفاكهي المكّي الحنبلي [١] الإمام العلّامة. ولد سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وقرأ في المذاهب الأربعة، فكانت له اليد الطولى، وتفنّن في العلوم. ومن شيوخه الشيخ أبو الحسن البكري، وابن حجر الهيتمي، والشيخ محمد الحطّاب في آخرين من أهل مكة، وحضرموت، وزبيد، يكثر عددهم بحيث يزيدون على التسعين، وأجازوه، وحفظ «الأربعين النواوية» و «العقائد النسفية» و «المقنع» في فقه الحنابلة، و «جمع الجوامع» الأصولي و «ألفية ابن مالك» و «تلخيص المفتاح» وغير ذلك، منها، القرآن العظيم، وقرأ للسبعة، ونظم ونثر، وألّف من ذلك «شرح مختصر الأنوار» المسمى «نور الأبصار» في فقه الشافعي، ورسالة في اللغة، وغير ذلك، ورزق الحظوة في زمنه. وكان جوادا، سخيا، لا يمسك شيئا، ولذلك كان كثير الاستقراض، وكانت تغلب عليه الحدّة، ودخل الهند وأقام بها مدة مديدة، ثم رجع إلى وطنه مكّة سنة سبع وخمسين وتسعمائة، وفي ذلك العام زار النّبيّ ﷺ ، ثم حجّ في السنة التي تليها، وعاد إلى الهند فمات بها ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة.

стр. 5420

وفي حدودها بهاء الدّين أبو عبد الله محمد بن عبد الله المصري [١] النحوي الشيخ العالم الصّالح. قال في «الكواكب» : ولد تقريبا سنة ثمان وتسعمائة، وتوفي في عشر التسعين. انتهى. وفيها- قطعا- شهاب الدّين محمود بن شمس الدّين محمد السّندي [٢] الطّيب. قال في «النور» : كان آية في الطب [٣] والمعالجات، حكي أن بعض السلاطين أهدى إلى السلطان محمود صاحب كجرات أشياء نفيسة، من جملتها جارية وصيفة، فأعطاها السلطان لبعض [٤] الوزراء، فاتفق أن صاحب الترجمة جسّ نبضها قبل أن يمسها ذلك الوزير، فحذّره من جماعها وقال: كل من جامعها يموت، فأرادوا تجربته في ذلك. وجاءوا بعبد وأدخلوه عليها فمات لوقته، فازدادوا تعجبا منه، وسأله الوزير عن السبب فقال: إنهم أطعموها أشياء أورثت ذلك، وأن مهديها قصد هلاك السلطان، ويقرب من هذا بل يؤيده أن القزويني ذكر في «عجائب البلدان» عند الكلام على عجائب الهند. ومن عجائبها البيش، وهو نبت لا يوجد إلّا في الهند، سمّ قاتل، أي حيوان يأكل منه يموت، ويتولد تحته حيوان يقال له: فأرة البيش، تأكل منه ولا يضرّها. ومما ذكر أن ملوك الهند إذا أرادوا الغدر بأحد عمدوا إلى الجواري إذا ولدن، وفرشوا من هذا النبت تحت مهودهنّ زمانا، ثم تحت فرشهن زمانا، ثم تحت ثيابهن زمانا، ثم يطعمونهن [٥] منه في اللبن، حتى تصير الجارية إذا كبرت تتناول منه ولا يضرّها، ثم يبعثوا بها مع الهدايا إلى من أرادوا الغدر به من الملوك فإذا غشيها مات. انتهى

