← История

История · id 12398

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

ابن العماد الحنبلي

Полный текст (6 181 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

سنة اثنتين وخمسين ومائة فيها توفي إبراهيم بن أبي عبلة، أحد الأشراف والعلماء بدمشق، عن سنّ عالية. روى عن أبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وخلق كثير. وفيها عبّاد بن منصور النّاجي. روى عن عكرمة وجماعة. وولي قضاء البصرة تلك الأيام لإبراهيم بن عبد الله بن حسن الحسني، وليس بالقوي في الحديث. وأبو حرّة واصل بن عبد الرّحمن البصريّ. روى عن الحسن وطبقته. قال شعبة: هو أصدق النّاس. وقال أبو داود الطّيالسي: كان يختم [في] كلّ ليلتين. وفيها، وقيل: بعدها، يونس بن يزيد الأيليّ صاحب الزّهريّ وأوثق أصحابه، وقد روى عن القاسم، وسالم، وجماعة. وتوفي بالصعيد. قال ابن ناصر الدّين: بعدهما فتى يزيد يونس ... ذاك الإمام المكثر المدرّس وقال في «شرحها» [١] : يونس بن يزيد بن أبي النّجاد، حجّة، ثقة. انتهى ملخصا.

стр. 632

سنة ثلاث وخمسين ومائة فيها غلبت الخوارج الإباضيّة [١] على إفريقية، وهزموا عسكرها، وقتلوا متولّيها عمر بن حفص الأزدي، وكان رأسهم ثلاثة: أبو حاتم الإباضي، وأبو عاد [٢] ، وأبو قرّة الصّفري. وكان أبو قرّة في أربعين ألفا من الصّفرية قد بايعوه بالخلافة، وكان أبو حاتم وصاحبه في ثمانين ألف فارس وأمم لا يحصون من الرّجالة. وفيها ألزم المنصور النّاس بلبس القلانس المفرطة الطول، وتسمّى بالدّنّيّة لشبهها بالدّنّ، وكانت تعمل من كاغد ونحوه على قصب، ويعمل عليها السواد، [وفيها] [٣] شبه من الشربوش. وفيها توفي أبو زيد أسامة بن زيد اللّيثيّ مولاهم المدنيّ. روى عن سعيد بن المسيّب فمن بعده، وخرّج له مسلم، والأربعة، وابن حبّان. قال في «المغني» [٤] : صدوق [يهم] [٥] ، اختلف قول يحيى القطّان فيه.

стр. 633

وقال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن أبي شيبة: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: ليس به بأس. انتهى. وأبو خالد ثور بن يزيد الكلاعيّ الحافظ محدّث حمص. روى عن خالد بن معدان وطبقته. قال يحيى القطّان: ما رأيت شابا أوثق منه. وكفى بها شهادة. وقال أحمد: كان يرى القدر، ولذلك نفاه أهل حمص. وخرّج له البخاريّ، والأربعة. قال في «المغني» [١] : ثقة من مشاهير القدرية. انتهى. والفقيه أبو محمّد الحسن بن عمارة الكوفيّ، قاضي بغداد. روى عن ابن أبي مليكة، والحكم، وطبقتهما، وهو واه باتفاقهم. والضّحّاك بن عثمان الحزاميّ المدنيّ. روى عن نافع وجماعة، وخرّج له مسلم، والأربعة. قال في «المغني» [٢] : قال يعقوب بن شيبة: صدوق، في حديثه ضعف، ليّنه القطّان. انتهى. وعبد الحميد بن جعفر الأنصاريّ المدنيّ. روى عن المقبري وجماعة. وخرّج له مسلم، والأربعة. قال في «المغني» [٣] : صدوق، ضعفه القطّان، وفيه قدرية. انتهى.

стр. 634

وفيها فطر بن خليفة أبو بكر الكوفيّ الحنّاط [١] . روى عن أبي الطّفيل، وأبي وائل، وخلق، وهو مكثر، حسن الحديث. روى البخاريّ له مقرونا. ومحلّ بن محرز الضّبّيّ الكوفيّ. قال في «المغني» [٢] : عن أبي وائل، صدوق، لم يخرّجوا له في الكتب الستة شيئا. قال يحيى القطّان: وسط لم يكن بذاك. ووثّقه غير واحد. وقال أبو حاتم: لا يحتجّ به. وممّن وثّقه أحمد [بن حنبل] [٣] ، وله في «الأدب» للبخاري. انتهى. وفي رمضان معمر بن راشد الأزديّ مولاهم البصريّ الحافظ أبو عروة، صاحب الزّهري، كهلا، رأى جنازة الحسن [٤] وأقدم شيوخه موتا قتادة. قال أحمد: ليس نضمّ [٥] معمرا إلى أحد إلا وجدته فوقه. وقال غيره: كان معمر خيّرا. وهو أوّل من ارتحل في طلب الحديث إلى اليمن، فلقي بها همّام بن منبّه صاحب أبي هريرة. وله «الجامع» المشهور في السّير، أقدم من «الموطأ» . وقال في «المغني» [٦] : ثقة، إمام، له أوهام احتملت له.

стр. 635

قال أبو حاتم: صالح الحديث، وما حدّث به بالبصرة ففيه أغاليط. وقد قال أحمد بن حنبل: ليس نضمّ [١] معمرا إلى أحد إلّا وجدته فوقه. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: معمر بن راشد بن أبي راشد، أبي عمرو الأزدي، مولاهم البصري عالم اليمن، ثقة، حجّة، ورع. انتهى. وفيها موسى بن عبيدة الرّبذيّ بالمدينة. روى عن نافع وطبقته، وكان صالحا ضعيفا باتفاق. قاله في «العبر» [٢] . وفيها على الأصح، وقيل: في التي بعدها، هشام بن أبي عبد الله الحافظ البصريّ الدستوائيّ، ويقال: صاحب الدّستوائي، لأنه كان يتّجر [٣] في الثياب المجلوبة من دستوا، وهي من الأهواز، سماه أبو داود أمير المؤمنين. وقال شعبة: ما من النّاس أحد يقول [٤] : إنه طلب الحديث لله إلّا هشام الدّستوائي، وهو أعلم بحديث قتادة منّي. وقال شاذّ بن فيّاض: بكى هشام حتّى فسدت عينه [٥] . قاله في «العبر» [٦] . وقال ابن قتيبة [٧] : هو هشام بن أبي عبد الله، سنبر، مولى لبني

стр. 636

سدوس، يرمى بالقدر. انتهى. وهشام بن الغاز الجرشيّ الدّمشقيّ متولي بيت المال للمنصور. روى عن مكحول وطبقته. وكان من ثقات الشّاميّين وعلمائهم. وفيها وهيب بن الورد الوليّ الشهير صاحب المواعظ والحقائق [١] روى عن حميد بن قيس الأعرج وجماعة. كان لا يأكل ممّا في الحجاز تورعا عمّا اصطفاه الولاة لأنفسهم ومواشيهم.

