← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12399

شرح الموطأ - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (4 389 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

يقول: فإنه لا يفطر؛ لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأموناً، يعني من أهل الفسق، ويقول: أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال، لئلا يكون ذريعة إلى غيره، والغالب أن الذي ترد شهادته؛ لكن المسألة في خروج الشهر، في رؤية هلال شوال، ثقة من ثقات الناس رأى الهلال، وقال: رأيته، وقالوا: والله من معك ثاني، ما جاء أحد ترد شهادته، وتصوم الناس، إذاً لا بد أن تصوم لئلا تتهم، وتفتح باب لغيرك، بحيث كل من أراد أن يفطر في آخر الشهر يقول: والله أنا رأيت الهلال. ويقول: أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال، فمنع سداً للذريعة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وغيرهما، وقال الشافعي: يفطر وإن خالف، وإن خاف التهمة لم يفطر. مالك ألزمه بالصيام لئلا يتهم، طيب، إذا ارتفعت منزلته عن التهمة، يشهد بعدالته وتحريه وحرصه الجميع، وممن يصوم يوماً ويفطر يوم، مثل هذا يتهم بأن يفرط في يوم من رمضان، ارتفعت حاله عن التهمة، ما عاد سيتهمه يفطر وإلا ما يفطر؟ على كلام الإمام الشافعي يفطر؛ لكن على كلام غيره لا يفطر، يفطر مع الناس. طالب:. . . . . . . . . الإمام الشافعي يقول: إذا خاف التهمة يفطر اعتقاداً، يعني يعتقد أنه مفطر؛ لكن لا يأكل لئلا يتهم. ومن رأى هلال شوال نهاراً في الضحى، قبل الزوال، ومن رأى هلال شوال نهاراً فلا يفطر، ويتم صوم يومه ذلك، فإنما هو هلال الليلة التي تأتي اتفاقاً فيما بعد الزوال، وعند الأكثر فيما قبل الزوال، على ما تقدم. قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: "إذا صام الناس يوم الفطر وهم يظنون أنه من رمضان فجاءهم ثبت -يعني ثقة- أن هلال رمضان قد رؤي قبل أن يصوموا بيوم، وأن يومهم ذلك أحد وثلاثون فإنهم يفطرون في ذلك اليوم". سمعت مالكاً يقول: "إذا صام الناس يوم الفطر -يعني يوم العيد- وهم يظنون أنه من رمضان"، ما رؤي الهلال ليلة العيد، "وهم يظنون أنه من رمضان فجاءهم ثبت -يعني ثقة- أن هلال رمضان قد رؤي قبل أن يصوموا بيوم وأن يومهم ذلك أحد وثلاثون فإنهم يفطرون في ذلك اليوم أية ساعة جاءهم الخبر" الآن هذا الثبت يشهد بدخول الشهر أو بخروجه؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1612

لا ما يقبل بخروجه، هو يشهد بدخوله، وانبنى على قبول شهادته بدخوله خروجه؛ لكن لو شهد بالخروج مباشرة ما قبل، يقول: أنا أشهد أن رمضان دخل ليلة الخميس، ترى إحنا ما صمنا يوم الخميس، يعني لو جاءنا في وقتها وشهد نقبل شهادته، جاء وتأخر، هذا رأى الهلال يوم الأربعاء ليلة الخميس، والمسافة بينه وبين البلد الذي فيه الإمام شهر، الإمام ما تتصور مسألة بدون هذه الوسائل التي بلحظة يبلغ الآفاق الخبر، قد يقول قائل: لماذا ينتظر إلى ليلة العيد؟ نقول: ما وصل إلى المكان الذي فيه الإمام إلا بعد شهر، تعب، يمشي شهر كامل متصورة يعني قبل هذه الأزمان، فجاء يشهد بدخول الشهر، وعلى ضوء قبول شهادته بدخول الشهر أخرجنا نحن ما خرج بشهادته، أنما نحن أخرجنا الشهر؛ لأنه الشهر ما يمكن أن يكون واحد وثلاثين، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ لأنه لو جاء يشهد أن الشهر طلع ما قبلنا شهادته وحده؛ لكن هو يشهد في ظرف تقبل فيه شهادة الواحد. طالب:. . . . . . . . . افترض شخص جاء من نجران إلى مكة بدون وسيلة .. طالب:. . . . . . . . . أين؟ وكلام ابن عباس هل هو مبني على نص خاص أو على ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))؟ نأتي إلى المسألة السابقة. طالب:. . . . . . . . . لكن نفترض أننا على الترجيح السابق، الآن ما يمكن أن يمشي الشخص شهر؟ هذا الشخص ما عنده وسيلة وبطيء في المشي ثقيل بنصف المسافة التي يقطعها من الشام. . . . . . . . . الشام، أخذ شهر يمشي. طالب:. . . . . . . . . ما في مرأة قطعت ثلاثمائة كيلو بسبعة أشهر، فالناس يتفاوتون في السرعة بعض الناس، يقطع في اليوم ما لا يقطعه غيره في أسبوع، وبعض الناس يحتاج إلى مدة، أنت افترض هذا الشخص بطيء، ومع اتحاد المطلع، دعنا من اختلاف المطالع، ما وصل إلا ليلة العيد، وقال: أنا رأيت الهلال ليلة الخميس، وأنتم ما صمتم إلا يوم الجمعة، إيش يقول مالك؟

стр. 1613

وسمعت مالكاً يقول: "إذا صام الناس يوم الفطر، وهم يظنون أنه من رمضان فجاءهم ثبت أن هلال رمضان قد رؤي قبل أن يصوموا بيوم" هو رآه يوم الخميس، وإحنا ما صمنا إلا يوم الجمعة، وأن يومهم ذلك أحد وثلاثون، فإنهم يفطرون في ذلك اليوم؛ لأنه يوم العيد قطعاً، ما يمكن يصير الشهر واحد وثلاثين، لا بد أن يكون هذا يوم العيد، إحنا ما قبلنا شهادته في خروج الشهر، إنما قبلنا شهادته في دخوله، وبناءً على هذا الدخول الذي قبلناه، وسيلة شرعية ما في إشكال، بناء على هذه أخرجنا الشهر؛ لأنه لا يمكن أن يكون واحد وثلاثين، لكن هل نقضي ذلك اليوم أو ما نقضيه؟ هل نقول: والله ما شفناه وخلاص، والرسول يقول: ((صوموا لرؤيته)) وما رأيناه؟ طالب:. . . . . . . . . لا، المطلع متفق مع هذا الشخص الذي جاء. طالب:. . . . . . . . . نعم، لماذا؟ طالب:. . . . . . . . . إيه؛ لكنهم فرطوا في يوم داخل من الشهر. طالب:. . . . . . . . . جاءنا من يشهد بأن يوم الخميس من رمضان، والأصل أن شهادته مقبولة، نصوم وإلا ما نصوم؟ نقضي هذا اليوم وإلا ما نقضيه؟ يقول: فإنهم يفطرون في ذلك اليوم أية ساعة جاءهم الخبر، غير أنهم لا يصلون صلاة العيد، إن كان ذلك جاءهم بعد زوال الشمس"، لأنه بزوال الشمس ينتهي وقت صلاة العيد، وهل تقضى من الغد وإلا ما تقضى؟ يعني يصلون العيد من الغد أو لا يصلون؟ المالكية: لا تقضى، عند المالكية لا تقضى لئلا تشبه بالفرائض، وعند الحنابلة: تقضى، يصلون من الغد في وقتها، وعند أبي حنيفة والشافعي قولان كالمذهبين. على كل حال المسألة التي ذكرناها هل نقضي صيام ذلك اليوم الذي ثبت أنه من رمضان بشهادة الثبت الثقة أنه من رمضان؟ يعني لو جاءنا ليلة ثلاثين مثلاً وإحنا ما صمنا إلا ثمان وعشرين، وجاء ليلة واحد وثلاثين وقد صمنا تسعة وعشرين، فرطنا في اليوم الأول، يعني لو جاءنا ليلة تسعة وعشرين وما صمنا إلا ثمان وعشرين قضينا قطعاًَ؛ لكن لو جاءنا ليلة واحد وثلاثين وإحنا مفرطين من اليوم الأول على ضوء شهادته فالذي يظهر القضاء، ما دام قبلنا شهادته نرتب عليها الأثر، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1614

الموطأ - كتاب الصيام (٢) باب ما جاء في الصيام في السفر الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر للسامعين، يا ذا الجلال والإكرام. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الصيام في السفر: حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ . وحدثني عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: ((تقووا لعدوكم)) وصام رسول الله ﷺ ، قال أبو بكر: قال الذي حدثني: "لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج يصب الماء على رأسه من العطش، أو من الحر، ثم قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت، قال: فلما كان رسول الله ﷺ بالكديد دعا بقدح فشرب، فأفطر الناس". وحدثني عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". وحدثني يحيى عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إني رجل أصوم أفأصوم في السفر؟ فقال له رسول الله ﷺ : ((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)). وحدثني عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان لا يصوم في السفر. وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه "أنه كان يسافر في رمضان، ونسافر معه فيصوم عروة، ونفطر نحن، فلا يأمرنا بالصيام".

стр. 1615

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الصيام في السفر: يعني في حكمه، ودلت أحاديث الباب على جواز الصيام في السفر، وجاءت أحاديث أخرى تدل على كراهته والأمر بالفطر، وجاء ما هو أشد من ذلك من وصف من تابع الصيام بالعصيان، حيث قال ﵊ في حق بعضهم: ((أولئك العصاة)). فصام النبي ﵊، وصام أصحابه معه، وثبت عنه أنه أفطر في السفر، صام وأفطر، وكان الصحابة يسافرون معه ﵊ فمنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب هذا على هذا ولا هذا على هذا، وبهذا أخذ جمهور أهل العلم على أن الصوم في السفر صحيح ومجزئ ومسقط للطلب، وأنه إذا كان لا يشق على المسافر فهو أفضل من الفطر؛ لأنه ثبت عنه ﵊، ويشمله قوله -جل وعلا-: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] أما من شق عليه الصيام فالفطر في حقه أفضل، وإن زادت المشقة عصى بصيامه، فالمسألة تتبع المشقة. من أهل العلم من يرى أن الصيام في السفر لا يصح، وليس من البر، والصائم في السفر ((أولئك العصاة)) يعني نظروا إلى بعض النصوص دون بعض ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] هذا يقول بعض أهل الظاهر أن الصيام في السفر لا يجزئ؛ لأن الواجب عليه عدة، صام أو لم يصم، عليه القضاء، فدل على أنه لا يجزئ الصيام في السفر، وعامة أهل العلم يقدرون: من كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فالواجب عدة، يقدرون (فأفطر) لكي تلتئم النصوص وتجتمع. يقول -رحمه الله تعالى-: حدثني يحيى عن مالك عن الإمام الجليل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء المشهورين عن عبد الله بن عباس ﵄، وهذا من مراسيل الصحابة؛ لأن ابن عباس لم يشهد القصة؛ لأنه كان مقيماً مع أبويه في مكة، ولم يكن معهم حال السفر، ومراسيل الصحابة معروفة أنها على حكم الاتصال، ونقل عليه الاتفاق، وإن خالف من خالف كأبي إسحاق الإسفرائيني.