стр. 5421

سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة فيها توفي الشيخ تقي الدّين أبو بكر بن محمد الحمّامي والده، الصّهيوني الشافعي [١] الإمام العلّامة. قال في «الكواكب» : قرأ على الشيخ شهاب الدّين الطّيبي في القراآت وغيرها، وعلى الشيخ شهاب الدّين أخي في الحساب وغيره، وكان يعتمد علم الحرف ويعمل الأوفاق، اعتقده الحكّام بسبب ذلك، وعاش فقيرا ثم أثرى في آخر عمره، فقال لبعض أصحابه: حيث وسّعت علينا الدنيا فالأجل قريب، فمات عن قرب. ومن كلامه: ليس في التردد إلى من ليس فيه كبير فائدة كبير فائدة. وله نظم لطيف منه: أضنى الجوانح بالهوى ولهيبه ... بدر تزايد في الهوى ولهي به وجوانحي جنحت إلى ذاك الذي ... شغل الفؤاد بحبّه ولهيبه وعلى هواه مقلتي سحّت وما ... شحّت بفيض مدامعي وصبيبه فإذا أصبت أذى بأوصاف الهوى ... لا تنكروا بحياتكم وصبي به للَّه صبّ ما تذكّر للهوى ... إلا وهام بذكره وصبي به ذكر الشيخ حسن البوريني أنه ذاكرا أبابكر الصّهيوني [٢] فوجده فاضلا في علوم إلّا أنه اشتهر بعلم النجوم. انتهى ملخصا.

стр. 5422

وفيها الشيخ إسماعيل بن أحمد بن الحاج إبراهيم النّابلسي الشافعي [١] . قال في «الكواكب» : هو شيخ الإسلام ومفتي الأنام، أستاذ العصر، ومفرد الوقت، تصدّر للإفتاء والتدريس، وصار إليه المرجع بعد شيخ الإسلام الوالد. مولده كما [٢] وجدته بخطّ المنلا أسد، سنة سبع وثلاثين وتسعمائة. واشتغل على جماعة من أهل العلم في النحو والصّرف، وحفظ القرآن العظيم، و «ألفية ابن مالك» ثم لازم الشيخ أبا الفتح الشّيشري هو وصاحبه الشيخ عماد الدّين الحنفي، ثم لزم العلّامة الشيخ علاء الدّين بن عماد الدّين في المعقولات وغيرها، وأخذ عن شيخ الإقراء الشيخ شهاب الدّين الطّيبي، وقرأ «المنهاج» على العلّامة الفقيه السّنفي، ودرّس بالجامع الأموي، ثم بدار الحديث الأشرفية، وبالشامية البرّانية عن الشّهاب الفلوجي [٣] ، ودرّس بالدرويشية بشرط واقفها، وضم إليها تدريس العادلية الكبرى، وكانت دروسه حافلة، لصفاء ذهنه وطلاقة لسانه، وحسن تقريره. وله شعر منه قوله محاجيا في عاقر قرحا: مولاي يا خير مولى ... ويا سليم القريحه ما مثل قول المحاجي ... يوما عجوز قريحه وأجاب عن قول بعضهم: يا أيّها النّحوي ما اسم قد حوى ... من مانعات الصّرف خمس موانع وتزول من تلك الموانع علّة ... فيصير مصروفا بغير منازع بقوله: يا أكمل الفضلاء يا من قد غدا ... في فضله فردا بغير مدافع في أذربيجان لقد ألغزت إذ ... شنّفت باللّغز البديع مسامعي

стр. 5423

توفي- رحمه الله تعالى- يوم السبت ثالث عشر المحرم، ودفن بمقبرته التي أنشأها شمالي مقبرة باب الصغير بالقرب من جامع جرّاح. وفيها رحمة الله بن عبد الله السّندي الحنفي [١] ، نزيل المدينة المشرّفة. قال في «النور» : كان من العلماء العاملين وعباد الله الصّالحين. وتوفي في مكة في ثامن عشر المحرّم. وكان له أخ اسمه حميد، وكان أيضا من أهل العلم والصّلاح، حسن الأخلاق، كثير التواضع، ظاهر الفضل، جليل القدر، وحصل له في آخر الأمر جاه عظيم، وجاور بها تسع سنين، ومات بها أيضا. انتهى. وممن أخذ عنه النّجم الغيطي. وممن أخذ عن الشيخ حميد الشيخ محمد علي ابن الشيخ محمد علّان المكّي الشافعي الصّديقي، الشهير بابن علّان شيخ شيخنا السيد محمد بن سيد حمزة الحسيني نقيب السّادة الأشراف بدمشق. وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن محمد بن أبي اللطف المقدسي الشافعي [٢] المتقدّم ذكر والده في سنة إحدى وسبعين وتسعمائة [٣] . [٤] ولد صاحب الترجمة سنة أربعين وتسعمائة [٤] ، وبرع وهو شاب، وفضل، وتقدم على من هو أسنّ منه، حتى على أخويه، وصار مفتي القدس الشريف على مذهب الإمام الشافعي. وكان له يد طولى في العربية والمعقولات، وله شعر منه قوله مقيدا لأسماء النّوم بالنهار وما في كل نوع منها: النّوم بعد صلاة الصّبح غيلوله ... فقر وعند الضّحى فالنّوم فيلوله

