← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفي ذي الحجّة مجالد بن سعيد الهمدانيّ [١] الكوفيّ، صاحب الشّعبي، ليّنوا حديثه [٢] وقد خرّج له مسلم مقرونا بآخر.

стр. 597

سنة خمس وأربعين ومائة فيها خرجت التّرك، والخزر بباب الأبواب، وقتلوا واستباحوا بعض إرمينية. وفيها أمر المنصور، فأسّست بغداد، وابتدئ بإنشائها، ورسم هيئتها وكيفيّتها أوّلا بالرّماد، وفرغت في أربعة أعوام بالجانب الغربي، وتحول إليها المنصور في سنة ست وأربعين قبل تمامها، وبغداد الآن أكثرها من الجانب الشرقي. وفيها توفي الأجلح الكنديّ من مشاهير محدّثي الكوفة. روى عن الشّعبيّ وطبقته. قال في «المغني» [١] : أجلح بن عبد الله أبو جحيفة الكنديّ، عن الشّعبيّ، شيعيّ لا بأس بحديثه، وليّنه بعضهم. قال ابن أبي شيبة: ضعيف [٢] . انتهى. وفيها، وقيل: في سنة ست، إسماعيل بن أبي خالد البجليّ، مولاهم

стр. 598

الكوفيّ. الحافظ، أحد الأعلام. سمع أبا جحيفة، وابن أبي أوفى، وخلقا، وكان صالحا، ثبتا حجّة. وعمرو بن ميمون بن مهران الجزريّ الفقيه، أخذ عن أبيه ومكحول، وكان يقول: لو علمت أنه بقي عليّ حرف [١] من السّنّة باليمن لأتيتها. وحبيب بن الشهيد البصري. روى عن الحسن وأقرانه، وأرسل [٢] عن أنس وجماعة، وكان ثبتا، كثير الحديث. وعبد الملك بن أبي سليمان العرزميّ الكوفيّ الحافظ، أحد المحدّثين الكبار، وكان شعبة مع جلالته يتعجّب من حفظ عبد الملك. روى عن أنس فمن بعده. وكان يقال له: ميزان الكوفة، كما ذكره ابن القيم، وهو ثقة ثبت. وعمر [٣] بن عبد الله مولى غفرة عن سنّ عالية. روى عن أنس والكبار. قال أحمد: أكثر أحاديثه مراسيل، وليس به بأس. وقال ابن معين: ضعيف. ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقّاص اللّيثيّ المدنيّ. روى عن أبي سلمة وطائفة، وكان حسن الحديث، كثير العلم، مشهورا، أخرج له البخاريّ مقرونا بآخر.

стр. 599

ويحيى بن الحارث الذّماريّ مقرئ دمشق وإمام جامعها. قرأ على ابن عامر، وروى عن واثلة بن الأسقع وخلق، وورد أنه قرأ القرآن [أيضا] [١] على واثلة بن الأسقع، وعليه دارت قراءة الشّاميين. ويحيى بن سعيد التّيميّ [٢]- تيم الرّباب- الكوفيّ، وكان ثقة، إماما، صاحب سنّة. روى عن الشّعبيّ ونحوه.

стр. 600

سنة ست وأربعين ومائة في صفر تحوّل المنصور، فنزل بغداد قبل استتمام بنائها، وكان لا يدخلها أحد أبدا راكبا، حتّى أنّ عمه عيسى بن علي شكا إليه المشي، فلم يأذن له. وفيها توفي أشعث بن عبد الملك الحمرانيّ، منسوب إلى حمران [١] ، مولى عثمان. روى عن ابن سيرين وغيره، وكان ثبتا، ثقة، حافظا. أما أشعث بن سوّار، فكوفيّ فيه ضعف. وكذا أشعث الحدّانيّ الرّاوي عن أنس ليس بالقوي. وفيها عوف الأعرابيّ البصريّ، وكان صدوقا، شيعيا، كثير الحديث. روى عن أبي العالية وطائفة. قال في «المغني» [٢] : ثقة، مشهور. قال بندار [٣] : قدريّ، رافضيّ، يعني يتشيع. انتهى.

стр. 601

وفيها محمد بن السّائب أبو النّضر الكلبيّ الكوفيّ، صاحب التفسير، والأخبار، والأنساب، أجمعوا على تركه، وقد اتّهم بالكذب والرّفض. وقال ابن عدي: ليس لأحد أطول من تفسيره. عنه [١] قال: سميت العرب شعوبا لأنهم تفرّقوا من ولد إسماعيل- ﵇ ومن ولد قحطان تشعّبوا، والعرب كلهم بنو إسماعيل إلا أربع قبائل، السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف، وأول من تكلم بالعربية يعرب بن الهميسع بن نبت بن إسماعيل، وكل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير إدريس، ونوح، ولوط، وهود، وصالح- وكأنه لم يستثن آدم لأنه أبو الكلّ- قال: ولم يكن في العرب نبي إلا هود، وصالح، وإسماعيل، ومحمّد ﷺ . وروى ابن عبّاس أن أصحاب سفينة نوح كانوا ثمانين رجلا، فلما كثروا ملكهم نمرود بن كنعان بن حام بن نوح، فلما كفروا بلبل الله ألسنتهم وتفرقوا اثنتين وسبعين لسانا، وفهّم الله العربية عمليق، وأمم [٢] وطسم ابني لاوذ بن سام [٣] وعادا وعبيلا بني عوص بن سام بن نوح. انتهى كلام ابن الكلبي. وانظر ما في كلامه، فإنه ذكر [أنّ] أول من تكلم بالعربية يعرب من ذريّة إسماعيل، ثم ذكر أنّ الله فهّمها عمليقا ومن ذكر بعده من ذريّة نوح، وكلاهما مخالف لما جاء، أنّ إسماعيل تعلم العربية من جرهم لما نشأ بينهم، حتّى قيل: إنّ إبراهيم لما كان يبني البيت يقول لإسماعيل: هات

