سنة ثماني عشرة ومائتين
فيها احتفل المأمون لبناء مدينة طوانة من أرض الرّوم [١] وحشد لها الصنّاع من البلاد، وأمر ببنائها ميلا في ميل [٢] وولّى ولده العبّاس أمر بنائها.
وفيها امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن، وكتب في ذلك إلى نائبه على بغداد، وبالغ في ذلك، وقام في هذه البدعة قيام متعبّد بها، فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه، وتوقف طائفة ثم أجابوا وناظروا فلم يلتفت إلى قولهم، وعظمت المصيبة بذلك وتهدّد على ذلك بالقتل، ولم يصب [أحد] [٣] من علماء العراق إلّا أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فقيّدا وأرسلا إلى المأمون وهو بطرسوس. فلما بلغا الرّقّة جاءهم الفرج بموت المأمون.
قال ابن الأهدل: ومرض محمد بن نوح ومات بالطريق، وهو الذي كان يشدّ أزر أحمد ويشجّعه.
ولما مات المأمون عهد إلى أخيه المعتصم، فامتحن الإمام أيضا وضرب
стр. 947
بين يديه بالسّياط، حتّى غشي، ثم أطلقه وندم على ضربه، ولحق من تولى ضربه عقوبات ظاهرة.
وكان المأمون يكنى بأبي العبّاس ويسمّى بعبد الله، وكان أبيض ربعة، حسن الوجه، أعين، أديبا، شجاعا، له همّة عالية في الجهاد، ومشاركته في علوم كثيرة. وكان في اعتقاده معتزليا شيعيا. استقل بالخلافة عشرين سنة، ومات وله ثمان وأربعون سنة. انتهى كلام ابن الأهدل.
وقال ابن الفرات: روى يحيى بن حمّاد الموكبيّ عن أبيه قال:
وصفت للمأمون- ﵀ جارية بكل ما توصف به امرأة من الجمال والكمال، فبعث في شرائها، فأتي بها في وقت خروجه إلى بلاد الرّوم، فلما همّ بلبس درعه خطرت بباله، فأمر بإخراجها فأخرجت إليه، فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أريد الخروج إلى بلاد الرّوم، فقالت: يا سيدي قتلتني والله، وتحدّرت دموعها وأنشأت:
سأدعو دعوة المضطرّ ربّا ... يثيب على الدّعاء ويستجيب
لعلّ الله أن يكفيك حربا [١] ... ويجمعنا كما تهوى القلوب [٢]
فضمّها المأمون إلى صدره وأنشد:
فيا حسنها إذ يغسل الدّمع كحلها ... وإذ هي تذري دمعها بالأنامل [٣]
صبيحة قالت في الوداع [٤] قتلتني ... وقتلي بما قالت بتلك المحافل
ثم قال للخادم: احتفظ بها وأصلح لها ما تحتاج إليه من المقاصير
стр. 948
والجواري إلى وقت رجوعي، فلولا ما قال الأخطل:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النّساء ولو باتت بأطهار [١]
لأقمت.
قال [٢] : فلما دخلت الجارية إلى منزلها وخرج المأمون اعتلّت علّة شديدة، وورد نعي المأمون- رحمه الله تعالى- فلما بلغها ذلك تنفّست الصعداء وقالت- وهي تجود بنفسها-:
إنّ الزّمان سقانا من مرارته ... بعد الحلاوة كاسات فأروانا
أبدى لنا تارة منه فأضحكنا ... ثمّ انثنى تارة أخرى فأبكانا [٣]
ثم شهقت شهقة واحدة فماتت. انتهى.
وحكي أن المأمون أتي بجارية فائقة الجمال بارعة الكمال، وكان في رجلها عرج، فلما نظر إليها المأمون أعجبه جمالها وساءه عرجها، فقال للنخّاس [٤] : خذ بيد جاريتك، فلولا عرجها لاشتريتها. فقالت: يا أمير المؤمنين إني وقت حاجتك إليّ تكون رجلي بحيث لا تراها، فأعجبه جوابها وأمر بشرائها، وأن يعطى مولاها ما احتكم، وحظيت عنده.
وكان له حلم شديد، كان يقول: والله إني لأخشى أن لا أثاب على الحلم والعفو لما أرى فيهما من اللّذة، ولو علم النّاس ذلك لتقرّبوا إليّ بالجناية.
وكان حسن المحاضرة، لطيف المسامرة. فمن ذلك ما ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» [٥] قال: لمّا تواتر النقل عند المأمون عن
стр. 949
يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن [١] بن سمعان التميميّ الأسديّ [٢] المروزيّ القاضي بأنه يلوط أراد امتحانه، استدعاه وأوصى مملوكا له بأن يقف عندهما وحده، وإذا خرج المأمون يقف المملوك عند يحيى ولا ينصرف، وكان المملوك في غاية الحسن، فلما اجتمعا في المجلس وتحادثا ساعة قام المأمون كأنه يقضي حاجة، فوقف المملوك وتجسس المأمون عليهما، وكان أمره أن يعبث بيحيى، فلما عبث به المملوك، سمعه المأمون وهو يقول: لولا أنتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد:
وكنّا نرجّي أن نرى العدل ظاهرا ... فأعقبنا بعد الرّجاء قنوط
متى تصلح الدّنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط! [٣]
وهذان البيتان لأبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب [٤] وله فيه مقاطيع كثيرة. انتهى كلام صاحب «الأغاني» .
وروى الحافظ أبو بكر أحمد صاحب «تاريخ بغداد» في «تاريخه» [٥] أن المأمون قال ليحيى بن أكثم من الذي يقول؟:
قاض يرى الحدّ في الزّناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
قال: أما تعرف يا أمير المؤمنين من قاله؟ قال: لا. قال: يقوله الفاجر أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمّة وال من آل عبّاس
قال: فأفحم المأمون خجلا وقال: ينبغي أن ينفى أحمد بن أبي نعيم
стр. 950
إلى السّند، وهذان البيتان من أبيات أولها [١] :
أنطقني الدّهر بعد إخراس ... لنائبات أطلن وسواسي
يا بؤس للدّهر لا يزال كما ... يرفع ناسا يحطّ من ناس
لا أفلحت أمّة وحقّ لها ... بطول نكس وطول إعكاس
ترضى بيحيى يكون سائسها ... وليس يحيى لها بسوّاس
قاض يرى الحدّ في الزّناء ولا ... يرى على من يلوط من باس
يحكم للأمرد الغرير على ... مثل جرير ومثل عبّاس
فالحمد لله كيف قد ذهب ال ... عدل وقلّ الوفاء في النّاس
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرّاس شرّ ما راس
لو صلح الدّين واستقام لقد ... قام على النّاس كلّ مقياس
لا أحسب الجور [٢] ينقضي وعلى ال ... أمّة وال من آل عبّاس
انتهى.