стр. 637

سنة أربع وخمسين ومائة فيها أهمّ المنصور أمر الخوارج واستيلاؤهم على المغرب، فسار إلى الشّام، وزار بيت المقدس، وجهّز يزيد بن حاتم في خمسين ألف فارس، وعقد له على المغرب، فبلغنا أنه أنفق على ذلك الجيش ثلاثة وستين ألف ألف، فافتتح يزيد إفريقية، وهزم الخوارج، وقتل كبارهم. واستعمل المنصور على قضاء دمشق يحيى بن حمزة، فبقي قاضيا ثلاثين سنة. وفيها توفي فقيه الجزيرة وعالمها جعفر بن برقان الجزريّ، صاحب ميمون بن مهران. روى له البخاريّ في «التاريخ» ومسلم، والأربعة. قال في «المغني» [١] : جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران. قال أحمد: يخطئ في حديث الزّهري. وقال ابن خزيمة: لا يحتجّ به. وقد وثّقه أحمد في رواية، وابن معين، والفسويّ، وابن سعد. انتهى. وفيها وزير المنصور أبو أيوب سليمان بن مخلد، وقيل: ابن داود الموريانيّ نسبة إلى موريان من قرى الأهواز، همّ المنصور أن يوقع به لتهم لحقته، وكان كلما دخل همّ بذلك، ثم يترك إذا رآه، فقيل: كان معه دهن فيه

стр. 638

سحر، فشاع في العامّة دهن أبي أيوب، ثم أوقع به بعد وعذبه حتّى مات. وفيها توفي أشعب الطّامع، ويعرف بابن أمّ حميدة [١] . روى عن عكرمة، وسالم، وله نوادر وملح في الطّمع والتّطفّل [٢] أشهر من أن تذكر. وفيها عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر الدّمشقيّ محدّث دمشق. روى عن أبي الأشعث الصّنعاني. قال في «المغني» [٣] : من ثقات الدّماشقة، أثنى عليه جماعة، والعجب [٤] من البخاريّ كيف أورده في الضعفاء، وما ذكر ما يدل على لينه؟ بل قال: قال الوليد: كان عنده كتاب سمعه وكتاب لم يسمعه. انتهى. وقد روى عن خلق من التابعين. وفيها قرّة بن خالد السّدوسيّ البصريّ صاحب الحسن، وابن سيرين. قال يحيى القطّان: كان من أثبت شيوخنا. والحكم بن أبان العدنيّ. روى عن طاووس وجماعة. وكان شيخ أهل اليمن وعالمهم بعد معمر [٥] . قال أحمد العجلي: ثقة صاحب سنّة، كان إذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه، يذكر الله حتّى يصبح. وفيها مقرئ البصرة الإمام أبو عمرو بن العلاء بن عمّار التميميّ المازنيّ البصريّ، أحد السبعة، وله أربع وثمانون سنة. قرأ على أبي العالية

стр. 639

الرّياحي وجماعة. وروى عن أنس، وإياس. قال أبو عمرو: كنت رأسا والحسن حيّ. ونظرت في العلم قبل أن أختن. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم النّاس بالقرآن، والعربية، والشعر، وأيام العرب. قال: وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف، ثمّ تنسّك فأحرقها. قاله في «العبر» [١] . وقال ابن الأهدل: فاحترقت كتبه، فلما رجع إلى علمه الأول، لم يكن عنده إلّا ما حفظه، وهو في النحو في الطبقة الرّابعة من علي. قال الأصمعيّ: سألته عن ألف مسألة، فأجابني فيها بألف حجّة. وفيه يقول الفرزدق مفتخرا: ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتّى أتيت أبا عمرو بن عمّار [٢] وكنيته اسمه على الصحيح [٣] وكان إذا دخل رمضان لم ينشد بيتا حتّى ينقضي. ودخل يوما على سليمان بن علي عمّ السّفّاح، فسأله عن شيء فصدّقه، فلم يعجبه فخرج أبو عمرو وهو يقول: أنفت من الذّلّ عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قرّبوا إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون منّي بأن أكذب

стр. 640

قال اليافعيّ [١] ﵀: ورفعه للباء من أكذب لموافقة القافية، مع دخول أن الناصبة للفعل المضارع، دليل لجواز الإقواء [٢] المعروف. انتهى. وقال أبو عمرو- ﵀: أول العلم الصمت، ثم حسن السؤال، ثم حسن اللفظ، ثم نشره عند أهله. وقال: احتمال الحاجة [٣] خير من طلبها من غير أهلها. وقال: ما تسابّ اثنان إلّا غلب ألأمهما [٤] . وقال: إذا تمكن الإخاء قبح الثّناء. و [قال] [٥] : ما ضاق مجلس بمتحابّين، وما اتّسعت الدّنيا لمتباغضين. وسمع أعرابيا كان مختفيا من الحجّاج يقول: ربما تجزع النّفوس لأمر ... وله فرجة كحّل العقال [٦] فقال له أبو عمرو: وما الأمر؟ قال مات الحجّاج، قال: فلم أدر بأيّهما كنت أفرح [٧] بموت الحجّاج، أم بقوله: فرجة، يعني بفتح الفاء. قال الأصمعيّ: هي بالفتح من الفرج، وبالضم من فرجة الحائط ونحوه.

стр. 641

وولد أبو عمرو بمكّة، ومات بالكوفة، رحمه الله تعالى. انتهى. وفيها خندق المنصور على الكوفة، والبصرة، وضرب عليها سورا. قاله ابن الجوزي في «الشذور» [١] .