стр. 1616

أما الذي أرسله الصحابي ... فحكمه الوصل على الصوابِ أن رسول الله ﷺ خرج لعشر خلون من رمضان، سنة ثمان عام الفتح خرج إلى مكة في رمضان لعشر خلون منه فصام حتى بلغ الكديد، قال البخاري بعد رواية الحديث: قال أبو عبد الله: الكديد ماء بين عُسْفان وقديد، جاء في رواية صحيحة: حتى إذا بلغ عسفان، وفي مسلم فلما بلغ كراع الغميم، وهي قصة واحدة، فالذي عندنا الكديد، وجاء في رواية صحيحة عسفان، وجاء في أخرى وهي صحيحة أيضاً كراع الغميم. يقول القاضي عياض: "اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه النبي ﵊، والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة، المواضع الثلاثة: الكديد، كراع الغميم، وعسفان، كلها متقاربة، والجميع من عمل عسفان، يعني كلها تابعة لعسفان، فمن قال: أفطر بعسفان نظر إلى المعنى الأعم الأشمل، الموضع الأعم الأشمل، ومن ذكر الكديد، أو كراع الغميم فلتقاربهما، ولعل بعضهم أفطر في الكديد، وبعضهم أفطر في كراع الغميم، وبعضهم استمر إلى أن وصل الثاني، المقصود أنها متقاربة فلا اختلاف. فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، أفطر النبي ﵊ لأنه بلغه أن بعض الناس شق عليه الصيام، فأفطر ﵊ دفعاً للحرج والمشقة على أصحابه؛ لأنه لو لم يفطر لن يفطر من معه، ولو شق عليهم الصيام؛ لأنهم لا يسهل عليهم مخالفة النبي ﵊، ولو مع المشقة، لما عرف من حرصهم على الخير، وعدم تساهلهم في أمور دينهم. فأفطر فأفطر الناس، منهم من استمر على صيامه مع وجود المشقة، ومع رؤيته للنبي ﵊، وهو يفطر وهو يشرب، فقال النبي ﵊ لما أخبر عنهم قال: ((أولئك العصاة)) لأن الدين دين رحمة ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [(٧٨) سورة الحج]، وهذه رخصة من الله -جل وعلا-، فعلى المسلم أن يقبل هذه الرخصة، لا سيما إذا شقت عليه العزيمة.

стр. 1617

يقول الزهري: وكانوا -يعني الصحابة- يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ ، ظاهر السياق يدل على أن الزهري يرى أن الصيام في السفر منسوخ؛ لكنه لم يوافق على ذلك، والقاعدة صحيحة يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ عند التعارض، وعدم إمكان الجمع، فيأخذون بالأحدث فيعدونه ناسخاً لما قبله عند التعارض وعدم إمكان الجمع، أما إذا أمكن الجمع بالقول الذي أسلفناه فإنه لا يلجئ إلى النسخ؛ لأنه إبطال كلي للحكم، رفع كلي للحكم، نعم قد يحمل على حالة خاصة، فالتخصيص رفع جزئي، وهو أخف من القول بالنسخ. يقول القاضي عياض: "إنما يكون ناسخاً إذا لم يمكن الجمع، والجمع ممكن، بأن يحمل الفطر على من يشق عليه الصيام، والصيام على من لم يشق عليه" يعني كما قدمنا، وفي الحديث رد على من يرى أنه من استهل عليه الشهر في الحضر ثم سافر بعد ذلك رد على من يقول أن من استهل عليه الشهر وشهد أول الشهر في الحضر أنه ليس له أن يفطر لقوله -جل وعلا-: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة]، وهذا شهد الشهر، شهد أول الشهر فيلزمه أن يصوم بقية الشهر؛ لكن الحديث نص في الموضع، وهو مبين لما أجمل في الآية. يقول: وحدثني عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن مولاه أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، مبهم، وإبهام الصحابي لا يضر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، فلا يضر إبهام الصحابي، البيهقي في مواضع وصف ما جاء على هذا النحو مما أبهم فيه الصحابي وصفه بالإرسال، قال: "هذا حديث مرسل" على كل حال هو ليس بمرسل متصل، فيه راو لم يسم، ما سمي هذا الراوي وجهالته لا تضر؛ لأنه صحب النبي ﵊ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر الناس في سفره عام الفتح، وكانت العدة عشرة آلاف، النبي ﷺ خرج بعشرة آلاف من المدينة إلى مكة للفتح، وقيل: هم اثني عشر ألفاً، وجُمع بين القولين بأن الذين خرجوا معه من المدينة عشرة، ثم لحق به من خارج المدينة تكملة العدة.

стр. 1618

أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: ((تقووا لعدوكم)) هذا تعليل للأمر بالفطر؛ لأن فيه التقوي على العدو، لا سيما مع السفر؛ هذه العلة المنصوصة لا شك أنها معتبرة وجوداً وعدماً، فإذا كان عدم فطرهم أنشط لهم وأقوى لهم على سرعة الجري والكر والفر هذه مسألة أخرى، ولا تطرد هذه العلة في غير هذا الموضع ((تقووا لعدوكم)) لوجود عدو؛ لكن قد يقول قائل: إذا كان الفطر يتقوى به الطالب مثلاً في دراسته أو يتقوى به العامل في عمله، كما أفتى بعض الناس بمن يشق عليه الصوم أثناء العمل أو أثناء الدراسة يفطر ليتقوى بعمله؛ لأن العمل متعدي النفع، وهذا قاصر إلى غير ذلك من التعليلات؛ لكن هذه الأقاويل لا عبرة بها؛ لأن صوم رمضان فريضة، وركن من أركان الإسلام، لا تنتهك هذه الفريضة بمثل هذه الأعذار، فالتقوي إنما هو على العدو، وهنا في السفر أيضاً؛ لكن لو دهم العدو بلداً من بلدان المسلمين، وأرادوا الدفاع عن بلدهم، وهم صيام فشق عليهم ذلك قلنا: التقوي بالفطر على العدو منصوص عليه؛ لكن لا بد أن يكون لهذا الفطر أثر في صد العدو بأن يكون الصيام يضعف المسلمين عن صد عدوهم، ويمكن العدو من الاستيلاء عليهم، يتقووا على عدوهم؛ لأن العلة منصوصة، نعم الوصف مؤثر وهو السفر؛ لكن السفر وصف مؤثر مبيح للفطر، ولو لم يوجد عدو، فدل على أن التقوي بالإفطار على العدو قدر زائد على مجرد السفر، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ الآن عندنا وصفان في الحديث، وكلاهما مؤثر، وصف السفر هم مسافرون، الوصف الثاني: ((تقووا لعدوكم)) وهذه علة تستقل بالحكم إذا وجد العدو، فعلى هذا يفطر المسلم ولو كان بالحضر إذا كان بمواجهة عدو، يريد أن يستولي على بلده، أو ما أشبه ذلك، فإنه حينئذ يفطر ليتقوى عليه، وأما السفر لا شك أنه وصف معتبر ومؤثر؛ لكنه مؤثر وحده، بدليل النصوص الأخرى ليس فيها عدو ومع ذلك أفطروا. وصام رسول الله ﷺ ، وأخذ منه الصوم في السفر، وأنه أفضل من الفطر؛ لأنه فعله ﵊ أمرهم بالفطر وصام، ويشمله عموم قوله -جل وعلا-: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة].

стр. 1619

قال أبو بكر بن عبد الرحمن: قال الذي حدثني، هذا أيضاً مبهم لكنه موصوف بأنه صحب النبي ﵊ الذي حدثه في مطلع الكلام، قال الذي حدثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعرج، العرج بإسكان الراء قرية على نحو ثلاث مراحل من المدينة، يصب الماء على رأسه من العطش أو من الحر، يصب على رأسه من العطش أو من الحر، (أو) هذه للشك هل كان الصب من أجل الحر للتبريد؟ أو هو من أجل العطش؟ ولا شك أن البرودة تكسر شدة العطش، وإن كانت خارجية، ثم قيل لرسول الله ﷺ يا رسول الله: إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت؛ لأنهم فهموا أن أمر النبي ﵊ بالفطر أمر إرشاد لا أمر وجوب، بدليل أنه استمر صائم ﵊ قال: فلما كان رسول الله ﷺ بالقديد دعا بقدح من ماء فشرب، فأفطر الناس، ولذا ينبغي أن يقرن القول بالعم من أجل الاقتداء، فالذي يصدر الأوامر، ويصدر الأنظمة، ثم يخالف هذه الأوامر، وهذه الأنظمة لا شك أن غيره سوف يخالف. النبي ﵊ لما أمرهم بحلق رؤوسهم زمن الحديبية ترددوا، ودخل على أم سلمة وشكا إليها ما حصل من عدم امتثالهم لأمره ﵊، فقالت: "احلق رأسك" فحلق النبي ﵊ رأسه، فكادوا أن يقتتلوا، بادروا إلى الحلق، وهنا لما أفطر ﵊ أفطر الناس، يؤخذ من هذا أن مبادرة الآمر لا شك أن لها أثراً في تمام الإتساء والاقتداء، ومثل هذا لا يظن بهم أنهم خالفوا أمره معاندة، إنما خالفوا أمره رغبة في الخير؛ لأن الصيام من أفضل الأعمال، وظنوا أن هذا الأمر الذي وجهه إليهم ﵊ إنما هو من أجل الرأفة بهم، وإن كان الأفضل الاستمرار على الصيام، فرأوا الأخذ بالعزيمة؛ لكن لما أفطر تظافر القول والفعل منه ﵊، فلم يكن لهم مندوحة حينئذ من الفطر، فأفطر الناس. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1620

الرسول ﵊ يأخذ بالعزيمة، ولذا قام ﵊ حتى تفطرت قدماه، ونهى عن ذلك عن طول القيام الذي يشق على المصلي بحيث يحمله على الترك ((مه، أكلفوا من العمل ما تطيقون)) لكنه ﵊ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأحب أن يكون ﵊ عبداً شكوراً، اللهم صلي على محمد. وحدثني عن مالك عن حميد الطويل عن أنس في وراية مسلم أخبرني أنس بن مالك، وقد سئل عن صوم رمضان في السفر أنه قال: "سافرنا" في البخاري: "كنا نسافر" سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر" مجزوم بـ (لم) وحرك لالتقاء الساكنين، ولا المفطر على الصائم في مسلم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن، يقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "وهذا التفصيل هو المعتمد، وهو نص رافع للنزاع" يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك أيضاً حسن، هذا فيه توفيق بين النصوص التي في الباب. طالب:. . . . . . . . . لا، الأصل في السفر وجود المشقة، الأصل أن السفر من لازمه المشقة؛ لكن ارتفعت المشقة، وارتفع الخوف الذي فيه الترخص، وثبت أن السفر علة مستقلة، ولذا الذي لم يجد مشقة في سفره فأفطر عليه شيء؟ ما عليه شيء، لا يلزمه شيء، ولو كان في سفره أكثر راحة واطمئناناً منه في بلده، هذه رخصة، صدقة من الله -جل وعلا- تصدق بها على عباده، فالسفر وصف مؤثر، ومستقل بالحكم؛ لكن من صام مع عدم المشقة فهو أفضل، ومن أفطر مع وجود المشقة فهو أفضل، وبهذا تلتئم النصوص. طالب:. . . . . . . . . يعني إذا كان أميراً عليهم، يعني اتفقوا بأن يجعلوه أميراً عليهم، ورأى أن الصيام يشق عليهم أو لا يشق عليهم، فرأى أن من مصلحتهم أن يستمروا في صيامهم أو يأمرهم بالفطر له ذلك؛ لكن القدوة والأسوة هو النبي ﵊. طالب:. . . . . . . . . ((ليس من البر الصيام في السفر)) هذا بالنسبة لمن يشق عليه، يحمل على هذا.