وحكى أبو الفرج معافى بن زكريا النهرواني [٣] في كتاب «الجليس والأنيس» [٤] عن محمد [بن مسلم] [٥] السّعدي قال: وجّه إليّ القاضي يحيى ابن أكثم قاضي المأمون- رحمهما الله- فصرت إليه، فإذا عن يمينه قمطرة [٦] مجلّدة، فجلست، فقال [لي] : افتح هذه القمطرة [٧] ففتحتها فإذا بشيء [٨]
стр. 951
قد خرج إليّ [١] منها، رأسه رأس إنسان، وهو من أسفله إلى سرّته زاغ [٢] في [ظهره، و] [٣] صدره سلعتان [٤] فكبّرت وهلّلت وفزعت، ويحيى يضحك، فقال بلسان فصيح [طلق] [٥] ذلق [٦] :
أنا الزّاغ أبو عجوة ... أنا ابن اللّيث واللّبوه
أحبّ الرّاح والرّيحا ... ن والنّشوة والقهوه
فلا عدوى يدي تخشى ... ولا تحذر لي سطوة [٧]
ولي أشياء تستظرف ... بيوم [٨] العرس والدّعوة
فمنها سلعة في الظّه ... ر لا تسترها الفروة
وأمّا السّلعة الأخرى ... فلو كان لها عروه
لما شكّ [٩] جميع النّا ... س فيها أنّها ركوة [١٠]
ثم قال: يا كهل! أنشدني شعرا غزلا، فقال يحيى: قد أنشدك
стр. 952
[الزّاغ] [١] فأنشدته:
أغرّك أن أذنبت ثمّ تتابعت ... ذنوب فلم أهجرك ثمّ ذنوب
وأكثرت حتّى قلت ليس بصارمي ... وقد يصرم الإنسان وهو حبيب [٢]
فصاح: زاغ زاغ زاغ، ثم طار، وسقط في القمطرة [٣] ، فقلت ليحيى:
أعزّ الله القاضي، وعاشق أيضا؟! فضحك، فقلت: أيها القاضي ما هذا؟
فقال: هو ما ترى [٤] ، وجّه به صاحب اليمن إلى أمير المؤمنين، وما رآه بعد، وكتب كتابا لم أفضضه وأظنه ذكر فيه [٥] شأنه وحاله. انتهى.
وقال ابن خلّكان [٦]﵀: رأيت في بعض الكتب أن المأمون ﵀ كان يقول: لو وصفت الدّنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس:
ألا كلّ حيّ هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق [٧]
انتهى.
وقال المأمون: الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه أبدا، وهم إخوان الصفا، وإخوان كالدواء يحتاج إليهم في بعض الأوقات، وهم الفقهاء. وإخوان كالداء لا يحتاج إليهم أبدا، وهم المنافقون.
وكان سبب وفاة المأمون- رحمه الله تعالى- أنه جلس على شاطئ نهر
стр. 953
السّدون ودلّى رجليه في مائه، فأعجبه برد مائه وصفاؤه، فقال: لو أكلنا رطبا وشربنا من هذا الماء البارد لكان حسنا، فلم يخرج الكلام من فيه إلّا ومواقع حوافر خيل البريد أقبلت من آزاد [١] وعليها حقائب الرّطب، فحمد الله تعالى على ذلك وأكل منه، فحمّ وتحركت عليه مادة في حلقه فبطت [٢] قبل بلوغها غايتها، فكانت سبب وفاته.
وحال وفاته كتب وصية: هذا ما أشهد به عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، أنه يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له في ملكه، ولا مدبّر غيره، وأنه خالق وما سواه مخلوق، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الموت حق، والبعث والحساب حقّ، والجنّة والنّار حق، وأن محمدا- ﷺ بلّغ عن ربه شرائع [٣] دينه، وأدّى النصيحة إلى أمته حتّى توفاه الله إليه، فصلى الله عليه أفضل صلاة صلاها على أحد من ملائكته المقربين وأنبيائه والمرسلين، وإني مقرّ بذنبي أخاف وأرجو، إلّا أني إذا ذكرت عفو الله رجوت، فإذا أنا متّ فوجّهوني وغمّضوني، وأسبغوا وضوئي، وأجيدوا كفني، وليصل عليّ أقربكم مني نسبا وأكبركم سنا، وليكبّر خمسا [٤] ، ولينزل في حفرتي أقربكم مني قرابة، وضعوني في لحدي، وسدّوا عليّ باللبن، ثم احثوا التراب عليّ وخلّوني وعملي، فكلكم لا يغني عني شيئا، ولا يدفع عني مكروها، ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرا إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر شر إن عرفتم. ثم قال: يا ليت عبد الله لم يكن شيئا، يا ليته لم يخلق. ثم قال لأخيه وولي عهده المعتصم: يا أبا إسحاق ادن مني واتّعظ بما ترى، وخذ
стр. 954
بسيرة أخيك، واعمل في الخلافة إذا طوّقكها الله عمل المريد لله الخائف من عقابه، ولا تغترّ بالله وإمهاله، فكأن قد نزل بك الموت، ولا تغفل عن أمر الرعية، فإنما الملك يقوم بهم [١] . ولا يتبين لك أمر فيه صلاح المسلمين إلّا وقدّمه على غيره وإن خالف هواك، وخذ من قويّهم لضعيفهم، واتق الله في أمرك كله، والسلام.
ثم قال: هؤلاء بنو عمك لا تغفل عن صلاتهم فإنها واجبة عليك، ثم تلا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ٣: ١٠٢ [آل عمران: ١٠٢] . وكانت وفاته يوم الخميس لاثنتي عشرة [٢] ليلة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، ونقله ابنه العبّاس إلى طرسوس فدفنه بها، ووكل بقبره مائة من الحرس، وأجرى على كل رجل منهم تسعين درهما في كل شهر، وكان له عدة أولاد، لم يشتهر منهم سوى العبّاس، وعليّ، فأما العبّاس فكان مغرما بشراء الضياع والعقار، وكان المعتصم مغرى [٣] بجمع المال واقتناء الغلمان والعدة والرجال. قاله ابن الفرات.