стр. 602

هيك، والهيك بالسريانية الحجر، فيقول له إسماعيل: خذ الحجر، فهذا يتكلم بالسريانية، وهذا بالعربية. وقيل: لما نزل أصحاب نوح من السفينة، خلق الله في قلوبهم لغات مختلفة، فتكلم كل منهم بلغة. وفيها توفي هشام بن عروة بن الزّبير الفقيه، أحد حفّاظ الحديث. قال مسح ابن عمر برأسي ودعا لي. وقال وهيب: قدم علينا هشام بن عروة، فكان مثل الحسن وابن سيرين. وحدّث عن أبيه، وعمّه، وكان ثبتا، متقنا، توفي ببغداد، وصلى عليه المنصور، ودفن بمقبرة الخيزران. قيل: إنه ولد هو وعمر بن عبد العزيز، والزّهريّ، وقتادة، والأعمش ليالي قتل الحسين بن علي في المحرم سنة إحدى وستين. وفيها، أو في التي تليها، يزيد بن أبي عبيد صاحب سلمة بن الأكوع ومولاه بالمدينة.

стр. 603

سنة سبع وأربعين ومائة فيها بدهت [١] الكفرة التّرك بناحية إرمينية، وقتلوا أمما، ودخلوا تفليس [٢] فالتقاهم المسلمون، فلم ينصروا، وهزم أميرهم جبريل بن يحيى، وقتل مقدمهم الآخر حرب الرّيوندي، الذي تنسب إليه الحربيّة ببغداد. وفيها ألحّ المنصور وتحيّل بكل ممكن على ابن عمه وليّ العهد عيسى بن موسى، بالرغبة، حتّى خلع نفسه كرها، وقيل: بل عوّضه عشرة آلاف ألف درهم، وعلى أن يكون أيضا وليّ عهده بعد المهديّ بن المنصور. وفيها توفي عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي. حدّث عن مجاهد وجماعة. وكان عالما، فقيها، نبيلا. قال في «المغني» [٣] : وثّقه جماعة، وضعّفه أبو مسهر. انتهى.

стр. 604

وخرّج له ابن عدي. وفيها انهدم الحبس على الأمير عبد الله بن علي، الذي هزم مروان وافتتح دمشق، وكان من رجال الدّهر حزما، ورأيا، ودهاء، وشجاعة، وهو عمّ المنصور، سجنه المنصور سرّا، وقيل: إنه قتله سرّا، وهدم الحبس قصدا. وفيها الإمام أبو عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ العمريّ المدنيّ، وكان أوثق إخوته وأفضلهم، وأكثرهم علما، وصلاحا، وعبادة. روى عن القاسم، وسالم، ونافع. وفيها هشام بن حسّان الأزديّ القردوسيّ [١] الحافظ، محدّث البصرة، وصاحب الحسن، وابن سيرين. قال ابن عيينة: كان أعلم النّاس بحديث الحسن. وقيل: كان عنده ألف حديث. وقال في «المغني» [٢] : هشام بن حسّان، ثقة مشهور. روى شعيب بن حرب عن شعبة قال: كان خشبيّا [٣] ولم يكن يحفظ. قلت [٤] : وذكره العقيليّ في كتابه، فروى بإسناده عن ابن المديني،

стр. 605

قال: كان أصحابنا يثبّتون هشام بن حسّان، وكان يحيى يضعّف حديثه [عن عطاء] [١] وكان النّاس يرون أنه أرسل حديث الحسن عن حوشب. وقال عرعرة بن البرند [٢] ذكرت [٣] لجرير بن حازم هشام بن حسّان، فقال: ما رأيته عند الحسن قطّ. قلت [٤] : وأنكر عليه حديثه عن محمد بن عبيدة: ينقض الوضوء أذى المسلم [٥] . انتهى.

стр. 606

سنة ثمان وأربعين ومائة فيها توجّه حميد بن قحطبة في جيش كثيف إلى ثغر إرمينية. وفيها توفي الإمام، سلالة النبوّة، أبو عبد الله جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين الهاشميّ العلويّ، وأمّه فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، فهو علويّ الأب، بكريّ الأمّ. روى عن أبيه وجدّه القاسم وطبقتهما، وكان سيّد بني هاشم في زمنه. عاش ثمانيا وستين سنة وأشهرا. وولد سنة ثمانين بالمدينة، ودفن بالبقيع في قبة أبيه، وجدّه، وعمّ جدّه الحسن، وقد ألّف تلميذه جابر بن حيّان [١] الصوفيّ كتابا في ألف ورقة يتضمن رسائله، وهي خمسمائة، وهو عند الإمامية من الاثني عشر بزعمهم. قيل: إنه سأل أبا حنيفة عن محرم كسر رباعية ظبي، فقال: لا أعرف جوابها، فقال: أما تعلم أن الظّبي لا يكون له رباعية. وقال في «المغني» [٢] : جعفر بن محمّد بن علي ثقة، لم يخرّج له

стр. 607

البخاريّ، وقد وثّقه ابن معين، وابن عديّ، وأما القطّان فقال: مجالد أحبّ إليّ منه. انتهى. وفي ربيع الأول توفي الإمام أبو محمّد سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم الأعمش. روى عن ابن أبي أوفى، وأبي وائل والكبار. وكان محدّث الكوفة وعالمها. قال ابن المديني: للأعمش نحو ألف وثلاثمائة حديث. وقال ابن عيينة: كان أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بالفرائض، وأحفظهم للحديث. وقال يحيى القطّان: هو علّامة الإسلام. وقال [١] وكيع: بقي الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الخريبيّ [٢] : ما خلّف أعبد منه. وما يرويه عنه مالك فهو إرسال، لأنه لم يسمع منه، وكان فيه مزاح، خرج إلى الطلبة يوما وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إليّ منكم ما خرجت. وطلبه رجل ليصلح بينه وبين زوجته، فقال الرجل لزوجته: لا تنظري إلى عموشة عينيه، وخموشة ساقيه، فإنه إمام. قالت: ما لديوان الرسائل أريده. فقال: ما أردت إلّا أن تعرّفها عيوبي. وقال له حائك: ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال: تقبل مع عدلين. وذكر عنده حديث «من نام عن قيام اللّيل بال الشيطان في أذنه» [٣] .

