← Акыда

Акыда · id 123

أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (669 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

- وفي طريق آخر عن جابر ﵁ قال: كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نَهيت عن الرقى، وأنا أرقى من العقرب؟ فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل". -وفي طريق آخر -أيضًا- عن جابر رضى الله عنه قال: نَهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بِها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: "ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (١٥). الحديث التاسع: حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنَّا نرقى في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (١٦). الحديث العاشر: حديث عثمان بن أبي العاص الثقفى: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (١٧).

стр. 142

الحديث الحادي عشر: حديث بريدة بن حصيب الأسلمي: "لا رقية إلا من عين أو حمة (١٨) " (١٩). * القسم الثاني: الأحاديث الفعلية وهي على نوعين: * النوع الأول: رقيته ﷺ لنفسه ولغيره ، وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضًا أو أُتيَ به قال: "أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا" (٢٠). - وفي رواية لمسلم: "أن رسول الله ﷺ كان يرقي بِهذه الرقية: أذهب البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت" (٢١).

стр. 143

الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ عندما دخل عليه ثابت فقال: يا أبا حمزة اشتكيتُ، فقال أنس: ألا أرقيك برقية النبي ﷺ ؟ قال: بلى، قال: "اللهم اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقمًا" (٢٢). الحديث الثالث: حديث عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى الإنسان الشىء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا -ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها-: "باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا" (٢٣). الحديث الرابع: حديث عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها (٢٤). * النوع الثاني: رقية غيره له ﵊ وهي كالتالي: الحديث الأول: حديث عائشة رضى الله عنها أنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ

стр. 144

رقاه جبريل قال: "باسم الله يبْريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد وشر كل ذي عين" (٢٥). الحديث الثاني: حديث أبي سعيد رضى الله عنه أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم، قال: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك" (٢٦). الحديث الثالث: حديث عائشة رضى الله عنها: "أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها" (٢٧). وجميع ما سبق من الرقى تستعمل بعد وقوع المرض والبلاء لإزالته ورفعه وهناك من الرقى ما يستعمل للوقاية من المرض والبلاء قبل وقوعه (٢٨) ومن أمثلتها ما يلي: الحديث الأول: حديث عائشة رضى الله عنها: "أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم يمسح بِهما ما استطاع من

стр. 145

جسده، يبدأ بِهما على رأسه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات" (٢٩). الحديث الثاني: حديث أبي مسعود رضى الله عنه قال: قال النبى ﷺ : "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (٣٠). الحديث الثالث: حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيتُ من عقرب لدغتنى البارحة. قال: "أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك" (٣١). الحديث الرابع: حديث خولة رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منْزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منْزله ذلك" (٣٢). الحديث الخامس: حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بِها إسماعيل

стр. 146

وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة (٣٣) ومن كل عين لامَّة (٣٤) " (٣٥). بيان وجه التعارض وجه التعارض يتضح بالنظر إلى الأحاديث السابقة ففى حديث السبعين ألفًا قال ﷺ : "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون" فظاهره أن الرقى وما ذكر معها تنافي التوكل حيث جعلها النبي ﷺ في مقابل التوكل، فكأنه قال: إن هؤلاء لا يفعلون هذه الأشياء لتوكلهم على الله تعالى. وبالنظر إلى الأحاديث الأخرى نجد أنه ﷺ عمل بالرقى قولًا وفعلًا: أما قولًا: فإنه ﷺ أَذِنَ في الرقى بل أمر بِها. وأما فعلًا: فإنه ﷺ رقى نفسه ورقى غيره ورُقىَ من قِبَلِ جبريل ﵇ وعائشة رضى الله عنها، مع أنه ﷺ سيد المتوكلين، ولا يمكن لأحدٍ أن

стр. 147

يقدح في توكله ﷺ . إذًا فكيف نوفق بين هذه الأحاديث؟ هذا ما سوف يتضح في المطلب الثاني إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 148

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض اختلف أهل العلم في هذه المسألة (١) وسلكوا فيها عدة مسالك لا تخرج كلها عن مذهبين. أحدهما: مذهب الجمع. ثانيهما: مذهب النسخ، وإليك بيان ذلك. أولًا: مذهب الجمع: سلك هذا المذهب أكثر أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على ثلاثة أقوال وهى كالتالي: القول الأول: - هو أن الرقى والكى مكروهان مطلقًا وأَنَّهما قادحان في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب ومن أبرز أدلتهم على ذلك ما يلى: ١ - حديث السبعين ألفًا، فإنه ﷺ لمَّا سُئِلَ عنهم قال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون". قال الطحاوي: "وقد كره قوم الرقى واحتجوا في ذلك بحديث عمران ابن حصين" (٢).

стр. 149

وقال الحافظ ابن حجر: "فتمسك بِهذا الحديث من كره الرقى والكى من بين سائر الأدوية، وزعم أنَّهما قادحان في التوكل دون غيرهما" (٣). ٢ - قوله ﷺ : "من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل" (٤). فقالوا: إن هذه الأحاديث تدل على كراهة الرقى ومنافاتها للتوكل، وأما فعله ﷺ وأمره بِها وإقراره لها إنما هو لبيان الجواز. ٣ - التفريق بين الرقى والكي وبين سائر أنواع الطب وذلك أن الرقى والكى البرءُ فيهما أمر موهوم، وما عداهما محقق عادة كالأكل والشرب فلا يقدح (٥). وقد نسب ابن عبد البر هذا القول إلى داود بن علي وجماعة من أهل الفقه والأثر (٦).

