← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 12399

شرح الموطأ - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (4 389 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

القرطبي ذكر في مسألة الفطرة، وأشار إلى هذا الباب من الموطأ، نقلاً عن ابن عبد البر يقول في المسألة الثانية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [(٣٠) سورة الروم] "الثانية: في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة)) في رواية: ((على هذه الملة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ )) ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [(٣٠) سورة الروم] وفي رواية: ((حتى تكونوا أنتم تجدعونها)) قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) هذا لفظ مسلم. الثالثة: اختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة، منها الإسلام، قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل، واحتجوا بالآية؛ لأنه ما قال في الحديث أو يسلمانه، فدل على أن الإسلام هو الأصل، ثم أهله من شياطين الإنس والجن يجتالونه عن هذا الأصل، واحتجوا بالآية، وحديث أبي هريرة، وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال للناس يوماً: ((ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه؟ أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالاً لا حرام فيه، فجعلوا مما أعطاهم الله حلالاً وحراماً)) المزارع يزرع الأرض بالأسباب الشرعية والثمار تطلع لا شبهة فيها ولا شية فيها، ثم بعد ذلك إذا حمل هذه الثمرة باع الصاع بصاعين، الأصل حلال، لكن تصرفه هذا جعل فيه الحرام، ومن الذي أرغمه على مثل هذا التصرف؟ ((وأعطاهم المال حلالاً لا حرام فيه، فجعلوا مما أعطاهم الله حلالاً وحراماً)) ... الحديث.

стр. 4307

وبقوله ﷺ : ((خمس من الفطرة)) وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث: أن الطفل خلق سليماً من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة، أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار، يعني على الميثاق. وقال آخرون: الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، قال: والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر: المبتدئ، واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض؟ حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، قال المروزي: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه، قال أبو عمر في كتاب التمهيد له: ما رسمه مالك في موطئه، وذكر في باب القدر فيه من الآثار يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، يعني ابتداء الخلق، يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، والله أعلم. يعني الحديث: ((فمسح ظهره، ثم قال: خلقت هؤلاء للجنة ثم مسح ظهره، فقال: خلقت هؤلاء للنار)) يقول: يدل على هذا، يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، والله أعلم. ومما احتجوا به ما روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ﴾ [(٣٠) سورة الأعراف] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة، وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل بأعمال الضلالة، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله تعالى إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: وكان من الكافرين، ثم قال: وجاء من حديث عائشة ﵂ قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: ((أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)) خرجه ابن ماجه في السنن.

стр. 4308

أقول: في كلام طويل ... ، إلى أن قال: قال شيخنا أبو العباس –يعني القرطبي-: من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [(٣٠) سورة الروم] وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير، وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ... أطال القرطبي ﵀ في كلام كثير، وتفصيل في هذه المسألة، واستيعاب للأقوال، بما لا تجده في غيره، وأخشى أن يأخذ جميع الوقت، وإلا قراءته طيبة، ولو رجع إليه الإخوان وتأملوا ما فيه أفادوا، لا سيما وهو قد أحال إلى ما في هذا الكتاب، يعني فيه ارتباط بين ما ذكره، وبين ما عندنا، نعم؟ طالب: في وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [(١٧٢) سورة الأعراف] من الذي يتذكر هذا الميثاق؟ بعضهم قال: مما يحتج به على أن هذا مجرد الخلقة نعم أنه ما في أحد يذكر هذا الميثاق، نعم، كلام طويل، لو رجعت إلى التفسير وجت الكلام مفصل. يقول: "وحدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم)) أو ((ما مسكتم)) أو ((ما مسَّكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه)) ﵊، فالاعتصام بالكتاب والسنة كفيل وضامن للمسلم ألا يزل ولا يزيغ ولا يحيد، ولا تؤثر فيه الفتن بإذن الله تعالى. طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . مسكتم تمسكتم. طالب:. . . . . . . . . إيه بالتخفيف، ضبطها بالتخفيف، لكن الأصل فيها مسَّكتم ﴿وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ﴾ [(١٧٠) سورة الأعراف] نعم؟ طالب:. . . . . . . . . التمهيد اللي معك؟ فيه الكلام الذي ذكره؟ طالب:. . . . . . . . . عن نفس الحديث؟ لأنه أحال على .. ، قالها أبو عمر بن عبد البر، هذا اختيار مالك، أو كلام مالك قريب من هذا، لعله في الاستذكار مثلاً، في غير التمهيد. طالب: كلام الإمام مالك في الموطأ يشير إلى هذا الكلام الثاني؟

стр. 4309

يقول: نحو هذا الكلام، يقول: نحو، لو قارنت يعني لو قرأت جميع ما في التفسير في الجزء الرابع عشر صفحة أربعة وعشرين، ثلاثة وعشرين، خمسة وعشرين، ستة وعشرين، يعني في أوائله، قرأت ما في التفسير، وقارنت بين هذا الباب في الموطأ، وكتبت خلاصة وربطت بينهم يكون طيب جزاك الله خير، ونظرت إلى كلام ابن عبد البر إما في التمهيد أو الاستذكار. طالب:. . . . . . . . . لا، لا، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . لا لا، شوف في أول الجزء الرابع عشر، مر علينا قريباً، ما أبطينا يعني، قبل شهر، قبل شهر ترى، صفحة أربعة وعشرين وخمسة وعشرين ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [(٣٠) سورة الروم] سورة الروم. طالب: على وجه المناظرة والإقناع إذا أردنا أن نفهم الشخص المقابل ألا يتوهم أن كل ما في الأمر أن الله علم أعمال العباد ... التي لهم فيها الحرية والاختيار. طالب: دون ذكر بقية المراتب، دون ذكر أو الإشارة إليها الكتابة والمشيئة والخلق؛ لأنه لو قلنا هذا لربما توهم أنه مجبور على هذا، وكل ما في الأمر أن الله علم .... إذا كان الله -جل وعلا- يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن، يعني لو كان كيف يكون؟ ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ﴾ [(٢٨) سورة الأنعام] الله -جل وعلا- يعرف أن هؤلاء إذا دخلوا النار، وعذبوا بسبب كفرهم وشركهم، لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى شركهم، الله -جل وعلا- يعلم هذا، وأنهم يشركون بطوعهم واختيارهم، لا إجبار، يعني كل إنسان يعرف من نفسه أنه بيده أن يمسك هذا ويرميه على فلان ويفقأ عينه، في أحد يقول: والله أنا حاولت وعجزت؟ يعني سمعتم واحد أخذ حجر وقال: عجزت أرميه؟ ما في أحد، يقول: والله با أقوم للصلاة، وكلما قمت سقطت من غير علة إلا أنني مجبور على ترك الصلاة؟ هذا الكلام ما هو بصحيح، يعني هذا يدركه حتى الأطفال، حتى الأطفال يعرفون مثل هذه الأمور، هذه فطرة. قال ﵀: "وحدثني يحيى عن مالك عن زياد بن سعد ... " طالب:. . . . . . . . . وين؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 4310

إيه الإمام مالك يريد أن يلفت نظر المسلم والقارئ لهذا الكتاب على وجه الخصوص أن يجعل الكتاب والسنة هما القائد، فإذا حاد عنهما يميناًَ أو شمالاً لا بد أن يضل، ولا يمكن أن يصل إلى الصراط المستقيم من غير طريق الكتاب والسنة. قال: "وحدثني يحيى عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاوس اليماني أنه قال: أدركت ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر" والله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [(٤٩) سورة القمر]. "قال طاوس: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : ((كل شيء بقدر)) " يعني موافق لما في القرآن، والتمثيل له ببعض الأفراد ((حتى العجز والكيس)) أو ((الكيس والعجز)) شك هل قدم العجز أو قدم الكيس؟ الكيس الحزم، الحزم هو الكيس، والعجز والتفريط ضده، يعني كون الإنسان إذا أمر فاستجاب بسرعة هذا كيس، إذا أمر ثم تراخى وتردد، أو رأى إلى عمل هو بحاجة إليه مما ينفعه في دينه أو دنياه بادر إلى فعله هذا كيس، وإذا تراخى حتى يفوت هذا عجز، وكل هذا بقدر الله -جل وعلا-. قال: "وحدثني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن دينار أنه قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول في خطبته: "إن الله هو الهادي والفاتن" نعم الله -جل وعلا- هو الذي علم هذه الأمور وكتبها وقدرها على خلقه، فهو الهادي لمن يشاء، وهو المضل لمن يشاء، لكن من حيث الأسلوب يعني حقيقة الأمر هذا هو الواقع، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فالله -جل وعلا- هو الهادي وهو المضل، وهو الفاتن عن الصراط المستقيم، لكن لما علم الله -جل وعلا- من هؤلاء الهداة يعملون بعمل أهل الهداية، والغواة يعملون بعمل أهل الغواية.