وفي هذه السنة عهد المأمون بالخلافة إلى أخيه المعتصم، فأمر بهدم طوانة، وبنقل ما فيها، وبصرف أهلها إلى بلادهم.
وفيها دخل خلق من أهل بلاد همذان [٤] في دين الخرّمية المجوس الباطنية، وعسكروا، فندب المعتصم لهم أمير بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فالتقاهم في ذي الحجّة بأرض همذان فكسرهم وقتل منهم ستّين ألفا وانهزم من بقي إلى ناحية الرّوم.
стр. 955
وفيها توفي بمصر إسحاق بن بكر بن مضر الفقيه، وكان يجلس في حلقة اللّيث فيفتي ويحدّث.
قال في «العبر» [١] : لا أعلمه يروي عن غير أبيه.
وفيها بشر المريسيّ الفقيه المتكلم، وكان داعية للقول بخلق القرآن. هلك في آخر السنة ولم يشيعه أحد من العلماء، وحكم بكفره طائفة من الأئمة. روى عن حمّاد بن سلمة، وعاش نيفا وسبعين سنة. قاله في «العبر» [٢] .
قال ابن الأهدل: كان مرجئا داعية إلى الإرجاء، وإليه تنسب طائفة المريسيّة المرجئة. كان أبوه يهوديا صباغا في الكوفة، وكان يناظر الشّافعيّ وهو لا يعرف النحو [٣] فيلحن لحنا فاحشا. انتهى.
وفيها عبد الله بن يوسف التّنّيسيّ الحافظ أحد الأثبات، أصله دمشقي، وسمع من سعيد بن عبد العزيز، ومالك، واللّيث.
وفيها عالم أهل الشّام أبو مسهر الغسانيّ الدمشقيّ عبد الأعلى بن مسهر، في حبس المأمون ببغداد في رجب لمحنة القرآن. سمع سعيد بن عبد العزيز، وتفقه عليه، وولد سنة أربعين ومائة، وكان علّامة بالمغازي والأثر، كثير العلم، رفيع الذّكر.
قال يحيى بن معين: منذ خرجت من باب الأنبار إلى أن رجعت لم أر مثل أبي مسهر.
وقال أبو حاتم: ما رأيت أفصح منه، وما رأيت أحدا في كورة من الكور أعظم قدرا ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، إذا خرج اصطفّ النّاس يقبّلون يده.
стр. 956
وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة.
وفيها عبد الملك بن هشام البصريّ، النحويّ صاحب المغازي.
هذّب السّيرة ونقلها عن البكّائيّ [١] صاحب ابن إسحاق. وكان أديبا أخباريا نسّابة. سكن مصر وبها توفي.
ومحمد بن نوح العجليّ، ناصر السّنّة. حمل مقيّدا مع الإمام أحمد ابن حنبل متزاملين، فمرض ومات بغابة في الطريق، فوليه أحمد ودفنه، وكان في الطريق يثبّت أحمد ويشجّعه.
قال أحمد: ما رأيت أقوم بأمر الله منه.
روى عن إسحاق الأزرق، ومات شابا ﵀. قاله في «العبر» [٢] .
ومعلّى بن أسد البصريّ، أخو بهز بن أسد. روى عن وهيب بن أسد وطبقته، وكان ثقة مؤدّبا.
ويحيى [بن عبد الله] [٣] البابلتّي الحرّاني [أبو سعيد] [٣] . روى عن الأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، وطائفة، وليس بالقويّ في الحديث.
стр. 957
سنة تسع عشرة ومائتين
فيها، وقيل: في التي بعدها، امتحن المعتصم الإمام أحمد بن حنبل، وضرب بين يديه بالسّياط حتّى غشي عليه، فلما صمم ولم يجب أطلقه وندم على ضربه. قاله في «العبر» [١] .
وفيها توفي علي بن عيّاش الألهانيّ [٢] الحمصيّ الحافظ. محدّث حمص وعابدها. سمع من حريز بن عثمان [٣] وطبقته، وذكر فيمن يصلح لقضاء حمص.
وفيها أبو أيوب سليمان بن داود بن علي الهاشميّ العباسيّ. سمع إسماعيل بن جعفر وطبقته، وكان إماما حجّة فاضلا شريفا. روي أن أحمد بن حنبل أثنى عليه، وقال: يصلح للخلافة.
وعالم أهل مكّة الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزّبير القرشيّ الحميديّ. روى عن فضيل بن عياض وطبقته، وكان إماما حجّة.
قال أحمد بن حنبل: الحميديّ، والشّافعيّ، وابن راهويه، كل كان [٤]
стр. 958
إماما، أو كلاما هذا معناه. وصحب الحميديّ الشّافعيّ، ووالاه بعد أن كان نافرا عنه، وصحبه في رحلته إلى مصر.
قال ابن ناصر الدّين: حدّث عنه البخاريّ وغيره من كبار الأئمة.
وفيها أبو نعيم الفضل بن دكين الملائيّ الحافظ محدّث الكوفة.
روى عن الأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، والكبار.
قال ابن معين: ما رأيت أثبت من أبي نعيم، وعفّان.
وقال أحمد: كان يقظان في الحديث عارفا، وقام في أمر الامتحان بما لم يقم غيره- عافاه الله- وكان أعلم من وكيع بالرّجال وأنسابهم، ووكيع أفقه منه.
وقال غيره: لما امتحنوه، قال: والله عنقي أهون من زرّي هذا، ثم قطع زرّه ورماه.
وقال ابن ناصر الدّين: الفضل بن دكين، هو عمرو بن حمّاد [١] التيميّ مولاهم الكوفيّ الملائيّ التاجر. حدّث عنه أحمد، وإسحاق، والبخاري، وغيرهم. وكان حافظا ثبتا فقيها واسع المجال. شارك الثّوريّ [٢] في أكثر من مائة من الرّواة، وكان غاية في إتقان ما حفظه ووعاه. انتهى.
وفيها أبو غسّان مالك بن إسماعيل النّهديّ الكوفيّ الحافظ. روى عن إسرائيل وطبقته.
قال ابن معين: ليس بالكوفة أتقن منه.
وقال ابن ناصر الدّين: مالك بن إسماعيل النّهديّ مولاهم الكوفيّ،
стр. 959
ثقة، متقن، ذو فضل وأمانة وعبادة [واستقامة، على تشيع فيه. كما كان أبو داود يحكيه. انتهى.