стр. 608

فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشّيطان. وكتب إليه هشام بن عبد الملك، أن اكتب لي فضائل عثمان، ومساوئ عليّ، فأخذ كتابه ولقّمه شاة عنده، وقال لرسوله: هذا جوابك، فألحّ عليه الرّسول في جواب، وتحمّل عليه بإخوانه، وقال: إن لم آت بالجواب قتلني، فكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم أما بعد: فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعليّ مساوئ أهل الأرض ما ضرّتك، فعليك بخويصة نفسك، والسلام. وقال في «المغني» [١] : الأعمش ثقة، جبل، ولكنه يدلّس. قال وهب بن زمعة: سمعت ابن المبارك يقول: إنما أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش، وأبو إسحاق. انتهى. قلت: والتّدليس ليس كله قادحا، ولنذكر تعريفه وما يقدح منه وما لا يقدح، لأن ذلك لا يخلو من [٢] فائدة. فأقول: التدليس له معنيان، لغويّ، واصطلاحيّ، فاللغويّ كتمان العيب في مبيع أو غيره، ويقال: دالسه: خادعه، كأنه من الدلس وهو الظلمة، لأنه إذا غطى عليه الأمر أظلمه عليه، وأما في الاصطلاح، أي اصطلاح المحدّثين والأصوليين، فهو قسمان، قسم مضرّ يمنع القبول، وهو تدليس المتن عمدا، وهو محرّم، وفاعله مجروح، ويسمى المدرج أيضا، مثاله أن يدخل الرّاوي للحديث شيئا من كلامه فيه،

стр. 609

أولا، أو آخرا، أو وسطا، على وجه يوهم أنه من جملة الحديث الذي رواه، ويسمى تدليس المتون، وفاعله عمدا مرتكب محرّما، مجروح عند العلماء لما فيه من الغش. أما لو اتفق ذلك من غير قصد من صحابي أو غيره، فلا يكون ذلك محرّما، ومن ذلك كثير أفرده الخطيب البغدادي بالتصنيف. ومن أمثلته حديث ابن مسعود في التشهّد، قال في آخره: وإذا قلت: هذا فإن شئت أن تقوم. فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد [١] ، [وهو] [٢] من كلامه لا من الحديث المرفوع، لما قاله البيهقيّ، والخطيب، والنوويّ، وغيرهم. والقسم الثاني غير مضرّ لكنه مكروه مطلقا عند الحنابلة، وله صور. إحداها: أن يسمّي شيخه في روايته باسم له غير مشهور، من كنية، أو لقب، أو اسم، أو نحوه، كقول أبي بكر بن مجاهد المقرئ الإمام: حدّثنا عبد الله بن أبي أوفى، يريد به عبد الله بن أبي داود السّجستاني، وهو كثير جدا، ويسمى هذا تدليس الشيوخ. وأما تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمّن لقيه أو عاصره ما لم يسمعه منه، موهما سماعه منه، قائلا: قال فلان ونحوه، وربما لم يسقط شيخه ويسقط غيره، ومثّله بعضهم بما في «الترمذي» عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن عائشة- ﵂ مرفوعا «لا نذر في معصية، وكفّارته كفّارة يمين» [٣] ثم قال: هذا حديث لا يصحّ، لأن الزّهري لم يسمعه من أبي

стр. 610

سلمة، ثم ذكر أن بينهما سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، وأن هذا وجه الحديث. قال ابن الصلاح: هذا القسم مكروه جدا، ذمّه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدّهم ذمّا له. وقال مرّة: التّدليس أخو الكذب. ومرّة: لأن أزني أحبّ إليّ من أن أدلّس، وهذا إفراط منه، محمول على المبالغة في الزجر عنه. الصورة الثانية: أن يسمي شيخه باسم شيخ آخر لا يمكن أن يكون رواه عنه، كما يقول تلامذة الحافظ أبي عبد الله الذّهبي: حدّثنا أبو عبد الله الحافظ تشبيها بقول البيهقيّ فيما يرويه عن شيخه أبي عبد الله الحاكم: حدّثنا أبو عبد الله الحافظ، وهذا لا يقدح لظهور المقصود. والصورة الثالثة: أن يأتي في التحديث بلفظ يوهم أمرا لا قدح في إيهامه ذلك، كقوله: حدّثنا وراء النّهر، موهما نهر جيحون، وهو نهر عيسى ببغداد، والحيرة ونحوها، كمصر، فلا حرج في ذلك، قاله الآمدي، لأن ذلك من باب الإغراب، وإن كان فيه إيهام الرّحلة إلا أنه صدق في نفسه. ومن فعله بصورة الثلاثة متأوّلا قبل عند أحمد وأصحابه والأكثر من الفقهاء والمحدّثين، ولم يفسق، لأنه صدر من الأعيان المقتدى بهم، حتّى قيل: لم يسلم منه إلا شعبة، والقطّان، ولكن من عرف به عن الضعفاء لم تقبل روايته حتّى يبيّن سماعه عند المحدّثين وغيرهم. والإسناد المعنعن بلا تدليس بأيّ لفظ كان [١] متصل عند أحمد،

стр. 611

والأكثر من المحدّثين وغيرهم، عملا بالظاهر، والأصل عدم التّدليس. حكاه ابن عبد البرّ في «التمهيد» إجماعا، والله أعلم. وفيها، أو في التي قبلها- وهو الصحيح- رؤبة بن العجّاج البصريّ التميميّ [١] السّعديّ، كان هو وأخوه من المدوّنين في الرجز ليس فيه شعر، مع أن الرجز شعر على الصحيح. وكان عارفا باللغة وحشيّها وغريبها. والرّوبة خميرة [٢] اللّبن، وهي أيضا قطعة من الليل، والحاجة. والرؤبة بالهمز: القطعة من الخشب يشعّب بها الإناء، والجميع بضم الراء وسكون الواو، إلا اسم هذا الرجل، والقطعة من الخشب، فإنهما بالهمز. وفيها شبل بن عبّاد قارئ أهل مكّة، وتلميذ ابن كثير، حدّث عن أبي الطّفيل وطائفة. وعمرو بن الحارث المصريّ الفقيه. حدّث عن ابن أبي مليكة وطبقته. قال أبو حاتم الرّازي: كان أحفظ الناس في زمانه. وقال ابن وهب: ما رأيت أحفظ منه، ولم يكن له نظير في الحفظ. ومحمّد بن الوليد الزّبيديّ الحمصيّ القاضي، عالم أهل حمص. أخذ عن مكحول، وعمرو بن شعيب، وخلق. وقال: أقمت مع الزّهري عشر سنين بالرّصافة [٣] .