стр. 150

القول الثاني: - أن الرقى جائزة غير مكروهة ولا قادحة في التوكل، وإلى هذا صار أكثر أهل العلم واستدلوا بما سبق ذكره من الأحاديث في جواز الرقى ومشروعيتها، حيث رَقى ﷺ ورُقىَ وأمر بالرقى وأقرها. وأما حديث السبعين ألفًا فقد أجابوا عنه بعدة أجوبة منها: ١ - ما قاله الطبري والمازري وغيرهما من أنه "يحمل ما في الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطباعها كما يقول بعض الطبائعيين، لا أنَّهم يفوضون الأمر لله سبحانه وحده" (٧). وقال المازري في موضع آخر: " .. وينهى عنها بالكلام الأعجمى ومالا (٨) يُعرف معناه لجواز أن يكون فيه كفر أو إشراك" (٩). وقريب منه ما ذهب إليه ابن قتيبة فإنه قال: "الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وذكره وكلامه في كتبه، وأن يعتقد أنها نافعة لا محالة وإياها أراد بقوله: "ما توكل من استرقى" ولا يكره ما كان من التعوذ بالقرآن وبأسماء الله " (١٠). ٢ - ما قاله الداوودي وطائفة من أن "المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من استعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا" (١١).

стр. 151

واختار هذا القول ابن عبد البر ﵀ حيث قال: "لا أعلم خلافًا بين العلماء في جواز الرقية من العين والحمة -وهي لدغة العقرب- وما كان مثلها إذا كانت الرقية بأسماء الله وبما يجوز الرَّقْي به، وكان ذلك بعد نزول الوجع والبلاء به" (١٢). وكذا اختار هذا القول البيهقى (١٣). ٣ - ما قاله الحليمى من أنه: يحتمل أن يكون المراد بِهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقي الرقاة ولا يحسنون من ذلك شيئًا، والله أعلم" (١٤). ٤ - وقال الخطابي: "فأمَّا قوله: "هم الذين لا يسترقون" فليس في ثنائه على هؤلاء ما يُبطل جواز الرقية التي قد أباحها، ووجه ذلك أن يكون تركها من ناحية التوكل على الله والرضا بما يقضيه من قضاء وينْزله من بلاء، وهذا من أرفع درجات المؤمنين المتحققين بالإيمان، وقد ذهب هذا المذهب من صالحي السلف: أبو الدرداء وغيره من الصحابة" (١٥). واختار هذا القول ابن الأثير والقاضى عياض والنووي عليهم رحمة الله. قال ابن الأثير: "فهذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها" (١٦).

стр. 152

وقال القاضي عياض بعد ذكره لكلام الخطابي: "وهذا هو ظاهر الحديث" (١٧): وقال النووي: "والظاهر من معني الحديث ما اختاره الخطابي ومن وافقه كما تقدم .. وأما تطبب النبي ﷺ ففعله ليبين لنا الجواز والله أعلم" (١٨). قال ابن حجر: "ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي ﷺ فعلًا وأمرًا لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله لأنه كان كامل التوكل يقينًا فلا يؤثر فيه تعاطى الأسباب شيئًا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل" (١٩). القول الثالث: - ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم واختاره ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله، وهو التفريق بين فعل الرقية وبين طلبها، ففعل الرقية سواء بنفسه أو بغيره فضل وإحسان، وطلبها مكروه قادح في التوكل. واستدل ﵀ بما يلى: ١ - ما ورد في حديث السبعين ألفًا حيث جاء بلفظ "ولا يسترقون" وذلك لأن هذه الصيغة فيها معني الطلب، أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم لأن وزن "استفعل بمعني طلب الفعل مثل: استغفر أي طلب المغفرة" (٢٠).

стр. 153

٢ - أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه رقى نفسه وغيره ولم يثبت عنه أنه كان يسترقى، وحاله ﷺ أكمل الأحوال. ٣ - أن هناك فرقًا بين الراقى والمسترقي: فالمسترقي سائل مستعطٍ ملتفت إلى غير الله بقلبه والراقي محسن نافع وقد قال ﷺ وقد سُئِل عن الرقى: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (٢١). وأما ما ورد في صحيح مسلم من رواية سعيد بن منصور: "ولا يرقون" فقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّها وهم وغلط من الراوي فقال ﵀: "وقد رُوي فيه "ولا يرقون" وهو غلط، فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة، وكان النبي ﷺ يرقى نفسه وغيره ولم يكن يسترقى، فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره، وهذا مأمور به فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم وموسى، وغيرهم" (٢٢). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "والنبي ﷺ لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببًا للسبق إلى الجنان، وهذا بخلاف ترك الاسترقاء فإنه توكلٌ على الله ورغبة عن سؤال غيره ورضاءٌ بما قضاه، وهذا شىء وهذا شىء" (٢٣). وقال الألباني عن رواية "لا يرقون": "شاذة تفرد بِها شيخ مسلم سعيد بن منصور" (٢٤).