стр. 4311

قال: "وحدثني عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك أنه قال: كنت أسير مع عمر بن عبد العزيز فقال: ما رأيك في هؤلاء القدرية؟ " القدرية: الغلاة في نفي القدر ما رأيك فيهم؟ لا شك أنهم إذا نفوا العلم كفروا بلا شك بإجماع، فهم كفار إذا نفوا العلم "فقلت: رأيي أن تستتيبهم" يعني تقام عليهم الحجة ويستتابوا، تطلب منهم التوبة، وأن يرجعوا عن هذا القول "فإن تابوا وإلا عرضتهم على السيف" فإما أن يتوبوا، ويرجعوا عن هذا الضلال وإلا يقتلون؛ لأنهم مرتدون "فقال عمر بن عبد العزيز: "وذلك رأيي" يعني عمر بن عبد العزيز وافق أبي سهيل بن مالك عم الإمام مالك بن أنس "قال مالك: وذلك رأيي" وافق عمه، ووافق الخليفة الراشد الزاهد عمر بن عبد العزيز، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ما هو باسم لأنه ليس مرفوع، اللهم إلا أن يقال: إن هذا مما لا يقال بالرأي، ما يمكن أن يقوله عبد الله بن الزبير برأيه، فله حكم الرفع، يعني مثلما قالت أم سلمة: فعزم الله لي فقلته، الذين احتجوا بإثبات صفة العزم اعتمدوا على كلام أم سلمة قالوا: هو موقوف، وأجيب عن ذلك بأنه لا يمكن أن يقال من قبل الرأي، نعم. أحسن الله إليك. باب جامع ما جاء في أهل القدر: وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، ولتنكح فإنما لها ما قدر لها)). وحدثني عن مالك عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنهما- وهو على المنبر: "أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". ثم قال معاوية -رضي الله تعالى عنه-: "سمعت هؤلاء الكلمات من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد". وحدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أنه كان يقول: الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي، الذي لا يعجل شيء أناه وقدره، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله مرمى. وحدثني عن مالك أنه بلغه أنه كان يقال: إن أحداً لن يموت حتى يستكمل رزقه فأجملوا في الطلب.

стр. 4312

يقول -رحمه الله تعالى-: باب جامع ما جاء في أهل القدر: ما جاء في أهل القدر، ثم ذكر حديث أبي هريرة في نهي المرأة أن تسأل طلاق ضرتها، فالمرأة التي تسأل طلاق ضرتها من أهل القدر، لماذا؟ لأنها توهمت أن هذه الضرة تأخذ شيئاً مما كتب الله لها.

стр. 4313

قال: "وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، ولتنكح فإنما لها ما قدر لها)) " هذه المرأة التي لها ضرة، امرأتان تحت رجل واحد، أو ثلاث قالت واحدة منهما: طلق فلانة، طيب لماذا؟ قالت: هي الآن آخذة نصف نصيبي، فقد يخيل لها أنها قد أخذت نصف ما كتب الله لها، كانت عنده امرأة واحدة إذا جاء بالراتب كاملاً سلمه لها، أو نفقة البيت كاملة ثم جاءت أخرى والراتب لا يستوعب بيتين، فأخذ منه شيء للبيت الثاني، فيخيل إليها أنها أخذت شيئاً مما كتب لها، هي لن تأخذ شيئاً مما كتب لها، أبداً، لن تأخذ شيئاً مما كتب لها، إنما تأخذ ما كتب لها كاملاً، ولن تموت حتى تستكمل رزقها، يعني ما أخذته الثانية ليس على حساب الأولى، يعني ليس على حساب ما قدر وكتب للأولى، قد يكون في ظاهر الأمر الإنسان يتصور أن الراتب مثلاً ثلاثة آلاف، وكاف للبيت يعني مع الاقتصاد والتدبير، فتزوج امرأة ثانية فاحتاجت إلى ألف هذه الجديدة من هذه الثلاثة فقصر في نفقة البيت الأول، وما يدريكِ أنه لو لم يتزوج لابتلي أو ابتليتِ بمرض يأخذ هذا المبلغ أو أكثر منه؟ فلن تكون هذه على حسابك، ولذا قال: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، ولتنكح فإنما لها ما قدر لها)) يعني المرأة حينما تقبل أو تُخطب من قبل معدد عنده امرأة أو امرأتين أو ثلاث تقول: لن أوافق على ربع زوج، تحتاج إلى زوج كامل، والواقع قد يكون ربع هذا أفضل من زوج كامل قد ضيق عليه في معيشته، أو ضيق عليه في خلقه، أو أقل في مزايا أخرى، وهذا واضح، ليس هذا يعني مصادمة لرغبات الناس، أو لما جبلوا عليه من الغيرة، لا، لكن هذا تقرير شرعي ((إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه)) من غير نظر إلى اعتبارات أخرى، لكن إذا قالت المرأة: أنها لا تريد ضرة، عندها غيرة قد توقعها في المحرمات، بسبب غيرتها الأمر إليها، يعني لا أحد يكرهها، ولا أحد يلزمها، إذا اعترفت بشرع الله، وأن هذا شرع، وأنه لا يمكن أن يعترض عليه، لكن ظروفها النفسية، أو ظروفها .. ، المسألة مسألة عرض وطلب، فعلى كل حال هذا أمر شرعي فلا يجوز للمرأة

стр. 4314

أن تطلب طلاق ضرتها، وإذا تصورت أن هذه الضرة قد تأخذ شيئاً مما كتبه الله لها، فهو تصور باطل، وصارت من أهل القدر، فلن يستطيع أحد أن يأخذ شيئاً مما كتب لغيره أبداً. ثم قال: "وحدثني عن مالك عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال معاوية بن أبي سفيان -رضي الله تعالى عنه - وهو على المنبر -يعني منبر المدينة-: "أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع" في الحديث: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)) بعض الروايات: ((ولا راد لما قضيت)) "ولا ينفع ذا الجد" الحظ والنصيب، هذا لا ينفعه من الله -جل وعلا- لا حظه ولا نصيبه، "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" يعني يفهمه ما جاء عن الله وعن رسوله في جميع أبواب الدين. ثم قال معاوية: "سمعت هؤلاء الكلمات من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد" يعني على هذا المنبر، في منبر المدينة.

стр. 4315

قال: "وحدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أنه يقال: الحمد لله الذي خلق كل شيء كما ينبغي" خلق كل شيء كما ينبغي يعني أحسن خلقه "على ما أراده الله -جل وعلا-" فخلق الله كله على ما أراد، وكله حسن، لكن الحسن نسبي، الحسن لبني آدم شيء، والحسن للطيور شيء، والحسن لكل فصيلة شيء، فخلق الله كله حسن، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [(٧) سورة السجدة] فكل نوع أو كل جنس أو كل فصيلة من نوع حسنها مناسب لها "الذي لا يعجل شيء أناه وقدره" يعني قدر تأخره، لا يمكن أن يعجل، يعني أنت قدر لك أن تولد في اليوم الفلاني لا يمكن أن تولد قبله بلحظة، في الساعة الفلانية، قدر لك أن تموت في اللحظة الفلانية لا يمكن أن تموت قبلها، "الذي لا يعجل شيء أناه" يعني أخره، وقدره متأخراً لا يمكن أن يعجل عن وقته، ولذا فالدعاء بمثل .. ، دعاء الإنسان أنه .. ، أو تمنيه أنه لم يوجد في هذا الوقت، إما قبله أو بعده هذا لا قيمة له، نعم يحب الخير لنفسه، ويحب أن لو وجد في عصر النبي ﵊ لينصره، لكنه لا يعترض على ما قدر الله له، وما يدريك أنك قد توجد في عصر النبي ﵊ وتكون من المنافقين؟ ما تدري أنت، على الإنسان أن يرضى بما كتب له، وأن يجزم أنه لا يستطيع أن يتقدم ولا يتأخر لا في الولادة ولا في الوفاة، ولا في المجيء ولا في الذهاب، ولو كان محل لو وجد صاحب محل تجاري تأخر في يوم من الأيام أخذه النوم، وما خرج إلى المحل إلا في التاسعة صباحاً، والعادة أنه يخرج في السابعة، فقيل له: فاتك، جيء بالبضاعة الفلانية وبيعت، وتقاسمها الناس، وتقاسموا أرباحها، يعني هل يستطيع أن يغير من الواقع شيء؟ أراد الله -جل وعلا- تأخرك، فلا يمكن أن تستقدم ولا تتأخر عن هذا الوقت. "الذي لا يعجل شيء أناه، وقدره، حسبي الله وكفى" يعني كفاني في جميع أموري، والحاسب هو الكافي، حسبنا الله ونعم الوكيل، هذه خير ما يقال في الشدائد، قالها إبراهيم حينما ألقي في النار، وقالها محمد ﵊ حينما قيل له: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم.