стр. 612

وقال الزّهري عنه: قد احتوى هذا على ما بين جنبيّ من العلم. وقال محمّد بن سعد: كان أعلم الشاميين بالفتوى والحديث [١] . والعوّام بن حوشب شيخ واسط. روى عن إبراهيم النخعي وجماعة. قال يزيد بن هارون: كان صاحب أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. وفيها [٢] في رمضان قاضي الكوفة ومفتيها، أبو عبد الرّحمن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ الفقيه، لم يدرك أباه، وسمع الشّعبيّ وطبقته. قال أحمد بن يونس: كان أفقه أهل الدّنيا، وكان صاحب قرآن وسنّة. قرأ عليه حمزة الزّيّات، وكان صدوقا جائز الحديث. قاله في «العبر» [٣] ومات وهو على القضاء. وفيها محمّد بن عجلان المدنيّ. روى عن أبيه، وأنس، وطائفة، وكان عابدا، ناسكا، صادقا، له حلقة بمسجد النّبيّ- ﷺ للفتوى. روى له مسلم مقرونا بآخر، وكان مولى لقريش.

стр. 613

سنة تسع وأربعين ومائة فيها غزا النّاس بلاد الرّوم وعليهم العبّاس بن محمّد، فمات في الغزاة أكثر أمرائه [١] . وفيها توفي بالكوفة زكريّا بن أبي زائدة الهمدانيّ [٢] القاضي، والد يحيى. روى عن الشّعبي وغيره. قال في «المغني» [٣] : صدوق، مشهور. قال أبو زرعة: صويلح. وقال أبو حاتم: ليّن الحديث يدلّس. وثّقه أبو داود، وقال: يدلّس. انتهى. وفيها عيسى بن عمر النّحويّ. قال ابن قتيبة [٤] : كان صاحب تقعير في كلامه، واستعمال للغريب فيه وفي قراءته.

стр. 614

وضربه يوسف بن عمر بن هبيرة في سبب وهو يقول: والله إن كانت إلّا أثيابا في أسفاط [١] قبضها عشّاروك. انتهى. وقال ابن الأهدل: عيسى بن عمر النّحويّ الثّقفيّ البصريّ مولى خالد بن الوليد، نزل في ثقيف، فنسب إليهم، وكان صاحب غريب في لفظه ونحوه، وحكي أنه سقط عن حمار فاجتمع عليه النّاس، فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّة [٢] افرنقعوا عني. معناه: ما لكم تجمّعتم عليّ كتجمّعكم على مجنون، افترقوا عنّي، فقالوا: إن شيطانه هنديّ، وهو شيخ سيبويه [وله «كتاب الجامع» في النحو، وهو المنسوب إلى سيبويه، وله أيضا «الإكمال» وصنّف نيفا وسبعين كتابا في النحو، ولم يبق منها سوى «الجامع» ، و «الإكمال» لأنها كانت احترقت إلّا هذين، وكان سيبويه] [٣] رحل إليه، وعاد ومعه «الجامع» فسأله الخليل عن عيسى، فأخبره بأخباره، وأراه «الجامع» فقال الخليل: ذهب النّحو جميعا كلّه [٤] ... غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للنّاس شمس وقمر وهو شيخ سيبويه، والخليل، وأبي عمرو ابن العلاء.

стр. 615

وعيسى هذا هو الذي هذّب النّحو ورتّبه. انتهى ملخصا مزيدا فيه. وفيها توفي كهمس بن الحسن البصريّ، روى عن أبي الطّفيل وجماعة. والمثنّى بن الصّبّاح اليمانيّ [١] بمكّة. روى عن مجاهد، وعمرو بن شعيب، وجماعة، وكان من أعبد النّاس، وفي حديثه ضعف.

стр. 616

سنة خمسين ومائة فيها خرجت أهل خراسان على المنصور مع الأمير أستاذسيس [١] حتّى اجتمع له فيما قيل: ثلاثمائة ألف مقاتل، ما بين فارس وراجل، وسائرهم من أهل هراة، وسجستان، واستولى على أكثر خراسان، وعظم الخطب، فنهض لحربه الأخثم [٢] المروروذي، فقتل الأخثم واستبيح عسكره، فسار حازم بن خزيمة في جيش عظيم بالمرّة، فالتقى الجمعان، وصبر الفريقان، وقتل خلق [كثير] [٣] حتّى قيل: إنه قتل في هذه الوقعة سبعون ألفا، وانهزم أستاذسيس في طائفة إلى جبل، وكانت هذه الوقعة في السنة الآتية، سقناها استطرادا، ثم أمر حازم بالأسرى فضرب أعناقهم كلهم وكانوا أربعة عشر ألفا ثم حاصر أستاذسيس مدة، ثم نزل على حكمهم، فقيد هو وأولاده، وأطلق أصحابه، وكانوا ثلاثين ألفا. وفيها توفي إمام الحجاز أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح الرّوميّ ثم المكيّ، مولى بني أميّة عن أكثر من سبعين سنة. أخذ عن عطاء وطبقته، وهو أول من صنّف الكتب بالحجاز، كما أن سعيد بن أبي عروبة أول من صنّف بالعراق.