стр. 1621

وحدثني يحيى عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه كذا في رواية يحيى وجميع أصحاب مالك يروونه كما في البخاري عن أبيه عن عائشة أن حمزة بن عمر الأسلمي، أما السياق الذي معنا عن أبيه عن حمزة مرسل؛ لأن عروة يحكي قصة لم يشهدها، عروة تابعي، فهو يحكي ويروي قصة لم يشهدها، هذا إرسال، لكن إذا رواها عن خالته عائشة اتصلت القصة، وفي بعض طرق الحديث روايته عن صاحبها عن حمزة بن عمرو الأسلمي، قال لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله إني رجل أصوم" في رواية للبخاري: "إني أسرد الصوم" وفي رواية: "وكان كثير الصيام" "إني رجل أصوم أفأصوم في السفر؟ " فقال له رسول الله ﷺ : ((إن شئت فصم وإن شئت فأفطر)) والمشيئة هذه لا شك أنها بناءً على الأصل في الحكم، وأن المسافر يجوز له أن يصوم، ويجوز له أن يفطر؛ لكن إن اعترى هذا الأصل ما يرجح الصيام، فالأفضل الصيام، وإن اعتراه ما يرجح الفطر ترجح الفطر، وإن زادت المشقة تعين الفطر على التفصيل السابق. يقول: وحدثني عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يصوم في السفر؛ لأنه يرى أن الفطر عزيمة، وجاء وصف من استمر في صيامه بالعصيان، وجاء أيضاً قوله ﵊: ((ليس من البر الصيام في السفر)) كل هذه جعلت ابن عمر لا يصوم في السفر، مع حرصه على الخير، وتحريه للاقتداء والإتساء، ومع ذلك كان لا يصوم في السفر. يروى هذا عن عمر ﵁ أنه كان لا يصوم في السفر، يروى أيضاً عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، ومعروف عن أهل الظاهر أو عن بعضهم أن الصوم في السفر لا يجزئ ولا يصح، بل يتعين الفطر، وأسلفنا أنهم استدلوا بقوله -جل وعلا-: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] يعني فالواجب عدة، صام أو أفطر، والجمهور يقدرون قبل ذلك فأفطر فعدة، يعني فيلزمه عدة. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1622

كيف؟ أيه؟ على حسب ما تقدم تفصيله، إن كان لا يشق بحال من الأحوال هذا الأفضل أن يستمر في صومه؛ لأن النبي ﵊ صام في السفر، ولعموم قوله -جل وعلا-: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [(١٨٤) سورة البقرة] لكن الذي يشق عليه الفطر في حقه أفضل. طالب:. . . . . . . . . هذا الأصل العصيان يترتب عليه، وإذا فعل الإنسان ما يضر به أثم، بعض الناس مريض، وينصحه الأطباء ألا يصوم، ومع ذلك يصوم، ويتضرر، يزيد مرضه، ويتأخر برؤه، ومع ذلك يصوم، نقول: "أولئك العصاة" لهذا الأمر؛ لأن من يرتكب ما يضر به آثم. وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يسافر في رمضان -عروة ابن الزبير فقيه أحد الفقهاء، والإمام مالك ﵀ يعنى بأقوال الفقهاء السبعة الذين هم فقهاء المدينة من التابعين. (فخذهم عبيد الله) تكرر مراراً عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (فخذهم عبيد الله عروة) الذي معنا، و (قاسم) القاسم بن محمد (سعيد أبو بكر سليمان خارجة). عن أبيه أنه كان يسافر في رمضان ونسافر معه فيصوم عروة، عروة يصوم؛ لأنه يرى أن الصيام أفضل، وثبت عن النبي ﵊ أنه صام في السفر، وثبت أن من الصحابة من كان يصوم في السفر، وكان المفطر لا يعيب على الصائم، والصائم لا يعيب على المفطر، فيأخذ بالعزيمة فيصوم عروة ونفطر نحن، فلا يأمرنا بالصيام؛ لأن فعلهم جائز أيضاً، فالذي يترخص لا يعاب عليه ولا يؤمر بالفطر.

стр. 1623

وعلى هذا لو سافر مجموعة لرحلة أو نزهة، وصام بعضهم وأفطر بعضهم، لا يعيب بعضهم على بعض، لكن لو كانوا اثنين قال واحد: نبي نجمع، وقال الثاني: ما إحنا بجامعين، اثنين قال واحد: نبي نجمع الصلاة، وقال الثاني: والله ما إحنا بجامعين التوقيت أفضل، مادمنا جالسين التوقيت أفضل، قال الثاني: خلينا نجمع لا تضيعوا علينا؛ لأنه هنا يفوت شيء، في الصيام ما يفوت شيء، لو أفطر واحد وصام واحد ما يفوت شيء، لكن هنا يفوت شيء وهو إيش؟ الجماعة، فهل نقول: يرتكب الأدنى الذي يريد التوقيت يجمع من أجل تحصيل الجماعة، أو نقول: يصر ويصلي كل صلاة في وقتها ولو فاتته الجماعة؟ المسألة افترضت في الثاني رفض قال: لا بد أن نجمع، يقول: أنا جامع جامع، تبي تجمع وإلا بكيفك، هل نقول لهذا: يفوت الجماعة ويصر، ويصلي كل صلاة في وقتها لأنه أفضل؟ أما بالنسبة لمن يقول: أنه لا يصح الجمع إلا لمن جد به السير هذه مسألة أخرى، لا يوافق صاحبه إذا كان يرى هذا الرأي، ولو أدى إلى أن يصلي منفرداً؛ لكن إذا كان يرى أن له جمع، وهو جالس، كما كان النبي ﵊ يفعل في تبوك، يجمع وهو جالس، ما جد به السير، وهذا معروف، والجمع رخصة -ولله الحمد- وفيه سعة، فمثل هذا يحرص على الجماعة ولو فاته الأفضل في التوقيت، ويستمر في صيامه. طالب:. . . . . . . . . على كل حال الأصل الجواز؛ لكن إذا كان يشق عليه مشقة يتضرر بها يأثم وصيامه صحيح، صيامه صحيح. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1624

سفر المعصية، سفر المعصية الجمهور على أنه من سافر سفراً يعصي فيه الله -جل وعلا- فإنه لا يترخص خلافاً لأبي حنيفة، وشيخ الإسلام يميل إلى قول أبي حنيفة، النصوص العامة تشمل من سافر سفر طاعة كالحج والعمرة والجهاد وصلة الأرحام، ومن سافر سفراً مباحاً كالنزهة، أو سافر سفر معصية، النصوص ما فرقت؛ لكن منزع الجمهور ومأخذهم من كون العاصي ينبغي أن يعاق عن متابعة سفره، فلا ييسر عليه السفر، ويسهل عليه ارتكاب الرخص، يعني بدلاً من أن يقال له: صلي الصلاتين، واجمع وتابع سفرك، ويوفر له الوقت، وهو عاصٍ في سفره، سافر ليقطع الطريق، أو لينتهك حرمات، أو ما أشبه ذلك يوفر له وقت، الجمهور ما يرون هذا، ويؤيد قولهم في أكل المضطر من الميتة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ [(١٧٣) سورة البقرة] فقيد تناول الأكل من الميتة وهو رخصة بعدم عصيانه في ذلك، وهو منزع حسن. باب ما يفعل من قدم من سفر أو أراده في رمضان: حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا كان في سفر في رمضان فعلم أنه داخل المدينة من أول يومه دخل وهو صائم، قال يحيى: قال مالك -رحمه الله تعالى-: "من كان في سفر فعلم أنه داخل على أهله من أول يومه، وطلع له الفجر قبل أن يدخل دخل وهو صائم". قال مالك: "وإذا أراد أن يخرج في رمضان فطلع له الفجر، وهو بأرضه قبل أن يخرج فإنه يصوم ذلك اليوم". قال مالك: "في الرجل يقدم من سفره وهو مفطر، وامرأته مفطرة حين طهرت من حيضها في رمضان أن لزوجها أن يصيبها إن شاء". يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما يفعل من قدم من سفر أو أراده في رمضان:

стр. 1625

حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا كان في سفر في رمضان فعلم أنه داخل المدينة من أول يومه، يعني في أول النهار وبعد طلوع الفجر، كان في سفر وطلع عليه الفجر وهو يعلم أنه يدخل المدينة من أول النهار بعد طلوع الفجر دخل وهو صائم، وإن دخل قبل الفجر يصوم وإلا ما يصوم؟ يلزمه الصيام، هذا شده الشهر، لا يجوز له بحال أن يفطر، وإذا تصور الخلاف فيمن دخل بعد طلوع الفجر فإنه لا يتصور أو يذكر مثل هذا في من دخل قبل طلوع الفجر. دخل وهو صائم، قال يحيى: قال مالك -رحمه الله تعالى-: "من كان في سفر فعلم أنه داخل على أهله من أول يومه، وطلع له الفجر قبل أن يدخل دخل وهو صائم" يعني على سبيل الاستحباب؛ لأنه في أول النهار مخير، يعني بعد طلوع الفجر مخير، متلبس بالوصف المبيح للفطر، وهو مخير بين أن يصوم ويفطر، ثم إذا دخل من أول النهار هل يمسك أو لا يمسك؟ دخل وهو صائم يعني استحباباً. قال مالك: "وإذا أراد أن يخرج للسفر في رمضان فطلع عليه الفجر وهو بأرضه قبل أن يخرج فإنه يصوم ذلك اليوم وجوباً" يصوم ذلك اليوم وجوباً، يعني يلزمه الإمساك، مادام طلع عليه الفجر وهو في البلد، يصوم وجوباً، وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أحمد وإسحاق يجوز له الفطر، يعني في رواية عند أحمد، يعني يجوز له الفطر؛ لأنه وإن طلع عليه الفجر إلا أنه عازم على السفر، واللفظ يحتمل أيضاً أن الإمام مالك يرى أنه إذا دخل عليه الفجر ولزمه الصيام أنه يلزمه الاستمرار فيه، ولا يجوز له أن يفطر، ولو باشر السفر، يعني يلزمه صيام ذلك اليوم، يعني اللفظ هذا يقول: "وإذا أراد أن يخرج للسفر في رمضان فطلع له الفجر وهو بأرضه قبل أن يخرج فإنه يصوم ذلك اليوم" يعني هل يصوم ذلك اليوم إلى أن يباشر السبب وهو السفر أو أنه يصوم ذلك اليوم بكامله إلى غروب الشمس باعتبار أنه شرع في واجب فلا يجوز له أن يخرج منه؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1626

