وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوبُ كتاب الله بشيء أبداً" (١).
وهذا الأثر يدلّ على أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يرى جواز جمع السُّنَّة وكتابتها، ولولا ذلك ما استشار الصحابة الكرام، ولا أشاروا عليه بذلك، وإنما تراجع عن ذلك للأسباب التي ذكرنا.
٤ - وأول محاولة لتدوين السُّنَّة النبوية وجمْعها، على نحو شامل رسمي، كانت على يد الخليفة الأموي: عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى (ت: ١٠١ هـ)، عندما كَتَبَ إلى عامله في المدينة المنورة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت: ١٢٠ هـ) (٢)، يقول له: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خِفْتُ دروسَ العلم وذهابَ العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولتَفْشوا العِلْم، ولِتَجْلسوا، حتى يَعْلَم من لا يَعْلَم، فإن العلم لا يهلِك حتى يكون سِرَّاً (٣) " (٤).
٥ - وواضحٌ أن عمر بن عبد العزيز ﵀ لم يُقْدِم على هذا العمل إلا بعد أن رأى نشاط علماء التابعين في كتابة السُّنَّة، فأحبَّ أن يتحوَّل الأمر من عَمَلٍ
стр. 72
فردي خاص، إلى عَمَلٍ جماعي شامل.
٦ - كذلك وجَّه عمر بن عبد العزيز ﵀ أمره هذا إلى الإمام الحافظ محمد بن شهاب الزهري، أحد كبار أئمة الحديث في زمانه (ت: ١٢٤ هـ)، فأمره بجمْع السُّنَّة وتدْوِينها.
فقد روى سعيد بن زياد، عن ابن شهاب الزهري، أنه قال: "أَمَرَنا عمر بن عبد العزيز بجمع السُّنَن، فكتبناها دفتراً دفتراً. فَبَعَثَ إلى كلّ أرض له عليها سلطان دفتراً" (١).
وهذا النص يدلّ على أن عمر بن عبد العزيز لم يكتف بالأمر بجمع السُّنَّة فحسب، بل إنه نسخ مما جمع نسخاً عدّة، وأرسل بها إلى البلدان.
٧ - ولعلّ من أهمّ الأسباب التي حملتْ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى على جمْع السُّنَّة النبوية:
(أ) موتُ كثير من علماء الصحابة وكبار التابعين ﵃، فخيف بموتهم ضياع السُّنَّة وذهابها، وهو ما عبَّر عنه عمر بن عبد العزيز بقوله: "فإني خفتُ دروس العِلْم، وذهاب العلماء".
(ب) ضعْف مَلَكَة الحِفْظ والذاكرة، مع انتشار الكتابة بين الناس، واعتمادهم عليها.
(ج) ظهور بعض البدع والكذب في الأحاديث، مما دَفَعَ العلماء إلى العناية بتدوين السُّنَّة، حتى لا يدخل فيها ما ليس منها.
٨ - وقد صرَّح العلماء بأسبقية عمر بن عبد العزيز في تدوين السُنَّة النبوية،
стр. 73
كقول الإمام السيوطي ﵀: "وأما ابتداء تدوين الحديث، فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره" (١).
وبنحوه قال الحافظ ابن حجر ﵀، فإنه بعد إيراده أَمْرَ عمر بن عبد العزيز ﵀ بجمْع السُّنَّة، قال: "يستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز وكان على رأس المائة الأولى من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أن في تدوينه ضبطاً له وإبقاء" (٢).
وقد دلَّت الرواياتُ على أن عمر بن عبد العزيز ﵀، لم يكتفِ بأمر من أمرهم بجمع السُنَّة، بل لقد أرسل إلى أمرائه في الآفاق، يحثّهم على تشجيع العلماء على دراسة السُّنَّة وإحيائها، وجَعَلَ لأهل العلم نصيباً في بيت المال، يسدُّ حاجاتهم، كي يتفرغوا لنشر العلم والانقطاع له. وكان ﵀ يشارك العلماء في مناقشة بعض ما جمعوه من السُنَّة، ويتباحث معهم فيها (٣).
وكما قدَّمنا فإن التدوين الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، إنما هو التدوين الرسمي العام للسُنَّة النبوية، أما تقييد السُّنَّة وكتابتها في الصُّحُف والكراريس والرّقاع، فقد مارسه الصحابة في عهد رسول الله ﷺ ، ولم ينقطع بعد وفاته ﵊. بل بقي جنباً إلى جنب مع الحفظ في الصدور، حتى قَيَّضَ الله تعالى للحديث من يودعه في المدوَّنات الكبرى (٤).
* * * *
стр. 74
المبحث السابع
بدايات التصنيف في الحديث وأنواع المصنَّفات الحديثية التي ظهرت خلال القرن الثاني والتعريف ببعضها
١ - بعد محاولة عمر بن عبد العزيز ﵀ الموفقة في جمْع السُّنَّة النبوية، ازدهر نشاط العلماء في تدوين الحديث وكتابته، وتحوَّل من مجرد كتابة الحديث في الكراريس والصُّحُف، إلى جمعه في مؤلَّفات مستقلَّة، مرتَّبة على الأبواب، فأخذت المصنَّفات الحديثية تظهر تباعاً، ابتداء من مطلع القرن الثاني، وقد جَمَعَها أصحابها ورتَّبوها في مؤلَّفات مبوَّبة مرتَّبة، حَسَبَ الموضوعات المتناسبة.
٢ - ولعلّ من أوائل من ألَّف في الحديث ورتَّبه على الأبواب: عبد الملك بن جُريج (ت: ١٥٠ هـ) بمكة.
ومحمد بن إسحاق (ت: ١٥١ هـ)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) بالمدينة المنورة.
وسعيد بن أبي عروبة (ت: ١٥٦ هـ) وحماد بن سَلَمَة (ت: ١٦٧ هـ) بالبصرة.
وسفيان بن سعيد الثوري (ت: ١٦١ هـ) بالكوفة.
ومَعْمَر بن راشد (ت: ١٥٣ هـ) باليمن.
وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ) بالشام.
стр. 75
وعبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) بخراسان.
وهشيم بن بشير (ت: ١٨٣ هـ) بواسط.
وغيرهم رحمهم الله تعالى، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (١).
٣ - وكانت طريقة المؤلَّفات الحديثية في القرن الثاني؛ أنها تجْمع الأحاديث النبوية، وإلى جوارها أقوال الصحابة، وفتاوى التابعين (٢)، وربَّما أضافتْ اجتهادات وآراء المصنّفين أنفسهم، كما نراه واضحاً في "موطأ الإمام مالك ﵀"، الذي سيأتي التعريف به بعد قليل.
• التعريف بموطأ الإمام مالك ﵀:
ولعلَّه من المناسب الآن التعريف، بأحد أشهر الكتب الحديثية، المؤلَّفة في القرن الثاني الهجري، وهو كتاب ((الموطأ))، للإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
١ - اسم الكتاب: "الموطَّأْ"، وهو من تأليف الإمام المجتهد الفقيه، أمير المؤمنين في الحديث، صاحب المذهب: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصْبَحي الحِمْيَري المدني، إمام دار الهجرة، المولود سنة: ٩٣ هـ، والمتوفى سنة: ١٧٩ هـ رحمه الله تعالى، وهو من أتباع التابعين.
٢ - يُعَدُّ كتاب "الموطأ" من أقدم كتب السُّنَّة النبوية، التي وصلت إلينا حتى الآن.
стр. 76
٣ - وقد ذكروا في سبب تأليفه: أن الخليفة أبا جعفر المنصور ﵀، عندما قَدِمَ المدينة في رحلة حجّه، قال لمالك: ضَعْ للناس كتاباً أَحْمِلْهم عليه، فما أحدٌ أعلم منك. فوضع مالكٌ الموطأ، ولم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر (١).
بَيْدَ أن مالكاً ﵀ رفض حمْل الناس على كتابه، وقال: "يا أمير المؤمنين لا تفعلْ هذا، فإن الناس قد سبقتْ إليهم أقاويلُ، وسمعوا أحاديثَ، ورووا رواياتٍ، وأخذ كلّ قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كلّ بلد منهم لأنفسهم.