стр. 617

قال أحمد: كان من أوعية العلم. قال في «العبر» [١] : ولم يطلب العلم إلّا في الكهولة، ولو سمع في عنفوان شبابه لحمل عن غير واحد من الصحابة، فإنه قال: كنت أتتبّع [٢] الأشعار العربيّة والأنساب، حتّى قيل لي: لو لزمت عطاء، فلزمته ثمانية عشر عاما. قال ابن المديني: لم يكن في الأرض أعلم بعطاء بن أبي رباح من ابن جريج. وقال عبد الرّزّاق: ما رأيت أحدا أحسن صلاة من ابن جريج. وقال خالد بن نزار الأيلي: رحلت بكتب ابن جريج سنة خمسين ومائة لألقاه [٣] فوجدته قد مات رحمه الله تعالى. انتهى كلامه في «العبر» . وقال ابن الأهدل: هو أول من صنّف الكتب في الإسلام، كان باليمن مع معن بن زائدة، قال: فحضر وقت الحجّ وخطر بباله قول عمر بن أبي ربيعة: بالله قولي له من غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها ... فما أخذت بترك [٤] الحجّ من ثمن [٥] قال: فدخلت على معن، فأخبرته أني عزمت على الحجّ، قال: لم تذكره من قبل، فأخبرته بما بعثني، فجهّزني وانطلقت. انتهى.

стр. 618

وقال في «المعارف» [١] : ابن جريج، هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وجريج كان عبدا لأمّ حبيب بنت جبير، وكانت تحت عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسد، فنسب إلى ولائه، وولد سنة ثمانين عام الجحاف. والجحاف: سيل كان بمكّة. حدّثني [٢] أبو حاتم، عن الأصمعيّ، عن أبي هلال قال: كان ابن جريج أحمر الخضاب. روى الواقديّ قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد [٣] قال: شهدت ابن جريج جاء إلى هشام بن عروة، فقال يا أبا المنذر الصحيفة التي أعطيتها إلى فلان [٤] هي حديثك؟ قال: نعم. قال الواقديّ: فسمعت ابن جريج بعد ذلك يقول: حدّثنا هشام بن عروة ما لا أحصي. قال [٥] : وسألته عن قراءة الحديث عن المحدّث. قال: ومثلك يسأل عن هذا؟ إنما اختلف النّاس في الصحيفة يأخذها ويقول: أحدّث بما فيها، ولم يقرأها، وأما إذا قرأها فهو والسماع سواء. انتهى كلام «المعارف» . قلت: وهذا مذهب مالك وجماعة، وأما عند الحنابلة فالسماع أعلى رتبة، ويشهد لمذهبهم العقل والذّوق، والله أعلم. وفيها مات أبو الحسن مقاتل بن سليمان الأزديّ مولاهم الخراسانيّ

стр. 619

المفسّر. [عدّوه من المشبّهة كما ذكره الشيخ عبد القادر في «الغنية» ] [١] . وقال في «المغني» [٢] : مقاتل بن سليمان البلخي [المفسّر] [٣] ، هالك، كذّبه وكيع والنسائي. انتهى. وقال ابن الأهدل: كان نبيلا، واتهم في الرّواية. قال مرّة: سلوني عمّا دون العرش، فقيل له: من حلق رأس آدم لمّا حجّ. وقال له آخر: الذّرّة [٤] أو النملة معاؤها في مقدمها أو مؤخرها، فلم يدر ما يقول، وقال: ليس هذا من علمكم، لكن بليت به لعجبي بنفسي. وسأله المنصور: لم خلق الله الذّباب، فقال: ليذلّ به الجبابرة. وقال الشّافعيّ: النّاس عيال على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الفقه، وعلى الكسائي في النحو، وعلى ابن إسحاق في المغازي. وفيها توفي الإمام أبو حنيفة النّعمان بن ثابت الكوفيّ، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، ومولده سنة ثمانين، رأى أنسا وغيره، ونظم بعضهم من لقي من الصحابة فقال: لقي الإمام أبو حنيفة ستّة ... من صحب طه المصطفى المختار أنسا وعبد الله نجل أنيسهم ... وسميّه ابن الحارث الكرّار وزد ابن أوفى وابن واثلة الرّضي ... واضمم إليهم معقل بن يسار

стр. 620

ولكن لم تثبت له رواية عن أحد منهم، وإنما روى عن عطاء بن أبي رباح وطبقته، وتفقّه على حمّاد بن سليمان، وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه، والعبادة، والورع، والسّخاء، وكان لا يقبل جوائز الدولة، بل ينفق ويؤثر من كسبه، له دار كبيرة لعمل الخزّ [١] وعنده صنّاع وأجراء رحمه الله تعالى. قال الشّافعيّ: النّاس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمعت رجلا يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدّث عنّي بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة، ودعاء، وتضرّعا. وقد روي أن المنصور سقاه السّمّ فمات شهيدا- ﵀ سمّه لقيامه مع إبراهيم [٢] . قاله في «العبر» [٣] . وذكر الحافظ العامري في تأليفه «الرياض المستطابة» [٤] وكذلك ملخّصه صالح بن صلاح العلائي، ومن خطّه نقلت، أن الإمام أبا حنيفة رأى عبد الله بن الحارث بن جزء الصحابي، وسمع منه قوله- ﷺ : «من تفقّه في دين الله كفاه الله همّه ورزقه من حيث لا يحتسب» [٥] . انتهى.