وقال أبو حاتم الرّازيّ: كان ذا فضل وصلاح وعبادة] [١] . كنت إذا نظرت إليه كأنه خرج من قبر، ولم أر بالكوفة أتقن منه، لا أبو نعيم ولا غيره.
وقال أبو داود: كان شديد التشيع.
وفيها أبو الأسود، النّضر بن عبد الجبّار المراديّ المصريّ الزّاهد.
روى عن اللّيث وطبقته.
قال أبو حاتم: صدوق عابد، شبّهته بالقعنبيّ [٢] رحمهما الله.
стр. 960
سنة عشرين ومائتين
وفيها اتخذ المعتصم سرّ من رأى [١] مسكنا.
وفيها عقد المعتصم للأفشين [٢] على حرب بابك الخرّميّ الذي هزم الجيوش وخرّب البلاد منذ عشرين سنة.
ثم جهز محمد بن يوسف الأمين ليبني الحصون التي خرّبها بابك، فالتقى الأفشين [٣] ببابك فهزمه وقتل من الخرّمية نحو ألف وهرب بابك إلى موقان [٤] ثم جرت لهما أمور يطول شرحها.
وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف ألف دينار، ثم نفاه واستوزر محمد بن عبد الملك بن الزّيّات.
وفيها توفي آدم بن أبي إياس الخراسانيّ ثم البغداديّ، نزيل عسقلان. روى عن ابن أبي ذئب، وشعبة، وكان صالحا ثقة قانتا لله. لما احتضر قرأ الختمة ثم قال: لا إله إلا الله، ثم فارق.
стр. 961
قال أبو حاتم: ثقة، مأمون، متعبّد.
وخلّاد بن خالد الصّيرفيّ الكوفيّ قارئ الكوفة وتلميذ سليمان. تصدّر للإقراء، وحمل عنه طائفة، وحدّث عن الحسن بن صالح بن حيّ وجماعة.
قال أبو حاتم: صدوق.
وعاصم بن يوسف اليربوعيّ الكوفيّ الخياط. روى عن إسرائيل وجماعة. وروى البخاريّ عن أصحابه.
. وعبد الله بن جعفر الرّقّيّ الحافظ. روى عن عبيد الله بن عمرو الرّقّي وطبقته، وقد تغير حفظه قبل موته بسنتين.
وفيها أبو عمرو عبد الله بن رجاء الغدانيّ [١] بالبصرة يوم آخر السنة.
وكان ثقة حجة، روى عن عكرمة بن عمّار [٢] وطبقته.
وعثمان بن الهيثم مؤذّن جامع البصرة في رجب. روى عن هشام بن حسّان [٣] وابن جريج، والكبار.
قال أبو حاتم [٤] : كان بآخرة [يتلقن ما] يلقن.
وعفّان بن مسلم الأنصاريّ مولاهم البصريّ الصّفّار أبو عثمان أحد أركان الحديث. نزل بغداد ونشر بها علمه، وحدّث عن شعبة وأقرانه.
قال ابن معين [٥] : أصحاب الحديث خمسة: ابن جريج، ومالك، والثّوري، وشعبة، وعفّان.
стр. 962
وقال أحمد بن حنبل: كتب المأمون إلى متولّي بغداد يمتحن النّاس، فامتحن عفّان، وكتب المأمون: فإن لم يجب عفّان فاقطع رزقه. وكان له في الشهر خمسمائة درهم. فلم يجبهم، وقال: وَفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ٥١: ٢٢ [الذاريات: ٢٢] .
وقال ابن ناصر الدّين: جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل وعن جرحه، فأبى وقال: لا أبطل حقا من الحقوق.
. وفيها أبو عمر حفص بن عمر الضرير البصريّ، صدوق.
. وقالون القارئ، قارئ أهل المدينة، صاحب نافع، وهو أبو موسى عيسى بن مينا [١] الزهريّ مولاهم المدني.
قال الذهبي في «المغني» [٢] : حجة في القراءة لا في الحديث. سئل عنه أحمد بن صالح، فضحك وقال: يكتبون [٣] عن كل أحد. انتهى.
. وفيها الشريف أبو جعفر محمد بن علي الرضا بن موسى [٤] الحسيني، أحد الاثني عشر إماما الذين تدّعي فيهم الرافضة العصمة، وله خمس وعشرون سنة. وكان المأمون قد نوّه بذكره، وزوّجه بابنته، وسكن بها بالمدينة، فكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف درهم وأكثر، ثم وفد على المعتصم فأكرم مورده، وتوفي ببغداد آخر السنة، ودفن عند جده موسى، ومشهدهما ينتابه العامة بالزيارة.
стр. 963
وفيها أبو حذيفة النّهديّ موسى بن مسعود البصريّ المؤدّب في جمادى الآخرة. سمع أيمن بن بابك وطبقته.
قال أبو حاتم: روى عن سفيان الثّوري بضعة عشر ألف حديث، وكان يصحّف.
قال في «المغني» [١] : موسى بن مسعود أبو حذيفة النّهديّ، صدوق مشهور، من مشيخة البخاري. تكلم فيه أحمد وليّنه.
وقال ابن خزيمة: لا أحدّث عنه.
وقال أبو حفص الفلّاس: لا يروي عنه من يبصر [٢] الحديث. انتهى.
стр. 964
سنة إحدى وعشرين ومائتين
فيها كانت وقعة عظمى، فكسر بابك الخرمي بغا الكبير، ثمّ تقوّى بغا وقصد بابك، فالتقوا، فانهزم بابك.
وفيها توفي أبو علي الحسن بن الرّبيع البجليّ البورانيّ القسري [١] الكوفيّ. روى عن قيس بن الرّبيع وطبقته. وهو من شيوخ البخاري، وكان ثقة ثبتا عابدا.
وعاصم بن علي بن عاصم الواسطيّ الحافظ أبو الحسن في رجب.
سمع ابن أبي ذئب، وشعبة، وخلقا. وقدم بغداد، فازدحموا عليه من كل مكان، حتّى حزر مجلسه بمائة ألف، وكان ثقة حجة.
وفيها محدّث مرو وشيخها عبد الله بن عثمان، عبدان [٢] المروزيّ.
سمع شعبة، وأبا حمزة السّكّري، والكبار. وعاش ستا وسبعين سنة. وكان ثقة جليل القدر معظّما، تصدّق في حياته بألف ألف درهم، وروى عنه البخاريّ وغيره.