إيه لكن الأحاديث السابقة النبي ﵊ سافر وأفطر في السفر؛ لكن هل شرع في صيام اليوم الذي أفطر فيه في الحضر وإلا في السفر؟ يعني شرع في الصيام بالحضر وإلا في السفر؟ في السفر؛ لأن المكان الذي أفطر فيه النبي ﵊ عن المدينة مراحل. الآن عندنا مسألتان واللفظ يحتملهما: إذا أراد أن يخرج في رمضان فطلع الفجر وهو بأرضه، يعني في بلده قبل أن يخرج فإنه يصوم ذلك اليوم وجوباً، يعني يلزمه الإمساك، مع طلوع الفجر، كأنه مقيم، ثم إذا غادر البلد فارق العمران، وباشر السبب المبيح للفطر، وهو السفر هل له أن يفطر أو ليس له أن يفطر؟ على كلام مالك ليس له أن يفطر. طالب:. . . . . . . . . هذا احتمال، ليس له أن يفطر، طيب تجيب له النصوص التي فيها أن النبي ﵊ أفطر في السفر، يقول لك: ما طلع عليه الفجر وهو بأرضه، طلع عليه الفجر وهو في السفر؛ لأن المكان الذي أفطر فيه النبي ﵊ عن مكة على مراحل، فلا يرد عليه مثل هذا، وهذا يقول به أبو حنيفة والشافعي وأيضاً مالك، مادام شرع في هذا الواجب لا يجوز له أن يخرج منه، وقال أحمد وإسحاق يجوز له أن يفطر؛ لأنه باشر السبب الذي من أجله -الذي هو السفر- الذي يبيح الفطر بالنص، والنبي ﵊ صام ثم أفطر، والصوم صوم في رمضان أيضاً، يعني شرع في صيام الواجب ثم قطعه للسبب المبيح، ولا فرق بين أن يشرع فيه في بلده أو في السفر، نقول: هذا الاحتمال ظاهر من اللفظ، احتمال ثاني: وهو أنه إذا أراد أن يخرج في رمضان فطلع له الفجر وهو بأرضه قبل أن يخرج فإنه يصوم ذلك اليوم يلزمه الإمساك، إلى أن يخرج، هذا الاحتمال الثاني.

стр. 1627

والقول الثاني في المسألة: أنه يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج، على كل حال مسألة ابتداء الترخص هل هو من العزم على السفر؟ أو هو من مفارقة البلد ومباشرة السبب؟ الجمهور على مباشرة السبب، وجاء عن أنس ﵁ أنه أفطر قبل أن يخرج، أفطر وهو في بيته ثم خرج، وقال رفع ذلك إلى النبي ﵊؛ لكن الحديث لا يخلو من ضعف، وعلى كل حال الوصف المؤثر والمبيح للفطر هو السفر، ولا يسمى مسافر حتى يخرج من البلد، ما دام في بلده لا يقال له: مسافر، فعلى هذا لا يترخص إلا إذا باشر الوصف المبيح للفطر وهو السفر. هذه مسألة أخرى، قال مالك: في الرجل يقدم من سفره وهو مفطر ... طالب:. . . . . . . . . كيف؟ كذلك ما يجمع ولا يقصر حتى يباشر السبب. طالب:. . . . . . . . . مسألة تغليب جانب الحضر المقصود أنه باشر السبب المبيح للترخص. طالب:. . . . . . . . . دخل الوقت وهو في الحضر؟ الجمهور يغلبون جانب الحضر وإن باشر السبب، على كل حال نشوف المسألة الثانية، وهي تحتاج إلى تأمل. قال مالك: "في الرجل يقدم من سفره وهو مفطر، وامرأته مفطرة" الذي يقدم من السفر في أثناء النهار يلزمه الإمساك أو ما يلزمه؟ خلاف، طيب المرأة إذا طهرت في الظهر مثلاً يلزمها الإمساك وإلا ما يلزمها؟ مثله خلاف، نشوف رأي مالك قال مالك: "في الرجل يقدم من سفره وهو مفطر وامرأته مفطرة حين طهرت من حيضها -يعني أو نفاسها- في رمضان أن لزوجها أن يصيبها –يجامعها- إن شاء". على هذا الكلام يلزمه الإمساك؟ ما يلزمه الإمساك، يلزمها هي الإمساك؟ لا يلزمها الإمساك على رأي مالك، يعني أصل المسألة: أن من أفطر لسبب مبيح للفطر، سبب شرعي مبيح للفطر، هل يستديم الفطر بقية يومه إذا زال السبب، أو يلزمه الإمساك؛ لأن الفطر معلق بسبب وارتفع السبب؟ هذه أصل المسألة، يعني إن زالت العلة، وزال السبب المبيح للفطر هل يستمر؟ كما يقول أحمد والشافعي: هل يمسك باعتبار أنه زال السبب، هل يمسك كما يقول أحمد والشافعي، أو يستمر في فطره لأن الصوم لا يتجزأ، أفطر في أوله نصف النهار هل هو صوم شرعي؟ نعم، وبهذا يقول مالك وأبو حنيفة.

стр. 1628

في المغني لابن قدامة يقول: "فصل: فأما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً" يعني يخرج من يباح له الفطر باطناً فقط، يعني كمن رأى الهلال وردت شهادته، وما أشبه ذلك. فأما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً كالحائض والنفساء والمسافر والصبي والمجنون والكافر والمريض إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار ففيهم روايتان: إحداهما: يلزمهما الإمساك بقية اليوم وهو قول أبي حنيفة. والثاني: لا يلزمهما الإمساك وهو قول مالك والشافعي، وروي عن ابن مسعود أنه قال: "من أكل في أول النهار فليأكل في آخره" ووجهه أنه وجد السبب المبيح للفطر في أول النهار، وآخر النهار ما هو محل للصيام لأن الصيام لا بد أن يستوعب طرفي الوقت، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا مضى عليه وقت وهو مفطر لا يسمى بقية اليوم صيام شرعي، فكيف يلزم بغير ذلك، هذه وجهة نظر مالك وأبي حنيفة، وأما بالنسبة للرواية الأولى وهي قول الشافعي أنه شهد الشهر، وارتفع العذر المبيح، فكيف يأكل وهو غير معذور ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] ولا شك أن مثل هذا القول أحوط، والأدلة محتملة. طالب:. . . . . . . . . لا، أبو حنيفة مع مالك، والشافعي مع أحمد، عندنا هنا في المسألة افترض المسألة في مسافر وصل البيت الساعة تسعة، وكان مفطر مفطراً في مثلاً في جدة، وفي الطائف جاء على الطائرة وصل البلد الساعة تسعة، من تسع إلى خمس ونصف يلزمه الإمساك أم لا؟ أو امرأة حائض طهرت بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس هي في أول النهار مفطرة وجوباً، فهل يلزمها الإمساك في بقية النهار؟ أفطرت لعذر مبيح يبيح لها الفطر ظاهراً وباطناً، والمسافر أفطر لعذر مبيح يبيح له الفطر ظاهراً وباطناً، في أول النهار لهم عذر مبيح، في أثنائه وفي آخره، نعم ليس هناك عذر، ارتفع العذر، أفطروا لعذر وارتفع العذر، شهدوا الشهر يلزمهم أن يصوموا على قول أحمد والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد توافق قول مالك وأبي حنيفة، وهي أنه من ساغ له أن يأكل في أول النهار ما الفرق بينه وبين آخره؟ صوم لا يعتد به، يلزمه قضاؤه، فكيف يلزم بالإمساك؟

стр. 1629

هذا يقول: وقال أبو حنيفة: متى زالت علة الفطر وجب إمساك بقية اليوم. يعني مثل قول أحمد، والذي قاله في المغني يلزمهم الإمساك بقية اليوم وهو قول أبي حنيفة، يعني أنا خلطت يعني جعلت الشافعي مع أحمد وأبو حنيفة مع مالك، لا العكس أبو حنيفة مع أحمد والشافعي مع مالك. إيش تقول؟ طالب:. . . . . . . . . يلزمه الإمساك؟ على كل حال تعرفون أنتم المذاهب فيها أكثر من قول، فنقول: أن أخذ المذاهب لا بد أن يكون من كتب أربابها، هذا الأصل؛ لأن الذي ينقل عن المذاهب، وهو من غير المذهب، قد يعتمد رواية غير المعروفة في المذهب، وقد يعتمد على قول غير معتبر في المذهب؛ لأن بعض المذاهب فيها روايات، روايتين، ثلاث، أربع، أكثر، والشافعية عندهم القول القديم والجديد، وأبو حنيفة عندهم الرواية، وظاهر الرواية وعندهم الأصحاب، هل يقدم قول أبي حنيفة ويعتبر قول الصاحبين؟ يعني مسائل معروفة عندهم، فلا شك أن مثل الشراح، شراح الحديث إذا كان ما هو من نفس المذهب، يعني تعتمد على النووي وعلى ابن حجر في نقل إمام الشافعية؛ لأنهم أئمة في هذا الباب، تعتمد على ابن عبد البر في نقل أقوال مالك؛ لأنه إمام من أئمة المالكية، تعتمد على العيني في نقل أقوال أبي حنيفة؛ لأنه فقيه من فقهاء الحنفية؛ لكن تجد في كثير من الأحيان في الشروح ينقلون عن الإمام أحمد رواية ليست هي المذهب، وقل مثل هذا إذا نقل ابن قدامة عن الشافعية أو نقل الزرقاني عن الحنفية، كله موجود، والتحري أن تنقل المذاهب من كتب أصحابها، وهذا كلام صاحب المغني، يقول: "والثاني لا يلزمهم الإمساك، وهو قول مالك والشافعي" ولا يعني أن الشافعية كلهم على هذا القول، يعني قد يكون هذا القول الجديد أو القديم، وعندهم أيضاً المفتى به هو إيش عند الشافعية؟ القول الجديد إلا في بضع عشرة مسألة، ذكرت في مقدمة المجموع، وفي الأشباه النظائر، وغيرها يرجع إليها، فالفتوى فيها على القديم، فاحتمال أن ابن قدامة وقف على القول الجديد، والمفتى به على القديم أو العكس، فيتحرى في نقل المذاهب من كتب أصحابها. داخل المدينة من أول يومه، يعني بعد طلوع الفجر، خارج المدينة .... طالب:. . . . . . . . . كيف؟