стр. 642

سنة خمس وخمسين ومائة فيها افتتح يزيد بن حاتم إفريقية واستعادها من الخوارج، وقتل كبارهم، أبا حاتم، وأبا عاد، وطائفة، ومهّد قواعدها. وفيها، أو في سنة ثمان، توفي محدّث حمص صفوان بن عمرو السّكسكيّ. أدرك أبا أمامة، وروى عن عبد الله بن بسر، وجبير بن نفير، والكبار. وفيها مسعر بن كدام الحافظ أبو سلمة الهلاليّ الكوفيّ الأحول، أحد الأعيان يسمى المصحف من إتقانه، ويدعى الميزان لنقده وتحرير لسانه. قاله ابن ناصر الدّين. وقال في «العبر» [١] : أخذ عن الحكم، وقتادة، وخلق، وكان عنده نحو ألف حديث. قال يحيى القطّان: ما رأيت أثبت منه. وقال شعبة: كنّا نسمّي مسعرا المصحف [٢] . وقال أبو نعيم: مسعر أثبت من سفيان وشعبة. انتهى.

стр. 643

وفيها عثمان بن أبي العاتكة الدّمشقيّ القاصّ [١] . روى عن عمير بن هانئ العنسيّ وجماعة. وفيها- وقال ابن ناصر الدّين: سنة أربع- جعفر بن برقان الرّقّيّ أبو عبد الله الكلابيّ مولاهم. ذكر النسائيّ وغيره أنه ليس به بأس، وهو معدود في حفّاظ الرّجال، وكان أميّا لا يدري الكتابة فيما يقال. انتهى. وقد تقدّم الكلام عليه قريبا في سنة أربع [٢] . وفيها حمّاد الرّاوية ابن أبي ليلى [٣] الدّيلميّ الكوفيّ مولى لابن زيد الخيل [٤] الطائيّ الصحابيّ. كان حمّاد من أعلم النّاس بمآثر العرب وأشعارها، وهو الذي جمع السّبع الطّوال. قال له الوليد بن يزيد الأموي: لم سمّيت الرّواية؟. قال: لأني أروي لكلّ شاعر سمعت به أو لم أسمع، وأميّز بين قديمها وحديثها. قال له: كم تحفظ من الشعر؟ قال: كثير، لكني أنشد على كل حرف مائة قصيدة كبيرة سوى المقطّعات من شعر الجاهلية دون الإسلام، فامتحنه في ذلك، فوجده كما قال، فأمر له بمائة ألف [درهم] [٥] ووهبه هشام [٦] مائة ألف درهم.

стр. 644

سنة ست وخمسين ومائة فيها توفي سعيد بن أبي عروبة الإمام أبو النّضر العدويّ شيخ البصرة وعالمها، وأول من دوّن العلم بها، وكان قد تغيّر حفظه قبل موته بعشر سنين. روى عن أبي رجاء العطارديّ، وابن سيرين، والكبار، وخرّج له ابن عديّ. قال في «المغني» [١] : وثّقه ابن معين، وأحمد، وهو ثقة إمام، تغيّر حفظه. قال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط [٢] ثقة. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: قيل: إنه كان يقول بالقدر سرّا. انتهى. وعدّه ابن قتيبة في القدرية. وعبد الله بن شوذب البلخيّ ثم البصريّ نزيل بيت المقدس. روى عن الحسن وطبقته، وكان كثير العلم، جليل القدر. قال كثير بن الوليد: كنت إذا رأيت ابن شوذب ذكرت الملائكة، وعاش سبعين سنة. وفيها شيخ إفريقية وقاضيها [٣] وأول من ولد بها من المسلمين

стр. 645

عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم الشعبانيّ الإفريقيّ الزّاهد الواعظ. روى عن أبي عبد الرّحمن الحبلي وطبقته، وقد وفد على المنصور فوعظه بكلام حسن، وليس بقوي في الحديث. وعمر بن ذرّ الهمدانيّ [١] الكوفيّ الواعظ البليغ. روى عن أبيه. ثقة لكنه رأس في الإرجاء. انتهى. وفيها علي بن أبي حملة الدّمشقيّ المعمّر. أدرك معاوية، وروى عن أبي إدريس الخولاني، والكبار، وقد وثّقه أحمد وغيره. وفيها، وقيل: سنة ثمان، قارئ الكوفة أبو عمارة حمزة بن حبيب التيميّ، مولى تيم الله بن ربيعة، الكوفي الزّيّات الزّاهد، أحد السّبعة، قرأ على التابعين وتصدّر للإقراء، فقرأ عليه جلّ أهل الكوفة. وحدّث عن الحكم بن عتيبة [٢] وطبقته، وكان رأسا في القرآن والفرائض. قدوة في الورع. قال حمزة: القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وسبعون ألف حرف ومائتان وخمسون، ورأى الحق سبحانه في المنام وضمّخه بالغالية، وسمع منه، وهو منام مشهور.

стр. 646

سنة سبع وخمسين ومائة فيها على ما في «الشذور» [١] بنى المنصور قصره الذي على شاطئ دجلة، ويدعى الخلد، وحوّل الأسواق من المدينة إلى باب الكرخ وباب الشعير، [والمحوّل، ووسّع طرق المدينة وأرباضها، وعقد الجسر بباب الشعير] [٢] . انتهى. وفيها توفي الحسين بن واقد المروزي، قاضي مرو. روى عن عبد الله بن بريدة وطبقته. وروى له العقيليّ، وابن حبّان. قال الذّهبيّ في «المغني» [٣] : [الحسين بن] [٤] واقد المروزيّ عن أبي بريدة، صدوق، استنكر أحمد بعض حديثه. انتهى. وفي صفر إمام الشّاميين أبو عمرو عبد الرّحمن بن عمرو الأوزاعيّ الفقيه. روى عن القاسم بن مخيمرة، وعطاء، وخلق كثير من التابعين، وكان رأسا في العلم والعمل، جمّ المناقب، ومع علمه كان بارعا في الكتابة والترسّل.