стр. 4316

"سمع الله لمن دعا" يعني أجاب دعاء من دعاه، فيه إثبات السمع لله -جل وعلا-؛ لأن الإجابة من لازم السمع، الذي لا يسمع لا يمكن أن يجيب، وهذا أمر لا يختلف فيه أحد، خلافاً لمن منفى صفة السمع عن الله -جل وعلا- ادعاءاً وزعماً أنها مشابهة للمخلوق، لكن ما ثبت عن الله وعن رسوله فيما يتعلق بالله من أسماء وصفات لا بد من إثباتها كما جاءت، وهذا مذهب أئمة الإسلام قاطبة. "سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله مرمى" يعني ليست هناك غاية تطلب وراء الله -جل وعلا-، قد تطلب من دونه من الأسباب، لكن الغاية هو الله -جل وعلا-، والأسباب لا قيمة لها إذا لم يقدر لك ما أنت بصدد طلبه، أسباب نعم نافعة لكنها لا تستقل بالنفع، فالغاية والمرمى هو الله -جل وعلا-. قال: "وحدثني عن مالك أنه بلغه أنه كان يقال: إنه بلغه أنه كان يقال" هذا منقطع "إن أحداً لن يموت حتى يستكمل رزقه" وجاء فيه الحديث المرفوع عن جابر: ((لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها)) "فأجملوا في الطلب" يعني طلب الرزق، وطلب ما يرضي الرب -جل وعلا-، وما تكتسب به الحسنات، أجملوا، سددوا وقاربوا، وأجملوا في طلب ما ينفعكم من رزق الدنيا، وما يوصلكم إلى جنات النعيم في الآخرة، من غير إفراط ولا تفريط في الأمرين، على أن الهدف الأصلي، المطلوب الأسمى والأسنى هو ما يرضي الله -جل وعلا-؛ لأنه إنما خلق لتحقيق العبودية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] هذا هو الهدف، وأما تحصيل أمر الدنيا فإنما هو من أجل تحقيق هذا الهدف، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4317

شرح: الموطأ - كتاب حسن الخلق (١) باب ما جاء في حسن الخلق - باب ما جاء في الحياء - باب ما جاء في الغضب الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم أحسن الله إليك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا والسامعين والحاضرين برحمتك يا أرحم الراحمين. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب حسن الخلق: باب ما جاء في حسن الخلق: وحدثني عن مالك أن معاذ بن جبل ﵁ قال: "آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: ((أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل)). وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "ما خير رسول الله ﷺ في أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها". وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). وحدثني عن مالك أنه بلغه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "استأذن رجل على رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: وأنا معه في البيت، فقال رسول الله ﷺ : ((بئس ابن العشيرة)) ثم أذن له رسول الله ﷺ قالت عائشة: فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول الله ﷺ معه، فلما خرج الرجل قلت: يا رسول الله قلت فيه ما قلت ثم لم تنشب أن ضحكت معه! فقال رسول الله ﷺ : ((إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره)). وحدثني عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن كعب الأحبار أنه قال: "إذا أحببتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء". وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: "بلغني أن المرء ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل، الظامي بالهواجر".

стр. 4318

وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين، وإياكم والبغضة فإنها هي الحالقة". وحدثني عن مالك أنه قد بلغه أن رسول الله ﷺ قال: ((بعثت لأتمم حسن الأخلاق)). الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب حسن الخلق: الكتاب مضى الكلام فيه مراراً، فهذا هو الكتاب السابع والأربعون من كتب الموطأ، فلا داعي للكلام في هذه الكلمة، والحسن ضد السوء، وهو ما تستخفه النفس، وتميل إليه، وتحبه، والخلق هو الدين والطبع والسجية، ويأتي بمعنى الأدب الشرعي، كما جاء في الخبر: ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)) وجاء أيضاً قول عائشة: "كان خلقه القرآن" يعني خلق النبي ﵊، وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فهو أكمل الناس في الخلق ﵊، خلقه القرآن، فحياته وعيشته، وسيرته، وشمائله ترجمة عملية للقرآن، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [(٤) سورة القلم] هذا بالنسبة لحسن الخلق. وإذا قلنا: إن حسن الخلق المراد به الأدب الشرعي، فعلى طالب العلم أن يعنى بهذا الجانب، وينظر ما جاء في هذا الباب من نصوص الكتاب والسنة ليتأدب بها، ليكون مع علمه عاملاً بعلمه، قدوة لغيره، والكتاب العزيز والسنة المطهرة فيها الشيء الكثير مما يحتاجه المسلم لا سيما طالب العلم في تعامله مع الناس، والخلق كما يكون في التعامل مع الله -جل وعلا- يكون في التعامل مع النفس، ومع الأقربين من الوالدين والإخوة والأخوات، والعمات، والأعمام، والأخوال، والخالات، وسائر الأقارب، ويكون أيضاً مع المسلمين، ومع غيرهم ممن له عهد أو ميثاق، لا بد أن يتعامل مع كل إنسان بما يليق به، ولذا يترجمون باب البر والصلة والآداب، باب البر والصلة والآداب، فالبر يكون لأقرب الناس للوالدين، والصلة للأقارب، والآداب مع سائر الناس. باب ما جاء في حسن الخلق:

стр. 4319

يعني من النصوص، وما جاء في هذا الباب لا يكاد يحصر، ونصوص الكتاب والسنة في هذا متضافرة، وكثيرة جداً، وهي من خير ما يعنى به طالب العلم؛ لكي يعيش عيشة قويمة بأدب الله وأدب رسوله ﵊، وما نشاهده ونسمعه من سوء التعامل بين المسلمين، وقد يوجد مع الأسف بين طلاب العلم، كل هذا إنما هو بالغفلة عن هذا الباب العظيم، تجد الجفاء بين الأشقاء، تجد الجفاء بين الوالد وولده، والأم مع ابنها وبنتها، بين الزوج وزوجته، مع الجار ... ، كل هذا أمرنا بالإحسان إليهم، والتعامل معهم على أكمل وجه، غفل الناس عن تحصيل هذا الباب العظيم من أبواب الدين، ولا يتم الفقه في الدين إلا به، ثم ماذا إذا حمل طالب العلم من الأحكام ما حمل بأدلتها ومعرفة الراجح منها وهو لا يستطيع أن يتعامل مع والده؟ لا يستطيع أن يتعامل مع زوجته؟ مع إخوانه؟ مع أولاده؟ ماذا يستفيد من هذا العلم إلا النفرة والبغضاء؟ وكثير من الأمور التي لا تحمد عقباها إنما أوتي الإنسان من قبل هذا الباب، بسببها. كتب الأدب كثيرة جداً التي تدعو إلى حسن الخلق، ومع الأسف أن الذي استأثر بالاسم هو ما يدعو إلى سوء الخلق، وسفاسف الأمور، فتجد كتب الأدب المصطلح عليه أدب الدرس عند الناس، الفن المعروف، كثير منه يدعو إلى سوء الأدب مع الأسف، لما اشتملت عليه هذه الكتب المصنفة في هذا الباب من قصص مسفة فاحشة بذيئة، وأخبار كاذبة تحمل في طياتها البغضاء والشحناء؛ لأن مؤلفيها ليسوا على درجة من التدين والاستقامة مع أن بعض من ينتسب إلى العلم قد يفصل بين العلم والأدب، من أهل العلم من تولى القضاء والإفتاء، وألف في علوم الشريعة، مشهور، ومع ذلك يؤلف في الجواري والغلمان، كتاب من أسوأ الكتب، ويذكر في مقدمته أنه قد يستغرب من إمام وعالم ومؤلف وفقيه قاضي أن يطرق مثل هذه الموضوعات، لكنه أجاب بما يفاد منه أنه لا علاقة للدين بالأدب، وأن هذا فن، وذاك فن، مع الأسف أن هذا عالم من علماء المسلمين، وله أيضاً قصائد في الأدب الشرعي يعني بالمقابل، وهي مشهورة ومحفوظة عند طلاب العلم من القدم.

стр. 4320

هذا إذا كان بهذه المثابة من العلم والدين، والمناصب العلية في الدولة الإسلامية مشكلة، هذا هو الإشكال، أما أن يدعو إلى الأدب الفاحش والبذيء من هو .. ، ممن لا يعرف بعلم ولا دين، يعني من عرف بالفسق والشرب والمجون، وغير ذلك هذا أمره سهل، يعني سهل أن يطرق مثل هذا الموضوع شخص من أهل الشرب، شرب الخمر مثلاً؛ لأنه ليس بقدوة، لا يغتر الناس به، لكن الإشكال حينما يطرق هذا الباب شخص محسوب على أهل العلم، فمثل زكي مبارك من المتأخرين، ومعروف وضعه، والله المستعان، حينما عتب على صاحب زهر الآداب إغفاله للمجون، وقال: إنه أغفل جانباً مهماً من جوانب الأدب، والحياة -كما يقول هو وأظنه ليس بكامل عقله لما يكتب هذا الكلام- تفقد حيويتها حينما تكون هدىً خالص، يقول: أذهب إلى أبعد من ذلك فأزعم أن بعض الغي رشد. هذا ما عليه شره، هذا ليس ممن يقتدى به، أو يؤخذ بكلامه، نظائره كثير يعني في الأدباء، لكن الإشكال حينما يصدر هذا من عالم، ويرى أن العلم الشرعي فن، والأدب فن آخر، الدين واحد، يعني نظير ما يذكره بعض المؤرخين ممن عرف بسلامة المعتقد في الجملة، ثم يأتي يترجم لعالم ثم يمدح قبره، وأن ضريحه شفاء، ترياق مجرب، هذا فصل بين التوحيد والتاريخ، فالدين وحدة متكاملة، يكمل بعضه بعضاً، وأبوابه يرتبط بعضها ببعض، ولا يتم الفقه فيه إلا إذا تفقهنا على مراد الله، ومراد رسوله ﵊، فالنصوص -نصوص الكتاب والسنة- وأقاويل سلف هذه الأمة تدعو إلى حسن الخلق، وفي كتب الأدب ما يدعو إلى الفحش، وبذاءة اللسان، وإيراث أو ما يورث الشحناء والبغضاء، كل هذا ينبغي أن يكون طالب العلم على حذر منه.

