← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاءت أحاديث الصحيحين في هذه المسألة بأمرين: الأمر الأول: نفي الطيرة. الأمر الثاني: إثباتُها في ثلاثة أشياء في المرأة والدابة والدار وفي رواية عند مسلم "والخادم". فأما أحاديث نفى الطيرة فقد جاءت في الصحيحين عن أبي هريرة وأنس وابن عمر وجابر ومعاوية بن الحكم ﵃. وإليك سياق هذه الأحاديث. الحديث الأول: حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (١). وقد جاء عن أبي هريرة رضى الله عنه من عدة طرق قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة" (٢). الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ ولفظه "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" قالوا وما الفأل؟ قال: "كلمة طيبة" متفق عليه (٣). الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵁ ولفظه: "لا عدوى ولا

стр. 107

طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة" متفق عليه (٤). الحديث الرابع: حديث جابر ﵁ ولفظه "لا عدوى ولا طيرة ولا غول" رواه مسلم (٥). الحديث الخامس: حديث معاوية بن الحكم وفيه: ومنا رجال يتطيرون. قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنَّهم" (٦). ووجه الاستشهاد بِهذا الحديث أنه ﷺ بيَّن فيه فساد الطيرة وأنَّها لا تأثير لها بذاتِها وأرشدهم إلى عدم الالتفات لها. قال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: "فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المُتَطَيَّرِ به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة .. " (٧). هذه هى أحاديث نفى الطيرة. وأما أحاديث إثباتِها أو إثبات الشؤم فقد جاءت في الصحيحين عن ابن عمر وسهل بن سعد وجابر رضى الله عنهم وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث ابن عمر ﵄ السابق وفيه "والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار والدابة" (٨). وفي رواية أخرى "إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدار" (٩)

стр. 108

وفي رواية لمسلم: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة" وفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: "إن يكن من الشؤم شيءٌ حق ففي الفرس والمرأة والدار". الحديث الثاني: حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن" (١٠). الحديث الثالث: حديث جابر رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: "إن كان في شيء ففي الربع (١١) والخادم (١٢) والفرس" (١٣). بيان وجه التعارض من خلال استعراض الأحاديث في هذه المسألة قد يُتوهم أن بينها تعارضًا، وأن بعضها ينافي البعض الآخر إذ أن الأحاديث الأولى منها تنفى الطيرة كما في قوله ﷺ : "لا طيرة". بينما نرى المجموعة الثانية من الأحاديث تثبتها كما في قوله ﷺ : "الشؤم في ثلاثة" فكيف العمل تجاه هذه الأحاديث؟

стр. 109

هل نجنح إلى الترجيح فنرجح بعضها على بعض؟ أم نسلك سبيل النسخ؟ أم نحاول الجمع والتأليف فنعمل جميع الأحاديث على وجه لا تناقض فيه ولا اختلاف؟ ! هذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في المطلب التالي. * * *

стр. 110

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض اختلف أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث اختلافًا كبيرًا فتنوعت مذاهبهم بين محاول للجمع بينها، وقائل بالنسخ، وثالث قد رام الترجيح. والخلاف مداره أحاديث إثبات الشؤم، وأما أحاديث نفيه فقد اتفق أهل العلم على الأخذ بها وحملها على ظاهرها، وهو النفى والتحريم. وإليك مذاهبهم في ذلك: - أولًا: مذهب الجمع: ويمكن تقسيمه إلى مسلكين: المسلك الأول: حمل أحاديث الشؤم على ظاهرها وجعلها مخصصة لأحاديث نفى الطيرة فيكون المعنى: لا طيرة إلا في هذه الثلاث، فالطيرة منفية ومحرمة إلا في هذه الأشياء الثلاث فإنها موجودة ومباحة، وإلى هذا ذهب الإمام مالك وابن قتيبة والشوكاني عليهم رحمة الله. قال الإمام مالك تعليقًا على حديث "الشؤم في ثلاث": "هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله سكناها سببًا للضرر والهلاك وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الضرر عنده بقضاء الله تعالى" (١). وروى أبو داود عن مالك أنه سُئل عن الشؤم في الفرس والدار؟ قال: "كم من دار سكنها قوم [ناس] فهلكوا ثم سكنها آخرون فهلكوا فهذا

стр. 111

تفسيره فيما نرى، والله أعلم" (٢). قال المازري: "فمالك ﵁ أخذ هذا الحديث على ظاهره ولم يتأوله" (٣). وقال القاضي عياض: "وتفسير مالك له في غير الموطأ على ظاهره وذلك بجري العادة من قدر الله في ذلك وهو ظاهر ترجمته له فيه" (٤). حيث قال في ترجمته: "باب ما يتقى من الشؤم" (٥) (*). وقال ابن قتيبة تعليقًا على حديث الشؤم أيضًا: "ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون فنهاهم النبي ﷺ وأعلمهم أن لا طيرة فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة" (٦). قال ابن حجر: "فمشى ابن قتيبة على ظاهره ويلزم على قوله أن من