стр. 647

قال الهقل بن زياد: أجاب الأوزاعيّ عن سبعين ألف مسألة. وقال إسماعيل بن عيّاش [١] : سمعت النّاس سنة أربعين ومائة يقولون: الأوزاعيّ اليوم عالم الأمة. وقال عبد الله الخريبيّ [٢] : كان الأوزاعيّ أفضل أهل زمانه. وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أكثر اجتهادا في العبادة من الأوزاعيّ. وقال أبو مسهر: كان الأوزاعيّ يحيي الليل صلاة، وقرآنا، وبكاء، ومات في الحمام، أغلقت عليه زوجته باب الحمّام ونسيته فمات [٣] . ورثاه بعضهم فقال: جاد الحيا بالشّام كلّ عشيّة ... قبرا تضمّن لحده الأوزاعي قبرا تضمنّ طود كلّ [٤] شريعة ... سقيا له من عالم نفّاع عرضت له الدّنيا فأقلع معرضا [٥] ... عنها بزهد أيّما إقلاع [٦] وجاء رجل إلى بعض المعبرين فقال: رأيت البارحة كأن ريحانة رفعت إلى السماء من ناحية المغرب حتّى توارت في السماء، فقال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعيّ، فوجدوه قد مات تلك الليلة. ولما حجّ لقيه سفيان الثوري بذي طوى [٧] فأخذ بخطام بعيره ومشى وهو يقول: طرّقوا للشيخ.

стр. 648

قال ابن ناصر الدّين: الأوزاعيّ هو عبد الرّحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعيّ الدّمشقيّ، الثقة، المأمون، ولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين، وكان عالم الأمة، منفردا بالسيادة مع اجتهاد في إحياء الليل، أجاب في سبعين ألف مسألة للقصّاد. دخل حمّاما في بيته نهارا، وأدخلت معه زوجته في كانون فحما ونارا، ثمّ أغلقت عليه غير متعمّدة، فهاج الفحم بالنّار فمات من ذلك. والأوزاع قرية بدمشق، اتصل بها العمران، وهي المحلّة التي تسمى الآن بالعقيبة. انتهى. وقال في «المعارف» [١] : حدّثنا البجليّ أنّ اسمه عبد الرّحمن بن عمرو من الأوزاع، وهم بطن من همدان. وقال الواقديّ: كان يسكن بيروت، ومكتبة باليمامة، فلذلك سمع من يحيى بن أبي كثير، ومات ببيروت سنة سبع وخمسين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. انتهى كلام «المعارف» [٢] . وقال النووي في «شرح المهذب» [٣] في باب الحيض: وأما الأوزاعيّ فهو أبو عمرو عبد الرّحمن بن عمرو من كبار تابعي التابعين وأئمتهم البارعين. كان إمام أهل الشّام في زمنه. أفتى في سبعين ألف مسألة، وقيل: ثمانين

стр. 649

ألفا. توفي في خلوة [١] في حمام بيروت مستقبل القبلة، متوسّدا يمينه، سنة سبع وخمسين ومائة. قيل: هو منسوب إلى الأوزاع قرية كانت خارج [٢] باب الفراديس من دمشق، وقيل: قبيلة من اليمن، وقيل: غير ذلك. انتهى. وفي «تهذيب» [٣] النووي: وعن [٤] عبد الرّحمن بن مهدي قال: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعيّ، ومالك، وسفيان الثوريّ، وحمّاد بن زيد. انتهى. وقال أبو حاتم [٥] : الأوزاعيّ إمام متّبع لما سمع. وذكر أبو إسحاق الشيرازي في «الطبقات» [٦] : أن الأوزاعيّ سئل عن الفقه- يعني استفتي- وله ثلاث عشرة سنة. انتهى. وفيها محمّد بن عبد الله ابن أخي الزّهريّ المدنيّ. روى عن عمّه وأبيه. وفيها مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير بن العوّام بالمدينة. روى عن أبيه وطائفة، وضعّفه ابن معين. وفيها يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السّبيعيّ. روى عن جدّه، وعن الشّعبيّ. قال ابن عيينة: لم يكن في ولد إسحاق أحفظ منه

стр. 650

سنة ثمان وخمسين ومائة فيها صادر المنصور خالد بن برمك، وأخذ منه ثلاثة آلاف درهم، ثم رضي عنه وأمّره على الموصل. وفيها توفي أفلح بن حميد الأنصاريّ المدنيّ. روى عن القاسم، وأبي بكر بن حزم. وفيها حيوة بن شريح أبو زرعة. قال السّيوطي في «حسن المحاضرة» [١] : ابن شريح بن صفوان التّجيبيّ أبو زرعة المصريّ، الفقيه، الزّاهد، العابد، أحد العبّاد والعلماء السادة. عن يزيد بن أبي حبيب. وعنه اللّيث. سئل عنه أبو حاتم فقال: هو أحبّ إليّ من اللّيث بن سعد، ومن المفضّل [٢] بن فضالة. وقال ابن المبارك: ما وصف لي أحد ورأيته إلّا كانت رؤيته دون صفته، إلّا حيوة بن شريح، فإن رؤيته كانت أكبر من صفته. عرض عليه قضاء مصر فأبى. انتهى. وقال ابن ناصر الدّين: الإمام القدوة. كان كبير الشّأن، مجاب الدّعوة. انتهى.

стр. 651

وقال في «العبر» [١] : صحب يزيد بن أبي حبيب. وروى عن يونس مولى أبي هريرة وطبقته، وكان مجاب الدّعوة. انتهى. وفيها زفر. قال في «المعارف» [٢] : زفر بن الهذيل بن قيس من بني العنبر، ويكنّى أبا الهذيل، وكان قد سمع الحديث وغلب عليه الرّأي، ومات بالبصرة، وكان أبوه الهذيل على أصبهان. انتهى. وقال في «العبر» [٣] : زفر بن الهذيل العنبريّ الفقيه صاحب أبي حنيفة، وله ثمان وأربعون سنة [٤] وكان ثقة في الحديث، موصوفا بالعبادة، نزل البصرة وتفقّهوا عليه. وفيها عبيد الله بن أبي زياد الرّصافيّ الشاميّ صاحب الزّهريّ، وثّقه الدّارقطنيّ لصحة كتابه. وما روى عنه إلّا حفيده حجّاج بن أبي منيع. وفيها عبد الله بن عيّاش الهمدانيّ [٥] الكوفيّ صاحب الشّعبيّ، ويعرف بالمنتوف [٦] . وعوانة بن الحكم البصريّ الأخباريّ. وفيها كما قال ابن الجوزي في «الشذور» : نزل المنصور قصره المسمى بالخلد على دجلة، ثم حجّ وتوفي ببئر ميمون، وكانت مدّة خلافته إحدى