стр. 621

وقال ابن الأهدل: نقله المنصور عن الكوفة إلى بغداد ليولّيه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلنّ، فحلف أن لا يفعل، وقال أمير المؤمنين أقدر مني على الكفّارة، فأمر به إلى الحبس. وقيل: إنه ضربه. وقيل: سقاه سمّا لقيامه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن [١] فمات شهيدا. وقيل: إنه أقام في القضاء يومين ثم اشتكى ستة أيام ومات. وكان ابن هبيرة قد أراده على القضاء في الكوفة أيام مروان الجعديّ فأبى، وضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة، وأصرّ على الامتناع، فخلّى سبيله. وكان الإمام أحمد، إذا ذكر ذلك ترحّم عليه. انتهى. وقد قال في «الأشباه والنظائر» [٢] : لما جلس أبو يوسف- ﵀ للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة، أرسل إليه أبو حنيفة رجلا فسأله عن خمس مسائل: الأولى: قصّار جحد الثوب وجاء به مقصورا، هل [٣] يستحق الأجر أم لا؟ فأجاب أبو يوسف: يستحق الأجر. فقال له الرّجل: أخطأت، فقال: لا يستحق، فقال: أخطأت، ثم قال له الرّجل: إن كانت القصارة قبل الجحود استحقّ، وإلا فلا. الثانية: هل الدخول في الصّلاة بالفرض أم بالسّنّة؟ فقال: بالفرض،

стр. 622

فقال: أخطأت، فقال بالسّنّة، فقال: أخطأت، فتحيّر أبو يوسف، فقال الرّجل: بهما، لأن التكبير فرض، ورفع اليدين سنّة. الثالثة: طير سقط في قدر على النّار، فيه لحم ومرق، هل يؤكلان، أم لا؟ فقال أبو يوسف: يؤكلان، فخطّأه، فقال: لا يؤكلان، فخطّأه، ثم قال: إن كان اللحم مطبوخا قبل سقوط الطير يغسل ثلاثا ويؤكل، وترمى المرقة، وإلا يرمى الكلّ. الرابعة: مسلم له زوجة ذميّة ماتت وهي حامل منه، تدفن في أيّ المقابر؟ فقال: في مقابر المسلمين، فخطّأه، فقال أبو يوسف: في مقابر أهل الذّمّة، فخطّأه، فتحيّر [أبو يوسف] فقال [الرّجل: تدفن] في مقابر اليهود- أي لأنهم يوجهون قبورهم إلى القبلة- ولكن يحوّل وجهها عن القبلة حتّى يكون وجه الولد إلى القبلة، لأن الولد في البطن يكون وجهه إلى ظهر أمه. الخامسة: أمّ ولد لرجل، تزوجت بغير إذن مولاها، [فمات المولى] ، هل تجب العدّة من المولى؟ فقال: تجب، فخطّأه، [ثم قال: لا تجب، فخطّأه] ، ثم قال الرّجل: إن كان الزّوج دخل بها لا تجب، وإلا وجبت. فعلم أبو يوسف تقصيره، فعاد إلى أبي حنيفة، فقال تزبّبت [١] قبل أن تحصرم، كذا في إجارات الفيض. انتهى كلام «الأشباه» والله أعلم، وبه التوفيق. وفيها، أو في التي قبلها- وهو الصحيح- الحجّاج بن أرطاة. قال ابن ناصر الدّين في «بديعة البيان» : ثمّ أبو أرطأة الحجّاج ... مدلّس قد طمس الحجاج

стр. 623

أي العظم المستدير حول العين، ويقال: بل هو الأعلى الذي تحت الحاجب [١] . قال في «المغني» [٢] : حجّاج بن أرطاة النخعيّ الكوفيّ، من كبار الفقهاء، تركه ابن مهدي، والقطّان، وقال أحمد، لا يحتجّ به. وقال ابن عديّ: ربما أخطأ ولم يتعمّد، وقد وثّق. وقال ابن معين. أيضا: صدوق يدلس. خرّج له مسلم مقرونا بغيره انتهى. وقد خرج له الأربعة [٣] ، وابن حبّان. وفيها عمر بن محمّد بن يزيد بن عبد الله بن عمر العمريّ بعسقلان. روى عن سالم بن عبد الله وطائفة، ولم يعقّب، وكان من السادة العبّاد. قال الثوريّ: لم يكن في آل عمر أفضل منه. وقال أبو عاصم النّبيل: كان من أفضل أهل زمانه. وعثمان بن الأسود المكيّ: روى عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاووس.

стр. 624

سنة إحدى وخمسين ومائة فيها قدم المهديّ من الرّيّ إلى بغداد ليراها، فأمر أبوه ببناء الرّصافة [١] للمهدي في الجانب الشرقي مقابلة [بغداد] [٢] وجعل له حاشية وحشم [٣] وآلة في زيّ الخلافة [٤] . وجدّد البيعة بالخلافة للمهديّ من بعده، ومن بعد المهديّ لعيسى بن موسى [٥] . وفي رجب توفي الإمام عبد الله بن عون شيخ أهل البصرة وعالمهم. روى عن أبي وائل والكبار. قال هشام بن حسّان: لم تر عيناي مثل ابن عون. وقال قرّة: كنّا نعجب من ورع ابن سيرين فأنساناه [٦] ابن عون. وقال عبد الرّحمن بن مهدي: ما كان بالعراق أعلم بالسّنّة من ابن عون. وقال أبو إسحاق: هو ثقة في كل شيء.

стр. 625

وفيها محمّد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ مولاهم المدنيّ صاحب «السيرة» رأى أنسا وسمع الكثير من المقبريّ [١] ، والأعرج، وهذه الطبقة، وكان بحرا من بحور العلم، ذكيّا، حافظا، طلّابة للعلم، أخباريا، نسّابة، علّامة. قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث. وقال [٢] ابن معين: هو ثقة وليس بحجّة. وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث. قاله في «العبر» [٣] . وقال ابن الأهدل: لا تجهل أمانته، ووثّقه الأكثرون في الحديث، ولم يخرّج له البخاريّ شيئا، وخرّج له مسلم حديثا واحدا، من أجل طعن مالك فيه، وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه أنه قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله. ومن كتب ابن إسحاق أخذ عبد الملك بن هشام، وكلّ من تكلم في السّير فعليه اعتماده، توفي ببغداد ودفن في مقبرة الخيزران أمّ الرّشيد، نسبت المقبرة إليها لأنها أقدم من دفن فيها، وهي بالجانب الشرقي. انتهى. وقال بعض المحدّثين: ابن إسحاق ثقة ما لم يعنعن فيخشى منه التّدليس. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: كان بحرا من بحور العلم، صدوقا، مختلفا فيه جرحا وتوثيقا. انتهى.