стр. 154

ثانيًا: مذهب النسخ: ذهب الطحاوي إلى أن ما جاء في حديث عمران منسوخ بما جاء من الأحاديث في إباحة الرقى واستدل على ذلك بما يلي: ١ - الأحاديث التي فيها لفظة "رخص" فإنه لمَّا ذكر حديث "رخص رسول الله ﷺ في الرقية من كل ذي حمة" قال: "فهذا فيه دليل على أنه كان بعد النهى لأن الرخصة لا تكون إلا من شيء محظور" (٢٥). ٢ - الأحاديث التي فيها أنه ﷺ كان ينهى عن الرقى ثم أجازها ومن ذلك: حديث جابر رضى الله عنه قال: كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى قال: فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نَهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب، فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " (٢٦). - وفي طريق آخر قال: نَهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو ابن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بِها من العقرب فقالوا: وإنك نَهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: "ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (٢٧). قال الطحاوي بعد سياقه لهذه الأحاديث وغيرها: "فثبت بما ذكرنا أن ما رُوي في إباحة الرقى ناسخ لما رُوي في النهى عنها" (٢٨). * * *

стр. 155

المطلب الثالث الترجيح الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم بالصواب- هو القول الثالث من مذهب الجمع وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من التفريق بين فعل الرقية وبين طلبها، فطلبها مكروه قادح في كمال التوكل، وفعلها جائز مشروع ويشهد لهذا ما يلى: ١ - قوله ﷺ : "من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل" (١) فجعل ﷺ الاسترقاء هو المنافي للتوكل. ٢ - حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ بِها لمم (٢) فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني قال: "إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئتِ صبرتِ ولا حساب عليكِ" -زاد الحاكم: "ولا عذاب"- قالت: بل أصبر ولا حساب عليّ (٣). "فهذا الحديث يوافق حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب والذي فيه أنَّهم لا يسترقون، فأرشدها ﷺ إلى الأفضل وهو ترك

стр. 156

الاسترقاء حتي تدخل الجنة بغير حساب، ولعل الرسول ﷺ قد علم من حالها قوة صبرها واحتمالها حيث إنه ﷺ لم يقل هذا القول لكل من طلب منه الرقية" (٤). وأما رواية "ولا يرقون" فهى غلط من الراوي لا سيما وأنَّها لم ترد إلا من طريق سعيد بن منصور عند مسلم مع أن البخاري روى هذا الحديث من طريق آخر -كما تقدم- ولم ترد هذه اللفظة فيه، ورواه أيضًا مسلم من حديث عمران بن حصين -كما تقدم- ولم ترد هذه اللفظة فيه مما يدل على أَنها شاذة، والله أعلم. وقد اعتُرِض على هذا القول بعدة اعتراضات ذكرها الحافظ ابن حجر ﵀ وهى كالتالي: ١ - "أن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم واعتمد مسلم على روايته هذه. ٢ - وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه. ٣ - أن المعني الذي حمله على التغليط موجود في المرقى (٥)، لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال له: والذي يفعل غيره به ذلك ينبغى أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكل. ٤ - وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي ﷺ له أيضًا دلالة لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام" (٦).

стр. 157

ولكن هذه الاعتراضات تصدى لها الشيخ سليمان بن عبد الله وأجاب عنها فقال بعدما ساق هذه الاعتراضات: "كذا قال هذا القائل وهو خطأ من وجوه: الأول: أن هذه الزيادة لا يمكن تصحيحها إلا بحملها على وجوه لا يصح حملها عليه، كقول بعضهم: المراد لا يرقون بما كان شركًا أو احتمله، فإنه ليس في الحديث ما يدل على هذا أصلًا، وأيضًا فعلى هذا لا يكون للسبعين مزية على غيرهم، فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركًا. الثاني: قوله: فكذا يقال .. إلخ لا يصح هذا القياس، فإنه من أفسد القياس، وكيف يقاس من سأل وطلب على من لم يسأل؟ ! مع أنه قياس مع وجود الفارق الشرعي، فهو فاسد الاعتبار، لأنه تسوية بين ما فرق الشارع بينهما بقوله ﷺ : "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " .. وكيف يجعل ترك الإحسان إلى الخلق سببًا للسبق إلى الجنان؟ ! وهذا بخلاف من رَقى أو رُقىَ من غير سؤال، فقد رقى جبريل النبي ﷺ ، ولا يجوز أن يقال: إنه ﵇ لم يكن متوكلًا في تلك الحال. الثالث: قوله: ليس في وقوع ذلك من جبريل ﵇ .. إلخ، كلام غير صحيح بل هما سيدا المتوكلين، فإذا وقع ذلك منهما دلّ على أنه لا ينافي التوكل، فاعلم ذلك" (٧). وأما ما ورد عنه ﷺ من أمره بالاسترقاء كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "أمرني رسول الله ﷺ أو أمر أن يُسترقى من العين". وكما في حديث أم سلمة رضى الله عنها: أن النبي ﷺ رأى في بيتها