стр. 1630

طالب:. . . . . . . . . هو في الأصل مباح له الفطر في أول النهار، ما دام مالك ﵀، يعني لو أفطر في السفر ودخل المدينة ولو في أول النهار ما يلزمه الإمساك، بدليل أن له أن يطأ زوجته المفطرة، فالذي يظهر أنه دخل وهو صائم، كأنه يقول: أن الصيام أفضل، يمسك وهو في سفره، يعني مثل ما نقول أن الإنسان إذا كان يغلب على ظنه أنه يدخل البلد في أول وقت صلاة العصر، فالأفضل له ألا يجمع العصر مع الظهر، وإن كان السبب المبيح قائماً، وهنا مثله .. طالب:. . . . . . . . . يعني إذا أراد أن يخرج؟ وهو صائم استحباباً؛ لأنه في أول النهار العذر قائم. كيف؟ طالب:. . . . . . . . . لأنه يسوغ له أن يفطر، الآن ما بعد وصل، ما بعد دخل باقي مائة كيلو على البلد وطلع الفجر، السبب قائم. طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . إيه ليش؟ لأن السبب قائم ما في أحد يقول: ما يجوز له يفطر، السبب قائم مسافر باقي مائة كيلو ما هو بواصل إلا بعد ساعة من طلوع الفجر. طالب:. . . . . . . . . إذا أراد أن يخرج غير كونه مسافر بالفعل، الآن ما بعد باشر السبب؛ لكن هو السبب قائم قبل أن يدخل البلد باقي ساعة على وصول البلد، السبب قائم والأصل السفر ما هو بالأصل الحضر، لاحظ الأصل الأصل في المسألة الأولى السفر، افترض أنه يقول: والله أنا ما أنا بداخل اليوم، احتمال، حصل عليه حادث ولا دخل ما دام السبب قائم فله أن يفطر، فيستحب له ما دام يصل أول النهار ومدة المشقة المصاحبة للسفر مدة يسيرة وإيش المانع أنه يمسك استحباباً؟ نعم، وصومه صحيح؛ لأن الحكم من حيث الأفضل وعدمه الحكم للغالب، الغالب هو السفر أو الغالب الحضر؟ أيضاً المسألة الأولى: الأصل فيها السفر، والمسألة الثانية: الأصل فيها الحضر؛ لأن الأصل يتبع طلوع الفجر، طلع عليه الفجر وهو مسافر في المسألة الثانية طلع عليه الفجر، وهو مقيم. باب كفارة من أفطر في رمضان:

стр. 1631

حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، فقال: لا أجد، فأتي رسول الله ﷺ بعرق تمر فقال: ((خذ هذا فتصدق به)) فقال: يا رسول الله ما أجد أحوج مني، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((كله)). وحدثني عن مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب نحره، وينتف شعره، ويقول: هلك الأبعد، فقال له رسول الله ﷺ : ((وما ذاك؟ )) فقال: أصبت أهلي وأنا صائم في رمضان، فقال له رسول الله ﷺ : ((هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ )) فقال: لا، فقال: ((هل تستطيع أن تهدي بدنة؟ )) قال: لا، قال: ((فاجلس)) فأتي رسول الله ﷺ بعرق تمر، فقال: ((خذ هذا فتصدق به)) فقال: ما أجد أحوج مني، فقال: ((كله، وصم يوماً مكان ما أصبت)). قال مالك ﵀: قال عطاء: فسألت سعيد بن المسيب كم في ذلك العرق من التمر؟ فقال: "ما بين خمسة عشر صاعاً إلى عشرين". قال مالك ﵀: سمعت أهل العلم يقولون: "ليس على من أفطر يوماً في قضاء رمضان بإصابة أهله نهاراً أو غير ذلك الكفارة التي تذكر عن رسول الله ﷺ فيمن أصاب أهله نهاراً في رمضان، وإنما عليه قضاء ذلك اليوم، قال مالك: "وهذا أحب ما سمعت فيه إلي". يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب كفارة من أفطر في رمضان: وأطلق الفطر ولم يقيده بالجماع؛ لأنه لا فرق عنده ﵀ بين المفطرات من أكل وشرب وجماع، فمن أكل في رمضان متعمداً أو شرب في نهار رمضان متعمداً، أو جامع في نهار رمضان متعمدا ًعليه الكفارة، هذا رأيه ﵀، ولذا أطلق في الترجمة، واختار من ألفاظ الرواة اللفظ المجمل.

стр. 1632

قال: حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة –﵁ أن رجلاً أفطر في رمضان، والذي في البخاري عن أبي هريرة: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ((ما لك؟ )) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، جاء باللفظ المجمل ليشمل جميع المفطرات ﵀، قال: ((ما لك؟ )) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، قال: ((هل تجد رقبة تعتقها؟ )) تمسك بهذا الحنابلة والشافعية أن الكفارة خاصة بمن جامع في نهار رمضان، واللفظ المجمل قال به الإمام مالك وأبو حنيفة: من أكل متعمداً، أو شرب متعمداً، أو جامع عن عمد فإنه تلزمه الكفارة وإلا فلا، طيب، إيش الفرق بين المتعمد والناسي بالنسبة للأكل والشرب؟ طالب:. . . . . . . . . هذا عند الحنابلة والشافعية؛ لكن مالك يلزمه القضاء، ولا كفارة عليه، ستأتي المسألة؛ لكن من شرب متعمداً أو أكل متعمداً، أو جامع عن عمد هذه تلزمه الكفارة عند مالك، بينما عند أحمد والشافعي لا تلزمه الكفارة إلا بالجماع، ولذا اختار الإمام مالك أن رجلاً أفطر في رمضان، أفطر بأي شيء يشمل كل المفطرات. والرجل هذا جاء وصفه بأنه أعرابي، سماه بعض الشراح بأنه سلمان أو سلمة بن صخر البياضي، والأكثر على عدم تسميته، وقيل: أن سلمان هذا هو الذي ظاهر، وليس هو الذي جامع، المقصود أن اسمه لا يهمنا، كثير من الشراح قال: لم يسم. أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً. (أو) هذه أخذ منها مالك أن الكفارة على التخيير، وقال الجمهور: هي على الترتيب ((هل تجد رقبة؟ )) قال: لا، ((هل تستطيع صيام شهرين؟ )) قال: لا، قال: ((تطعم ستين مسكيناً؟ )) فهي مرتبة على الترتيب، لا يجزئ الصيام مع القدرة على العتق، ولا يجزئ الإطعام مع القدرة على الصيام، ولذا يقول أهل العلم: أن من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة ظهار، كفارة الظهار الترتيب ظاهر مقيد الخصلة الثانية مقيدة بعدم الاستطاعة على الأولى، وهكذا فالترتيب ظاهر.

стр. 1633

يقول أهل العلم: "من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة ظهار" ما يقولون: عليه كفارة مجامع في نهار رمضان لماذا؟ هي مضبوطة كفارة الجماع في نهار رمضان مضبوطة بالأحاديث الصحيحة؛ لكن يقولون: "من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة ظهار" لماذا؟ لأن كفارة الظهار مضبوطة بالقرآن المعروف عند الخاص والعام، فيحال عليه، أما مثل هذا الحديث أو مثل هذه الأحاديث قد تخفى على كثير من الناس، لو قيل: عليك كفارة مجامع في نهار رمضان، تخفى على كثير من الناس، بخلاف القرآن الذي يعنى به كل مسلم عالم وجاهل، كلهم يعنون بكتاب الله، بينما السنة لا يعتني بها إلا أهل العلم، فيحال على المعروف لدى الخاص والعام. ولذا جاء في حديث عبادة: بايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وبيعة النساء متأخرة عن بيعة الرجال، فكيف يحال بالمتقدم على المتأخر؟ لأن بيعة النساء مضبوطة بالقرآن، بيعة الرجال ما أشير لها وما ذكرت في القرآن، لكن يحال على ما في القرآن؛ لأنه معروف لدى الخاص والعام، وعلى هذا فالكفارة على الترتيب يعتق رقبة، لم يجد، يصوم شهرين متتابعين، لم يجد، يطعم ستين مسكيناً. لكن لماذا لا يقال: أن من جامع في نهار رمضان عليه كفارة قتل؟ يقال: عليه كفارة ظهار، لماذا لا يقال: عليه كفارة قتل؟ لأن كفارة القتل لا إطعام فيها عند جمع من أهل العلم، يعني لم ينص عليها، من قال بالإطعام في كفارة القتل فعلى سبيل الإلحاق، في كفارة القتل بكفارة الظهار.

стр. 1634

فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، وهذه الرقبة جاءت مطلقة هنا، ومطلقة أيضاً في كفارة الظهار من غير تقييد بوصف، وجاء تقييدها بالإيمان في كفارة القتل، فهل نحمل المطلق على المقيد أو لا؟ يحمل المطلق على المقيد لماذا؟ للاتحاد في الحكم، وإن اختلف السبب، معروف أنه إذا اتحد الحكم والسبب حمل المطلق على المقيد بالإجماع، إذا اتحد الحكم والسبب؛ لكن إذا اتحد الحكم دون السبب فالجمهور على حمل المطلق على المقيد كما هنا، والعكس لا يحمل المطلق على المقيد كما في اليد مقيدة في آية الوضوء، ومطلقة في آية التيمم، وإذا اختلف الحكم والسبب لا يحمل المطلق على المقيد إجماعاً، كاليد في آية الوضوء واليد في آية السرقة. أو صيام شهرين متتابعين: التتابع لازم، فإن أفطر يوماً استأنف، إلا لعذر يبيح له الفطر في رمضان. أو إطعام ستين مسكيناً قال: لا أجد، فأتي رسول الله ﷺ بعرق فيه تمر، والعرق بفتح العين والراء. طالب:. . . . . . . . . أو صيام شهرين متتابعين رواية مين؟ على كل حال إحنا اعتمدنا من الأول رواية يحيى، رواية يحيى المعتمدة في الشرح. بعرق تمر: العرق بفتح العين والراء، ويروى بإسكان الراء، قال عياض: والصواب بفتح الراء، وهو المكتل زنبيل فيه تمر، قال: ((خذ هذا فتصد به)) أي بالتمر الذي فيه، فقال: يا رسول الله ما أحد أحوج مني، ما أحد أحوج، هذه (ما) عاملة أو غير عاملة؟ عاملة، حجازية وإلا تميمية؟ حجازية. "ما أحد أحوج مني" وفي رواية: "فو الله ما بين لابتيها" يريد الحرتين حرتي المدينة "أهل بيت أفقر من أهل بيتي"، وأخذ منه جمع من أهل العلم جواز القسم على غلبة الظن.