стр. 4321

وفي كتب الأدب التي هذه صفتها مما يعنى به أهل العلم، وإن كان فيها ما فيها، لكن يكون الإنسان على حذر منها، ويستصحب النصوص، ويجعلها هي الحادي والسائق والقائد، ثم بعد ذلك يستفيد من هذه الكتب كما يقول أهل العلم من باب استجمام النفس، وترويح النفس، ويمر فيها في أثنائها بعض الفوائد التي يحتاجها طالب العلم، وكتب التواريخ إذا سلمت من الكذب وعرف ثقة مؤلفيها أنفع من كتب الأدب في هذا الباب، وأكثر فائدة؛ لأن فيها العبرة، يعتبر طالب العلم بما مضى بسنن الله -جل وعلا- الكونية في السابقين واللاحقين التي لا تتغير ولا تتبدل، هذه محل عبرة، لكن بعض المؤرخين لا يتورع عن الكذب أو نقل الكذب، وهنا تكمن المشكلة، وعلى كل حال المقصود بالأدب عندنا الأدب الشرعي، واستمداده من نصوص الكتاب والسنة، نعني حسن الخلق من نصوص الكتاب والسنة، وأقاويل سلف هذه الأمة، والكلام في هذا الباب كثير عند أهل العلم، منظوم ومنثور، فلو رجعنا إلى الآداب الشرعية لابن مفلح، أو غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، الشرح للسفاريني والنظم لابن عبد القوي، ومنظومة الشيخ حافظ الحكمي الميمية في الوصايا والآداب العليمة اشتملت على كثير من مسائل هذا الباب، يقول: باب ما جاء في حسن الخلق: "وحدثني عن مالك أن معاذ بن جبل قال: "آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: ((حسن خلقك للناس يا معاذُ بنَ بن جبل)) ". الأحاديث التي جاءت مرسلة سواءً كانت مما حذف من آخرها أو صارت بلاغات من مالك أو غير ذلك كلها وصلها ابن عبد البر في التمهيد، كلها وصلها، سوى أربعة أحاديث هذا آخرها، التي لم يستطع ابن عبد البر أن يصلها، وأن يجدها موصولة في كتاب من الكتب المعتبرة، على أن ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- وصل هذه الأحاديث الأربعة، فصارت الأحاديث كلها موصولة، لكن لا يعني أنها صحيحة إذا تم وصلها فقد توصل بأسانيد صحيحة، وقد توصل بأسانيد حسنة، وقد توصل بأسانيد ضعيفة.

стр. 4322

على كل حال هذا الخبر معناه صحيح، قال: "إن معاذ بن جبل قال: "آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ " حينما بعثه إلى اليمن، وقصته معروفة حينما أرسله النبي ﵊ إلى اليمن، وقال له ما قال ((إنك تأتي قوماً أهل كتاب)) ... إلى آخر الحديث، وفيه زوائد على الروايات المعروفة المشهورة منها هذا "كان آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز" الغرز الذي يركب فيه على الرحل "أن قال: ((أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل)) ". ((أحسن خلقك)) يعني تواضع للناس، وتعامل مع الناس بما يليق بكل إنسان من التعامل، وأمرنا أن ننزل الناس منازلهم، كما في حديث عائشة في مقدمة مسلم، أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، فيتعامل مع الكبير بالاحترام والتقدير والإجلال، والتعظيم، بما يليق به، من غير غلو، ويتعامل مع النظير أيضاً بمثل هذا من المودة والاحترام والتقدير، ويتعامل مع الصغير بالرحمة والرأفة والشفقة، فيعامل كل إنسان بما يليق به. ((أحسن خلقك للناس)) جاء في حديثه الآخر: ((وخالق الناس بخلق حسن)) فحسن الخلق مطلوب، وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، ((إن أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)) كل هذه تدل على أن هذا له شأن في الشرع، ولا يمكن أن تسود المودة والمحبة والاحترام بين الناس إلا بمثل هذا. ((يا معاذ بن جبل)) يا معاذُ منادى مبني على الضم في محل نصب؛ لأنه مفرد، وابن: نعت، أو بدل، أو بيان من معاذ، منصوب؛ لأن محل معاذ النصب، وابن: مضاف، وجبل: مضاف إليه. قال ﵀:

стр. 4323

"وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "ما خير رسول الله ﷺ في أمرين قط إلا أخذ أيسرهما" ما خير بين أمرين، أو في أمرين، بعض الروايات: بين أمرين، وفي بعضها: في أمرين، ﵊ إلا أخذ أيسرهما، والتخيير هذا إما من الله -جل وعلا-، أو ممن بينه عهد أو عقد أو يريد معاملة مع شخص ويخيره الطرف الثاني، فيختار الأيسر ﵊، لكن اختيار الأيسر بالنسبة لما بينه وبين ربه من التكاليف لا شك أن الدافع إليه الشفقة على أمته ﵊، كما فعل في ليلة الإسراء وفي غيرها.

стр. 4324

"إلا أخذ أيسرهما" الأسهل، ونسمع كثير ممن يتصدر للإفتاء يستدل بهذا الحديث على اختيار الأيسر من أقوال أهل العلم، وهذا الكلام ليس بصحيح، بل باطل؛ لأن اختيار الأيسر من أقوال أهل العلم هو ما يعرف عند أهل العلم بتتبع الرخص، لما كان هناك اختيار نعم الرسول اختار الأيسر، لكن الآن هل في اختيار؟ الآن هل في مندوحة أن تأخذ بالواجب أو لا تأخذ؟ يعني إذا قال مالك أو الجمهور قالوا: طواف الوداع واجب، وقال مالك: سنة، هل لنا خيار في أن ننظر في رأي مالك؟ نختار الأيسر منهما؟ هل هذا محل الحديث وإلا لا؟ محل الحديث لما كان هناك مجال للاختيار، الآن انتهى، كملت الشريعة، كمل الدين، فلا في مجال للاختيار، في مجال راجح ومرجوح، فنأخذ بالراجح ونترك المرجوح، ما في مندوحة ولا في خيار، وإلا لجعلنا مالكاً ومن يضاهيهم من أهل العلم هم أهل التخيير للناس، وهذا ليس بصحيح الذي يخير من بيده الخيار ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [(٣٦) سورة الأحزاب] ما فيه، ما في خيار، الرسول ﵊ أمر بطواف الوداع، وخفف عن الحائض والنفساء، هل هذا واجب وإلا مستحب؟ لو كان مستحب ما فيه مجال للتخيير، ما فيه مجال للتخفيف، أصل المستحب خفيف، أقوى الناس وأنشط الناس له أن يتركه ما دام مستحب، لكن التخفيف عن النساء النفساء والحيض دليل على أنه واجب، وليس هذا مجال للتخيير، التخيير فيما جاء فيه التخيير، كفارة اليمين ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [(٨٩) سورة المائدة] اختر الأيسر أنت من الثلاثة، تقول: والله رقبة بمائة ألف، والكسوة بألف مثلاً للعشرة، وخمسة عشر كيلو رز بثلاثين ريال أو بخمسين ريال مثلاً، اختر الأيسر؛ لأنه في مجال للتخيير من قبل من يملك التخيير، أما سائر الناس ما لهم خيرة، في دليل راجح ومرجوح، وإذا ترجح عند الإنسان حكم لا يجوز له أن يتنازل عنه بحال من الأحوال، ليس له أن يتنازل، بل يجب عليه أن يعمل وأن يفتي بما يدين الله به، أما أن يترجح