стр. 626

وفيها حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرّحمن بن صفوان بن أميّة الجمحيّ المكيّ، روى عن مجاهد وطبقته. والوليد بن كثير المدنيّ بالكوفة. روى عن بشير بن يسار وطائفة، وكان عارفا بالمغازي والسّير، ولكنه إباضيّ. قاله في «العبر» [١] . والإباضية: هم المنسوبون إلى عبد الله بن إباض. قالوا: مخالفونا من أهل القبلة كفّار، ومرتكب الكبيرة موحّد غير مؤمن، بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وكفّروا عليّا وأكثر الصحابة. قال الذّهبيّ في «المغني» [٢] : الوليد بن كثير المخزوميّ ثقة، وحديثه [٣] في الكتب الستة. سمع سعيد بن أبي هند، والكبار. قال أبو داود: ثقة إلّا أنه إباضي. وقال ابن سعد: ليس بذاك. انتهى. وفيها سيف بن سليمان المكيّ. روى عن مجاهد وغيره. قال في «المغني» [٤] : ثقة إلا أنه رمي بالقدر. انتهى. وفيها، أو في التي تليها، صالح [٥] بن عليّ الأمير، عمّ المنصور، وأمير الشّام، وهو الذي أمر ببناء أذنة [٦] التي في يد صاحب سيس، وقد هزم الرّوم

стр. 627

يوم [مرج] [١] دابق، وكانوا مائة ألف. وفيها قتلت الخوارج غيلة معن بن زائدة الشّيبانيّ الأمير بسجستان، وكان قد وليها عام أوّل، وكان أحد الأبطال والأجواد. وكان مع بني أميّة متنقّلا في ولاياتهم، مواليا لابن هبيرة، وقاتل معه المنصور، فلما قتل ابن هبيرة خاف معن فاختفى، فلما كان يوم الهاشميّة- وهو يوم مشهود- ثار فيه جماعة من أهل خراسان على المنصور، وكانت وقعتهم بالهاشميّة التي بناها السّفّاح بقرب الكوفة، وكان معن متواريا بالقرب منهم، فخرج متنكّرا وقاتل قتالا شديدا أبان فيه عن نجدته وفرّقهم، فلما أفرج عن المنصور قال له: من أنت؟ فكشف اللثام وقال: أنا طلبتك [٢] يا أمير المؤمنين، فأمّنه وأكرمه، وصار من خواصه، وقال له: أنت الذي أعطيت مروان بن أبي حفص مائة ألف درهم على قوله: معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان [٣] فقال: إنما أعطيته على قوله: ما زلت [٤] يوم الهاشميّة معلنا [٥] ... بالسّيف دون خليفة الرّحمن فمنعت حوزته وكنت وقاية [٦] ... من وقع كلّ مهنّد وسنان

стр. 628

فقال: أحسنت [يا معن] [١] . ودخل عليه أعرابيّ وهو جالس على سريره فأنشده: أتذكر [٢] إذ قميصك جلد كبش [٣] ... وإذ نعلاك من جلد البعير وفي يمناك عكّاز طويل ... تهش به [٤] الكلاب عن الهرير [٥] قال: نعم أعرف ذلك ولا أنساه. فقال: فسبحان الّذي أعطاك ملكا ... وعلّمك الجلوس على السّرير قال: [ذلك] [٦] بحمد الله لا بحمدك. قال: فأقسم لا أحيّيك ابن معن ... مدى عمري بتسليم الأمير قال: إذا والله لا أبالي. فقال: فمر لي [٧] يا ابن زائدة بمال ... فإنّي قد عزمت على المسير [٨] قال لغلامه: أعطه ألف درهم.

стр. 629

فقال: قليل ما أمرت به وإنّي ... لأطمع منك بالشّيء الكثير قال: يا غلام زده ألف درهم. فقال: ملكت الجود والإنصاف [١] جمعا ... فبذل يديك كالبحر الغزير فقال يا غلام، ضاعف له الحساب [٢] فأضعف له. ورأى راكبا محثّا ناقته، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا، فلما مثل بين يديه أنشد: أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا ألحّ دهر ألقى بكلكله [٣] ... فأرسلوني إليك وانتظروا [٤] فأخذته أريحيّة، وقال: والله لأعجلنّ أوبتك إليهم، فأعطاه مائة ناقة، وألف دينار وهو لا يعرفه. ولما طلب المنصور سفيان الثّوريّ، فرّ سفيان إلى اليمن، فكان يقرأ على النّاس أحاديث الضّيافة ليضيفوه، ويكتفي عن سؤالهم، فاتّهم بسرقة، ورفع إلى معن بن زائدة، فتعرفه حتّى عرفه، فقال: اذهب حيث شئت، فلو كنت تحت قدمي ما أخرجتك. ولما عظم صيته اندسّ له جماعة من الخوارج في ضيعة له بسجستان، فقتلوه وهو يحتجم، فتبعهم ابن أخيه فقتلهم جميعهم، ورثاه الشعراء

стр. 630

ومن أحسن ذلك قول مروان بن أبي حفصة في قصيدته التي أولها: مضى لسبيله معن وأبقى ... مكارم لن تبيد ولن تنالا [١] واستنشده إيّاها جعفر البرمكي، فأنشده فبكى، وأجازه بستمائة دينار. وروي أنه دخل على المهدي بن المنصور، فمدحه، فقال له: ألست القائل؟: وقلنا أين [٢] ترحل بعد معن ... فقد ذهب النّوال ولا نوالا وأمر بإخراجه، ثم وفد عليه في العام المقبل. وكانت الشعراء إنما تدخل على الخلفاء في كل عام مرّة، ثم مدحه بقصيدته التي يقول فيها: طرقتك [٣] زائرة [٤] فأعجب بها، وهي مائة بيت، أعطاه مائة ألف درهم، وهي أول إجازة بمائة ألف أعطيها شاعر في خلافة العباسيين.