وفيها الإمام الربانيّ أبو عبد الرّحمن عبد الله بن مسلمة [٣] بن قعنب الحارثيّ المدنيّ القعنبيّ الزّاهد. سكن البصرة ثم مكّة، وتوفي بها في
стр. 965
المحرم. روى عن سلمة بن وردان [١] وأفلح بن حميد، والكبار، وهو أوثق من روى «الموطأ» .
وخرّج له أصحاب الكتب الستة.
قال أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجلّ في عيني من القعنبيّ [٢] .
وقال أبو حاتم: ثقة حجة، لم أر أخشع منه.
وقال الخريبيّ: حدثني العقنبيّ عن مالك، وهو والله عندي خير من مالك.
وقال الفلّاس: كان القعنبيّ مجاب الدعوة.
وقال محمد بن عبد الوهّاب الفرّاء: سمعتهم بالبصرة يقولون: القعنبيّ من الأبدال.
. وفيها محمد بن بكير الحضرميّ البغداديّ. حدّث بأصبهان [٣] عن شريك وطبقته.
وقال أبو حاتم: صدوق يغلط أحيانا.
. وفيها أبو همّام الدلّال محمد بن محبّب. بصريّ مشهور. روى عن الثّوري وطبقته.
وفيها الفقيه هشام بن عبيد الله [٤] الرّازيّ الحنفيّ. روى عن [ابن] أبي ذئب [٥] ومالك وطبقتهما. وكان كثير العلم، واسع الرّواية. وفيه ضعف.
وقد جاء عنه أنه قال: أنفقت في طلب العلم سبعمائة ألف درهم.
стр. 966
سنة اثنتين وعشرين ومائتين
. فيها [١] التقي الأفشين [٢] والخرمية- لعنهم الله- وهزمهم ونجا بابك، فلم يزل الأفشين [٢] يتحيل عليه حتّى أسره. وقد عاش [٣] هذا الملعون وأفسد العباد والبلاد [٤] وامتدت أيامه نيفا وعشرين سنة، وأراد أن يقيم ملة المجوس بطبرستان [واستولى على أذربيجان وغيرها، وفي أيامه ظهر المازيار [٥] القائم بملة المجوس بطبرستان] [٦] .
وقد بعث المعتصم في أول السنة خزائن أموال إلى الأفشين [٧] ليتقوى بها، وكانت ثلاثين ألف ألف درهم.
وافتتحت مدينة بابك في رمضان بعد حصار شديد، فاختفى بابك في
стр. 967
غيضة في الحصن وأسر جميع خواصه وأولاده. وبعث إليهم المعتصم الأمان فخرقه وسبّه. وكان قويّ النفس شديد البطش، صعب المراس. فطلع من تلك الغيضة في طريق يعرفها في الجبل، وانقلب ووصل إلى جبال إرمينية فنزل على البطريق سهل. فأغلق عليه، وبعث يعرّف الأفشين [١] فجاء الأفشينية [٢] فتسلّموه، وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيّا ألفي ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم، وكان دخوله بغداد يوما مشهودا.
وفيها توفي أبو اليمان الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّ الحافظ.
روى عن حريز بن عثمان [٣] وطبقته، وكان ثقة حجة كثير الحديث. ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات في ذي الحجة. وقد سئل أبو اليمان مرّة عن حديث لشعيب بن أبي حمزة فقال: ليس هو مناولة، لم أخرجها إلى أحد.
. وعمر بن حفص بن غياث الكوفيّ. روى عن أبيه وطبقته، ومات كهلا في ربيع الأول، وكان ثقة متقنا عالما.
. وفيها أبو عمرو مسلم بن إبراهيم الفراهيديّ مولاهم البصريّ القصّاب الحافظ محدّث البصرة. سمع من ابن عون حديثا واحدا، ومن قرّة ابن خالد، ولم يرحل، لكن سمع من ثمانمائة شيخ بالبصرة، وكان ثقة حجة أضرّ [٤] بآخرة، وكان يقول: ما أتيت حراما ولا حلالا قطّ، أي لم يفعل إلّا فرضا أو سنّة. توفي في صفر.
стр. 968
وفيها فقيه حمص ومحدّثها، يحيى بن صالح الوحاظيّ [١] . ولد سنة سبع وثلاثين ومائة، وسمع من سعيد بن عبد العزيز، وفليح بن سليمان، وطبقتهما. وعيّن لقضاء حمص.
قال العقيليّ: هو حمصيّ جهميّ.
وقال الجوزجاني: كان مرجئا خبيثا.
ووثقه غيره.
стр. 969
سنة ثلاث وعشرين ومائتين
. فيها أتى المعتصم ببابك الخرّمي.
قال ابن الجوزي في «الشذور» : أنبأنا محمد بن عبد الباقي، أنبأنا علي ابن الحسن [١] عن أبيه، أن أخا بابك الخرمي قال له لما دخل على المعتصم:
يا بابك! إنك قد عملت ما لم يعمل أحد، فاصبر الآن صبرا لم يصبره أحد.
فقال له: سترى صبري، فأمر المعتصم بقطع أيديهما بحضرته، فبدأ ببابك، فقطعت يمينه، فأخذ الدم فمسح به وجهه، وقال: لئلا يرى في وجهي صفرة فيظن أني جزعت من الموت. ثم قطعت أربعته وضربت عنقه وقذف في النّار. وفعل ذلك بأخيه، فما فيهما من صاح.
وخرج المعتصم إلى عموريّة فقتل ثلاثين ألفا وسبى مثلها، وطرح فيها النّار وجاء ببابها إلى العراق، فهو الذي يسمى باب العامة. انتهى.
وتوجّ المعتصم الأفشين ووصله بعشرين ألف ألف درهم، نصفا له ونصفا لعسكره [٢] .
стр. 970
وفيها التقى المسلمون وعليهم الأفشين وطاغية الرّوم، فاقتتلوا أياما وكثرت القتلى، ثم انهزم الملاعين، وكان طاغيتهم في هذا الوقت توفى [١] ابن ميخائيل بن جرجيس- لعنهم الله- نزل على زبطرة [٢] في مائة ألف أياما وافتتحها بالسيف، ثم أغار على ملطية، ثم أذلّه الله بهذه الكسرة.
وفيها توفي خالد بن خداش المهلّبيّ البصريّ المحدّث في جمادى الآخرة. روى عن مالك وطبقته، وخرّج له البخاريّ في «التاريخ» ومسلم، والنسائي.
قال أبو حاتم، وغيره: صدوق.
وقال ابن المديني: ضعيف.