стр. 158

جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بِها النظرة". فعنه جوابان: أحدهما: أن "هذا مخصوص من العموم بقول الرسول ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حمة" أي لا رقية أنفع، فلأجل عظم الرقية بإذن الله في العين والحمة رخص رسول الله ﷺ في طلب الرقية فيهما، ولا ينافي هذا تمام التوكل" (٨). ثانيهما: حمل حديث "ولا يسترقون" على كراهية طلب الرقية وأن طلبها ينافي كمال التوكل كما تقدم. وحمل أحاديث الأمر بالاسترقاء على الرخصة في ذلك وبيان الجواز (٩). وقد نص بعض أهل العلم على استحباب الرقية وسنيتها إذا كانت بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ كالخطابي (١٠) والنووي (١١) والبغوي (١٢) وابن مفلح (١٣) والعراقي (١٤) والمناوي (١٥) وحافظ الحكمي (١٦). وفصَّل السعدي ﵀ الحكم فيها فقال: "أما الرقى ففيها تفصيل: - فإن كانت من القرآن أو السنة أو الكلام الحسن فإنَّها مندوبة في حق الراقي لأنَّها من باب الإحسان ولما فيها من النفع، وهي جائزة في حق المرقي إلا أنه لا ينبغى له أن يبتدئ بطلبها، فإن من كمال توكل العبد وقوة يقينه أن لا

стр. 159

يسأل أحدًا من الخلق لا رقيةً ولا غيرها .. - وإن كانت الرقية يُدعى بها غير الله ويطلب الشفاء من غيره فهذا هو الشرك الأكبر لأنه دعاء واستغاثة بغير الله. فافهم هذا التفصيل وإياك أن تحكم على الرقى بحكم واحد مع تفاوتِها في أسبابِها وغايتها" (١٧). وهذا التفصيل من السعدي ﵀ هو فحوى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. مناقشة الأقوال المرجوحة: أولًا: مناقشة مذهب الجمع: - أما ما استدل به أصحاب القول الأول فمتعقب بما يلى: ١ - أن ما استدلوا به من الأحاديث إنما هو في الاسترقاء، وفرق بين فعل الرقية وبين الاسترقاء الذي هو طلب الرقية -كما تقدم-. ٢ - وأما التفريق بين الرقى والكي وبين سائر الأدوية، فقد ردَّ عليه القرطبي فقال: "وهذ فاسد من وجهين: أحدهما: أن أكثر أبواب الطب موهومة كالكى فلا معني لتخصيصه بالكى والرقى. وثانيهما: أن الرقى بأسماء الله تعالى هو غاية التوكل على الله تعالى فإنه التجاءٌ إليه، ويتضمن ذلك رغبته له، وتبركًا بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضر والبلاء، فإن كان هذا قادحًا في التوكل فليكن الدعاء والأذكار قادحًا في التوكل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ ! وقد رقى النبى ﷺ واسترقى ورقاه

стр. 160

جبريل وغيره، ورقته عائشة وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكل ومانعةً من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكل لم يتم للنبي ﷺ ولا لأحدٍ من الخلفاء، ولا يكون أحدٌ منهم في السبعين ألفًا، مع أنهم أفضل من وافى القيامة بعد الأنبياء ولا يتخيَّل هذا عاقل" (١٨). - وأما ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني فإنه ليس فيه إعمال لجميع الأدلة، وإجاباتُهم على حديث السبعين ألفًا يمكن الإيراد عليها كما يلى: - - أما ما ذهب إليه المازري والطبري وابن قتيبة وغيرهم في تأويل حديث "ولا يسترقون" فإنه متعقب بما قاله القاضى عياض عنه: "ولا يستقيم هذا التأويل على مساق الحديث لأن النبي ﷺ لم يذمّ هنا من قال بالكى والرقى ولا كفرهم كما جاء في حديث الاستمطار بالنجوم .. وإنما أخبر أن هؤلاء لهم مزية وفضيلة بدخولهم الجنة بغير حساب .. وأخبر أن لهؤلاء مزيد خصوص على سائر المؤمنين وصفات تميَّزوا بِها ولو كان على ما تأوّله قبلُ لما اختص هؤلاء بِهذه المزية لأن تلك عقيدة جميع المؤمنين ومن اعتقد خلاف ذلك كفر" (١٩). كما لا يستقيم القول بأن المكروه منها ما كان بغير أسماء الله تعالى لأن هذا محرم وليس مكروهًا فقط، وقد شذ القرطبي ﵀ عندما قال: "المقصود: اجتناب رقى خارج عن القسمين: كالرقى بأسماء الملائكة والنبيين والصالحين، أو بالعرش والكرسى والسماوات والجنة والنار وما شاكل ذلك مما يعظم كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى.