وتُنسب هذه القصة إلى هارون الرشيد أيضاً مع الإمام مالك (٢).
٤ - واختلف في سبب تسميته بالموطأ، فقيل: إن مؤلِّفه عَرَضَه على شيوخه فواطؤوه عليه. أي وافقوه، فسمَّاه: الموطأ. فقد نقل السيوطي ﵀ عن الإمام مالك، أنه قال: "عرضتُ كتابي هذا على سبعين فقيهاً، فكلّهم واطأني عليه، فسمّيته: الموطأ" (٣).
وقيل: إن سبب تسميته بالموطأ؛ أن مؤلِّفه أراد به توطئة الأحاديث وتيسيرها للناس. ولفظة الموطأ معناها: المُمَهَّد السهل المُعَبَّد (٤). ولا مانع من صحة السببين جميعاً.
٥ - وقد اشتمل الموطأ على حديث رسول ﷺ ، وأقوال الصحابة،
стр. 77
وفتاوى التابعين، إلى جانب اجتهاداتِ الإمام مالك نفسه، وآرائه الفقهية.
إضافة إلى ذِكْرِه ما اجمع عليه علماء المدينة في عهده، وما عليه عملهم. فهو كثيراً ما يقول في الموطأ: "الأمرُ الذي أدركتُ عليه الناس، وأهل العلم ببلدنا كذا وكذا"، لأن الإمام مالكاً ﵀ كان يرى حُجّية عَمَلِ علماء المدينة في زمنه (١).
٦ - وقد اشتمل "الموطأ" على نحو ثلاثة آلاف مسألة، منها سبعمائة حديث نبوي مسند مرفوع (٢)، مرتّبة على الكتب والأبواب.
٧ - وقد حظي "الموطأ" بثناء أهل العلم قديماً وحديثاً، كقول الإمام الشافعي ﵀ (ت: ٢٠٤ هـ): "ما في الأرض كتابٌ من العلم أكثر صواباً من كتاب مالك"، وفي رواية: "ما على الأرض كتابٌ أصحّ من كتاب مالك" (٣). قال الحافظ ابن حجر: "إنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم" (٤).
٨ - وأما عن درجة أحاديث الموطأ، فالمعروف أن الإمام مالكاً ﵀ كان شديد التحرّي في كتابه، واختار القوي من الأحاديث، وجمهور العلماء على أنه يأتي في المرتبة الثالثة بعد الصحيحين (٥).
وقد رجح العلامة أحمد محمد شاكر (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀؛ أن ما في "الموطأ" من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى النبي ﷺ ، فإنها صحاح
стр. 78
كلّها، وأن ما فيه من المراسيل والمقطوعات والبلاغات (١) فيُعتبر فيها ما يُعتبر في أمثالها، مما تحويه الكتب الأخرى (٢).
ومعنى كلام الشيخ شاكر: أن ما في الموطأ من مراسيل وبلاغات، ونحوها من الأحاديث المنقطعة الإسناد، فإنه لا يحكم بصحتها إلا بعد دراستها والنظر في أسانيدها، ففيها الصحيح وغيره.
٩ - ويمتاز كتاب الموطأ إلى جانب قوة أحاديثه بحسن الترتيب، حيث رتَّبه مؤلِّفه على الكتب والأبواب، كما يمتاز بقِصَر الأسانيد، بسبب قرب عهد المؤلِّف من العهد النبوي، بحيث لا يكون في كثير من الأحيان بين الإمام مالك والنبي ﷺ إلا راويان فقط، وهما: الصحابي والتابعي.
كذلك يمتاز الموطأ بالاختصار والإيجاز، وقد ذكر كثير من المصنّفين: أن الإمام مالكاً ﵀ ظلَّ ينقّح الموطأ ويهذّبه نحواً من أربعين سنة، يختار ما هو أصحّ وأنسب من الأحاديث، ويعرضها على الكتاب والسُّنَّة، حتى رجعتْ إلى سبعمائة حديث، بعد أن كانت نحو عشرة آلاف (٣).
١٠ - وللموطأ شروح كثيرة من أشهرها:
• "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، للحافظ أبي عمر، يوسف ابن عبد البر القرطبي المالكي، المتوفى سنة: ٤٦٣ هـ، ﵀، وهو من أجلّ شروح الموطأ، وأحسنها على الإطلاق، وقد أطنب أهل العلم في مدحه والثناء عليه.
стр. 79
• "الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار"، للمؤلِّف السابق، وهو شِبْهِ اختصار للتمهيد، مع توسُّع في الجانب الفقهي أكثر.
• "المنتقى شرح الموطأ"، للإمام أبي الوليد، سليمان بن خلف الباجي المالكي، ﵀ (ت: ٤٧٤ هـ)، وهو متوسط الحجم، نفيس ونافع، ولا سيّما فيما يتعلَّق ببيان مذهب المالكية، وإن كان يؤخذ عليه عنايته بالجانب الفقهي أكثر من عنايته بالجانب الحديثي ونقد المرويات.
• "القَبَس في شرح موطأ مالك بن أنس"، للقاضي محمد بن عبد الله، المعروف بأبي بكر ابن العربي المالكي الإشبيلي، ﵀ (ت: ٥٤٣ هـ). ومع أن ابن العربي كان مالكي المذهب، إلا أنه كثيراً ما كان يخالف المذهب إذا ما ترجح عنده خلافه. وعلى سبيل المثال: فقد قال في مسألة الوضوء من مسّ الذكر: "والعجبُ لإِمامنا ﵁، يرويه (أي الحديث الوارد في ذلك) في كتابه، ويدرسه مدى عمره، ثم لا يقول به، وتختلف فيه فتواه"!! (١).
• "شرح الموطأ"، لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري المالكي، ﵀ (ت: ١٠١٤ هـ)، وهو شرح متوسط الحجم، سهل العبارة، أفاد فيه من شروح الموطأ بنحو خاص، ومن شروح كتب السُّنَّة بنحو عام، ولا سيّما: "فتح الباري"، لابن حجر، و"شرح مسلم"، للنووي. وكل هذه الكتب مطبوعة ومتداولة، والحمد لله.
стр. 80
المبحث الثامن
السُّنَّة النبوية في القرن الثالث الهجري
١ - يُعَدُّ القرن الثالث الهجري من أزهى عصور السُّنَّة النبوية على الإطلاق، وما غُرِسَ في القرنين الأول والثاني، على يد الصحابة الكرام وتابعيهم من الأئمة الأعلام، بدأ يؤتي أكله ناضجاً شهياً في هذا القرن، والذي سمَّاه بعضهم ب: "العصر الذهبي للسُّنَّة النبوية"، سواء من حيث اكتمال جمْع المتون وتدوينها، أو من حيث نُضْج القواعد النقدية الحديثية، ونُضْج الدراسات والأبحاث المتعلّقة بعِلْمِ الرجال، وعِلْمِ العِلَل، وفقه الأحاديث، ونحو ذلك (١).
٢ - وقد توالتْ في هذا القرن المصنَّفات الحديثية، وعَمَّتْ كلَّ البلاد الإسلامية، وبلغتْ في الكثرة والتنوُّع مدى بعيداً، واختلفتْ أساليبها في جمع السُّنَّة على طرائق شتى.
٣ - فمن العلماء من أَلَّفَ في الأحاديث في هذا القرن، وجَمَعَها ورتَّبها، بحسب مسانيد الصحابة الكرام، وتسمَّى: كتب المَسانيد.
ومنهم من اقتصر على الصحيح من الأحاديث، وتسمَّى: كتبَ الصحاح.
ومنهم من اقتصر على أحاديث الأحكام الفقهية، وتسمى: كتب السُّنن.
стр. 81
ومنهم من رتَّب الأحاديث بحسب الموضوعات، وتسمَّى: كتبَ الجوامع.
٤ - وسوف نعرّف الآن بحول الله تعالى بكل نوع من هذه الأنواع باختصار، مع ذكر بعض أشهر المصنَّفات فيه.