стр. 652

وعشرين سنة، وأحد عشر شهرا، وأربعة عشر يوما، وهو محرم وأخذت البيعة للمهديّ. انتهى. قال في «العبر» [١] : توجّه المنصور للحجّ، فأدركه أجله يوم سادس ذي الحجّة عند بئر ميمون بظاهر مكّة محرما، فأقام الموسم الأمير إبراهيم بن يحيى بن محمّد صبيّ أمرد، وهو ابن أخي المنصور، واستخلف المهديّ، وتوفي وله ثلاث وستون سنة، وكانت أميه بربريّة، وكان طويلا، مهيبا أسمر، خفيف اللحية، رحب الجبهة، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، تقبله النّفوس، وكان يخالطه [٢] أبّهة الملك بزيّ أولي النسك، ذا حزم، وعزم، ودهاء، ورأي، وشجاعة، وعقل، وفيه جبروت وظلم. انتهى. وقال ابن الأهدل: كان لا يبالي أن يحرس ملكه بهلاك من كان. وكان قد روى العلم، وعرف الحلال والحرام، وساس هو وبنوه ملكهم سياسة الملوك، ووليّ بعده المهديّ، وكان المنصور استأذن أخاه السّفّاح في الحجّ، فجاءه نعي السّفّاح في بعض الطريق، فسار مسرعا حتّى دخل دار الخلافة، وظفر بالأموال، وتقررت قواعده، ولما أراد إنشاء مدينة السّلام- بعد أن مكث سنة يتردد- فقال له راهب: كأن هناك ما تريد؟ قال: أريد أن أبني ها هنا [٣] مدينة. قال الرّاهب: إن صاحبها يقال له: مقلاص. فقال المنصور: أنا والله كنت أدعى بذلك في الكتّاب. ثم قال له منجّمه: أحكم الآن بالبناء فإنه يتم بناؤها ولا يكون لها في الدّنيا نظير. قال: ثم ماذا قال: ثم تخرب بعد موتك خرابا ليس بالصحراء ولكن دون العمران، فوضع المنصور أول لبنة بيده وقال: بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها من يَشاءُ من عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ٧: ١٢٨ [الأعراف: ١٢٨] .

стр. 653

ولما تمّ بناؤها وانتقل إلى قصره، وقف يتأمل باب القصر، فإذا عليه مكتوب: ادخل القصر لا تخاف زوالا ... بعد ستّين من سنيّك ترحل [١] فوقف مليّا، وتغرغرت عيناه، ثم قال: لعبة لغافل، وفسحة لجاهل، وكان وقوفه أنه حسب ما بقي من عمره من المولد إلى تمام ستين. انتهى. قال المدائنيّ [٢] : خرجت مع المنصور في حجّته التي مات فيها، فسألني عن سنّي، فقلت: ثلاث وستون، فقال، وأنا فيها، وهي دقّاقة الأعناق، فنزلنا منزلا، فوجد مكتوبا على الحائط: أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا شكّ نازل أبا جعفر هل كاهن أو منجّم ... يردّ قضاء الله أم أنت جاهل فجعل يراه وينظر إليه ولا نرى نحن شيئا. وذكر النووي في «تهذيبه» [٣] واقعة جرت له مع سفيان الثّوريّ، وذلك أنه أرسل لقتل سفيان قبل دخوله مكّة، فجاء سفيان إلى الفضيل، وسفيان بن عيينة، فضرع لهما، وجلس بينهما، فقالا: اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء [٤] ،

стр. 654

فقام سفيان إلى البيت وأخذ برتاجه [١] وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، فلم يدخلها إلّا ميتا. انتهى. وفيها أيضا مات طاغية الرّوم قسطنطين بن أليون إلى اللعنة.

стр. 655

سنة تسع وخمسين ومائة فيها ألحّ المهديّ على وليّ العهد عيسى بن موسى بكل ممكن، وبالرّغبة والرّهبة في خلع نفسه ليولّي العهد لولده موسى الهادي، فأجاب خوفا على نفسه، فأعطاه المهديّ عشرة آلاف درهم وإقطاعات. وفيها بنى المهديّ مسجد الرّصافة، وأعتق الخيزران وتزوّجها. وفيها توفي الإمام أبو الحارث محمّد بن عبد الرّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة القرشيّ العامريّ المدنيّ الفقيه، ومولده سنة ثمان. روى عن عكرمة، ونافع، وخلق. قال أحمد بن حنبل: كان يشبّه بسعيد بن المسيّب، وما خلّف مثله. كان أفضل من مالك، إلّا أنّ مالكا أشدّ تنقية للرّجال. وقال الواقديّ: كان ابن أبي ذئب يصلّي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، فلو قيل له: إن القيامة تقوم غدا ما كان فيه مزيد من الاجتهاد. وقال أخوه: إنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، ثم سرده، وكان شديد الحال، يتعشّى بالخبز والزّيت، وكان من رجال العالم صرامة وقولا بالحقّ. وكان يحفظ حديثه، لم يكن له كتاب. وقال أحمد: دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر- يعني المنصور- فلم

стр. 656

يهله [١] أن قال له: الظلم ببابك فاش، وأبو جعفر أبو جعفر. حيّاه يوما المنصور فلم يقم له، فقيل له: لا تقوم لأمير المؤمنين؟ فقال: إنما يقوم النّاس لربّ العالمين. وفيها عبد العزيز بن أبي روّاد [بمكّة] [٢] روى عن عكرمة، وسالم وطائفة، وخرّج له الأربعة. قال في «المغني» [٣] : عبد العزيز بن أبي روّاد [ميمون] [٤] ، صالح الحديث، ضعّفه ابن الجنيد. وقال ابن حبّان: روى عن نافع، عن ابن عمر نسخة موضوعة. انتهى. وقال في «العبر» [٥] : توفي بمكّة. روى عن عكرمة، وسالم، وطائفة. قال ابن المبارك: كان من أعبد النّاس. وقال غيره: كان مرجئا. انتهى. وقال ابن الأهدل: رأت امرأة بمكّة الحور العين حول الكعبة كهيئة العرس، فقالت: ما هذا؟ فقيل: زواج عبد العزيز، فانتبهت فإذا هو مات. وفيها عكرمة بن عمّار اليماميّ [٦] روى عن طاووس وجماعة، وخرّج له الأربعة، ومسلم.