стр. 631

سنة اثنتين وخمسين ومائة فيها توفي إبراهيم بن أبي عبلة، أحد الأشراف والعلماء بدمشق، عن سنّ عالية. روى عن أبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وخلق كثير. وفيها عبّاد بن منصور النّاجي. روى عن عكرمة وجماعة. وولي قضاء البصرة تلك الأيام لإبراهيم بن عبد الله بن حسن الحسني، وليس بالقوي في الحديث. وأبو حرّة واصل بن عبد الرّحمن البصريّ. روى عن الحسن وطبقته. قال شعبة: هو أصدق النّاس. وقال أبو داود الطّيالسي: كان يختم [في] كلّ ليلتين. وفيها، وقيل: بعدها، يونس بن يزيد الأيليّ صاحب الزّهريّ وأوثق أصحابه، وقد روى عن القاسم، وسالم، وجماعة. وتوفي بالصعيد. قال ابن ناصر الدّين: بعدهما فتى يزيد يونس ... ذاك الإمام المكثر المدرّس وقال في «شرحها» [١] : يونس بن يزيد بن أبي النّجاد، حجّة، ثقة. انتهى ملخصا.

стр. 632

سنة ثلاث وخمسين ومائة فيها غلبت الخوارج الإباضيّة [١] على إفريقية، وهزموا عسكرها، وقتلوا متولّيها عمر بن حفص الأزدي، وكان رأسهم ثلاثة: أبو حاتم الإباضي، وأبو عاد [٢] ، وأبو قرّة الصّفري. وكان أبو قرّة في أربعين ألفا من الصّفرية قد بايعوه بالخلافة، وكان أبو حاتم وصاحبه في ثمانين ألف فارس وأمم لا يحصون من الرّجالة. وفيها ألزم المنصور النّاس بلبس القلانس المفرطة الطول، وتسمّى بالدّنّيّة لشبهها بالدّنّ، وكانت تعمل من كاغد ونحوه على قصب، ويعمل عليها السواد، [وفيها] [٣] شبه من الشربوش. وفيها توفي أبو زيد أسامة بن زيد اللّيثيّ مولاهم المدنيّ. روى عن سعيد بن المسيّب فمن بعده، وخرّج له مسلم، والأربعة، وابن حبّان. قال في «المغني» [٤] : صدوق [يهم] [٥] ، اختلف قول يحيى القطّان فيه.

стр. 633

وقال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن أبي شيبة: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: ليس به بأس. انتهى. وأبو خالد ثور بن يزيد الكلاعيّ الحافظ محدّث حمص. روى عن خالد بن معدان وطبقته. قال يحيى القطّان: ما رأيت شابا أوثق منه. وكفى بها شهادة. وقال أحمد: كان يرى القدر، ولذلك نفاه أهل حمص. وخرّج له البخاريّ، والأربعة. قال في «المغني» [١] : ثقة من مشاهير القدرية. انتهى. والفقيه أبو محمّد الحسن بن عمارة الكوفيّ، قاضي بغداد. روى عن ابن أبي مليكة، والحكم، وطبقتهما، وهو واه باتفاقهم. والضّحّاك بن عثمان الحزاميّ المدنيّ. روى عن نافع وجماعة، وخرّج له مسلم، والأربعة. قال في «المغني» [٢] : قال يعقوب بن شيبة: صدوق، في حديثه ضعف، ليّنه القطّان. انتهى. وعبد الحميد بن جعفر الأنصاريّ المدنيّ. روى عن المقبري وجماعة. وخرّج له مسلم، والأربعة. قال في «المغني» [٣] : صدوق، ضعفه القطّان، وفيه قدرية. انتهى.

стр. 634

وفيها فطر بن خليفة أبو بكر الكوفيّ الحنّاط [١] . روى عن أبي الطّفيل، وأبي وائل، وخلق، وهو مكثر، حسن الحديث. روى البخاريّ له مقرونا. ومحلّ بن محرز الضّبّيّ الكوفيّ. قال في «المغني» [٢] : عن أبي وائل، صدوق، لم يخرّجوا له في الكتب الستة شيئا. قال يحيى القطّان: وسط لم يكن بذاك. ووثّقه غير واحد. وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به. وممّن وثّقه أحمد [بن حنبل] [٣] ، وله في «الأدب» للبخاري. انتهى. وفي رمضان معمر بن راشد الأزديّ مولاهم البصريّ الحافظ أبو عروة، صاحب الزّهري، كهلا، رأى جنازة الحسن [٤] وأقدم شيوخه موتا قتادة. قال أحمد: ليس نضمّ [٥] معمرا إلى أحد إلا وجدته فوقه. وقال غيره: كان معمر خيّرا. وهو أوّل من ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همّام بن منبّه صاحب أبي هريرة. وله «الجامع» المشهور في السّير، أقدم من «الموطأ» . وقال في «المغني» [٦] : ثقة، إمام، له أوهام احتملت له.

стр. 635

قال أبو حاتم: صالح الحديث، وما حدّث به بالبصرة ففيه أغاليط. وقد قال أحمد بن حنبل: ليس نضمّ [١] معمرا إلى أحد إلّا وجدته فوقه. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: معمر بن راشد بن أبي راشد، أبي عمرو الأزدي، مولاهم البصري عالم اليمن، ثقة، حجّة، ورع. انتهى. وفيها موسى بن عبيدة الرّبذيّ بالمدينة. روى عن نافع وطبقته، وكان صالحا ضعيفا باتفاق. قاله في «العبر» [٢] . وفيها على الأصح، وقيل: في التي بعدها، هشام بن أبي عبد الله الحافظ البصريّ الدستوائيّ، ويقال: صاحب الدّستوائي، لأنه كان يتّجر [٣] في الثياب المجلوبة من دستوا، وهي من الأهواز، سماه أبو داود أمير المؤمنين. وقال شعبة: ما من النّاس أحد يقول [٤] : إنه طلب الحديث لله إلّا هشام الدّستوائي، وهو أعلم بحديث قتادة منّي. وقال شاذّ بن فيّاض: بكى هشام حتّى فسدت عينه [٥] . قاله في «العبر» [٦] . وقال ابن قتيبة [٧] : هو هشام بن أبي عبد الله، سنبر، مولى لبني
следующие страницы →