أولاً: كتب الصحَاح:
كتب الصحَاح في الاصطلاح هي: الكتب التي اقتصرتْ على ما صحّ من حديث رسول الله ﷺ عند أصحابها، دون قصد الاستيعاب، ومن أشهر الصحَاح:
* صحيح الإمام البخاري:
١ - اسمه: "الجامع المسند الصحيح المختصر من حديث رسول الله وسننه وأيامه" (١)، والذي يُعْرَفُ اختصاراً بصحيح البخاري.
٢ - مؤلِّفه هو: الإمام المجتهد الفقيه أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم البخاري، المولود سنة: (١٩٤ هـ)، والمتوفى سنة: (٢٥٦ هـ)، رحمه الله تعالى.
٣ - وهو أصحُّ كتب السُّنَّة النبوية على الإطلاق، عند عامة أهل العلم قديماً وحديثاً (٢)، وقد اختار مؤلِّفه رواة أحاديثه ممن اشتهروا بالعدالة والدّقة
стр. 82
والضبط والإتقان.
قال العلامة ولي الله الدهلوي ﵀ (ت: ١١٧٦ هـ): "أمَّا الصحيحان فقد اتفق المحدِّثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كلّ من يُهَوّن أمرهما فهو مُبتدِع متّبع غيرَ سبيل المؤمنين" (١).
وقال الإمام النووي ﵀: "اتفق العلماء ﵏؛ على أن أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز: الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأُمَّة بالقَبُول، وكتاب البخاري أصحّهما وأكثرهما فوائد ومعارف" (٢).
قلتُ: قد انتقد جماعة من الحفاظ كالدارقطني (ت: ٣٨٥ هـ) وغيره بعض ما فيهما، فهذا مستثنى من الإجماع، وإن كان الصواب في أغلب المنتَقَد مع البخاري ومسلم، كما صرّح بذلك الأئمة، كالحافظ ابن حجر والسيوطي وغيرهما أهل العلم (٣).
٤ - وقد أمضى الإمام البخاريّ في تأليفه نحواً من ست عَشَرَةَ سَنَةً، ولم يضع فيه حديثاً إلا وصلّى ركعتين، واستخار تعالى الله فيه، بعد أن يتيقَّن صحته، وقال: "جعلته حجَّة بيني وبين الله سبحانه" (٤).
٥ - ويبلغ عدد أحاديث صحيح البخاري بالمكرَّر (٧٢٧٥) حديثاً، وبإسقاط المكرَّر (٤٠٠٠)، بحسب ابن الصلاح، على خلاف بين العلماء في
стр. 83
ذلك، بناء على اختلافهم في طريقة عدّ الأحاديث (١). هذا عدا ما في الكتاب من الموقوفات من أقوال الصحابة والتابعين.
٦ - ويُعَدُّ "صحيح البخاري» أول كتاب في السُّنَّة يكتفي بالصحيح المجرَّد من الأحاديث، فقد كانتْ كتب السُّنَّة قبله تخلط ما بين الصحيح والضعيف من الحديث، فلا يستطيع الناظر فيها أن يميّز بينهما، إلا إن كان من ذوي العلم والاختصاص، الأمر الذي دعا الإمام البخاري إلى إفراد الحديث الصحيح وحده.
٧ - لكن لم يقصد البخاري استيعاب كل ما صحَّ عن رسول الله ﷺ ، لأنه لو فَعَلَ ذلك لطال الكتاب جداً، لذلك صحَّ عنه أنه قال: "لم أُخرج في هذا الكتاب الا صحيحاً، وما تركتُ من الصحيح أكثر". وفي رواية، قال: "ما أَدخلتُ في كتابي الجامع الا ما صحَّ، وتركتُ من الصحيح حتى لا يطول" (٢). ولذلك نجد الإمام البخاري يحكم بصحّة كثير من الأحاديث فيما ينقله عنه تلميذه الإمام الترمذي (٣)، مما لم يخرّجه في صحيحه.
٨ - وقد رتَّب البخاري صحيحه على الكتب والأبواب، فبدأه ب كتاب "بدء الوحي"، ثم كتاب "الإيمان"، ثم كتاب "العلم"، ثم كتاب "الوضوء" .. إلى أن ختمه بكتاب "التوحيد"، وأدرج تحت كلّ كتاب أبواباً عدة.
٩ - وتسمية البخاري له ب "الجامع"، يدلّ على أنه لم يحصره في نوع معين من الأحاديث، بل هو مشتمل على جميع أنواع الحديث المحتاج إليها، من
стр. 84
العقائد والأحكام، والرقاق والآداب، والتفسير والتاريخ، والسِّيَر والشمائل، والفتن والمناقب والمثالب، وغير ذلك. والكتابُ المشتملُ على هذه الأنواع كلّها يسمّى: جامعاً عند أهل الحديث (١).
١٠ - ويمتاز "صحيح البخاري" إلى جانب صحة أحاديثه، بدقّة تراجم أبوابه، وحُسن استنباط الأحكام من المتون، فهو كتاب جامعٌ بين الحديث والفقه، حتى اشتهرت بين العلماء عبارة: "فقه البخاري في تراجمه" (٢).
١١ - وقد لقي "صحيح البخاري" عناية عظيمة من قِبَل علماء الأمة الإسلامية، دراسة وحفظاً، ورواية وضبْطاً، ونُسخت عنه آلاف النسخ الخطيّة، وكُتِبَتْ عليه شروحٌ وحواشٍ كثيرة، تجاوزت المائة.
١٢ - ومن أشهر شروحه:
"فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، للحافظ أبي الفضل، أحمد ابن علي بن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، ﵀، وهو أجلّ شروح البخاري، وأعظمها على الإطلاق، حتى اشتهرتْ بين أهل العلم عبارة: "لا هجرة بعد الفتح"، يعنون بها: فتح الباري، للحافظ ابن حجر العسقلاني (٣).
ويقول العلامة أبو الطيّب القنّوجي ﵀ (ت: ١٣٠٧ هـ): "شرْح الحافظ ابن حجر أوفى الشروح، لا يعادله شرْح ولا كتاب" (٤).
стр. 85
وقد أمضى الحافظ ابن حجر في تأليف شرحه هذا نحواً من (٢٥) عاماً، سوى ما ألحقه فيه بعد ذلك، فلم ينته منه إلا قبيل وفاته (١).
ومن شروح البخاري: "عمدة القاري بشرح صحيح البخاري"، للحافظ بدر الدين، محمود بن أحمد العيني الحنفي (ت: ٨٥٥ هـ)، ﵀، وهو شرْح كبير، استمدَّ فيه من "فتح الباري" كثيراً، حتى إنه كان ينقل منه الورقة بأكملها، ومع ذلك فهو شرْح مفيد حافل بالفوائد.
وممن شروح البخاري: "إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري"، للحافظ شهاب الدين، أحمد بن محمد القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ)، ﵀، ذكر في مقدّمته أنه استفاد من "فتح الباري"، واستمدّ من ضوئه الساري، وقال العلامة عبد الحي الكتاني (ت: ١٣٨٢ هـ): "كان بعض شيوخنا يفضّله على جميع الشروح، من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من "فتح الباري" فمن دونه" (٢).
وكما قَدَّمتُ فإن شروح صحيح البخاري كثيرة جداً، ولعلّ الشروح الثلاثة هذه، هي أعظمها وأجلّها على الإطلاق. ولذلك عندما كتب العلامة ابن خلدون ﵀ (ت: ٨٠٨ هـ) يقول: "سمعتُ كثيراً من شيوخنا يقولون: شرْح كتاب البخاري دَيْنٌ على الأمّة، يعنون أن أحداً من علماء الأمّة لم يوفّ ما يجب له من الشرح" (٣). علّق عليه صاحب كشف الظنون قائلاً: "لعلّ ذلك الدَّيْن قُضيَ بشرح المحقّق: ابن حجر والعيني والقسطلاني بعد ذلك" (٤).
стр. 86
١٣ - وقد اختصر "صحيح البخاري" غير واحد من أهل العلم قديماً وحديثاً، ومن أشهر مختصراته: "التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح"، لأحمد بن أحمد الشرجي الزبيدي (ت: ٨٩٣ هـ)، اختصره في أقلَّ من ربعه، وحذف الأسانيد والأحاديث المكررة. وقد شرح هذا المختصر غير واحد منهم: الشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشرقاوي (ت: ١٢٢٧ هـ)، في كتاب سمَّاه: "فتح المُبْدي في شرح مختصر الزبيدي"، والشيخ صدّيق حسن القنّوجي (ت: ١٣٠٧ هـ)، في: "عون الباري لحلّ أدلة البخاري".