стр. 5424

وهو الفتور وقبل الميل قيل له ... إذ زاد في العقل أي بالقاف قيلوله والنّوم بعد زوال بين فاعله ... وبين فرض صلاة كان ميلوله وبعد عصر هلاكا مورثا وكذا [١] ... كقلّة العقل بالإهمال عيلوله وكان إماما، علّامة. وتوفي- رحمه الله تعالى- بالقدس الشريف في أواخر صفر. وفيها الأستاذ الأعظم شمس الدّين محمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى بن يعقوب بن نجم الدّين بن عيسى بن داود بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق، ﵁، البكري الصّدّيقيّ الشّافعي الأشعريّ المصري [٢] . قال في «النور» : أخذ عن والده، والقاضي زكريا، وغيرهما. وكان من آيات الله في الدرس والإملاء، يتكلم بما يحيّر العقول ويذهل الأفكار، بحيث لا يرتاب سامعه في أن ما يتكلم به ليس من جنس ما ينال بالكسب، وربما كان يتكلّم بكلام لا يفهمه أحد من أهل مجلسه، مع كون كثير منهم أو أكثرهم على الغاية من التمكن في سائر مراتب العلوم، وكان إليه النهاية في العلم، حتّى كان بعض الأجلاء ممن يحضر دروسه يقول: لولا أن باب النّبوة سدّ لاستدلّينا بما نسمعه منه على نبوته. وأما مجالسه في التفسير وما يقرّره فيها من المعاني الدقيقة والأبحاث الغامضة، مع استيعاب أقوال الأئمة، وذكر المناسبات بين السّور والآيات، وبين أسماء الذّات المقدس والصّفات، وما قاله أئمة الطريق في كل آية من علوم الإشارة، فمما يحيّر العقول ويدهش الخواطر، وجميع ما يلقيه بألفاظ مسجعة معربة موضوع كل لفظ في محلّه الذي لا أولى به.

стр. 5425

ولم يحفظ أحد له هفوة في لفظ من ألفاظه من جهة إعراب أو تصريف، أو تقديم، أو تأخير، أو غير ذلك من هفوات الألسن. وما من درس من دروسه إلّا وهو مفتتح بخطبة مشتملة على الإشارة إلى كل ما اشتمل عليه ذلك الدرس على طريق براعة الاستهلال، وهكذا كانت مجالسه في الفقه والحديث، وكل علم يتصدى لتقريره، وله جملة تصانيف، منها «شرح مختصر على أبي شجاع» في الفقه، وكتب أيضا على أوائل «منهج القاضي زكريا» وله رسائل في أنواع من العلوم والمعارف والآداب، كرسالته في الاسم الأعظم، ورسالته في الصّلاة على النّبي ﷺ ورسالته في السّماع، وغير ذلك، وله ديوان شعر كبير منه قوله [١] : ما أريض مفتّح الأزهار ... وبهيج مشعشع الأنوار ولآل منظّمات عقودا ... لغوان عرائس أبكار وشموس تضيء في أفق السّع ... د زها ضوؤها على الأقمار وغصون بأيكها تسجع الور ... ق فتنسي ترنّم الأوتار مثل قول الإله في حقّ جدّي ... ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الْغارِ ٩: ٤٠ [٢] ومنه قصيدته الطويلة التي مطلعها [٣] : ما أرسل الرّحمن أو يرسل ... من رحمة تصعد أو تنزل في ملكوت الله أو ملكه ... من كلّ ما يختصّ أو يشمل إلّا وطه المصطفى عبده ... نبيّه مختاره المرسل واسطة فيها وأصل لها ... يفهم هذا كلّ من يعقل ومنه [٤] : إذا خطب ذنب علينا دجا ... أنرنا دجاه بنور الرّجا