стр. 1635

فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، جمع ناب، وهي الأسنان الملاصقة للرباعيات وهي أربعة، والضحك فوق التبسم، ثم قال: ((كله)) وفي رواية: ((أطعمه أهلك)) وفي رواية: ((عيالك)) الآن هذا العرق الذي فيه التمر هو المطلوب أن يتصدق به، وعلى هذا ما دام تحمله غيره، وتصدق على أهله به سقطت عنه الكفارة أو مازالت الكفارة لازمة له؟ يعني الأقعد الماشي على القواعد أن الكفارة تلزمه، وتبقى دين في ذمته كديون الآدميين، متى ما أيسر يكفر، وأن هذا التمر الذي جيء به وتصدق به عليه لا علاقة له بالكفارة، رجل أفقر ما في المدينة يستحق صدقة، بل يستحق إسعاف، يعني جاء هذا التمر فرصة أن يدفع إليه، ما يوجد في البلد أفقر منه، هو أحق الناس به، وحينئذ تبقى الكفارة دين في ذمته، ومنهم من يرى أنه إذا كان معسراً تسقط عنه الكفارة، واستدلوا بظاهر هذا الحديث. طالب:. . . . . . . . . ولم يجد؟ على كل حال الأقعد والماشي على القواعد وهو اختيار كثير من أهل العلم أن الكفارة تبقى كديون الآدميين، دين في ذمته متى أيسر يدفعها.

стр. 1636

يقول: وحدثني عن مالك عن عطاء بن عبد الله الخرساني، وفيه مقال لأهل العلم، صدوق يهم كثيراً، عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابي، لم يسم، وهو الأعرابي السابق، إلى رسول الله ﷺ يضرب نحره، وينتف شعره، وزاد الدارقطني: "ويحثو على رأسه التراب" ويقول: هلك الأبعد، يعني نفسه، وفي بعض طرقه: "هلكت وأهلكت" على ما تقدم، هلك الأبعد، يعني هلك بنفسه، وأهلك زوجته التي واقعها، فقال له رسول الله ﷺ : ((وما ذاك؟ )) أي الذي أهلك، فقال: "أصبت أهلي" أي جامعت زوجتي وأنا صائم في رمضان، فقال له رسول الله ﷺ : ((هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ )) والرقبة مقيدة بالإيمان عند الجمهور، فقال: "لا" قال: ((هل تستطيع ... )) يعني تقدر أن تهدي بدنة؟ وهذه الجملة نص الحفاظ على أنها غير محفوظة، قال البخاري: لا يتابع عطاء عليها ((هل تستطيع أن تهدي بدنة؟ )) قال: "لا" يعني لا أستطيع، قال: ((فاجلس)) انتظاراً للحل، إما يأتي أحداً بشيء، أو ينزل وحي يعفيك، المقصود اجلس، قال: ((فاجلس)) فأتي رسول الله ﷺ بعرق تمر أي فيه تمر، فقال: ((خذه هذا فتصدق به)) فقال: "ما أحد أحوج مني" فقال: ((كله)) ظاهره أنه صدقة عليه، كله ما دام ما في أحد أحوج منك إليه كله، ظاهر اللفظ أنه صدقة عليه لا أنه هو الكفارة، فعلى هذا تبقى الكفارة دين في ذمته، فقال: ((كله وصم يوماً مكان ما أصبت)) وعلى هذا يلزمه قضاء ذلك اليوم. قال مالك –﵀: قال عطاء: فسألت سعيد بن المسيب كم في ذلك العرق من التمر؟ فقال: "ما بين خمسة عشر صاعاً إلى عشرين" في حديث أبي هريرة عند أحمد: خمسة عشر بدون تردد، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: عشرون صاعاً.

стр. 1637

قال مالك: "سمعت أهل العلم يقولون: "ليس على من أفطر يوماً في قضاء رمضان بإصابة أهله نهاراً عمداً أو غير ذلك سواءً كان عن عمد أو غير عمد، يعني لقضاء رمضان عليه يوم أو أيام من رمضان صامها في شوال في القعدة من غيرهما من الشهور ثم جامع أهله يقول مالك: سمعت أهل العلم يقولون: "ليس على من أفطر يوماً في قضاء رمضان، يعني في غير شهر رمضان بإصابة أهل نهارً سواءً كان عمداً أو غير ذلك الكفارة التي تذكر عن رسول الله ﷺ فيمن أصاب أهله نهاراً في رمضان، لحرمة رمضان، لحرمة الزمن، وإنما عليه قضاء ذلك اليوم فقط، قال مالك: "وهذا أحب ما سمعت فيه إلي" وعليه عامة أهل العلم إلا ما يروى عن قتادة وحده، فقال: عليه الكفارة، وقيل: عليه قضاء يومين، كمن أفسد الحج يكمل الحج، وأيضاً يمضي في فاسده، ويحج حجة مكانها، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1638

الموطأ - كتاب الصيام (٣) أبواب: الحجامة، صيام عاشوراء، الوصال الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر للحاضرين والسامعين، يا ذا الجلال والإكرام. قال المؤلف -رحمه الله تعالى- باب ما جاء في حجامة الصائم: حدثني يحي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يحتجم وهو صائم، قال: ثم ترك ذلك بعد، فكان إذا صام لم يحتجم، حتى يفطر. وحدثني عن مالك عن بن شهاب أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ﵃ كانا يحتجمان وهما صائمان. وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يحتجم وهو صائم، ثم لا يفطر، قال: وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم. قال مالك ﵀: "لا تكره الحجامة للصائم إلا خشية من أن يضعف، ولولا ذلك لم تكره، ولو أن رجلاً احتجم في رمضان، ثم سلم من أن يفطر لم أر عليه شيئاً، ولم آمره بالقضاء لذلك اليوم الذي احتجم فيه؛ لأن الحجامة إنما تكره للصائم لموضع التغرير بالصيام، فمن احتجم وسلم من أن يفطر حتى يمسي فلا أرى عليه شيئاً، وليس عليه قضاء ذلك اليوم". الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في حجامة الصائم: أي ما حكمها؟ وجاء فيها حديث ابن عباس في البخاري أن النبي ﵊ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، والحديث في البخاري، وفيها أيضاً حديث شداد بن أوس في المسند والسنن أن النبي ﵊ قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) احتجم النبي ﵊ وهو صائم، وحديث شداد بن أوس: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) وعليهما المعول عند أهل العلم فيمن قال: بأن الحجامة تفطر، ومن قال: بأن الحجامة لا تفطر.

стр. 1639

فالجمهور على العمل بحديث ابن عباس، وأن النبي ﵊ احتجم وهو صائم، وأما حديث شداد بن أوس: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) فأجابوا عنه بأجوبة منها: أنه منسوخ، وذلك أن حديث شداد كان عام الفتح، وحديث ابن عباس في حجة الوداع، ولا يقول أحد: بأن حديث ابن عباس متقدم على حديث شداد، كلهم متفقون على أن حديث شداد متقدم على حديث ابن عباس، ولذا قال الشافعي: حديث شداد منسوخ بحديث ابن عباس؛ لأن حديث شداد كان عام الفتح، وحديث ابن عباس في حجة الوداع وهو متأخر، وإنما كانوا يعملون بالآخر من فعله ﵊، والجمهور على هذا، ومنهم من يقول: أن معنى ((أفطر الحاجم والمحجوم)) أن أمرهما يؤول إلى الفطر؛ فالحاجم لا يؤمن أن يتسرب شيء من الدم إلى جوفه، فيفطر بهذا، والمحجوم لا يؤمن أن يضعف عن الصوم، فيضطر إلى الفطر، فيكون المقصود مآل أمرهما إلى الفطر، يقول ابن خزيمة: "جاء بعضهم بأعجوبة، وهي أن المراد بقوله ﵊: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) لأنهما كانا يغتابان الناس، مر النبي ﵊ بحاجم ومحجوم كانا يغتابان الناس، فقال: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بالغيبة، يقول: ولو سألت هذا القائل وقلت له: هل الغيبة تفطر الصائم؟ لقال: لا، إذاً كيف يعول على أن السبب في فطرهما الغيبة والغيبة لا تفطر حتى عند هذا القائل؟ ولذا تعجب ابن خزيمة من هذا القول. قد يقول قائل: إذا كان مآل الحاجم إلى الفطر؛ لأنه قد يتسرب إلى جوفه شيء من الدم؛ لأنه كان العمل على الآلات القديمة التي تعمل بالمص، والآن أدوات كهربائية أو آلية تشتغل تلقائياً من غير أن يمصها الحاجم، فهل نقول: أنه يفطر أو لا يفطر؟ والصوم إنما ثبت بيقين، وكونه ينساب إلى جوفه شيء مشكوك فيه، حتى على أداء الآلات القديمة، قد يتحرز ولا ينساب إلى جوفه شيء، فكيف يفطر؟ على كل حال هذا على القول بتصحيح حديث شداد، والمعتمد تصحيحه، لكنه متقدم على حديث ابن عباس. طالب: ألا يمكن أن يقال: الحكمة في الإفطار تعبدية؟

стр. 1640

لا، لأصحاب القول الآخر أجوبة، يقول الإمام أحمد وإسحاق: يفطر الحاجم والمحجوم، المظنة هنا نزلت منزلة المئنة، كما أن النوم ينقض الوضوء وهو في الأصل ليس بناقض، والوضوء ثبت بيقين، والنقض بالناقض الحقيقي مشكوك فيه؛ لأن الناقض ما يحصل أثناء النوم، لا النوم نفسه، بدليل أن النوم إذا لم يكن مستغرقاً لم ينتقض الوضوء، وجاء ما يدل على أنهم كانوا ينتظرون العشاء فتخفق رؤوسهم، والنبي ﵊ يضطجع ويسمع له خطيط. المقصود أن هذه مظنة بفطر، وليست بفطر، يجيبون على حديث ابن عباس بجواب جيد، يقولون: احتجم النبي ﵊ وهو صائم، وفي حديث شداد بن أوس: "احتجم الرجل وهو صائم" لكن النتيجة؟ النتيجة: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) لكن ليس في حديث ابن عباس أنه أفطر أو ما أفطر؛ لكن فيه أنه احتجم، لكن هل فيه أنه استمر على صيامه؟ طالب:. . . . . . . . . احتجم وهو صائم؛ لكن يمكن على احتمال أن يكون سياق مثل هذا الحديث للاستدلال به على أن الحجامة لا تفطر، هذا احتمال، الاحتمال الثاني يساق على جواز الحجامة لمن احتاج إليها وإن كان صائماً ولو اضطره الأمر إلى الفطر، يعني ما هي مسألة ناسخ ومنسوخ وانتهى الإشكال، لا شك أن حديث ابن عباس أقوى من حديث شداد؛ لأنه في البخاري؛ لكن ما موقف الأئمة من هذه الأحاديث؟