* صحيح الإمام مسلم:
١ - اسم الكتاب "المُسند الصحيح" (١)، المعروف بين أهل العلم بصحيح الإمام مسلم.
٢ - مؤلِّفه هو: الإمام الحافظ الناقد أبو الحسين، مُسْلِم بن الحَجَّاج بن مُسْلِم القُشيري النيسابوري، المولود في حدود سنة: ٢٠٤ هـ، والمتوفى سنة: ٢٦١ هـ، رحمه الله تعالى.
٣ - و"صحيح مسلم" في الدرجة الثانية من الصحة بعد "صحيح البخاري»، عند جماهير أهل العلم. وهناك قلَّة من العلماء قدَّموا "صحيح مسلم"، لكنه قول ضعيف (٢).
стр. 87
قال الإمام ابن كثير ﵀: "مسلم بن الحجَّاج .. صاحب "الصحيح" الذي هو تلو "الصحيح" للبخاري عند أكثر العلماء" (١).
٤ - وقد مَكَثَ الإمام مسلم في تأليف صحيحه خمس عَشرةَ سنة، قضاها في الجمْع والتمحيص والتحري (٢)، حتى إنه قال: "ما وضعتُ شيئاً في هذا المُسند إلا بحجّة، وما أسقطتُ منه شيئاً إلا بحجّة" (٣).
٥ - ولم يكتف الإمام مسلمٌ في الريث والأناة في تأليف صحيحه، بل إنه عَرَضَه بعد أن فَرَغَ منه على بعض كبار شيوخه، واستشارهم فيه. فقد ثَبَتَ عنه أنه قال: "عرضتُ كتابي هذا المُسند على أبي زُرْعَة الرازي (٤) فكلُّ ما أشار أن له علّة تركته، وكلّ ما قال إنه صحيح وليس له علّة أخرجته" (٥).
٦ - وقد تكلَّم بعض العلماء في بعض الرواة الذين أخرج لهم مسلم في صحيحه، من جهة ضعف حفظهم. وأُجيب عن ذلك بأجوبة كثيرة منها: أن يكون هذا الطعن غير مسلَّم به، ويكون الراجح في الراوي الثقة والقبول، أو أن يقع هذا الضعف في المتابعات والشواهد، وليس في الأصول، قال النووي: "وذلك بأن يذكر (مُسلم) الحديث أولاً بإسناد نظيف، رجاله ثقات ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة" (٦).
стр. 88
٧ - كما أن بعض العلماء انتقد قليلاً من الأحاديث الواقعة في "صحيح مسلم"، وطعن فيها، وهذا النقد في أغلبه غير مُسَلَّم به، وما قد يسلَّم به فهو نزر يسير جداً، في جنب مئات الأحاديث التي أخرجها مسلم في صحيحه.
قال النووي ﵀: "قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها، ونزلتْ عن درجة ما التزماه، وقد أُجيب عن كلّ ذلك أو أكثره" (١).
٨ - و"صحيح مسلم" يُعَدُّ من كتب الجوامع، كصحيح البخاري، فليس محصوراً في نوع معين من الأحاديث، بل هو مشتملٌ على جميع أنواع الحديث المحتاج إليها، من العقائد والأحكام، والرقاق والآداب، والتفسير والتاريخ، والسِّيَر والشمائل، والفتن والمناقب والمثالب، وغير ذلك.
٩ - وقد ذكر النووي ﵀ أن عِدَّة أحاديث "صحيح مسلم" نحو ((٤٠٠٠))، بإسقاط المكرَّر (٢)، قال العراقي: "ولم يذكر عِدَّته بالمكرَّر، وهو يزيد على عِدَّة كتاب البخاري لكثرة طرقه، وقد رأيتُ عن أبي الفضل أحمد بن سلمة، أنه اثنا عشر ألف حديث" (٣).
وقد قام الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ (ت: ١٩٦٨ م) محقّق "صحيح مسلم" بترقيم أحاديثه، فبلغت: (٣٠٣٣) حديثاً، بإسقاط المكرَّر.
١٠ - ومع أن الكتاب مرتَّب على الأبواب، غير أن مؤلِّفه لم يترجم لأبوابه، كما صَنَعَ البخاري. وقد ترجم جماعة من الشراح أبوابه بتراجم،
стр. 89
بعضُها جيّد، وبعضها ليس بجيد، وتولَّى الإمام النووي ﵀ (ت: ٦٧٦ هـ) الترجمة عنها بعبارات تليق بها، فأجاد كثيراً (١).
١١ - ويمتاز "صحيح مسلم" إلى جانب صحة أحاديثه بمزايا كثيرة منها: سهولة تناوله، فإنه جعل لكل حديثٍ موضعاً واحداً يليق به، يورد فيه جميع طرقه وألفاظه المختلفة، بخلاف البخاري فإنه يقطّع الحديث أحياناً، ويفرّق ألفاظه في الأبواب.
كذلك يمتاز "صحيح مسلم" بأنه ليس فيه بعد المقدّمة إلا الحديث المسند المجرّد، فليس فيه شيء من الموقوفات، أو المعلَّقات إلا نادراً (٢).
إضافة إلى أنه كَتَبَ له مقدّمة نفيسة، تحدَّث فيها عن أسباب تأليفه للصحيح، ومنهجه فيه، كما عالج كثيراً من القضايا والمباحث الحديثية المهمة.
١٢ - وقد كُتبتْ على "صحيح مسلم" شروحٌ عِدَّة، منها:
كتاب "المُعْلِم بفوائد مسلم"، للإمام أبي عبد الله، محمد بن علي بن عمر المازري المالكي (ت: ٥٣٦ هـ) ﵀، وهو من أوائل شروح صحيح مسلم، وكان في أصله دروساً أملاها المازري على تلامذته، لم يلتزم فيها بشرح جميع الأحاديث، ولا التقيّد بترتيب "صحيح مسلم".
ومن شروحه: "إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم"، للقاضي عياض بن موسى اليحصُبي المالكي (ت: ٥٤٤ هـ)، رحمه الله تعالى، أكمل فيه شرح المازري، فشَرَحَ ما لم يشرحه، وتمَّم ما وقع فيه من نقص وقصور.
стр. 90
ومن شروحه: "المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجّاج" للإمام أبي زكريا، يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)، وهو متوسط بين المختصرات والمبسوطات، كما ذكر مؤلّفه (١)، ويُعَدّ من أشهر شروح صحيح مسلم، وأكثرها تداولاً وانتشاراً ونفعاً.
ولمؤلِّف هذا الكتاب تعقباتٌ عليه مطبوعة، اسمُها: "النكت على شرح النووي على صحيح مسلم"، ذكرتُ فيه نحو مائة استدراك على النووي، مما وقع له من أوهام في شرحه هذا.
١٣ - وقد اختصر "صحيح الإمام مسلم" غير واحد، فلخَّصه الإمام الحافظ أبو العباس، أحمد بن عمر القرطبي ﵀ (ت: ٦٥٦ هـ)، ثم شَرَحَ الملخَّص في كتابه: "المُفْهِم لما أَشْكَل من تلخيص كتاب مسلم"، قال الحافظ ابن كثير ﵀: "فيه أشياء حسنة مفيدة محررة" (٢).
كما اختصره الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري رجمه الله (ت: ٦٥٦ هـ)، وشَرَحَ هذا المختصر: العلامة أبو الطيّب صديق حسن خان القنّوجي (ت: ١٣٠٧ هـ)، في: "السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجّاج". وكلُّ هذه الكتب مطبوعة ومتداولة، والحمد لله تعالى.
* صحيح الإمام ابن خزيمة:
١ - اسم الكتاب: "المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة"، هذا هو اسم الكتاب، كما سمَّاه به مؤلِّفه، فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر (٣)، ويُعرف بين العلماء اختصاراً ب: "صحيح
стр. 91
ابن خزيمة".