стр. 112

تشاءم بشىء منها نزل به ما يكره" (٧). وقال الشوكاني: "والراجح ما قاله مالك وهو الذي يدل عليه حديث أنس الذي ذكرنا (٨) فيكون حديث الشؤم مخصصًا لعموم حديث "لا طيرة" فهو في قوة "لا طيرة إلا في هذه الثلاث"" (٩). المسلك الثاني: تأويل حديث الشؤم وحمله على غير ظاهره والسالكون لهذا المسلك من أهل العلم لم يتفقوا على تأويل واحد بل تنوعت طرائقهم وتباينت آراؤهم في تأويل هذا الحديث، وإليك أقوالهم في ذلك: - القول الأول: أن حديث الشؤم: "سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك لا أنه إخبار من النبي ﷺ بثبوت ذلك" (١٠). القول الثاني: أن "معنى الحديث إخباره عن الأسباب المثيرة للطيرة الكامنة في الغرائز، يعني أن المثير للطيرة في غرائز الناس هى هذه الثلاثة فأخبرنا بِها لنأخذ الحذر منها فقال: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس" أي أن الحوادث التي تكثر مع هذه الأشياء، والمصائب التى تتوالى عندها تدعو الناس إلى التشاؤم بِها فقال: "الشؤم فيها" أي: أن الله قد يقدره فيها على قوم دون قوم فخاطبهم النبي ﷺ بذلك لما استقر عندهم منه ﷺ من إبطال الطيرة وإنكار العدوى" (١١). القول الثالث: ما ذهب إليه ابن حجر وغيره من أن "المراد بذلك حسم

стр. 113

المادة وسد الذريعة لئلا يوافق شىء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة فيقع في اعتقاد ما نَهي عن اعتقاده فأُشير إلى اجتناب مثل ذلك. والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلًا أن يبادر إلى التحول منها لأنه متى استمر فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة والتشاؤم" (١٢). القول الرابع: أن "الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطير بها فيكون شؤمها عليه، ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشئومة عليه. قالوا: ويدل عليه حديث أنس "الطيرة على من تطير" (١٣). وقد يجعل الله سبحانه تطير العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه به، كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به" (١٤). القول الخامس: هو تفسير الشؤم، فقالوا: إن المراد "بشؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وقيل: بعدها عن المساجد وعدم سماع الأذان منها، وشؤم المرأة عدم ولادتِها وسلاطة لسانِها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وقيل: حِرانُها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه.

стр. 114

وقيل المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة كما جاء في الحديث: "سعادة ابن آدم في ثلاثة وشقوة ابن آدم في ثلاثة، فمن سعادته: المرأة الصالحة والمسكن الواسع والمركب الصالح، ومن شقوته المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء" (١٥). وقد أشار البخاري إلى هذا التأويل بأن قرن بالاستدلال بهذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ (١٦). وذكر في الباب حديث أسامة بن زيد "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (١٧) " (١٨). القول السادس: ما ذهب إليه الخطابي وابن رجب وابن القيم عليهم رحمة الله وهو أن المراد بالشؤم في هذه الأشياء أنها أعيان وظروف وأسباب محسوسة يقدر الله تعالى بها الشؤم واليُمن والضر والنفع فمن ابتلى بشؤمِ شىءٍ منها فوجد في نفسه الكراهة لذلك أُبيح له تركه. وليس المراد ما يعتقده أهل الجاهلية فيها من أنها مؤثرة بذاتها وطبعها. قال الخطابي: "اليُمن والشؤم سمتان لما يصيب الإنسان من الخير والشر والنفع والضر ولا يكون شىء من ذلك إلا بمشيئة الله وقضائه وإنما هذه الأشياء محال وظروف جعلت مواقع لأقضيته ليس لها بأنفسها وطباعها فعل ولا تأثير في

стр. 115

شىء، إلا أنها لما كانت أعم الأشياء التي يقتنيها الناس، وكان الإنسان في غالب أحواله لا يستغنى عن دار يسكنها وزوجة يعاشرها وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه في زمانه ودهره أُضيف اليُمن والشؤم إليها إضافة مكان ومحل وهما صادران عن مشيئة الله سبحانه" (١٩). وقال أيضًا: "معناه إبطال مذهبهم في الطيرة بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحوها، إلا أنه يقول: إن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه ارتباطه فليفارقها بأن ينتقل من الدار ويبيع الفرس، وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشىء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلامٍ إلى غيره" (٢٠). وقال ابن رجب: "والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث ما ذكرناه في النهى عن إيراد المريض على الصحيح والفرار من المجذوم ومن أرض الطاعون، أنَّ هذه الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليُمن ويقرنه، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابّة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرها وشر ما جبلت عليه (٢١) " (٢٢). وقال ابن القيم: "إخباره ﷺ بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاث ليس فيه