стр. 1641

الجمهور يقولون: حديث شداد منسوخ؛ لأنه متقدم، وهذا لا شك أنه مخرج، عند ضيق المخارج، وآخر شيء القول بالنسخ، آخر ما يلجأ إليه، إذا لم يمكن الجمع بين النصوص، ولا الترجيح يلجأ إلى النسخ، فإن قلنا: بالترجيح فحديث ابن عباس أرجح، وإن قلنا: بالتقدم والتأخر فحديث شداد متقدم، وهذا مما يؤيد قول الجمهور وإن قلنا: بجواب الحنابلة ومن يقول: بفطر الحاجم والمحجوم، قلنا: أن ليس فيه أكثر مما ذكر ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم؛ ولكن ماذا عن النتيجة؟ ماذا عن النتيجة؟ ما ذكرت في حديث ابن عباس؛ لكن ظاهر اللفظ، ليس بنص في المسألة، ظاهر النص؛ لأن عندنا نص وظاهر، والاحتمال الأرجح والأظهر في الدلالة من النص، واحتمال مرجوح يسمونه المؤول، الذي يقابل الظاهر، فالنص الذي لا يحتمل غير الدلالة التي هي منطوق الخبر، والظاهر هو الاحتمال الراجح، والاحتمال الراجح من حديث ابن عباس أنه سيق لبيان أن الحجامة لا تفطر الصائم، هذا الذي يظهر من النص، يعني إذا قيل: زيد أسد، النص في هذا أنه حيوان مفترس، والظاهر أن زيد شجاع كالأسد، والاحتمال الأضعف أن زيد فيه وصف من أوصاف الأسد غير ظاهر؛ لكنه يحتاج إليه أحياناً، لو قلت: زيد أسد –مثلاً- وهو معروف ومشاع بين الناس أن زيد جبان تبحث عن وصف آخر يتفق فيه مع الأسد، وهو أيش –مثلاً- البخر، إذا كان زيد أبخر قيل: زيد أسد؛ لأنه يشارك الأسد في صفة غير ظاهرة، فالنص في هذا أن زيد حيوان مفترس؛ لكن ما هو مراد قطعاً، الظاهر منه أن زيد رجل شجاع كالأسد، المؤول وهو الاحتمال المرجوح أن زيد أبخر، تنبعث منه روائح كريهة من فمه كالأسد، وهذا يحتاج إليه إذا لم نجزم بالاحتمال الأظهر. وهنا الاحتمال الظاهر أن ابن عباس ساق الخبر لبيان أن الحجامة لا تفطر الصائم، والاحتمال الثاني أنه ساق الخبر لبيان أن الحجامة تجوز للصائم إذا احتاج إليها كغيرها من المفطرات؛ لكنه لا يظهر، ليس بنص، ولا ظاهر، إنما هو احتمال مرجوح. طالب:. . . . . . . . . نعم، هو لوجود بعض الروايات التي تشير إلى أنه يحتج به على الفطر قلنا: أنه ظاهر، والاحتمال الثاني قائم.

стр. 1642

يقول: حدثني يحي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يحتجم وهو صائم، قال: ثم ترك ذلك بعد لما بلغه فيها ما بلغه من حديث شداد، فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر؛ لأنه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- من الورع بمكان، كما قال بن عبد البر، وقال الباجي: "لما كبر وضعف صار لا يحتجم وهو صائم" لما كان في وقت الشباب والنشاط والقوة يحتجم وهو صائم لماذا؟ لأنه يحتمل الحجامة مع الصيام يحتمل الحجامة، ويستطيع أن يحتجم ويواصل الصيام؛ لكن لما ضعف وكبر صار ما يتحمل، فإذا احتجم اضطر إلى الفطر، فصار لا يحتجم وهو صائم، هذا ما قاله الباجي. وحدثني عن مالك عن بن شهاب أن سعد بن أبي وقاص -هذا منقطع لكن ثبت من رواية عامر بن سعد عن أبيه وبهذا يكون متصلاً- أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان، فدل على أن بعض الصحابة يرون أن الحجامة لا تفطر. وحدثني عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يحتجم وهو صائم، ثم لا يفطر، فالمؤلف -رحمه الله تعالى- يريد أن يقرر أن الحجامة لا تفطر، وأن ذلك معروف عند الصحابة والتابعين أيضاً، قال: "وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم" لأنه كان يواصل الصوم، قاله بن عبد البر، وهو محمول على غالب الأحوال محمول على الغالب من أحواله أنه كان لا يحتجم إلا وهو صائم؛ لكن إن احتاج إلى الحجامة وهو مفطر لا يحتجم ينتظر حتى يصوم؟! لا يظن به هذا. قال مالك: "لا تكره الحجامة للصائم إلا خشية من أن يضعف" كما قال أنس بن مالك عند البخاري، ولولا ذلك لم تكره؛ لأن الضعف يلجأه إلى الفطر، "ولو أن رجلاً احتجم في رمضان ثم سلم من أن يفطر -يعني واصل الصيام ما احتاج إلى أن يفطر لضعفه- لم أر عليه شيئاً" لأنه فعل هذا الفعل الذي لا يفطر، "ولم آمره بالقضاء لذلك اليوم الذي احتجم فيه؛ لأن الحجامة إنما تكره للصائم لموضع التغرير بالصيام" يعني من أجل تعريض الصيام للإفطار، من أجل تعريض الصيام للإفساد والإبطال، "فمن احتجم وسلم من أن يفطر حتى يمسي فلا أرى عليه شيئاً، وليس عليه قضاء ذلك اليوم" وهذا هو قول الجمهور، ويرى الإمام أحمد وإسحاق أن الحجامة تفطر الصائم لحديث شداد.

стр. 1643

استدل الجمهور بقول ابن عباس وغيره، كما في البخاري "الفطر مما دخل لا مما خرج، ونقض الوضوء مما خرج لا مما دخل" يعني الفطر بسبب ما يدخل في البدن، ونقض الوضوء بسبب ما يخرج منه؛ لكن مثل هذا الكلام وهو غير مرفوع إلى النبي ﵊ لا يسلم طرداً ولا عكساً، الآن الفطر بالإجماع بالنسبة لمن جامع زوجته بسبب ما دخل من بدنه أو مما خرج منه؟ خرج، وليكن مثل ذلك: القيء والحجامة فلا يسلم طرداً كما أنه لا يسلم عكساً، فنقض الوضوء من أكل لحم الجزور مما دخل لا مما خرج، نعم قد ينازعون -من يقول مثل هذا- ينازع فيما نوزع فيه؛ لكن القاعدة ليست مطردة. الحجامة مثل ما سمعنا من أقوال أهل العلم وحججهم، وعلى هذا يقال: الأحوط أن لا يحتجم الصائم؛ لكن إن احتاج إلى الحجامة، ورأى أنه يحتمل الحجامة من غير أن يعرض صومه للبطلان فالعمل على حديث ابن عباس ﵄ ولا شك أن حديث شداد متقدم، والمتأخر يقضي على المتقدم. فالمقصود أن الاحتياط أن لا يحتجم الصائم؛ لكن إن احتاج إلى الحجامة في هذا الوقت، وفي هذا الظرف، ولم يستطع تأخيرها إلى الليل اضطر إليها ومثلها الفصد، وقل مثل هذا في التبرع بالدم. طالب:. . . . . . . . . التحليل قالوا: إنه شيء يسير لا يؤثر؛ لكن التبرع بالدم الذي يحتاج إلى قدر كبير أكثر من الحجامة، فمن يفطر بالحجامة يفطر بالتبرع، والذي لا يفطر بالحجامة لا يفطر بالتبرع، أما بالنسبة لما يحتاج إليه من التحليل فمثل هذا يسير، لا يؤثر عند أهل العلم. الغسيل بالنسبة لمريض الكلى، يحتاج المريض ولا يستطيع التأخير عن الوقت المحدد إلى إخراج الدم من بدنه، ثم تنقية هذا الدم، وإضافة بعض المواد إليه، ثم إعادته إلى البدن، وهذا لا إشكال في كونه يفطر، يعني إن قلنا: أن الحجامة تفطر هذا أفطر من مجرد إخراج الدم من بدنه، وإذا قلنا: إن الحجامة لا تفطر قلنا: أنه أفطر بإدخاله في بدنه وإضافة بعض المواد إليه، فالغسيل مفطر. طالب:. . . . . . . . . هذا خرج ودخل على القولين مفطر، هو مفطر على القولين. طالب:. . . . . . . . . نعم كيف؟ والله هو ما حل لكنه الراجح تصفيحه الراجح تصفيحه. طالب:. . . . . . . . .

стр. 1644

ماذا؟ الحجامة حاجة من احتاج إليها لا بأس، الذي لا يحتاج إليها مثل العلاج، هي علاج إن احتيج إليها فلا بأس. باب صيام يوم عاشوراء: حدثني يحي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. وحدثني عن مالك عن بن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵄ يوم عاشوراء، عام حج، وهو على المنبر، يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول لهذا اليوم: ((هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر)). وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى الحارث بن هشام: أن غداً يوم عاشوراء فصم، وأمر أهلك أن يصوموا.

стр. 1645

أهل العلم يقررون أن من نوى الإفطار أفطر، لنفترض شخصاً -وهذا أيضاً يأتي في مسألة الاستقاء- من نوى الإفطار أفطر، شخص احتاج قريبه أو صديقه، أو مسلم احتاج إلى إنقاذ للتبرع بالدم، وهذا الشخص يرى أن الحجامة تبطل الصوم، والاستقاء يعني استدعاء القيء يبطل الصوم، فذهب إلى المستشفى ليتبرع لصديقه، واستلقى على السرير، ومد يده ليسحب منه الدم، ثم قالوا له: لسنا بحاجة إلى دم، الآن اكتفينا، يفطر ولا ما يفطر؟ مسألة مفترضة من شخص يرى أن الحجامة تفطر، وأهل العلم يقولون: من نوى الإفطار أفطر أو شخص استدعى القيء فلم يخرج منه شيء يفطر ولا ما يفطر؟ وإن كان متردداً هو ذهب إلى المستشفى فقال: إن احتيج إليّ تبرعت، وإن لم يحتج إليّ لم أتبرع، يختلف الحكم ولا ما يختلف؟ يختلف، مثل هذا متردد ليس بجازم بالفطر، وأما الأول جازم بأن يفطر، يعني جائع وعزم على أن يأكل، ثم نظر في الساعة قال: ما باقي إلا ساعة واحدة أتحمل، أهل العلم يقولون: من نوى الإفطار أفطر؛ لأن المطلوب استصحاب الحكم، وهو أن لا ينوي قطع العبادة قبل تمامها، هو ما زال في أثناء العبادة، الحنابلة يقولون: أو استقاء فقاء؛ لأن الاستقاء مجرد طلب القيء واستدعائه، ولا يلزم أن يخرج منه شيء، أو لا يخرج، هو استقاء؛ لكن ما خرج شيء يفطر ولا ما يفطر؟ استمنى فأمنى، يقولون: إذا لم يمن أيش يصير عليه؟ هو طلب ذلك، وهو بهذا الطلب -طلب الاستقاء وطلب القيء وغيره- نوى الإفطار، أو هذا الحكم يختلف ممن يعرف الحكم ومن لا يعرف؟ الذي لا يعرف أن الاستقاء يفطر مثلاً هذا لا أثر له لأنه لم يحصل منه القيء ولا نوى الإفطار لكن شخص يعرف أن الاستقاء يفطر فأدخل أصابعه في أقصى الحلق يستدعي القيء فلم يخرج شيء، ونظيره الذي استلقى على السرير، ومد يده، وربطت يده بالسيور، من أجل أن يسحب منه الدم، وقالوا: لسنا بحاجة إلى دمك، يحصل ولا ما يحصل؟ يحصل، هل نقول: استمر على صيامك، ولا تقضي هذا اليوم، أو نقول: مقتضى قولهم من نوى الإفطار أفطر، وأنت نويت الإفطار، يعني عبارة الحنابلة في كتبهم يقولون: أو استقاء فقاء، يعني ما علقوه على مجرد الاستقاء، حتى يخرج منه القيء، وهم يقررون أيضاً أن من نوى