стр. 5426

فكم شدّة من ذنوب عظام ... لها الله بالعفو قد فرّجا وكم ضقت ذرعا بجرمي فما ... وجدت سوى العفو لي مخرجا فلله فالجأ ولا تيأسن ... فما خاب عبد إليه التجا ومنه [١] : انظر إلى الماء الذي ... بيد النّسيم تجعّدا قد شبّهوه بمبرد ... فلأجل ذا يبري الصّدا وكان- ﵁ يحجّ في كل عامين مرّة. وبالجملة فلم يكن له نظير في زمانه، ولم يخلف مثله. وتوفي بالقاهرة في ربيع الثاني، وقيل في تاريخ وفاته: مات من نسل أبي بكر فتى ... كان في مصر له قدر مكين قلت لما الدّمع من عيني جرى ... أرّخوه [٢] (مات قطب العارفين) وفيها المولى السيد محمد بن محمد بن عبد القادر أحد موالي الرّوم وابن أحد مواليها السّيد الشريف الحنفي، المعروف بابن معلول [٣] . قال في «الكواكب» : ولي قضاء الشام، وكلّف الناس المبالغة في تعظيمه، وماتت له بنت فصلى عليها شيخ الإسلام الوالد، وعزّاه بالجامع الأموي، ولم يذهب معها [٤] ، [٥] [لأنه حينئذ كان يؤثر العزلة وعدم التردد إلى الحكّام] [٥] ، فحنق عليه، ثم لما ولي مصر ثم قضاء العسكر [٦] وجّه [٧] التّقوية عن الوالد للشيخ محمد

стр. 5427

الحجازي، المعروف بابن سماقة. ثم باشر قضاء العسكر سبعة عشر يوما، ثم جنّ وأخذ من مجلس الديوان محمولا. وولي قضاء العسكر بعده جوي زاده فأعاد التقوية إلى الشيخ [١] ، ثم ولي ابن معلول الإفتاء، ثم عزل عنه سريعا، وأعطي نقابة الأشراف، ومات وهو نقيب عن ثمان وخمسين سنة. انتهى باختصار.

стр. 5428

سنة أربع وتسعين وتسعمائة فيها توفي برهان الدّين إبراهيم بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقميّ القاهري الشافعي [١] الإمام العلّامة أخو الشيخ شمس الدّين العلقمي. ولد سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، وهو منسوب إلى بلدة العلاقمة، قرية من كورة بلبيس، ونشأ بها، ثم رحل إلى القاهرة، وتفقّه بأخيه، والشيخ شهاب الدّين البلقيني، وقرأ «البخاري» كاملا، وثلث «مسلم» وجميع «الشفا» على قاضي القضاة شهاب الدّين الفتّوحي، وسمع عليه الأكثر من بقية الكتب الستة، بقراءة الشمس البرهمتوشي، وقرأ جميع «سيرة ابن هشام» على المحيوي يحيى الوفائي قاضي الحضرة، وجميع «رياض الصالحين» على العارف بالله تعالى أحمد بن داود النّسيمي، وجميع «البخاري» و «سيرة ابن سيد الناس» على السيد الشريف يوسف بن عبد الله الأرميوني، وأجازه بالفقه والنحو الشّهاب البلقيني تلميذ القسطلاني، وقرأ الكثير من «حلية» أبي نعيم، على الإمام المحدّث أحمد بن عبد الحقّ. وكان في ابتداء أمره يلازم دروس الشّهاب الرّملي ويسمعه، وله مشايخ غير هؤلاء. وبالجملة فقد كان إماما، عالما، عاملا، رحمه الله تعالى. وفيها شهاب الدّين أحمد بن قاسم العبّاديّ القاهريّ الشافعيّ [٢] الإمام العلّامة الفهّامة.