стр. 116

إثبات الطيرة التي نفاها وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانًا مشئومة على من قاربَها وسكنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربَها منها شؤم ولا شر وهكذا، كما يعطى سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا يريان الخير على وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية أو غيرها فكذلك الدار والمرأة والفرس" (٢٣). فإن قيل: هذا جارٍ في كل مشئوم، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ قيل: لأنَّها أكثر ما يقع التطير بِها فخصت بالذكر لذلك (٢٤). قال القرطبى: "وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر أنَّها ضرورية في الوجود ولابد للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصها بالذكر لذلك" (٢٥). وتقدم كلام الخطابي في ذلك. ثانيًا: مذهب النسخ: حكاه ابن عبد البر فقال: "وقد يحتمل أن يكون قول رسول الله ﷺ : "الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس" كان في أول الإسلام خبرًا عما كانت تعتقده العرب في جاهليتها على ما قالت عائشة (٢٦)، ثم نسخ ذلك وأبطله القرآن والسنن" (٢٧). ويعني بالقرآن قوله تعالى:

стр. 117

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٢٨). وبالسنن ما سبق من قوله ﷺ : "لا طيرة .. ". ثالثًا: مذهب الترجيح: وقد سلكه فريقان من الناس: أ - فريق رد أحاديث الشؤم وأنكرها أصلًا وخطَّأَ الراوي لها، وعلى رأس هؤلاء أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها. فقد أخرج الإمام أحمد والطحاوي وغيرهما: أنه دخل رجلان من بني عامر على عائشة رضى الله عنها فأخبراها أن أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الطيرة في المرأة والدار والفرس" فغضبت وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض فقالت: والذي أنزل الفرقان على محمد ما قالها رسول الله ﷺ قط، إنما قال: "أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك" (٢٩). وفي روايةٍ لأحمد: فأنكرت عائشة رضى الله عنها ذلك وقالت: والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم ما هكذا كان يقول ولكن نبي الله ﷺ كان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة في المرأة والدار والدابة" ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣٠).

стр. 118

وروى أبو داود الطيالسى في مسنده عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الشؤم في ثلاث .. " فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، لأنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: "قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاث: .. " فسمع أبو هريرة آخر الحديث ولم يسمع أوله (٣١). ويشهد لهذا الإنكار من عائشة ﵂ ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضى الله عنه أنه سُئل: سمعتَ من رسول الله ﷺ يقول: "الطيرة في ثلاث: في المسكن والفرس والمرأة"؟ قال: كنت أقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أصدق الطيرة الفأل، والعين حق" (٣٢). ب - وأما الفريق الآخر فلم يردوا أحاديث الشؤم بكاملها، وإنما ردوا رواية الجزم "الشؤم في ثلاث .. " وغلطوا الراوي فيها وقدموا عليها رواية التعليق "إن كان الشؤم في شيء ففي .. "، ومن هؤلاء: الطحاوي والطبري وابن عبد البر عليهم رحمة الله، وتبعهم في ذلك الألباني. قال الطحاوي بعد إيراده لحديث الشؤم: "فلم يخبر أنَّها فيهن وإنما قال: "إن تكن في شيء ففيهن" أي لو كانت تكون في شىء لكانت في هؤلاء، فإذا لم تكن في هولاء الثلاثة فليست في شىء" (٣٣). وقال الطبري: "وأما قوله ﷺ : "إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس" فإنه لم يثبت بذلك صحة الطيرة، بل إنما أخبر ﷺ أن ذلك

стр. 119

إن كان في شيء ففي هذه الثلاث، وذلك إلى النفي أقرب منه إلى الإيجاب لأن قول القائل: إن كان في هذه الدار أحد فزيد، غير إثبات منه أن فيها زيدًا، بل ذلك من النفى أن يكون فيها زيد أقرب منه إلى الإثبات أن فيها زيدًا" (٣٤). وقال ابن عبد البر: "فلم يقطع ﷺ في هذا الحديث بالشؤم" وقال أيضًا: "وأما قوله في هذا الحديث: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس" فهو عندنا على غير ظاهره" وقال: "فقوله ﷺ : "لا طيرة" نفى عن التشاؤم والتطير بشيء من الأشياء، وهذا القول أشبه بأصول شريعته ﷺ من حديث الشؤم (٣٥). وقال الألباني بعد ذكره لرواية التعليق: "والحديث يعطي بمفهومه أن لا شؤم في شيء لأن معناه: لو كان الشؤم ثابتًا في شيءٍ ما لكان فى هذه الثلاثة، لكنه ليس ثابتًا في شىءٍ أصلًا. وعليه فما في بعض الروايات بلفظ "الشؤم في ثلاثة" أو "إنما الشؤم في ثلاثة" فهو اختصار وتصرف من بعض الرواة" (٣٦). وقال أيضًا عن رواية الجزم "الشؤم في ثلاث": "فهو بِهذا اللفظ شاذ مرجوح" (٣٧) واستدل أصحاب هذا القول بما يلى: - ١ - نفيه ﷺ للطيرة -كما تقدم- وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب؛ وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا

стр. 120

يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون" (٣٨) " (٣٩). ٢ - قوله ﷺ : "لا شؤم وقد يكون اليُمن في ثلاثة: في المرأة والفرس والدار" (٤٠). قال ابن عبد البر عن هذا الحديث: "وهذا أشبه في الأصول لأن الآثار ثابتة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا طيرة ولا شؤم ولا عدوى .. " " (٤١). وقال الطحاوي عن هذا الحديث أيضًا: "وفي ذلك تحقيق ما ذكرناه من انتفاء إثبات الشؤم في هذه الأشياء" (٤٢). ٣ - إنكار عائشة ﵂ لحديث الشؤم، فقالوا: إن رواية عائشة أولى من رواية غيرها لأَنَّها حفظت ما لم يحفظه غيرها لا سيما وقد روي عن النبي ﷺ ما يفيد نفى الطيرة (٤٣). * * *

стр. 121

المطلب الثالث الترجيح الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الشؤم شؤمان: أحدهما محرم: وهو ما كان يعتقده أهل الجاهلية فيما يتطيرون به، ومن سماته: ١ - أنه يكون قبل إقدامهم على الشىء، وقد يكون بعده لكن عند حصول أدنى ضرر منه. ٢ - أنَّهم يعتقدون في المتطير منه أنه مؤثر بذاته وأنه سبب في جلب النفع ودفع الضر، وبالتالي فإنه يصدهم عما همُّوا به ويردهم عمَّا قصدوه ولذلك جعل النبي ﷺ الطيرة من الشرك كما في حديث ابن مسعود: "الطيرة شرك .. " (١). وسبب كونِها من الشرك أنهم اعتقدوا ما ليس سببًا لا شرعيًّا ولا قدريًّا سببًا قي جلب النفع ودفع الضر، وهذا شرك أصغر. فإن اعتقدوا أن التطير سبب مؤثر بذاته مستقل بالنفع والضر عن مشيئة الله وإرادته فهو شرك أكبر (٢). قال في عون المعبود: ""الطيرة شرك" أي لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا، فإذا عملوا بموجبها فكأنّهم أشركوا بالله في ذلك ويسمى شركًا خفيًّا.

стр. 122

ومن اعتقد أن شيئًا سوى الله ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركًا جليًّا. وقال القاضى: إنما سماها شركًا لأنَّهم كانوا يرون ما يتشاءمون به سببًا مؤثرًا في حصول المكروه وملاحظة الأسباب في الجملة شرك خفى فكيف إذا انضم إليها جهالة وسوء اعتقاد" (٣). وقال النووي مبينًا سبب كون الطيرة من الشرك: "لأنَّهم جعلوا لها -أي الطيرة- أثرًا في الفعل والايجاد" (٤). ومن شواهد تطير أهل الجاهلية ما جاء في أشعارهم ومن ذلك: - ١ - قول النابغة الذبياني: زعم البوارح أن رحلتنا غدًا ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود (٥) ٢ - وقول عنترة: ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع (٦) ٣ - وقول علقمة: ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشؤم (٧) وثانيهما: الشؤم المثبت في حديث رسول الله ﷺ وهو ما يجده الإنسان في نفسه من الكراهة لهذه الأشياء عند حصول الضرر منها أو فيها، ومن سماته: ١ - أنه لا يكون إلا بعد وقوع الضرر وتكرره من الشىء المتشائم منه

стр. 123

فإذا تضرر الإنسان من شىء أبيح له تركه، بل قد يجب ذلك. ٢ - أنه يكون لصفة مذمومة موجودة في الشىء، بخلاف التطير الممنوع فإنه يكون لسبب خارج عن الشيء غالبًا، كمن ترك السفر لا لشيء في السفر وإنما لأنه رأى طيرًا فتشاءم منه فهذا الترك ممنوع وأما الأول فمباح. ٣ - أن الأثر المترتب على التشاؤم من هذه الأشياء هو تركها ومفارقتها مع اعتقاد أن الله تعالى هو الخالق الفعَّال لما يريد بيده النفع والضر سبحانه، وأن هذه الأشياء ليس لها بنفسها تأثير، وإنما شؤمها ويمنها ما يقدره الله تعالى فيها من الخير والشر، ويدل على هذا قوله ﷺ في الحديث: "الشؤم في ثلاث" لأن "في" للظرفية كما هو معلوم. كما يدل عليه أيضًا حديث أنس رضى الله عنه قال: قال رجل (٨): يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى فقلَّ فيها عددنا وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله ﷺ : "ذروها ذميمة" (٩). فإنه ﷺ أمرهم بالتحول عنها لِما رأى فيهم من الكراهة لها ووقوع الضرر وتكرره فيها مما نتج عنه استثقالهم لها، فأمرهم ﷺ بالتحول ليزول ما في نفوسهم من الكراهة، لا لأجل أَنَّها سبب في ذلك.