стр. 161

فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور الذي يعم اجتنابه، وليس من قبيل الرقى الذي هو التجاء إلى الله تعالى وتبرك بأسمائه، وكأن هذا القسم المتوسط يُلحق بما يجوز فعله، غير أن تركه أولى" (٢٠). كما لا يستقيم أيضًا القول: بأن المكروه منها ما صَاحَبَه اعتقاد نفعها لا محالة لأن هذا فيه التفات إلى السبب، والالتفات إلى السبب شرك أصغر وقد يغلظ حسب اعتقاد صاحبه. - وكذلك ما ذهب إليه الداوودي وابن عبد البر وغيرهما مِنْ حمل حديث: "ولا يسترقون" على ما كان في حال الصحة قبل نزول البلاء، متعقب بما سبق بيانه في كون الرقى منها ما يكون قبل نزول البلاء ومنها ما يكون بعد نزوله وسبقت الإشارة إلى أدلة ذلك. ولذلك قال الحافظ ابن حجر: وهذا "معترض بما قدمته من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء" (٢١). وقال النووي: "قال كثيرون أو الأكثرون: يجوز الاسترقاء للصحيح لما يُخاف أن يغشاه من المكروهات والهوام" (٢٢)، ثم استدل ﵀ ببعض الأحاديث التي سبق ذكرها. - وكذلك ما ذهب إليه الحليمى من حمل الحديث على قوم غفلوا عن أحوال الدنيا فهم لا يعرفون الاكتواء أو الاسترقاء .. فإنه يَرِدُ عليه أن قوله "ولا يسترقون" يدل على أنَّهم يعرفون الرقى

стр. 162

لكنهم لا يطلبونَها. وعلى فرض أنَّهم لا يعرفونَها فإنَّهم لا يثابون على تركها لأن من شرط الثواب على الأعمال: الإرادة والقصد، فترك الشىء لعدم العلم به أو القدرة عليه ليس فيه فضل ومزيَّة بخلاف ترك الشيء احتسابًا للأجر وطلبًا للثواب فإنه يثاب عليه، ومثل ذلك من ترك المعصية لعدم العلم بِها أو القدرة عليها فإنه ليس بمنْزلة من تركها خوفًا من الله وطمعًا في ثوابه، والله أعلم. - وأما ما ذهب إليه الخطابي وغيره من أن المراد من قوله "ولا يسترقون": ترك الرقى توكلًا على الله .. فإنه متعقب بأن فعل الأسباب -والتي من بينها الرقى- لا ينافي التوكل. ثانيًا: مناقشة مذهب النسخ: - وأما مذهب النسخ فيُجاب عنه بما يلى: ١ - أن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو هنا غير متعذر وقد سبق بيان أوجه الجمع. ٢ - وأما ما ورد في بعض الأحاديث بلفظ "رخص" فليس معناه أن هذه الرقية التي رُخص فيها كان منهيًّا عنها ثم أُجيزت، وإنما معناه أنه ﷺ سُئل عنها فأذن بِها ولو سُئل عن غيرها لأذن فيه، قال النووي ﵀ عند حديث "رخص في الرقية من العين والحمة والنملة": "ليس معناه تخصيص جوازها بِهذه الثلاثة، وإنما معناه: سُئل عن هذه الثلاثة فأذن فيها ولو سُئل عن غيرها لأذن فيه وقد أذن لغير هؤلاء، وقد رقى هو ﷺ في غير هذه الثلاثة، والله أعلم" (٢٣). ٣ - وأما ما ورد من كونه ﷺ نَهى عن الرقى ثم أجازها فليس المنهى عنه

стр. 163

هو الرقى الشرعية وإنما المنهي عنه ما كان شركًا أو فيه شرك أو كان غير مفهوم المعني ويدل على ذلك ما يلي: أ - أنه ﷺ قال: في آخر الحديث الذي فيه: "إنك نَهيت عن الرقى" وفي طريق آخر: "نَهى رسول الله ﷺ عن الرقى" قال في آخره: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" وفي رواية "فلينفعه". ففى هذا بيان منه ﷺ إلى أن المنهى عنه من الرقى ليس هو الرقى الشرعية التي فيها نفع وإحسان إلى الغير، وإنما المنهى عنه نوع آخر من الرقى وهو الرقى الشركية كما يدل على ذلك الحديث الآتي. ب - قوله ﷺ كما في حديث عوف بن مالك الأشجعى رضى الله عنه: "اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (٢٤). وعلى هذا يُحمل حديث: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (٢٥). قال الخطابي: "فأما الرقى المنهى عنه هو ما كان منها بغير لسان العرب فلا يُدرى ما هو ولعله قد يُدخله سحرًا أو كفرًا، وأما إذا كان مفهوم المعني وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به، والله أعلم" (٢٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا نَهى العلماء عن التعازيم والأقسام الى يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغره التى تتضمن الشرك

стр. 164

بل نَهوا عن كل ما لا يُعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى المشروعة فإنه جائز" (٢٧). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "الرقى: هى التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" (٢٨). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "الرقى الموصوفة بكونِها شركًا هي الرقى التي منها شرك من دعاء غير الله والاستغاثة والاستعاذة به كالرقى بأسْماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك، أما الرقى بالقرآن وأسماء الله تعالى وصفاته ودعائه والاستعاذة به وحده لا شريك له فليست شركًا بل ولا ممنوعة، بل مستحبة أو جائزة" (٢٩). شروط الرقية: قد وضع أهل العلم للرقية ضوابطَ وشروطًا متي توفرت أبيحت الرقية فإذا تخلف منها شرط حَرُمت ومنعت، وهى كالتالي: ١ - أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته. ٢ - أن تكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه من غيره. ٣ - أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتِها بل بذات الله تعالى. وهذه الشروط حكى الحافظ ابن حجر ﵀ الإجماع على جواز الرقية عند اجتماعها (٣٠).