وورد في أثناء صحيح ابن خزيمة تسمية مؤلِّفه له ب "مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ " (١).
٢ - مؤلِّفه هو: الإمام الحافظ الكبير أبو بكر، محمد بن إسحاق بن خزيمة السُّلَمي النيسابوري، المولود سنة: ٢٢٣ هـ، والمتوفى سنة: ٣١١ هـ، رحمه الله تعالى.
٣ - رتَّبه مؤلِّفه على الكتب والأبواب الفقهية.
٤ - وقد أثنى العلماء على صحيح ابن خزيمة، كقول الحافظ ابن عدي (ت: ٣٦٥ هـ): "إنه أصحّ ما صُنِّفَ في الصحيح المجرَّد، بعد الشيخين البخاري ومسلم" (٢)، وبنحوه قال الإمام محمد بن موسى الحازمي (ت: ٥٨٤ هـ)، فيما نقله عنه المناوي (٣).
٥ - و"صحيح ابن خزيمة" أقلّ رتبة من صحيح مسلم، وقد وُصِفَ بشدّة التحريّ، حتى إنه كما يقول السيوطي: "يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول: إن صحَّ الخبر، أو إن ثبت كذا" (٤). إلا أنه لم يَسْلم من بعض الأحاديث الضعيفة، كما يظهر من تعليقات الذين حقَّقوا الكتاب؛ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، رحمهما الله.
٦ - ويصف الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الكتاب فيقول: "إن صحيح
стр. 92
ابن خزيمة ليس كالصحيحين، بحيث يمكن القول: إن كلّ ما فيه هو صحيح، بل فيه ما هو دون درجة الصحيح، وليس مشتملاً على الأحاديث الصحيحة والحسنة فحسب، بل يشتمل على أحاديث ضعيفة أيضاً، إلا أن نسبتها ضئيلة جداً، إذا قُورنتْ بالأحاديث الصحيحة والحسنة، وتكاد لا توجد الأحاديث الواهية، أو التي فيها ضعفٌ شديد إلا نادراً، كما يتبين بمراجعة التعليقات" (١).
٧ - ولا يوجد من صحيح ابن خزيمة إلا قدر ربعه الأول، بدأً من كتاب الوضوء إلى نهاية كتاب الحج، وباقيه مفقود من قديم، كما نبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر، وابن فهد المكي وغيرهما (٢).
٨ - ولابن خزيمة مصنَّف متداول عنوانه: "كتاب التوحيد"، أشار ابن حجر إلى أنه جزء من صحيح ابن خزيمة (٣).
٩ - وقد خَدَمَ الكتاب غيرُ واحد، فألَّف الحافظ ابن عبد الهادي المقدسي الحنبلي (ت: ٧٤٤ هـ) ﵀ جزءاً منتقى، تعقّب فيه أحاديث من صحيح ابن خزيمة، مما ظهر له فيها مقال، لكن لا يعرف عنه شيء (٤).
وترجم الحافظ ابن الملقن ﵀ (ت: ٨٠٤ هـ) لرجاله، ضمن: "إكمال تهذيب الكمال" (٥)، وذكر الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) أطرافه ضمن:
стр. 93
"إتحاف المَهَرَة بالفوائد المُبتكرة من أطراف العشرة" (١).
وجَمَعَ زوائده صالح الشامي (معاصر) ضمن: "زوائد ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك على الكتب التسعة".
كذلك أفرد بعض المعاصرين زوائده على الصحيحين، في كتاب مستقل.
١٠ - وقد حقّق الكتاب ونشره الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، وساعده في التعليق عليه الشيخُ المحدث محمد ناصر الدين الألباني، ثم أعاد تحقيقه ونشره من جديد: الدكتور ماهر الفَحَل، بعد أن وقف على تحريفات وأخطاء كثيرة في التحقيق السابق، حسبما ذكر في مقدّمة تحقيقه.
* صحيح الإمام ابن حِبَّان:
١ - اشتهر "صحيح ابن حِبَّان" بين المحدثين باسم: "التقاسيم والأنواع"، لكن اسمه الكامل الثابت في أصوله الخطية: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، من غير وجود قَطْع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها". وهو الذي سمَّاه به مؤلِّفه في مقدّمته، ثم أصبح يطلق عليه اختصاراً: "صحيح ابن حبان" (٢).
٢ - مؤلِّفه هو: الإمام المجتهد صاحب التصانيف، أبو حاتم، محمد بن
стр. 94
حِبَّان الدارمي البُستي، المولود في حدود سنة: ٢٨٠ هـ، والمتوفى سنة: ٣٥٤ هـ، رحمه الله تعالى، والمعروف بابن حِبَّان.
٣ - وقد ذكر ابن حِبَّان في مقدّمة صحيحه السبب الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب، وهو ما رآه من قلّة معرفة الناس بالأحاديث الصحيحة، واشتغالهم بكتابة الأحاديث الموضوعة، وما كان منها خطأ ومقلوب، فغيرةٌ منه على سُنَّة النبي ﷺ ألَّف هذا الصحيح. (١)
٤ - و"صحيحُ ابن حِبَّان" كتاب واسع مفيد للغاية، إلا أن صاحبه موصوف بالتساهل في تصحيح الأحاديث، لعلَّه بسبب توثيقه للرواة المجهولين، الذين لا تُعرف أحوالهم، وإخراجه حديثهم في صحيحه (٢).
وفي "صحيح ابن حِبَّان" عدد من الأحاديث الضعيفة، كما يظهر من تعليقات من حقَّقوا الكتاب أو علَّقوا عليه، كالشيخ الألباني في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حِبَّان"، والشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه وتعليقه على الكتاب.
وقد قال الحافظ السيوطي: "إن صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح ابن حِبَّان" (٣).
٥ - ولأن ابن حِبَّان رتَّب أحاديثَ صحيحه ترتيباً عَسِراً، لا على المسانيد ولا على الأبواب، وإنما على التقاسيم والأنواع (٤)، فقد أعاد بعض
стр. 95
المتأخرين ترتيبه على الأبواب، وهو الأمير علاء الدين أبو الحسن، علي بن بلبان الفارسي الحنفي (ت: ٧٣٩ هـ) ﵀، وسمَّى ترتيبه ب: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حِبَّان"، فأقبل الناسُ على ترتيب ابن بلبان، وأهملوا الكتاب الأصلي!!
٦ - وقد خَدَمَ "صحيح ابن حِبَّان" غير واحد، إضافة إلى ترتيب ابن بلبان، فلخَّصه الحافظ ابن الملقن ﵀ (ت: ٨٠٤ هـ)، في: "تلخيص صحيح ابن حِبَّان" (١).
وأفرد أطرافه الحافظ أبو الفضل العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، في: "أطراف صحيح ابن حبان"، وله أيضاً: "رجال صحيح ابن حبان سوى ما في التهذيب"، و"أربعون بلدانية انتخبها من صحيح ابن حبان" (٢).
وجَرَّدَ زوائده الحافظُ نور الدين الهيثمي (ت: ٨٠٧ هـ) ﵀ في: "موارد الظمآن في زوائد ابن حِبَّان"، ذكر فيه ما أخرجه ابن حِبَّان في صحيحه مما ليس في الصحيحين.
كما ترجم لرجاله الحافظ ابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ)، ضمن كتابه: "إكمال تهذيب الكمال".
وذكر أطرافه الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ)، ضمن: "إتحاف المهرة
стр. 96
بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة".
* مستدرك الإمام الحاكم:
١ - اسم الكتاب: "المستدرك على الصحيحين"، للإمام أبي عبد الله، محمد ابن عبد الله بن حمدويه، المعروف بالحاكم النيسابوري، المولود سنة: ٣٢١ هـ، والمتوفى سنة: ٤٠٥ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - وقد اشترط فيه مؤلِّفه ذكر الأحاديث الصحيحة، التي هي على شرط البخاري ومسلم، أو أحدهما مما لم يذكراه، فقال في مقدّمة الكتاب: "وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة (يعني نيسابور) وغيرها؛ أن أجمع كتاباً يشتمل على الأحاديثَ المروية بأسانيد يحتجّ محمد بن إسماعيل، ومُسلم بن الحجاج بمثلها .. وأنا أستعين الله على إخراج أحاديثَ رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح، عند كافة فقهاء أهل الإسلام" (١).