стр. 1646

الإفطار أفطر، فعلى هذا نقول: يختلف الحكم، فمن يعرف أن الاستقاء يفطر نقول: نوى الإفطار، والذي لا يعرف أن الاستقاء مفطر هذا ما نوى الإفطار؛ لكن لو خرج منه القيء بالاستدعاء أفطر، ومثله صاحب التبرع. باب صيام يوم عاشوراء: يعني ما حكمه؟ وعاشوراء: بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي، يعني ما يعرف في الجاهلية، اسم إسلامي، ورد عليه بن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، يعني الصيغة موجودة في كلامهم، وما دامت الصيغة موجودة، والوزن موجود، ما فيه ما يمنع أن يكون من ألفاظهم عاشوراء، كما أنه رد أيضاً بقول عائشة أن يوم عاشوراء يوم تصومه قريش في الجاهلية لكن هل يلزم من صيامهم لهذا اليوم أن يكون اللفظ معروفاً عندهم؟ نعم لا يلزم، ما يلزم. وعاشوراء معدول عن عاشرة، أي الليلة العاشرة، والعدل للمبالغة والتعظيم، والأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر، من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق، يعني كيف تقول: عاشوراء مأخوذ من التاسع أو من العاشر أيهما أقرب؟ طالب:. . . . . . . . . من العاشر، تأخذ من التاسع تاسوعاء، لكن ما تأخذ عاشوراء من التاسع، هذا هو مقتضى الاشتقاق، وقيل: عاشوراء هو اليوم التاسع؛ فعلى هذا على القول الأول اليوم مضاف إلى لليلة الماضية السابقة على القول الأول؛ لأن عندنا ليلة العاشر قبلها التاسع، وبعدها العاشر، فإذا قلنا: عاشوراء وعاشوراء معدول عن العاشرة قلنا أن هذا اليوم مضاف لليلة التي قبله، وإذا قلنا بالقول الثاني وأنه التاسع قلنا أن اليوم مضاف لليلة التي بعده روي عن ابن عباس هذا القول، وأن عاشوراء هو اليوم التاسع هذا مروي عن ابن عباس له وجه ولا ما له وجه؟ طالب:. . . . . . . . . دعنا من الليلة لكن التاسع نقول له عاشوراء ولا ما نقول له؟ هو يستدل بحديث: ((لأن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)) مع حثه على صوم يوم عاشوراء إذاً يوم عاشوراء هو التاسع الذي أراد النبي ﵊ أن يصومه هو ما بقي إلى قابل لينظر هل يصوم التاسع فقط ليكون هو يوم عاشوراء أو يضيف إليه العاشر ليكون عاشوراء هو العاشر وصيام التاسع من باب المخالفة؟

стр. 1647

وعلى كل حال الحديث الذي يقول: ((لأن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)) يعني مع العاشر، فعاشوراء هو العاشر، ويصوم معه التاسع، ويدل عليه الأمر بالمخالفة، مخالفة اليهود، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، فصيام التاسع لا يكفي وحده، ولا تحصل به السنة، وليس هو بعاشوراء، وإنما عاشوراء هو اليوم العاشر. يقول: حدثني يحي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "كان يوم عاشوراء يوم تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه"، صامه وأمر بصيامه قبل فرض رمضان، وكان صيامه واجباً، ثم نسخ ذلك في رمضان، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صامه، وأمر بصيامه، أمر بصيامه على سبيل الإيجاب قبل فرض رمضان، كم سنة؟ طالب: سنة واحدة. واحدة، سنة واحدة؛ لأن قدومه في السنة الأولى كان في ربيع، ذهب عاشوراء السنة الثانية صام عاشوراء، ثم فرض رمضان في السنة الثانية فما بقي المفروض إلا سنة واحدة، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، عند رمضان صار هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، ترك فرضه، ترك؟ يني ترك فرضه، وبقي الاستحباب، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه، ونقل بن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، وعلى أنه مستحب؛ لأن ظاهر الخبر، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه، يدل على التخيير والإباحة، ومثل هذا لا يدل على الاستحباب؛ لكن استحباب صيامه إجماع بدليل أنه يكفر السنة الماضية.

стр. 1648

وحدثني عن مالك عن بن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حج، يعني قبل حجه، أو بعد حجه، بعد أن قفل من مكة، عام حاج، أول حجة حجها بعد خلافته سنة أربع وأربعين، هي أول حجة بعد أن استخلف، وآخر حجة حج سنة سبع وخمسين، يقول ابن حجر: "والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة، لا الأولى عام حج" وهو على المنبر، منبر المدينة، يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ كأنه لم ير اهتماماً بصيام هذا اليوم، كأنه لم ير اهتمام من أهل المدينة بصيام هذا اليوم، وأهل المدينة يُتعجب من بعض ما صار عندهم، كما سيأتي عند الإمام مالك ﵀ بالنسبة لصيام الست من شوال، أنه ما رأى أحداً من أهل العلم والفضل يصومه، ومعاوية -رضي الله تعالى عنه- يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول لهذا اليوم: ((هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه)) ولم يكتب (لم) هذا حرف أيش؟ نفي وجزم وأيش؟ وقلب أيش؟ معنى لم يكتب، يعني قلبت الفعل المضارع من المستقبل إلى الماضي، يعني لم يكتب في الماضي عليكم صيامه، ويستدل بهذا من يقول: أنه لم يفرض أصلاً ما فرض، ولا قبل رمضان، بدليل قوله: لم يكتب عليكم صيامه؛ لأن لم قلبت الفعل، يعني ما كتب أبداً، حتى في الماضي ما كتب، فيستدل بهذا من يقول: أنه لم يكن فرض قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يكون المراد أنه لم يكتب يعني بعد النسخ، بعد النسخ بفرض صيام رمضان، قال: لم يكتب قلبته إلى الماضي من كلام معاوية -رضي الله تعالى عنه-، لم يكتب قبل يوم هذا، وإن كتب قبل فرض رمضان. ((ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر)) وعرفنا أن صيام يوم عاشوراء سنة مؤكدة، كانوا يأمرون الصبيان ممن يستطيع الصيام أن يصوم هذا اليوم، ولا يفرط في صيام مثل هذا اليوم الذي يكفر سنة إلا محروم، على أنه من أراد أن يصومه فليصم يوماً قبله، وليكن التاسع، أو يوماً بعده وليكن الحادي عشر، مخالفة لأهل الكتاب.

стр. 1649

وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أرسل إلى الحارث بن هشام بن المغيرة، وهو من مسلمة الفتح، هو الذي سأل النبي ﵊ عن الوحي، في أوائل الصحيح، أرسل إلى الحارث بن هشام أن غداً يوم عاشوراء، غداً يوم عاشوراء، أرسل إليه في اليوم التاسع من المحرم، وقال له: غداً يوم عاشوراء، فصم وأمر أهلك أن يصوموا، وهذا ساقه الإمام مالك -رحمه الله تعالى- لبيان أن التخيير في الحديثين السابقين ((من شاء صامه ومن شاء تركه)) ((من شاء فليصم ومن شاء فليفطر)) هذا التخيير لم يكن للإباحة، وإنما هو للاستحباب، فعمر أرسل إلى الحارث بن هشام: أن غداً يوم عاشوراء، فصم، وأمر أهلك أن يصوموا، أن ذلك للاستحباب، لا على سبيل الوجوب، وأن ذلك مستمر بعد وفاة النبي ﵊، وأنه لم يطرأ عليه ما ينسخه، وإن نسخ وجوبه. باب صيام يوم الفطر والأضحى والدهر: حدثني يحي عن مالك عن محمد بن يحي بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين، يوم الفطر ويوم الأضحى. وحدثني عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، وهي أيام منى، ويوم الأضحى، ويوم الفطر، فيما بلغنا، قال: وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك. يقول -رحمه الله تعالى- باب صيام يوم الفطر والأضحى والدهر: حدثني يحي عن مالك عن محمد بن يحي بن حبان عن الأعرج -عبد الرحمن بن هرمز- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى، والأصل في النهي التحريم، وقال بتحريم صيام يومي العيدين عامة أهل العلم، وأن صيامهما حرام، ولا يصح، باطل، ولا يجزئ، ولا ينعقد فيما لو نذره، لا ينعقد، ولا يصح، خلافاً للإمام أبي حنيفة أنه يحرم صومهما؛ لكن لو نذر صيامهما انعقد الصيام، ويصوم يومين مكانهما، نهى عن صيام يومين، يوم الفطر، ويوم الأضحى، والعلماء كافة على تحريم الصيام في هذين اليومين، نقل الإجماع؛ لكن يبقى أنه لو صامه فالصوم باطل؛ لأن النهي يعود إلى ذات المنهي عنه؛ فمع التحريم البطلان، فلا ينعقد لو نذره أو صامه قضاء ما أجزأ، بل يحرم صيامهما.

стр. 1650

يقول: حدثني عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر، وهذا معروف عند أكثر العلماء أنه لا بأس به، بل يستحبونه إذا أفطر الأيام المنهي عن صيامها كالعيدين وأيام التشريق، وما عدا ذلك يجوز صيامه عند الأكثر، لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، كيومي العيدين، على ما سمعنا وأيام التشريق التي جاء فيها أنها أيام أكل وشرب وذكر لله ، وأنه لم يرخص في صيام أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي، فدل على المنع من صيامها التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها، وهي أيام منى، ويوم الأضحى ويوم الفطر فيما بلغنا البخاري عن عائشة وابن عمر ﵄ قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، فدل على أن صيام أيام التشريق محرم، فإذا أفطر هذه الأيام الخمسة فالباقي على خلاف بعضها كتخصيص الجمعة، وتخصيص السبت، وتقدم رمضان بيوم أو يومين، وإذا انتصف شعبان، يعني أيام جاء النهي عنها كل على مذهبه في الحكم، منهم من يرى تحريم صيام هذه الأيام، ومنهم من يرى الكراهة، ومنهم على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. "وذلك أحب ما سمعت إلي في ذلك" أحمد وإسحاق قالوا: بالكراهة، كراهة صيام الدهر، حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي ﷺ : أنه يسرد الصوم، فهل عليه من جناح أن يصوم في السفر؟ وهذا تقدم، فأخبره أنه لا جناح عليه بذلك، يسرد الصوم، وكان النبي ﵊ يصوم حتى يقال: أنه لا يفطر، ويفطر حتى يقال: أنه لا يصوم.
следующие страницы →