стр. 165

الخلاصة في حكم الرقى: تبيَّن مما سبق أن حكم الرقية يختلف باختلاف حال الراقى والمرقى والمرقى به: ١ - فإذا كانت الرقية بكتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ أو الكلام الحسن: أ - فهى مندوبة في حق الراقى، لأنَّها نفع وإحسان وقد قال ﷺ : "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه". ب - وجائزة في حق المرقى حيث رَقى ﷺ ورُقيَ وأذن في الرقية وأمر بِها. ج - ومكروهة في حق المسترقى لقوله ﷺ في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: "ولا يسترقون" ولقوله ﷺ أيضًا: "من اكتوى أو استرقى فهو بريء من التوكل". ٢ - وإذا كانت الرقية بغير الكتاب والسنة أو تخلف شرط من شروطها التي سبق ذكرها فهى محرمة وقد تصل إلى الشرك والكفر. والله أعلم. * * *

стр. 166

المبحث الرابع الكَيّ وفيه ثلانة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *

стр. 167

المطلب الأول ذكر الأحاديت التى قد يوهم ظاهرها التعارض قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على تركه، والرابع: النهى عنه" (١). وكل هذه الأنواع جاءت أحاديث الصحيحين بِها: - أولًا: ما ورد من فعله (٢): الحديث الأول: ما جاء في حديث جابر ﵁ قال: رُمى سعد بن معاذ في أكحله (٣) قال: "فحسمه (٤) النبي ﷺ بيده في مشقص (٥) ثم ورمت فحسمه الثانية" (٦). الحديث الثاني: عن جابر رضى الله عنه أيضًا قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى أُبَيِّ بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه". - وفي طريق آخر قال جابر بن عبد الله: "رُمي أبي يوم الأحزاب على

стр. 168

أكحله، فكواه رسول الله ﷺ " (٧). الحديث الثالث: عن أنس رضى الله عنه قال: "كويت من ذات الجنب (٨) ورسول الله ﷺ حيٌّ" (٩). ثانيًا: ما ورد من عدم محبته له: ما جاء فى حديث جابر رضى الله عنه قال: سمعت النبى ﷺ يقول: "إن كان في شيء من أدويتكم -أو يكون في شيء من أدويتكم- خيرٌ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أُحب أن أكتوي" (١٠). ثالثًا: ما ورد في الثناء علي تركه: ما جاء في حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم: "الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون" (١١). ويعضده حديث عمران ﵁ قال: "وقد كان يُسلم عليَّ حتى اكتويت فتُرِكت ثم تَرَكت الكيَّ فعاد" (١٢).

стр. 169

رابعًا: ما ورد من النهي عن الكي: ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كيَّة بنار، وأنا أنْهى أمتي عن الكي" (١٣). بيان وجه التعارض وجه التعارض في أحاديث الكي هو عدم اتفاقها على حكم واحد في الكي، فمن الأحاديث ما يفيد جواز الكي كما في فعله ﷺ ، ومن الأحاديث ما يفيد كراهته كما في عدم محبته ﷺ له ونَهيه عنه والثناء على تركه. وبالتالي فهل نأخذ بأحاديث الجواز ونطرح أحاديث النهى، أم نعكس الحكم فنأخذ بأحاديث النهى ونطرح أحاديث الجواز، أم نُعمل الأحاديث كلها فنحمل كل نوع من الأحاديث على معني صحيح وموضع مناسب لا يتعارض مع بقية الأحاديث؟ هذا ما سوف يفصح عنه المطلب الثاني. * * *

стр. 170

المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض جاءت أقوال أهل العلم في هذه المسألة تمثل عدة مسالك لا تخرج كلها عن مذهب الجمع، وقبل الخوض في هذه المسالك لابد من بيان أن جميع أصحاب هذه المسالك قالوا بجواز الكى في أصله. واستندوا في ذلك إلى أدلة الجواز كما في فعله ﷺ له، ونسبة الشفاء إليه. كما استدلوا بعموم الأدلة المبيحة للتداوي كقوله ﷺ : "لكل داء دواء فإذا أُصيب دواءُ الداءِ برأ بإذن الله " (١). وقوله ﷺ : "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء" (٢). وقوله ﷺ : " .. تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواء غير داءٍ واحد: الهرم" (٣). ويبقى الخلاف بينهم في أحاديث النهي والكراهة على ماذا تحمل؟

стр. 171

فبعضهم حملها على وضع معيّن ينهى عن الكى فيه، وبعضهم وضع شروطًا وضوابط متي توفرت جاز الكى وإلا كُره، وفيما يلى ذكرُ مسالكهم في ذلك بالتفصيل: المسلك الأول: ما ذهب إليه ابن قتيبة ﵀ وهو التفريق بين جنسين من الكى: أحدهما: كى الصحيح لئلا يعتل، وهذا هو المنهى عنه. وثانيهما: كى الجرح إذا فسد، والعضو إذا قُطع، وهذا هو الجائز الذي فيه الشفاء. قال ﵀: "والكى جنسان: أحدهما: كى الصحيح لئلا يعتل، كما يفعل كثير من أمم العجم، فإنَّهم يكوون ولدانَهم وشبانَهم من غير علة بهم، يرون أن ذلك الكى يحفظ لهم الصحة ويدفع عنهم الأسقام .. وكانت العرب تذهب هذا المذهب في جاهليتها، وتفعل شبيهًا بذلك في الإبل إذا وقعت النقبة فيها وهو جرب أو العُرّ وهو قروح تكون في وجوهها ومشافرها، فتعمد إلى بعير منها صحيح فتكويه ليبرأ منها ما به العُرّ أو النقبة. وقد ذكر ذلك النابغة في قوله للنعمان: فحملتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العُرِّ يكوى غيره وهو راتع وهذا هو الأمر الذي أبطله رسول الله ﷺ .. وأما الجنس الآخر: فكيُّ الجرح إذا نَغِل (٤) وإذا سال دمه فلم ينقطع،