стр. 4325

عنده الوجوب، ويقول للناس: هذا مستحب، هذا تشهي، هذا تنازل عن شيء لا يملك التنازل عنه، هذا دين، ولذلك تضيع أمور المسلمين بهذه الطريقة، وعلى إثرها تضيع عبادات الناس، بسبب ضياع الفتوى تضيع أديان الناس، إذا كان الإنسان إذا فعل محرماً وجد من يقول له: ما عليك شيء، انتهى، ويترك فلان، ويذهب إلى فلان، وفلان عرف بالتساهل، وفلان عرف بالتشديد، والآن يلوك الناس بألسنتهم بعض أهل التحري من أهل العلم، ويقولون: فلان لا تستفتونه، كل شيء حرام، يعني هذا موجود، وهذا واقع، والله المستعان. "ما خير رسول الله ﷺ في أمرين قط إلا أخذ أيسرهما"، نعم؟ طالب: أحسن الله إليك المشقة تجلب التيسير. هناك قواعد وعمومات شرعية، يعني المشقة تجلب التيسير، تجلب التيسير في أصل التشريع، يعني المشقة في السفر تجلب رخص السفر، لكن مشقة الصيام في الصيف في الحضر تجلب التيسير؟ تفطر؟ ما تفطر يا أخي، لكن في السفر المشقة تجلب التيسير؛ لأن الأصل في السفر المشقة، ولهذا قرنت به الرخص، فالسفر وصف مؤثر، وسببه في الأصل المشقة، وإذا وجد مشقة لا يحتملها الإنسان، ولا يطيقها أشرف على الهلاك يفطر، فالمشقة تجلب التيسير، مشقة في مستحب، مشقة في ارتكاب مكروه، يعني لا يأثم الإنسان بفعله، أو لا يأثم بتركه، تجلب التيسير؛ لأن فعل النبي ﵊ المخالف لأمره في حال الاستحباب لبيان الجواز، وفعله المخالف لنهيه الصارف للنهي من التحريم إلى الكراهة إنما هو لبيان الجواز، ويبقى أن الأفضل أن تعمل في المستحب، والأفضل أن تترك في المكروه، هذه الأمور التي فيها خيار، أما الواجبات الصريحة ما فيها خيار، نعم إذا وجد مشقة لا يحتملها الإنسان بحيث تخرج عن طوقه وعادته في تحملها ترخص. طالب: المسائل التي يكون فيها الخلاف ويصعب فيها الترجيح هل في مثل هذا اختيار الأسهل من أقوال أهل العلم؟

стр. 4326

أهل العلم يختلفون في مثل هذا إذا عدم المرجح، منهم من يقول: نختار الأيسر؛ لأن اليسر سيمة هذه الشريعة، ومنهم من يقول: لا، الدين دين تكاليف، ولا تبرأ الذمة إلا بالخروج من العهدة بيقين، فعلى هذا تأخذ بالأشد، وهما قولان لأهل العلم، لكن إذا توقف الإنسان في مسألة ما لم يستطع فيها الترجيح، بأن صارت من عضل المسائل، يعني الكفتان متساويتان، الواجب في مثل هذه الصورة على المجتهد أن يتوقف حتى يترجح لديه أحد القولين، إن ضاق عليه الوقت ولم يستطع الترجيح له أن يقلد، له، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . هو الأصل أن الدين يسر ((إن الدين يسر)) لكن يسر نسبي، لكنه يسر نسبي، يعني هل في ديننا إذا أصابتك نجاسة تقرضها بالمقراض؟ نعم هل في ديننا من التوبة أن تقتل نفسك؟ لا، الآصار والأغلال التي كانت علينا كلها انتهت، التي كانت على من قبلنا، فديننا يسر بالنسبة للشرائع السابقة، وإلا من قال ﴿لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ [(٧) سورة النحل] يعني ما .. ، هذا نص شرعي، ماذا نعمل بهذا النص؟ كيف نعمل بمثل هذا النص؟ ولا ينكر أحد أن صيام الهواجر شاقة على النفس، هل نقول: من يسر الدين أن نترك الصيام في الصيف؟ لا. طالب: الاجتماع على الرأي المرجوح أولى من الاتفاق على. . . . . . . . . أهل العلم في بعض القضايا وبالنظر إلى المصالح والمفاسد المترتبة على بعض الأقوال، يرون أن الإمام له أن يرجح قولاً مرجوحاًَ لمصلحة راجحة، فالمرجوح ليس بملغى، يعني له دليل، أقول: له دليل، وله ما يرجحه في بعض الأحوال، وهذا معروف عند أهل العلم. "إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً" كيف يكون إثم؟ يعني مفضياً إلى الإثم، بمعنى أن .. ، لو أن النبي ﵊ اختاره، وعمل به، وشق على من بعده. طالب:. . . . . . . . .

стр. 4327

. . . يفضي إلى الإثم، ما لم يكن إثماًَ، يعني يفضي إلى الإثم، فيختاره النبي ﵊، وعمل به، وعمل به الصدر الأول، ثم بعد ذلك شق على بعض الناس، مما جعلهم يتركونه لشدته عليهم، يفضي في مثل هذه الحالة إلى الحرج، كما أسف وندم على دخوله البيت ﵊؛ لأنه في هذا شق على أمته، يعني لو تضافر المدح، مدح دخول البيت وفعل دخول البيت، لو أن النبي ﵊ حث عليه مع كونه دخله، ألا يقتتل الناس على دخوله؟ يعني لو أن النبي ﵊ اعتمر في رمضان مع قوله ﵊: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) في رواية: ((حجة معي)) يعني لو أن النبي ﵊ اعتمر في رمضان تقاتل الناس عليه، لكن لما ما اعتمر، وحث عليه، ولم يعتمر، كثير من الناس يقول: النبي ﵊ أفضل الخلق، وأكمل الخلق ما اعتمر، فيصير في شيء من التخفيف على الأمة، لكن لو تضافر القول والفعل لاقتتل الناس عليه، ولذلك ندم ﵊ على دخول البيت. "فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه" ﵊؛ لأنه معصوم من ارتكاب الإثم، ومع ذلك يكره ما يكرهه الله -جل وعلا-، فهو أشد الناس كراهية لما يكرهه الله -جل وعلا-؛ لمنزلته عند ربه، والموافقة في المحاب والمكاره، لا شك أن هذا دليل المحبة. "وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه" نعم أساء بعض الناس الأدب إلى النبي ﵊ مما سمعه النبي ﵊ أو بلغه ومع ذلك ما انتقم. "ما انتقم لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله" قد يقول قائل: لماذا حد الذين خاضوا في الإفك، أليس هذا انتقام للنفس؟ نقول: لا، هذا انتهاك حرمة؛ لأن القذف كبيرة من كبائر الذنوب، وفيها الحد، فهذا ليس انتصاراً لنفسه، وإنما هو لأنها انتهكت حرمة الله -جل وعلا-، فينتقم لله بها، وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، وكان يهجو النبي ﵊ ويسب الدين، ولسبه للدين ولكونه ارتد عن الإسلام استحق القتل، لا لأنه سب النبي ﵊ فيكون منتصراً لنفسه.

стр. 4328

قال: "وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) ". علي بن الحسين تابعي، فالخبر مرسل، لكنه مسند في الترمذي وابن ماجه من حديث الزهري، مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فالحديث أقل أحواله أنه حسن.

стр. 4329

((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) لأن فيما يعنيه ما يشغله عما لا يعنيه؛ لأن فيما يعنيه، الوقت لا يستوعب ما يعنيه، فكيف إذا اشتغل بما لا يعنيه؟ لا شك أنه يترتب على ذلك التفريط بما يعنيه من أمور دينه ودنياه، فلو أن كل إنسان اشتغل بخويصة نفسه وما يعنيه لانتهى كثير من المشاكل، لكن الفضول والتدخل في أمور الناس هذا الذي يورث المشاكل بين الناس، ولا يعني هذا أن فلاناً من الناس ارتكب معصية لا ينصح ولا يؤمر ولا ينهى؛ لأن الأمر لا يعنيك، إلا الأمر يعنيك، مما يعنيك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعنيك النصيحة لأخيك المسلم، نعم، يعنيك تغيير المنكر، فإذا وجد مثل هذا فإن هذا مما يعنيك؛ لأنه قد يستدل بهذا الحديث من يرى ترك النصيحة للناس، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دع الناس وشأنهم، هذا لا يعنيك، عليك بخويصة نفسك، ولذا المغرضون أعداء الدين، وأعداء الملة يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في شئون الناس، إذا كان تدخل في شئون الآخرين معناه أنه ليس مما يعنيك، و ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) نقول: لا، هذا الكلام ليس بصحيح، أنت مسئول عن هذا المنكر، وعن تغيير هذا المنكر ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) هذا الأصل، ((فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) فلا بد من التغيير، لا بد من بذل النصيحة، ((الدين النصيحة)) أسلوب حصري، الدين النصيحة ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) فالدين هو النصيحة، ومن الدين الذي هو النصيحة أن تنصح لأخيك لكونه دخل في شيء يضره، ما يقال: هذا والله تدخل في شئون الناس، أنت عندك خبرة في التجارة، في الزراعة، في الصناعة، رأيت أخاك تورط في مشروع يضره في مجال من هذه المجالات تسدي له النصيحة، ما يقال: والله أنت ملقوف تدخلت في أمر لا يعنك، لا، هذا الأمر يعنيك؛ لأنك مكلف به شرعاً، ((الدين النصيحة)) كالأمر والنهي.

стр. 4330

((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) لكن رأيت عمارة شاهقة تم بناؤها وتم استثمارها فتأتي وتنظر فيها ولا تسدي نصيحة إلى صاحبها، يعني لو عدلت كذا، أو فعلت كذا في أثناء العمل، لا بأس هذه نصيحة، لكن تنظر إليها بعد تمامها وبعد استثمارها وتتحدث بينك وبين نفسك وبين أناس آخرين لا يعنيهم الأمر، شوف هذا المفترض أنه حطها عشرين دور بدل خمسة عشر، المفترض، هذا لا يعنيك، هذا ضياع وقت بالنسبة لك، إن كان عندك نصيحة اذهب وأسدها إلى صاحبها، نعم، أو تتحدث في المجالس أن فلاناً بنا عمارة، وأسكنها من يستعملها فيما لا يرضي الله -جل وعلا-، اذهب يا أخي وانصحه، هذا المفروض، لا تتحدث به في المجالس؛ لأن حديثك في المجالس الذي لا يترتب عليه مصلحة هذا هو الذي لا يعنيك، بخلاف بذل النصيحة لأخيك.