٣ - لكن العلماء انتقدوا كتابه هذا، وقالوا: إنه تساهل فيه كثيراً، فصحَّح أحاديث ضعيفة، بل وموضوعة، زَعَمَ الحاكم أنها صحيحة على شرط البخاري ومسلم!!
٤ - وقد صنَّف الحافظ الذهبي ﵀ (ت: ٧٤٨ هـ) ملخصاً لهذا المستدرك، تعقَّب ما فيه من النكارة والضعف، وخلص إلى نتيجة مهمة في أحاديث هذا الكتاب، حيث قرَّر: أن فيه جملة وافرة من الأحاديث على شرط البخاري ومسلم، وأخرى كثيرة على شرط أحدهما، لعلّ مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صحَّ سنده، وإن كان فيه علّة، وما بقي وهو
стр. 97
نحو الربع فهو مناكير واهياتٌ، لا تصحُّ، وفي بعض ذلك موضوعات (١).
٥ - واعتذر الحافظ ابن حجر للإمام الحاكم، فقال: "وإنما وقع للحاكم التساهل، لأنه سوَّد الكتاب لينقّحه فأعجلته المنية، قال: وقد وجدتُ في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم .. والتساهل في القدر المُمْلى قليل جداً، بالنسبة إلى ما بعدَه" (٢).
وذكر الحافظ السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) ﵀: أن الحاكم صنَّف المستدرك في أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغيّر (٣).
كما أشار الحافظ ابن حجر إلى سبب آخر أدى إلى كثرة أوهام الحاكم في تصحيح الأحاديث الضعيفة، فقال: "أظنّه في حال تصنيف المستدرك كان يتكل على حفظه، فلأجل هذا كثرت أوهامه" (٤).
٦ - ومن أوهام الحاكم ﵀ في كتابه المستدرك، أنه يستدرك أحياناً على البخاري ومسلم أحاديث هي موجودة فيهما أو في أحدهما، وقع له هذا في نحو مائة حديث، حتى ألَّف بعض المعاصرين كتاباً سمَّاه: "الانتباه لما قال الحاكم ولم يخرجاه وهو في أحدهما أو روياه".
٧ - وقد خَدَمَ المستدرك كثيرٌ من العلماء غير تلخيص الذهبي المتقدم. فألَّف الذهبيّ أيضاً جزءاً صغيراً جَمَعَ فيه الأحاديث الموضوعة من مستدرك الحاكم، فبلغتْ نحو مائة حديث، وقد وصلتْ إلينا قطعة منه (٥).
стр. 98
واختصر تلخيص الذهبي الحافظُ ابن الملقن (ت: ٨٠٤ هـ)، في كتاب سمَّاه: "مختصر استدراك الحافظ الذهبي على مستدرك الحاكم"، وهو مطبوع.
وألَّف الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي (ت: ٧٤٤ هـ) ﵀ كتاباً بعنوان: "الكلام على أحاديث كثيرة فيها ضعف من المستدرك للحاكم" (١).
وأملى عليه الحافظ العراقي ﵀ (ت: ٨٠٦ هـ) مستخرجاً سمَّاه: "المستخرج على المستدرك"، مطبوع.
وللحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) تعليق على المستدرك، بدأ به، ولم يتمَّه.
وأفرد الشيخ مقبل الوادعي (ت: ١٤٢٢ هـ) ﵀ رجاله بمصنّف مطبوع، اسمه: "رجال الحاكم في المستدرك".
وللدكتور محمود ميرة (ت: ١٤٤١ هـ) ﵀، دراسة مطبوعة، بعنوان: "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك".
وهذه الكتب الثلاثة الأخيرة: أعني صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم، هي أهم ما أُلِّفَ في الصحيح المجرَّد، بعد الصحيحين، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى الصحيحين، وقد رتَّبها العلماء من حيث درجة الصحة على الترتيب التالي: "صحيح ابن خزيمة"، ثم "صحيح ابن حِبَّان" ثم مستدرك الحاكم، ترجيحًا منهم لكلّ كتاب منها على ما بعده، وإنْ وافق هذا ترتيبهم الزَّمني عن غير قصد (٢).
стр. 99
* المختارة للضياء المقدسي:
١ - اُختلِفَ في اسم هذا الكتاب، فسمَّاه بعضهم ب: "المختارة"، وبعضهم ب "الأحاديث المختارة"، وسمَّاه السيد محمد جعفر الكتاني (ت: ١٣٤٥ هـ) ﵀ ب: "الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما" (١)، وهذه التسمية الأخيرة تناسب مضمون الكتاب، وما جاء في مقدّمة المؤلِّف.
٢ - مؤلِّفه هو: الإمام الحافظ الناقد، ضياء الدين أبو عبد الله، محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، ثم الدمشقي الحنبلي، المولود سنة: ٥٦٩ هـ، والمتوفى سنة: ٦٤٣ هـ، رحمه الله تعالى.
٣ - التزم الضياء المقدسي في كتابه هذا ذِكْرَ ما صحَّ من الأحاديث، مما لم يخرجه البخاري ولا مسلم في صحيحيهما، قال الحافظ السيوطي: "ومنهم - أي ممن صنَّفوا في الصحيح - الحافظ ضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي، جَمَعَ كتاباً سمَّاه: "المختارة"، التزم فيه الصحة" (٢).
وهذا ظاهر من عنوان الكتاب ومن مقدّمة المؤلِّف، حيث قال: "هذه الأحاديث اخترتها مما ليس في "البخاري" و"مسلم"، إلا أنني ربما ذكرتُ بعض ما أورده البخاري معلّقاً، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد لها علّة، فنذكر بيان علَّتها حتى يُعرف ذلك" (٣).
٤ - وقد صحَّح الضياءُ في كتابه هذا أحاديثَ كثيرة لم يُسبق إلى تصحيحها،
стр. 100
كما قال الحافظ السيوطي وغيره (١). وسلَّم العلماء له تصحيحه، إلا أحاديث يسيرة جداً، تُعُقّبَتْ عليه (٢).
قال الشيخ نور الدين عتر (ت: ١٤٤٢ هـ) ﵀: "اُنتقد على الكتاب تصحيحُ أحاديثَ لا تبلغ رتبة الصحة، بل ولا رتبة الحسن، نبَّه العلماءُ في شروح كتب الحديث عليها، لمناسبة تخريجها. ومن ذلك حديث: "ركعتان من متأهل خير من ثنتين وثمانين ركعة من العزب". رواه تمام في فوائده، والضياء في المختارة، عن أنس. قال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: "أخرجه من طريق بقيّة: الضياء في المختارة، لكن تعقَّبه الحافظ ابن حجر في أطرافه، فقال: "هذا حديث منكر، ما لإخراجه معنى". وقال الذهبي في الميزان: باطل" (٣).
٥ - وقد حظيت "المختارة" بثناء كثير من العلماء عليها، فقال الإمام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): "تصحيح الحافظ أبي عبد الله، محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره، خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب، عند من يعرف الحديث" (٤).
وقال الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ (ت: ٧٤٤ هـ): "اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي، وأبي حاتم البُستي ونحوهما، فإن الغلط فيه قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم" (٥).
стр. 101
٦ - والكتاب مرتَّب على مسانيد الصحابة، إلا أنه لم يكمله (١). وقد طُبِعَ الموجود منه في ثلاثة عشر مجلداً، بتحقيق الأستاذ الدكتور عبد الملك ابن عبدالله بن دهيش ﵀.
٧ - وقد خَدَمَ الكتابَ غيرُ واحد من أهل العلم، فانتقى منه الحافظ شمس الدين الذهبي كتاباً سمَّاه: "المنتقى من المختارة"، ذكره ابن حجر (٢)، ولا يُعرف عنه شيء.
وأَّلف الحافظ ابنُ حجر في أطرافه: "الإنارة في أطراف المختارة"، ذَكَرَه السخاوي، وقال: "في مجلد ضخم" (٣). لكن لا يُعرف عنه شيء الآن.