стр. 124

قال ابن قتيبة: "وإنما أمرهم بالتحول منها لأنَّهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش بما نالهم فيها، فأمرهم بالتحول، وقد جعل الله في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه وإن كان لا سبب له فِى ذلك، وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به" (١٠). وهذا التفصيل هو معنى كلام الخطابي وابن رجب وابن القيم عليهم رحمة الله، وقد سبق ذكر كلامهم وقد يدل عليه كلام مالك ﵀. مناقشة الأقوال المرجوحة: أولًا: مناقشة مذهب الجمع: - أما المسلك الأول: وهو تخصيص أحاديث نفي الطيرة بحديث "الشؤم فى ثلاث" فإنه يُشكل عليه: أن أهل الجاهلية يعتقدون أنَّها مؤثرة بذاتِها وأن تأثيرها واقع لا مَحالة فمن قال بالتخصيص يلزمه إباحة هذا الاعتقاد في هذه الثلاث وهذا خطأ بيِّن، ولذلك قال القرطبي تعليقًا على هذا القول: "ولا يُظن بِمن قال هذا القول أن الذي رُخص فيه من الطيرة بِهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه بناءً على أن الطيرة تضر قطعًا فإن هذا خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بِها لملازمتهم إياها فمن وقع في نفسه شىء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ويستبدل به غيره" (١١).

стр. 125

كما أن تطير أهل الجاهلية يكون -أحيانًا- قبل إقدامهم على الشيء، فمن قال بالتخصيص أو الاستثناء المتصل لزمه إباحة هذا التطير في هذه الأشياء وهذا فيه بعد لا يخفى. - وأما القول الأول من المسلك الثاني: وهو أن حديث "الشؤم في ثلاث" سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك: فإنه تأويل ضعيف لا تدل عليه الأحاديث الصحيحة ولا تُجوِّزه مقاصد الشريعة. ولذلك قال ابن حجر بعد ذكره لهذا القول: "وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها يبعد هذا التأويل" (١٢). وقال ابن العربي: "هذا جواب ساقط لأنه ﷺ لم يبعث ليخبر عن الناس بِما كانوا يعتقدونه وإنما بعث ليعلم الناس ما يلزمهم أن يعلموه ويعتقدوه" (١٣). - وأما القول الثاني: وهو أن حديث "الشؤم في ثلاث" إخبار منه ﷺ عن الأسباب المثيرة للطيرة لنأخذ الحذر منها: فإنه تأويل بعيد لأنه ﷺ أخبر أن الشؤم واقع فيها لا أَنَّها مسببة للشؤم ومثيرة له. - وكذلك القول الثالث: فإنه بعيد جدًّا عن مدلول الحديث وتأويل ظاهر التكلف. - وأما القول الرابع: وهو أن شؤم هذه الأشياء إنما يلحق من تشاءم بِها: فليس بمسلَّم لأن شؤمها قد يلحق -أيضًا- من لم يتشاءم بِها كما في حديث الرجل الذي شكا إلى الرسول ﷺ قلَّة المال والعدد بعد تحوله إلى دار

стр. 126

أخرى فقال له ﷺ : "ذروها ذميمة". - وأما القول الخامس والسادس فمتقاربان، غير أن الخامس فيه تفسير الشؤم وذكر صور معينة له بخلاف السادس فإنه لم يخص الشؤم بصور معينة وإنما ذكره مجملًا. وتقدم أن هذا القول -أعنى السادس- هو أقرب الأقوال. ثانيًا: مناقشة مذهب النسخ: وأما دعوى النسخ فيُجاب عنها بما يلي: ١ - أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، بل يشترط فيه معرفة التاريخ حتى يتبيَّن المتقدم من المتأخر فينسخ بالمتأخر المتقدم. ٢ - أن من شروط النسخ تعذر الجمع وهو هنا غير متعذر. ٣ - أن نفى التطير وإثباته في الأشياء المذكورة قد اجتمعا في حديث واحد فكيف يُحتمل النسخ (١٤). ثالثًا: مناقشة مذهب الترجيح: تقدم لنا أن مذهب الترجيح سلكه فريقان من الناس: أحدهما: ردَّ أحاديث الشؤم كلها. والآخر: ردَّ رواية الجزم فقط، وقدم عليها رواية التعليق. أ - فأما الفريق الأول فيُجاب عن ترجيحه بما يلى: ١ - أن إنكار عائشة رضى الله عنها لحديث: "الشؤم في ثلاث" متعقب فلا يُسلَّم لها، إذ لم يروه أبو هريرة فقط بل رواه عدد من الصحابة غيره كابن عمر وسهل بن سعد وجابر رضى الله عنهم.