стр. 657

قال عاصم بن علي: كان مستجاب الدّعوة، وآخر من روى عنه يزيد بن عبد الله اليمامي شيخ ابن ماجة. قال في «المغني» [١] : صدوق مشهور. قال القطّان: أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة. وقال أحمد: ضعيف الحديث. ووثّقه ابن معين وغيره. وقال الحاكم: أكثر مسلم الاستشهاد به. وقال البخاريّ: لم يكن له كتاب فاضطرب حديثه. انتهى كلام «المغني» . وعمّار بن رزيق الضّبيّ الكوفيّ. روى عن منصور، والأعمش، وكان كبير القدر، عالما خيّرا. قال أبو أحمد الزّبيريّ [٢] : لبعضهم: لو كنت اختلفت إلى عمّار لكفاك أهل الدّنيا. وفيها عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ولقبه رباح. روى عن أبيه، وعن سعيد بن المسيّب، وهو أكبر شيخ للقعنبيّ. وفي أولها مالك بن مغول البجليّ الكوفيّ. روى عن الشّعبيّ وطبقته، وكان كثير الحديث ثقة حجّة.

стр. 658

قال ابن عيينة: قال له رجل: اتق الله، فوضع خدّه بالأرض. وفيها يونس بن أبي إسحاق السّبيعيّ عن سنّ عالية. روى عن أنس وكبار التابعين، وكان صدوقا كثير الحديث. قال عبد الرّحمن بن مهدي، وغيره: لم يكن به بأس. وفيها أمير خراسان حميد بن قحطبة بن شبيب الطّائيّ، وقد ولي أيضا الجزيرة ومصر.

стр. 659

سنة ستين ومائة حجّ المهديّ بالنّاس، ونزع كسوة الكعبة كلّها حتّى جرّدها، ثم طلا البيت بالخلوق [١] وقسم في سفره ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائة ألف، فقسم ذلك كله، وفرّق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب. ووسّع في مسجد رسول الله ﷺ . قاله ابن الجوزي في «شذور العقود» . وفيها افتتح المسلمون وعليهم عبد الملك المسمعيّ مدينة كبيرة بالهند، وحمل محمّد بن سليمان الأمير الثلج حتّى وافى به مكّة للمهديّ وهذا شيء لم يتهيأ لأحد. وتوفي في غزوة الهند- في الرّجعة بالبحر- الرّبيع بن صبيح البصري صاحب الحسن، وقد قال فيه شعبة: هو عندي من سادات المسلمين. وقال أحمد لا بأس به. وفيها لثلاث بقين من جمادى الآخرة، توفي أبو بسطام شعبة بن الحجّاج بن الوّرد العتكيّ الأزديّ، مولاهم الواسطيّ، شيخ البصرة، وأمير

стр. 660

المؤمنين في الحديث. روى عن معاوية بن قرّة، وعمرو بن مرّة، وخلق من التابعين. قال الشّافعيّ: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أبو زيد الهرويّ: رأيت شعبة يصلّي حتّى ترم قدماه. وكان موصوفا بالعلم والزّهد، والقناعة، والرّحمة، والخير، وكان رأسا في العربية والشعر. وقال أبو عبد الرّحمن النسائيّ: أمناء الله على علم رسول الله- ﷺ ثلاثة: شعبة بن الحجّاج، ويحيى بن سعيد القطّان، ومالك بن أنس. وفيها توفي المسعوديّ عبد الرّحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ. روى عن الحكم بن عتيبة [١] ، وعمرو بن مرّة، وخلق. وخرّج له الأربعة. قال أبو حاتم: كان أعلم أهل زمانه بحديث ابن مسعود. وتغيّر قبل موته بسنة أو سنتين. وقال ابن حبّان: كان صدوقا إلّا أنه اختلط في آخر عمره. وقال آخر: كان حسن الحديث.

стр. 661

سنة إحدى وستين ومائة فيها أمر المهديّ ببناء القصور بطريق مكّة، واتخاذ المصانع، وتجديد الأميال، وحفر الرّكايا [١] ، وزاد في جامع البصرة، وأمر بنزع المقاصير، وتقصير المنابر، وتصييرها إلى المقدار الذي [كان] عليه منبر رسول الله- صلّى الله عليه وآله سلّم- اليوم ففعل ذلك. قاله في «الشذور» . وفيها كان ظهور عطاء المقنّع السّاحر الملعون، الذي ادّعى الرّبوبية بناحية مرو، واستغوى خلائق لا يحصون. قال ابن خلّكان في «تاريخه» [٢] : عطاء المقنّع الخراسانيّ لا أعرف اسم أبيه. وكان مبدأ أمره قصّارا من أهل مرو [٣] وكان يعرف شيئا من السّحر والنّيْرجات، فادّعى الرّبوبية من طريق المناسخة، وقال لأشياعه والذين اتبعوه: إن الله تعالى تحوّل إلى صورة آدم- ﵇ فلذلك قال للملائكة: اسجدوا له، فسجدوا له إلا إبليس، فاستحقّ بذلك السخط، ثم تحوّل من صورة آدم إلى صورة نوح، ثم إلى صورة واحد فواحد من الأنبياء- ﵈ والحكماء حتّى حصل في صورة أبي مسلم الخراساني، ثم زعم أنه انتقل منه إليه، فقبل قوم دعواه، وعبدوه، وقاتلوا دونه، مع ما عاينوا

стр. 662

من عظيم ادّعائه وقبح صورته، لأنه كان مشوّه الخلق، أعور [ألكن، قصيرا، وكان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ وجها من ذهب فتقنّع به، فلذلك قيل له: المقنّع] [١] وإنما غلب على عقولهم بالتمويهات التي أظهرها لهم بالسّحر والنيرجات، وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع فيراه النّاس من مسيرة [٢] شهرين من موضعه، ثم يغيب، فعظم اعتقادهم فيه، وقد ذكر أبو العلاء المعري هذا القمر في قوله: أفق إنّما البدر المقنّع رأسه ... ضلال وغيّ مثل بدر المقنّع [٣] وإليه أشار ابن سناء الملك [٤] بقوله: إليك فلا بدر [٥] المقنّع طالعا ... بأسحر من ألحاظ بدري المعمّم ولما اشتهر أمر ابن المقفع وانتشر ذكره، ثار عليه النّاس، وقصدوه في قلعته التي كان قد اعتصم بها، وحصروه، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وسقاهنّ سمّا فمتن [منه] [٦] ثم تناول شربة من ذلك السّم فمات، ودخل المسلمون قلعته فقتلوا من فيها من أشياعه وأتباعه، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة، لعنه الله تعالى، ونعوذ بالله من الخذلان. انتهى ملخصا. وقال ابن الأهدل بعد كلام طويل: كان لا يسفر عن وجهه لقبح صورته، ولذلك قيل له: المقنّع، ثم اتخذ وجها من ذهب فتقنّع به، وعبده خلق كثير وقاتلوا دونه، وانتدب لحربه سعيد الحرشي [٧] ولما أحسّ بالغلبة