وفيها أبو الفضل صدقة بن الفضل المروزيّ عالم أهل مرو ومحدّثهم. رحل وكتب عن ابن عيينة وطبقته. وأقدم شيخ له أبو حمزة السّكّري.
قال بعضهم: كان ببلده كأحمد بن حنبل ببغداد.
وفيها عبد الله بن صالح أبو صالح الجهنيّ المصريّ الحافظ. كاتب اللّيث بن سعد. توفي في يوم عاشوراء وله ستّ وثمانون سنة. حدّث عن معاوية بن صالح وعبد العزيز [بن] الماجشون [٣] وخلق.
قال ابن معين: أقل أحوال أبي صالح أنه قرأ هذه الكتب على اللّيث فأجازها له.
стр. 971
وقال ابن ناصر الدّين: روى عنه البخاري في «الصحيح» وله مناكير.
وقال الفضل الشعراني: ما رأيت عبد الله بن صالح إلّا يحدّث أو يسبّح.
وضعفه آخرون كما قال في «العبر» [١] .
وفيها أبو بكر بن أبي الأسود، واسمه عبد الله بن محمد بن حميد، قاضي همذان. سمع مالكا وأبا عوانة. وكان حافظا متقنا.
وأبو عثمان عمرو بن عون الواسطيّ. سمع الحمّادين وطائفة.
قال أبو حاتم: ثقة حجة.
وكان يحيى بن معين يطنب في الثناء عليه.
وقال ابن ناصر الدّين: هو ابن أخت عبد الرّحمن بن مهدي، حدّث عنه البخاريّ وغيره. وكان ثبتا متقنا. انتهى.
. وفيها محمد بن سنان العوقي [٢] أبو بكر البصريّ أحد الأثبات. روى عن جرير بن حازم وطبقته.
. وفيها أبو عبد الله محمد بن كثير العبديّ البصريّ المحدّث. روى عن حمّاد بن سلمة وطبقته.
قال ابن معين: كيّس صادق كثير الحديث.
وفيها معاذ بن أسد بالبصرة، وهو مروزيّ. روى عن ابن المبارك وكان كاتبه.
وموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التّبوذكيّ البصريّ الحافظ، «العبر للذهبي مصدر المؤلف وهو الصواب.
стр. 972
أحد أركان الحديث. سمع من شعبة [١] حديثا واحدا [٢] وأكثر عن حمّاد بن سلمة وطبقته.
قال عبّاس الدّوري: كتبت عنه خمسة وثلاثين ألف حديث.
وقال ابن ناصر الدّين: ثقة.
والحسن البورانيّ، على ما ذكره ابن ناصر الدّين، وقال: هو ثقة، وشيخ للبخاري [٣] .
стр. 973
سنة أربع وعشرين ومائتين
فيها زلزلت مدينة فرغانة فمات منها أكثر من خمسة عشر ألفا، قاله [١] في «الشذور» .
وفيها ظهر مازيار بطبرستان، وخلع المعتصم، فسار لحربه عبد الله ابن طاهر، وظلم مازيار وعسف، وصادر، وخرّب أسوار آمل، والرّي، وجرجان، وجرت له حروب وفصول، ثم اختلف [٢] عليه جنده، إلى أن قتل في السنة الآتية.
وفيها توفي الأمير إبراهيم بن المهدي بن محمد المنصور العباسي الأسود، ولذلك ولضخامته يقال: له التنين. ويقال له: ابن شكله، وهي أمه. وكان فصيحا أديبا [٣] شاعرا محسنا [٤] رأسا في معرفة الغناء وأنواعه.
ولي إمرة دمشق لأخيه الرشيد، وبويع بالخلافة ببغداد، ولقب بالمبارك [٥] عند ما جعل المأمون ولي عهده علي بن موسى الرضا، فحاربه الحسن بن
стр. 974
سهل فانكسر، ثم حاربه حميد الطّوسي، فانكسر جيش إبراهيم وانهزم فاختفى، وذلك في سنة ثلاث، وبقي في الاختفاء سبع سنين، ثم ظفروا به وهو في إزار، فعفا عنه المأمون، وذلك لأنه استشار خاصته في أمره، فكلّ أشار بقتله قائلا: من ذاق حلاوة الخلافة لا تصح [١] منه توبة إلّا يحيى بن أكثم [٢] فإنه أجاب بما معناه: لقد سمعنا بمن جنى كجنايته كثيرا، وإنه إذا قدر عليه قتل، ولم نسمع أنه إذا قدر عليه عفي عنه، فاجعل عفوك عنه خيرا ومكرمة تذكر إلى آخر الدّهر، فقبل رأي يحيى وأطلقه مكرما.
وفيها إبراهيم بن أبي سويد البصريّ، الذّارع، أحد أصحاب الحديث. روى عن حمّاد بن سلمة وأقرانه.
قال أبو حاتم: ثقة رضي.
وأيوب بن سليمان بن بلال، له نسخة صحيحة يرويها عن عبد الحميد بن أبي أويس، عن أبيه، عن سليمان بن بلال، ما عنده سواها.
وفيها أبو العبّاس حيوة بن شريح [٣] الحضرميّ الحمصيّ الحافظ.
سمع إسماعيل بن عيّاش وطائفة.
وربيع بن يحيى الأشنانيّ البصريّ. يروي [٤] عن مالك بن مغول والكبار، وكان ثقة صاحب حديث.
وبكّار بن محمّد بن عبد الله بن محمد بن سيرين السّيرينيّ. روى عن ابن عون والكبار، وفيه ضعف يسير.
وقال في «المغني» [٥] : عن ابن عون.
стр. 975
قال أبو زرعة: ذاهب الحديث انتهى.
وفيها سعيد بن أبي مريم الحكم بن محمّد بن سالم الجمحيّ مولاهم المصريّ الثقة، أحد أركان الحديث، وله ثمانون سنة. روى عن يحيى بن أيوب، وأبي غسّان محمد بن مطرّف. وطبقتهما من المصريين والحجازيين.
وفيها قاضي مكّة أبو أيوب سليمان بن حرب الأزديّ الواشحيّ البصريّ الحافظ في ربيع الآخر، وهو في عشر التسعين. سمع شعبة وطبقته.
قال أبو داود: سمعته يقع في معاوية، وكان بشر الحافي يهجره لذلك وكان لا يدلّس ويتكلم في الرّجال، وقرأ الفقه، وقد ظهر من حديثه نحو عشرة آلاف حديث، وما رأيت في يده كتابا قطّ، وحضرت مجلسه ببغداد فحزر بأربعين ألفا، وحضر جلسه المأمون من وراء ستر.
وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة ثبت.
وفيها أبو معمر المقعد، وهو عبد الله بن عمرو المنقريّ مولاهم البصريّ الحافظ، صاحب عبد الوارث.
قال ابن معين: ثقة ثبت.
وقال ابن ناصر الدّين: كنيته أبو معمر [١] ، حدث عن البخاري وغيره، وهو ثقة.
وفيها عمرو بن مرزوق الباهليّ مولاهم البصريّ الحافظ. روى عن مالك بن مغول وطبقته.
قال محمد بن عيسى بن السّكن [٢] : سألت ابن معين عنه فقال: ثقة
стр. 976
مأمون صاحب غزو [١] وحمده [جدا] [٢] .
وفيها أبو الحسن علي بن محمد المدائنيّ البصريّ الأخباريّ صاحب التصانيف والمغازي والأنساب، وله ثلاث وتسعون سنة. سمع ابن أبي ذئب وطبقته، وكان يسرد الصوم، ووثقه ابن معين وغيره.
وفيها العلّامة العلم، أبو عبيد القاسم بن سلّام البغداديّ، صاحب التصانيف. سمع شريكا، وابن المبارك، وطبقتهما.
وقال إسحاق بن راهويه: الحق يحبّه الله [٣] ، أبو عبيد أفقه مني وأعلم.
وقال أحمد: أبو عبيد أستاذ.
وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة إمام فقيه، مجتهد، أحد الأعلام، وكان [٤] إماما في القراءات، حافظا للحديث وعلله الدقيقات، عارفا بالفقه والتعريفات، رأسا في اللغة، ذا مصنفات. انتهى.
وقال ابن الأهدل: قيل إنه أول من صنف غريب الحديث، وصنف نيفا وعشرين كتابا.
وعنه [٥] قال: مكثت في «الغريب» أربعين سنة. ووقف عليه عبد الله بن طاهر [٦] فاستحسنه وقال: إن عقلا دعا صاحبه إلى مثل [٧] هذا حقيق أن لا يحوج إلى طلب المعاش، وأجرى له كل شهر عشرة آلاف درهم. ولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة، وكان يقسم الليل أثلاثا [٨] : صلاة،
стр. 977
ونوما، وتصنيفا. وكان أحمر الرأس واللحية، يخضب بالحناء، وكان مهيبا.
توفي بمكّة بعد أن حجّ وعزم على الانصراف إلى العراق مع الناس. قال فرأيت النّبيّ- ﷺ وأردت الدخول عليه فمنعت وقيل لي [١] : لا تدخل عليه ولا تسلم وأنت خارج إلى العراق. فقلت: لا أخرج إذا، فأخذوا عهدي على ذلك وخلّوا بيني وبينه، فسلمت عليه وصافحني. فأقام بمكّة حتّى مات.
وعنه قال: كنت مستلقيا بالمسجد الحرام، فجاءتني عائشة المكية وكانت من العارفات، فقالت: يا أبا عبيد لا تجالسه إلّا بأدب وإلا محاك من ديوان العلماء والصالحين.
وقال هلال بن العلاء الرّقّي: من الله سبحانه على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: الشافعيّ، ولولاه ما تفقه الناس في حديث رسول الله- ﷺ ، وأحمد ولولاه ابتدع الناس، ويحيى بن معين نفى الكذب عن رسول الله- ﷺ ، وأبي عبيد فسّر غريب الحديث، ولولاه اقتحم النّاس الخطأ.
وكان أبو عبيد موصوفا بالدّين، وحسن المذهب، والسيرة الجميلة، والفضل البارع، وأثنى عليه علماء وقته بما يطول ذكره. انتهى.
وكان أبو عبدا روميا لرجل من أهل هراة.
وفيها أبو الجماهر محمد بن عثمان التنوخيّ الكفرسوسيّ. سمع سعيد بن عبد العزيز وطبقته.
قال أبو حاتم: ما رأيت أفصح منه ومن أبي مسهر.
وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة.
وفيها أبو جعفر محمد بن عيسى بن الطّبّاع الحافظ، نزيل الثّغر بأذنه [٢] . سمع مالكا وطبقته.
стр. 978
قال أبو حاتم: ما رأيت أحفظ للأبواب منه.
وقال أبو داود: كان يتفقه ويحفظ نحوا من أربعين ألف حديث.
وفيها أبو النّعمان محمد بن الفضل- ويعرف بعارم- السّدوسيّ البصريّ الحافظ، أحد أركان الحديث. روى عن الحمّادين وطبقتهما، ولكنه اختلط بآخره، وكان سليمان بن حرب يقدمه على نفسه، وكان حافظا ثبتا قد اختلط بآخره وزال عقله فيما يذكر، ولم يظهر له بعد اختلاطه فيما قاله الدارقطني شيء منكر. قاله ابن ناصر الدّين.
وفيها على ما ذكره ابن ناصر الدّين، يزيد بن عبد ربّه الزّبيديّ الجرجسيّ [١] الثبت.
стр. 979
سنة خمس وعشرين ومائتين
فيها على ما قاله في «الشذور» كانت رجفة بالأهواز عظيمة تصدّعت منها الجبال، وهرب أهل البلد إلى البر وإلى السفن، وسقطت فيها دور كثيرة، وسقط نصف الجامع، ومكثت ستة عشر يوما.
وفيها احترقت الكرخ، فأسرعت النّار في الأسواق، فوهب المعتصم للتجار وأصحاب العقار خمسة آلاف ألف درهم.
وفيها توفي الفقيه أصبغ بن الفرج أبو عبد الله المصريّ الثقة مفتي أهل مصر، وورّاق [١] ابن وهب. أخذ عن ابن وهب، وابن القاسم، وتصدّر للاشتغال [٢] والحديث.
قال ابن معين: كان من أعلم خلق الله كلهم برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة متى قالها مالك ومن خالفه فيها.
وقال أبو حاتم: هو أجلّ أصحاب ابن وهب.
وقال بعضهم: ما أخرجت مصر مثل أصبغ.
وقد كان ذكر لقضاء مصر، وله مصنفات حسان.
стр. 980
وفيها حفص بن عمر [١] أبو عمر الحوضيّ الحافظ بالبصرة. روى عن هشام الدّستوائي والكبار.
قال أحمد بن حنبل: [ثقة] [٢] ثبت، متقن [٣] ، لا يوجد عليه حرف واحد.