стр. 5429

أخذ العلم عن الشيخ ناصر الدّين اللقاني، ومحقّق عصره بمصر شهاب الدّين البرلسي المعروف بعميرة، والعلّامة قطب الدّين عيسى الصّفوي. وبرع وساد، وفاق الأقران، وسارت [١] بتحريراته الرّكبان، وتشنّفت من فرائد فوائده الآذان. ومن مصنّفاته «الحاشية على شرح جمع الجوامع» المسماة ب «الآيات البيّنات» و «حاشية على شرح الورقات» و «حاشية على المختصر في المعاني والبيان» و «حاشية على شرح المنهج» . وأخذ عنه الشيخ محمد بن داود المقدسي وغيره. وتوفي بالمدينة المنورة عائدا من الحجّ. وفيها- تقريبا- نور الدّين علي بن محمد العسيلي المصري الشافعي [٢] الإمام العلّامة الأديب المفنّن في العلوم النقلية والعقلية. ذكره الشعراوي، وأثنى عليه بالخشية والبكاء عند سماع القرآن والتهجد. قال: وكان يغلب عليه أحوال الملامية، وأن غالب أعماله قلبية. وكان إماما، علّامة، له «حاشية» حافلة على «مغني ابن هشام» . ومن نظمه قوله في صدر قصيدة: رعى الله ليلة وصل خلت ... خلوت بها وضجيعي القمر صفت عن رقيب وعن عاذل ... فلم تك إلّا كلمح البصر وقد قصرت بعد طول النّوى ... وما قصرت مع ذاك القصر وقوله في عبد له اسمه فرج: لكلّ ضيق إذا استبطأته فرج ... وكلّ ضيق أراه فهو منفرج

стр. 5430

وكان الشيخ نور الدّين من أخصّ الناس بالشيخ محمد بن أبي الحسن البكري. وفيها شمس الدّين أبو مسلم محمد بن محمد بن خليل بن علي بن عيسى بن أحمد الصّماديّ الدمشقي القادريّ الشافعيّ [١] . ولد سنة إحدى عشرة وتسعمائة. قال في «الكواكب» : وكان من أمثل الصوفية في زمانه، وله شعر في طريقتهم، إلا أنه لا يخلو من مؤاخذة في العربية، وكان شيخ الإسلام الوالد يجلّه ويقدّمه على أقرانه من الصّوفية ويترجمه بالولاية، وأفتى شيخ الإسلام الوالد تبعا لشيخي الإسلام شمس الدّين بن حامد، والتّقوى بن قاضي عجلون بإباحة طبولهم في المسجد وغيره، قياسا على طبول الجهاد والحجيج، لأنها محرّكة للقلوب إلى الرّغبة في سلوك الطريق، وهي بعيدة الأسلوب عن طريقة أهل الفسق والشرب. وكان الأستاذ الشيخ محمد البكري يجلّ [٢] صاحب الترجمة لأنهما اجتمعا في بيت المقدس، وعرف كل منهما مقدار الآخر. قال النجم الغزّي: وما رأيت في عمري أنور من أربعة إذا وقعت الأبصار عليهم شهدت البصائر بنظر الله إليهم، أجلّهم والدي، والشيخ محمد الصّمادي، والشيخ محمد اليتيم، ورجل رأيته بمكّة المشرّفة سنة إحدى وألف. وكان الشيخ محمد الصّمادي [٣] معتقدا للخواص والعوام، خصوصا حكام دمشق والواردين إليها من الدولة. وكانوا يقصدونه في زاويته للتبرك وطلب الدّعاء منه. وبالجملة كان من أفراد الدهر.
следующие страницы →