* مؤلفات أخرى في الصحيح:
وهذه الكتب الأربعة الأخيرة: (صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، والمختارة للضياء)، وإن كانت من كُتُبِ القرن الرابع الهجري، والأخير منها من السابع، إلا أني ذكرتها هنا لتتميم الكلام على بعض من أَلَّفَ في الحديث الصحيح.
وقد أَلَّفَ في الصحيح أيضاً: الحافظُ أبو محمد، عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري، (ت: ٣٠٧ هـ) ﵀، في كتابه: "المنتقى"، ولم أُفْرِد الحديث عنه، لأن معظم أحاديثه مخرَّجة في الصحيحين.
كذلك ألَّف: الحافظُ أبو علي، سعيد بن عثمان بن السَّكَن البغدادي
стр. 102
(ت: ٣٥٣ هـ): "الصحيح المنتقى"، ويسمَّى أيضاً ب: "السُّنَن الصحاح المأثورة عن رسول الله ﷺ "، جَمَعَ فيه الأحاديث التي في الصحيحين وكتابي أبي داود والنسائي، إلا أنه مفقود معظمه، وقد وصفه بعض أهل العلم بالتساهل في التصحيح، فقال الشيخ الألباني: "ابن السَّكَن ليس تصحيحه مما إليه يُرْكن" (١).
ثانياً: كتب السُّنَن:
١ - كتب السُّنَن هي: الكتب التي جمعتْ أحاديث الأحكام غالباً، ورتَّبَتْها على الأبواب الفقهية، وليس فيها شيء من الموقوفات (٢).
٢ - وكتب السُّنَن كثيرة، من أشهرها: السُّنَن الأربعة؛ سنن أبي داود، وسنن النَّسائي، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، والسُّنَن الكبرى للنَّسائي، وسنن الدارمي، والسُّنَن الكبير (الكبرى) للبيهقي، وسنن الدارقطني .. وغيرها.
٣ - وكتب السُّنَن لم يشترِط أصحابُها فيها صحةَ الأحاديث، ففيها الصحيحُ والحسن والضعيف، وأحياناً قد يكون فيها أحاديث ضعيفةٌ جداً، أو موضوعةٌ، لكنها قليلة، لأن هذه الكتب مصنَّفة على الأبواب، والأصل فيمن يُصَنِّف على الأبواب؛ أنه يدَّعي أن الحُكْمَ في المسألة التي بَوَّبَ عليها ما بَوَّبَ به، فيحتاجُ أن يستدلّ بصحة دعواه، والاستدلال إنما ينبغي أن يكون بما يصلُح أن يحتجّ به (٣).
٤ - وكتب السُّنَن متفاوتة في درجتها، وقيمتها العلميّة، وبعضها أصحّ من
стр. 103
بعض، فسنن النَّسائي على سبيل المثال أقلّها حديثاً ضعيفاً ورجالاً مجروحين، ويليه سنن أبي داود .. وهكذا (١).
٥ - وبما أننا الآن بصدد الكلام على كتب السُّنَن، فمن المستحسن أن نعرِّج ونعرِّف بأهمّ هذه السُّنَن، وهي الكتب المعروفة بالسُّنَن الأربعة؛ سنن أبي داود وسنن الترمذي والنَّسائي وابن ماجه، وليكن الكلام موجزاً ومختصراً، لأن الحديث حولها يطول.
* * * *
السُّنَن الأربعة
* سنن أبي داود:
١ - مؤلِّف الكتاب هو الإمام الحافظ الثَّبْتْ: أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، المولود سنة: ٢٠٢ هـ، والمتوفى سنة: ٢٧٥ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - اشتهر كتاب أبي داود باسم: "السُّنن"، وهو الاسم الذي سمَّاه به مؤلِّفه، كما نصّ على ذلك في رسالته إلى أهل مكة، في وَصْف سننه، في مواضع عدة (٢).
وكتب السُّنَن في عُرف المحدثين واصطلاحهم تُطلق على الكتب التي جَمَعَت الأحاديث النبوية، ورتَّبتها على الأبواب الفقهية غالباً؛ الطهارة، فالصلاة فالزكاة .. وهكذا، وليس فيها شيء من الموقوفات والآثار، لأن الموقوف لا يسمَّى في اصطلاحهم سُنَّة (٣).
стр. 104
كذلك يغلبُ عليها ذِكْرُ أحاديث الأحكام، دون الفضائل أو القَصَص، أو المواعظ أو الزهد أو العقائد، وإن ذَكَرَتْ شيئاً من ذلك فهو قليل.
٣ - لم يَشترط أبو داود الصحة في سننه، وقد نصّ على ذلك في رسالته إلى أهل مكة، فقال: "قد ذكرتُ في كتابي الصحيحَ وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وَهَنٌ شديد بيّنته" (١).
ويُفهم من كلام أبي داود أنه لم يقتصر على الأحاديث الصحيحة فحسب، بل إنه يذكر ما يقاربها ويشبهها، وهي الأحاديث الحسنة. كما يُفهم من كلامه أن كتابه لا يخلو من الأحاديث الضعيفة، والضعيفة جداً، بَيْدَ أنه ينبّه على هذه الأخيرة، ولا يسكتُ عنها (٢).
٤ - تُعَدُّ سنن أبي داود الثالثة في الترتيب بعد الصحيحين، كما قاله غير واحد من العلماء، منهم الحافظ السخاوي ﵀ (٣). لكنْ لو نظرنا إلى قلَّة الأحاديث الضعيفة، وقلَّة الرواة المجروحين، فإن سنن الإمام النَّسائي مقدَّمة، كما قرره الحافظ ابن حجر (٤). فلعلَّ من قدَّموا سنن أبي داود نظروا إلى غزارة المادة الحديثية ووفرتها، أو إلى تقدّم السِّنّ، فإن أبا داود أسنّ من النَّسائي، ومعدودٌ في شيوخه.
٥ - وسنن أبي داود من أجمع كُتُب السُّنَّة التي اعتنتْ بجمع أحاديث الأحكام، فقد كانت رغبة أبي داود جَمْعَ الأحاديث التي استدلّ بها فقهاء الأمصار، وبنوا عليها الأحكام. لذلك فما من فقيه من فقهاء المذاهب الأربعة
стр. 105
وغيرها إلا ويجد طِلْبَته فيها غالباً.
يقول الإمام الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "اعلموا رحمكم الله أن كتاب السُّنَن لأبي داود، كتابٌ شريف لم يُصَنَّفْ في علم الدين كتابٌ مثله، وقد رُزِقَ القبولَ من الناس كافة، فصار حَكَمَاً بين فرق العلماء، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلّ فيه وِرْدٌ، ومنه شِرْبٌ، وعليه معوّل أهل العراق، وأهل مصر وبلاد المغرب، وكثير من أقطار الأرض" (١).
وقال أبو حامد الغزالي ﵀ (ت: ٥٠٥ هـ): "إن سنن أبي داود تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام" (٢)!!.
وكلام الغزالي هذا مبني على الغالب، وإلا ففي غير "سنن أبي داود" أحاديث صحيحة في الأحكام، لابد للمجتهد من الاطلاع عليها والرجوع إليها.
٦ - وتمتاز عناوين الأبواب في سنن أبي داود بالإيجاز والقِصَر، وغالباً ما تكون واضحة ومباشِرةً في موضوع الباب، والحُكْم المستنبط منه.
٧ - وقد بلغ عدد أحاديث السُّنَن حسب نسخ الكتاب المطبوعة: (٥٢٧٤) حديثاً، بينما قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: "لعلّ عدد الذي في كتابي من الأحاديث قدر أربعة آلاف وثمانمائة حديث" (٣)! فلعلّ أبا داود زاد في الكتاب بعد ذلك، أو أن العدد الذي ذكره على سبيل التقريب، بدليل قوله: "لعلّ"، وأيضاً فإن أبا داود ربما كرر بعض الأحاديث.
стр. 106
٨ - وقد خَدَمَ "سنن أبي داود" غيرُ واحد من العلماء، فشرحها: الإمام حَمْد ابن إبراهيم الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) في كتابه: "معالم السُّنن"، وهو شرْح مختصر، لم يشرحْ فيه كلّ الأحاديث، واعتنى فيه بالناحية الفقهية أكثر من الناحية الحديثية، وربما شَرَحَ بعض الأحاديث دون أن بنبّه على ضعف إسنادها، لكنه شرْح مفيد على كل حال، وعمدةٌ لمن جاء بعده.