وقال ابن ناصر الدّين: هو ثقة.
وفيها سعدويه الواسطي، سعيد بن سليمان الحافظ ببغداد. روى عن حمّاد بن سلمة وطبقته.
قال أبو حاتم: ثقة مأمون لعله أوثق من عفّان.
وقال صالح جزرة: سمعت سعدويه يقول: حججت ستين حجة.
وقال ابن ناصر الدّين: هو سعيد بن سليمان الضّبّيّ البزّار، رمي بالتصحيف.
وقال أبو حاتم: ثقة. انتهى.
وفيها أبو عبيدة شاذ بن فيّاض اليشكريّ البصريّ، واسمه هلال. روى عن هشام الدّستوائي والكبار فأكثر.
وفيها أبو عمر الجرميّ النحويّ، صالح بن إسحاق، وكان ديّنا ورعا نبيلا رأسا في اللغة والنحو. نال بالأدب دنيا عريضة.
وقال ابن الأهدل: كان ديّنا ورعا حسن العقيدة، صنّف في النحو وناظر الفرّاء. وحدّث عنه المبرد، وله كتاب في السير عجيب، وكتاب غريب سيبويه، والعروض.
وجرم المنسوب إليها في العرب كثيرة، منهم:
стр. 981
جرم بن علقمة بن أنمار [١] .
ومنهم جرم بن ربّان [٢] . انتهى. [٣] .
وفيها فروة بن أبي المغراء الكوفيّ المحدّث. روى عن شريك وطبقته.
وفيها الأمير أبو دلف قاسم بن عيسى العجليّ صاحب الكرخ. أحد الأبطال المذكورين الممدوحين، والأجواد المشهورين، والشعراء المجيدين، وقد ولي إمرة دمشق للمعتصم.
يحكى عنه أنه قال يوما: من لم يكن مغاليا في التشيّع فهو ولد زنا.
فقال له ولده: يا أبت لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمّك [وعلقت بك] [٤] ما كنت بعد استبريتها، فهذا من ذاك.
وقال ابن الأهدل: مدحه أبو تمّام وغيره، وله صنعة في الغناء، وصنف «كتاب البزاة والصيد» و «السلاح» و «سياسة الملوك» [٥] . وغير ذلك. كان لكثرة عطائه قد ركبته الديون، فلما مات رآه ابنه دلف جالسا عريانا على أسوأ حال، وأنشده أبياتا منها:
стр. 982
ولو كنّا [١] إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كلّ شيّ [٢]
وكان أبو قد شرع في عمران مدينة الكرخ ثم أتمها هو، وكان بها أولاده وعشيرته. انتهى.
وفيها محمّد بن سلّام البيكنديّ الحافظ. رحل وسمع من مالك وخلق كثير، وكان يحفظ خمسة آلاف حديث، وقال: أنفقت في طلب العلم أربعين ألفا، وفي نشر مثلها.
وقال ابن ناصر الدّين: به تخرّج البخاريّ. انتهى.
стр. 983
سنة ست وعشرين ومائتين
فيها كما قال في «الشذور» مطر أهل تيماء مطرا وبردا كالبيض، فقتل ثلاثمائة وسبعين إنسانا، وهدم دورا، وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك، اعف عن عبادك، ونظر إلى أثر قدم طولها ذراع بلا أصابع، وعرضها شبران، من الخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ست، فاتبعوا الصوت، فجعلوا يسمعون صوتا ولا يرون شخصا.
وفيها غضب المعتصم على الأفشين وسجنه وضيّق عليه، ومنع من الطعام حتّى مات أو خنق، ثم صلب إلى جانب بابك وأتي بأصنام من داره اتّهم بعبادتها فأحرقت، وكان أقلف [١] متّهما [٢] في دينه. وأيضا خافه المعتصم.
وكان من أولاد ملوك الأكاسرة، واسمه حيدر بن كاوس، وكان بطلا شجاعا مطاعا ليس في الأمراء أكبر منه.
وأيضا ظفر المعتصم بمازيار الذي فعل الأفاعيل بطبرستان وصلبه إلى جنب بابك والأفشين.
وفيها توفي أحمد بن عمرو الحرشيّ [٣] النيسابوريّ. سمع مسلم بن
стр. 984
خالد الزّنجي وطبقته، ولزم محمد بن نصر المروزي فأكثر عنه.
قال الحاكم: كان إمام عصره في العلم والحديث والزهد، ثقة.
وإسحاق بن محمد الفرويّ المدني [١] الفقيه. روى عن مالك وطبقته [٢] .
وإسماعيل بن أبي أويس [٣] الحافظ أبو عبد الله الأصبحيّ المدنيّ.
سمع من خاله مالك وطبقته، وفيه ضعف لم يؤخره عن الاحتجاج به عند صاحبي «الصحيحين» .
وقال ابن ناصر الدّين: أثنى عليه أحمد، والبخاريّ وتكلم فيه النسائيّ وغيره. انتهى.
وفيها سعيد بن كثير بن عفير، أبو عثمان المصريّ الحافظ العلّامة قاضي الدّيار المصرية. روى عن اللّيث، ويحيى بن أيوب والكبار، وكان فقيها نسابة أخباريّا شاعرا، كثير الاطلاع، قليل المثل، صحيح النقل، ثقة، روى عنه البخاريّ وغيره.
وفيها محدّث الموصل غسّان بن الرّبعى الأزديّ. روى عن عبد الرّحمن بن ثابت بن ثوبان وطبقته، وكان ورعا كبير القدر، [لكن] [٤] ليس بحجة.
وصدقة بن الفضل المروزيّ أبو الفضل، البحر في العلوم. روى عنه البخاريّ وغيره، وكان شيخ مرو على الإطلاق. قاله ابن ناصر الدّين [٥] .
стр. 985
وحسين بن داود المصّيصي المحتسب أبو علي الحافظ، لقبه سنيد، وبه اشتهر، أحد أوعية العلم والأثر، تكلم فيه أحمد وغيره، ووثقه ابن حبّان والخطيب البغدادي. قاله ابن ناصر الدّين.
ومحمد بن مقاتل المروزيّ شيخ البخاري بمكّة. روى عن ابن المبارك وطبقته.
وفيها شيخ خراسان الإمام يحيى بن يحيى بن بكر التميميّ النيسابوريّ في صفر بنيسابور [١] .
قال ابن راهويه: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى ولا أحسبه رأى مثل نفسه، ومات وهو إمام لأهل الدّنيا.