стр. 4331

قال: "وحدثني عن مالك أنه بلغه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "استأذن رجل على رسول الله ﷺ " يعني جاء تعيينه أنه عيينة بن حصن، أو الأقرع بن حابس، من الجفاة، ممن أسلم ولما يقر الإيمان في قلبه، أسلموا ودخلوا في الإسلام، ثم بعد ذلك "استأذن رجل على رسول الله ﷺ قالت عائشة: وأنا معه في البيت، فقال رسول الله ﷺ : ((بئس ابن العشيرة)) " يقوله لعائشة، ((بئس ابن العشيرة)) يعني ذكر الإنسان بما فيه لا سيما مثل هذا الذي جاهر وأعلن بخلقه البذيء السيئ الذي يجاهر بما حرم الله -جل وعلا-، سواءً كان في الأخلاق أو في العبادات، أو المعاملات هذا معروف أنه هو الذي فضح نفسه، لكن النبي ﵊ لما أذن له قالت عائشة ﵂: "لم أنشب" يعني لم ألبث "أن سمعت ضحك رسول الله ﷺ معه" يعني المفترض يعني في اتحاد المواقف أنه ما دام بئس أخو العشيرة على حد فهم عائشة ﵂، وهذا الذي يتبادر إلى أذهان عموم الناس، ما دام بئس أخو العشيرة ليش تضحك معه؟ وتنبسط معه؟ الرسول ﵊ انبسط معه، وضحك معه، فاستغربت عائشة ﵂ "فلما خرج الرجل قلت: يا رسول الله قلت فيه ما قلت، ثم لم تنشب أن ضحكت معه، فقال رسول الله ﷺ : ((إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره)) " يعني مثل هذا يلاطف في القول، ويدارى في الكلام اتقاء شره، وأهل العلم يقررون أن المداراة مطلوبة، يعني في التعامل بخلاف المداهنة، المداهنة التي يترتب عليها تنازل عن واجب، أو تجاوز محظور، أو ارتكاب محظور، هذا لا يجوز بحال، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [(٩) سورة القلم]. أما المداراة والتعامل مع الناس بما يحقق المصلحة ولا يترتب عليه أدنى مفسدة، فإن هذا أمر شرعي، ولذا ترجم عليه الإمام البخاري: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب، وفي مسلم في كتاب الأدب: باب مداراة من يتقى فحشه، ومعروف ترجمة الإمام البخاري من الإمام البخاري، وأما ترجمة مسلم فهي من الشراح، وهنا من النووي.

стр. 4332

قال: "وحدثني عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن كعب الأحبار"، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . ما ترتكب محظور ولا تترك مأمور، إن ارتكبت محظور أو تركت مأمور هذه مداهنة. "وحدثني عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن كعب الأحبار أنه قال: "إذا أحببتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه انظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء" هذا موقوف على كعب، ومعناه صحيح. في المرفوع عن النبي ﵊ أنه مر بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: ((وجبت، وجبت، وجبت)) ثم مر بجنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: ((وجبت وجبت، وجبت)) فقالوا للرسول ﵊، حصل هذا وحصل هذا وقلت: وجبت في الأول، وقلت: وجبت في الثاني، قال: ((نعم، أثنيتم على هذا خيراً فوجبت له الجنة، وأثنيتم على هذا شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه)) فيقول هنا: "إذا أحببتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء". ثم قال: "وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: "بلغني أن المرء ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل، الظامي بالهواجر" لا شك أن حسن الخلق كما جاء في الحديث أثقل ما يوضع في الميزان، أو من أثقل ما يوضع في الميزان حسن الخلق، فإذا وجد حسن الخلق ووجد سيء الخلق، وقائم صائم، لا شك أن هذا يبلغ درجته، وقد يفوقه على حسب ما عند الثاني من حسن في خلقه أو عدمه.

стр. 4333

"وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "ألا أخبركم بخير من كثير من الصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين" لأن الصلاة نفعها قاصر، والمقصود من الصلاة النافلة، وإلا الفريضة لا يعدلها شيء من الأركان، فضلاً عن الواجبات، الفريضة لا يعدلها شيء، وإن كان نفعها قاصراً إلا أنها الركن الثاني بعد الشهادتين، والصدقة نفعها لا شك أنه متعد؛ لكنه آني، تتصدق على إنسان بدرهم أو دينار، يأكله فينتهي منه، نعم، ونفع متعدي، ولا شك أن ثوابه عظيم، لكن إصلاح ذات البين، رجل مع زوجته تدابرا وتقاطعا، وقرب أمرهما من الفراق تصلح بينهما، هذا من أعظم الأمور، والإصلاح بين الناس صدقة، أو أخوان تقاطعا من ذو سنين بسبب إرث، أو وقف، أو ما أشبه ذلك، أو ابن مع ابنه، أو ابن مع أبيه، وهكذا. قال: "إصلاح ذات البين" لأنه نفع متعد ودائم، وأما الصلاة فنفعها قاصر، والصدقة نفعها متعد، لكنه منقطع. "وإياكم والبغضة" البغضة شدة البغض والحقد على الناس، تحمل بغضاً للناس، وحقداً عليهم، وتتربص بهم، وتفرح إذا أصيبوا، وقد يظهر من ملامح وجهك شيء من ذلك، فلا شك أن هذا من الأمور المحذر منها، المكروهة لدى الشرع. "إياكم والبغضة فإنها هي الحالقة" الحالقة التي تحلق الدين وتستأصله، كما يحلق الموسى الشعر، ولذا جاء في الحديث المرفوع: ((لا أقول: تحلق الشعر، وإنما تحلق الدين)).

стр. 4334

قال: "وحدثني عن مالك أنه قد بلغه أن رسول الله ﷺ قال: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) " هذا الحديث موصول من وجوه عن أبي هريرة، ((بعثت)) النبي ﵊ إنما بعث هادياً للناس كافة، بشيراً لمن أطاعه، نذيراً لمن خالف أمره، في بعض الروايات الحصر ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) وعلى كل حال هذا الأسلوب سواءً كان حصرياً أو غير حصري فإنه من باب العناية والاهتمام بشأن حسن الخلق، وكان الناس على خلق قبل بعثته ﵊ كانوا على خلق موروث عن أبيهم إبراهيم ﵇، لكنهم فرطوا في كثير منه، وجاء النبي ﵊ بما فرطوا به وزيادة عليه مما لم يأتهم من قبل عن طريق الأنبياء والرسل، فتمم ﵊ حسن الأخلاق ومكارم الأخلاق كما في الروايات الأخرى ﵊. تفضل. طالب:. . . . . . . . . يقول البخاري ﵀: باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب. يعني لو أن شخصاً عرف واشتهر بين الناس بأمر مما ينكر عليه في الشرع نصح فلم ينتصح، كما يوجد في الذين يكتبون في الصحف، ويتكلمون في القنوات وفي المجالس، وفي المجالس الرسمية وغيرها، هل يقال: إن مثل هذا بيان شره، وبيان منزلته في الشرع، هل يقال مثلاً: إن هذا غيبة؟ نعم؟ ليس بغيبة، هذا الرجل عرف بسوء الخلق، ومن النصيحة للناس أيضاً أن يُعرف، من لم يعرف يعرفه، يعني هذا من باب النصيحة للناس أن يقال فيه مثل هذا الكلام، وإذا اقتضت النصيحة الكلام في الإنسان فيما يكره، الذي جاء عموم النهي عنه، وتسميته غيبة، إذا كانت المصلحة راجحة فلا شك أن مثل هذا يجوز، بل قد يجب أحياناً، يعني الكلام في الرواة غيبة في الأصل، لن صيانة للسنة لا بد من الكلام فيه. مثل ما كتب هنا يقول في الحديث: ((بئس أخو العشيرة)) كيف يتم فهمه مع الوعيد الذي جاء في الغيبة؟

стр. 4335

عرفنا هذا أنه لأنه تظاهر بفحشه، وصار الناس يتقونه من أجل شره، فإذا كان بهذه المثابة لا مانع من الكلام فيه، وأنه ليس على منهج؛ لأنه قد يظن بعض السذج أن مثل هذا الصنيع من هذا الرجل أنه هو الحزم؛ لأن بعض الناس لا يربيهم إلا الشدة والقوة والقسوة، قد يقال: إن هذا حزم، نقول: هذا ليس بصحيح، هذا شر، فعلى الناس أن يتقوه ليكون من شر الناس هو، ما دام الناس يتقونه من أجل شره فإنه يكون حينئذٍ من شر الناس. سم. أحسن الله إليك. باب ما جاء في الحياء: وحدثني عن مالك عن سلمة بن صفوان بن سلمة الزرقي عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء)). وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : ((دعه فإن الحياء من الإيمان)). يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الحياء:

стр. 4336

الحياء خلق حميد شرعي، يورث في صاحبه ومن تحلى به الانقباض عما لا يحمد شرعاً أو عرفاً، فهذا الخلق الشرعي الذي لا يأتي إلا بخير، وهو من الإيمان، كما جاء في حديث الشعب، وكما سيأتي في الحديث حديث الباب الثاني، قد يلتبس على بعض الناس الحياء العرفي بالحياء الشرعي، الحياء الشرعي يورث الانكفاف عما لا يحمد، الانكفاف عما يحمد ليس بحياء شرعي، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصح الناس وبذلهم وتوجيههم وتعليمهم، بعض الناس قد يخجل منه، لا يستطيع أن يقارفه حياءً وخجلاً، هذا حياء عرفي، لكنه يوجب الانكفاف عما يحمد شرعاً، فليس من الحياء الشرعي في شيء، هذا الخجيل يورث الانكفاف عما يحمد شرعاً، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محمود وإلا مذموم شرعاً؟ محمود، النصيحة للناس، توجيه الناس، عظة الناس، هذا كله محمود، فإذا كان الحياء يكف عن أمر محمود شرعاً، يكف هذا الحياء العرفي عن أمر محمود قلنا: هذا ليس بشرعي، وخجل مذموم، بينما إذا كان هذا الخلق الحميد يكف الإنسان عما يذم شرعاً فإنه حينئذٍ يكون محموداً، وهو الحياء الذي لا يأتي إلا بخير، يقول ... نعم؟ طالب:. . . . . . . . . هذا كلام الرسول ﵊. طالب:. . . . . . . . . هو موجود من القدم، يعني التقسيم هذا موجود من القدم بجامع أن كلاً منهما يدعو إلى الانكفاف، يعني عموم مواجهة الناس حياء، أو عدم مواجهة الناس حياء، فإن كان عدم مواجهتهم فيما يذم، بعض الناس تجده يواجه الناس فيما يذم به شرعاً، هذا لا عنده لا حياء شرعي ولا عرفي هذا، وهذا قد يكون هو القسم الأخير إذا قسمناه تدريجياً قلنا: إن هناك حياء يكف عما يذم به شرعاً، ولا يكف عما يحمد به شرعاً، هذا إيش؟ المحمود، المحمود من كل وجه.

стр. 4337

وهناك حياء يكف مطلقاً عما يحمد وعما يذم هذا الخجل، هذا أيضاً محمود من وجه، مذموم من وجه، بعض الناس، القسمة رباعية، بعض الناس لا يوجد عنده لا هذا ولا هذا، لا يستحيي من أحد، وجاء في الحديث: ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) هذا مذموم، مذموم من كل وجه؟ لا، قد يمدح من وجه، هذا لا يستحيي مطلقاً، تجده يقدم على ما يذم به، ولا يستحيي أن ينكر على من يأتي مذموماً، هذا من وجه دون وجه. القسم الأخر الأرذل المذموم من كل وجه الذي لا يستحيي عما يذم به، ويستحيي عما يمدح به، أيضاً القسمة الرباعية ظاهرة، نعم، في من لا يستحيي مطلقاً يقدم على كل شيء محمود ومذموم هذا موجود في الناس، يعني عادي أن يواجه إنسان على لا شيء لأتفه الأسباب بما يسوؤه، وعادي أن ينكر منكر سيان عنده؛ لأنه ما في شيء اسمه شيء يردعه عن مواجهة الناس، سواءً كانت بحق أو بباطل، ويقابله الذي يستحيي من إنكار المحمود والمذموم، وبين المرتبتين من يستحيي من إنكار المحمود، بل لا يقدم عليه، ولا يستحيي من إنكار المذموم والعكس، ولكل واحدة منزلتها.

стр. 4338

الحياء العرفي الذي يكف عما يحمد به شرعاً، الحياء المذموم هذا الخجل موجود بين الناس، تقول له: قم اتكلم يقول: ما أقدر، بعض الناس تقول له: صل بالناس، يقول: ما أستطيع، ولو كان من الحفاظ، يعني ما في مبرر لهذا الخجل، يعني ما في شيء محسوس أو شيء يمنعه، يعني يوجد مثل هذا مع الأسف مع طلاب العلم في مناسبات كثيرة، يصلي الناس ظهر وعشرين ثلاثين من الجماعة من خريجي الكليات الشرعية، ما يستطيع أن يواجه الناس هذا محمود وإلا مذموم؟ مذموم بلا شك، وحصل وقائع من هذا النوع، يصلون ظهر وفيهم من هو كفؤ، لكنه ما تعود، وقد يقوم بهذه المهمة مع وجود أخيار وطلاب علم، يقوم بها شخص فاسق؛ لأنه تعود هذا الأمر، وليكن مذيع مثلاً، مذيع بقناة مثلاً، تعود هذا الأمر ولا يصعب عليه أن يصعد المنبر ويخطب بالناس، لكن هل هذا بالنسبة لطلاب العلم محمود وإلا مذموم؟ مذموم يا أخي بلا شك، مذموم، وعلى طالب العلم أن يهيئ نفسه لكل ما يمدح به شرعاً، وكم حصل من قضية صارت مفتاح خير لبعض العلماء، يعني تجد مثلاً من يشار إليهم بالبنان بالخطابة الآن، سبب ذلك أنه أحرج في موقف، قيل له: اخطب، قال: والله ما تهيأ، ولا تعود، ثم خطب على ضعف، يعني أول خطبة تعرفون ويش وضعها؟ قال: ما دخلت مسجد لصلاة الجمعة إلا وفي جيبي خطبة، ومع الوقت ترك الخطب المكتوبة، وصار معروف من مشاهير الخطباء. المقصود أن مثل هذه الأمور لا بد أن يتعود عليها، بعض الناس تقول: والله الآن إحنا جالسين مرتاحين ومبسوطين، وفي ناس عندهم أغاني بجواركم، بنزهة، برحلة، تقول: قم يا أخي انصحهم وإلا ذكرهم، يقول: والله ما تعودت، أنكر عليهم، والله ما تعودت، ويش معنى ما تعودت؟ هذا حال كثير من طلاب العلم، فهذا الحياء ممدوح وإلا مذموم؟ مذموم.

стр. 4339

المقصود أن مثل هذه الأمور لا شك أنها الحياء الذي لا يأتي إلا بخير هو الحياء الشرعي، يذكر بعض الناس عن أنفسهم خلاف ما يتوقعه الإنسان إطلاقاً من خلال ما كتبوا، يعني في الحياء واحد كتب عن حياته مجلد، ويقول عن نفسه في هذا الكتاب، وهو مدرس في مدرسة القضاء الشرعي، وله زميل في نفس المدرسة، واحتاجوا إلى تعلم اللغة الإنجليزية، يقول: لنرى العالم بالعينين بدل عين واحدة، فقلت لصاحبي: ابحث عن مدرس، وأنا أبحث، كل واحد بطريقته، ثم نتعلم عليه، يقول: بحثت فوجدت شخص إنجليزي شاب وزوجته، في شهر الزواج، توا متزوجين، فقلت لصاحبي: وجدت البغية، أنت لك الزوج، وأنا لي الزوجة، هذه تعلمنا، وهذا تعلمك، هل هذا مما يستحى منه شرعاً وإلا لا؟ نعم، هذا كتبه في مذكرته في حياته، نعم، ومع ذلك يقول: إنها تقول: إن العين العربة صعبة، يعني قصده حرف عين، يعني صعب عليها تنطقها، وقلت لها: إن العين الإنجليزية أصعب، هو يقصد عينها، نسأل الله العافية، هل مثل هذا الكلام مما يستحيا منه شرعاً وإلا لا؟ بلى، بالمقابل بنفس الكتاب يقول: أجلس في المجلس ساعتين ثلاث ساعات، وأنا أحتاج الدورة استحيي أن أستأذن، نفس الشخص، ولذلك يحصل وجود ما يذم، وانتفاء ما يمدح، يوجد تناقضات في مثل هذا، تجد إنسان عنده جرأة ينكر الحق، ويستحيي عن إنكار الباطل، يعني الناس فيهم من هذه النوعيات، نسأل الله العافية. طالب: لكن يا شيخ -أحسن الله إليك- هل يسمى حياءً؟ هو خجل، لكن الحياء العرفي يشمله هذا، الكلام على الحياء العرفي، حتى من القدم، حتى الشراح يعظ أخاه في الحياء، ها شوف يعظ أخاه في الحياء. طالب:. . . . . . . . . لا، لا لا، الشراح بينوا هذا. طالب:. . . . . . . . . إيه الحياء الشرعي لا يأتي إلا بخير، والحياء بمفهومه العام نعم فيه وفيه، لكن الحياء الشرعي لا يأتي إلا بخير.