стр. 127

قال ابن الجوزي: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها" (١٥). وقال ابن القيم: "والمقصود أن عائشة ﵂ ردت هذا الحديث وأنكرته وخطأت قائله، ولكن قول عائشة هذا مرجوح، ولها رضى الله عنها اجتهاد في رد بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة، وهى رضى الله عنها لما ظنت أن هذا الحديث يقتضي إثبات الطيرة التي هي من الشرك لم يسعها غير تكذيبه ورده. ولكن الذين رووه ممن لا يمكن رد روايتهم، ولم ينفرد بِهذا أبو هريرة وحده -ولو انفرد به فهو حافظ الأمة على الإطلاق، وكل ما رواه عن النبي ﷺ فهو صحيح- بل قد رواه عن النبي ﷺ عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما وسهل بن سعد الساعدي وجابر بن عبد الله الأنصاري ﵃ وأحاديثهم في الصحيح، فالحق أن الواجب بيان معنى هذا الحديث ومباينته للطيرة الشركية" (١٦). وقال ابن حجر: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك" (١٧). ٢ - وأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة في عدم سماعه حديث: "الطيرة في ثلاث .. " فضعيف لا يحتج به وعلى فرض صحته فإن غيره سمع، والله أعلم. ب) وأما ما ذهب إليه الفريق الثاني فيُجاب عنه وعن أدلته بما يلى:

стр. 128

١ - أن الترجيح لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو هنا غير متعذر بحمد الله. ٢ - أن رواية الجزم جاءت من عدة طرق في الصحيحين عن الزهري عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر ﵁، ولها شاهد عند الطحاوي من طريق عتبة بن مسلم عن حمزة بن عبد الله عن أبيه (١٨) فلا سبيل إلى تغليط الراوي فيها أو وصفها بالشذوذ. كما أنه لا منافاة بين رواية الجزم ورواية التعليق -كما تقدم- قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "لا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا تدل على نفي رواية الجزم" (١٩). ٣ - وأما استدلالهم بنفيه ﷺ للطيرة وترغيبه في تركها فإنه حق لا مرية فيه، ولكن ليس فيه ما ينافي أحاديث الشؤم إذ أنه يمكن حملها على معنى صحيح -كما تقدم-. ٤ - وأما استدلالهم بحديث "لا شؤم وقد يكون اليُمن في ثلاثة .. " فقد أجاب عنه ابن حجر فقال: "في إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة" (٢٠). وقال ابن رجب عن هذا الحديث: "ولكن إسناد هذه الرواية لا يقاوم ذلك الإسناد" (٢١) يقصد أنه لا يقاوم إسناد حديث "الشؤم في ثلاث". ٥ - وأما استدلالهم بإنكار عائشة رضى الله عنها لحديث الشؤم فقد

стр. 129

سبقت الإجابة عنه والله أعلم. مسألة: هل الفأل من الطيرة ؟ ثبت عنه ﷺ أنه يعجبه الفأل الحسن كما ثبت عنه أنه تفاءل في وقائع كثيرة ومن ذلك يوم الحديبية فإنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : "لقد سهل لكم من أمركم" (٢٢). فهل يُعد هذا الفأل من الطيرة لكنه مستثنى منها أم أنه ليس كذلك؟ على قولين لأهل العلم: القول الأول: أن الفأل من الطيرة لكنه مستثنى منها وإلى هذا ذهب ابن القيم وابن حجر عليهم رحمة الله. واستدلوا بعدة أدلة من أهمها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (٢٣) متفق عليه. قال ابن القيم: "وأخبر ﷺ في حديث أبي هريرة أن الفأل من الطيرة وهو خيرها فقال: "لا طيرة وخيرها الفأل" فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنه خيرها ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر، ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك وإذنه في الرقية إذا لم تكن شركًا لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة" (٢٤).

стр. 130

٢ - حديث حابس التميمى أنه سمع النبي ﷺ يقول: "والعين حق وأصدق الطيرة الفأل" (٢٥). قال ابن حجر تعليقًا على هذا الحديث: "ففى هذا التصريح أن الفأل من جملة الطيرة لكنه مستثنى" (٢٦). القول الثاني: أن الفأل ليس من الطيرة وممن ذهب إلى هذا الكرماني فقال تعليقًا على قوله ﷺ في حديث أبي هريرة "وخيرها الفأل": "الإضافة لمجرد التوضيح فلا يلزم أن يكون منها" (٢٧). ومن أهم أدلة هذا القول: ١ - حديث أنس رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة" (٢٨). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة" (٢٩)، (٣٠). والخطب في هذا سهل لأن هذا الخلاف لا يترتب عليه اختلاف في حكم