وشَرَح سنن أبي داود: العلامة شمس الحق العظيم آبادي (ت: ١٣٢٩ هـ) في: "عون المعبود بشرح سنن أبي داود"، وهو شرح متوسط الحجم، شَرَحَ فيه جميع أحاديث أبي داود، على طريقة أهل الحديث دون التزام بمذهب معيّن.
ومن شروحها أيضاً: "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود"، للشيخ محمود خطاب السبكي (ت: ١٣٥٢ هـ)، لكنه توفي أثناء كتاب المناسك ولم يُكْمِلْه.
واختصر "سنن أبي داود" الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت: ٦٥٦ هـ)، في كتاب سمَّاه: "مختصر سنن أبي داود". مع الكلام على بعض أحاديث الكتاب صحة وضعفاً.
ولابن قيم الجوزية ﵀ تعليقاتٌ على هذا المختصر سمَّاها: "تهذيب السُّنَن"، تكلَّم فيها على علل بعض الأحاديث التي سَكَتَ عنها المنذري، أو لم يستوف الكلام عليها، كما تكلَّم على بعض المتون المشكلة.
وللحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ (ت: ٩١١ هـ) حاشية صغيرة على سنن أبي داود، سمَّاها: "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود". وكلّ هذه الكتب مطبوعة ومتداولة، والحمد لله.
стр. 107
* سنن الترمذي:
١ - مؤلِّف الكتاب هو الإمام الحافظ البارع أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سَوْرة السُّلمي الترمذي الضَّرير، المولود في حدود سنة: ٢١٠ هـ، والمتوفى سنة: ٢٧٩ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - اُختُلِف في اسم الكتاب، والمشهور تسميته ب: "الجامع"، أو: "جامع الترمذي" منسوباً إلى مؤلِّفه، وبعضهم يسمّيه: "الجامع الكبير"، أو: "السُّنَن" أو: "سنن الترمذي" (١)، وسمَّاه ابن خَيْر الإِشبيلي ب: "الجامع المختصر من السُّنَن عن رسول الله ﷺ ، ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل" (٢). وهذه التسمية تناسب طبيعة الكتاب وخصائصه. وقد أخطأ من ظنّ أن جامعَ الترمذي كتابٌ غيرُ سُنن الترمذي (٣).
٣ - اختلفتْ أقاويل العلماء في ترتيب سنن الترمذي بين الكتب السِّتة، من حيث صحة الأحاديث وضعفها، والذي عليه المحققون؛ أنها تأتي بعد أبي داود والنسائي، قال الحافظ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ): "انحطتْ رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي، لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما" (٤).
٤ - وسنن الترمذي تُعَدُّ من أجود كتب السُّنَن، وقد ذَكَرَ إلى جانب الأحاديث النبوية: مذاهب الصحابة، وأقوال التابعين، وفقهاء الأمصار، وما
стр. 108
وَرَدَ في الباب من الشواهد والمتابعات، عمل عالمٍ بارعٍ واعٍ لما يقول ويكتب.
٥ - كما امتاز بحكمه على كلّ حديث يخرجه في سننه، وبيان علله، ودرجته من حيث الصحة أو الضعف. قال الشوكاني ﵀: " كتاب الجامع (سنن الترمذي) أحسن الكتب، وأكثرها فائدة، وأحكمها ترتيباً، وأقلّها تكراراً، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، والإشارة إلى ما في الباب من الأحاديث، وتبيين أنواع الحديث من الصحة والحسن والغرابة والضعف، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، قد جَمَعَ فيه فوائد حسنة" (١).
٦ - لكن كثيراً من العلماء وصفوا الترمذي بالتساهل في تصحيح الأحاديث. قال الحافظ الذهبي: "إن العلماء لا يعتمدون على تصحيح الترمذي" (٢). وقال أيضاً بعد أن أثنى على الترمذي وعلمه: "لكنه يترخص في قبول الأحاديث ولا يشدّد، ونَفَسُه في التضعيف رخو" (٣).
ومن صور تساهل الترمذي؛ أنه قد يصحّح أو يحسّن أحاديث في أسانيدها مجاهيل، أو ضعفاء، أو منقطعة الإسناد، وقد يكون في الإسناد متهم، ويكتفي بالتضعيف فحسب (٤).
وبناء على ذلك؛ فالواجب على طالب العلم ألَّا يسارع في الاعتماد على أحكام الترمذي، حتى يعرضها على أحكام غيره، من جهابذة علماء الحديث، ويقارن بينها.
стр. 109
٧ - وسنن الترمذي خدمها غير واحد من العلماء: فممن شرحها: الإمام الحافظ أبو بكر، محمد بن عبد الله المُعَافري، المعروف بابن العربي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ)، في: "عارضة الأحوذي شرْح الترمذي"، وهو من أقدم شروح الترمذي، لكنه لم يحقق تحقيقاً يليق به، وفيه سقط وأخطاء مطبعية كثيرة.
كذلك شرحها: الحافظ أبو الفتح، محمد بن محمد اليَعْمُري، المعروف بابن سَيِّد الناس (ت: ٧٣٤ هـ)، في كتاب نفيس اسمه: "النَّفح الشذي في شرح جامع الترمذي"، لكن المنيّة اخْتَرَمَتْه قبل أن يكمله، فتوقف عند باب: "ما جاء أن الأرض كلّها مسجد، إلا المقبرة والحمام"، من أبواب الصلاة. ثم شَرَعَ في إكماله الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت: ٨٠٦ هـ)، لكنه لم يكمله أيضاً، فقد وقف أثناء كتاب البرّ والصلة (١)، وهو ما يمثِّل نصف الكتاب تقريباً (٢).
وللحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ (ت: ٩١١ هـ)، حاشية صغيرة، بعنوان: "قوت المغتذي على جامع الترمذي"، وهي مطبوعة.
كما شَرَحَ "سنن الترمذي" من المتأخرين: العلامة أبو العلا، محمد بن عبد الرحمن المباركفوري (ت: ١٣٥٣ هـ)، في: "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي"، وهو من أوسع شروح الترمذي، وأكثرها تداولاً، وقد كتب له مقدّمة نفيسة، في جزأين، تناول في جزئه الأول كثيراً من القضايا المتعلقة بعلم الحديث، وخصَّص جزأه الثاني للتعريف بالإمام الترمذي وكتابه السُّنن.
стр. 110
كذلك أفرد الحافظ أبو محمد الدورقي كتاباً في رجال سنن الترمذي. وكتب عليه مستخرجاً الحافظ أبو علي، الحسن بن علي الطوسي (ت: ٣١٢ هـ)، وهو مطبوع، إلى غير ذلك من التصانيف المنيفة.
* سنن النَّسائي:
١ - مؤلِّف الكتاب هو: الإمام الحافظ البارع، أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي النَّسائي، المولود سنة: ٢١٥ هـ، والمتوفى سنة: ٣٠٣ هـ، رحمه الله تعالى.
٢ - وقد اشتهر الكتاب باسم: "السُّنَن" أو: "سنن النَّسائي" منسوباً إلى صاحبه، وبعضهم يسمّيه: "السُّنَن الصغرى" أو: "المُجتبى" أو: "المُجتنى"، وكلّها تسميات متداولة (١).
٣ - وسنن النَّسائي هذه مختصرة من كتاب أكبر للنَّسائي اسمه: "السُّنَن الكبرى"، فقد ذكر الحافظ أبو علي الغَسَّاني (ت: ٤٩٨ هـ): أن النَّسائي لمَّا ألّف: "السُّنَن الكبرى"، سأله أحد الأمراء: أَكُلُّ كتابك صحيح؟
فقال النَّسائي: لا.
قال: فاكتبْ لنا الصحيح مجرداً.
فَصَنَع المُجتبى، فهو المُجتبى من السُّنَن، تَرَك كلّ حديث أورده في الكبرى، ممّا تُكُلِّم في إسناده بالتعليل (٢).