стр. 663

استعمل سمّا وسقى نساءه، ثم شربه فماتوا كلهم. انتهى ملخصا أيضا. وفيها توفي أبو دلامة زند- بالنون- بن الجون صاحب النوادر، أنشد المهديّ لما ورد عليه بغداد: إني حلفت [١] لئن رأيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذا وفر [٢] لتصلّينّ على النّبيّ محمّد ... ولتملأنّ دراهما حجري [٣] فقال المهديّ: أما الأولى فنعم، فقال: جعلت فداك لا تفرّق بينهما، فملأ له حجره دراهم. واستدعى طبيبا لعلاج وجع فداواه على شيء معلوم، فلما برأ قال له أبو دلامة: والله ما عندنا شيء ولكن ادع المقدار على يهودي وأشهد لك أنّا وولدي، فمضى الطبيب إلى القاضي محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، وقيل: عبد الله بن شبرمة، فادّعى الطبيب وأنكر اليهودي، فجاء بأبي دلامة وابنه، وخاف أبو دلامة أن يطالبه القاضي بالتزكية، فأنشد في الدهليز بحيث يسمعه القاضي: إن النّاس غطّوني تغطّيت عنهم ... وإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث وإن نبشوا بئري نبشت بئارهم ... ليعلم قوم كيف تلك البثابث [٤]

стр. 664

فقال له القاضي: كلامك مسموع وشهادتك مقبولة، ثم غرم القاضي المبلغ من عنده. ونوادره كثيرة جدا، وهو مطعون فيه، وليست له رواية. وفي شعبان منها، توفي الإمام أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثّوري الفقيه، سيّد أهل زمانه علما وعملا، وله ستّ وستون سنة. روى عن عمرو بن مرّة، وسماك بن حرب، وخلق كثير. قال ابن المبارك: كتبت عن ألف شيخ ومائة شيخ [١] ما فيهم أفضل من سفيان. وقال شعبة، ويحيى بن معين، وغيرهما: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال أحمد بن حنبل: لا يتقدم على سفيان في قلبي أحد. وقال يحيى القطّان: ما رأيت أحفظ من الثّوريّ، وهو فوق مالك في كل شيء. وقال سفيان: ما استودعت قلبي شيئا قطّ فخانني. وقال ورقاء [٢] : لم ير الثّوريّ مثل نفسه.

стр. 665

وكان سفيان كثير الحطّ على المنصور لظلمه، فهمّ به وأراد قتله، فما أمهله الله، وأثنى عليه أئمة عصره بما يطول ذكره، وكان أقسم بربّ البيت أنّ المنصور لا يدخلها- أي الكعبة- وفي رواية قال: برئت منها- يعني الكعبة- إن دخلها منصور، ودخل على المهديّ فسلّم عليه تسليم العامة، فأقبل عليه المهديّ بوجه طلق، وقال: تفر هاهنا وهاهنا، أتظن أن لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ فما عسى أن نحكم الآن فيك؟ فقال سفيان: إن تحكم الآن في يحكم فيك ملك، قادر، عادل، يفرّق بين الحق والباطل، فقال له الرّبيع مولاه: ألهذا الجاهل أن يستقبلك بهذا؟ ائذن لي في ضرب عنقه، فقال المهديّ: ويلك اسكت، وهل يريد هذا وأمثاله إلّا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة، على أن لا يعترض عليه فيها حكم، فخرج فرمى بالكتاب في دجلة وهرب، فطلب فلم يقدر عليه، وتولى قضاءها عنه شريك بن عبد الله النّخعيّ، فقال فيه الشّاعر: تحرّز سفيان ففرّ [١] بدينه ... وأمسى شريك مرصدا للدّراهم ومات سفيان بالبصرة متواريا، وكان صاحب مذهب. قال ابن رجب: وجد في آخر القرن الرابع سفيانيون. ومناقبه تحتمل مجلدات، ورآه بعضهم بعد موته فسأله عن حاله فقال: نظرت إلى ربّي عيانا فقال لي ... هنيئا رضائي عنك يا بن سعيد لقد كنت قوّاما إذا أظلم الدّجى ... بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أيّ قصد أردته ... وزرني فإني منك [٢] غير بعيد [٣]

стр. 666

وفيها، في أولها، توفي أبو الصّلت زائدة بن قدامة الثّقفيّ الكوفيّ الحافظ. روى عن زياد بن علاقة وطبقته. وقال أبو حاتم: ثقة صاحب سنّة. وقال الطّيالسي: كان لا يحضر صاحب بدعة. وحرب بن شدّاد اليشكريّ البصريّ. روى عن شهر بن حوشب، والحسن، ويحيى بن أبي كثير. قال في «المغني» [١] : حرب بن شدّاد، عن ابن أبي كثير، ثقة، كان يحيى القطّان لا يحدّث عنه. وقال يحيى بن معين، صالح. انتهى. وقد خرّج له الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم. وفيها سعيد بن أبي أيوب المصريّ، وقد نيف على الستين. روى عن زهرة بن معبد [٢] وجماعة. وفيها ورقاء بن عمر اليشكريّ الكوفيّ بالمدائن. روى عن عبيد الله [٣] بن أبي يزيد، ومنصور وطبقتهما. قال في «المغني» [٤] : ثقة ثبت. قال القطّان: لا يساوي شيئا. انتهى. قال أبو داود الطّيالسي: قال لي شعبة: عليك بورقاء فإنك لن تلقى مثله حتّى ترجع. وقال أحمد: كان ثقة صاحب سنّة. وفيها هشام بن سعد.