стр. 131

الفأل بل هو على كلا القولين محمود ومشروع. الفرق بين الفأل والطيرة: ذكر أهل العلم فروقًا كثيرة بين الفأل والطيرة، ومن أهمها ما ذكره ابن القيم بقوله: "وفي الفرقان بينهما فائدة كبيرة وهى: أن التطير هو التشاؤم من الشىء المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره وامتنع بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرئ من التوكل على الله وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله والتطير مما يراه أو يسمعه وذلك قاطع له عن مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣١) و ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ (٣٢) و ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣٣) فيصير قلبه متعلقًا بغير الله عبادةً وتوكلًا فيفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله ويبقى هدفًا لسهام الطيرة. . . فأين هذا من الفأل الصالح السار للقلوب المؤيد للآمال الفاتح باب الرجاء المسكن للخوف الرابط للجأش الباعث على الاستعانة بالله والتوكل عليه والاستبشار المقوي لأمله السار لنفسه فهذا ضد الطيرة، فالفأل يُفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك فلهذا استحب ﷺ الفأل وأبطل الطيرة" (٣٤). وقال الحليمى: وإنما كان ﷺ يعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب ظاهر، والتفاؤل حسن ظن به والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله

стр. 132

تعالى على كل حال (٣٥). شرط الفأل: قال حافظ الحكمى: "ومن شرط الفأل أن لا يُعتمد عليه، وأن لا يكون مقصودًا بل أن يتفق للإنسان ذلك من غير أن يكون له على بال" (٣٦)، فإذا قصده المتفائل كان من الطيرة المنهى عنها. * * *

стр. 133

المبحث الثالث الرُّقى وفيه تمهيد وثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 134

التمهيد تعريف الرقية: قال في النهاية: "الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمَّى والصرع وغير ذلك من الآفات" (١). وقال في لسان العرب: "الرقية العوذة، معروفة. قال رؤبة (٢): فما تركا من عوذة يعرفانِها ... ولا رقية إلا بِها رقياني. والجمع: رُقى، تقول: استرقيته فرقاني رقية" (٣). وقال أيضًا: "العوذة والمعاذة والتعويذ: الرقية يُرقى بِها الإنسان من فزع أو جنون لأنه يعاذ بها (٤) " (٥). ولكن استخدم أهل العلم لفظ الرقية بمعنى أعم مما سبق فجعلوا منها بعض أذكار اليوم والليلة والنوم وكل ما يستعاذ به من الشرور والمكروهات والهوام -وذلك لأن فيها التجاءً واعتصامًا بالله تعالى وهذا هو معنى العوذ (٦) - فهى على

стр. 135

هذا ليست خاصة بالمريض وإنما تشمل الصحيح أيضًا، وإلى هذا أشار الخطابي (٧) وكذا النووي (٨)، واستدل بحديث عائشة رضى الله عنها: "أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه تفل في كفه وقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين ثم يمسح بِهما وجهه وما بلغت يده من جسده" (٩). وكذلك أشار إلى هذا البخاري ﵀ حيث ترجم لأحد الأبواب في صحيحه بقوله: "باب النفث في الرقية" وذكر تحته حديث عائشة رضى الله عنها الآنف الذكر (١٠). كما أشار إلى هذا ابن القيم في زاد المعاد وساق في ذلك عدة أحاديث (١١). وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا. * * *

стр. 136

المطلب الأول ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض جاءت أحاديث الرقى في الصحيحين بكثرة وبأساليب متنوعة، وكلها لا تحرِّم من الرقى إلا ما كان شركًا، غير أن بعض هذه الأحاديث يُفهم منها كراهة الرقى ومنافاتها لكمال التوكل، والبعض الآخر يفيد جواز الرقى ومشروعيتها -حيث رقى ﷺ ورُقِيَ وأذن بالرقى وأمر بها- وإليك بيان هذه الأحاديث: * أولًا: الأحاديث التي يُفهم منها كراهة الرقى ومنافاتها للتوكل ، وهي كالتالي: - الحديث الأول: حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: خرج علينا النبي ﷺ يومًا فقال: "عُرِضت عليَّ الأمم، فجعل يمرُّ النبيُّ ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد، ورأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فرجوت أن يكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا يسدُّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب" فتفرق الناس ولم يُبيِّن لهم، فتذاكر أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أمَّا نحن فوُلدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبيَّ ﷺ فقال: "هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى

стр. 137

ربِّهم يتوكلون" فقام عكَّاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: "نعم" فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ فقال: "سبقك بها عكاشة" (١) متفق عليه وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: "هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربِّهم يتوكلون". الحديث الثاني: حديث عمران رضى الله عنه قال: قال نبي الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب" قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربِّهم يتوكلون" فقام عكاشة فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت منهم" قال: فقام رجل فقال: يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بِها عكاشة". وفي طريق آخر قال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون" (٢): * ثانيًا: الأحاديث التي تفيد جواز الرقى ومشروعيتها ، وهي كثيرة ومتنوعة ويمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: الأحاديت القولية، وتشمل إذنه ﷺ بالرقى وإقراره لها وأمره بها، وهي كالتالي:

стр. 138

الحديث الأول: حديث عائشة رضى الله عنها وقد سُئلت عن الرقية من الحمة، فقالت: "رخص النبي ﷺ في الرقية من كل ذي حمة (٣) " (٤). الحديث الثاني: حديث عائشة ﵂ أيضًا قالت: "أمرني رسول الله ﷺ أو أمر أن يُسترقى من العين" (٥). الحديث الثالث: حديث أم سلمة رضى الله عنها أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة (٦) فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة (٧) " (٨).

стр. 139

الحديث الرابع: حديث أبي سعيد رضى الله عنه قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها حتى نزلوا على حى من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيِّفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شىء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ وسعينا له بكل شىء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله لقد إستضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: (الحمد لله رب العالمين) فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبَة (٩)، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: "وما يدريك أنَّها رقية" ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا" فضحك رسول الله ﷺ (١٠). الحديث الخامس: حديث ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مرُّوا بماءٍ فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ فإن في الماء رجلًا

стр. 140

لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (١١). الحديث السادس: حديث أنس رضى الله عنه قال: "رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة (١٢) " (١٣). الحديث السابع: حديث جابر رضى الله عنه: رخص النبي ﷺ لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: "مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الحاجة؟ " قالت: لا ولكن العين تسرع إليهم، قال: "ارقيهم" قالت: فعرضت عليه، فقال: "ارقيهم" (١٤). الحديث الثامن: حديث جابر رضى الله عنه أيضًا قال: "أرخص النبي ﷺ في رقية الحية لبني عمرو". قال أبو الزبير: وسمعت جابر بن عبد الله يقول: لدغت رجلًا منا عقرب ونحن جلوس مع النبي ﷺ فقال رجل: يا رسول الله أرقى؟ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".

стр. 141

- وفي طريق آخر عن جابر ﵁ قال: كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نَهيت عن الرقى، وأنا أرقى من العقرب؟ فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل". -وفي طريق آخر -أيضًا- عن جابر رضى الله عنه قال: نَهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بِها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: "ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (١٥). الحديث التاسع: حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنَّا نرقى في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (١٦). الحديث العاشر: حديث عثمان بن أبي العاص الثقفى: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (١٧).

стр. 142

الحديث الحادي عشر: حديث بريدة بن حصيب الأسلمي: "لا رقية إلا من عين أو حمة (١٨) " (١٩). * القسم الثاني: الأحاديث الفعلية وهي على نوعين: * النوع الأول: رقيته ﷺ لنفسه ولغيره ، وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضًا أو أُتيَ به قال: "أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا" (٢٠). - وفي رواية لمسلم: "أن رسول الله ﷺ كان يرقي بِهذه الرقية: أذهب البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت" (٢١).

стр. 143

الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ عندما دخل عليه ثابت فقال: يا أبا حمزة اشتكيتُ، فقال أنس: ألا أرقيك برقية النبي ﷺ ؟ قال: بلى، قال: "اللهم اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقمًا" (٢٢). الحديث الثالث: حديث عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشىء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا -ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها-: "باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا" (٢٣). الحديث الرابع: حديث عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها (٢٤). * النوع الثاني: رقية غيره له ﵊ وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ

стр. 144

رقاه جبريل قال: "باسم الله يبْريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد وشر كل ذي عين" (٢٥). الحديث الثاني: حديث أبي سعيد رضى الله عنه أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم، قال: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك" (٢٦). الحديث الثالث: حديث عائشة رضى الله عنها: "أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها" (٢٧). وجميع ما سبق من الرقى تستعمل بعد وقوع المرض والبلاء لإزالته ورفعه وهناك من الرقى ما يستعمل للوقاية من المرض والبلاء قبل وقوعه (٢٨) ومن أمثلتها ما يلي: الحديث الأول: حديث عائشة رضى الله عنها: "أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بِهما ما استطاع من

стр. 145

جسده، يبدأ بِهما على رأسه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات" (٢٩). الحديث الثاني: حديث أبي مسعود رضى الله عنه قال: قال النبى ﷺ : "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (٣٠). الحديث الثالث: حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيتُ من عقرب لدغتنى البارحة. قال: "أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك" (٣١). الحديث الرابع: حديث خولة رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منْزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منْزله ذلك" (٣٢). الحديث الخامس: حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بِها إسماعيل
следующие страницы →