стр. 172

وكىُّ العضو إذا قُطع .. وهذا هو الكي الذي قال النبي ﷺ : "إن فيه الشفاء" (٥). وإلى هذا المسلك ذهب الطحاوي أيضًا، واستدل عليه بقوله ﷺ في حديث جابر: " .. أو لذعة نار توافق الداء" فقال: "فإذا كان في هذا الحديث أن لذعة النار التي توافق الداء مباحة -والكى مكروه، وكانت اللذعة بالنار كيَّة- ثبت أن الكى الذي يوافق الداء مباح، وأن الكي الذي لا يوافق الداء مكروه" (٦). المسلك الثاني: ما ذهب إليه ابن عبد البر وهو أن الكي مباح، وأما أحاديث النهي فتُحمل على أفضلية ترك الكي ثقة بالله وتوكلًا عليه ويقينًا بما عنده. قال ﵀: "فمن ترك الكي ثقة بالله وتوكلًا عليه كان أفضل، لأن هذه منْزلة يقين صحيح وتلك منزلة رخصة وإباحة" (٧). المسلك الثالث: ما ذهب إليه الخطابي من أن الكي داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه، وأما أحاديث النهى فقد أورد ثلاث احتمالات لها. فقال ﵀: "وأما حديث عمران بن حصين في النهي عن الكى (٨)

стр. 173

فقد يحتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون من أجل أنَّهم كانوا يعظمون أمره، ويقولون آخر الدواء الكى، ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معني التوكل على الله سبحانه وطلب الشفاء .. وثانيها: أن يكون معني نهيه عن الكي هو أن يفعله احترازًا من الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية وذلك مكروه وإنما أُبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة ودُعاء الضرورة إليه، ألا ترى أنه إنما كوى سعدًا حين خاف عليه الهلاك من الترف. وثالثها: أن يكون إنما نَهى عمران خاصة عن الكى في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع، ألا تراه يقول: "فما أفلحنا ولا أنجحنا" وقد كان به الناصور (٩)، فلعله إنما نهاه عن استعمال الكى في موضعه من البدن، والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورًا والكى في بعض الأعضاء يعظم خطره وليس كذلك في بعض الأعضاء، فيشبه أن يكون النهى منصرفًا إلى النوع المخوف منه، والله أعلم" (١٠). وقال بِهذه الوجوه مجتمعة ابن رسلان كما نقل ذلك عنه الشوكاني (١١) عليهما رحمة الله.

стр. 174

المسلك الرابع: أن الكي جائز غير مكروه بشرطين هما: ١ - إذا دعت الحاجة إليه، ولا يمكن الاستغناء عنه بغيره بل تعيَّن كونه طريقًا للعلاج. ٢ - وإذا اعتقد أن الشفاء بيد الله تعالى وأن الكي مجرد سبب فقط. فإذا استعمله مع إمكان الاستغناء عنه بغيره من الأدوية كُره. وعلى هذا تُحمل أحاديث النهي، وعضدوا قولهم بالكراهة في هذه الحالة بقوله ﷺ : "لا تعذبوا بعذاب الله" (١٢). وإلى هذا ذهب القرطبي والمناوي والشوكاني عليهم رحمة الله. قال القرطبي: "وكى النبي ﷺ لأُبيّ وسعد دليل على جواز الكي والعمل به إذا ظنَّ الإنسان منفعته، ودعت الحاجة إليه، فيُحمل نَهيه ﷺ عن الكي على ما إذا أمكن أن يُستغني عنه بغيره من الأدوية، فمن فعله في محلِّه وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهًا في حقه ولا منقِّصًا له في فضله، ويجوز أن يكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب كيف لا وقد كوى النبي ﷺ سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز له عرش الرحمن، وأُبي بن كعب رضى الله عنه المخصوص بأنه أقرأ الأمة للقرآن؟ ! وقد اكتوى عمران بن حصين، فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفًا ففساد كلامه لا يخفى، وعلى هذا البحث: فيكون قوله ﷺ في السبعين ألفًا: أنَّهم هم الذين لا يكتوون، إنما يعني به: الذي يكتوي وهو يجد عنه غني، والله أعلم" (١٣).