стр. 4340

يقول: "وحدثني عن مالك عن سلمة بن صفوان بن سلمة الزرقي عن زيد بن طلحة بن ركانة يرفعه إلى النبي ﵊" وهو مرسل "قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل دين خلق)) " يعني الأديان السماوية جاءت للأمم بالخير واتقاء الشر، والنبي ﵊ لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، ﵊. قال: ((لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء)) خلق الإسلام الحياء، ولذلك تجد المسلم يستحيي من ذكر أشياء لا يخجل عن ذكرها غير المسلم مما يستحيا منه شرعاً أو عرفاً، فخلق هذا الدين الحياء، وجاء في الحديث الصحيح: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)) فدل على أن الحياء متوارث في سائر الأديان، لكنه في هذه الديانة -في الإسلام- برزت مظاهره ومعالمه أكثر، وصار شأنه في هذا الدين أعظم. في الحديث الصحيح: "إن الله لا يستحيي من الحق" وفي الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ [(٢٦) سورة البقرة] "إن الله لا يستحيي من الحق" إيش معنى "لا يستحيي من الحق" يعني يشيع على ألسنة الناس: لا حياء في الدين، هذا الكلام صحيح وإلا ليس بصحيح؟ طالب: ليس بصحيح. يعني إن كان القصد منه في مسائل الدين كما قالت أم سلمة: "إن الله لا يستحيي من الحق" يعني في مسائل الدين، يعني لو أردت أن تسأل عن مسألة لا حياء فيها، على هذا الوجه يمكن حمله صحيح، لكن إذا كان نفي للحياء بالكلية عن الدين أبداً هذا العكس، الحياء كله خير، وخلق الإسلام الحياء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ [(٢٦) سورة البقرة] إيش معنى لا يستحيي؟ يعني لا يترك؛ لأن مآل الحياء الترك، فالحياء الذي يؤدي إلى ترك الحق منفي عن الله -جل وعلا-.

стр. 4341

قال: "وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء" يعني يقول له: لا تستحي أنت، هذا موجود في معاملات الناس وأعراضهم، تجد واحد عاشر الناس، عاملهم، وصار مثلما يقولون: خراج ولاج، نعم، وله أخ ما تعود ولا تمرن على هذا، ويقول له: خذ هذه البضاعة بعها، أو حرج عليها بالمزاد، هل كل إنسان من الناس يستطيع أن يقول: من يزيد؟ يرفع صوته بهذا؟ نعم؟ كثير من طلاب العلم لا يستطيع أن يبلغ خلف الإمام، إذا قال: الله أكبر، رفع صوته بالله أكبر، صح وإلا لا؟ فضلاً عن كونه يحرج بين الناس، كم نقول، كم نقول، يقول يا أخي -يعظ أخاه-: لا تستحي، اشتغل، ترزق، نعم يعظ أخاه في الحياء، ولعله يقصد به الحياء مطلقاً، يعني لا تستحي مطلقاً، لا عما يحمد، ولا عما يذم، ولذلك قال النبي ﵊: ((دعه)) يعني اتركه، ((دعه فإن الحياء من الإيمان)) وفي رواية: ((لا يأتي إلا بخير)) نعم الحياء من الإيمان، الحياء شعبة من شعب الإيمان ((الإيمان بضع وستون شعبة)) في مسلم: ((بضع وسبعون شعبة)) في بعضها: ((ستون أو سبعون، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان)). سم. أحسن الله إليك. باب ما جاء في الغضب: وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن، ولا تكثر علي فأنسى، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تغضب)). وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)). يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في الغضب:

стр. 4342

الغضب معروف لا يحتاج إلى بيان، وبيانه كبيان الماء، الغضب خروج النفس عن حد الاعتدال بسبب المثير، والغضب غريزة موجودة عند الناس، لكنهم يتفاوتون فيها، فمن الناس من يثور لأدنى سبب، ومن الناس من يثور لغير سبب، ومنهم من لا يثور، ومنهم من يغلي قلبه بالغضب لأتفه الأسباب، ومنهم الحليم الذي اتصف بالحلم والأناة، كالأحنف، وممن وصف بذلك معن بن زائدة المشهور، حصل رهان بين اثنين إن أغضبه فله كذا وكذا من الإبل، فجاء إليه وسبه بأبشع أنواع الهجاء والذم بالشعر المحفوظ إلى اليوم، ومع ذلك يعرض عنه إلى أن أيس من إغضابه، وهذه منة ونعمة، لكن هناك مواقف لا بد فيها من الغضب لا سيما إذا انتهكت محارم الله -جل وعلا-. ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا لا سيما بعض الناس إذا ما تعومل معه معاملة تردعه عن بعض تصرفاته يسترسل، فمثل هذا لا بد أن يكف، ولا شك أن الغضب غريزة، ويزيد مع عدم الكف، وعدم خزم النفس، والحلم بالتحلم، يعني مع الوقت تجده يتصف بهذا الخلق، وإن لم يكن متصفاً به قبل ذلك، كما أن العلم بالتعلم، كذلك الحلم بالتحلم، والفقه بالتفقه. "أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن" كلمات "ولا تكثر علي فأنسى" مثل الذي قال للنبي ﵊: "إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأرشدني" هنا: "علمني كلمات أعيش بهن، ولا تكثر علي فأنسى" يعني لو علمه حديثاًَ طويلاً يشتمل على جمل كثيرة يمكن ينسى بعضه، لا سيما وقد عرف من نفسه ضعف الحافظة.

стр. 4343

"ولا تكثر علي فأنسى، وأعيش بهن" يعني أنتفع بهن في معيشتي في ديني وفي دنياي "فقال رسول الله ﷺ : ((لا تغضب)) " وأي نصيحة أبلغ من هذه النصيحة، وكم للغضب من آثار على الشخص نفسه، وعلى غيره، والغضب مؤثر تأثيراً بالغاً في صحة الإنسان، وله أيضاً آثار متعدية تصل إلى حد القتل، تصل إلى حد القذف، تصل إلى حد أن يقول كلمة لا يلقي لها بالاً أثناء غضبه يهوي بها في النار سبعين خريفاً -نسأل الله السلامة والعافية-، وكمن إنسان شتم الدين بسبب الغضب، وكمن إنسان وقع في عظائم الأمور بسبب الغضب، ولذا الغضب من الشيطان، فإذا وجده الإنسان فليغير وضعه، إن كان واقفاً فليجلس، وإن كان جالساً فليضطجع أو ليقف، المقصود أنه يغير وضعه، وإن توضأ؛ لأن حرارة الشيطان إنما تطفأ بالماء. قال: "وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس الشديد)) " ليس الشديد القوي ((بالصرعة)) يعني الذي يصرع الناس ليس هذا هو الشديد، ليس هذا هو القوي، ليس هذا الذي يمدح بقوته، جاء في الحديث الصحيح: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)) وما قال الرسول ﵊ الرجل القوي، قال: المؤمن، يعني القوي في إيمانه، ((خير من المؤمن الضعيف)) في إيمانه، ويتبع ذلك ما يتطلبه الإيمان من قوة في البدن، وإعداد للعدو، وما أشبه ذلك، هنا يقول: ((ليس الشديد بالصرعة)) الذي يصرع الناس، وهذا البناء صرعة لاسم الفاعل صرعة، يعني ضحكة، همزة، لمزة، الذي يصرع الناس، لمزة الذي يلمز الناس، همزة الذي يهمز الناس. بعض التراجم، تراجم الأئمة يقولون: الإمام العالم، المتفنن، الرُحْلة، رُحْلة، هذا اسم المفعول، يعني يرحل إليه، ورُحَلة يعني يرحل اسم الفاعل. ((إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) يستعيذ بالله من الشيطان، ويتوضأ ويترك هذه الآثار المترتبة على الغضب، ولا يرتب عليه ما يتطلبه الغضب عند دخول الشيطان من قتل، من سفك دم، من كلام بذيء، كثيرا ًما يحصل الطلاق بسبب الغضب، ثم بعد ذلك الندم، وكلام أهل العلم في طلاق الغضبان معروف.

стр. 4344

المقصود أنه مسبباته كلها أو جلها سيئة، يُندم عنها بسرعة، أو يندم صاحبها بسرعة، فعلى الإنسان أن يملك نفسه عند الغضب، وقد يقول الإنسان: هذا شيء لا أستطيع أن أملك نفسي، أنا جبلت على الغضب، لكن الحلم بالتحلم، ومع ذلك أُثر عن بعض الصحابة أنه كان شديد الغضب لكنه وجه من قبل النبي ﵊ إلى كثرة الاستغفار، وعليه أن يتحلم، وينظر في عواقب الأمور قبل أن تصدر عنه، وإذا حصل منه أو بدر منه شيء مما لا تحمد عقباه لا بد أن يتحمل المسئولية، فإذا غضب وتكلم في حق فلان أو علان لا بد أن يذهب إليه، ويستسمحه، ويستبيحه ويستحله مما حصل منه، والله المستعان. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4345

شرح: الموطأ – كتاب حسن الخلق (٢) باب ما جاء في المهاجرة - باب ما جاء في لبس الثياب للجمال بها الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا والحاضرين والسامعين برحمتك يا أرحم الراحمين. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في المهاجرة: وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحل لمسلم أن يهاجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)). وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهاجر أخاه فوق ثلاث ليال)). قال مالك ﵀: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن أخيك المسلم فتدبر عنه بوجهك. وحدثني عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)). وحدثني عن مالك عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ : ((تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا وتحابوا وتذهب الشحناء)). وحدثني عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا)).
следующие страницы →