стр. 667

قال في «المغني» [١] : هشام بن سعد مولى بني مخزوم. صدوق مشهور، ضعّفه النّسائيّ وغيره، وكان يحيى القطّان لا يحدّث عنه. وقال أحمد: ليس هو محكم للحديث. وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه. وقال ابن معين: ليس بذاك القوي. قال الحاكم: روى له مسلم في الشواهد. انتهى. وفيها داود بن قيس المدنيّ الفرّاء الدّبّاغ. روى عن المقبريّ، وطبقته. وأبو جعفر الرّازيّ عيسى بن ماهان. روى عن عطاء بن أبي رباح، والرّبيع بن أنس الخراساني، وكان زميل المهديّ إلى مكّة. وفيها- قال ابن الأهدل: أو في سنة أربع وتسعين- إمام النّحو عمرو بن عثمان المعروف ب سيبويه الحارثي مولاهم، أخذ النحو عن عيسى بن عمر، واللغة عن أبي الخطّاب الأخفش الأكبر وغيره. قيل: ولم يقرأ عليه كتابه قطّ، وإنما قرئ بعد موته على الأخفش. قال ابن سلّام: سألت سيبويه عن قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ١٠: ٩٨ [يونس: ٩٨] بأيّ شيء نصب قوم؟ قال: إذا كانت إلّا بمعنى لكن نصب. قيل: وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يصنّف فيه مثل كتابه. وكان الخليل إذا جاءه سيبويه يقول: مرحبا بزائر لا يملّ. وتناظر هو والكسائيّ في مجلس الأمين، فظهر سيبويه بالصواب، وظهر الكسائيّ بتركيب الحجّة والتعصّب. انتهى كلام ابن الأهدل.

стр. 668

وقال الشّمنّيّ في «حاشيته» على «المغني» : أما سيبويه، فعمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر [١] طلب الآثار والفقه، ثم صحب الخليل، وبرع في النحو، وهو مولى لبني الحارث بن كعب، ويكنى أيضا أبا الحسن، وتفسير سيبويه بالفارسية: رائحة التفاح. قال إبراهيم الحربي: سمي بذلك لأن وجنتيه كانتا كأنهما تفاحتان. قال المبرّد: كان سيبويه، وحمّاد بن سلمة: أعلم بالنحو من النّضر بن شميل، والأخفش. وقال ابن عائشة: كنّا نجلس مع سيبويه في المسجد، وكان شابا جميلا نظيفا قد تعلّق من كل علم بسبب مع حداثة سنّه. وقال أبو بكر العبديّ النحويّ: لما ناظر سيبويه الكسائيّ ولم يظهر، سأل من يرغب من الملوك في النحو؟ فقيل له: طلحة بن طاهر، فشخص إليه إلى خراسان فمات في الطريق. ذكر بعضهم أنه مات سنة ثمانين ومائة وهو الصحيح، كذا قال الذّهبيّ، ويقال: سنة أربع وتسعين ومائة. انتهى كلام الشّمنّي. وما قاله هو الصواب. وانظر تناقض ابن الأهدل، كيف ذكر موته سنة إحدى وستين، وذكر أن ما جريته مع الكسائيّ في مجلس الأمين، وما أبعد هذا التناقض، فلعله لم يتأمل. وأما صاحب «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» فقد ذكر ذلك وذكر أن المناظرة كانت عند يحيى بن خالد البرمكي، فلنورد عبارته بحروفها وإن كان فيها طول، لما فيها من الفوائد، فنقول: قال ابن هشام في «المغني» [٢] : مسألة:

стр. 669

قالت العرب: قد كنت أظنّ أن العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور، فإذا هو هي، وقالوا أيضا: فإذا هو إياها، وهذا هو الوجه الذي أنكره سيبويه لمّا سأله الكسائيّ، وكان من خبرهما أنّ سيبويه قدم على البرامكة، فعزم يحيى بن خالد على الجمع بينهما، فجعل لذلك يوما، فلما حضر سيبويه تقدّم إليه الفرّاء، والأحمر [١] فسأله الأحمر [١] عن مسألة فأجاب فيها، فقال له: أخطأت، ثم سأله ثانية وثالثة، وهو يجيبه، ويقول له: أخطأت، فقال [له سيبويه] [٢] : هذا سوء أدب، فأقبل عليه الفرّاء، فقال [له] [٣] : إن في هذا الرجل حدّة وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قال: هؤلاء أبون ومررت بأبين؟ كيف تقول على مثال ذلك من وأيت أو أويت، فأجابه، فقال: أعد النظر، فقال: لست أكلّمكما حتّى يحضر صاحبكما، فحضر الكسائيّ، فقال له [الكسائيّ] [٤] : تسألني أو أسألك؟ فقال له سيبويه: سل أنت؟ فسأله عن هذا المثال، فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب، وسأله عن أمثال ذلك نحو: خرجت فإذا عبد الله القائم، أو القائم، فقال [له] [٥] : كلّ ذلك بالرفع، فقال له الكسائيّ: العرب ترفع كلّ ذلك وتنصبه [٦] فقال يحيى: قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال له الكسائيّ: هذه العرب

стр. 670

ببابك، قد سمع منهم أهل البلدين، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى، وجعفر [١] : أنصفت، فأحضروا، فوافقوا الكسائيّ، فاستكان سيبويه، فأمر له يحيى بعشرة آلاف درهم، فخرج إلى فارس، فأقام بها حتّى مات، ولم يعد إلى البصرة، فيقال: إن العرب [قد] [٢] أرشوا [٣] على ذلك، أو إنهم علموا منزلة الكسائيّ عند الرّشيد، ويقال: [إنهم] [٤] إنما قالوا القول قول الكسائيّ، ولم ينطقوا بالنصب، وإنّ سيبويه قال ليحيى: مرهم أن ينطقوا بذلك، فإنّ ألسنتهم لا تطوع به، ولقد أحسن الإمام الأديب أبو الحسن [حازم] [٥] بن محمّد الأنصاري [القرطاجنيّ] [٦] إذ قال في منظومته في النحو حاكيا هذه الواقعة والمسألة: والعرب قد تحذف الأخبار بعد إذا ... إذا عنت فجأة الأمر الذي دهما وربّما نصبوا بالحال بعد إذا ... وربّما [٧] رفعوا من بعدها ربما فإنّ توالى ضميران اكتسى بهما ... وجه الحقيقة من إشكاله غمما لذاك أعيت على الأفهام مسألة ... أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما قد كانت العقرب العوجاء أحسبها ... قدما أشدّ من الزّنبور وقع حما وفي الجواب عليها هل إذا هو هي ... أو هل إذا هو إيّاها قد اختصما وخطّأ ابن زياد وابن حمزة في ... ما قال فيها أبا بشر وقد ظلما
следующие страницы →