стр. 175

وقال المناوي: "الكى لا يُترك مطلقًا ولا يُستعمل مطلقًا، بل عند تعيُّنه طريقًا للشفاء، وعدم قيام غيره مقامه، مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى والتوكل عليه" (١٤). وقال أيضًا: "نهى عن الكي" نَهى تنْزيه حيث أمكن الاستغناء عنه بغيره لأنه يشبه التعذيب بعذاب الله الذي نَهى عنه، ولما فيه من الألم الذي ربما زاد على ألم المرض، أما عند تعينه طريقًا فلا يكره فقد كوى النبي ﷺ .. " (١٥). وقال الشوكاني: "وقد جاء النهي عن الكى وجاءت الرخصة فيه، والرخصة لسعد لبيان جوازه حين لا يقدر الرجل أن يداوي العلة بدواءٍ آخر، وإنما ورد النهي حيث يقدر الرجل على أن يداوي العلة بدواءٍ آخر لأن الكي فيه تعذيب بالنار ولا يجوز أن يعذب بالنار إلا رب النار وهو الله تعالى ولأن الكي يبقى منه أثر فاحش" (١٦). المسلك الخامس: ما ذهب إليه ابن القيم وابن حجر عليهما رحمة الله وهو أن أحاديث الكي تضمنت أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على تركه، والرابع النهى عنه. - ففعله ونسبة الشفاء إليه يدل على الجواز. - وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، بل هو من جنس تركه أكل الضب مع تقريره أكله على مائدته واعتذاره بأنه يعافه (١٧).

стр. 176

- وأما الثناء على تركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل. - وأما النهى عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يُحتاج إليه، بل يُفعل خوفًا من حدوث الداء أو عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء (١٨). وهذا المسلك قريبٌ جدًّا من سابقه إلا أن فيه زيادة تفصيل وذلك بتوجيه كل نوع من الأحاديث على حدة، والله أعلم. المسلك السادس: وهو أن الكى والرقى مكروهان مطلقًا وأنَّهما قادحان في التوكل بخلاف سائر أنواع الطب. وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول وأدلته والرد عليه في المبحث السابق بما يغني عن إعادته. * * *

стр. 177

المطلب الثالث الترجيح لا شك أن لكل مسلك من المسالك السابقة وجهته ووجاهته وكلها مسالك مُحتملة، وبعضها متقاربة. والذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الكى لا يمكن أن يُحكم عليه بحكم واحد، بل هو كما قال ابن حجر والمناوي عليهما رحمة الله بأنه "لا يترك مطلقًا ولا يستعمل مطلقًا (١) وبالتالي يمكننا القول بأن الكي يعتريه ثلاثة أحكام، فتارة يكون جائزًا بدون كراهة وتارة يكون مكروهًا، وتارة ثالثة يكون محرمًا، وإليك تفصيل ذلك: أ - فهو جائز إذا توفرت فيه الشروط التالية: ١ - إذا دعت الحاجة إليه، قال ابن عبد البر: "ما أعلم بينهم خلافًا أنهم لا يرون بأسًا بالكي عند الحاجة إليه" (٢). ٢ - وإذا لم يمكن الاستغناء عنه بغيره، بل تعيَّن كونه طريقًا للعلاج كما لو نزف الدم منه بشدة ولم يمكن إيقافه إلا بالكى وإلا مات، وقد يقال بوجوبه في هذه الحالة لأن عدم فعله فيه تعريض النفس للهلاك ولذلك كوى النبي ﷺ سعد بن معاذ عندما نزف الدم منه وخشى عليه الهلاك. ٣ - وإذا اعتقد أن الشفاء بيد الله تعالى وأن الكى مجرد سبب فقط. ب - وهو مكروه في الحالات التالية:

стр. 178

١ - إذا أمكن الاستغناء عنه بغيره، لما فيه من شدة الألم التي قد تفوق أحيانًا ألم المرض. ٢ - إذا كان قبل نزول البلاء والمرض وذلك لحفظ الصحة ودفع البلاء قبل وقوعه، وكُره في هذه الحالة لما فيه من ضعف التوكل على الله تعالى واستعجال الألم لشيء لم يقع، وإنما يُخشى وقوعه، وقد يُقال بتحريمه في هذه الحالة لما فيه من التعذيب بعذاب الله المنهى عنه. ج - وهو محرم إذا صَاحَبَه غلوٌّ في نسبة الشفاء إليه مما يترتب عليه نسيان المسبب الحقيقي -الذي هو الله تعالى- والالتفات إلى السبب المخلوق، والالتفات إلى الأسباب شرك فى التوحيد، والله أعلم. وبِهذا نكون قد أعملنا جميع الأدلة على وجه لا تناقض فيه ولا اختلاف، فعلى الحكم الأول تحمل أحاديث الجواز وعلى الحكمين الآخرين -الكراهة والتحريم- تحمل أحاديث النهي. والله أعلم. وأما ما ذهب إليه ابن عبد البر ﵀ من حمل أحاديث النهي على أفضلية ترك الكى ثقة بالله وتوكلًا عليه .. إلخ. فيُجاب عنه بأن فعل الأسباب لا ينافي اليقين والتوكل على الله تعالى بل إن التوكل على الله تعالى يعتبر أعظم الأسباب نفعًا فكيف ينافيها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتِها قدرًا وشرعًا. وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة،

стр. 179

ويضعفه من حيث يظن معطِّلها أن تركه أقوى في التوكل، فإن تركها عجزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بدَّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (٣). * * *

стр. 180

المبحث الخامس ما جاء في الحلف بغير الله تعالى وفيه ثلاثة مطالب • المطلب الأول: ذكر الأحاديث التي قد يوهم ظاهرها التعارض • المطلب الثاني: مذاهب العلماء تجاه هدا التعارض • المطلب الثالث: الترجيح * * *
следующие страницы →